سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض (١٣٢)
دفع دعوى المعارض العقليّ عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد
"دراسة لما في الصحيحين"
تأليف
عيسي بن محسن بن عيسى النعمي
غفر الله ولوالديه وللمسلمين
مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض
стр. 2
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧]
* * * * *
بصائر
"إذا رأيت من أدلة الدين ما يشكل عليك، وينبو فهمك عنه = فاعلم أنه لعظمه وشرفه استعصى عليك، وأن تحته كنزًا من كنون العلم، ولم تؤت مفتاحه بعد في حق نفسك).
الإمام ابن قيم الجوزية ﵀
"مدارج السالكين" (٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥)
* * *
(حض القرآن على ﴿تَتَفَكَّرُوا﴾ القرآنية المتواصلة لا يمكن تحليلها بطريقة أخرى إلا باعتبارها إيمانا جازما، ووعدا بالا تقوم شهادة العقل والحواس بخنق إيمان الروح؛ أي: في نقطة معيّنة وفي أفق معين، العلم المجسد بالنظر، والدين المجسد بالإيمان؛ ليسا في صراع، وإنما قد تتعاونان الواحدة مع الأخرى، وهنا أفق أسميه = أفق الإسلام).
علي عزت بيقوفتش ﵀
"هروبي إلى الحرية" (٢٩٠)
أصل هذه الرسالة أطروحة علمية حاز بها المؤلف درجة الماجستير في "العقيدة" من كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى بتقدير ممتاز مع التوصية بالطبع والتداول بين الجامعات
стр. 3
دفع دعوى المعارض العقليّ
عن
الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد
стр. 4
(ح) مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، ١٤٣٤ ه
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
النعمي، عيسى محسن عيسي
دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد: دراسة لما في الصحيحين. / عيسي محسن عيسي النعمي.- الرياض، ١٤٣٤ ه
٨٧٨ ص؛ ١٧ × ٢٤ سم. - (سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج؛ ١٤٣٤ ه)
ردمك: ٣ - ٥٨ - ٨٠٣٤ - ٦٠٣ - ٩٧٨
١ - العقيدة الإسلامية - دفع مطاعن أ. العنوان ب. السلسلة
ديوي ٢٤٠
١٧٨٨/ ١٤٣٤
جميع حقوق الطبع محفوظة لدار المنهاج بالرياض
الطبعة: الأولى، ١٤٣٥ م
مكتبة دار المنهاج
للنشر والتوزيع الملكة العربية السعودية الرياض
المركز الرئيسي - الدائري الشرقي - مخرج ١٥ - جنوب أسواق المجد
ت: ٤٤٠١٢٢٩ - ص ب: ٥١٩٢٩ - الرياض ١١٥٥٣
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقريظ فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود حفظه الله تعالى
الحمد لله ربِّ العالمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أَشرف الأَنبياء والمُرسلين، نَبيِّنا مُحمَّد وعلى آله وصحبه أَجمعين.
وبعدُ:
فإنَّ من أَعظَم ما ابتُلي به أَصحابُ البدعِ وَمن تأثَّر بهم = مُعارضةَ الوحي بالعَقل، حتَّى تحوَّل العَقلُ عند بعضهم إلى طاغوتٍ يُحكَم به وَيُتحاكُم إليه عند الاختلاف والتَّنازعِ، فَرُدَّت به نُصوصٌ من أَساسِها ولم تُقبل، وأُوِّلت نُصوصٌ أُخرى تأويلاتٍ باردةً حِينًا؛ وشاطحة أَحيانًا، وكُلُّ طائفةٍ جَعَلت أُصولَها العَقديَّة أَمرًا مُحكمًا لا يقبل تأْويلًا، ثُمَّ لجأت إلى العَقل تعمل به النُّصوص التي تُخالف عقيدتها ومِنْهَاجها.
والسَّلف ﵏ وعلى رأسهم الصَّحابة ﵃ كانوا أَعلمَ النَّاس بنصوص الوحي، وكانوا أَكمل النَّاس فُهومًا وعُقُولًا، فجاء مَذهبهم ومَنْهجهم وَاضحًا مُحْكَمًا، متآلِفًا مُجتمعًا، لا تَباين فيه ولا اختلاف، ولا مُصادمة لنصٍّ صحيحٍ ولا لعقل صريح، معَالم الهدي والنُّور عليه بادية، وسِماتُ الحقِّ والقوَّة فيه ظاهرة. وكيف لا يكون
стр. 6
كذلك ومصدُرهم الوحي المُبين الواضح المُستبين ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
وأولئك الذين تحاكموا إلى العقل المُجرَّد، وجعلوه أَصلًا، وردُّوا به نُصوصَ الكتاب والسُّنَّة الصحيحة = وقعوا في الزَّيغ والتخبُّط والضَّلال.
وردُّ النُّصوص بحدِّ ذاته زيغٌ وضلالٌ وهوى وفتنة = لا يكادُ يَسلمُ منه أَحدٌ من أَهل الأَهواء. وهم في ذلك في أَمر مَريج، وتخبُّط واضطراب، رُبَّما تَسْتبين ملامحُه من خلال أُمُور ثلاثة:
أَوَّلها: أَنَّهم جعلوا العقلَ كائنًا مُستقلًّا في مُقابل نُصوص الوحي، فصارت القِسْمةُ عندهم الاستدلال إمَّا:
١ - بنصوص السمع.
٢ - أو بالعقل.
ولكُلٍّ منهما كيانه المُستقِل، فأصبح السمع مُجرَّد التَّلقِّي والرِّواية بلا فَهمٍ، ولا عَقل، ولا مَعنى أَحيانًا. كما أَصبح العقلُ لا حاجة له إلى
سَمعٍ يُرشده ويدله ويَهديه. ثُمَّ أتبعوا ذلك أَن فَسُّروا مَذهب السَّلف الصَّالح، بأنَّ عِمادَه السَّمع فقط وأَنَّهم يُلغون العقلَ = وهذا كَذِبٌ عليهم وعلى نُصوص الكتاب والسُّنَّة، حيثُ جاءت بالدَّلائل العقليَّة والأمثلة المضروبة، وهكذا كان مَنهجُ السَّلف، جَمعَ النصوص وفَهمَها، وتَفْسيرَها التَّفسير الصحيح، ومَن تأمَّل أُصولَهم العقديَّة، ومِنهاجهم في تفسير القرآن الكريم وعُلومهم في تَلقِّي السُّنَّة روايةً ودرايةً، وقواعدهم في الاستدلال للأحكام الشَّرعيَّة = رأى عَجبًا، أَنَّي يُقارن به سفسطاتُ وقَرْمطاتُ أَهل الأَهواء.
الثَّاني: أَنَّ كُلَّ طائفة من أَهل الأَهواء جَعلت لها عَقلًا خاصًّا بها، له سِمات وأُصولٌ مُحْكَمة، فليس العقلُ عندها هو الغريزةَ التي خَلقها الله
стр. 7
في بني الإنسان وبها تميَّزوا عن الحيوان، ولا المبادئ الضروريَّة التي عَرَّفوا بها العقل - وهي لا تُسْمن ولا تُغني من جوع - كالقول بأَنَّ الكُلَّ أَكبر من الجزء، وأَنَّ الواحدَ نِصف الاثنين ونحوها ممَّا يَشْترك في تَعقُّلِهِ بنو آدم جميعهم = وإنَّما العقل عند كُلِّ طائفةٍ أَمر خاص، له قواعد وله أُسس عَقديَّة وَمنهجيَّة اعتقدوها أَولًا، ثُمَّ صارت عندهم هي الأَصل العقلي المحكم الذي يُحكم به على نصوص الوحي؛ فإمَّا أَن يَقبلوها أَو يَردُّوها.
فأَصبح على هذا المعنى هناك عقولٌ عديدةٌ بعدد أَهل الأَهواء، فلكُلٍّ من الفلاسفة، والجهميَّة، والمعتزلة، والمرجئة، والقدريَّة، والصوفيَّة، والرَّافضة، وغيرهم عَقْلٌ جعلوه أَصلًا يُقدِّمونه على النُّصوص. بل كُلُّ طائفةٍ انقسمت إلى عقول مختلفة؛ فالفلاسفة مَدَارس عقليَّة مختلفة ومتباينة، وكذا المعتزلة وغيرهم.
فالسؤال الكبير هنا: أي عَقل من هذه العقول يجبُ أن يكون الأَصل الَّذي تعتمده الأمَّةُ، وتتعامل به مع النُّصوص؟ خاصَّةً إذا ضَممنا إلى ذلك الأَمر الثَّالث:
الثالث: أَنَّ كُلَّ طائفةٍ من طوائف أَهل الأَهواء والبدع تنقض أَقوال الطَّائفة الأُخرى عَقليًّا؛ فالفلاسِفُة يَرون عقول أَهل الكلام فاسدة، والجهميَّة يرون عقول المعتزلة خاصَّةً في الإيمان والقدر = عقولًا فاسِدة، والمعتزلة يرون عقول كافَّة مُخالفيهم من الطوائف فاسدة. وهكذا.
وإنما لم أَذكر أَهل السُّنَّة والجماعة؛ لأنَّ كافَّة طوائف أَهل البدعِ يرون عقولهم فاسدة، أَو يرونهم بلا عقول، وما هم مع أَهل السُّنَّة إِلَّا كما جاء في المَثَل: (رَمتني بدائها وانسلَّت) حيث إنَّهم لمَّا رأَوا تناقضهم، وتهافت عقولهم، في مقابل من تَنوَّروا بالوحي المبين، ووجدوا أَنفسهم - في مقابل نصوص الكتاب والسُّنَّة التي جاءت بالمعاني
стр. 8
الصحيحة والدَّلائل العقليَّة الصريحة - كمَنْ لا عقل له = رَمَوا أَهل السُّنَّة والسَّلف الصالح بذلك.
