أَلَاّ يُخالفَ أغراضَ الإِسلامِ العُليا التي تَرْمي إلى سعادةِ الإِنسان في الدُّنيا والآخرة.
إنّ انتقادات هذه الرِّوايات ذات البنية الأُسطوريَّة (١)
يعني رفضَ إلغاء العقلِ لصالح نُصوصٍ لا يمكن أنْ يُصدِّقُها عَقلٌ إلَاّ إذا كان مُتعفِّنًا ومن أَجل ذلك لا يُمكِنُنا أن نَسكُت عنها غير أَنَّ تحكيمَ العقلِ في هذه النُّصوص لا يمكن أنْ يَقْبَلَهُ الفكر الدِّيني المحافظ؛ لأنَّه لايُنْتجُ إلاّ الفوضى في قَبول الأحاديث أَو رفْضِها فما يسْتغربه العقل ولا يقبله من أحاديث الصحاح أَمرٌ نِسْبيٌ يَتْبَعُ الثقافةَ والبيئة مما لا يَضْبِطُه ضابطٌ، ولا يُحدِّده مقياسٌ، وما كان غامضًا على العقولِ أَصبح اليوم واضحًا جَليًّا يستحيلُ العقلُ مِن خلال هذا الفَهمِ لدوره إلى تابعٍ يَلوذُ بالنَّصِّ، ويحتمي به، وهو ما حدث في تاريخِ الثقافةِ العربيِّةِ الإسلاميَّةِ بشكْلٍ تدريجيٍّ حين تمَّ القضاءُ على الاعتزالِ بعد عَصر المأْمونِ، وتمَّ بالمِثلِ حِصارُ العقل الفلسفيِّ في دوائرَ ضيِّقةٍ، ويستمرُّ الخطاب السَّلفيُ في هذا الفَهمِ لدور العقلِ، ويتصَوَّر بذلك أَنَّه يؤسّس العقلَ =والواقعُ أنَّه يَنْفيهِ بنفي أَساسِهِ المَعْرفي، ويُسوِّغُ النَّقل والاتباعَ والتقليدَ باعتمادِ عَقلٍ اتِّباعي نقلي) (٢)
وأمَّا محمد شحرور فالعقل لديه ليس له حدود يقف عندها، لذا
стр. 37
تراه يُنكر كل معرفة تتجاوز العالم المادِّي، وفي ذلك يقول: (الكونُ مادي، والعقلُ الإنساني قادر على إِدراكِهِ ومعرفتهِ، ولا توجد حدودٌ يتوقفُ العقلُ عندها ... ولا يعترفُ العلمُ بوجود عالمٍ غير مادي =يعجزُ العقلُ عن إدراكه) (١) .
وبلغ الغلو العلمانيُّ في العقل مبلغَه، حين ادَّعى حسن حنفي عدم افتقار البشريَّة للنُّبوّة لكفاية العقل لهم، ولأنَّ النبوّة لا فائدة منها إلَاّ بعث النَّاس على الفُرقة والتعصب، فالنُّبوَّة عنده ضررٌ محقق لا نفع فيه، وفي تقرير ذلك يقول:
(فالنبوَّات لا يُحتاج إليها العقلاء، كما أنَّها تبعث النَّاسَ على التحزُّبِ والتعصُّب، وتزيدُ من حِدّة الانفعالات، وتغرق الإنسان في الوهم، وبإمكانيةِ خرق قوانين الطبيعة. كما أَنَّها توقع في التشبيه وهو ما يعارض التنزيه العقلي. وتدفعُ نحو الخيال أكثر مما تدفع نحو العقل. وتَعِدُ النَّاس بِسعادةٍ أُخرويَّة. والفعل الأخلاقي لا يقوم على إلزام أَو جزاء ... ) (٢) .
وممَّا تقدَّم سوقه يتجلَّى للنَّاظر أمور:
الأمر الأوَّل: اعتقادُ المُخالفين لأهلِ السُّنَّة والجماعة بوجود الخصومة ... بين النَّقل والعقل ووقوع التّعارض أو إمكانه وجوازه، وأنَّ تقديم النَّقل ... على العقل يستلزم الدَّور المُحال بداهة إذ حُجيَّة الخبر الشَّرعي لا يمكن أن ... تعلم إلَاّ بإثبات الدلالة العقليَّة، ولولا تصحيح العقل له لما أفاد، ... فتقديم النَّقل عندئذٍ يستلزم القدح في أَصله، وهذا ما
стр. 38
ادَّعاهُ المخالفون ... بدءًا من المعتزلة (١)، ومرورًا بالأشاعرة والماتريديَّة (٢)، وانتهاءً بالعلمانيين (٣)، والدَّور في حقيقة الأَمْرِ مُنتفٍ؛ لأنَّ تصورَه مُقامٌ-كما سبق- على افتعال الخصومة بين العقل والنقل، ولا خصومة بينهما عند التحقيق. ودعوى مركزية العقل دعوى وهميّة لا تحقق لها، ولا ينقض رفضَ هذه الخصومة =التسليمُ بوجود مبادئ فطرية مركوزة في العقل الإِنساني، بل وجود هذه المبادئ والإِقرار بها يوطِّد وهن هذه الدعوى؛ ذلك أنَّ هذه المبادئ مع كونها من مكوّنات العقل البشري إلَاّ أنَّها غير كافيةٍ في تحصيل الحقائق إمَّا مُطلقًا، وإمَّا على وجه التفصيل، فهي مُفْتَقِرة إلى نُور الوحي.
الأَمر الثَّاني: أنَّ اعتقاد الخصومة بين الدلالتين أَصلٌ تولَّد منه القول بأوَّليَّةِ العقلِ على النَّقل، هذه الأوَّليَّة إمَّا مُطلقة وهذا ما تراه عند العلمانيين الّذين لا يعتبرون بمعرفة سوى ما كان مُحصَّلًا من طريق العقل =أَو كانت هذه الأَوليَّة مُقيَّدة في حال التعارض المُدَّعى، وهذا التقييد تجده عند الطوائف الكلاميَّة المُعظِّمة للشَّريعة ومن شايعهم، والتي رامت تنزيه الدِّين عن مُناقضة الضرورة العقلية بحسب اعتقادها.
فإن قيل: إنَّ في إطلاقات جُملةٍ من المُتكلِّمين ما يدلُّ على استحالة تعارض العقل والنَّقل، كما قال الغزاليُّ في وَصْفِ معتقد الأَشَاعرةِ: (وتحقَّقوا أن لا مُعاندة بين الشَّرعِ المنقول، والحقِّ المعقول) (٤) .
стр. 39
فيقال: إنَّ التعارضَ المنفي في أَقوالهم تراه عند التأمَّل، يقع في فلَك ما لا يُعارض معقولًا اسَّتقرَّ لديهم، أَو فيما كان من قبيل الشَّرعِ المُبدَّل -لا المُنزّل- أي الشَّرع الّذي سُلِّط عليه آلة التأويل ليُوافق أُصولهم الثَابتة لديهم.
الأَمرُ الثَّالثُ: أنَّ العقلَ المقول بأوليَّته غير منضبِطِ المعالم لدى أَصحابه، فالطوائفُ الكلاميَّةُ على ما بينها من شَتات في الأُصول، تنصبُ كُلُّ طائفة منها أُصولها عقلًا تُحاكمُ إليه الدَّلائل الشَّرعيّة، وهذه الأُصول درج عليها حتَّى المُتأخرون ممن انتحل طريقتهم، إلَاّ أنَّ فئامًا منهم -كالشَّيخ محمد عبده، مثلًا-لم تكن المركزيَّة لديهم لعقل واحدي وهو العقل المُستبطِن أُصول الطائفة، بل أَصبح العقل لديهم مُركَّبًا من أُصول الطَّائفةِ التي ينْتَحِلون طريقتها وممَّا استولده الفكر البشري من نظريَّاتٍ علميَّةٍ ثبتت قطعية بعضها ولم يرق كثيرٌ منها إلى رُتبة الحقائق المقطوع بها =ممَّا آل إلى توسيع دائرة المُناقضة للدَّلائلِ الشَّرعيَّةِ.
وأَمَّا العقلُ عند التيَّارات الفكريّة الحديثة فمع اختلاف جذورها المعرفيَّة، إلَّا أنَّ الأَصلَ الجامع والقدر المُشترك الّذي يتبدَّى بينها =منح المركزيَّة للعقل المادِّي الَّذي يُرجِع كُلَّ شيء إلى عالم المادة وينْفي ما جاوزها من الغيبيَّات والمُطلقات.
ومُحصَّلُ القول أنَّ العقلَ الذي يلحُّ المخالفون على أوليَّته، لا يضْبِطه حدٌّ، وليس بين هذه العقول ائتلاف=فنتج من ذلك استحالة القول بأوّليّتِهِ.
стр. 40
المبحث الثاني ظاهر النص الشرعي بين القراءة العصين والقراءة النسقية
إن العلاقة بين العقل وبين ظواهر النصوص -عند المخالفين لأهل السنة والجماعة- = علاقةٌ مركّبة مِن نظرتين متنافيتين:
إحداهما: نظرة تصادمية، تقرّر إمكان مناقضة ظاهر النَّص للبراهين العقلية.
وهذه النظرة لها صورتان عند المخالفين:
- فإنهم تارة يجعلون المعنى الفاسد الذي توهموا أنه المراد من الدليل السمعي هو الظاهر. وعلى مذهبهم - كما سيأتي نَصُّهم على ذلك - يمكن أن يكون ظاهر الأدلة ما هو كفر وإلحاد.
- وتارةً يجعلون المعنى الحقّ الذي قرره الدليل السمعي المناقض لأُصولهم هو الظاهر الذي لا يمكن أن يكون مرادًا.
وفي كلتا الصورتين يتسلطون بالتأويل؛ طلبًا لأن تكون معاني ما دلت عليه البراهين الشرعية موافقة لمرادهم وأصولهم، لا لمراد المتكلم بها.
والنَّظرة الأخرى: ذرائعيَّة نفعيَّة، تنصب الوفاق بين الظواهر والعقل متى كانت هذه الظواهر المُدَّعاة من النص توافق ما أثّلوه وقرروه.
وكلتا النظريتين تؤول في الحقيقة إلى نظرةٍ واحدية تنصبُ "العقل المَدْخول" حَكَمًا؛ ما وافَقه قُبِلَ وكان هو الظاهر المراد، وما ناقضه رُدّ وكان ظاهرًا غير مراد.
стр. 41
ولتوطيد ما سلف؛ أَضرب أَمثلةً تكشف عن دلائل هذه النظرة التشذيبية الاختزالية عند المخالفين؛ ومِن ثَمَّ يتسنّى بَعدُ إِقامةُ النظرة الشمولية السلفية؛ لبيان العلاقة بين العقل وظواهر الأدلة على أَنْقَاضِ النظرة الخَلَفيَّة البدعيّة.
