← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2771

المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية

علي جمعة

Полный текст (348 стр.). Показаны 316–348 · переход к 321.

стр. 316

أما في الاصطلاح، فقد عرفها التفتازاني بقوله: " إنها حكم كلي ينطبق على جزئياته ليتعرف أحكامها منه ". * * * القواعد الفقهية - مدخل تاريخي: ١ - من الملاحظ أن عملية السعى نحو الكلي الضابط للجزئيات وردت في السنة المطهرة في مثل أحاديث: " قل هو اللُّه أحد تعدل ثلث القرآن "، أو " يس " تعدل ربع القرآن " على مذهب من فسرها على نحو ذلك. ثم نرى أمثال ذلك عند عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه في كتابه إلى أبي موسى الأشعري والذي ورد فيه: " أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، لا يمنعك قضاء قضيته، راجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، أن تراجع الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم فيما يختلج في صدرك، مما لم يبلغك في الكتاب والسنة، اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عندك، فاعمد إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق ". فيما ترى فهذه قطعة من كتاب عمر رضي اللَّه تعالى عنه، وكتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري، أخرجه الدارقطي في السنن. قال حدثنا أبو جعفر محمد بن سليمان بن محمد النعماني أخبرنا عبد اللَّه بن عبد الصمد بن خداش أخبرنا عيسى بن يونس أخبرنا عبيد اللَّه بن حميد عن أبي المليح الهذلي قال: "كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة ... " إلخ. وأخبرنا محمد بن مخلد أخبرنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل حدثني أبي أخبرنا سفيان بن عيينة أخبرنا إدريس الأودي عن سعيد بن أبي بردة، وأخرج الكتاب فقال: هذا كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري: " أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة ... "إلخ.

стр. 317

وأخرجه البيهقي في المعرفة: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق الصنعاني حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن كناسة حدثنا جعفر بن برقان عن معمر البصري عن أبي العوام البصري قال: كتب عمر، فذكره. والبيهقي في السنن الكبرى: حدثنا أبو طاهر الفقيه إملاء وقراءة أنبأنا أبو حامد بن بلال حدثنا يحيى بن الربيع المكي حدثنا سفيان بن إدريس الأودي قال: أخرج إلينا سعيد بن أبي بردة كتابًا، فقال: هذا كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى ﵁ فذكر الحديث، قال فيه: " الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في القرآن والسنة، اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك ... " إلخ. وقال الخطب البغدادي في الفقيه والمتفقه: أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن زياد القطان حدثنا أبو الحسن على بن عبد الملك ابن أبي الشوارب حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا إدريس أبو عبد اللَّه ابن إدريس: قال: أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسائل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة، فأخرج إليَّ كتبًا، فرأتحا كتابًا منها: " أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة ... "إلخ. وقال ابن حزم في إحكام الأحكام: حدثنا أحمد بن عمر العذري حدثنا أبو ذر الهروي حدثنا أبو سعيد الخليل بن أحمد القاضي السجستاني حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا يوسف بن موسى القطان حدثنا عبيد اللَّه بن موسى حدثنا عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه قال: كتب عمر بن الخطاب إلى موسى الأشعري - فذكر الرسالة - وفيها: " الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأمثال، والأشكال فقس الأمور عند ذلك، ثم اعمد إلى أشبهها بالحق وأقربها إلى اللَّه "، وذكر باقي الرسالة. وحدثنا أحمد بن عمر حدثنا عبد الرحمن بن الحسن الشافعي حدثنا القاضي أحمد ابن محمد الكرجي حدثنا محمد بن عبد اللَّه العلاف حدثنا أحمد بن علي بن محمد الوراق حدثنا عبد اللَّه بن سعد حدثنا أبو عبد اللَّه محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني

стр. 318

حدثنا سفيان بن إدريس بن يزيد الأودي عن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى فذكر الرسالة.. اهـ. قال ابن حزم: لا يصح؛ لأن السند الأول فيه عبد الملك بن الوليد بن معدان وهو كوفي متروك الحديث، ساقط بلا خلاف، وأما السند الثاني، فمن بين الكرجي إلى سفيان مجهولون، وهو أيضًا منقطع فبطل القول به جملة. اهـ. على أنه يمكن القول بأن عبد الملك متوسط، ولم يصفه أحد إلا ابن حزم، وأما أبوه فهو ثقة معروف، ذكره ابن حيان في الثقات. وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: قال أبو عبيد: حدثنا كثير بن هشام عن جعفر برقان، وقال أبو نعيم بن جعفر بن برقان، عن معمر البصري، عن أبي العوام البصري، وقال سفيان بن عيينة: حدثنا إدريس أبو عبد اللَّه بن إدريس قال: أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبو موسى الأشعري، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة فأخرج إليه كتبًا، فرأيت في كتاب منها وذكر الكتاب ... إلخ. قال أبو عبيد: قلت لكثير: هل أسنده جعفر؟ قال: لا. قال ابن القيم "وهذا كتاب جليل، تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة ". وقال ابن حجر في التلخيص: أخرجه الدارقطي والبيهقي، وساقه ابن حزم من طريقين وأعلهما بالانقطاع، لكن اختلاف الخرج فيهما مما يقوي أصل الرسالة، لا سيما وفي بعض طرقه أن راويه أخرج الرسالة المكتوبة. وقال شيخنا الحافظ أبي الفضل عبد اللَّه بن الصديق في تخريج أحاديث اللمع: أخرجه الدارقطني في السن من طريق عبيد اللَّه بن أبي حميد عن أبي المليح الهذلي، وعبيد اللَّه بن أبي حميد ضعيف متروك، لكن ورد من طرق تدل على أن له أصلًا، لا سيما وفي بعض طرقه عند الدارقطني أن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري أخرج الكتاب وقال: هذا كتاب عمر، ثم قرئ على سفيان بن عيينة، وقد تلقاه الناس بالقبول، وجعلوه أصلًا في باب القضاء فأغنى ذلك أيما غناء اهـ.

стр. 319

٢ - ثم ترى ذلك عن الإمام الشافعي (ت ٤٠٢ هـ) في حديث " إنما الأعمال بالنيات " حيث يقول: يدخل في هذا الحديث ثلث العلم، ويجعل ثلاثة أحاديث يبني عليها الدين، وهي طريقة تبين آلية التقعيد في ذهن الإمام الشافعىِ. ثم يأتي البيهقي (ت ٤٥٨) فيذكر خمسة أحاديث، ثم يأتي النووي (ت ٦٧٦ هـ) ويجمع أربعين حديثًا من هذه التي قيل فيها إنها من قواعد الدين، وهكذا. وأرى أن هذا التوجيه إنما يبين الرغبة في التقعيد المؤيد بالفعل النبوي الشريف، المشتمل على الإرشاد لمثل هذا النوع من التعامل مع العلم والمعلومات. ٣ - قال الإمام السيوطي في الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية: " اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم به يطلع على حقائق الفقه ومداركه، ومآخذه، وأسراره، ويتمهر في فهمه، واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على ممر الزمان، ولهذا قال بعض أصحابنا: الفقه معرفة النظائر. وحكى القاضي أبو سعيد الهروي أن بعض أئمة الحنفية بهراة، بلغه أن الإمام أبا طاهر الدباس إمام الحنفية بما وراء النهر رد على جميع مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة فسافر إليه، وكان أبو طاهر ضريرًا، وكان يكرر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد أن يخرج الناس منه، فالتف الهروي بحصير، وخرج الناس وأغلق أبو طاهر المسجد، وسرد من تلك القواعد سبعًا، فحصلت للهروي سعلة، فأحسَّ به أبو طاهر فضربه وأخرجه من المسجد، ثم لم يكررها فيه بعد ذلك، فرجع الهروي إلى أصحابه وتلا عليهم تلك السبع. قال القاضي أبو سعيد: فلما بلغ القاضي حسينًا ذلك رد جميع مذهب الشافعي إلى أربع قواعد: الأولى: اليقين لا يزول بالشك، وأصل ذلك قوله ﷺ : " إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في صلاته فيقول له: أحدثت فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا ". الثانية: المشقة تجلب التيسير، قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) . وقال ﷺ : " بعثت بالحنيفية السمحة ".

стр. 320

الثالثة: الضرر يزال، وأصلها قوله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار ". الرابعة: العادة محكمة، لقوله ﷺ : " ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن ". قال بعض المتأخرين: في كون هذه الأربع دعائم الفقه كله نظر، فإن غالبه لا يرجع إليها إلا بواسطة وتكلف. وضم بعض الففلاء إلى هذه قاعدة خامسة، وهي " الأمور بمقاصدها "، لقوله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات "، وقال: " بني الإسلام على خمس، والفقه على خمس ". قال العلائي: وهو حسن جدًّا، فقد قال الشيخ تاج الدين السبكي: التحقيق عندي أنه إن أريد رجوع الفقه إلى خمس بتعسف وتكلف وقول جملي، فالخامسة داخلة في الأولى، بل أرجع الشيخ عز الدين بن عبد السلام الفقه كله إلى اعتبار المصالح ودرء المفاسد، بل قد رجع الكل إلى اعتبار المصالح، فإن درء المفاسد من جملتها. ويقال على هذا: واحدة من هؤلاء الخمس كافية، والأشبه أنها الثالثة، وإن أريد الرجوع بوضوح فإنها تربو على الخمسين، بل على المئتين.. اهـ. * * * الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي القواعد الفقهية تختلف عما يسمى بالضوابط الفقهية، فإن مجال الضابط الفقهي أضيق مما وجدناه بالنسبة للقاعدة الفقهية، إذ أن نطاقه لا يتخطى الموضوع الفقهي الواحد الذي يرجع إليه بعض مسائله، وقد نبه على ذلك بعض الأصوليين، ففي حاشية البناني: والقاعدة لا تختص بباب، بخلاف الضابط ". وكذلك العلامة ابن نجيم يميل إلى الفرق بين القاعدة والضابط، فيقول في الفن الثاني من الأشباه: " الفرق بين الضابط والقاعدة: أن القاعدة تجمع فروعًا من أبواب شتى، والضابط يجمعها من باب واحد ".