وفي عَصرنا الحاضر أُضيف إلى أُصول أَهل البدع السَّابقة التي عَرَفها العلماء وتتبَّعوها وردُّوها، وبينوا فَسادها = بدعةٌ جديدةٌ، وتأَصيلٌ جديد، جعلوه حاكمًا على نصوص الوحي كلِّها: شريعةً، وعقيدةً، وأَحكامًا؛ أَعني به = الفكر الغربي المعاصر، وأَصوله العقديَّة والفكريَّة والثَّقافيَّة.
فمنذ ما يَقربُ من قرن إلى يومنا هذا - ولا تزداد الهُوَّة إِلَّا اتِّساعًا -؛ تحوَّلت الحضارةُ الغَرْبيَّةُ: بعقيدتها، وفِكرها، وممارساتها = إِلهًا عَقليًّا، وطاغوتًا يعبد من دون الله ويُتَحاكَم إليه عند الاختلاف والتَّنازع.
وابتُلي بهذا الطَّاغوت جماعاتٌ، وفئاتٌ، وأَفرادٌ. بل دول، ولستُ بصدد الحديث عن الولاء السِّياسي، والتبعيَّة الشَّاملة للغرب الصَّليبي فهو يطول = ولكن أُشيرُ إلى الجانب العقدي والفكري منه، حيثُ أَصبح لدى كثيرين - وقد ينخرطُ في ذلك - وللأَسف - بعضُ المُنْتسبين إلى العلم الشَّرعي، والدَّعوة إلى الله والإصلاح في الأُمَّة - ميزانٌ يزنون به الحقَّ والباطل، والمقبول والمرفوض، والرُّقي والتَّخلُّف. بل والسعادة والشَّقاء!: وهو ميزان الحضارة الغربيَّة، فهو الميزان الوحيد في عالم اليوم وحضاراته، وهو المرجع، وبه يُقاسُ تقدُّم الأُمَم وتأخُرها، فتحولت الحال إلى تبعيَّة فكريَّة تُسهِّل فرضَها ونَشرَها = عولمةٌ طاغيةٌ: سياسيةٌ، وعَسْكريَّةٌ، واقتصاديَّة، وتقنيَّة، وثقافيَّة، وأَخلاقيَّة.
والطَّامةُ الكبرى لمَّا تحوَّل هؤلاء المُعجبون بهذا الطَّاغوت إلى نصوص الوحي من الكتاب والسُّنَّة الصحيحة التي تَتَناقض مع عقيدة تلك الحضارة وأُصُولها، ونظامِ حياتها، فجعلوا الأَصل العَقلي هو حضارة
стр. 9
الغرب ومبادئها، فقابلوا به نصوص الوحي، فأَعملوا فيها التحريف والتَّأَويل، والرَّدَّ والتنقيص، والقولَ بزمانيَّةِ وتاريخانيَّةِ النُّصوص، وأَنَّها قد انتهت صلاحيتُها من قرون!
وهكذا رأَينا سَيلًا جَارفًا من الكتب والمقالات التي تنحى منحًى علمانيًّا أَو عقلانيًّا عصرانيًّا، أَو إعجابًا بالغرب وتَهوينًا من شأَن المُسلمين، قد اتخذت من نصوص القرآن الكريم ومن أَحاديث السُّنَّة النبويَّة، وأَحكام الشَّريعة الإسلاميَّة = مرتعًا فِكريًّا تَلَغُ فيه بفكرها المُؤسَّس على عقليَّة الغرب الصَّليبي، فتردُّ النصوص من القرآن والسُّنَّة، أَو تتأَوَّلُها بما يتوافق مع متطلَّبات ثقافة الغرب وأُصوله العلمانيَّة.
ولا شكَّ أَنَّ هؤلاء على درجات في الانحراف ولكن يَجمعُهم تقديمُ العقل الغربي المُقدَّس عندهم على أَحكام الشَّريعة والوحي المُنزَّل من عند رب العالمين.
هذِهِ خواطرُ كَتبتُها وأَنا أُقدِّمُ لهذا السِّفر النَّفيس الَّذي كتبه الأَخُ الفاضل عيسي بن محسن النُّعمي، والذي قدَّمه لجامعة أُمِّ القرى لنيل درجة الماجستير في العقيدة، وكان بعنوان:
"دفع دعوى المعارض العقلي عن الأَحاديث المُتعلِّقة بمسائل الاعتقاد - دراسة لما في الصحيحين".
وقد اشتمل هذا البحث - إضافةً إلى المُقدِّمات التأْصيليَّة المهمَّة، والمباحث المنهجيَّة التي لا بُدَّ منها في مثل هذه الدِّراسات - على الموضوعات التَّالية:
- الأَحاديث المُتعلِّقة بالتوحيد والإيمان.
- والأَحاديث المُتعلِّقة بالنبوَّة والأَنبياء.
- والأَحاديث المُتعلِّقة بأَشراط الساعة واليوم الآخر.
- والأَحاديث المُتعلِّقة بالقدر.
стр. 10
- والأَحاديث المُتعلِّقة بالغيبيات.
ويستثنى من مسائل الاعتقاد = أَبوابُ توحيد الرُّبوبيَّة وتوحيد الأَسماء والصِّفات، حيثُ سُجِّلت في رسالة علميَّة مُستقلَّة.
وقد قرأتُ هذه الرِّسالة التي قدَّمها أَخونا عيسى النُّعمي = فأَلفيتُها لونًا راقيًا وعَميقًا من البحث والمناقشة: لغةً، وأُسْلوبًا، وتَوثيقًا، وإنصافًا، مع أَنَّ الموضوعَ مُنازلاتٌ علميَّة فيها الأَخذُ والرَّدُّ، والطَّعنُ والصَّدُّ، وإثارة الشُّبهات وجوابُها، وتقديم العقول القاصرة على نصوص السُّنَّة وحقائِقها، مع تنوُّع الخصوم في أُصولهم العقديَّة ومنطلقاتهم في ردِّ بعض نُصوص السُّنَّة، حيث لم يكونوا مدرسة فكريَّة واحدةً.
والذي يُميِّزُ هذه الرسالةَ المَتِينَةَ = أُمُورٌ:
١ - وضوح الرُّؤيةِ عند الباحث، وصلابتُهُ في الحقِّ - هكذا نحسبُهُ ولا نُزكِّي على الله أَحدًا - حيث جاءت الرِّسالةُ على وتيرةٍ واحدةٍ، وانسجام جيِّد، أَبعد عنها التردُّد والاضطراب الَّذي قد يعتري بعضَ الباحثين؛ خاصَّةً حين يكون البحث يقتضي صولات وجولات مع خصوم فيهم الغلاظ العُتاة.
٢ - كون موضوع الدِّراسة المُتعلِّقة بالمعارضة العقليَّة للسُّنَّة = خاصًّا بالصحيحين، حيث تَبدو الأَهميَّة من وجوه:
أَحدُها: هيبة الصحيحين، ومكانتهما في النُّفوس عند كافَّة المسلمين، فالطعن فيهما ليس كالطَّعن في غيرهما، وإذا كان هذان الكتابان الجليلان قد جاوزا القنطرة وتلقَّتهما الأُمَّة بالقبول، فلا يطعن فيهما رواية أَو دراية = إِلَّا مكابرٌ أَو خصم للإسلام لدود.
الثَّاني: أَنَّ الطعنَ في أَحاديث الصحيحين أَو بعضها = سُلَّمٌ للطَّعنِ في غَيرِها مِن كُتُب السُّنَّة.
بل يجعل الطَّعن فيما دونها أَهونَ وأَسهلَ. وقد أَدرك ذلك الأَعداء
стр. 11
وأَذنابهم من أَهل البدع والانحراف الفكري، فسلطوا طعونَهم وشبهاتهم أَولًا على صحيح البخاري، وغرضهم واضحٌ مكشوف.
فالدِّفاع عن صحيح البخاري وصحيح مسلم؛ هو دفاعٌ عن سُنَّةِ المصطفى ﵌ كلِّها.
الثالث: الدُّخول في مُناقشة الشُّبهة والمعارضة العقليَّة مباشرة، دون الحاجة إلى الدِّراسة الحديثية للحديث رواية، والكلام على إسنادها، وشواهدها، ومتابعاتها. ونحو ذلك ممَّا قد يدخل بعضه في تعدد وجهات النظر تصحيحًا أَو تضعيفًا.
ولا شكَّ أَنَّ دراسة السُّنَّة روايةً والمنافحةَ عنها، وتمييزَ ثابتِها من مَرْدودِها = جِهادٌ وأَيُّ جهاد.
ولكن حين يكون الحديثُ في الصحيحين أَو أَحدهما يكون البحث قد جاوز مرحلة الثبوت إلى مرحلة الكلام على الحديث دِراية وشَرْحًا، وهو مجال البحثِ والمُناقَشةِ ومُقارعة الخصومِ الطَّاعنين في السُّنَّة بعقولهم القاصِرةِ.
٣ - البحثُ إضافةٌ مَنْهجيَّة في مواجهة المدِّ العصراني العقلاني، الَّذي يتَّخِذ من أَصول أَهل البدع والأَهواء مُنطلقًا في نقض أَو تحريف قضايا العقيدة ومَسَائلها التي قرَّرها أَئمة السَّلف ﵏ تعالي - وَتَبْرُز هذه الإضافة في جانبينِ:
أَحدهما: تهافتُ شُبَهِ الخصوم، وتناقضُهم، وكم من شُبهةٍ تبدو لأَولِ وهلةٍ كبيرةً شديدةَ الوقع على النَّفْس، ثُمَّ إذا بها مع الرَّد والنَّقض والمُناقشَةِ = تَصْغُر وتضمحِل، بحيثُ لا يزيد ذلك الحق إِلَّا رُسوخًا ووضُوحًا.