فيقال: إن من أمثلة هذه النظرة الخَلَفِيّة: ما تراه عند القاضي عبد الجبار؛ فإنَّه في الموضع الذي يريد فيه نُصرة مذهبه، يقرر لزوم الأَخذ بظاهر النصّ، امتناعَ أنْ يدل هذا الظاهرُ على غير مراد الله، ثم لا يكون منه بيانٌ يُعْرفُ به مرادُه. وفي بيان نصرته لإيجاب الاستحقاق وإنفاذ الوعيد يقول: (. . . وكذلك الوعد والوعيد، فإنَّا إذا كنا -كما نعلم- أنه تعالى عَدْلٌ حكيمٌ، لا يُلغِز، ولا يُعمِّي، ولا يخلف في وَعْدِهِ ووعيده؛ فلا بُدَّ من أن نعتقد أن مَا وَعَدَ به المؤمنين من الثواب واصلٌ إليهم لا محالة، وما توعد به العُصَاة نازل بهم. وأنه لا شَرْطَ ههنا، ولا استثناء؛ إذ لو كان لبيَّنَهُ. فلا يجوز -وهو حكيمٌ- أن يخاطِبَ بخطاب يُفيدُ ظاهرُه من الأمور، ولا يُريده به = ثم لا يَدلُّ عليه) (١)
ويقول -مُثبتًا "للميزان" الذي دلّت عليه النصوص: (أمَّا وَضْعُ "الموازين"، فقد صَرَّح الله تعالى في محكم كتابه، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الأنبياء: ٤٧ ... ولم يُرِدِ الله تعالى بالميزان إِلَاّ المعتدلَ منه المتعارفَ فيما بيننا، دون العدل وغيره -على ما يقوله بعض النَّاس-؛ لأنَّ الميزان وإن ورد بمعنى العدل في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ الحديد: ٢٥ فذلك على طريق التَوسُّع والمجاز = وكلام الله تعالى مهما أَمكن حَمْله على الحقيقة لا يجوز أن يُعدل به إلى المجاز) (٢)
стр. 42
فالظاهر المراد عند القاضي عبد الجبار هو ما جرى على وَفْق أُصوله الاعتزاليَّة = فإن خالفها لزِمَ حينئذٍ حَمْله على المجاز. قد أبان عن ذلك بقوله: (إن الكلام متى لم يمكن حمله على ظاهره وحقيقته؛ وهناك مجازان: أحدهما أقربُ، والآخر أبعد = فإن الواجبَ حمله على المجاز الأقرب دون الأبعد (١) .
فَبيِّنٌ ممّا سبق سوقه: جَمْع القاضي عبد الجبار بين النظريتين: النظرة التعاندية؛ التي تقرر إمكان مخالفة ظواهر النصوص للعقل. والنظرة النفعية؛ التي توظّف النص ليكون تبعًا لأصوله الاعتزاليَّة. والواقع أنْ ليس هناك إلَّا العقل المدخول، والذي أعني به: العقل الذي استبطن أُصولًا بدعيةً مفارقةً للدَّلائل الشرعيَّةِ؛ نقليّها، وعقليّها.
ومما يبرهن على أن لا حُجَّة عند المعتزلة إلّا ما قرره العقل الاعتزالي = ما كشف عنه القاضي عبد الجبار نَفْسُهُ بقوله: (فإِن قال: فيجب أَن تقولوا: إنّ ما في القرآن لا يَدُلُّ على التوحيد والعدل، وأنْ لا تحتجوا بذلك على المخالفين. قيل له: ليسَ يصحُّ الاحتجاج بذلك في إثبات التوحيد والعدل، وإنما نُورِدُه لنبيِّنَ خروج المخالفين عن التمسك بالقرآن، مع زعمهم أَنّهم أَشَدُّ تمسكًا به، ونُبيِّن أَنَّ القرآنَ كالعقلِ، في أنَّه يَدلُّ على ما نقول، وإنْ كانت دلالتُه على طريق التأكيد) (٢) .
ولم يكن الجمع بين هاتين النَّظرتين المُتنافيتين =مختصًّا بالمعتزلة، بل إنَّ الأَشاعرةً أَصابوا حظًّا من ذلك، فالقاضي أبو بكر بن العربي يُقنِّن في العلاقة بين الظواهر النَّقلية والعقل قانونًا، فيقول: (مِمَّا. . .جرى فيه
стр. 43
توقّف وغلط، أحاديث يُعارضُ ظاهرُها المقتضى بالعقل، لا تتعلَّق بالباري و لاصفاته، ولكنَّها تتعلَّق بما أخبر عنه من المعاني. . .=فإذا جاء ما ينفي العقلُ ظاهرَه =فلا بُدَّ من تأويله؛ لأنَّ حمله على ظاهره مُحالٌ فيكون غيرَ مفهوم، والشَّرعُ لا يأتي به؛ فلا بُدَّ من تأويله) (١)
وعلى وَفْق هذه النَّظرة الاختزالية للظاهر الشرعي أَسَسَّ الرازي قانونه الكُلّي، الذي أقامه على إمكان حصول التعارض بين الدلالة العقلية وبين الظاهر الشرعي، مختزلًا القطعية في الدليل العقلي، والظَنِّيَّة في الدَّليل النقلي؛ ومِنْ ثَمَّ جعلَ الغَلَبةَ والتقديم للدَّلالة العقليَّة، وإقصاء الظَّاهر الشرعي، بِعَدِّه غيرَ مراد للمتكلم به.
وفي بيان هذا القانون الكلي يقول الفَخْر الرَّازي: (اعلم أنَّ الدَّلائلَ القطعيَّة العقليَّة إذا قامت على ثبوت شيءٍ، ثم وجدْنا أدلةً نقليَّةً يُشْعِرُ ظاهرُها بخلاف ذلك = فهناك لا يخلو الحال من أَحدِ أمورٍ أربعةٍ:
- إمَّا أن يُصدَّق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين، وهو محال.
- وإمّا أن يُبطل فيلزم تكذيب النقيضين، وهو محال.
- وإمّا أَن يصدق الظواهر النقليَّة ويكذب الظواهر العقليَّة، وذلك باطل؛ لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقليَّة إلا إذا عرفنا بالدلائل العقليَّة إِثبات الصانع وصفاتِهِ، وكيفيَّة دلالة المعجزة على صدق الرسول ﷺ ، وظهور المعجزات على محمد ﷺ .
- ولو جوّزنا القَدْحَ في الدلائل العقليَّة القطعيَّة؛ صار العقل مُتَّهمًا غير
стр. 44
مقبول القول في هذه الأصول. وإذا لم نثبت هذه الأُصول خرجت الدلائل النقليَّة عن كونها مفيدة = فثبت أنّ القَدْحَ لتصحيح النَّقلِ يُفضي إلى القَدْحِ في العقل والنقل معًا، وأَنَّه باطل.
ولمَّا بطلت الأَقسام الأربعةُ لم يبق إلَاّ أن يقطع بمقتضى الدلائل العقليَّة، القاطعة بأن هذه الدَّلائلَ النقليَّةَ إمّا أن يقال غيرُ صحيحة، أو يقال إنَّها صحيحة؛ إِلَّا أنَّ المراد منها غيرُ ظواهرها ... ) (١).
ويقول الدكتور سُليمان دُنيا، متابعًا الرَّازي فيما قرّره من تعميق النظرة التصادمية بين الدّلالة العقليَّة وظواهر النصوص الشَّرعيَّة: (تمشِّيًا معَ قاعدةِ أَنّ العقلَ أَساسُ الدِّينِ =قَرّرَ عُلماءُ الإِسلامِ أَنَّ ما يَرِدُ من النُّصوصِ الدِّينيَّةِ مُخَالفًا لصريح العقل يُعْفى المُكَلَّفُ مِن الأمر باعتقاد ظاهره؛ لأَنّ التكليفَ بما يُخَالفُ صريحَ العقلِ =إِرْغامٌ وجبر، ولا جَبْرَ في الإِسلامِ ولا إِرْغام، وإذا لم يقع تكليف بما يُخالف ظاهره صَريح العقلِ، فللمُسلمِ الحق بعد أن رُفِعَ عنه إصرُ الإِيمان بهذا الظاهر الَّذي يُنافي صَريحَ العقل =في أَن يُفوِّضَ الأمرَ في تحديدِ المُرادِ بهذا النَّصِ إلى الله، كأَن يقول: آمنتُ بما أَرادَ اللهُ مِن هذا النَّصِّ، ولا حاجةَ بي إلى التَقصِّي عن المُرادِ منه =أو يميل بالنَّصِ إلى مَعنى يَقْبَلُه العقلُ ويَحْتمِلُهُ النَّصُّ) (٢)
فالمتأمِّل في كلام الرَّازي ومن تابعه يتحرّر لديه أَنَّ منشأ الغلَط لديهم، مُتأتٍّ من جهة اعتقادهم إِمكان حصول التعارُض بين الدَّلالتين. وهذا الاعتقاد باطل؛ ذلك أَنَّ الدَّليلَ العقليَّ جزءٌ من مفهوم الدليلِ الشَّرعيِ، شاهدٌ على صدق البراهين النقلية. فيمتنع وقوع التناقض بينهما؛ لأن بطلان الدليل مستلزمٌ بطلانَ المَدلول. هذه خَلَّة.
стр. 45
وخَلّة أخرى: أَن افتراض التعارُض -حتى على تقدير التَّسليم بمذهبه- ممتنعٌ؛ لأنَّ الدلائل العقلية عنده قطعيةٌ، والدلائل اللفظية ظَنّية مطلقًا. ومن المعلوم أنه لا تعارض بين القطعي والظني (١) و وجه امتناع أن تكون الدلائل النقلية مناقضة للبراهين العقلية = أنَّه لو كانت منافيةً لم يتحقق كونها أدلةً للعباد على مُرادات الله تعالى من خَلْقِهِ؛ لأن العقل حينئذٍ يأبى قبولها والعملَ بمقتضاها. واتفاق العقلاء يدل على كونها أدلةً؛ فبطل قولهم بالتنافي بين الدلالتين. هذا أمر.
والأمر الثاني: أن ورود التكليف بما يتنافى مع مُدْركات العقل ممّا لا يمكن بحال أن يصدقه العقل ويقبله = هو عند التحقيق تكليف بما لا يطاق. والتكليف بهذا النَّوع ساقط في الشريعة؛ فَعُلِم امْتناع تنافي الدلالتين.