стр. 321

الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية من المعلوم أن " الفقه " علم مستقل، و " أصول الفقه " علم مستقل، ولكل منهما قواعده على رغم وجود الارتباط الجذري الوثيق بينهما بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر. والإمام القرافي يعتبر أول من ميز بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية، فقد جاء في مقدمة الفروق ما يلي: " فإن الشريعة المعظمة المحمدية - زاد اللَّه تعالى منارها شَرَفًا وعلوًا - اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان: أحدهما: المسمى بأصول الفقه، وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العريية خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيع، ونحو الأمر للوجوب والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك. والقسم الثاني: قواعد فقهية كلية، كثيرة العدد، عطمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر شيء منها في أصول الفقه، وإن اتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال فبقى تفصيله لم يتحصل. ونوه بها في موضع آخر بقوله: " فإن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه، بل للشريعة قواعد كثيرة جدًّا عند أئمة الفتوى والقضاء لا توجد في كتب الفقه أصلًا ". وإذا أجرينا موازنة عامة بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية تبين لنا عدة أمور قد تعد فوارق رئيسية بين المصطلحين: ١ - إن علم أصول الفقه بالنسبة للفقه ميزان وضابط لاسثنباط الصحيح من غيره، شأنه في ذلك علم النحو لضبط النطق والكتابة، وقواعد هذا الفن هي وسط بين الأدلة والأحكام، فهي التي يستنبط بها الحكم من الدليل التفصيلي، وموضوعها دائمًا الدليل والحكم، كقولك: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والواجب الخُيَّر يُخرج المكلف عن العهدة فيه بفعل واحد مما خُيِّر فيه. أما القاعدة الفقهية فهي قضية كلية، أو أكثرية، جزئياتها بعض مسائل الفقه، وموضوعها دائمًا هو فعل المكلف.

стр. 322

٢ - القواعد الأصولية قواعد كلية تنطق على جميع جزئياتها وموضوعاتها. أما القواعد الفقهية: فإنها أغلبية يكون الحكم فيها على أغلب الجزئيات، وتكون لها المستثنيات. ٣ - القواعد الأصولية هي ذريعة لاستنباط الأحكام الشرعية العملية، وبذا تنفصل القواعد الفقهية عنها، لأنها عبارة عن مجموعة الأحكام المتشابهة التي ترجع إلى علة واحدة تجمعها، أو ضابط فقهي يحيط بها، والغرض منها تقريب المسائل الفقهية وتسهيلها. ٤ - القواعد الفقهية متأخرة في وجودها الذاني والواقعي عن الفروع، لأنها جمع لأشتاتها، وربط بينها، وجمع لمعانيها. أما الأصول فالفرض الذهني يقتضي وجودها قبل الفروع؛ لأنها القيود التي أخذ الفقيه نفسه بها عند الاستنباط، ككون ما في القرآن مقدَّمًا على ما جاءت به السُّنة، وأن نص القرآن أقوى من ظاهره، وغير ذلك من مساللث الاجتهاد. وهذه مُقَدَّمة في وجودها إلى استباط الفروع بالفعل، وكون هذه الأصول كشفت عنها الفروع ليس دليلًا على أن الفروع متقدمة عليها، بل هي في الوجود سابقة، والفروع لها دالة كاشفة، كما يدل المولود على والده، وكما تدل الثمرة كلى الغراس، وكما يدل الفرع على نوع البذور. ٥ - القواعد الفقهية تشبه أصول الفقه من ناحية، وتخالفها من ناحية أخرى. أما جهة المتشابهة: فهي أن كلا منهما قواعد تندرج تحتها جزئيات. وأما جهة الاختلاف: فهي أن قواعد الأصول عبارة عن المسائل التي تشملها أنواع من الأدلة التفصيلة، يمكن استنباط التشريع منها. وأما قواعد الفقه: فهي عبارة عن المسائل التي تندرج تحتها أحكام الفقه نفسه، ليصل المجتهد إليها بناء على تلك القضايا المبينة في أصول الفقه، ثم إن الفقيه إن أوردها أحكامًا جزئية فليست قواعد، وإن ذكرها في صور قضايا كلية تندرج تحتها الأحكام الجزئية فهي القواعد. وكل منهما - القواعد الكلية والأحكام الجزئية - داخل في مدلول الفقه على وجه الحقيقة، وكل منهما متوقف عند المجتهد على دراسة الأصول التي يبني عليها كل ذلك.

стр. 323

خصائص القواعد الفقهية للقواعد الفقهية خصائص تتمّيز بها دون قواعد أصول الفقه وهي: ١ - الحفظ والضبط للمسائل الكثيرة المتناظرة، بحيث تكون القاعدة وسيلة لمعرفة الأحكام المندرجة تحتها. ٢ - تدل على أن الأحكامَ المتحدة العلة مع اختلافها محققةٌ لجنس واحد من العلل، محققةٌ لجنس واحد من المصالح. ٣ - إن معظم مسائل أصول الفقه لا ترجع إلى خدمة حكمة الشريعة ومقصدها، ولكنها تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع بواسطة قواعد يتمكن العارف بها من انتزاع الفروع منها. وعلى العكس القواعد الفقهية، فإنها تخدم المقاصد الشرعية العامة والخاصة، وتمهد الطريق للوصول إلى الأحكام وحكمها. وهذا التفصيل يعطينا فكرة كاملة عن الموضوع، ويكشف عن الفروق الأساسية بين. المصطلحين. * * * القواعد الفقهية العامة والنظريات الفقهية هذا التراث المؤلف في القواعد الفقهية يُمَكّنُنَا من دراسات غاية في الثراء، نستخرج منها ما يمكن أن أسميه بالقاعدة العامة، بدلًا من قولنا: " نظرية عامة "، حيث أننا قد استعملنا كلمة نظرية ترجمة للكلمة الإنجليزية (Theory) ، وهي عندهم ذات دلالة خاصة فرضها وضعهم العلمي، ومصادرهم التي خلت أساسًا من الوحي كمصدر للمعرفة، واقتصارهم على دراسة الوجود، مما ألزمهم إلى إيجاد معيار، ومبدأ يرجعون إليه للربط بين عدة قوانين، ولاستنباط الأحكام من ذلك المعيار والمبدأ. ولوجود النص لدى المسلمين معيارًا ومبدأ أساسيًّا لاستنباط الأحكام، لم ترد كلمة نظرية في تراثهم. يقول د. السنهوري في مصادر الحق: " إن الفقه الإسلامي في مراجعه القديمة

стр. 324

لا توجد فيه نظرية عامة للعقد، بل هو يستعرض العقود المسماة عقدًا، وعلى الباحث أن يستخلص النظرية العامة للعقد من بين الأحكام المختلفة لهذه العقود المسماة فيقف عند الأحكام المشتركة التي تسري على الكثرة الغالبة من هذه العقود ". وأرى أن ما يريده العلامة السنهوري رحمه اللَّه تعالى هو عين عملية التجريد المؤدية إلى التقعيد، فالاعتراض عليه لفظي، وهو تسمية ذلك المشترك بالقاعدة العامة، بدلًا من كلمة " نظرية " التي تستعمل في مضمونها، وظلال دلالتها الأجنبية على رأي مستقل عن الوحي، قابل للتغير دائمًا، مشتملًا على التجاوز كقيمة ذاتية، وهو ما ينفي جزء وعنصر الثبات التي تشتمل عليه شريعة الإسلام. * * * الفرق بين القاعدة الفقهية والنظرية الفقهية يرى بعض الباحثين المعاصرين في الفقه الإسلامي أن النظريات العامة مرادفة لما يسمى بالقواعد الفقهية كما جنح إلى ذلك الأستاذ الجليل محمد أبو زهرة في كتابه أصول الفقه، حيث يقول: " إنه يجب التفرقة بين علم أصول الفقه، وبين القواعد الجامعة للأحكام الجزئية، وهي التي مضمونها يصح أن يطلق عليها النظريات العامة للفقه الإسلامي، كقواعد الملكية في الشريعة، وكقواعد الضمان، وكقواعد الخيارات، وكقواعد الفسخ بشكل عام ". والواقع أن النظرية العامة، ودراسة الفقه الإسلامي في نطاقها أمر مستحدث طريف استخلصه العلماء المعاصرون الذين أجمعوا بين دراسة الفقه الإسلامي، ودراسة القانون الوضعي خلال احتكاكهم، وموازنتهم بين الفقه والقانون، وبوبوا المباحث الفقهية على هذا النمط الجديد، وأفردوا المؤلفات على هذه الشاكلة. ويمكن أن تعرف النظرية العامة بأنها: " موضوعات فقهية، أو موضوع يشتمل على مسائل فقهية أو قضايا فقهية، حقيقتها: أركان وشروط وأحكام، تقوم بين كل منها صلة فقهية تجمعها وحدة موضوعية تحكم هذه العناصر جميعًا ". وذلك كنظرية الملكية، ونظرية العقد، ونظرية الإثبات، وما شاكل ذلك. فمثلًا نظرية الإنبات في الفقه الجنائي الإسلامي تألفت من عدة عناصر، وهي المواضيع التالية: حقيقة الإثبات، الشهادة، شروط الشهادة، كيفية الشهادة، الرجوع عن