والآخر: إعادة الثِّقةِ بالمنهج الصحيح في أُصوله وَمَناهجه، وأَنَّ بقيَّةَ الشُّبهات التي قد يقرؤها الإنسان أَو يَسْمَعُها؛ هي من هذا النَّوعِ
стр. 12
الَّذي بان زَيْفُهُ في مثل هذه المباحث والمناقشات التي اشتملت عليها هذه الرِّسالة النَّافعة.
وإنِّي لأَدعو القارئ والمُطَّلعَ إلى مُتابعة قراءة هذه الرِّسالة، والوقوف أَمام عدد من المعارضات العقليَّة وجُرأَة أَصحابها، ثُمَّ كيفَ جاء الجَواب والرَّدُّ بأُسلوبٍ علميٍّ هادئ ومُنْصِف.
جزى الله الباحث ومن أَشرف عليه خيرَ الجزاء، وَرزقنا جميعًا الاستقامة والثَّبات، وأَعاذنا من الأَهواء والبِدَعِ والتَّقلُّبات.
وصلَّى الله على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تَسْليمًا كثيرًا.
وكتبه عبد الرحمن الصالح المحمود
الرياض ١٦/ ١١ / ١٤٣٠ ه
стр. 13
المقدمة
أحْمَدُه -جَلَّ ذِكْرُه - بجميع محامِدِه , وأُثْني عليه بتواتُر فواضله ونِعَمه , وأَستهديه سبيل الصواب في القول والعَمَلِ بمننِهِ , وأُصلي على خير خلقه وأكْرم رُسله ﷺ ، وعلى أَصحابه وأهل بيته.
ثم أمَّا بعدُ:
فإِنّ من حِكْمةِ الله تعالى، وجَسيمِ لُطفْهِ ورحمته بعباده: أنْ ابْتعثَ إِليهم خيَر خَلْقهِ , وخاتَم رُسُلِهِ محمّدًا -صلوات ربي وسلامه عليه- , وجعله محْفوفًا ببرهان الوحي المُشتمل على هداية البشريَّة من لُجَج الظُّنون , ونورًا للبريّةِ من مُدْلَهِمَّات الشُّبهات وغَسَق الفُتون , وافترضَ على العباد اتّباع وحْيِهِ كتابًا وحِكْمةً , وأَناط الفوزَ والسعادةَ الأبدية للمتمسكين به , الصَّادرين عنه , المُدِيرين عليه أَقوالَهم وأَعمالَهم = فكان أَسعدَ الخلقِ بهذا النُّورِ , وأَحقَّ النّاس به , وأَعلاهم به عينًا، وأَشدَّهم تعظيمًا واتباعًا له = أَهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ؛ لانطواء ضَمَائرِهِم على يقينٍ كُلّيٍّ بِصدْق ضرورتين فطريتين:
الضرورةِ الأُولى: قيامُ التلازُم بين نور الوحي وبين بَصَر العقل , وتعذُّر الانتفاع بأَحدهما دون الآخر. فنورُ الوحي بلا بصرِ العقل لا تتحصّل الاستفادةُ منه؛ إذْ بالعقل عُلِم صِدقُ الوحي , وأنّه من لَدُن حكيمٍ عليم , وبَصَرُ العقل بلا نورِ الوحي قضاءٌ على العقل بالضياع في مَنَادِح الأَهواء، ومَسَارِب العَمَايةِ.
الضرورة الأخرى: أَنَّ جرَيَان التناقُض بين وحيه تعالى المشمول
стр. 14
بالإِرادة الأَمرية الشرعيّة , وبين العقل الذي تنتظمه إرادَةُ الربّ الخَلقيّة التكوينيّة = ممتنعٌ. ومَجْلى هذا الامتناع: أَنّ كِلَيهما - أعني: الوحي، والعقل - من عند الله. فالأوّل: أمره , والثّاني: خَلْقُه؛ ولا تعارُضَ بين خَلْقه، وأمره ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ الأعراف: ٥٤.
فهاتان ضرورتان برهانيّتان ينقشع بهما عِثْيَرُ مُناقضة البراهين، ومدافعة الدلائل؛ بافتراعِ خُصومةٍ مُلدَّةٍ بين الدّلائل الشرعية - نَقْلِيِّها، وعَقْلِيِّهِا. يتولَّى كِبْرَ الخصومة , ويتقحّمُ جراثيمَ هذه المُشاقّةِ طوائفُ في القديمِ الحديثِ، اجْتَوت المنهلَ الرِّساليَّ الصَّافي؛ بادّعاءِ التعارُض , وسَوْق أَوقارِ الشُّبُهات في سُوقِ النّكاية بالنُّصوصِ الشَّرعيَّةِ. نَظَرتْ كل فِرقةٍ منها إِلى تلك الدَّلائل نظْرةً مبتَسرةً، تختزلُها في رؤيةٍ واحديةٍ تتّسقُ مع أَصْلِها البِدْعيّ الذي نصّبَتْهُ مركزًا تقْضي به على ما عداه.
فالمدارسُ الكلاميةُ استولدت هذا النزاع , لينتهي أَمرُه إلى نَصْب العقل الكلامي أَصلًا يُقضَى به على النَّقل؛ طَلبًا لتنزيهِ النَّقل - في اعتقادهم - عن مناقضة العقل. فكانوا كمن نقض رُكناً في بيته ليرِمَّ صدْعاً في رُكنٍ آخرَ.
ولئن كانت هذه المدارس أطلقت أوّلية العقل عند التعارض , فإِنّ طوائفَ أُخر ألغت هذا القَيدَ؛ لتبلُغَ بهذه الخصومةِ إِلى أَقصى درجاتِها. فأطْلقت العقل في مَسَارِحَ تنبو عن مدركه , ليعود حسيرًا مَسْلوبًا , وجرت بدلالات النَّص الشرعي في مهامِهِ التحريفِ والتفريغِ من مضامينه الحقَّة التي رامها المتكلمُ بها. مُسلِّطة عليه مَنَاهجَ استشراقِيَّة كَفَرتْ بالوحي، فتعاملت مع النَّص الشرعي بحسبانه ظاهرةً مادّيةً خالصةً؛ مُتعامِيةً عن حقيقة مصدره الإلهي، وأنّه وحْيٌ معصوم، متجاوِزٌ، لا يتطرّق إليه باطل = فأزهقوا العقل، وأَبطلوا النقلَ , وآلت الحالُ إِلى عبثيَّةٍ مُمَزِّقةٍ , وعدميّة مُهلكةٍ؛ لا خلاصَ منهما إلا بمنهج يأبى الخصومة , ويكشِف عن
стр. 15
الاتِّساق بين الدلائل الشرعية. ولا يتحقق ذلكَ إلا بلزوم سابلة المنهج السلفي المعصوم.
وإن من واجب الوقت , وحق الدّيانة= النُّهودَ إلى مُراغَمَةِ هذه الأَهواءِ المُضَلِّلةِ , والفِتن المتماحلةِ؛ بِنُصرةِ السُّنن، وذلك بدفْعِ ما يعارضُها مِنْ شُبَهِ المعقولات , وإِزهاقِ ما يناقضها من أَغاليط السفسطات.
وما هذا المرقوم إلَاّ تَأخٍّ لهذا المقصد , لِيكون لَبِنةً متواضعةً من لبنات النّزَال مع الباطل، وحلقة تَتّصِلُ أَسبابُها بأسباب تلك الصحائف المباركة، التي خَطَّها أَئمَّةُ أهل السُّنَّة؛ باستحياءِ مناهجهم , وتوظيفِ كُلّيات طرائقِهم. وقد وُسِمَ بـ "دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد " دراسةٌ لما في الصحيحين.
- أَهمية الموضوع , ودوافعُ اختياره:
تتجلّى أَهمّيةُ هذا الموضوع في التالي:
١ - أَنّ فيه تجليةً للحقِّ , وإِمعانًا في تحقيق إحدى كليات الاعتقاد التي لَهَج أهل السنة في تقريرها = مِنْ أَنَّ الرُّسل قد تأتي بِمُحارات العقول، لا بما تحيله وتُناقِضه. وتوظيفًا للأُصول الرَّاسخةِ المُحْكَمة التي قرّرها أئمةُ السّلف ﵏؛ وذلك بتخريج آحادِ وأعيانِ النصوص المُدعَّى معارضُتها للضرورة العقليَّة على تلك القواعدِ والأُصول. وذلك من الأَهمية بمكان؛ إذ القواعدُ لا تُتَصَوَّرُ إلاّ في الأَذهان، وإِعمالها على آحاد النصوص هو المقصود.
٢ - بيان أَنَّ حَظَّ أَهلِ السُّنة من مَوارِدِ العقول أَتَمُّ الحظِّ وأَعلاه , وأَنَّ من خَالَفَهم إِنما يرتكز على جهالاتٍ يَظُنّها معقولاتٍ , وشُبهات يَحسِبُها حقائقَ جليّاتٍ. فدعوى معارضة الضرورة العقلية للدلائل النقلية
стр. 16
= أَشْبَهُ بالَظْرف الخالي , فهي كوميضِ برْقٍ يخطِفُ أَبصارَ من أَراد اللهُ فتنتَه. فإذا قرَّت الأُمورُ قرارَها، وعطفتِ الفروعُ على أُصولها؛ أَلفَيْتَها مُطّرَحةً مع نظائرها من أَصناف الباطل.
٣ - أَنّ في دراسة هذا الموضوع إعلاءً للسُّنّةِ , وإحْلالًا للتعزير والتعظيم مكان الرّدِّ والتحطيم , ودَفْعًا في صدور الذين يتناولون سُنّة المصطفى ﵊ بِنَفَسٍ مَشُوبٍ بمرضِ التجهيلِ والتعطيل لدلالات تلك النّصوص.