والأمر الثالث: لو كانت الدَّلائل النَّقليَّةُ مُنْطويةً عَلَى مُخَالَفة الضَّرورةِ العقليَّة= لكان الكفار أوَّل من سارع لردِّها؛ لما عُلِمَ من تضاعُف كَلَبِهم في رَدِّ ما جاء به النبيّ ﷺ ، وتَشَوّفهم للظَّفَرِ بأدنى مَطْعن للطعن فيما بُعث به ﵊؛ حتى إنهم كانوا يفترون عليه، وعلى ما جاء به فتارة ينعتونه ﷺ بأنه شاعر، وتارةً ساحر، وتارة مجنونٌ. ويفترون على ما جاء به: بأنه سحرٌ، وشعرٌ، وأَساطير الأولين. فلو كان فيما جاء به ما يتناقض مع دلائل العقل لكان ذلك أَوْلى ما يَنْعتُون به ما جاء به ﷺ = فانتفاء ذلك منهم ضرورةٌ يُعلم منه جريان الدلائل النقلية على وفق مقتضى العقل الفطري.
وإنّما كان تكذيبهم للوحي لأمور أخرى؛ كالعناد، والاستكبار (٢).
ومصادمته للذهنية الوثنية التي كانت بمثابة القالب المعياري المنسوج بخيوط العادة والتقليد لما كان عليه الأسلاف.
стр. 46
ويقال -على فَرْض إمكان التعارض-: إنَّ التقديم للدلالة العقلية عند التعارض ليس بالنظر لجهة ورودها؛ بل لاتّصَافِها بالقَطْع. فالدليل السمعي يكون قطعيًّا في موارد عدة. ومن نَفَى ذَلك فإنما يخبر عن جَهْله، لا بما هو ثابت في نفس الأمر.
وبرهان إفادتها القطع واليقين ضرورتان:
إحداهما: أَن الصحابة رضوان الله عليهم فهموا مُراده ﷺ من خطابه.
الضرورة الثانية: أنّهم نقلوا إلينا مراده كما نقلوا اللّفط الدَّال عليه (١) .
فإذا تقرر ذلك؛ فكلا الدَّليلين تَعْتورهما القطعيَّة والظنيَّة. فليست القطعية صفةً ملازمةً للدليل العقلي، وليست الظنية محصورة في الدليل النقلي. وعلى هذا؛ فلا يخلوا الحال = إمَّا أن يكون الدليلان قطعيين أو ظنيين، أَو أحدهما قطعي والآخر ظني. فإن كانا قطعيّين فإنه يمتنع حصول التعارض بينهما؛ لأنه يلزم من ذلك الجمع بين النقيضين. وإن كانا ظنيين فإنه يُلْتَمَس طلب ترجيح أحد الدليلين، فأيُّهما تَرجّح كان هو المُقدّم. أما في حالة كون أحد الدليلين -سمعيًّا كان، أو عقليًّا- قطعيًّا كان أوظنِّيًا؛ فإن التقديم حاصل للقطعيّ منهما (٢) .
وبهذا الإجمال يُعْلمُ فَسَاد ما ذهب إليه الرازي ومن وافقه؛ من طريقين:
الأول: نفي التسليم بأصل إمكان التعارض.
الثاني -على تقدير صحة الأصل -: منع الحصر في التقسيم الذي رَسَمَه في قانونه.
стр. 47
وبه يُعلم فساد ما ذهب إليه السنوسي (١) ومن وافقه -كالصاوي (٢) -؛ مِنْ عَدِّ التمسك بظواهر الأدلة النقلية من أصول الكُفر، حيث قال الصَّاوي: (وأصول الكفر والبدعة سبعة. . التَّمسُّك في عقائد الإيمان بمجرد ظواهر الكتاب والسنة، من غير عرضها على البراهين العقلية، والقواطع الشرعية) (٣)
وعلة الوقوع في هذه الفاقرة هو اعتقادُهم أَنَّ ظواهرَ النُّصوص قد تدل على ما لا يليق نسبته إلى الشَّرع بحسب ما اعتقدوه، لا بحسب الواقع. وهذا الاعتقاد هو أَصل أَهل الكفر، وقد عُلِمَ فَسادُه بالضرورة؛ فإن الله أنزل وحيه بيانًا للخلق، وهدايةً.
وبعد الإبانة عن النظرة النَّكِدَة عند المخالفين للعلاقة بين العقلِ وظواهر النصوص = فإن من المتحتم الكشف عن حقيقة العلاقة الاتساقيّة التوافقية بين دلالة العقل وبين هذه الظواهر.
فيقال: الظاهر إذا أُطلق فإنه يُقْصَدُ به: ما يسبق إلى العقل الفطري لمن يفهم بتلك اللُّغة المخاطب بها. ثم هذا الظهور قد يكون بمجرد الوَضْعِ، وقد يكون بسياق الكلام والقرائن المحتفَّة به (٤) .
فلا يمكن بحالٍ أن يكون النّصُّ الشرعي غُفْلًا عما يُبينُ عن مراد المتكلِّم به؛ فإنّ هذا ممتنع على من قَصَد بِشَرْعِهِ أن يكون هدايةً للخلق
стр. 48
وعِصْمةً لهم من الضلال. فإحراز الظاهر الحقيقي يستلزم لحظ الضوابط التالية:
الضابط الأول: أن الألفاظ -كما هو معلوم - قوالبُ المعاني. فاللفظ يكون له معنى معجَميٌّ إذا تجرَّد عن التركيب، وقد يكون له معانٍ أخرى تظهر حين الاستعمالِ. وهذا المعنى "الاستعمالي" لا يَسْتَبينُ مدلُولُه إلا من خلال تركيبه؛ فإن من سَنَن العَرَبِ في خِطَابها التَوسّع في الاستعمال، فيخاطبون-مثلًا-الجميع بلفظ الواحد، والواحد بلفظ الجميع، والجميع الذي يُراد به الاثنان (١)، ويسمون الشيءَ باسم الشيء إذا جاوره (٢) . = فمن لم يلحظ هذا المنزع = أَخطأَ في فَهْم الوحي الذي جاء على وفق معهودهم في الخطاب، قال الإمام مكي بن أبي طالب ﵀: (و لا يَحْسُنُ نقلُ المعروفِ في كَلامِها (٣) إلى غَيْرهِ إلَاّ بِحُجَّةٍ ودليلٍ يَجِبُ له التَّسليم) (٤)
الضابط الثاني: أنّ من الغَلَطِ المُحقَّق حين تناول النص تجريدُ اللفظ من تركيبه وسياقه، ثم قَصْر الظاهر على ما يتبادر من اللفظ مجرّدًا
стр. 49
عن تركيبه. فهذا -بلا ريب- قصور في تحصيل الظاهر. ثم تجد المخالف يبني على قصور نظرهِ معاندة العقل للظاهر الشرعي.
والحقيقة: أن المُناقضة واقعة بين العقل وظاهره "المتوهم"، لا ظاهر الدليل في نَفْسِ الأَمر. ولهذا المقام أَمثلة عديدة، اجتزئ منها بمثالٍ دالٍّ على المقصود. ومن ذلك: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ الملك. فهذه الآية يدل ظاهرها على إثبات علو الله تعالى على مخلوقاته، وهذا الظاهر مُحصَّل بدلالة السياق، وبإدراك العقل المسدَّد. وأما من نَظَر إلى الحرف "في" نظرًا مُجرَّدًا عن سياقه ومتعلقاته؛ فإنه سيتوهم أَن ظاهر الآية أن الله - تعالى - مظروفٌ للسماء، وأنها محيطة به -تعالى الله عن ذلك -؛ ومن ثَمّ يلزم من هذا الفهم المغلوط القطعُ بأَنَّ الآية ليست على ظاهرها، لمخالفتها الدلائل العقلية. لذا ترى ابن جماعة يقرّرُ ذلك بقوله: (اعلم أَن الدَّليل العقلي القاطع، والنقلي الشَّائع على أن الآيات المذكورة (١) ليست على ظاهرها؛ لوجوه:
الأول: أنَّ لفظة (في) للظرفية، وتعالى الله أَن يكون مظروفًا لخلق من خلقه. فإن قيل: (في) ها هنا بمعنى (على) كقوله تعالى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ طه: ٧١
قلنا: هذا مردود لوجهين:
أحدهما: أن ذلك خلاف الأصل، وموضوع الُّلغةِ التي نزل بها القرآن، وممنوع عند المحققين من نحاة البصرة.
الثاني: لو أريد معنى (على) كان لفظه أَفخمَ وأَعظمَ، فإن قوله:
стр. 50
(من على) السماء أَفخم وأعظم من قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ... ) (١)
والخطأ الذي وقع فيه ابن جماعة، أَنَّه حَمَلَ اصطلاح النحاة وعُرْفهم المختص في تسمية هذه الألفاظ كـ (في) و (عند) وغيرهما؛ ظروفًا؛ لنوع من المشابهة لَحَظها النحاة بينها وبين ما تواضع عليه أهل اللُّغة من تسميةِ بعض الأشياء ظروفًا وأوعيةً؛ من شأنها الإحاطة بالمظروف، واحتواؤه، كما يحيط الإناء بالمائعات، والمسكن بالساكن = حَمَلها على مواضعة اللغويين حَمْلًا مطلقًا؛ بحيثُ يُحْرزُ اصطلاحُهم هذا المعنى المعروف عند اللغويين بتمامه.
وموطن الغلط: أن النحويين لم يقصدوا ذلك باصطلاحهم؛ بدليل تقسيمهم للظرفية إلى ظرفيةٍ حقيقة، وأخرى مجازية (٢) والتحقيق: أن هذه الألفاظ المصطلح عليها بالظروف يتنوّع تعلُّقها بمعاني الأَسماء والأفعال؛ بحسب حقائق تلك الأسماء والأفعال، المتواضع عليه في اصطلاح النحويين بـ"المظروفات"، لا أنّ ما أفاده اللفظ في مَوْضعٍ يفيد نَفْسَ المعنى في جميع الموارد؛ فإِنّ طرْد ذلك غَلَطٌ على لسان العرب؛ لأن الأصل عدم الاشتراك.
ومما يوطِّد هذا المعنى: أَنَّ النحاةَ يقولون: رأيتُ فلانًا في الدار. ويقولون: رأيتُ فلانًا في المنام. ويقولون: رأيتُ فلانًا في المرآة = فأنت ترى أَنَّ هذا الحرفَ - أعني (في) - المفيد لمعنى الظرفيَّة المكانيَّة عند النحاةِ؛ قد وَرَدَ في هذه المواطن جميعها. ومن المعلوم أن المعنى
стр. 51
الظاهر الذي تفيده جملة (في الدَّار) ليس هو ذات المعنى الظاهر الذي تفيده جملة (في المنام) وليس هو المعنى الظَّاهر الذي تفيده جملة (في المرآة) مع كون كلِّ جملة حقيقةً في معناها الذي دلَّت عليه. ومع ذا؛ فالمعنى المُحرز من قولك: (فلان في الدار) أي: ذاته كانت في الدار. وهذا ما لا يُحصّل من قولك: (رأيتُ فلانًا في المنام) ولا محصّلًا كذلك من ... قولك: (رأيت فلانًا في المرآة) وكذلك؛ فإن وجود المرئيَّ في المنام ليس مطابقًا لوجوده في المرآة (١) .