стр. 325

الشهادة، مسئولية الشاهد، الإقرار، القرائن، الخبرة، معلومات القاضي، الكتابة، اليمين، القسامة، اللعان، فهذا مثال للمنهج الجديد الذي يسلكه المؤلفون في النظريات العامة في تكوينها، إذ كل موضوع عنصر من عناصر هذه النظرية، وتندرج تحته فصول، والربط بينها علاقة فقهية خاصة. وخلاصة القول: إن النظرية العامة هي غير القاعدة الكلية في الفقه الإسلامي إن هذه القواعد هي بمثابة ضوابط بالنسبة إلى تلك النظريات، أو إنما هي القواعد الخاصة أمام القواعد العامة الكبرى. وقد ترد قاعدة بين القواعد الفقهية ضابطًا خاصًّا بناحية من نواحي تلك النظريات العامة، فقاعدة: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني " مثلًا ليست سوى ضابط في ناحية مخصوصة من أصل نظرية العقد، وهكذا سواها من القواعد. قال د. مصطفى أحمد الزرقا: " نريد من النظريات الفقهية الأساسية تلك الدساتير والمفاهيم الكبرى التي يؤلف كل منها على حدة نظامًا حقوقيًّا موضوعيًّا منبثًا في الفقه الإسلامي كإثبات أقسام الجملة العصبية في نواحي الجسم الإنساني، وتحكم عناصر ذلك النظام في كل ما يتصل بموضوعه من شعب الأحكام، وذلك كفكرة الملكية وأسبابها، وفكرة العقد وقواعده ونتائجه، وفكرة الأهلية وأنواعها ومراحلها وعوارضها، وفكرة النيابة وأقسامها، وفكرة البطلان والفساد والتوقف، وفكرة التعليق والتقييد والإضافة في التصرف القولي، وفكرة الضمان وأسبابه وأنواعه، وفكرة العرف وسلطانه على تحديد الالتزامات.. إلى غير ذلك من النظريات الكبرى التي يقوم على أساسها صرح الفقه بكامله، ويصادف الإنسان أثر سلطانها في حلول جميع المسائل والحوادث الفقهية. وهذه النظريات هي غير القواعد الكلية التي صُدِّرَت مجلة الأحكام الشرعية بتسع وتسعين قاعدة منها، فإن تلك القواعد إنما هي ضوابط وأصول فقهية تراعي في تخريج أحكام الحوادث ضمن حدود تلك النظريات الكبرى. فقاعدة " العبرة في العقود للمقاصد والمعاني " مثلًا ليست سوى ضابط في ناحية مخصوصة من ميدان أصل نظرية العقد، وهكذا سواها من القواعد، وإن مطالعة هذه

стр. 326

النظريات الأساسية بعد طلوعها من مكامنها وراء فروع الأحكام تعطي الطالب ملكة فقهية عاجلة تؤهل فكره، وتعينه على مدارك الفقه. وهذه النظريات هي: نظرية الملكية - نظرية العقد - نظرية الحق - نظرية التعسف باستعمال حق الغير - نظرية الشرط - نظرية المؤيدات الشرعية - نظرية الأهلية والولاية - نظرية العرف - نظرية الشخصية الاعتبارية وغيرها. والاختلاف الأساسي بينهما يتلخص في أمرين: ١ - القاعدة الفقهية تتضمن حكمًا فقهيًّا في ذاتها، وهذا الحكم الذي تتضمنه القاعدة ينتقل إلى الفروع المندرجة تحتها، فقاعدة: " اليقين لا يزول بالشك "، تضمنت حكمًا فقهيًّا في كل مسألة، اجتمع فيها يقين وشك. وهذا بخلاف النظرية الفقهية فإنها لا تتضمن حكمًا فقهيًّا في ذاتها، كنظرية الملك، والفسخ، والبطلان. ٢ - القاعدة الفقهية لا تشتمل على أركان وشروط، بخلاف النظرية الفقهية، فلابد لها من ذلك. ويمكن أن ندرج مجموعة من القواعد الفقهية التي تختلف في فروعها وجزئياتها وآثارها ولكنها قد تتسم بصفة عامة ومزايا مشتركة، أو تتحد في موضوعها العام تحت نظرية معينة على سبيل المثال القواعد التالية: ١ - العادة محكَّمة. ٢ - استعمال الناس حجة يجب العمل به. ٣ - لا ينكر تغير الأحكام (المبنية على المصلحة أو العرف) بتغير الزمان. ٤ - إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت. ٥ - المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا. ٦ - المعروف بين التجار كالمشروط بينهم. ٧ - التعيين بالعرف كالتعيين بالنص. فهذه المجموعة من القواعد الفقهية المعروفة - بغض النظر عن الفروع والجزئيات المختلفة تحت كل منها - فإنه يمكن أن نضعها جميعًا تحت عنوان نظرية العرف، فإن العرف هو الطابع العام الغالب على جميع هذه القواعد المذكورة.

стр. 327

وعلى هذا الطراز بعد الدقة والتأمل يمكن أن نوزع كثيرًا من تلك القواعد مجموعة تحت قواعد كبرى معينة، أو نظريات معينة. * * * القواعد الفقهية الأساسية وأمهات القواعد خمس، وهي التي يدور عليها معظم أحكام الفقه، وقد نظمها بعضهم في قوله: خمس محررة قواعد مذهب ... للشافعي بها تكون خبيرًا ضرر يزال وعادة قد حكمت ... وكذا المشقة تجلب التيسيرا والشك لا ترفع به متيقنًا ... وخلوص نية إن أردت أجورا القاعدة الأولى: الضرر يزال: وهذه القاعدة مسوقة لبيان وجوب إزالة الضرر إذا وقع، وأصل هذه القاعدة قوله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار ". وهذه القاعدة ينبني عليها كثير من أبواب الفقه: من ذلك: الرد بالعيب، وجميع أنواع الخيارات، من اختلاف الوصف المشروط، والتعزير، وإفلاس المشتري، وغير ذلك، والحجر بأنواعه، والشفعة لأنها شرعت لدفع ضرر القسمة، والقصاص والحدود، والكفارات، وضمان المتلف، والقسمة، ونصب الأئمة، والقضاة، ودفع الصائل، وقتال المشركين، والبغاة، وفسخ النكاح بالعيوب، أو الإعسار، أو غير ذلك. ويتعلق بهذه القاعدة قواعد: الأولى: الضرورات تبيح المحظورات، بشرط عدم نقصانها عنها: ومن ثم جاز أكل الميتة عند المخمصة، وإساغة اللقمة بالخمر، والتلفظ بكلمة الكفر للإكراه، وكذا إتلاف المال، وأخذ مال الممتنع من أداء الدين بغير إذنه، ودفع الصائل ولو أدى إلى قتله، ولو عم الحرام قطرًا بحيث لا يوجد فيه حلال إلا نادرًا، فإنه يجوز استعمال ما يحتاج إليه، ولا يقتصر على الضرورة.

стр. 328

الثانية: ما أبيح للفرورة يقدر بقدرهما: ومن فروعه: لا يأكل من الميتة إلا بقدر سد الرمق، ومن استشير من خاطب واكتفى بالتعريض كقوله: لا يصلح لك، لم يعدل إلى التصريح. الثالثة: الضرر لا يزال الضرر: قال ابن السبكي: وهو كعائد يعود على قولهم: الضرر يزال ولكن لا بضرر، فشأنهما شأن الأخص على الأعم، بل هما سواء؛ لأنه لو أزيل بالضرر لما صدق " الضرر يزال ". ومن فروعها: عدم وجوب العمارة على الشريك في الجديد، وعدم إجبار الجار على وضع الجذوع، وعدم إجبار السيد على نكاح العبد والأمة التي لا تحل له. الرابعة: إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما. الخامسة: درء المفاسد أولى من جلب المصالح: فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة، قدم دفع المفسدة غالبًا، لأن اعتناء الشارع أشد من اعتنائه بالمأمورات، ولذلك قال ﷺ : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ". * * * القاعدة الثانية: العادة محكَّمة: والعادة هي: الاستمرار على شيء مقبول للطبع السليم، والمعاودة إليه مرة بعد أخرى، وهي المرادة بالعرف العملي. فالمراد بها حينئذٍ: ما لا يكون مغايرًا لما عليه أهل الدين والعقل المستقيم، ولا منكرًا في نظرهم. والمراد من كونها عامة: أن تكون مطردة، أو غالبة في جميع البلدان. ومن كونها خاصة: أن تكون كذلك في بعضها. فالإطراد والغلبة شرط لاعتبارها سواء كانت عامة أو خاصة. وأصل هدْه القاعدة: قول ابن مسعود ﵁: " ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند اللَّه قبيح" وهو حديث حسن، وإن كان موقوفًا عليه فله حكم المرفوع، لأنه لا مدخل للرأي فيه. ويتعلق بهذه القاعدة مباحث منها:

стр. 329

المبحث الأول: فيما تُثْبِت العادةُ: وفيه فروع، منها: الجارحة في الصيد لابد من تكرار يغلب على الظن أنه عادة، ولا يكفي مرة واحدة قطعًا، وفي المرتين والثلاث خلاف. ومنها القائف: لا خلاف في اشتراط التكرار فيه، وهل يكتفي بمرتين أو لابد من ثلاث، وجهان. ومنها اختبار الصبي قبل البلوغ بالمماكسة، قالوا: يختبر مرتين فصاعدا حتى يغلب على الظن رشده. المبحث الثاني: إنما تعتبر العادة إذا اطردت، فإن اضطربت فلا، وإن تعارضت الظنون في اعتبارها فخلاف، وفي ذلك فروع: - باع شيئًا بدارهم وأطلق، نزل على النقد الغالب، فلو اضطربت العادة في البلد وجب البيان، وإلا يبطل البيع. - غلبت المعاملة بجنس من القروض، أو نوع منه، انصرف الثمن إليه عند الإطلاق في الأصح كالنقد. - استأجر للخياطة والنسخ والكحل، فالخيط والحبر والكحل على من؟ خلاف، صحح الرافعي في الشرح، الرجوع فيه إلى العادة، فإن اضطربت وجب البيان، وإلا فتبطل الإجارة. * * * القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير: المشقة تجلب التيسير؛ لأن الحرج مدفوع بالنص، ولكن جلبها التيسير مشروط بعدم مصادمتها نضًا، فإذا صادمت نصًّا روعي النص دونها، والمراد بالمشقة الجالبة للتيسير المشقة التي تنفك عنها التكليفات الشرعية. أما المشقة التي لا تنفك عنها التكليفات الشرعية، كمشقة الجهاد، وألم الحدود، ورجم الزناة، وقتل البغاة والمفسدين والجناة فلا أثر لها في جلب تيسير ولا تخفيف. والأصل في هذه القاعدة: قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ، وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) . وقوله ﷺ : " بعثت بالحنيفية السمحة " وغير ذلك. وأسباب التخفيف في العبادات، وغيرها سبعة:

стр. 330

الأول: السفر، وتيسيراته كثيرة منها: القصر، والفطر، والمسح أكثر من يوم وليلة في السفر الطويل. ومنها: تحميل الشهادة للغير في غير حد، وقود. ومنها: الجمع في الصلاة وغير ذلك. الثاني: المرض، وتيسيراته كذلك كثيرة، منها: التيمم عند مشقة استعمال الماء، والفطر في رمضان، وتأخير إقامة الحد على المريض - غير حد الرجم - إلى أن ييرأ. الثالث: الإكراه الرابع: النسيا ن. الخامس: الجهل. السادس: العسر، وعموم البلوى كالصلاة مع النجاسة المعفو عنها. السابع: النقص، كالصغر والجنون والأنوثة. * * * القاعدة الرابعة: اليقين لا يزال بالشك: اليقين لغة: العلم الذي لا تردد معه، وهو في أصل اللغة: الاستقرار. وفي الاصطلاح: الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الثابت عن دليل. والشك: التردد بين النقيضين، بلا ترجيح لأحدهما على الآخر. وهذه القاعدة من أمهات القواعد التي عليها مدار الأحكام الفقهية. وقد قيل: إنها تدخل في جميع أبواب الفقه، والمسائل المخرَّجة عليها من عبادات ومعاملات وغيرها يبلغ ثلاثة أرباع علم الفقه. ومعناها: أن ما كان ثابتًا متيقنًا لا يرتفع بمجرد طروء الشك؛ لأن الأمر اليقيني، لا يعقل أن يزيله ما هو أضعف منه، بل ما كان مثله أو أقوى. هذا ولا فرق يين أن يكون اليقين السابق مقتضيًا للحظر، أو مقتضيًا للإباحة، فإن العمدة عليه في كلتا الحالتين، ولا يلتفت إلى الشك في عروض المبيح على الأول، وعروض الحاظر على الثاني. ودليل هذه القاعدة: قوله ﷺ : " إذا وجد أحدكم في بطه شيئًا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد، حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا ".

стр. 331

ويندرج في هذه القواعد عدة قواعد: ١ - منها قولهم: " الأعمل بقاء ما كان على ما كان "، ومن أمثلة ذلك: من تيقن الطهارة، وشك في الحدث فهو متطهر، أو تيقن في الحدث وشك في الطهارة فهو محدث. ٢ - ويدخل فيها قاعدة أخرى: " من تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير حمل على القليل "، لأنه المتيقن، اللهم إلا أن تشغل الذمة بالأصل فلا تبرأ إلا بيقين، وغير ذلك. * * * القاعدة الخامسة: الأمور بمقاصدها: الأمور: جمع أمر، وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها، ومنه قوله تعالى: (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) ، وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) ، وقوله تعالى: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) . أي: ما هو عليه من قول أو فعل. ثم إن الكلام على تقدير مقتضى، أي: أحكام الأمور بمقاصدها؛ لأن علم الفقه إنما ييحث عن أحكام الأشياء، لا عن ذواتها. والأصل في هذه القاعدة: قوله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات " حديث صحيح. وهذه القاعدة تجري في كثير من الأبواب الفقهية، قال ابن مهدي: حديث النية يدخل في ثلاثين بابًا من الفقه، وقال الشافعي يدخل في سبعين. ومن الأبواب الفقهية التي يجري فيها هذه القاعدة: المعاوضات، والتمليكات المالية، والإبراء، وتجري في الوكالات، وإحراز المباحات، والضمانات، والأمانات، والعقوبات، وقد شرعت النية لتمييز العبادات من العادات، وتمييز رتب العبادات بعضها من بعض. ومن ثم ترتب على ذلك أمورٌ. أحدها: عدم اششراط النية في عبادة لا تكون عادة، أو لا تلتبس بغيرها، كالإيمان باللَّه تعالى، والمعرفة، والخوف، والرجاء. الثاني: اشتراط التعيين فيما يلتبس دون غيره، قال في شرح المهذب: ودليل ذلك قوله ﷺ : " وإنما لكل امرئ ما نوى " فهذا ظاهر في اشتراط التعيين، لأن أصل النية فهم من أول الحديث.

стр. 332

الثالث: ما يترتب على ما شرعت النية لأجله وهو التمييز: اشتراط التعرض للفرضية، وفي وجوبها في الوضوء والغسل والصلاة والزكاة والخطة، وجهان، والأصح اشتراطها في الغسل دودن الوضوء، لأن الغسل قد يكون عادة، والوضوء لا يكون إلا عبادة. الرابع: اشتراط الأداء والقضاء، وفيهما في الصلاة أوجه: أحدها: الاشتراط، والثاني: تشترط نية القضاء دون الأدء، والثالث: إن كان عليه فائتة اشترط في المؤداة نية الأداء، وإلا فلا، والرابع: وهو الأصح: لا يشترطان مطلقًا. * * * عملية التقعيد ما الذي يتم في ذهن المجتهد والفقيه حتى تتم عملية التقعيد؟ فالقاعدة في قضية كلية مُنْطقَة على جميع جزئياته، ومن هنا، فإن التقعيد سعي إلى إدراك الكل، وعلى ذلك فهو انتقال من مستوى إلى مستوى أعلى منه، في تدرج الفرد، والنوع، والجنس المنطقيين، وهذا ما يمكن أن نسميه بالتجريد. وعملية التجريد هذه محاولة: ١ - لبيان المشترك في الكثرة المبحوثة ٢ - وفيما يتم إسقاط المشخصات. ٣ - ويتم أيضًا مراعاة الفروق وبين ما ظاهره التشابه. ٤ - وكذلك مراعاة ما يدخل في القاعدة من فروع مع استثنائه، حيث تعد هذه الفروع عند إغفالها، أو إغفال موجب امشثنائها معطلة لعملية التقعيد. ٥ - كما تراعى الجوامع، وهو الجمع بين ظاهره الافتراق لنفس السبب. * * * القواعد الفقهية والتجريد الذهني وفي محاولة لبيان عملية التجريد على قاعدة " الميسور لا يسقط بالمعسور " وهي المأخوذة من قوله ﷺ : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ". والتي يقول عنها السيوطي في الأشباه والنظائر: " وبها رد أصحابنا على أبي حنيفة قوله: إن العريان يصلي قاعدًا،