٤ - ظهور عَدوى الاستطالة على النصوص -بدعوى معارضتها للعقل- بين بعض المنتسبين للسُّنّة؛ وذلك تحت وطْأةِ الضغوطِ النفسيَّة , والإِرجافِ الأَثيم الذي يجابهُ أَهلَ السُّنة بوصفهم بِشِنَعِ التعيير , وسيئِ الألقابِ؛ كَرَمْيِهم بالتخلُّفِ والرجعيّة , وعبادةِ النصوص , والبَداوَةِ الفكريّةِ , والنُّصوصيّةِ , والظَّلامِيَّةِ , والسّلفَوية = إلخ تلك الشِّنَعِ الفَجَّةِ , والأَوصافِ الأثيمَةِ , التي أَجلبَ بها أَهل الأَهواء على السائرين على السَّننِ الأَبْين في الاعتقاد , وراوَدُوا بها أَهلَ الحق عن اعتقادهم المنبعث عن يقين بصحّة أصولهم. فكان مِن جرّاء ذلك: أَنْ وقع في شَرَاكِ إِجْلابهم فئامٌ , وصُرِعَ في زَوْبعةِ خَوضِهم أَقوامٌ؛ مما استدعى بيانَ أنّ ذلك الإِجلابَ إنّما هو جَوْلةُ باطلٍ , متى لَقِيَ في طريقة الحقائقَ تكتنفُها البراهين = زالَ، واضْمحلّ.
٥ - ليس هُناك - حسب اطلاعي القاصر - من قام بمعالجة المعارضات العقليَّة المدَّعَى معارضُتها للأحاديث الاعتقادية -على جهة الخصوص دون غيرها من المُعارضات - في دراسة جامعة تتسم بالإيعاب إلى حدٍّ ما؛ بل كلام أَهل العلم في هذا الباب نُتَفٌ مُتفرِّقة في مَنَاجِمِ زُبُرِهم , وأُمّاتِ أَسفارِهم. فكانت الحاجة إلى دراسةٍ تحقِّق قدْرًا من ذلك، مع لَحْظِ تجدُّد الشبهات والمعارضات في هذا
стр. 17
الزمان؛ مما يستدعي نظرًا آخر ينضاف إِلى ما سبق من الأَنظار.
٦ - أَنّ وقوعَ الطعن فيما هو في أَعلى مَراتبِ الصّحة من الأخبار النبوية، ممثلًا ذلك في صحيح البخاري ومسلم -رحمهما الله- مُؤْذِنٌ بخَطَرٍ عظيمٍ جدًّا على معاقِد الدين وأُصوله , ودليلٌ على شِدّةِ انحراف الخائضين، وعدم مبالاتهم بما هو في منأى عن الطعون عند علماء الأمة.
٧ - وجودُ من يبعث الحياةَ في رُفاتِ هذه الوساوِس في زَمانِنِا؛ باتّخاذ قنواتٍ شتّى , ووسائلَ عديدةٍ؛ خصوصًا ممن يتربعون على كراسي التدريس في الجامعات. ومن أشدها كيدًا: توافُر نَفَرٍ من الطاعنين على مَشَاريعَ تُبذَل فيها أَعمارُهم , وتُقضَى فيها أنفاسُهم، وتُحقرُ فيها ملذّاتُ الدنيا في سبيل تفكيك الدين وهدمِه. والأَلْأَم من ذلك: اتخاذُ الجامعاتِ مَسَاجدَ ضرارٍ لتفريغ هذا الفِكر المادي، متمثلًا ذلك بسلسلة من الأَطاريحِ الجامعية التي يشرف عليها أولئك المستغربون، متناولةً تلك الأطاريحُ السُّنةَ وعلومَها بأَقلامٍ حِدادٍ. فأضحت السُّنة نَهْبًا لهذا الفريقِ المسلوبِ، الخائض بهوى جامح , وشَكٍّ مُغْرِقٍ.
٨ - دَفْعُ عجلة الرُّقي الحضاري للأُمّةِ؛ لأنَّه متى اطمأنّت القلوبُ بسلامةِ ما انعقدت عليه = انبعثتْ الجوارحُ إِلى إِعمار الأَرض على وفق ما يُرضِي الله تعالى. ذلك أنّه "متى زاغت العقائد كانت أَعمالُ صاحبها بمنزلةِ مَن يَرْمي عن قوسٍ مُعوجّةٍ".
وإذا كان في الأنابيب حَيْفٌ ... وَقَعَ الطَّيشُ في صدور الصّعادِ
٩ - تحقيقًا للنّصرةِ , وحياطةً لمعاقل الاعتقادِ من أن تُكدَّر بما هو في حقيقته أَجنبي عنها. ومحبةً في معايشة السُّنةِ، والتفيُّؤِ بظلِّها الوارف.
وقد انطوت هذه الرِّسالةُ على تمهيد في تضاعيفه أَربعة مباحث، يتلوه خمسةُ أَبوابٍ مُدارةٍ على أُصول الإيمان وأَركانه. ما خلا ما يتعلق
стр. 18
بالكتب الإلهية، وباستثناء الأَحاديث المتعلقة بتوحيد الربوبية، والأسماء والصفات؛ فإِنها غير مضمومةٍ لمباحث الرسالة.
وفيما يلي بيان خطة البحث -على وجه الإِجمال-:
* التمهيد.
ويندرجُ تحته ما يلي:
• المبحث الأول: مفهوم المعارض العقلي المُدَّعى مناقضتُه للنصوص الشرعيَّة.
• المبحث الثاني: تقويض النظرة العنادية بين العقل وظواهر النصوص الشرعيَّة، وإقامة النظرة الشمولية السلفية للعلاقة بينهما
• المبحث الثالث: تقويض النظرة الاختزالية للسُّنة النبوية.
• المبحث الرَّابع: تزييف دعوى استناد الصحابة ﵃ إلى المعقول المتمحِّض لمحاكمة النصوص الشرعيَّة.
* الباب الأول: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بالتوحيد والإيمان.
وفيه فصلان:
• الفصل الأول: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بحقيقة الإيمان والشفاعة.
• الفصل الثاني: دفع دعوى المعارض العقلي عن أحاديث الألوهية.
* الباب الثاني: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بالنبوَّة.
وفيه ثلاثة فصول:
• الفصل الأول: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بعصمة الأنبياء.
стр. 19
• الفصل الثاني: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بآيات الأنبياء.
• الفصل الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث الدّالة على اختصاص النبي ﷺ بعموم البعثة.
* الباب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بأشراط الساعة واليوم الآخر.
وفيه فصلان:
• الفصل الأول: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بأشراط الساعة.
• الفصل الثاني: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة باليوم الآخر.
* الباب الرابع: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بالقدر.
وفيه فصل واحد: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بالقدر.
* الباب الخامس: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بالغيبيات.
وفيه أَربعة فصول:
• الفصل الأول: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بالملائكة.
• الفصل الثاني: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بالشيطان.
• الفصل الثَّالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلِّقة بالرّؤيا.
стр. 20
• الفصل الرَّابع: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة ببقيَّةِ أحاديث الغيبيات.
وبعدُ:
فإِنَّ هذا النّجيزَ ما كانت قطوفُه لتدنو، لولا تواتر رحماتِه وتوالي سوابغِ مِنَنِه وأَفضالِه. فاللهمَّ لك الحمد أَولًا وآخرًا , ولك الحَمدُ ظاهرًا وباطنًا , ولك الحمدُ حتَّى ترضى، ولك الحَمْدُ إذا رضيتَ , ولك الحَمدُ بعد الرِّضى
وإِنّ من أَحقّ الخلق بالشكر بعد شكر الله: مَنْ قَرَن حقَّه بحقّهما = والدَيَّ الحبيبين الكريمين، اللّذينِ قاما بتنشئتي على طلب العلم , وأحسنا إليَّ في صِغري , وصَبَرا على تقصيري في حقّهما في كِبَري , وآثرا إتمامَ هذه الرسالة على نفسيهما. فأسأل البَرَّ الرحيم أَن يجزيهما خيرَ ما جزى مُحْسِنًا على إِحسانه , وأَنْ يطيلَ عمرَهما , ويُحسِنَ عملَهما، ويَقْرنَ بالعافية أَوقاتَهما , ويختم بالسَّعادةِ حياتَهما. آمين.
كما أَنظِمُ قلائدَ من الشكر لفضيلة شيخي الدكتور عبد الله بن محمد القرني المشرف على هذه الرسالة , الذي استهطلتُ سحائبَ عِلْمِهِ , وعببتُ من بحار فضله. وقد قيل: "مَنْ يُرِدْ مَواطرَ من غيِر السحائب يَظْلِم".
وإِني أَشكره أَوّلًا: على ما أَقامني عليه من مَنْهجٍ في العِلْم ما زلتُ أَتفيّأُ ظِلالَه , وأَنْعُمُ به.
وأَشكره ثانيًا: على ما نَهَج لي بعلمه السَّبيل , ومَهّدَ بِحكمتِه الحَزْن.
وأشكره ثالثًا: على تفضله بالإشراف على هذه الرسالة, ورعايتِه لها من بدئها إلى مُنتهاها. ثم أَقبض يدَ الشكر تفاديًا من تزاحم
стр. 21
العجز , وأَلوي لسان الثناء تحاميًا لِخُطَّة العِيّ والإعياء , وأَطوي ذلك؛ لأُترْجِمَ ما أُضمرُه إِلى دعواتٍ في ظهر الغيب؛ بأَن يضاعفَ الله له الأَجر والمثوبة , وأن يبارك في علمه وعمله، وأَن يَعْمُرَ وقته بالطاعةِ، والعافيةِ.
وكذلك أشكر فَضَيلة شيخي الدكتور عبد العزيز بن أحمد الحُميدي المشرف السَّابق على هذه الرسالة، فجزاه الله خيرًا وأحسن إليه.