وزُبْدةُ القَوْلِ أنَّ ما اعترض به ابن جماعة ﵀ على أهل السُّنَّة والجماعة ليس مُخلَّصًا من كدر الوهم والغَلط، وجميع الأوجه التي ساقها يعلم بطلانها ببطلان أَصلها المذكور آنفًا. وينتظم من ذلك: أن الآية على ظاهرها في إِثبات عُلوِّ الله تعالى على خَلْقِه، وهي حقيقة في معناها التي دلت عليه، وأنَّ مدلولها لم يَنْفِهِ البرهان العقلي. والذي نفاه ليس مدلولها، وإنما هو الظاهر "المتوهَّم".
الضَّابِط الثَّالث: أنَّ الظَّاهرَ الحقيقيَّ لا يُقتصرُ في تحصيلِهِ على نصٍ واحد، بل النَّظرُ يتجه إلى جُملة الدَّلائل الشَّرعية؛ لأنَّ الوحي كالكلمة الواحدة يصدِّقُ بعضُه بَعْضًا.
يقول الإمام الخطَّابي ﵀: (القُرآنُ كلُّه بمنزلةِ الكلمة الواحدة (٢)، وما تقدَّر نُزُوله وما تأخَّرَ في وجوب العمل سواء، ما لم يقع بين الأوَّل والآخر مُنافاة) (٣)(٤) .
стр. 52
ويقول الإمام الشَّاطبي ﵀: (مآخذ الأدلَّة عند الأئمَّة الرَّاسِخين إنّما هي أنْ تؤخذ الشَّريعةُ كالصورة الواحدة؛ بحَسَبِ ما ثبت من كُليّاتِها، وجزئياتها المرتبة عليها , وعامِّها المُرتب على خاصها , ومُطْلَقِها المحمول على مُقيِّدها , ومُجْمَلها المفسَّر بمبينها. إلى ما سوى ذلك من مَنَاحيها. فإذا حَصَل للنَّاظر مِن جُمْلتها حُكْمٌ من الأحكام = فذلك هو الذي نطقت به حين اسْتُنْطِقَت) (١) .
الضَّابِط الرابع: أنَّ الدلالة العقليَّة الفطرية والحسيَّة قرينةٌ متصلَةٌ بالخطاب، مبيّنةٌ له، دالّةٌ على الظاهر الحقيقي المراد للمخاطب بخطابه، كدلالة القرائن اللفظية المتصلة - كالشرط، والاستثناء، والصفة - التي لا يُفهم ظاهر الخطاب دونها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (القرينة المتصلة بالَّلفظ إذا كانت لَفْظيَّةً بيّنت معناه، وكان ظاهره ما دَلَّت عليه. فكذلك القرينة المتصلة -وإن لم ... تَكن لفظيَّةً- فالحِسُّ، والظاهرُ، والعقل الذي يُعلم به أَنَّ المخاطبُ لم يُرِدْ ... بكلامِهِ ما يخالفه عندهم = قرينة متّصلة؛ إذ لا يظُنُّ المستمعُ بالمُخَاطب أنَّه ... أراد ذلك. ومن المعلوم أن فهم الخطاب لا بُدَّ فيه من عِلم المُخَاطَبِ ... والمُخاطِبِ جميعًا، فكما أَنَّ عِلْمَ المُخَاطَبِ المُستمع أَنَّ المخاطِب المتكلّم ... لا يُريد بلفظه إلا مفهومه ومعناه = يُوجبُ أنْ لا يحمله على غيره = فكذلك ... عِلْمُ المُخاطِب المُتكلِّم أنّ المخاطَب المستمع لا يفهم أنه أراد ما يخالف ... حِسَّه وعَقْلَه قرينةٌ وضميمة يَضُمُّها إلى كلامه) (٢) .
стр. 53
فإن قيل: هل يَصحُّ أن تقع القرينة الحسيّة متأخرةً عن الخطاب غير محتفّةٍ به، بحيث يفوت الظاهر الحق من الخير الشرعي على جميع السَّلف، ولا تَنْتَصِبُ هذه القرينة الكاشفة عن الظاهر الحقيقي = إلا للخلف؟
فيقال: أَمّا فيما يتعلّق به تكليف فبالاتفاق يمتنع أن يفوت إحراز الظاهر على المخاطَبين في زمن التشريع، ومَنْ بَعْدَهم = لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (١) أما فوات الظاهر فيما لا تكليف فيه؛ كأنْ يُخبِر النَّصُّ الشرعيُّ بشيءٍ من الأمور الكونية الطبيعيَّة، فيكون ما كان ظاهرًا للسَّلف مناقضًا للحقيقة الموضوعيَّة التي لا تتحرر إلَاّ للخالفين ممن جاء بعدهم = ذهب إلى ذلك العَلاّمة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي ﵀. وفي تقرير ذلك يقول: (سمعت بَعْضَ العلماء يقول: إن القرآن لم يُنَزَّلْ لتعلّم الطبيعة، والفلك، والتاريخ، والتشريح، والطب، ونحو ذلك من العلوم الكونية. وإنما نُزِّل لبيان الدِّين عقائدَ وأحكامًا، وإنما يذكر بعض ما يتعلق بالطبيعة والفلك ... ونحوها لمغزىً ديني ... وهكذا السُّنَة ... ومقصودُ هذا العالِم - على ما فهمته -: أنّه لا يَصحُّ الاستناد إلى ظاهر آية من القرآن أو حديث من السنة في تقرير أمر من تلك العلوم الكونية؛ كما هو بالنسبة إلى غالب الناس غيبٌ ...
والمقصود: أن قول ذلك العالم: إِنَّ الشريعة إنما جاء لتعليم الدين عقائد وأحكامًا، وأما ما جاء فيها مما يتعلق من العلوم الطبيعية والتاريخ فليس المقصود من ذكره التعريف بكنهه وحقيقته وكيفيته مفصلًا، وإنما يُذْكَرُ تَنبيهًا على الآيات والمَثُلات = كلّ هذا صحيح، ولكن: هل يقتضي هذا جوازَ أن يكون الواقع في تلك الأمور خلافَ ظاهر الخبر
стр. 54
الشرعي؟ قد كنت أُنكر هذا أشَدَّ الإنكار، وأقول: إن الظّاهر حجةٌ قطعية، وإنه إذا كان الواقع خلاف ظاهر الخبر = كان الخبر كذبًا، وإن لم يكن المقصود من الخبر بيان ذلك الأمر = ثُمَّ رأيتُ في أصول الفقه مسألةً تعضد ما قاله ذلك العالم، وهو قول بعضهم: إنَّ النص إذا سيق لمعنى غير بيان الحكم وكان عامًّا؛ لا يُحتَجُّ بعمومه في الحكم، ويمكن أن يَطَّرد ذلك في سائر الدلالات الظاهرة. ووجه ذلك: أنَّ المُتكلِّم إنما يعتني بالمعنى المقصود بالذات، وأما ما ذكر عَرَضًا فإنَّه لا يعتني به؛ كأنه يَكِلُ تحقيقَ حكمه إلى مَوضْعه ...
فإن قلتَ: فهل يجوزُ أن يُخبر عن شيء من الطبيعيات بكلام ظاهره مخالف للحقيقة؟ هذا هو موضوع السؤال.
قلت: أمّا إذا ثبت أَنَّ الظاهر في مثل ذلك لا يُعتدُّ به، بل يحتمل أنَّه مراد، ويحتمل أنه ليس بمراد، فلا مانع من ذلك؛ إذا لم يبق ذلك الظاهر ظاهرًا. ... فتدبّر! ...
فإذا أطلق الشارع نصًا في حكم لم يحضر وقته، وللنَّصِّ ظاهر لفظي، ثم بيَّن عند الحاجة ما يرفع ذلك الظاهر = لم يلزم من إطلاق النص كَذِبٌ، ولا شبه كَذِبٍ. فتدبّر، وأمعن النظر! ثم نقول: معرفة صفات الأمور الطبيعية ليس لها حاجة في الشَّريعة أصلًا، فلا مانع مِن ترْك بيان ما يتعلق بها أصلًا، وإنّما يظهر البيان عندما يطّلع الإنسان على صفة فعل الشيء، فيتبين له حينئذٍ المعنى المراد من النص. ولا يلزم كذب ولا شبه كذب؛ إذا تبين أن الواقع خلاف الظاهر اللفظي من النص ... (١)
ثم إنه ﵀ استدلَّ على جواز تأخُّرِ القرينة التي تدل على خلاف
стр. 55
الظاهر للمخاطبين أثناء الخطاب بقول النبي ﷺ لأزواجه لمّا سألنه: أيهنَّ أسرع لحوقًا به؟ "فقال رسول الله ﷺ : (أسرعكن لحاقًا بي، أطولُكُنّ يدًاقالت: فكنّ يتطاولن أَيتُهن أطولُ يدًا. قالت: فكانت أَطولُنا يدًا زينب؛ لأنّها كانت تعمل بيديها وتصَّدَّق) (١) .
ما ذكره العلامة المعلمي ﵀ مرجوحٌ نظرًا. ووجه ذلك: استحالة أَن يخبر الشارع بأمر يَظْهر للسلف منه غير المراد، ويَعْزُب عنهم درك ظاهره الحقيقي، ولو كان الخبر وارادًا تبعًا لا بالقصْد الأوَّل للشَّارع؛ إذ يلزم من هذا القول لوازمُ باطلةٌ، منها: أَنَّ في ذلك تجويزَ أن يدلّ ظاهر الخبر على أَمر مناقضٍ للحقِّ في الواقع. هذا الأمر الأول.
والأمر الثاني: تجويز أن يعتقد السَّلف ما هو نقيض الحق في نفس الأمر، ولو في أمرٍ لا صلةَ له بالمقاصد الأصلية للشارع.
الثَّالث: أَنَّه على هذا القول لا يتأتَّى الجزم بالظاهر؛ لأنه مُناط بتصحيح الواقع المجهول؛ إذْ من المعلوم أن كثيرًا من المُكتشفات الطبعية يَدّعي ابتداءً أَصحابُها أنّها قطعيَّةٌ، مع كونها في الحقيقة نسبيَّة؛ لورود ما يَنْقضها ويَحِلّ مكانَها. فيبقى الظاهر الذي أخبر به من يَمْلك الحقيقة القطعية = مُعطَّلًا، ومُرْتَهَنًا لفوضى النَّظريات.