стр. 333

فقالوا: إذا لم يتيسر ستر العورة فلم يسقط القيام المفروض ". أقول - في محاولة لبيان التجريد هذه -: أورد فروعًا من تلك القاعدة، وأبين كيف توصل الفقيه منها إلى التقعيد والصياغة المذكورة، ثم ألحق بها، أو شغلها ذلك التشغيل البديع فمن فروعها: ١ - إذا كان مقطوع بعض الأطراف يجب غسل الباقي جزمًا. ٢ - القادر على بعض السترة يستر به القدر الممكن جزمًا. ٣ - القادر على بعض الفاتحة هل يأتي بها، خلاف. ٤ - لو انتهى في الكفارة إلى الإطعام فلم يجد إلا طعام ثلاثين مسكينًا، فالأصح وجوب إطعامهم، وقطع به الإمام. فإذا قمنا بتحليل الفرع الأول إلى عناصر تُمَكِّن من عملية التجريد لوجدنا أن الفرع يتحدث عن بتر بعض الأطراف التي يجب غسلها، وهنا يمكن أن تتصور عملية الغسل، وترى فيها: ١ - محلًّا ٢ - أداء ٣ - فعلًا. فالمحل: هو العضو المغسول، والأداة: هي الماء، والفعل: هو الغسل، وترى أن المحل قد ذهب بعضه وبقى بعضه في حين لم يتعرض الفعل، ولا الأداة إلى النقصان، فانتقالنا في التحليل من اليد إلى الطرف، وهو كلي بالنسبة لليد، ثم من الطرف إلى المحل وهو كلي له من ناحية. وتصورنا لعناصر العملية التي ينتمي إليها الفرع من ناحية أخرى يمثل عملية التجريد التي إذا أكملناها بإسقاط المشخصات في الطرف الأول لتبقى لنا أن الباقي حكمه الفعل. وإذا تأملنا في الفرع الثاني: نجد لدينا أداة، وهي السترة لمحل العورة، وفعل وهو الستر، وأن الخلل والنقص هنا حدث في الأداة، وليس في المحل كما حدث في الفرع

стр. 334

ومع عملية التجريد بالسعي لإدارك الكلي، وإسقاط المشخصات تخرج بأن الباقي من الأداة (السترة) حكمه الفعل (الستر به) ، وهو عين ما توصلنا إليه في الفرع الأول. وإذا تأملنا الثالث: نجد أن الصورة تتكون أيضًا من فعلْ وهو القراءة، ومحل: وهو: اللسان، وأداة: وهي حروف الفاتحة. وتجد أن ما يعيق الإتمام هنا قد يكون راجعًا إلى خلل في الفعل حيث لا يقدر لأي عارض عن القراءة، أو راجعًا إلى المحل بوجود آفة في اللسان، أو الأداة بخلل في تحصيل حروف الفاتحة لعدم حفظ، أو فهم، أو استرجاع. وترى الحكم عند وجود أي من هذه الأنواع من الخلل أنه يأتي بما يستطيع، أي أن الباقي حكمه الفعل. والفرع الرابع: يحلل إلى: محل: وهو: ستون مسكينًا، وأداة: وهي الطعام، وفعل: وهو الإطعام، وقد يكون الخلل راجع إلى المحل حيث لا يوجد إلا ثلاثون، أو الأداة حيث لا يملك أو لم يجد إلا ما يطعم الثلاثين، أو الفعل وهو عدم القدرة على توصيل الطعام إلا إلى الثلاثين، وترى الحكم في كل ذلك إنما هو أن الباقي حكمه الفعل. وعلى ما تقدم يمكن جمع هذه الفروع كلها تحت قاعدة واحدة مؤداها أن الباقي من المحل أو الأداة أو الفعل حكمه الإيقاع. ثم يأتي دور الصياغة، وهي: تحويل ذلك إلى عبارة تشتمل على محسنات بلاغية، أو بديعية، وهي ما أسماها العلماء بعملية الترقيق والتنميق. فالترقيق: صوغ المعنى بعبارة بليغة. والتنميق: إدخال المحسنات البديعية ليسهل انتشارها وحفظها، وترى هنا (الميسور لا يسقط بالمعسور) عبارة وجيزة، وبها سجع بين الميسور والمعسور، وفيها مقابلة وطباق بينهما. * * *

стр. 335

القواعد الفقهية والفروع المستثناة وهناك مستثنيات من القاعدة، ومن المعلوم أن الفروع الخارجة عن القاعدة على نوعين: ١ - إما أنها منها، ولكن منع مانع من أخذ حكمها، وتسمى مستثناة من القاعدة. ٢ - وإما أنها يُظَنُّ بها اندراجها ببادئ الرأي، ثم عند التأمل يظهر أنها ليس من فروع القاعدة. فمثال النوع الأول: القادر على صوم بعض يوم دون كله، لا يلزمه إمساكه. وهنا نرى أن ذلك الفرع من فروع القاعدة، ولكن منع من اندارجه تحت حكمها التناقض الحاصل عند تصور ذلك الاندراج، لأن الفطر إن تم في أول اليوم، والإمساك في آخره، لم يحصل الامتثال في تحقيق الأمر بالإمساك من الفجر إلى الغروب، وإن وقع آخر اليوم أبطل أوله. ومثال الثاني: واجد بعض الرقبة في الكفارة لا يعتقها، بل ينتقل إلى البدل بلا خلاف، ولو حللنا ذلك الفرع لوجدناه أيضًا به محل: (الرقيق) - أداة: (بعض الرقبة) الفعل: (الإعتاق) . ويلاحظ هنا اتحاد المحل والأداة، ولكن ليس هذا هو الذي أخرج الفرع عن اندراجه تحت حكم القاعدة، بل قاعدة أصولية أخرى تمنع من استنباط معنى من النص يَكِر عليه البطلانُ، لأن ذلك يذهب بمقاصد الشرع الشريف من التشريع، فلو عتق بعض الرقيق لا يتم الامتثال بإعتاق الرقبة، مع إمكان الانتقال إلى خصلة أخرى من خصال الكفارة. وهنا الانتقال مأمور به في الشرع، وعليه فليس الفرع من قضية الإعسار التي تشتمل عليها القاعدة، ولذلك يصلح أن نقول إنه ليس من فروعها. لابد إذن من الاهتمام بعملية التجريد، وعمل المزيد من الدراسات حولها، لأنها تمثل آليات يمكن أن تساعد في عملية الاجتهاد، وفي عملية فهم القواعد وتشغيلها، أي: في عملية الإلحاق بها.

стр. 336

ولم يكتب أحد إلى الآن في هذه العملية بالتفصيل، وإن كانت مباحث المنطق العربي من ناحية، ومسالك العلة في باب القياس من علم أصول الفقه خاصة تنقيح المناط، والسبر، والتقسيم من ناحية ثانية، ومباحث العلل في النحو العربي من ناحية أخرى، تساعد كثيرًا في رسم ملامح وخطوات التجريد. كما يساعد على صياغتها دراسات تحليل المضمون، وعلم الدلالة (السيمانتيك) ، وعلم النص والخطاب في جانبه اللغوي في الدراسات المعاصرة. إن لدينا عددًا كبيرًا من الفروع الفقهية، فكتاب المغني لابن قدامة وهو شرح على مختصر الخرقي يشتمل على (٢٠٢٧) مسألة، على أن كل مسألة لها فروع، ولكل فرع صور مختلفة. ونرى اختلاف العادين لجمل الفقه في ضوء الأنوار في شرح المنار لحسين بن إبراهيم ابن حمزة بن خيل الأولوي، حيث يقول عند ترجمته للإمام أبي حنيفة: قال مولانا درة في حاشيته على شرح التفتازاني: قال الإمام صدر الأئمة: " بلغت مسائل أبي حنيفة خمسمائة ألف مسألة، مع ما أودع في كتبه من المسائل الغامضة المبنية على خفيات النحو، وأسرار العربية، ودقائق الحساب ". وذكر الخطيب الخوارزمي: أنه وضع ثلاث آلاف وثمانين مسألة. وقيل: ستين ألف مسألة ذكره في الانتصار. وذكر في العناية شرح الهداية ما وضعه أصحابنا من المسائل الفقهية: ألف ألف ومائة وسبعون ألف ونيف مسألة) .. انتهى ما أردته. وأقول: إن هذا العدد الضخم إنما هو باعتبار الصور والتفاريع، على أنه يحتاج إلى تلك القرون التي سادت فيها عملية التقعيد بآليات التجريد التي أشرنا إليها. ونلاحظ أن القواعد قد بدأت بعدد قليل (سبع عشرة قاعدة في رواية من نسبها إلى أبي طاهر الدباس الحنفي، وخمس قواعد عند القاضي حسين ... إلخ) ، وسبع وثلاثين قاعدة في رسالة أبي الحسن الكرخي، ثم بدأت في الزيادة حتى يقول تاج الدين

стр. 337

السبكي (ت ٧٧١ هـ) إنها تربو على الخمسين بل على المئتين. ونجد قواعد ابن المقري قد زادت على الألف وخمسمائة. وإذا راعينا الضوابط الخاصة بكل باب فإنها تربو أيضًا على ذلك، فالضوابط والقواعد الموجودة في ربع العبادات من كتاب مغني المحتاج شرح المنهاج للخطيب الشرييني تصل إلى عدة مئات، وكذلك نرى أنها أكثر من مائتين عند الزركشي في المنثور في القواعد. ونخرج من هذا كله أن عملية التقعيد مستمرة، وينبغي أن تستمر. * * * كتب القواعد الفقهية بيان طائفة من الكتب التي ألفت في القواعد، والجموع والفروق: فمنها: أصول الكرخي (٣٤٠ هـ) ، وتأسيس النظر للدبوسي (ت ٤٣٠ هـ) والأشباه والنظائر لابن نجيم (ت ٩٧٠ هـ) ، وشرحه للحموي المسمى: " غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر "، وخاتمه مجامع الحقائق لأبي سعيد الخادمي (ت ١١٧٦ هـ) ولَواعد مجلة الأحكام العدلية (انتهت منها اللجنة سنة ١٢٣٩ هـ - ١٨٧٦ م) ، وما جرى عليها من شراح، والفرائد البهية في القواعد والفوائد الفقهية لمحمود بن حمزة الحسيني مفتي الشام (ت ١٣٠٥ هـ) ، وشرح القواعد الفقهية لأحمد الزرقا، وهي قواعد المجلة (طبع منه جزءان والباقي في دور الطبع) ، كل هذه الكتب مطبوعة وهي على مذهب الحنفية. ومنها الفروق للقرافي (ت ٦٨٤ هـ) ، والقواعد للمقري (ت ٧٥٨ هـ) ، وإيضاخ المسالك إلى قواعد الإمام مالك للونشريسي (ت ٩١٤ هـ) ، وعدة البروق جمع ما في المذهب من الجموع والفروق له أيضًا، وإعداد المهج للاستفادة من المنهج في قواعد الفقه المالكي، للشيخ أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي، وكلها في مذهب مالك وكلها مطبوعة. ومنها قواعد الأحكام في مصالح الأنام أو القواعد الكبرى، والفوائد في مختصر القواعد أو القواعد الصغرى، كلاهما للعز بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ) ، والأصول والضوابط للإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ) ، والأشباه والنظائر لابن الوكيل (٧٦٦ هـ) ،