وأتقدَّم بالشُّكر الجزيل إلى الشّيخين الكريمين: فضيلة شيخي الدكتور هشام ابن إسماعيل الصيني، وفضيلة الشيخ الدكتور لطف الله خوجة اللَّذين تكرَّما مع ضيق أوقاتهما، وتزاحم أَشغالهما =بقبول مُناقشة هذه الرِّسالة والحُكْم عليها، داعيًا لهما الله تعالى أن يُعينهما على تَّسديديها وإقامة أودها، وأن يُجزِل لهما الأجر والمثوبة.
كما أزجي امتناني وتقديري للمشايخ الكرام: فضيلةالدكتور: إبراهيم ابن مُحمَّد الغامدي، الَّذي أفادني بدقيقِ نظره، وصائب فِكره، وعبدالغني الزهراني والشريف علي بن سالم الجنيدي، -شكر الله لهما- على إعانتهما لي أثناء كتابتي لهذه الرسالة، وكذلك أزجي شكري للشيخ سعيد بن سعد القحطاني، الذي فتح لأخيه آفاقًا، و دلَّه على كثير من المراجع الحديثة، وأشكره على تجشُّمه إِرسالَ بعضها. فجزى الله الجميعَ خير الجزاء.
وأشكر كلَّ من أَعان برأيٍ ونظرٍ , أو إعارةٍ لكتاب. وأخصُّ منهم الإخوة النُّبلاء: أحمد بن حامد العمري , وبشيّر بن عاشق الشمري , وسعيد عزي, وعبد الله النجيدي، وإبراهيم الهيثمي.
وختامًا: فقد بذلت في هذه الرسالة وقتي , واستخلصتُها من وُكْدي , ومع ذلك؛ فليستْ مُبَرَّأةً من الزَّللِ والقُصور , فما عَمَلٌ بخالٍ من وَهْن , ولا جهدٌ خالصٌ من وَهْى.
وإِني أَضْرعُ إلى الله تعالى أَن يجعل هذا العمل مُخلَّصًا مِن كَدَرِ التخْليطِ , مُرادًا به وجهه , مُزْلِفًا إلى أَعالي جنانه , وأَن يغفر لي الخطأ والزَّلل , إِنَّه خَيرُ مَأْمول وأكرم مسؤول.
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ البقرة: ١٢٧ ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ البقرة: ١٢٨.
стр. 22
وصلى الله وسلم على نَبِينا محمَّدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
حرره
عيس بن محسن النعمي
e.alnaami@gmail.com
стр. 23
تمهيد
وفيه أربعة مباحث:
• المبحث الأول: مفهوم المُعارِض العقلي المدَّعَى مناقضتُه للنصوص الشرعية.
• المبحث الثاني: تقويض النَّظرة العنادية بين العقل وظواهر النصوص الشرعيَّة.
• المبحث الثالث: تقويض النظرة الاختزالية للسنّة النبويّة.
• المبحث الرابع: تزييف دعوى استناد الصحابة ﵃ على المعقول المتمحّض في محاكمة النُّصوص الشرعيَّة.
стр. 24
المبحث الأوَّل مفهوم المعارض العقلي المُدَّعى مُناقضته للنُّصوص الشرعية
المعارضُ العقلي مركَّبٌ تقييدي، يتحصَّل إدراكه بإدراك مُفْرديه:
فالمُعارِض: مُفَاعِل. أَصْلُ مادته من عَرَضَ. وهذه المادة تدور في اللِّسان على عِدَّةِ معانٍ؛ ترجع -مع كثرتها- إلى أَصلٍ واحدٍ؛ وهو: "العَرْض الذي يخالف الطُّول" (١) ومن معانيها التي لها عُلْقة بهذه المُقدِّمة = مَعْنيانِ، وهما: المَنْعُ، والمُقَابَلةُ. فالأوَّل، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ البقرة: ٢٢٤ أي: لا تجعلوا الحَلِفَ بالله معترضًا مانعًا لكم أن تبرّوا. فالعُرْضَة هنا بمعنى: المعترض (٢) والمعنى الآخر فكقولك: عارضَ الشيءَ بالشيء مُعارَضةً أي: قَابَلَه. وعارضتُ كتابي بكتابه؛ أي: قابلته (٣).
ومن هذين المَعْنَيين يستمد "المُعارِض" معناه الاصطلاحي، والذي يُقصدُ به: تقابُل الدليلين على سبيل الممانعة والمُدَافَعَةِ (٤).
وأَمَّا مَفْهوم العقلِ في اللِّسان: فتدور مادته =على المنع والحبس والإمساك ومن ذلك: (عَقَلَ الدواءُ بطنَه يعقِله عقلًا = أمسكه)
стр. 25
ومنه: تسميةُ الدية عقلًا؛ (لأن القاتل كان يُكَلَّفُ أن يسوق الدِّية إلى فناء ورثة المقتول فيعقلها بالعُقُل ويسلمها إلى أوليائه) (١)
ويسمى عقل الإنسان عقلا. وهو مصدر: عقل يعقل عقلا ومعقولا فهو عاقل؛ لأَنَّه يمنع صاحبَه من التَّورُّط في المَهَالِك (٢)
وأَمَّا مفهومه في المواضعة و الاصطلاح: فيدور على مَعَانٍ، والذي يراد به في هذا المقام و يمتنع معارضته للدلائل النقليَّة =هو العقل الفِطري بمبادئه الأوليَّة التي فُطر عليها العقل الإنساني، والذي يحده النّظَّارُ والمتكلمون بأنَّه (عِبارةٌ عن جُمْلَةٍ من العلومِ مخْصوصَةٍ، متى حَصَلتْ في المُكلَّفِ صحَّ منه النظرُ، والاستدلالُ، والقيامُ بأداءِ ما كُلِّف منه) (٣)
وهذه المبادئ والعلوم يمكن رَدُّها إلى مبدأين:
الأول: مبدأ عدم التناقض. والذي يُراد به: امتناع أن يوجد الشيء، وأن لا يوجد؛ في نفس الوقت، ومن ذات الجهة.
المبدأ الآخر: مبدأ السببيّة. أو "السبب الكافي". ويقصد به: أن كلَّ ما يوجد فلا بُدَّ أَن يكون لوجوده سببٌ. (٤)
فهذان المبدآن يَتّسمان بالضرورة، والكُليَّة:
فأمَّا الضرورة فبمعنى: امتناع تصوُّر نقيضها، وامتناع البرهنة عليها؛ لكونها بيّنة لا تفتقر إلى برهانٍ، فهي أصل كل برهان.
وأما الكليّة فالمراد بها: انطباقها على كل وجود ذاتيّ، أو موضوعي (٥)
стр. 26
ويندرج تحت مفهوم العقل أيضًا: العقلُ الحسّي، الذي يكون أساس استناده على نَقْل الحِسّ ومعطياته.
وبعد بيان معاني المفردات التي ينحل عنها مصطلح المعارض العقلي=يتحرّر المقصود بهذا المركب التقييدي -أعني: المعارض العقلي-؛ فيقال: هو تقابل الدَّليلين العقلي والدليل النقلي على سبيل الممانعة والمُدافعة؛ فإنّ الدليل النقلي ... -وأعني به: الوحي كتابًا وسُنَّة- يمتنع أَن يكون مناقضًا للعقل - بمفهومَيْه الفِطري والحِسّي-و وجه ذلك: أنَّ النَّقلَ لا يكون منافيا للعقل الفطري؛ بحيث تكون دلالته منافية لمبدأ عدم التناقض، أو منطوية على ما فيه خرق لقانون السببيَّة. وكذا يمتنع وروده بِرَفْعِ ما يَقْطَعُ الإدراكُ الحسي بثبوته.
وأَمَّا ورود البرهان النقلي بما لم يدلّ عليه العقلُ فهذا متحقق، ولا معارضة حينئذٍ؛ لأن الكلام إنّما هو في دليلٍ نقليٍّ يؤدي مفهومًا على خلاف الضَّرورة العقليَّة، لا فيما يختصُّ به الدليل النقلي دون العقلي. ذلك أن الموضوع الذي يكون قابلًا للإدراك لا يخلو حال العقل بالنِّسبة للدلالةِ عليه من عدمها من إحدى الأوجه التالية:
الأول: أن يختص العقل بالدلالة عليه دون الدليل النقلي.
فالممانعة حينئذٍ مُنْتفية.
الثاني: أن تقع الدلالة مشتركة بين العقل وبين الدليل النقلي.
فتكون العلاقة بينهما علاقة تكاملٍ.
الثالث: ما يَعزُبُ عن العقل الدلالة عليه؛ لخروجه عن مَجَالِهِ.
فالعقل عندئذٍ لا يَدلُّ عليه ولا ينفيه أيضًا؛ فتكون الدَّلالةُ عليه واقعة بالدَّليل النَّقلي.
وعلى هذا فالمُدافعة غير مُتأتّيةٍ.
الرابع: لم يَرد به النَّقل ولم يدل عليه العقل.
ويندرج تحته من الأمثلة: كتفصيل آحاد نعيم أهل الجنَّة، وما
стр. 27
استأثر الله بعلمه من أسمائه وصفاته، وغير ذلك مما لم يرد تعيينه في النَّقل.
فاستبان لك أَن المنافاة بين الدليلين غير واقعة، وإنما تَتحقق المنافاة إمَّا بين عَقْلٍ مدخولٍ وبين نقلٍ صحيح -وهذا الصنف من التعارض، هو المراد تناوله في هذه الدِّراسة-، أو بين نَقْلٍ منحولٍ وبين عقلٍ صريح. فمفهوم العقل والنقل كلاهما دخلته مادة من الاشتباه والإجمال (١)؛ إذْ كل طائفةٍ أَصَّلت لها أُصولا بدعية، جعلتها عَقلًا تتمعْقلُ به على الدَّلائل الشرعيَّة، فما وافقه قُبِلَ، وما خالفه رُدّ.