ومما يدل على مرجوحيَّة ما ذكره ﵀ تجويزه أن يُقرَّ النبيُّ ﷺ أصحابه على المعنى الظاهر المناقض للواقع، مع عِلْمِه ﷺ بأن ما ظهر لهم ليس هو الحق؛ لكون هذا الظاهر لا يضرّهم في دينهم، أو لكونه مما يَدِقّ على أَفهامهم! وفي ذلك يقول: (المعلم النَّاصح يتجنّبُ أن يَخْرج بالطالب في الدرس عن ذلك العلم. فهكذا النبي ﷺ كان يتجنّب
стр. 56
أن يشغل الناس بما لم يُبعث لأجله؛ بل كثيرًا ما يُقرُّهم على ما يعلم أنّه خطأٌ وغَلَطٌ؛ لأن ذلك لا يضرُّهم في دينهم. فإذا دعت المصلحة إلى ذكر ما يتعلّق بشيءٍ من الأمور الطبيعية ذَكره على وجه لا يجرُّ إلى إيقاع السامعين في الخوض في أحوالها الطبيعية، فيشتغلوا بذلك عن المقصود. ومن ضرورة هذا المعنى: أَن لا يذكر لهم في الأمور الطبيعية خلاف ما يعرفون، أو يذكر لهم مما لا يعرفون شيئًا فيه دِقّةٌ وغرابة؛ فلا يذكر لهم مثلًا: الأرض كُروَّيةٌ، أَو أَنَّها تدور) (١)
ففي مطاوي كلامه ﵀ من مُسْتكره اللوازم التي يُعلم عدم قصده لها =ما يُشرِف بك على فساد ملزومها. فإِن في تجويز كَثْرة إقرار النبي ﷺ أصحابه على الخطأ؛ ولو في أمرٍ لا يضر بدينهم =سَلْبٌ لصفةِ النّصح عنه ﷺ - من حيث لا يشعر -، وإن كان قصْدُه ﵀ نقيضَ هذا المعنى. فهذه مغلطةٌ.
والمغلطة الأخرى: أَنَّ لازم قوله تجهيل الصَّحابة، واتصافهم بالسذاجة وضحالة الفهم؛ بحيث يمكن أنْ يغمُض عليهم جميعًا معاني الظواهر المتعلقة بالكون. ومما يقطع بفساد ما ذكره ﵀ من جواز أن يخفى الظاهر الحقيقي عن السَّلف = أنه لم يجد دليلًا لتصحيح ما قَعّد لَهُ = إلا حديث عائشة ﵂؛ مما يدّلُ على وَهْن الأَصل وتَرَهُّلِهِ.
وما استدل به لا يصلح للاستدلال في هذا المقام لعلتين:
الأُولى: أن دليله ليس متعلقًا بالأمور الطبعية والكونية أَو الطبية، أَو التَّاريخيَّة؛ فهو استدلالٌ بما هو خارجٌ عن مَحل النِّزاع.
العلة الأخرى: أَنَّ سؤال أَزواج النبي ﷺ عن أَيتهن أَسرع لحوقًا به =هو سؤالٌ عن فضيلةٍ. ومَيْسمُ ذلك: حرصهن ﵅ على معرفة ذلك؛ إذ من المعلوم من حالتهن وحال الصحابة عمومًا ترْكُ الأسئلة التي لا يندرج تحتها فائدة شرعية؛ فيبعد -على ذلك- أن يطرقن هذا السؤال مجرّدًا عن
стр. 57
الغاية والغرض = فإذا ثبت ذلك؛ كان جواب النبي ﷺ مناسبًا لسؤالهن، بعد أن أطْلَعَهُ الله تعالى على أيِّ نسائه أسْرَع به لحوقًا، مضمنًا جوابه ما يُلمِحُ بأن هذه الفضيلة تُدرَك بفضيلة. فالقرينة المبينة لخطابه محتفّة بجوابه ﷺ ، وانقداح الظاهر المُتوهم لأزواجه ﵅ لا يرفع الظاهر الحقيقي الذي أراده النبي ﷺ ؛ فيكون فوات الصواب في فهم مراده ﷺ واقع منهن. وجائزٌ أن يفوت فهم مراده عن بعض أَفراد أَصحابه؛ وإِنما الممتنع -والذي هو مَحلُّ النزاع- أَن يفوت الظاهر على جميع أصحابه ﵃.
فإن قيل: تَرْكُه ﷺ لهن على ما فهمنه من خطابه؛ بدليل المقايسة بينهن = برهانٌ على إقراره ﷺ على الخطأ؛ وهو المطلوب إثباته.
فيقال: يكون التَّرك إِقرارًا لو أنَّ المُقايسة بالأيدي وقعت بحضرته، أو في حياته، أو حصل التصريح بهذا الظاهر المتوهَّم من خطابه ﷺ أمامه = وكل ذلك لم يُقِم العلامة عبد الرحمن المعلمي برهانَ التصحيح عليه. والذي يبرهن أن هذا الإقرار منه ﷺ على خطأ الظاهر الذي فهموه منتفٍ = هو ما أخرجه الحاكم في مستدركه عن عائشة ﵂ قالت: "قال رسول الله ﷺ لأزواجه: (أسرعكن لحوقًا ... بي أطولكن يدًا) قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إِحدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ لنمدُّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نَزَل نفعل ذلك حتى تُوفّيت زينب بنت جحش ... ) (١)
فهذا برهان صَادِعٌ يُبطِل القول بإمكان إِقرار النبي ﷺ أَصحابه على خطأٍ فهموه من خطابه.
стр. 58
وبعد بيان مناحي الغَلَط في كلام العلامة عبد الرحمن المعلمي: يبقى السؤال: هل يمكن أَن يظهر للمتأخرين معنى صحيح في نفسه للخبر الشرعي لا يناقض ما ظهر للمتقدمين من سلف هذه الأمّة؟
= والجواب: نعم، قد يكون في الخبر الشرعي المنطوي على إِشاراتٍ للأمور الكونية والطبيعية، ما يُفهم من ظاهره لمن كان في زمن التشريع معنى صحيحًا، ثم يظهر للمتأخرين بَعدُ بوسائلهم الحديثة معنى صحيح آخر قطعي الثبوت؛ يحتمله الخبر من جهة اللُّغةِ والسياق، ولا يناقض المعنى الأوَّل. وحينئذٍ يُمْكِن حَمْل الظاهر على هذين المعنيين؛ لأنَّ اللَّفظَ -حسبما تقرر في القواعد- متى احتمل معنيين وأمكن الجمع بينهما، لكون الاختلاف بينهما اختلاف تنوع لا تضادّ = جاز (١) .
والذي يعتقد أَن توظيف القرينة العقلية لفهم الخطاب؛ هو في جليَّة الأمر لا يعدو أَن يكون تقديمًا للعقل على النقل = فقد أَخطأ في اعتقاده؛ لأنَّ القرينةَ العقليَّة - كما سبقت الإبانة- فطريّة كانت، أو حِسِّيَّة= من مُحصلات الظاهر الذي قَصَدَهُ المُتكلِّم بكلامه. والتَمايزُ بين قولِ من يقول بأن العقلَ وظيفتُه تَطَلُّب مَقَاصد المُخَاطِبِ بخطابه، وبين قول من يَعدُّ ذلك تقديمًا للعقل = لائح، والاختلاف حقيقي، لا لفظي (٢) وبيان مدرك المُنَافَاةِ بين القولين يتأتّى في الوجهين التاليين:
الأوَّل: أَنَّ في هذا القول تَوْهينًا لجانب النَّصِّ، وإزهاقًا لِحُرْمتِهِ، ورَمْيًا له بجريانه على نقيض الدلائل العقلية القاطعة.
الثاني: أَنَّ من لوازم القول بالتقديم = إِهدارَ النَّصِ ودلالته، والاستغناء بالدلالة العقليَّة؛ فيكون مراد صاحب الخطاب غير مستفاد من خطابه ألبتَّة.
стр. 59
وأَمَّا دَعوى الشيخ أَبوعبد الرحمن ابن عقيل الظاهري بأنَّ تقديم العقل "لا شنعة فيه، ولا محادّة للشَرْع" =فهي لاتصح.
وتعليله عدم الشناعة بالنظر إلى الأمور التالية، حيث قال:
١ - (أنَّ تقديم العقل لا يعني تقديم العقل في الرُّتبة. . بمعنى: أن ما تيقنه العقل أَصحّ مما جاء به الشرع = وإنما المعنى أَنّ يَقِيْنَ العقل متحقق في هذه الصورة، وهو دَالٌّ على أن نسبة الخبر إلى الشرع غير يقينية بهذا الوجه.
٢ - أنَّ التقديم ليس لِمُطْلَق ما قيل: إنه معقول؛ بل ما دخله الاحتمال من المعقولات المعارِضة للخبر؛ فلا يكون أولى بالتقديم. بل المجال هاهنا مجال ترجيح للشرع؛ لظهور صحّته، وقطعيته. ودخول الاحتمال على المعارض = وإنما التقديم لقطعيَّة عقليَّة لا يَرِدُ عليها احتمال.
٣ - أَن اليقين في العقل حاضر مُسْتدرك جلاؤه، وتصحيحه: بتحليله؛ حتى يقف عند ضرورة عقلية بدهية، أو ضرورة عقلية مكتسبة. والخبر تحصَّل لنا ظاهر صحته ثبوتًا ودلالة، ثم حَضَر يقين عقلي يشككنا فيه. وقد غَرْبَل المفكرون اليقين العقلي، فلم يَرِدْ عليه قادح. والخبر الذي ظاهره الصحة غير مستدرك وجه نقله؛ لأنه لمّا جاءنا مصحّحًا بلا خلاف = عَلِمْنا أن العلماء فاتهم وجه الخطأ في إسناده، أو دلالته؛ فكان ذلك غير مستدرك. وقد يَسْتَدرِك اللاحق ما لم يستدركه السابق. والاحتمالات غير المستدركة الواردة على الإسناد والدلالة كثيرة جدًّا ... ) (١)
= فهذا اعتلال في تضاعيفه صنوف من المآخذ، اسَّسَها على إمكان حدوث التعارض. والحقُّ - كما سلف - أنه لا تعارض بين الظاهر النقلي واليقين المحصل من العقل؛ فإن يقينَ العقل -إنْ تحقق في صورةٍ- دَالٌ على مَقْصَدِ النصّ، لا مُعارضًا له؛ كما تَوهّم. هذا أَمْرٌ.
стр. 60
الأمر الثاني: أَنَّ جزْمَه بانتفاء الاستدراك على اليقين العقلي لارتفاع القوادح عليه؛ دون الجزم بانتفاء الاستدراك على الخَبَرِ الذي لا خلاف في تصحيحه؛ لِفَوْت وجه الخطأ على العلماء في إسناده ودلالته = باطل؛ لأن انتفاء القوادح على المُقدِّمات اليقينيّة لا يلزم منه يقين نتائجها؛ لاحتمال عدم انتفاء القوادح على الواسطة بين المقدمات ونتائجها. فيكون مَنْبعُ الزلل من جهة تحقيق مناط المقدمة المتيقّنة على نتيجتها وفرعها. ثم إن الاتفاق على تصحيح الخبر دافع للاستدراك على صحته ثبوتًا ودلالة؛ لأن العصمة المحصّلة من الاتفاق أَقوى من مما يُظَنّ أنه يقين عقلي؛ لأَنّ إِجماع أَهل الحديث واقع على أَمر شرعي، يمتنع أَن يكون إجماعًا على خطأٍ؛ لسبق القضاء الكوني بِحفظِ الله لهذه الأُمة من نفوق الخطأ عليها. ثُمَّ إنَّه يمتنع أَن يُصحّح أئمة الحديث وصيارفته حديثًا مع معرفتهم بمخارج الحديثِ، وأَحوال الرُّواة، وما يَصِحُّ نسبته إلى النبي ﷺ وما لا يَصِحُّ =ثُمَّ تقعُ الغفلة منهم عَن مُناقضة النَّص للضَّرورة العقليَّة!؛هذا لا يكونُ أَبدًا. والواقع برهان على ذلك.
لذا كان الصدور عن أحكامهم ونظرهم للأَخبار =هو القَدْر المتحتِمُ لزومه على من ليس من أَهل هذه الصِّناعة الشَّريفة.
يقول الإمامُ أَبوالمظَفَّرِ السَّمعاني ﵀: (اتَّفَقَ أَهلُ الحديثِ أَنَّ نقدَ الأَحاديثِ مَقْصورٌ على قومٍ مخصوصين فما قبلوه؛ فهو المقبول، وما ردُّوه فهو المردود. وهم أَبو عبدالله أحمد بن حنبل الشَّيباني، وأَبو زكريا يحي بن مَعين البغدادي، وأبو الحسن علي بن عبدالله المديني، وأبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ...... وجَماعةٌ يكثُر عددهم، ذكرهم عُلماءُ الأُمَّة =فهؤلاء وأَشْباههم؛ أَهل نَّقدِ الأحاديث، وصيارفَةُ الرِّجالِ. وهم المرجوعُ إليهم في هذا الفنِّ، وإليهم انتهتْ رئاسةُ العلمِ
стр. 61
في هذا النَّوعِ =فَرَحِمَ الله امرءًا عَرَف قَدْر نَفْسِهِ وقد بضاعته من العلم، فيطلب الرِّبحَ على قَدْرهِ) (١)
وقال الإمامُ أَبو شامة المقدسي ﵀: (وأئمةُ الحديثِ هم المُعتبرون القدوة في فَنِّهم؛ فوجب الرُّجوعُ إليهم في ذلك، وعرض آراء الفقهاء على السُّنَنِ والآثار الصَّحيحةِ، فما ساعده الأثر فهو المعتبر، وإلَاّ فلا نُبْطِلُ الخبر بالرَّأي، ولا نُضعّفه إن كان خلافَ وجوه الضَّعف من عِلل الحديثِ المعروفةِ عند أَهله، أو بإجماعِ الكافَّةِ على خلافه) (٢)
ومما يبرهن على خطأ الشيخ ابن عقيل فيما قررّه =أنَّه يُقِر بأن ما ساقه المخالفون لأهل السنة والجماعة من معارضات عقلية على النصوص الشرعية المتعلقة بالغيبيات، والتي تدور على طلب تكييف وتحديد كَمِّي لأمرٍ مغيّب، أو المتعلقة بالقسم الطلبي من الشريعة، بإحالة ما يتعلق بالعبادات المَحْضَةِ = أن تلك المعارضات باطلةٌ، مع كونها عند أَصحابها من اليقين العقلي الذي لا يمكن الاسْتدْراكُ عليه!!
فتحرّر من ذلك: أن الواقع يشهد أن اتفاق أَهل الحديث على صحة خَبَرٍ مُحْكَمٌ لم ينكسر؛ إذْ لم يُرَ لهم نِزَاعٌ بعد اتفاق. على ضِدّ حال المعترضين على النصوص؛ فإِن النزاع فيما يدَّعون أنَّه من بديهة
стр. 62
العقل قائم. واتفاقهم مُنْثَلِمٌ لم تتحقق له صورة تصدّقه؛ فليس من بديهة العقل إذن نَبْذُ عصمة الاتفاق، والتعلّق بأذيال الافتراق.
ومما يَجتثُّ هذه الدَّعوى من جَذْرِها = ما تراه من انعدام المثال الصادق، والصورة الصحيحة للتعارض بين الدلالة العقلية القاطعة و ظَوَاهر النُّصوصِ؛ فإنّ كل ما مَثّل به الشيخ أبو عبد الرحمن يكشف عن خَللٍ في التنظير، جَرَّه إلى أَخطاءٍ في التخريج والتطبيق. وليس من حظِ هذه المقدمات استيفاء الكلام عن أمثلته؛ لذا سأكتفي بخبر واحدٍ، ظَنّ الشيخ - عفا الله عنه - معارضته ليقين العقل، وهو ما رواه أبو موسى الأشعري ﵁ قال: (لما أُصيب عمر جَعَل صهيبٌ يقول: وا أَخاه!! فقال عمر: أَما علمت أَنّ النبي ﷺ قال: (إِنّ الميت لَيُعذّب ببكاء الحي)؟! (١) وهذا الحديث رواه طائفة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر (٢)، والمغيرة بن شعبة (٣)، وغيرهم ﵃.
قال الشيخ أبو عبدالرحمن الظاهري معقبًا على هذا الحديث: (نَجِدُ صورًا يجب فيها تقديم العقل على النقل؛ نجد ذلك في صور ظَهَرَ فيها تنافي التناقض أَو التضادّ في أَذهاننا؛ لا في الواقع، كالخبر الصحيح: بأن الميت يُعذّب ببكاء أهله عليه. مع العلم القطعي بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى ... فتقديم العقل في هذه الصور لا يعني تكذيب الشَرْع، وإنما يعني الأَخذ بالراجح
стр. 63
من الدليلين؛ وهو اليقين المتعيّن في العقل لابتغاء العلم بغير المتعين في ظاهر الخطاب الشرعي. والرجحان هاهنا تعيَّن في العقل تعينًا لا احتمال فيه بأن تعذيب الله للميت بغير فعل منه =ليس من العدل الذي أَوجبه ربنا على نفسه؛ إذ حَرَّم الظلم على نفسه، وليس مِن عصمة الشرع التي حَكَم بها العقل ابتداءً، وتنافي ما بَيَّنه الشرع: أن المكلف مسؤول عما جناه مباشرةً، أو بتسبب. وليس مسؤولًا عن جناية غيره) (١)
فتلحظُ أَنَّ الشيخَ ابن عقيل-عفا الله عنه- لم يُصِبْ في أَمرين:
الأوَّل: توهُّمه أَنَّ ظاهر الحديث هو معاقبة الميت بلا وزرٍ اقترفه، ولا ذنب جناه.
ثم قاده ذلك إلى:
الأمر الثاني: أنَّ هذا الظاهر مَدْفوع بيقين العقل، وضرورة الشرع = فكان هذا الدفع مثالًا - عنده - لتقديم العقل على النَّقل.
ومكمن الغَلَطِ في هذين الأمرين، يتحرر من طريقين:
الأول منهما: أنَّه على تقدير صحة القول بأن ظاهر الخَبرِ هو معاقبة الميت بلا سبب منه = فإِنَّ صَرْفَ هذا الخبر عن هذا الظاهر لا يُعدُّ تقديمًا للعقل؛ لأنَّ توظيف الضرورة العَقليَّة في هذه الصورة =إِعمال لبديهة العقل لتحصيل المراد من النَّصِ، ودفْع الظاهر المتوهم.
فإنْ قال الشيخ: إنَّ هذه الصورة ليس فيها إِعمالُ عقلٍ لتحصيل الظاهر، وإنما تقديم للعقل بترجيح يقينه على النقل؛ لِتَعَسُّر تأويل ظاهره إلا بِكُلْفَةٍ.
فيقال: إِنَّ رَدَّ الخبر - لو صح حينئذٍ - ليس تقديمًا للعقل على النَّقل عند التحقيق، إنما هو تقديم لدلالة نقليَّةٍ قاطعة على دلالة نقليَّة ظنيَّة؛ لإقراره بأن الموجب لاستنكار الخبر لمن لم يتحرر له ظاهره = مناقضته لقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ النجم. وهذا هو موجب
стр. 64
التقديم عند بعض الصحابة ﵃ الذين رَدّوا الخبر لظنهم معارضته لمدلول الآية. فقد روى ابن أَبي مُليكة، قال: (توفّيْت لعثمان ابنةٌ بمكة، وجئنا لنشهدها، وحضرها ابن عمر وابن عباس، وإني لَجَالسٌ بينهما ... -أو قال: جلست إلى أحدهما -، ثم جاء الآخر فَجَلس إلى جنبي، فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان: "ألا تنهى عن البكاء؟ فإن رسول الله ﷺ قال: (إن الميت يُعذَّب ببكاء أهله فقال ابن عباس: كان عمر يقولُ بعضَ ذلك، ثم حَدَّث، قال: صَدَرْتُ مع عمر من مكة، حتى إذا كنَّا بالبيداء إِذا هو بِرَكْبٍ تحت ظِلّ سَمُرة، فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب، قال: فنظرت فإذا صُهيبٌ، فأخبرتُه، فقال: ادْعه لي. فرجعتُ إلى صهيب، فقلت: ارْتحِل فالحقْ أَميرَ المؤمنين.
فلما أُصيب عمرُ دَخَل صُهيب يبكي، يقول: وا أَخاه! وا صاحباه! فقال عمر: يا صهيب، أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله ﷺ : (إن الميت يُعذَّب ببعض بكاء أَهله عليه)؟! قال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرتُ ذلك لعائشة، فقالت: رَحِمَ الله عمرَ، والله ما حَدَّث رسولُ الله ﷺ (إن الله ليعذِّب المؤمن ببعض بكاء أهله عليه) ولكنَّ رسول الله ﷺ قال: (إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه) وقالت: حَسْبُكم القرآن ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الزمر: ٧ قال ابن عباس ﵄ عند ذلك: واللهُ هو أضْحكَ، وأبكى. قال ابن أبي مليكة: والله ما قال ابن عمر ﵄ شيئًا) (١)
فعائشة وابن عباس إنّما عارضا الرواية؛ لظنهما معارضتها للقرآن، لا لكونها معارضة للعقل. وهذا ظاهر. لذا قال الحافظ ابن حجر ﵀ بعد أن ساق قولَ من يحتجّ بالحديث من الصحابة-: (ويقابِلُ قولَ هؤلاء
стр. 65
قولُ مَن رَدّ هذا الحديث وعارضه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٧] ... ) (١)
وهذا التقرير هو على تَقْدير التسليم بأن ظاهر الحديث هو ما ظنه. والحقيقة: أن ظاهره لا ينافيه العقل؛ فضلًا عن الدلائل النقلية. والذي ظنه منافيًا لهذا الظاهر، ليس هو مدلوله ولا ظاهره.
بيان ذلك: أنّه قَصَرَ معنى العذاب على العقاب. والصواب: أَنَّ العذاب أَعمّ من العقاب؛ فكل عِقابٍ عذاب، لا العكس. ومما يبرهن على هذه الدَّعوى الدَّلائل التالية:
- تسمية الله تعالى على لسان أيوب ﵇ ما ابْتَلِى به عبدَه عذابًا فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ ص: ٤١ والعذاب هنا بمعنى: الضُرّ في بدنه، وأهله الذي ابتلاه الله به (٢)، لا على سبيل العقوبة له ﵇؛ وإنما ابتلاءٌ له.
ومن البراهين الدالة على بطلان قصر مفهوم العذاب على العقاب: ما صح عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: (السَّفرُ قطعةٌ من العَذَابِ يمنع أَحدكم طعامَه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نَهْمَتَهُ من سَفَرِه فَلْيعجِّل بالرجوع إلى أهله) (٣) فَسَمَّى النبي ﷺ السَّفر قطعةً من العذاب. ومن المعلوم أنه إنما أراد الألم الحَاصِلَ للمسافر على جهة العِقَاب.
ومن براهين ذلك أيضًا: أن من العقوبات ما يصيب غيرَ المعاقب؛
стр. 66
فيكون مصيبة في حقه، كما قال ﷺ : (إذا أنزل الله بقومٍ عذابًا أصاب العذابُ من كان فيهم، وبُعِثُوا على نياتهم) (١)
فإذا تَحَصَّل من ذلك عموم معنى العقاب = عُلِم أنّ ما يجده الميت من الألم بسبب النياحة عليه قد يكون عقوبةً له؛ إن كان من سُنَّة أَهله فِعْلُ ذلكَ، ولم ينههم، أو أمَرَ به بعد موته. وقد يكون ما يجده من الألم من جرَّاء ذلك من جنس الضغطة، وانتهار الملكين، والمرور على الصراط، وغيرها من أهوال يوم القيامة. فهذه الآلام تكون سببًا لتكفير خطايا المؤمن.
وفي بيان هذا المعنى يقول الإمام ابن تيميَّة ﵀: (فهذا الحديثُ قَبِلَه أَكابر الصحابةِ مثلُ عمرَ، وهو يُحدِّث به حين طُعن، وقد دخل عَليه المهاجرون والأنصار، وينهى صهيبًا عن النياحة، ولا ينكر ذلك أَحد. وكذلك في حال إمرته يعاقِبُ الحيَّ الذي يُعذِّب الميتَ بفعله. وتلقاه أكابر التَّابعين مثل سعيد بن المسيب وغيره، ولم يَردُّوا لَفْظَه، ولا معناه. . والذي عليه أَكابر الصحابةِ والتابعينَ = هو الصواب؛ فإن النبي ﷺ قال: (يُعذِّب) ولم يقل: (يعاقب) والعذابُ أعم من العقاب ... فالعذاب هو: الآلام التي يُحْدِثُها الله تعالى؛ تارةً يكون جزاءً على عَمَل فيكون عقابًا، وتارةً يكون تكفيرًا للسيئات. . ثم ذلك الألم الذي يَحْصُل للميت في البرزخ إذا لم يكن له فيه ذَنْبٌ = من جنس الضغطة، وانتهار منكر ونكير، ومن جنس أهوال القيامة؛ يكفّر الله به خطايا المؤمن، ويكون من عقوبة الكافر) (٢) .
стр. 67
الضابط الخامس: أَنَّ ظاهر النّص حقٌّ لا يُصرَف عنه إِلى بَاطِن إِلا بِبُرهان شرعي يصححه.
وفي بيان هذا الضابط يقول الإِمام الشافعي ﵀: (ولو جاز في الحديث أن يُحال شيءٌ على ظاهره إلى معنىً باطنٍ يحتمله = كان أكثر الحديث يحتمل عددًا من المعاني، ولا يكون لأَحدٍ ذَهَبَ إلى معنى منها حجةٌ على أحدٍ ذهب إلى معنى غيره = ولكن الحقَّ فيها واحدٌ على أنّها على ظاهرِها وعُمُومِها؛ إلاّ بدلالةٍ عن رسول الله ﷺ ، أو قولِ عامّة أَهل العلم (١) بأنَّها على خاصٍّ دون عامٍّ، وباطنٍ دون ظاهرٍ؛ إذا كانت إذا صُرفت إليه عن ظاهرها محتملة للدخول في معناه) (٢)
فتقرير الإمام الشَّافعيُّ ﵀ يعني به: وجوب حمْل السُّنن على الظاهر، وأن العدول بها عن هذا الظاهر - بلا موجب - مُؤْذِنٌ بإبطال خاصيّة ... السنة؛ وهي: التحاكُم إليها عند الاختلاف؛ لعدم دلالتها على الحق في موارد النِّزاع، لاحتمال ألفاظها معانٍ ظاهرة وباطنة؛ لا يُدرَى أيها المراد!!
ويقول الإمام ابن جرير الطبري: (وغيرُ جائزٍ ترْكُ الظاهر المفهوم إلى باطنٍ لا دلالةَ على صِحَّتهِ) (٣)
وقد نقل الإجماعَ على عدم جواز صرْف ظواهر النصوص إِلى بواطن لم يقُم عليها دليل شرعي = العلامةُ محمد الأَمين الشنقيطي ﵀؛ حيث قال: (وقد أَجْمَعَ مَن يُعتدّ به من أَهل العلم على أَنّ النّصوص من الكتاب والسُّنة لا يجوز صَرْفُها عن ظاهرها إِلَاّ بدليل يجبُ الرجوع إليه) (٤)
* * *
стр. 68
المبحث الثالث تقويض النظرة الاختزالية للسُّنَّة النبوية
إن المُتحقِّق -واقعًا- من سَلَفِ الأمة: الاحتجاج بنصِّ السُّنةِ المروية عن رسول الله ﷺ ؛ متى توفرت شرائط الصحة فيها، بأن يرويها العدولُ الضابطون، بالسّند المتصل إلى رسول الله ﷺ ؛ لا فرق في هذا الاحتجاج بين ما يتعلق بأصول الديانةِ أو فروعها. وقد كان الأَمر كذلك إلى أنْ نَجَمَ أَهل الاعتزال، الذين استولدوا أصولًا مفارِقة لمادلت عليه القواطع الشرعية؛ فكان من لوازم الحفاظ على المذهب تضييق المسالك الناقضة لأُصولهم؛ فَعَمدوا إلى السُّنة:
فشطروها إلى متواترٍ: أبان عنه القاضي عبد الجبار بقوله: (ما يُعلم صِدْقُه اضطرارًا: فكالأخبار المتواترة؛ نحو الخبر عن البلدان والملوك، وما يجري هذا المجرى، ونحو: خَبَرِ مَنْ يخبرنا أَن النبي ﷺ كان يتديَّن بالصلوات الخمس، وإيتاء الزكاة، والحج إلى بيت الله الحرام. وغير ذلك=فإن ما هذا سبيله يُعْلَم اضطرارًا) (١).
وإلى آحادٍ: وهو ما حَدّه الباقلاني بقوله: (كلّ خَبَرٍ قَصُرَ عن إيجاب العلم ... سواء ... رواه الواحد، أو الجماعة التي تزيد على الواحد) (٢).
وهذا الاختزال والانغلاق في الاحتجاج - في الظاهر - على دائرة القرآن والسنة المتواترة؛ مِن قِبَل المعتزلة وغيرهم = كان مقصودًا؛ إذْ راموا به حماية ما أَثلوه من أُصولٍ. لذا قال الإمامُ أبو المُظَفَّر
стр. 69
السمعاني: (أمَّا مخالفونا فجعلوا قاعدةَ مذاهبِهم المعقولات والآراء، وبنوا الكتاب والسُّنَّة عليها، وطلبوا التأويلات المُسْتكرهة، وركبوا كُلَّ صعب وذلول وسلكوا كُلَّ وعر وسهل، وأطلقوا أعنَّة عقولهم كلَّ الإطلاق، فهجَمَتْ بهم كُلَّ مهجم وعثرت بهم كُلَّ عِثار؛ ثمَّ إذا لم يجدوا وجهًا للتأويل =طلبوا ردَّ السُّنن بكُلِّ حيلة يحتالونها، ومكيدة يكيدونها؛ ليستقيم وجهُ رأيهِم، وجِهةُ معْقولِهم، فقَسَّموا الأقسامَ ونوَّعوا الأَنواع، وعرضوا الأحاديث عليها، فما لم يوافقها ردوها، وأساؤا الظَّنَّ بنقلتها، ورموهم بما نزَّههم الله عنه (١)؛ فإن القرآن يَرِدُ على أَلفَاظِهِ المعاني المختلفة؛ من مجازٍ، واشتراك، وغير ذلك؛ فهو حَمَّال أوْجهٍ.
وأما السّنة فإن تفتيتها إلى هذين القسمين؛ إنما جاء لعلمهم أنّ رَسْم المتواتر بشروطه التي ذكروها لا تكاد تظفر به في كتب السنة. ولذا فقد نَصَّ غير واحدٍ من الأئمة على تعسُّر ضَرْب أمثلة صالحة لهذا القِسْم. فقد قال أبو عمرو بن الصلاح ﵀ في ذلك: ( ... المتواترُ: الذي يذكره أَهل الفقه وأُصوله. وأَهل الحديث لا يذْكرونه باسْمِهِ الخاصِ، المُشْعِر بمعناه الخاص. وإن كان الحافظُ الخطيبُ قد ذكره ففي كلامِهِ ما يُشْعِرُ بأنه اتّبع فيه غيرَ أَهل الحديث. ولعلَّ ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم؛ فإنه عبارة عن: الخبر الذي ينقله من يحصُل العلم بِصِدْقه ضرورةً، ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته؛ من أوله إلى مُنْتهاه = ومن سئل عن إِبراز مثالٍ لذلك فيما يروى من الحديث = أعياه تطلُّبُه. . نعم، حديث: (من كذب علي متعمدًا. .) نراه مِثَالًا لذلك ... ) (٢) .
стр. 70
وقال الإمام أبو بكر الحازمي ﵀: ( ... الحديثُ الواحدُ لا يخلو: إمَّا أَن يكون من قَبِيل المتواتر، أَو من قبيل الآحاد = و إثباتُ المتواتر في الأَحاديث عَسيرٌ جدًّا؛ سيما على مذهب من لم يعتبر العدد في تحديده) (١)
ومع هذه الشروط التي زعموها في الخبر المتواتر = يبقى أَنّ هذا الخبر لا يقع الاحتجاج به متى قام الإمكان العقلي على تواطئ المخبرين فيما أخبروا به.
وفي تقرير ذلك يقول واصل بن عطاء (٢): (إنّ كلَّ خَبَرٍ لا يمكن التواطؤ، والتَراسُل، والاتفاق على غير التواطئ = فهو حُجَّةٌ؛ وما يصح ذلك فيه فهو مُطّرح) (٣)
فمدار القول والاحتجاج بالخبر عند مُقَدَّم المعتزلة ورئيسهم = هو انتفاء الإمكان العقلي على التواطئ والاتفاق على اختلاق الحديث؛ فإن أمكن التواطؤ سقط الاحتجاج، ولو اجتمعت سائر الشرائط المذكورة!
وقد تفطن الإمام ابن حبان ﵀ إلى أَن محصلة اختراع هذا التقسيم
стр. 71
والتأبّي عن قبول أخبار الآحاد = عند التحقيق هو: نَبْذُ السنن كُلِّها.
وفي تقرير ذلك يقول: (فأما الأخبارُ فإنّها كلها أخبار آحاد؛ لأنه ليس يوجد عن النبي ﷺ خَبَرٌ من رواية عَدْلين , روى أَحدهما عن عَدْلين , وكل واحد منهما عن عَدْلين , حتّى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ . فَلمَّا استحال هذا، وبَطَل = ثَبَتَ أَن الأَخبار كُلَّها أَخبار آحاد. وأَنّ من تنكَّب عن قبول أخبار الآحاد , فَقَد عَمَدَ إلى تركِ السُّنَنِ كُلِّها؛ لعَدَمِ وجود السُّنن إلا من رواية الآحاد) (١)
فإذنْ؛ لم يبق من جِهة الواقع إلا السنة الآحادية التي تُقرِّر معاني القرآن، وتُبِينُ عن معناه تبيانًا مفصلًا يرفع عما كان محتملًا الاحتمال = لذا عَمَد المعتزلة إلى سَلْب هذه الأَخبار العلميةِ؛ ليتلطّفوا في إهدار الاحتجاج بها.
وبالجُملة: فكلُّ مَن نَفى إفادة خبر الآحاد العلمَ مطلقًا؛ ومِن ثَمَّ التَّأبِّي عن قَبُولِ الاحتجاج به في أُصول الدين = فإنه متأثر في الأَصل بمادةٍ اعتزاليةٍ أدّته إلى هذه النتيجة.
وبطلان هذه النظرة التقويضية للوحي، يتأتَّى عَبْر طرائق ثلاثٍ:
الأولى: الكشف عن المطابقة بين وحي القرآن وبين وحي السُّنّةِ.
الثانية: الإبانة عن بطلانِ إهدار الاحتجاج بالسنة الآحاديةِ.
الثالثة: الإبانة عن فساد سَلْب العلمية عن أخبار الآحاد.
الطريقة الأولى: الكشف عن المطابقة بين وحي القرآن وبين وحي السنة في الاعتقادات.
إِنَّ الاتِّساق والمطابقة بين القرآن وبين السُّنَّة الثَّابتة الصحيحة؛ من
стр. 72
حيثُ الدَّلالة = برهان جليٌّ يؤكّد صِدْق نِسبة تلك الأَخبار إلى رسول الله ﷺ . ولهذا كان من فِقْهِ الأئمَّةِ وعظيم بَصَرهم: أَنَّهم حين عَقْدِهم للمسائل العلميَّة الخبرية وغيرها، يُوردون الآيات، وما يتسق معها من الأحاديث؛ لتقْرير ما أرادوا الاحتجاج له.
وشواهد ذلك: ما تراه عند الإمام أحمد في كتابه: (الرَّد على ... الزنادقة والجهمية) وعند الإمام البخاري في (الجامع الصَّحيح) وعند الإمام ابن خزيمة (١) في (كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب وغيرهم من أئمة السلف- رحمهم الله تعالى - فَدَرَج هؤلاء الأئمَّة مثلًا للاحتجاج على أحاديث النزول بالآيات الدالة على مجيء الله تعالى وإتيانه، وعلى الأحاديث الدالة على زيادة الإيمان بالآيات المطابقة لها. وغير ذلك من المسائل العلمية والعملية، التي تكْشِفُ على النَّظرةِ الشُموليَّة لهؤلاء الأئمَّة للوحي، وأنه من مِشْكاة واحدة يصدق بعضه بعضًا، ويوافق بعضه بعضًا؛ كما قال حسان بن عَطيَّة: (كان جبريل ﵇ ينزل على النبي ﷺ ، بالسُّنةِ كما ينزل عليه بالقرآن يُعلِّمُهُ إيَّاها كما يُعلِّمه القُرآن) (٢)
وفي بيان هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ﵀: (الأَحاديث الواردة الصحيحة في هذا الباب (٣) توافق القرآن، ويطابقها، ويَدلُّ على ما دلت
стр. 73
عليه. وإنما الحديث مع القرآن بمنزلة الحديث مع الحديث الموافق له، والآية مع الآية الموافقة لها، وبمنزلة موافقة القرآن للتوراة؛ حتى قال النجاشي لمّا سمع القرآن: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرُج من مشكاةٍ واحدة ... ولهذا كان أَئمةُ السَّلف يذكرون الآيات وما يناسبها من الأحاديث في هذا الباب وسائر أبواب العلم ... إذا ذُكِرت الآيات في محبة العبد لربه وتوكله عليه، وإخلاصه له، وخوفه، ورجائه، ونحو ذلك = ذُكر معه الأحاديث الموافقة للقرآن في ذلك. وكذلك؛ إذا ذُكِرَ ما في القرآن من صفة المعاد، والجنة، والنار = ذُكر ما في الأحاديث مما يوافق ذلك ... ومعلومٌ بالضرورة أَنَّ هذا مِمَّا اتَّفَقَ عليه المسلمون، وهو أحسن ما يكون مِنْ بيان اتفاقِ القُرآن والحديثِ. فهذا نَافعٌ في تفسير القرآن الذي هو تأويله الصحيح، ونافعٌ في إثبات ما دل عليه القرآن والحديث من الأحكام الخبرية العلميَّة الاعتقاديَّة، والأحكام العمليَّة والإِرادية ... ) (١)
وهذا الاتساق والمطابقة يكشف عن مَغْلطةِ رَدّ هذه الأخبار بدعوى أَنَّ ثبوتَها ليس قطعيًا؛ ذلك لأَنَّ الدَّلائل القرآنيَّة دلَّت على أصل هذه الأخبار. ولا مكان لطروء الظن في ثبوت القرآن؛ فلم يك للمخالفين بُدٌّ للخروج من وَرْطةِ هذه المُناقضة = إلا بالتَنصُّل بأحَدِ مسلكين فاسدين:
الأول: رَهْن صحة الاستدلال بالدلالة السَّمعية؛ على مقدمات عقليَّة نَظموها لتكون أصلًا -بزعمهم-؛ ليصح الاستدلال بالسمع بعدها.
يقول القاضي عبد الجبار -في رَدِّه على من يستدل بآيات القرآن على كون أفعال المخلوقين خلق لله تعالى-: (والقوم يتمسكون بآيات القرآن، ويستدلّون بها على أن أفعال العباد موجودة من جهة الله تعالى = والجوابُ
стр. 74
عنها من طرق؛ الجملة: أن نقول: لا يمكنكم الاستدلال بالسمع على هذه المسألة؛ لأن صحة السمع تنبني على كونه تعالى عدلًا حكيما، لا يُظْهرُ المعجزَ على الكذابين، وأنتم قد جوّزتم ذلك على الله تعالى؛ فكيف تقع لكم الثقة بكلامه؟! وهلاّ جوّزتم أن يكون كَذِبًا؟!) (١)
والقاضي عبد الجبار لم يعتبر صحة الاستدلال بالدليل السمعي مرتبًا على إثبات المقدمات في هذه المسألة فقط؛ لأنه لا يعتدّ بالدلالة السمعية مطلقًا إذا خالفت أصوله -كما سبق تقرير ذلك-.
وأَمَّا المَسْلك الثاني: فتطريق الاحتمالات على دلالة النص؛ بحيث لا يبقى مكان للقطع والنّصية.
يقول الرَّازي مؤصِّلًّا لهذا المَنْحى: (الدَّلائِلُ اللَّفْظيَّةِ لا تكون قطعيَّةً؛ لأنّها موقوفة على نقل اللُّغات، ونقل وجوه النَّحو والتصريف، وعلى عدم الاشتراك، والمجاز، والتخصيص، والإضمار، وعدم المعارض النقلي والعقلي = وكلّ واحدة من هذه المقدّمات مظنونة. والوقوف (٢) على المظنون أولى أن يكون مظنونًا = فثبت أَن شيئًا من الدلائل اللفظيَّة لا يمكن أن يكون قطعيًا) (٣)
وهذا المَسْلك -أَي: طرد نفي دلالة الأدلة اللفظية- في حقيقته هَدْمٌ للشريعةِ؛ لأنه سَلْب لليقين في أَحكامها وأَخبارها - وقد تقدم بطلانه -.
الطريقة الثانية: بطلان إهدار الاحتجاج بالسنة الآحادية.
الضرورة الإجماعية قائمة على الاحتجاج بالسنة الآحادية متى
стр. 75
صَحّت. وهذا الإجماع مُسْتفاد بطريق التنصيص على ذلك من الأئمة المعتبرين، ومن طريق الإجماع العملي الذي عُلِم من حال الصحابة ﵃ من روايتهم عن النبي ﷺ أحاديثه الاعتقادية العلميَّة، والعمليَّة الإرادية، وتَلَقِّي بعضهم عن بعض. وقد كان الأَمر كذلك حتى حدثت المُشاقّة من قِبَل الطائفة الاعتزالية؛ التي منعت الاحتجاج بخبر الآحاد في أبواب الاعتقاد (١)، ثم تبعها على ذلك طوائف من أَهل الكَلام، وغيرهم.
وممن نقل الإجماع على حُجّية خبر الآحاد في المسائل الخبرية العلميَّة والعملية = الإمام ابن عبد البر ﵀ حيث قال عن ما يدين به أهل الفقه والأثر جميعهم: (وكلُّهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعًا ودينًا في معتقده = على ذلك جميع أَهل السُّنة، ولهم في الأحكام ما ذكرنا) (٢) .
وقال الإمام ابن تيمية ﵀: (مما اتفق عليه سَلفُ الأمةِ وأئمة الإسلام =أنَّ الخبرَ الصحيحَ مقبولٌ مُصدَّقٌ به في جميع أبواب العلم، لا يُفَرَّق بين المسائل العلميَّة (٣) والخبرية، ولا يُردُّ الخَبَرُ في بابٍ من الأبواب؛ سواءً كانت أُصولًا، أَو فروعًا = بكونه خَبَر واحدٍ؛ فإن هذا من مُحدثاتِ أَهل البدع المخالفةِ للسُّنَّة والجَمَاعةِ ... ) (٤)
فإنْ اعترض معترض بأن الإجماع لو كان مُحْكمًا في هذا الباب = لما هاب الإمام الشافعي ﵀ القولَ به، وعدل إلى الاكتفاء بعدم مخالفة من علمهم من أَئمَّةِ الفِقْهِ في تَثْبيْتِ خَبَرِ الآحاد؛ حيث قال: (ولو جاز لأَحدٍ من النَّاس أن يقول في علم الخاصَّةِ = أَجمع المسلمون قديمًا