стр. 338

والأشباه والنظائر لتاج الدين السبكي (ت ٧٧١ هـ) ، ومطالع الدقائق في تحرير الجوامع والفوارق للأسنوي (ت ٧٧٢ هـ) ، والمنثور في القواعد للزركشي (ت ٧٩٤ هـ) ، ومختصر من قواعد العلائي وكلام الأسنوي لابن خطيب الدهشة (ت ٨٣٤ هـ) ، والأشباه والنظائر للسيوطي (ت ٩١١ هـ) ، والفوائد الجنية حاشية المواهب السنية شرح الفوائد البهية في نظم القواعد الفقهية للشيخ الفاداني (ت ١٤١٠ هـ) ، وهي على مذهب الشافعية وكلها مطبوعة. ومنها: القواعد النورانية لابن تيمية (٧٢٨ هـ) ، وقواعد ابن رجب (ت ٧٩٥ هـ) ، وقواعد مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد للعلامة القارئ (ت ١٣٥٩ هـ) ، وكلها على مذهب الحنابلة، وكلها مطبوعة. * * *

стр. 339

الفصل العاشر تاريخ التشريع معظم الكاتبين في تاريخ الفقه الإسلامي يكادون يتفقون على تقسيم التاريخ الفقهي إلى مراحل ستة: المراحلة الأولى: عصر النبوة، وهو عصر النص. المرحلة الثانية: عصر الخلفاء الراشدين، وهو عصر نقل النص، وضبطه، والاجتهاد في أهم الوقائع الحادثة. المرحلة الثالثة: العصر الذي يبدأ من نهاية عهد الخلفاء الراشدين، وينتهي في أوائل القرن الثاني الهجري. المرحلة الرابعة: وهي المرحلة التي تبدأ من سنة ١٠١ هـ، وتنتهي بسنة ٣١٠ هـ. المرحلة الخامسة: وهي المرحلة التي تبدأ من منتصف القرن الخامس، وتنتهي بسقوط بغداد سنة ٦٥٦ هـ. المرحلة السادسة: وهي المرحلة التي تبدأ بسقوط بغداد وتبقى مستمرة حتى يومنا هذا، والدولة العثمانية داخلة فقهيًّا في هذه المرحلة السادسة. وبعضهم يجعل تاريخ الفقه وتطوره في مراحل أربعة: المرحلة الأولى: مرحلة النشأة، وهي عصر النص، والشرح النبوي. المرحلة الثانية: مرحلة الشباب والقوة، وهي مرحلة بدأت بعصر الخلفاء الراشدين، وانتهت بعد القرن الأول بقليل. المرحلة الثالثة: توازي نفس المرحلة في التقسيم الأول. المرحلة الرابعة: مرحلة توقف الاجتهاد، وشيوع التقليد، وهي المرحلة التي لا تزال قائمة منذ منتصف القرن الرابع الهجري حتى يومنا هذا. يقول د. طه جابر العلواني: والتقسيم الأول، لم أجد فيه ما يسوغ إضافة المرحلتين الخامسة والسادسة فإن المرحلتين جزء من فترة الركود واللجوء إلى التقليد، التي امتدت من القرن الرابع إلى يومنا هذا، إلا إذا أريد أن التقليد أصبح موقفًا رسميًّا، ومأمورًا به في أواخر المرحلة الخامسة، وما تلاها وأصبح الاجتهاد تهمة.

стр. 340

والتقسيم الثاني يمكن قبوله لولا أنه اعتبر عصر النص عصر النشأة للفقه، وفي هذا عندي نظر، والذي أميل إليه وأراه أقرب إلى مفهوم الفقه وحقيقته، هو أن للفقه دورين أساسيين يمكن أن نضيف إليهما دورًا ثالثًا بشيء من التجوز. ف الدور الأول: هو دور النص والتشريع، وهو دور تأسيس، وبناء مصادر الفقه، ونظرياته العامة على حد تعابير المعاصرين، وهي فترة عصر النبوة فقط. والدور الثاني: هو دور إنتاج الفقه وبنائه، وهو دور بدأ بوفاة رسول اللَّه ﷺ وبداية عصر الراشدين، وانتهى بوفاة آخر مجتهد مطلق، وهو ابن جرير الطبري المتوفي سنة (٣١٠ هـ) . وهي مرحلة الاجتهاد الفقهي، والبناء، والتدوين، والتكوين التام، ويمكن تقسيمها إلى فترات داخلية، ولكن الضابط المميز لها كلها أنها مرحلة اجتهاد فلم يخلو عقد من سنينه من المجتهدين. أما الدور الثالث: فهو دور توقف الاجتهاد، وجمود الفقه، واللجوء إلى التقليد، والتمذهب الفقهي، وهو دور بدأ منذ القرن الرابع، ولا يزال قائمًا حتى يومنا هذا ". ونرى أن أدوار الفقه يمكن أن نقسمها إلى أربعة أدوار هي: * * * الدور الأول عصر الصحابة رضوان اللَّه عليهم والتابعين، فقد انقضى عصر النبي ﷺ وقد تم فيه التشريع الإلهي في الكتاب والسنة، وهما الأصلان العطمان اللذان خلفهما هذا العصر للذي تلاه، ولجميع العصور اللاحقة به. وقد بدأ الفقه بالنمو والاتساع في هذا الدور، ذلك أن الفقهاء بعد وفاة النبي ﷺ واجهوا وقائع وأحداثًا ما كان لهم بها عهد أيام النبي ﷺ ، فكان لا بد من معرفة حكم اللَّه تعالى فيها. كما أن الحروب التي وقعت وما نتج عنها من قضايا وعلاقات بين المسلمين وبين غيرهم في أثناء الحرب وبعدها أدت إلى كثرة المسائل الفقهية. والفتوحات الإسلامية وما ترتب عليها من امتداد، واتساع رقعة الدولة الإسلامية، واتصال المسلمين بأهل تلك البلاد، ولكل بلد أعرافه، وعاداته، وتقاليده، ونظمه. كل ذلك أدى إلى ظهور مسائل وقضايا جديدة تستلزم معرفة حكم الشرع فيها، وقد قام فقهاء الصحابة والتابعين بمهمة التعرف على أحكام هذه المسائل، والوقائع

стр. 341

الجديدة، فاجتهدوا، واستعملوا آرائهم في ضوء قواعد الشريعة، ومبادئها العامة، ومعرفتهم بمقاصدها، وهكذا ظهر الاجتهاد بالرأي، فلا بد أن يتبعه اختلاف. وهذا ما حصل في هذا الدور، وما كان له من وجود في عصر النبي ﷺ . وكما اجتهد الفقهاء في هذا العصر واختلفوا، فقد اجتهدوا واتفقوا، والاتفاق هو الإجماع، وهكذا ظهر الإجماع في هذا الدور كمصدر للفقه، وما كان له وجود في عصر النبي ﷺ . وكذلك شاع التحديث بالسّنة، وازداد بسبب تفرق الفقهاء في البلاد، وتجدد الحوادث، وضرورة البحث عن أحكامها، فكان ذلك داعيًا إلى السؤال عن السّنة، وقيام الحافظين لها بالتحديث، واستنباط الأحكام منها. * * * طريقتهم في التعرف على الأحكام كان الفقهاء في هذا الدور إذا نزلت النازلة، التمسوا حكمها في كتاب اللَّه، فإن لم يجدوا الحكم فيه تحولوا إلى السُّنة، فإن لم يجدوا الحكم تحولوا إلى الرأي، وقضوا بما أداهم إليه اجتهادهم، ولا شك أن هذا النهج هو المنهج السليم. فقد كان الفقهاء لا يلجأون إلى الرأي إلا إذا لم يجدوا الحكم في الكتاب، أو في السنة، إلا أنهم ما كانوا سواء في رجوعهم إلى الرأي في هذه الحالة، فمنهم المكثر من الرأي، ومنهم المقل. يقول ابن القيم: " ثم قام بالفتوى بعد برك الإسلام، وعصابة الإيمان، وعسكر القرآن، وجند الرحمن، أولئك أصحابه ﵃، ألين الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأحسنها بيانًا، وأصدقها إيمانًا، وأعمقها نصيحة، وأقربها إلى اللَّه وسيلة، وكانوا بين مكثر منها، ومقل، ومتوسط ". والذين حُفِظَتْ عنهم الفتوى من أصحاب رسول اللَّه ﷺ مائة ونيف وثلاثون نفسًا ما بين رجل وامرأة. وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمر. قال أبو محمد بن حزم: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم،