والأَصْلُ الجامع الذي ينتظم المخالفين لأهل السنة مع تفاوت رُتَبِهم في مُفارقة الدَّلائل الشَّرعيَّة =هو اعتقادهم بأوّلية العقل على النقل؛ بدءًا بالمدارس الكلامية والفلسفيّة، وانتهاءً بالمدرسة الخَلَفيَّةِ المعاصرة بشتى طوائفها.
وبسَوْق أحرفهم في هذا المقام يتجلى لك ما سبق ذكره.
فمِن أوائلِ الفرق التي قُرن اسمها مع العقل غلوًّا في توظيفه =المعتزلة. ومن شواهد هذا الانحراف في توظيف العقل، ماتراه منقولًا عن أئمَّة المعتزلة.
فالنظَّام يُقرِّر أَنَّ العَقْلَ في رُتبة الدَّليلِ النَّقلي بالنَّظر إلى إمكان نسخ
стр. 28
الأَخبار به، فتراه يقول: (إنّ جهةَ حُجّة العَقْلِ قد تنسخ الأخبار) (١)
ويقول القاضي عبد الجبَّار الهمداني: (وإذ قد عرفت ذلك؛ فاعلم أنَّ الدَلالةَ أَربعةٌ: حُجّةُ العقلِ، والكتاب، والسُّنّة، والإجماع. ومعرفةُ الله لا تُنالُ إلَاّ بِحُجّة العقل) (٢)
ويقول الزَّمخشري في مَعْرض تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ يوسف: (﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يُحتاجُ إليه في الدِّين؛ لأنَّه القانون الَّذي يستنِد إليه السُّنّة، والإجماع، والقياس بعد أدلة العقل) (٣)
وبهذه النُّصوص يتبين أَنّ المعتزلة تجعل العقلَ حجةً ودليلًا مُستقلًا، وتُقَدِّمه على سائر الأدلة.
وهذا التقديم وإن لم تدَّعِ المعتزلة بأنّه تقديم رتبة وتفضيل لأنّه لا يُعرف عن أحد منهم -فيما أعلم- التنصيص على أَفضليَّته على الدَّلائل الشرعية من كتابٍ وسنّة صَراحةً = إلَّا أنَّ تصرُّفاتِهم العملية برهان يدل على جعلهم العقل حاكمًا على النُّصوص، ويظهر ذلك فيما يتناولونه من الدلائل السّمعية، فأمَّا الدَّلائل القُرآنيةُ، فلكونها قطعيةَ الثُّبوت لم يستطيعوا ردَّها، بل اكتفوا بتطريق الاحتمالات على دلالاتها
стр. 29
لينفى عنها إفادة اليقين، وأَمّا أخبار الآحاد=فهي المَرتع الخصب لظهور الطغيان الاعتزالي، فإنَّهم يردُّون السُّنن بحجّة ظنية ثبوتها فضلًا عن دلالتها. فكُتُبهم ترشحُ بنَفَس التعطيلِ لمدلولات تلك الأخبار، والرَّدِّ لها. وسيأتي -بإذن الله - ضرب الشَّواهد على ذلك.
ثُمَّ إنَّ أَقاويلهَم الدّالة على عدم اعتبار النصِّ حين يخُالفُ مَعقولاتهم برهان آخر على أوليّة العقل عند قيام التعارض.
وبذلك يُعلَم أَنّه لا مناص من ردِّ التّمحّلات التي تتسابق في تبرئة المُعتزلة بدعوى الإنصاف لهم (١)،فالإنصاف متى كان في موضعه فهو الواجب ديانةً، وإلاّ كان طَمْسًا للحقائق.
والإِنصاف حقيقةً الّذي يُلفت إليه: أَنَّ المعتزلة مع غلوِّها في الاعتداد بما ظنُّوه "معقولا"وضلالها وانحرافها في ذلك، إلَاّ أنّ أَصْلَ التعظيم والإجلال للشَّريعة والرِّسالة، وقصد التنزيه وإثبات الكمال للربِّ ﵎، مطلبان سعى إليهما المعتزلة من حيث الجملة، مع فوات الحقِّ عليهم في كثير من مسائل الاعتقاد.
وبهذا يُعلم أَنَّ المستغربين الّذين رفعوا راية الدَّعوة إلى التمرُّد على النّص الشرعي وتجاوزه، وإن أظهروا الإشادة بالتيّار الاعتزالي لانحرافه في فهم حقيقة وظيفة "العقل"= إلَاّ أَنّهم في حقيقة الأمر أَظهروا الإشادة ليستتروا خلف هذا الأنموذج ويُظهروا لمن لا يعرف حقيقة مقاصدهم أنّهم إِنّمّا يستلهمون من ذات التاريخ الإسلامي وما نشأ فيه من حَرَكات وفِرق حادت عن الحق =ما زعموا أنَّه نواة للإبداع والتحديث، فيخفوا بهذا الاحتفاء الأنموذج الحقيقي الّذي وقعوا في تبعيَّته واجترار رجسه وآفاته.
هذا الأُنْموذج الباطن كامنٌ في الفكر الغربي الوثني.
وهذه الحقيقة لم يستطع كبارهم كتمها، فأَدونيس يُعلي من شأن الانحراف الاعتزالي لانعتاقه -نسْبيًّا- من سلطة الوحي، لكنّه مع ذلك كُلِّه يرتكسُ ليؤكد أَنَّ هذا الأنموذج لا يمُثِّل الأنموذج المرتضى الّذي
стр. 30
يُنْسجُ على منواله إذ يبقى أنّه عقل وليد التديُّن لا التساؤل، فهو -بحسب زعمه - ابن الله والوحي! فتراه يقول: (ومن هنا قالت المعتزلة: إنَّ العقلَ لا النَّقل هو الّذي يحكم على العالم، ويُقرِّر طبيعة الصِّلة بينه وبين الله. فالكونُ عقلي، والدِّين نفسه لا قيمة له إِنْ تناقض مع العقل. كان هذا تحوَّلًا حاسمًا في تاريخ الفكر العربي، فلقد أخذ الإنسانُ يجْرؤ على أَن يُخضع الوجودَ كلَّه، المادي والغيبي، لمقاييس العقل وأَحكامه، بعد أن كان الامتثال السَّلفي -التقليدي هو الّذي يسود الحياةَ والفِكرَ. . . .ومع ذلك لم يكن ممكنًا أن تنشأ الفلسفةُ العقلانيَّةُ بمعناها الخالص الجذري، استنادًا إلى حركة الاعتزال بحدِّ ذاتها؛ لسببين:
الأَوَّل: هو أَن العقل العربي، حتَّى في صيغته الاعتزالية، لم يَنفِ، في تفسيره ظواهر الطبيعة، الفعل الإلهي المستمر المباشر في الطبيعة. . .
والسَّببُ الثَّاني: هو أَنَّ هذا العقل ظل إيمانًا -أي ظلَّ ينطلقُ من مُقدِّمات شرعيّة يفرضها صحيحة لاشك فيها، وهذا يعني أَنَّه ظلَّ أُسطوريًّا. .فالعقل العربي وليد التديُّن لاالتساؤل؛ إنَّه ابن الله والوحي، وليس ابن الإنسان والطبيعة) (١)
=وأَمَّا الأَشاعرةُ فتجد الجويني يحدّد معالم ما يدرك بالسَّمَعِ والعقل من العقائد، وما ينفرد كل دليل منهما بتقريره:
(اعلموا -وفقكم الله - أنَّ أُصول العقائدِ تنقسمُ إلى:
- ما يُدركُ عقلًا، ولا يَسوغُ إِدراكه سَمْعًا.
- وإلى ما يُدركُ سمعًا ولا يتقدَّر إدراكه عقلًا.
- وإلى ما يجوزُ إدراكه سمعاً وعقلًا.
стр. 31
فأمَّا ما لا يُدركُ إلَّا عَقلًا =فكُلُّ قاعدةٍ في الدين تتقدَّمُ على العلمِ بكلامِ الله تعالى، ووجوبِ اتصافه بكونهِ صِدْقًا؛ إذِ السمعيَّاتُ تستندُ إلى كلامِ الله تعالى، وما يسبقُ وجوده في الترتيبِ ثُبوت الكلام وجوبًا، فيستحيلُ أن يكون مُدركه السمع.
وأمَّا ما لا يُدركُ إلَاّ سمعًا =فهو القضاءُ بوقوع ما يجوز في العقل وقوعه، ولا يجبُ أن يتقرر الحكم ثبوت الجائز ثبوته فيما غاب عنَّا إلَاّ بسمع ... ) (١)
فأنت ترى أنَّ هذا التقسيم من موارد الخلل فيه جَعْلُ ما كان إدراكُه مُختصًّا من تلك العقائد بالدَّلالة السّمعيّة =مقيَّدًا بتجويز العقل له، فإن لم يحصل التجويز لم يقع تصحيح ذلك المُدرك من ذلك الطريق!
ويقول الغزالي: ( ... أمّا ما قَضَى العَقْلُ باسْتحالتِهِ =فيَجِبُ فيه تأويلُ ما وَرَدَ السَّمْعُ به، ولا يُتصوَّرُ أَنْ يَشْتَمِلَ السَّمْعُ على قاطعٍ مُخالفٍ للعقولِ، وظَوَاهرُ أَحاديثِ التَّشبيه أَكثرها غيرُ صحيحةٍ، والصَّحيحُ منها ليس بقاطعٍ، بل هو قابل للتأويلِ) (٢)
وعلى وَفْق هذا القانون -أعني القول بأوليَّة العقل-درج كُلُّ من جاء من المتأخرين المتمعقلين على النُّصوص على اختلاف مَشاربهم وتفاوت منازلهم في الانحراف، فترى الشيخ محمد عبده يؤصل للإسلامِ أُصولًا، فيعدُّ الأصل الثّاني من الأصول التي قام عليها الإسلام ما ذكره بقوله: (الأصلُ الثَّاني للإِسلام: تقديمُ العقلِ على ظاهرِ الشَّرعِ عند التعارض. أَشْرَعُ إليك بذكر أَصلٍ يتبع هذا الأَصلَ المُتقدِّم قبل أن انتقل إلى غيره=اتّفق أهلُ المِلّةِ الإِسلاميَّةِ (٣) -إلاّ قليلًا ممن لا يُنظر إليه-
стр. 32
على أَنّه إذا تعارض العقلُ والنَّقل أُخذَ بما دلَّ عليه العقلُ.
وبقي في النقل طَريقان:
[الأولى]: طريق التسليم بصحة المنقولِ مع الاعتراف بالعجزِ عن فَهْمِهِ، وتفويضِ الأمر إلى الله في علمه.
والطريق الثانيةُ: تأويلُ النَّقلِ، مع المُحافظةِ على قوانين اللُّغَةِ، حتّى يتّفِقُ معناهُ مع ما أثْبتَه العقلُ. وبهذا الأصلِ، الّذي قام على الكتابِ وصحيحِ السُّنّةِ، وعَمَلِ النبي ﷺ ، مُهِّدت بين يدي العقل كل سبيل، وأزيلت من سبيله جميع العقبات) (١)
بل إنَّه يجعل النَّظَرَ في الحقائق مُقدَّمًا على الأَخْذِ بالدَّلائل الشرعيَّة، فيقول: (الواجب على كُلِّ ذي عقل أَن ينظرَ في الحقائق، ويسبُرها على وجه أدق، بحَسَبِ طاقته، ويُقيم البراهين القطعيَّة، على النَّفي والإثبات. ثُمَّ يأخذ ألفاظ الشَّارع مُسَلَّمة مقبولة، قائلًا: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ آل عمران.
ولا يتعسَّف طريق التأويل؛ فإنَّ هذا حالٌ شَرحُه طويل؛ فإنَّا لا ندري ماذا أراد بما قال، فرُبَّما ذهب اشتغالنا هباء منثورًا. فالحقُّ أن لا يُهمل النَّظر، وأن يكون من التأويل على خَطر =وهذه رُتبة الرَّاسخين في العلم الذين وقفوا على الحقائق بصفاء عقولهم، ثم يقبلون ما جاءهم من ربهم، مع عدم الاستطلاع لما هو دفينٌ تحت حُجُب أستاره) (٢)
وأمّا نصر حامد أبو زيد فيأْبى أَن تكون النُّصوصُ الشَّرعية مرجعيّةً
стр. 33
شاملةً يتحاكمُ إليها المُسلم في كُلِّ شؤونه الدّنيوية والدِّينية؛ ويزعم أَنَّ جعل هذه النُّصوص -ويعني: الكتاب والسُّنّة- في رُتبة الحاكم المُطلق الّذي تُرَدُّ إليه الخصومات، وتفئ إليه الجزئيات =إنّما هو من توليد الفكر الدِّيني، لا أنّ ذلك نابع مِن حقيقتها التي أَرادها الله منها، ثمّ إنّ بَسْطَ سلطان هذه النُّصوص -بِزعْمِه- سببٌ في تضاؤل سُلطة العقل!
فتأمل قولَه: (. .إِنَّما ينشأُ التَّصادمُ بين العقل وسُلطة النُّصوص؛ وذلك أَنَّه حين تتحوَّل النُّصوص إلى سُلطة مُطلقةٍ، ومَرجعيَّة شاملةٍ بفعل الفكر الدِّيني ... .تتضاءل سُلطة العقل، وفي تضاؤلِ سُلطة العقل يكمنُ التَّخلّف الَّذي نُعانيه على جَميع المُستويات والأَصعدة) (١)
ويقول عادل ضاهر: ( ... أَي مَصدرٍ نلجأ إليه غير العقل، مهما كانت درجةُ مَوثوقيَّته، فإنَّها لا تَرْقى إلى مُستوى مَوثوقيَّة العقل. إنَّ هذا ما توضِّحهُ الأُطروحة الثَّانية في تأكيدِها على كون الاعتبارات العقليَّة في حال حصول تعارضٍ بينها وبين الاعتبارات الصَّادرةِ من مصدر غير عقلي =هي دائمًا مُبطلة للأخيرة. فإذا كان اللُّجوء إِلى السُّلطةِ المُناسِبةِ للحُصولِ على مَعلومات مُعينة له ما يوجبه في ظلِّ ظروفٍ مُعيَّنة=فإنَّ هذا لا يجوزُ أن يُنسِينا أنَّ موثوقيَّة هذه السُّلطةِ، بدئيًّا، تأسَّست على أدلَّة عقليّة، وأنَّه في أيِّ لحظَةٍ قد تظهر أَدلّةٌ عقليَّةٌ جديدةٌ تضع مَوثوقيَّة هذه السُّلطةِ موضع السُّؤال. وفي حالِ ظهور أَدلَّةٍ كهذه؛ فإنَّ اللجوءَ إلى هذه السُّلطة يُصبِحُ أَمرًا مُتعارضًا مع الاعتباراتِ العقليّة، وإذا كانت اعتباراتٌ من النَّوعِ الأخير. .هي الأكثر موثوقيَّة، إذن ما يتبع فورًا هو أنَّ من يُريد أن يضمن اقترابَه من معرفةِ الحقيقةِ إلى الحدِّ الأقصى -في الحالة التي تَعنينا-=لايملكُ سوى أن يُعطي للاعتبارات العقليَّة وزنًا أكبر من
стр. 34
الاعتبارات المُسّتمدَّة مِن السُّلطة المُعيَّنة) (١)
ثم يُبيِّن أنَّه لا وجودَ للتعارض الحقيقي بين النَّقل والعقل، وإنّما التعارض بينهما تعارض ظاهري، وانتفاء وجود التعارض حقيقة -لديه- ليس على أَساس استحالة التعارض بينهما؛ لكون الدَّلائل العقلية موافقة للدلائل النقليَّة وتَضمُّن الأخيرة للأولى =وإنّما على أساس امتناع وجود معرفةٍ يُوثقُ بها تكون في رُتبة المعرفة العقليَّة لِيقع التعارض (٢)!!
وفي ذلك يقول: (الموقفُ من أيِّ تعارضٍ بين النَّقلِ والعقلِ، مِن قِبَلِ الَّذين يعتبرون النَّقلَ مَصْدَرًا من مصادر المعرفةِ= هو أنَّهم لن يتخلَّوا عمَّا وَصَلَهم عن طَريقِ النَّقلِ، حتَّى ولو تبيَّن على نحو قاطعٍ أَنَّ تعارضَه مع العقل هو تعارضٌ حقيقيٌ، وليس مُجرَّد تعارضٍ ظاهري، حتَّى موقف كهذا لا يفلت من المعايير العقليَّة. فإذا اختار واحدُنا التَّمسكَ، مثلًا، بالفهم الحَرْفي لِقِصَّة الخلق في وجه كُلِّ الأَدلَّةِ التي نَجِدُها في نَظَريَّة التطوّر، وعِلم الإحاثةِ، وعلم الفَلَك (٣)،
حتَّى في حال اعترافهِ بعدَم إمكان التوفيق بين هذا الفهم والأدلَّة الأخيرة =فإنَّه مُطالبٌ بأنْ يُبيِّنَ لماذا يَثِقُ بالنَّقلِ أكثر من ثِقَتِه بالعقلِ، بمعنى آخر =إنَّ عليه أن يُعطي أَسْبابًا لترجيح أحكام النَّقلِ على أحكام العقل، وإلَاّ يكونُ موقِفُهُ تحكُّميًّا، من الواضحِ إذنْ؛ أنَّ العقلَ يبقى مَرجِعنا الأخير بِخصوصِ قَبولِ، أو رفض موقف كهذا (٤)، فالعقلُ هو سَبيلُنا الوحيد لتقويمِ أَيّ
стр. 35
أسبابٍ قد يأتي بها من يتبنَّى مَوقِفًا كهذا لتدعيمِ موقفِهِ.
ولكن قد يتساءلُ بعضهم: لماذا لا نُطالب مَن يَرفض قِصَّة الخلق، أو الفهم الحرفي لها بالأحرى في وجه الأدلَّة المُشار إليها؛ بإعطاء أَسباب لترجيحهِ أحكام العقلِ على النَّقلِ؟ =الجواب بسيطٌ، وهو يتلخَّص في القول: إنّ العقل أثبتَ موثوقيتَه خِلال أزمنة طويلة وضعت طُرقَه ومبدءه، ومعاييرَه فيها باستمرار على مَحكِّ التجرِبَةِ العمليَّة (١) .. ) (٢)
ويقول محمّد حمزة: (إنَّ العقلَ بما هو فعَالية اجتماعيَّة تاريخيَّة متحرِّكة قابل للخطأ لكنَّه وبنفْسِ الدَّرجةِ قادرٌ على تَصْويبِ أخطائهِ؛ ولأَنّ العقلَ سُلْطَةٌ اجتماعيَّةٌ وتاريخيَّةٌ =فهو ضدُّ الأحكامِ النِّهائية والقطعيّة ... هكذا يُصبحُ العقلُ أوَّلًا والنَّصُّ ثانيًا (٣)؛ لأنَّ النَّصَّ يجِبُ
стр. 36
أَلَاّ يُخالفَ أغراضَ الإِسلامِ العُليا التي تَرْمي إلى سعادةِ الإِنسان في الدُّنيا والآخرة.
إنّ انتقادات هذه الرِّوايات ذات البنية الأُسطوريَّة (١)
يعني رفضَ إلغاء العقلِ لصالح نُصوصٍ لا يمكن أنْ يُصدِّقُها عَقلٌ إلَاّ إذا كان مُتعفِّنًا ومن أَجل ذلك لا يُمكِنُنا أن نَسكُت عنها غير أَنَّ تحكيمَ العقلِ في هذه النُّصوص لا يمكن أنْ يَقْبَلَهُ الفكر الدِّيني المحافظ؛ لأنَّه لايُنْتجُ إلاّ الفوضى في قَبول الأحاديث أَو رفْضِها فما يسْتغربه العقل ولا يقبله من أحاديث الصحاح أَمرٌ نِسْبيٌ يَتْبَعُ الثقافةَ والبيئة مما لا يَضْبِطُه ضابطٌ، ولا يُحدِّده مقياسٌ، وما كان غامضًا على العقولِ أَصبح اليوم واضحًا جَليًّا يستحيلُ العقلُ مِن خلال هذا الفَهمِ لدوره إلى تابعٍ يَلوذُ بالنَّصِّ، ويحتمي به، وهو ما حدث في تاريخِ الثقافةِ العربيِّةِ الإسلاميَّةِ بشكْلٍ تدريجيٍّ حين تمَّ القضاءُ على الاعتزالِ بعد عَصر المأْمونِ، وتمَّ بالمِثلِ حِصارُ العقل الفلسفيِّ في دوائرَ ضيِّقةٍ، ويستمرُّ الخطاب السَّلفيُ في هذا الفَهمِ لدور العقلِ، ويتصَوَّر بذلك أَنَّه يؤسّس العقلَ =والواقعُ أنَّه يَنْفيهِ بنفي أَساسِهِ المَعْرفي، ويُسوِّغُ النَّقل والاتباعَ والتقليدَ باعتمادِ عَقلٍ اتِّباعي نقلي) (٢)
وأمَّا محمد شحرور فالعقل لديه ليس له حدود يقف عندها، لذا
стр. 37
تراه يُنكر كل معرفة تتجاوز العالم المادِّي، وفي ذلك يقول: (الكونُ مادي، والعقلُ الإنساني قادر على إِدراكِهِ ومعرفتهِ، ولا توجد حدودٌ يتوقفُ العقلُ عندها ... ولا يعترفُ العلمُ بوجود عالمٍ غير مادي =يعجزُ العقلُ عن إدراكه) (١) .
وبلغ الغلو العلمانيُّ في العقل مبلغَه، حين ادَّعى حسن حنفي عدم افتقار البشريَّة للنُّبوّة لكفاية العقل لهم، ولأنَّ النبوّة لا فائدة منها إلَاّ بعث النَّاس على الفُرقة والتعصب، فالنُّبوَّة عنده ضررٌ محقق لا نفع فيه، وفي تقرير ذلك يقول:
(فالنبوَّات لا يُحتاج إليها العقلاء، كما أنَّها تبعث النَّاسَ على التحزُّبِ والتعصُّب، وتزيدُ من حِدّة الانفعالات، وتغرق الإنسان في الوهم، وبإمكانيةِ خرق قوانين الطبيعة. كما أَنَّها توقع في التشبيه وهو ما يعارض التنزيه العقلي. وتدفعُ نحو الخيال أكثر مما تدفع نحو العقل. وتَعِدُ النَّاس بِسعادةٍ أُخرويَّة. والفعل الأخلاقي لا يقوم على إلزام أَو جزاء ... ) (٢) .
وممَّا تقدَّم سوقه يتجلَّى للنَّاظر أمور:
الأمر الأوَّل: اعتقادُ المُخالفين لأهلِ السُّنَّة والجماعة بوجود الخصومة ... بين النَّقل والعقل ووقوع التّعارض أو إمكانه وجوازه، وأنَّ تقديم النَّقل ... على العقل يستلزم الدَّور المُحال بداهة إذ حُجيَّة الخبر الشَّرعي لا يمكن أن ... تعلم إلَاّ بإثبات الدلالة العقليَّة، ولولا تصحيح العقل له لما أفاد، ... فتقديم النَّقل عندئذٍ يستلزم القدح في أَصله، وهذا ما
стр. 38
ادَّعاهُ المخالفون ... بدءًا من المعتزلة (١)، ومرورًا بالأشاعرة والماتريديَّة (٢)، وانتهاءً بالعلمانيين (٣)، والدَّور في حقيقة الأَمْرِ مُنتفٍ؛ لأنَّ تصورَه مُقامٌ-كما سبق- على افتعال الخصومة بين العقل والنقل، ولا خصومة بينهما عند التحقيق. ودعوى مركزية العقل دعوى وهميّة لا تحقق لها، ولا ينقض رفضَ هذه الخصومة =التسليمُ بوجود مبادئ فطرية مركوزة في العقل الإِنساني، بل وجود هذه المبادئ والإِقرار بها يوطِّد وهن هذه الدعوى؛ ذلك أنَّ هذه المبادئ مع كونها من مكوّنات العقل البشري إلَاّ أنَّها غير كافيةٍ في تحصيل الحقائق إمَّا مُطلقًا، وإمَّا على وجه التفصيل، فهي مُفْتَقِرة إلى نُور الوحي.
الأَمر الثَّاني: أنَّ اعتقاد الخصومة بين الدلالتين أَصلٌ تولَّد منه القول بأوَّليَّةِ العقلِ على النَّقل، هذه الأوَّليَّة إمَّا مُطلقة وهذا ما تراه عند العلمانيين الّذين لا يعتبرون بمعرفة سوى ما كان مُحصَّلًا من طريق العقل =أَو كانت هذه الأَوليَّة مُقيَّدة في حال التعارض المُدَّعى، وهذا التقييد تجده عند الطوائف الكلاميَّة المُعظِّمة للشَّريعة ومن شايعهم، والتي رامت تنزيه الدِّين عن مُناقضة الضرورة العقلية بحسب اعتقادها.
فإن قيل: إنَّ في إطلاقات جُملةٍ من المُتكلِّمين ما يدلُّ على استحالة تعارض العقل والنَّقل، كما قال الغزاليُّ في وَصْفِ معتقد الأَشَاعرةِ: (وتحقَّقوا أن لا مُعاندة بين الشَّرعِ المنقول، والحقِّ المعقول) (٤) .
стр. 39
فيقال: إنَّ التعارضَ المنفي في أَقوالهم تراه عند التأمَّل، يقع في فلَك ما لا يُعارض معقولًا اسَّتقرَّ لديهم، أَو فيما كان من قبيل الشَّرعِ المُبدَّل -لا المُنزّل- أي الشَّرع الّذي سُلِّط عليه آلة التأويل ليُوافق أُصولهم الثَابتة لديهم.
الأَمرُ الثَّالثُ: أنَّ العقلَ المقول بأوليَّته غير منضبِطِ المعالم لدى أَصحابه، فالطوائفُ الكلاميَّةُ على ما بينها من شَتات في الأُصول، تنصبُ كُلُّ طائفة منها أُصولها عقلًا تُحاكمُ إليه الدَّلائل الشَّرعيّة، وهذه الأُصول درج عليها حتَّى المُتأخرون ممن انتحل طريقتهم، إلَاّ أنَّ فئامًا منهم -كالشَّيخ محمد عبده، مثلًا-لم تكن المركزيَّة لديهم لعقل واحدي وهو العقل المُستبطِن أُصول الطائفة، بل أَصبح العقل لديهم مُركَّبًا من أُصول الطَّائفةِ التي ينْتَحِلون طريقتها وممَّا استولده الفكر البشري من نظريَّاتٍ علميَّةٍ ثبتت قطعية بعضها ولم يرق كثيرٌ منها إلى رُتبة الحقائق المقطوع بها =ممَّا آل إلى توسيع دائرة المُناقضة للدَّلائلِ الشَّرعيَّةِ.
وأَمَّا العقلُ عند التيَّارات الفكريّة الحديثة فمع اختلاف جذورها المعرفيَّة، إلَّا أنَّ الأَصلَ الجامع والقدر المُشترك الّذي يتبدَّى بينها =منح المركزيَّة للعقل المادِّي الَّذي يُرجِع كُلَّ شيء إلى عالم المادة وينْفي ما جاوزها من الغيبيَّات والمُطلقات.
ومُحصَّلُ القول أنَّ العقلَ الذي يلحُّ المخالفون على أوليَّته، لا يضْبِطه حدٌّ، وليس بين هذه العقول ائتلاف=فنتج من ذلك استحالة القول بأوّليّتِهِ.
стр. 40
المبحث الثاني ظاهر النص الشرعي بين القراءة العصين والقراءة النسقية
إن العلاقة بين العقل وبين ظواهر النصوص -عند المخالفين لأهل السنة والجماعة- = علاقةٌ مركّبة مِن نظرتين متنافيتين:
إحداهما: نظرة تصادمية، تقرّر إمكان مناقضة ظاهر النَّص للبراهين العقلية.
وهذه النظرة لها صورتان عند المخالفين:
- فإنهم تارة يجعلون المعنى الفاسد الذي توهموا أنه المراد من الدليل السمعي هو الظاهر. وعلى مذهبهم - كما سيأتي نَصُّهم على ذلك - يمكن أن يكون ظاهر الأدلة ما هو كفر وإلحاد.
- وتارةً يجعلون المعنى الحقّ الذي قرره الدليل السمعي المناقض لأُصولهم هو الظاهر الذي لا يمكن أن يكون مرادًا.
وفي كلتا الصورتين يتسلطون بالتأويل؛ طلبًا لأن تكون معاني ما دلت عليه البراهين الشرعية موافقة لمرادهم وأصولهم، لا لمراد المتكلم بها.
والنَّظرة الأخرى: ذرائعيَّة نفعيَّة، تنصب الوفاق بين الظواهر والعقل متى كانت هذه الظواهر المُدَّعاة من النص توافق ما أثّلوه وقرروه.
وكلتا النظريتين تؤول في الحقيقة إلى نظرةٍ واحدية تنصبُ "العقل المَدْخول" حَكَمًا؛ ما وافَقه قُبِلَ وكان هو الظاهر المراد، وما ناقضه رُدّ وكان ظاهرًا غير مراد.