стр. 342

قال: وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد اللَّه بن عباس ﵄ في عشرين كتابًا، وأبو بكر محمد المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث. قال أبو محمد: والمتوسطون منهم فيما روى عنهم من الفتيا: أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان ابن عفان، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعبد اللَّه بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد اللَّه، ومعاذ بن جبل، فهؤلاء ثلاثة عشر يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير جدًّا. ويضاف إليهم: طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان. والباقون منهم مقلون في الفتيا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة، والمسألتان، والزيادة اليسيرة على ذلك، يمكن أن يَجْمَع من فتيا جميعهم جزءٌ صغير فقط بعد التقصي، والبحث وهم: أبو الدرداء، وأبو اليسر، وأبو سلمة الخزومي، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، والحسن والحسين ابنا علي، والنعمان بن بشير، وأبو مسعود، وأبي بن كعب، وأبو أيوب، وأبو طلحة، وأبو ذر، وأم عطية، وصفية أم المؤمنين، وحفصة، وأم حبيبة، وأسامة بن زيد، وجعفر بن أبي طالب، والبراء بن عازب، وقرظة بن كعب، ونافع أخو أبي بكرة لأمه، والمقداد بن الأسود، وأبو السنابل، والجارود، والعبدي، وليلى بنت قائف، وأبو محذورة، وأبو شريح الكعبي، وأبو برزة الأسلمي، وأسماء بنت أبي بكر، وأم شريك، والخولاء بنت تويت، وأسيد بن الحضير، والضحاك بن قيس، وحبيب بن مسلمة، وعبد اللَّه بن أنيس، وحذيفة بن اليمان، وثمامة بن أثال، وعمار بن ياسر، وعمرو بن العاص، وأبو الغادية السلمي، وأم الدرداء الكبرى، والضحاك بن خليفة المازني، والحكم بن عمرو الغفاري، ووابصة ابن معبد الأسدي، وعبد اللَّه بن جعفر، وعوف بن مالك، وعدي بن حاتم، وعبد اللَّه ابن أبي أوفى، وعبد اللَّه بن سلام، وعمرو بن عبسة، وعتاب بن أسيد، وعثمان بن أبي العاص، وعبد الله بن سرجس، وعبد اللَّه بن رواحة، وعقيل بن أبي طالب، وعائذ بن عمرو، وأبو قتادة عبد اللَّه بن معمر العدوي، وعمى بن سعلة، وعبد اللَّه بن أبي بكر الصديق، وعبد الرحمن أخوه، وعاتكة بنت زيد بن عمرو، وعبد اللَّه بن عوف الزهري، وسعد بن معاذ، وسعد ابن عبادة، وأبو منيب، وقيس بن سعد،

стр. 343

وعبد الرحمن بن سهل، وسمرة بن جندب، وسهل بن سعد الساعدي، وعمر بن مقرن، وسويد بن مقرن، ومعاوية بن الحكم، وسهلة بنت سهيل، وأبو حذيفة بن عتبة، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن أرقم، وجرير بن عبد اللَّه البجلي، وجابر بن سلمة، وجويرية أم المؤمنين، وحسان بن ثابت، وحبيمب بن عدي، وقدامة بن مظعون، وعثمان بن مظعون، وميمونة أم المؤمنين، ومالك بن الحويرث، وأبو أمامة الباهلي، ومحمد بن مسلمة، وخباب بن الأرت، وخالد بن الوليد، وضمرة بن الفيض، وطارق بن شهاب، وظهير بن رافع، ورافع بن خديج، وسيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ، وفاطمة بنت قيس، وهشام بن حكيم بن حزام، وأبوه حكيم بن حزام، وشرحبيل بن السمط، وأم سلمة، ودحية بن خليفة الكلبي، وثابت بن قيس ابن الشماس، وثوبان مولى رسول الله ﷺ ، والمغيرة بن شعبة، وبريدة بن الخصيب الأسلمي، ورويفع بن ثابت، وأبو حميد، وأبو أسيد، وفضالة بن عبيد، وأبو محمد رُوِّينا عنه وجوب الوتر - قال ابن القيم: أبو محمد هو مسعود ابن أوس الأنصاري نجارى بدري - وزينب بنت أم سلمة، وعتبة بن مسعود، وبلال المؤذن، وعروة بن الحارث، وسياه بن روح، أو روح بن سياه، وأبو سعيد بن المعلي، والعباس بن عبد المطلب، وبشر بن أرطاة، وصهيب بن سنان، وأم أيمن، وأم يوسف، والغامدية، وماعز، وأبو عبد اللَّه البصري. قال ابن القيم: فهؤلاء من نُقلت عنهم الفتوى من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وما أدرى بأي طريق عد معهم أبو محمد (يعني ابن حزم) الغامديةَ وماعزًا، ولعله تخيل أن إقدامها على جواز الإقرار بالزنا من غير استئذان لرسول اللَّه ﷺ في ذلك هو فتوى لأنفسهما بجواز الإقرار، وقد أقر عليه، فإن كان تخيل هذا فما أبعده من خيال، أو لعله ظفر عنهما بفتوى في شيء من الأحكام ".. انتهى ما أردته. * * * ظهور مدرسة اهل الحديث ومدرسة أهل الرأي والاجتهاد بالرأي في هذا العصر كان يقرم على أساس النظر إلى علل الأحكام، ومراعاة المصلحة. والفقهاء كانوا فريقين: فريق يتهيب من الرأي، ولا يلجأ إليه إلا قليلًا، وكان أكثر هؤلاء الفقهاء في المدينة بالحجاز.

стр. 344

وفريق لا يتهيب من الرأي، بل يلجأ إليه كلما وجد ضرورة لذلك، وكان أكثر هذا النوع من الفقهاء في الكوفة بالعراق. وكان رئيس مدرسة الحديث الإمام سعيد بن المسيب المتوفي سنة (٩٤ هـ) ، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين نشروا الفقه فى المدينة بعد أن تلقوه عن الصحابة، وكان من سادات التابعين فقفا، ودينًا، وورعًا، وفضلًا حتى كان يسمى بفقيه الفقهاء، والفقهاء السبعة هم: سعيد بن المسيب (ت بعد ٩٠ هـ) ، عروة بن الزبير (ت ٩٤ هـ) ، القاسم ابن محمد (ت ٩٤ هـ) ، أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث (ت ٩٤ هـ) ، عبد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود (ت ٩٨ هـ) ، سليمان بن يسار (ت ١٠٧ هـ) ، وخارجة بن زيد بن ثابت (ت ١٠٠ هـ) . وكان رئيس مدرسة الرأي في الكوفة: إبراهيم بن يزيد النخعي شيخ حماد ابن أبي سليمان المتوفي سنة (٩٦ هـ) ، وهذا شيخ أبي حنيفة المشهود له بالبراعة في الفقه والدقة في الاستنباط، والغوص في معاني النصوص. * * * التدوين في هذا الدور: وانقضى هذا الدور، رلم يدون فيه شيء من الفقه، كما أن السنة لم تدون أيضًا، وإن حصلت محاولات لتدوينها، فعمر بن عبد العزنى كتب إلى عامله بالمدينة أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ ، أو سنته فاكتبه، إلا أن عمر بن عبد العزيز مات قبل أن يتم ابن حزم ما أمره به عمر. * * * الدور الثاني - عصر المجتهدين يبدأ هذا الدور من أوائل القرن الثاني الهجري، ويمتد إلى منتصف القرن الرابع، وفي هذا الدور نما الفقه، وازدهر، وكثرت مسائله على نحو لم يعهد مثله من قبل، وهذه الظاهرة ترجع إلى أسباب كثيرة نذكر منها: أولًا: عناية الخلفاء العباسيين بالفقه والفقهاء، وتظهر هذه العناية بتقريبهم الفقهاء، والرجوع إلى آرائهم. ثانيًا: اتساع البلاد الإسلامية، فقد كانت تمتد من أسبانيا إلى الصين، وفي هذه البلاد الواسعة عادات وتقاليد مختلفة تجب مراعاتها ما دامت لا تخالف نصوص الشريعة، فاختلفت الاجتهادات بناء على اختلاف العادات والتقاليد.

стр. 345

ثالثًا: ظهور المجتهدين الكبار ذوي الملكات الفقهية الراسخة، فعملوا على تنمية الفقه، وسد حاجات الدولة من التنطمات والقوانين، وأنشأوا المدارس التي ضمت نوابغ الفقهاء. رابعًا: تدوين السنة، فقد دونت السنة، وعرف صحيحها وضعيفها، فكان في ذلك تسهيل لعمل الفقهاء، وتوفير الجهد عليهم، فقد وجدوا السنة بين أيديهم يصلون إليها دون كبير عناء، والسنة هي مادة الفقه ومصدره الثاني. وفي هذا الدور أيضًا دون الفقه، وضبطت قواعده، وجمعت أشاته، وألفت الكتب في مسائله، وصار بناؤه شامخًا، وعلمه متميزًا عن غيره قائمًا بنفسه. * * * الدور الثالث - عصر التقليد يبدأ هذا الدور من منتصف القرن الرابع إلى سقوط بغداد سنة (٦٥٦ هـ) ، وهو دور ركود الفقه. فقد جنح الفقهاء إلى التقليد، مع أن الأصل في الفقيه أن يكون مجتهدًا مستقلًا، لا يتقيد بمذهب معين، وإنما يتقيد بنصوص الكتاب والسنة، وما يؤديه إليه اجتهاده المقبول، فهو يستنبط الأحكام الشرعية من مصدريها العطمين الكتاب والسنة، وما يرشدان إليه من مصادر أخرى، إلا أنه في هذا الدور ضعفت همم الفقهاء، واتهموا نفوسهم بالتقصير، والعجز عن اللحوق بالمجتهدين السابقنِن بالرغم من رسوخهم في الفقه، وتهيئ أسبابه لديهم، ووجود مادته بين أيديهم من سنة ونحوها، يصلون إليه بيسر وسهولة. وكان ذلك من أسباب شيوع التقليد بين الفقهاء إلا القليل النادر. ونستطيع أن نلخص أسباب التدهور في هذا الدور فيما يلي: أولًا: ضعف السلطان السياسي للخلفاء العباسيين، فالدولة لم تعد كما كانت قبل، وإنما تقطعت أجزاؤها، وقامت في أنحائها دويلات مما أثر في حياة الفقه والفقهاء. ثانيًا: أن المذاهب الإسلامية دُوِّنَت تدوينًا كاملًا، مع تهذيب مسائلها، وتبويب مسائلها الواقعية، مما جعل النفوس تستروح إلى هذه الثروة الفقهية، والاستغناء بها عن البحث والاستنباط. ثالثًا: ضعف الثقة بالنفس، والتهيب من الاجتهاد، فقد اتهم الفقهاء نفوسهم

стр. 346

بالضعف والعجز والتقصير، وظنوا أنهم غير قادرين على تلقى الأحكام من منابعها الأصلية، وأن الخير لهم، واللائق بهم التقيُّد بمذهب معروف، والدوران في فلكه، والتفقه بأصوله، وعدم الخروج عليه. وفي هذا الدور سد باب الاجتهاد، لأنه لما كثرت ادعاءات الاجتهاد ممن ليسوا أهله، وخشى الفقهاء من عبث هؤلاء الأدعياء وإفسادهم دين الناس بالفتاوى الباطلة التي لا تقوم على علم أو فقه، أفتوا بسد باب الاجتهاد ودفعًا لهذا الفساد، وحفظًا لدين الناس. والحق أن الاجتهاد باق في حكم الشريعة، ولا يزول، إلا أن الاجتهاد لا بد له من توافر شروطه، فمن تتوافر فيه هذه الشروط فله أن يجتهد، ومن لم يحط بها فحرام عليه الإفتاء في شرع اللَّه بغير علم. ومع ذلك فقد قام الفقهاء في هذا العصر بأعمال نافعة منها: ١ - تعليل الأحكام المنقولة عن أئمتهم، فليست كل الأحكام المنقولة عن الأئمة نُقِلَ تعليلها معها. ٢ - استخلاص قواعد الاستنباط من فروع المذهب للتعرف على طرق الاجتهاد التي سلكها إمام المذهب. ٣ - الترجيح يين الأقوال المنقولة عن الإمام، فقد يكون الناقل لقوله ناقلًا قولًا رجع عنه، ولم يعلم برجوعه، وقد يكون بين القولين المختلفين فرق دقيق هو سبب اختلاف القولين، وقد يكون مأخذ أحد القولين قياسًا والآخر استحسانًا، فقام الفقهاء بترجيح هذه الأقوال في ضوء ما عرفوه من أصول المذهب وقواعده. ٤ - تنظيم فقه المذهب، وذلك بتنظيم أحكامه، وإيضاح مجملها، وتقييد مطلقها، وشرح بعضها، والتعليق عليها، ودعمها بالأدلة، وذكر المسائل الخلافية مع المذاهب الأخرى، وتحرير أوجه الخلاف، وذكر الأدلة لدعم قول المذهب، وبيان رجحانه. ولا شك أن هذه الأعمال خدمة كبيرة للفقه، وتوسيعًا له، وتوضيحًا لمبهمه.

стр. 347

الدور الرابع - العصر الحديث وفي هذا الدور الذي يبدأ من سقوط بغداد في القرن السابع الهجري، ويمتد إلى وقتنا الحاضر، لم ينهض الفقه من كبوته ولم يغير الفقهاء نهجهم، فالتقليد قد شاع حتى صار أمرًا مألوفًا، إلا أنه قد وجد أفراد هنا وهناك لم يرضوا بالتقليد، ونادوا بالاجتهاد المطلق، وتَلَمُّس الأحكام من الكتاب والسنة، دون تقيد بمذهب معين، إلا أن هؤلاء كانوا قلة، ولم يسلم بعضهم من النقد والإنكار من جمهور الفقهاء المقلدين. واتجه فقهاء هذا الدور إلى التأليف، وكان الغالب عليه الاختصار حتى وصل إلى درجة الإخلال بالمعنى، وخفاء المقصود، وصارت العبارات ملغزة في هذه المختصرات، والتي سميت بالمتون احتاجت إلى شروح توضح معانيها، وتزيل الغموض عن عبارتها. ثم ظهرت بجانب الشروح: الحواشي، وهي تعليقات، وملاحظات على الشروح. إلا أن التأليف لم يقتصر على ما ذكرنا، فقد وجدت كتب الفتاوى وهي أجوبة لما كان الناس يسأل عنه الفقهاء في مسائل الحياة العملية، ثم تجمع هذه الأجوبة من قبل أصحابها، أو من قبل آخرين، وتنظم وترتب حسب أبواب الفقه. كما أن هذه الفتاوى غالبًا ما يذكر معها أدلتها من نصوص المذهب الذي يتبعه الفقيه المفتي، أو تذكر الأدلة من الكتاب والسنة، وغيرهما دودن تقيد بأدلة المذهمب الواحد. * * * التقنين في هذا الدور: ظل الفقه مقنن طيلة العصور وحتى أواخر القرن الماضي، فكان الحكام، والقضاة يرجعون إلى كتب الفقه المختلفة لمعرفة الأحكام الفقهية الواجب تطيقها على ما يعرض عليهم من منازعات. وفي أواخر القرن الثالث عشر الهجري تنبهت الدولة العثمانية، ورأت الحاجة ماسة إلى تقنين أحكام المعاملات، فائفت لجنة من كبار الفقهاء برئاسة وزير العدل لتخير أحكام المعاملات من الفقه الحنفي، وبدأت هذه اللجنة عملها في سنة (١٢٣٢ هـ - ١٨٦٩ م) . وانتهت منه في سنة (١٢٣٩ هـ - ١٨٧٦م) . وقد تخيرت الراجح من آراء المذهب الحنفي، كما أخذت بعض الأقوال المرجوحة في المذهب لموافقتها للعصر، ولسهولتها وتيسرها على الناس. ثم وُضعت تلك اللجنة الأحكام التي اختارها على شكل مواد بلغت (١٨٥١)

стр. 348

مادة، ثم صدر أمر الدولة بالعمل بها في (٢٦ شعبان سنة ١٢٣٩ هـ) ، وسُمِّيَت بمجلة الأحكام العدلية، وصارت هي القانون المدني للدولة العثمانية، وطبقت في العراق، وظلت هي المطبقة فيه إلى شرع القانون المدني العراقي رقم ٤٠ لسنة ١٩٥١م، وبعد هذا التقنين المهم صدرت عدة تقنينات في مصر، والعراق، وتونس ومراكش، والأردن، وسوريا وغيرها. وهذه التقنيات المختلفة لم تتقيد بمذهب معين، وإنما أخذت أحكامها من مختلف المذاهب الإسلامية عدا مجلة الأحكام العدلية إذ تقيدت بالفقه الحنفي. وهذا الاتجاه حسن بشرط أن لا يأخذ بقول شاذ لا دليل عليه. ومع هذا الاتجاه العام في موضع التقنيات فقد جاءت في بعضها أحكام لم ترد في أي مذهب من المذاهب الإسلامية من ذلك منع تعدد الزوجات، كما جاء في القانون التونسي، ومسائل الميراث التي وردت في القانون العراقي قبل تعديله الأخير، ومسائل أخرى مبثوثة هنا وهناك في ثنايا هذه القوانين المختلفة ليس هنا محل ذكرها وبيان ما فيها من مصادمة لنصوص الشريعة أو لما هو مستقر في الفقه الإسلامي بجملته. * * * النهضة الفقهية الحديثة وفي الوقت الحاضر، تباشير نهضة فقهية من مظاهرها: هذا الاهتمام الملحوظ بالفقه الإسلامي في أوساط التعليم الجامعي، ودراسة الفقه الإسلامي دراسة مقارنة، وإظهار مزاياه وخصائصه وكثرة التأليف في مباحثه وظهور المبرزين فيه الجامعين بين الثقافة القانونية الشرعية. ونحن نأمل أن - يزداد هذا الاهتمام بالشريعة الإسلامية وفقهها حتى تعود إلى مكانتها الأولى، وتسترد سيادتها القانونية وتمد هي والفقهُ الإسلامي الدولةَ بالتشريعات اللازمة في جميع شئونها كما كان الأمر في السابق. والله تعالى ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل * * *