Полный текст (348 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الرمز - المراد به
فوائد صدر الإسلام طاهر بن محمود [فص]
فتاوى فضيلي [فض]
فوائد ظهير الدين [فظ]
فتاوى ظهير الدين [فتظه]
مختلفات القاضي أبو العاصم العامري [فضع]
فتاوى عتابي [فع]
فتاوى ظهير الدين إسحاق [فتظس]
فوائد مسموعة من صاحب المحيط [فعطح]
فوائد شيخ الإسلام برهان الدين [فسبن]
فوائد أبي جعفر [فج]
стр. 282
الرمز - المراد به
المختلفات القديمة للمشايخ [فق]
فتاوى النسفي [فن]
أبو الفضل الكرماني [فضك]
فتاوى أبي الليث [فتث]
مختلفات أي الليث [فث]
فوائد شمس الإسلام [فشم]
كافي [في]
فتاوى أبي بكر محمد بن الفضل [فتك]
فوائد بعض الأئمة [فضم]
стр. 283
الرمز - المراد به
فروق الجامع [فج]
فتاوى قاضيخان [فتخ]
فتاوى ظهير الدين الولوالجي [فظو]
فتاوى فخر الدين الزاهدي [فتفز]
فوائد بعض المتأخرين [فضخ]
فوائد العلائية للإمام السمرقندي [فعلا]
فتاوى ظهير البخاري [فظخ]
القدوري [قي]
قضية [قضه]
طريقة بعض المشايخ [قه]
قاضي جلال الريغدموني [قج]
واقعات السِّيَر [قتسر]
стр. 284
الرمز - المراد به
[]
واقعات [قت]
دقائق الإعراب [قر]
قنية الفتاوى [قنية]
كتاب الشيوخ [كش]
كبير الدين البرتواني [كني]
كتاب الدعاوى والبينات لصاحب المحيط [كصط]
أبو بكر البلخي [كلخي]
كتاب الحيل [كح]
كفاية البيهقي [كبقى]
الكتاب [كب]
كتاب الفوائد [كف]
كفاية [كفا]
стр. 285
الرمز - المراد به
كتاب الأحكام [كحم]
كامل الفتاوى [كفو]
كشف الغوامض لأبي جعفر الهندواني [كشغ]
شروط ظهير الدين المرغيناني [لحظه]
علامة الحاصل (أوائل علامات الكتب، أيُّ كتاب) [ل]
لطائف الإشارات [لط]
مختصر الكرخي [مخي]
стр. 286
الرمز - المراد به
مستزاد صاحب المحيط ومنتخبه [مصط]
شمس الأئمة الحلواني [مح]
مجمع النوازل [من]
مختصر الزيادات للحاكم الجليل [مت]
منتقى [مي]
ملتقط [مق]
مختلفات القاضي أبي العاصم البلعمي [مقع]
مختصر كافي [مك]
مختصر [مخ]
مختصر حاكم [مخم]
مختصر الجصاص [مخص]
مختصر القدوري [مقي]
стр. 287
الرمز - المراد به
شمس الأئمة الأوزجندي [مز]
منهاج الشريعة [مش]
مجالس القاضي أبي جعفر الإستروشني [مقج]
مختصر العصام [مخ]
стр. 288
الرمز - المراد به
مسائل نجم الدين [مسن]
مختصر أصول الزيادات للحاكم الشهيد [مصت]
مختلف الرواية [مخه]
مسائل ابن سماعه [مسع]
стр. 289
الرمز - المراد به
مجمع الفتاوى [مجمع]
نوادر ابن سماعه [نع]
خزانة الفتاوى [نه]
نظام الدين [نم]
نوازل [ن]
نسخة النخمعواني [نسخ]
نوادر هشام [نو]
نوادر [ند]
نوادر ابن رستم [نر]
نوادر بشر [نب]
стр. 290
الرمز - المراد به
المنشور للسيد الإمام [نشر]
نظام الزندوسني [نمز]
هداية هشام [هد]
توضيح الثقة [هث]
فتاوى القاعدية [يه]
هادي [ها]
تجريد [يد]
القاضي جلال الدين حامد بن محمد الريغدموني [يغ]
كتاب النفيس لابن الجوزي [نفيس]
стр. 291
ومن رموز الحنفية بخلاف من تقدم عن جامع الفصولين:
الرمز - المراد به
أبو حنيفة النعمان [الإمام]
أبو يوسف [س]
أبو يوسف ومحمد [سم]
محمد [م]
زفر [ز]
أبو يوسف ومحمد [الصاحبان]
دليلنا [لنا]
أبو حنيفة وأبو يوسف [الإمامان]
أبو حنيفة ومحمد [الطرفان]
الفتاوى البزازية [بزازية]
الفتاوى التاتارخانية [تاتارخانية]
стр. 292
الرمز - المراد به
غرر الأحكام [غرر]
منية المفتي في فروع الحنفية [منية]
معين المفتي [معين]
стр. 293
الرمز - المراد به
مجمع البحرين وملتقى النهرين [المجمع]
قنية المنية [القنية]
стр. 294
رابعًا: النحت في مصنفات الكاتبين عامة
الرمز - المراد به
﵇ [ع أو عم]
﵀[رح]
ﷺ [ص - صلعم (وقد سبق أنها مكروهة أو محرَّمة]
قدس اللَّه سره [قده]
طهر اللَّه روحه [ره]
﵁[رض]
إلى آخره [إلخ]
انتهى [اهـ]
مجلد أو جزء [ج]
صفحة من كتاب أو الأصل [ص]
ورقة من كتاب وغالبًا يكون مخطوطًا، أو معناها قسم [ق]
باب [ب]
السطر [س]
تعليق [ت]
هامش [هـ]
كتاب [ك]
стр. 295
الرمز - المراد به
[]
مكرر [م]
طبعة أو مطبعة [ط]
الشرح، ويكثر في المصنفات المطبوعة في الترك كقاضي مير على الهداية [ش]
لا نسلم [لا نم]
المصنف [المص]
محال [مح]
تهافت [هف]
باطل [بط]
ظاهر [ظ]
المطلوب [المط]
المقصود [المق]
يخرج [يخ]
ينتج [ين]
الحاصل [ح]
فالحاصل [فح]
وغير هذا كثير يدرك بما قدمناه وفوق كل ذي علم عليم.
* * *
стр. 296
الفصل السابع
مصادر الشريعة الإسلامية
وردت الشريعة في اللغة بمعنيين: الأول: أنها الطريقة المستقيمة، ومن هذا المعنى قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) .
والثاني: مورد الماء الجاري الذي يقصد للشرب، ومنه قولهم: " شرعت الإبل إذا وردت شريعة الماء"، ثم أطلق لفظ الشريعة في اصطلاح الفقهاء المسلمين على الأحكام التي شرعها اللَّه لعباده، وسُمِّيت هذه الأحكام شريعة، لأنها مستقيمة مُحْكَمَة الوضع، لا ينحرف نظامها عن الجادّة.
والتشريع في اللغة: مصدر (شَرَّع) بتشديد الراء، مأخوذ من الشريعة.
والتشريع في الاصطلاح: هو وضع القواعد وبيان النظم التي تسير عليها الأفراد والجماعات.
والشريعة الإسلامية تشريع سماوي، أي أنها من عند اللَّه .
والفرق بينها وبين غيرها من التشريعات الوضعية التي وضعها البشر:
أولًا: أنها دين يُتَعَبَّد به، وامتثال أوامره طاعة يُثاب لأجلها، وانتهاك نواهيه معصية يعاقب عليها، وجزاء هذه المخالفة قد تتقرر له عقوبات دنيوية، إلا أنه في الثواب والعقاب مرتبط بالآخرة في حين أن التشريع الوضعي لا يتعلق بما في القلوب.
ثانيًا: أن الشريعة الإسلامية تقصد إلى أن ترقى با لإنسان، وتجعله طاهر القلب عالي النفس.
أما التشريع الوضعي: فهو يقصد ضبط المجتمع فقط، دون تدخل لترقية أخلاق الإنسان.
ثالثًا: أن التشريع الإسلامي يأمر وينهى، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر.
في حين أن الوضعي، إنما يقصد إلى النهي فقط، ولا يقصد إلى عمل الخير إلا بصورة تبعية.
رابعًا: أن التشريع الإسلامي يُحاسب على الأعمال الظاهرة والباطنة معا، في حين أن التشريع الوضعي لا يُحاسب إلا الظاهر فقط.
стр. 297
علاقة الشريعة الإسلامية بغيرها من الشرائع
١ - الشريعة الإسلامية، نظام منبثق من عقيدة، هذه العقيدة ترى أن خالق الكون واحد أحد، وأن مراده من خلقه هو صلاح الدنيا، وأن ذلك يتم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وأن على البشر أن يلتزموا بكلمة اللَّه فمن آمن حَصَّلَ سعادة الدارين، ومن حاد عنها كفر بنعمة اللَّه عليه، وهذه العقيدة من وجود إله، وإرسال رسل، وإنزال
كتب، والالتزام بحدود اللَّه مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالاعتقاد في يوم آخر فيه حياة أبدية، وفيه حساب (ثواب وعقاب) ، وهو في الآخرة.
ومجموع هذه العقيدة انبثق عنها إيمان المسلم بنبيه، وبكتاب ربه، وبالأوامر
والنواهي التي قد بين الوحي أنها مراد اللَّه من خلقه، وحدد بذلك ما يجب أن يقوم به الإنسان، وما يجحب أن يمتنع عنه.
٢ - والشريعة الإسلامية قد نسخت الشرائع السابقة عليها في جانبها الفقهي، وأقرت الحق الموجود في تلك الشرائع في جانبه الاعتقادي، وييَّنت مدى انحراف هذه العقائد المختلفة عن الأصل الذي أراده اللَّه، وهو التوحيد الخالص.
٣ - والشريعة الإسلامية قد وضعت إطارًا عامًا للتشريع، فأمرت بما يُحافظ على النظام العام، والآداب من:
١ - حفظ النفس: بتحريم القتل والعدوان.
٢ - وحفظ العقل: بتحريم المسكرات والخدرات.
٣ - وحفظ الدين: بتحريم الارتداد والإلحاد، وإباحة التعدد بين المعترفين بالوحي (أهل الكتاب) .
٤ - وبحفظ كرامة الإنسان، وعرضه.
٥ - وبحفظ ماله وملكه.
ومحافظة الإسلام على هذه الأمور الخمسة يعد من مقاصد المكلفين كما سيأتي بحثه قريبًا، إلا أنه يمثل في نفس الوقت النظام العام الذي يُطالب به اللَّه البشر
جميعا ألا يخرجوا منه، وهذا هو الإسلام في معناه الباقي عبر العصور، والذي وُصِفَ به إبراهيم ﷺ ، قال تعالى:
(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) .
стр. 298
وهو المعنيُّ بقوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) ،
وبقوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) .
٤ - وفي ظل هذه الأطر العامة التي حددها الإسلام، والتي لا يقبل مخالفتها بحال يمكن بعد ذلك في مساحة كبيرة من الإباحة أن تتغير الأحكام المبنية على المصالح المُرسَلَة، وعلى الأعراف.
ولا يجوز تجاوز الأحكام الثابتة التي تحفظ القاصد الخمسة الكلية التي تُعَدُّ بمثابة
النظام العام، فلا يجوز لأي تشريع أن يحل القتل، أو الخمر، أو الزنى، أو الربا، أو السرقة، أو العدوان، أو شهادة الزور، أو الكذب، أو الظلم، أو انتهاك حقوق الإنسان بالتعذيب وغيره، أو الاعتداء على أعراض الناس، وأموالهم، وممتلكاتهم.
في حين أن الأنظمة الديمقراطية يمكن أن تقرر تحت دعوى حرية الإنسان: انتهاك الأعراض ما دام ذلك بالاتفاق، وهذا هو الفارق الكبير بين التشريع الملتزم الذي يلتزم تلك الثوابت، التي أقرها الله في: وحيه، وكتابه، وسنة نبيه ﷺ ،
وبين محاولة الآخرين أن يشرعوا لأنفسهم طبقًا لما يتوهمونه من النفع، أو المصلحة، أو جلب اللذات، ووسائلها للإنسان.
فالشريعة هي كلمة الله تعالى التي أوحى بها إلى رسوله ﷺ ، والنبي ﷺ صاحب الوحيين: القرآن والسُّنَّة، التي نطق بها، أو فعلها، أو قررها.
فالقرآن وحي من اللَّه سبحانه، والسنَّة وحي غير متلو، أيْ أننا لا نتلوه في
الصلاة، إلا أن ما صَدَر عن النبي ﷺ حجة تمامًا كالقرآن، وحكم الله تعالى هو خطاب اللَّه تعالى المتعلِّق بأفعال المكلفين بالطلب، أو التخيير.
وهذا يعني أن الحاكم هو الله، وأن القرآن والسُّنَّة وباقي الأدلة إنما هي دالّة على ذلك الخطاب الإلهي.
стр. 299
المصدر الأول للشريعة: القرآن
القرآن: هو كلام اللَّه المنزل على رسوله محمد ﷺ ، المعجز بأقل سورة منه، المنقول إلينا بالتواتر بين دفتي المصحف.
وهو الدليل القطعي الثبوت، وإن كانت آياته قد تكون لحطعيّة الدلالة، وقد تكون ظنيّة الدلالة، وكلام اللَّه الدال عليه بالقرآن مُطْلَق، ومعنى إطلاقه: أنه خارج الزمان والمكان، أي: أنه يخاطب العالمين كافة سواء أكانوا في عهد الرسول ﷺ
أم بعده، ومن الجزيرة العربية ومن العرب وغيرهم، أو خارج الجزيرة العربية، فهو يخاطب الجميع في كل زمان ومكان.
* * *
أنواع أحكام القرآن:
أولًا: أحكام تتعلق بالعقيدة كالإيمان باللَّه، ورسله، واليوم الآخر، وهذه هي الأحكام الاعتقادية.
ثانيًا: أحكام تتعلق بتزكية النفوس، وتهذيبها، وبيان الأخلاق القويمة الواجب التحلي بها، والأخلاق الرديئة الواجب التخلي عنها.
وهذه هي الأحكام الأخلاقية.
ثالثًا: الأحكام المتعلِّقة بأقوال، وأفعال المكلَّفين، فيما عدا النوعين السابقين، وهذه هي الأحكام العمَلِيَّة، وتدخل في موضوع الفقه.
وهي قسمان:
الأول: عبادات.
والثاني: معاملات، وتشمل جميع مسائل القانون العام والخاص.
* * *
المصدر الثاني للشريعة: السُّنَّهَ النبوية
المصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية هو سنة النبي ﷺ .
السُّنّة في اللغة: الطريقة المعتادة التي يتكمر العمل بمقتضاها، وبهذا المعنى جاء في القرآن الكريم: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢) .
стр. 300
وفي الاصطلاح الشرعيْ يراد بالسُّنَّة، ما صدر عن النبي ﷺ غير قرآن من قول، أو فعل، أو تقرير.
والسُّنَّة النبوية هي التطيق المعصوم لكلمة اللَّه المطلقة عن الزمان والمكان.
* * *
أنواع الأحكام التي جاءت بها السُّنَّة:
الأحكام التي جاءت بها السُّنَّة النبوية أنواع:
النوع الأول: أحكام موافقة لأحكام القرآن ومؤكدة لها، مثل حديث:
" لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه "، فإنه موافق لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ... ) .
النوع الثاني: أحكام مبينة، ومُفَصِّلَة لمجمَل القرآن، ومن ذلك: السُّنَّة التي بينت مقادير الزكاة، ومقدار المال المسروق الذي تقطع فيه يد السارق، وغير ذلك.
النوع الثالث: أحكام مقيِّدة لمطلَق القرآن، أو مخضصة لعامه، فمن الأحكام ما يرد في القرآن مطلقًا، فتقيده السُّنَّة، أو يأتي عامًّا فتخصصه السُّنَّة.
فمن الأول: قطع يد السارق جاءت مطلَقة، فقيدتها السُّنَّة بالرسغ، أي: تقطع اليد من الرسغ.
ومن الثاني: ما وَرَدَ عامًّا - مثل تحريم الميتة، قال تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... ) .
ولكن استثنى منها ميتة البحر بقوله ﷺ عن البحر:
" هو الطهور ماؤه الحل ميتته "،
أي: أن السُّنَّة خصصت الميتة بغير ميتة البحر.
النوع الرابع: أحكام جديدة لم يذكرها القرآن؛ لأن السّنَّة مستقلة بتشريع
الأحكام، وأنها كالقرآن في ذلك، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: " ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه "
أي: أوتيت القرآن، وأوتيت مثله - أي السنة - في وجوب اتباع
أحكامها، رمن هذا النوع: تحريم الحمر الأهلية، وتحريم أكل كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير، وكالحكم بشاهد ويمين، ووجوب الدية على العاقل، وميراث الجدة، ونحو ذلك.
стр. 301
المصدر الثالث من مصادر الشريعة الإسلاميهَ: الإجماع
والإجماع في اللغة: العزم على الشيء والتصميم عليه.
وفي اصطلاح الأصوليين: هو اتفاق أمة النبي ﷺ في عصر من العصور على أمر من الأمور الشرعية.
وهذا الاتفاق - يزيل الاحتمال الذي قد يكون في الدلالة.
والإجماع لا بد أن يستند إلى دليل؛ لأن القول في الأمور الشرعية من غير دليل خطأ، والأمة الإسلامية لا تجتمع على خطأ كما جاء في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ .
ومُستَنَد الإجماع قد يكون نصَّا من الكتاب والسُّنَّة، كما قد يكون قياسًا، أو
عرفًا، أو غير ذلك من أنواع الاجتهاد.
فالإجماع على تحريم التزويج ببنات الأولاد مهما نزلت درجتهن، مستند إلى نص الكتاب (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ... ) .
وإجماع الصحابة على أن ميراث الجدة السدس، مستنده سنة الآحاد.
والإجماع على تحريم شحم الخنزير، مستنده القياس على تحريم لحمه، وإجماع
الصحابة على قتال مانعي الزكاة كان بطريق الاجتهاد.
والإجماع نوعان: صريح، وسكوتي.
فالصريح: هو أن يتفق جميع المجتهدين على حكم المسألة بصورة صحيحة كأن
يبدي كل مجتهد رأيه، وتكون الآراء متفقة على حكم المسألة.
والسكوتي: هو أن يبدي بعض المجتهدين رأيه في مسألة، ويعلم به الباقون
فيسكتون، ولا يصدر عنهم صراحة اعتراف، ولا إنكار.
* * *
أهمية الإجماع في الوقت الحاضر:
الإجماع مصدر فقهي مشهود له بالصحة والاعتبار، فيمكن الاستفادة منه في معرفة الأحكام الشرعية للوقائع الجديدة في وقتنا الحاضر.
ونعتقد أن هذه الاستفادة لا يمكن أن تتم إلا عن طريق إيجاد مجمع فقهي، يضم جميع المجتهدين من جميع الأقطار الأسلامية، ويكون لهذا المجمع مكان معين، ويهيأ له جميع ما يلزم لعمله، وتُعرض عليه المسائل والوقائع الجديدة لدراستها، وإيجاد الأحكام لها.
стр. 302
ثم تنشر هذه الأحكام في نشرات دورية، أو كتب خاصة لإطلاع الناس عليها، وإبداء أولى العلم آراءهم فيها، فإذا ما اتفقت الآراء على هذه الأحكام، كانت من الأحكام المجمع عليها، وكان هذا الإجماع قرييا من الإجماع المنصوص عليه عند الفقهاء ولزم اتباعه والعمل بموجبه.
* * *
المصدر الرابع من مصادر الشريعة الإسلامية: القياس
والقياس في اللغة: التقدير والمساواة.
وفي اصطلاح الأصوليين: هو إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبِت.
* * *
الأدلة المختلف فيها:
ثم هناك أدلة مختلف فيها، أوصلها بعضهم إلى نيف رأربعين دليلًا.
ومصادر الشرع هذه هي التي يستعين بها المجتهد، ويبذل الوسع والجهد لتحصيل الأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية، ويكون بذلك علم الفقه.
فالفكر الأصولي لعلماء أصول الفقه الإسلامي، انطلق لغرض معين، حاول أن يضع علامات الطريق للوصول إليه، ذلك أن المجتهِد - وهو من يستنبط الأحكام الفَرعِيَّة من أدلتها التفصيلية - يحتاج إلى تحديد مَصْدَر أحكامه، ثم بيان كيفية التعامل معها، ثم بيان شروط الباحث، وهي الأمور التي ضمنها علماء الأصول في تعريف أصول الفقه،
بل كانت سببًا في إطلاق لفظ (أصول) بالجمع عليها، ولم تطلق كلمة " أصل الفقه " على ذلك العلم.
فمدرسة الرازي الأصولية تعرف ذلك العلم بأنه:
" معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد "،
أي: المجتهد.
* * *
نظريات أصول الفقه:
وثارت أسئلة متتالية في ذهن المجتهد، مثلت الإجابة عنها مواضيع ذلك العلم، ونحن نعرض هنا لتلك الإجابات مرتبة ترتيبًا منطقيِّا موافقًا للحاجة، والباعث على إثارة هذه الأسئلة في ذهن الأصولي.
стр. 303
ونرى أن الإجابة عليها تمثل ما يمكن أن نطلق عليه (نظريات أصول الفقه) التي عددنا منها الآن سبع نظريات كلية، يمكن أن يعمل فيها النظر لزيادتها، أو ضم بعضها إلى بعض.
إلا أن معالجة مسائل الأصول من خلال هذه النظريات تمكِّن من فهم أعمق لتلك المسائل، وتظهر مبنى الخلاف وسببه، وتساعد في اختيار وترجيح رأي على رأي آخر، كما أنها تُبينِّ فائدة إثارة مسائل لا يمكن معرفة فائدتها من دون الدخول إليها من خلال هذه النظريات.
وكذلك تبين فائدة بعض الأدلة التي ثار حولها جدل قديم مثل دليل الإجماع:
* * *
النطرية الأولى: نظرية الحجية:
ما الحجة التي نأخذ منها الأحكام؟
هذا السؤال الأول كانت الإجابة عليه هي: أننا
نأخذ الأحكام من القرآن باعتباره النص الموحى به، المعصوم من التحريف، المنقول إلينا بالتواتر، وباعتباره كلمة اللَّه الذي نؤمن بأنه الخالق، وأننا ملتزمون في هذه الحياة الدنيا بما أمر ونهي (افعل أو لا تفعل) ، وأن هذه الأحكام مقياس المؤاخذة في يوم آخر،
يرجع فيه البشر إلى خالقهم للحساب (العقاب والثواب) .
ومن هنا يتضح لنا استمداد أصول الفقه من علم الكلام، فإذا كان القرآن هو المصدر والأساس للتشريع تأتي السُّنَّة مبينة، ومتمِّمة للقرآن، حيث ثبت أن الرسول ﷺ مبلِّغ عن ربه، وأن الأمر متوجِّه لطاعة ذلك الرسول، واعتبار عصمة بيانه عن الخطأ.
* * *
النظرية الثانية: نظرية الإثبات:
فإذا ثبت هذا في القرآن، وفي السُّنَّة، تأتي نظرية الإثبات، وهي مكونة من رؤية كاملة إلى قضية نَقْل النص شفاهةً عبر الناقلين، وما استلزم هذا من إيجاد علوم خادمة من: الجرح والتعديل، ومن علم مصطلح الحديث، وعلوم القراءات لنقل وضبط النص الشرعي.
وبهذه العلوم تم التثبت من النقل فبعد مرحلة بيان الحجية تأتي مرحلة إثبات ما قد تبين أنه حجة.
وقد يظهر في هذا البيان دور ولكن ينفك الدور لانفكاك جهة الإثبات، فالحجية للقرآن والسُّنَّة جاءت في أغلبها وأساسها من أدلة عقلية، ثم ثبوت القرآن والسُنَّة حصل من واقع للنقل مضبوط بأدلة نقلية.
стр. 304
النظرية الثالثة: نظرية الفَهْم:
يجيء بعد ذلك دور النظرية الثالثة، وهي نظرية الفهم، وكيف نفهم القرآن
(الحجة / الثابت لدينا) فنحن أمام نص اعتبرناه حجة، ثم أثبتناه بطريق يطمئن إليها العلماء طبقا لمنهج علمي مستوفٍ لشروطه.
ولقد وضع الأصوليون لذلك أدوات تحليل، وفهم للنص مستمدين هذا من مجموع اللغة، وقواعدها، ومفرداتها، وخصائصها من ناحية.
وكذلك من مجموع الأحكام الفقهية المنقولة، والشائعة من ناحية أخرى.
والحاصل: أن هذه المرحلة في بناء أصول الفقه مرحلة مهمة للغاية، وتمثل لبنة من لبنات الأصول بغض النظر عن اختلاف المجتهدين، والمدارس الفقهية في بناء تلك الأدوات.
* * *
النظرية الرابعة: القطعية والظنية:
وإذ قد تم تحديد المَصْدر، وحجته، وإثباته، وفهمه، واجهت الفقهاء مشكلة القطعية والظنية، حيث إن الاكتفاء بهذه الأدوات يجعل مساحة القطعي أقل مما ينبغي، مما أوجد مشكلة حقيقية، استوجبت القول بالإجماع كدليل يوسِّع من مساحة القطعي، ويخرج ظني الدلالة من ظنيته إلى إطار القطع.
فالأدوات اللغوية وحدها لا تكفي لتفسير قوله تعالى ( ... إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) .
حيث الفاء للتعقيب بما يمكن أن يفيد أن الوضوء
بعد الصلاة.
أي: إذا ادعى مُدَّعٍ هذا، لم يكن لدينا بمحض الأدوات اللغوية ما يمكن إيقافه، ومن هنا كان لا بد من الاعتماد على الإجماع الذي يخرج المسألة من دور الظنية إلى القطعية، بحيث لا يمكن في ظل هذا النسق المتضمِّن للإجماع أن يقال: إن الوضوء بعد الصلاة.
وفهم قضية الإجماع في هذا الإطار يُحَرِّر كثيرًا من الخلاف حول المسألة، ويجعل كلام المؤيدين ذا معنى واضح، وفائدة مَرجوة.
ونظرية القطعية والظنية هذه سيكون لها أكبر الأثر في قضايا الخلاف الفقهي،
ومسألة الاجتهاد والإفتاء.
стр. 305
نظرية الإلحاق:
وإذا تم تحديد الحجية وإثباتها وفهمها في إطار القطعية والظنية، فإن النصوص المحددة بلفظها عند إيقاعها على الواقع النسبي المتغير لا تشتمل على كل الحوادث، ومن هنا جاءت نظرية الإلحاق التي أخذت في مضمونها أشكالًا متعددة، كالقياس وكإجراء الكلي على جزئياته، أو تطيق المبدأ العام على أفراده، فالكل - حتى الظاهرية - قائلون
بما يمكن أن نسميه الإلحاق، وإن أنكروا هيئة مخصوصة منه، وهو القياس.
* * *
نظرية الاستدلال:
بعد نظرية الإلحاق تأتي نظرية الاستدلال، والتي رأى الأصولي فيها مجموعة من المحددات: كالعرف، والعادة، وقول الصحابي، وشرع من قبلنا، ونحوها تؤثر بمعنى، أو بآخر في الوصول إلى الحكم الشرعي، مما ادعى معه بعضهم أنها أدلة، وأنكرها آخرون، فسميت الأدلة المختلف فيها.
* * *
نظرية الإفتاء:
ثم تأتي نظرية الإفتاء التي تشتمل على ذكر المقاصد الشرعية، والتعارض، والترجيح مع شروط الاجتهاد والإفتاء، بحيث يقوم من توافرت فيه شروط الباحث بإصدار الحكم، ثم عرضه على سقف المقاصد الشرعية بحيث لا يتعداها، ومراجعة حكمه إن
تعداها حتى يتسق معها بحيث لا تكر الأحكام على المقاصد بالبطلان لما فيه من عكس المطلوب.
إن هذه النظريات السبع والدخول إلى علم الأصول من خلالها تبرر كثيرًا من المسائل التي يظن طالب ذلك العلم عدم جدواها ببادئ النظر، كما أنها تبني إطارًا معرفيًا مناسبًا للتحليل والدرس، وهي أيضا تكون المعيار الأمثل لتبني الآراء الأصولية، أو تعديلها، وكذلك تمكن من تشغيل وتفعيل ذلك العلم.
* * *
стр. 306
الفصل الثامن
مقاصد الشريعة الإسلامية
تمهيد:
الدِّين: قال الإمام الرازي: " أصل الدين، في اللغة: الجزاء، ثم الطاعة تسمى دينا؛ لأنها سبب الجزاء ".
وأما الإسلام: ففي معناه في أصل اللغة ثلاثة أوجه:
الأول: أنه عبارة عن الدخول في الإسلام، أي: في الانقياد والمتابعة، قال تعالى:
(وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) .
الثاني: من أسلم أي دخل في السلْم كقولهم: (أسني، وأقحط) ، وأصل السلْم: السلامة.
والثالث: قال ابن الأنباري: " المسلم معناه: المخلص لله عبادته من قولهم: سلم الشيء لفلان أي خلص له ".
فالإسلام معناه: إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى.
هذا ما يتعلق بتفسير لفظ الإسلام في أصل اللغة.
أما في عرف الشرع: فالإسلام هو الإيمان، والدليل عليه وجهان:
الأول: قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) ، يقتضي أن
يكون الدين المقبول عند الله ليس إلا الإسلام، فلو كان الإيمان غير الإسلام وجب أن لا يكون الإيمان دينا مقبولًا عند الله، ولا شك في أنه باطل.
الثاني: قوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) .
فلو كان الإيمان غير الإسلام لوجب أن لا يكون الإيمان دينا مقبولا عند اللَّه تعالى..
ا. هـ ما أردته.
وقال الإمام القرطبي في تفسيره: " قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) الدين في هذه الآية: الطاعة، والملة والإسلام، بمعنى: الإيمان والطاعات،
قاله أبو العالية، وعليه جمهور المتكلمين.
стр. 307
والأصل في مُسَمَّى الإيمان والإسلام: التغاير، لحديث جبريل.
وقد يكون بمعنى المرُادَفَة، فيسمى كل واحد منهما باسم الآخر كما في حديث وفد عبد القيس، وأنه أمرهم بالإيمان وحده، وقال:
" هل تدرون ما الإيمان " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة،
وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمسًا من المغنم ... " الحديث.
ويكون أيضًا بمعنى التداخل، وهو أن يطلق أحدهما، ويراد به مسماه في الأصل، ومسمى الآخر، كما في هذه الآية، إذ قد دخل فيها التصديق والأعمال.
ومنه قوله ﷺ :
" الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان "
أخرجه ابن ماجه.
والحقيقة هو الأول وضعًا وشرعًا، وما عداه من باب التوسع.
واللَّه أعلم.
ا. هـ ما أردته.
* * *
مدخل حول ترتيبات الكليات الخمس
إننا في تعاملنا مع التراث لا ينبغي أن نقف عند مسائل السلف، بل لا بد علينا أن نأخذ بمناهجهم فمسائل السلف مرتبطة بأزمانهم، ومشكلات الواقع الذي عاشوه، في حين أن مناهجهم اهتمت بكيفية تطيق الوحي الإلهي على الوجود، وبمعنى آخر اهتمت بتطيق المطلَق على النسبي.
فإذا ما أردنا أن نلتزم بمناهجهم وأن نهتم بتشغيلها في واقع حياتنا المعاصرة فلا بد علينا أن نتفهمها، وأن لا نقف بها عند المسائل التي عاشوها، وعالجوها.
ومثال ذلك: يتضح من ترتيب الكليات الخمس عند السلف، حيث رتبوها بطريقة تناسب عصرهم، واستوعبت جميع المسائل القائمة، بل والمحتملة في وقتهم.
إلا أنه في العصر الحاضر، ومع سرعة تطور أنماط الحياة، والانطلاقة الهائلة في ثورة المعلومات، والتقدم التقني - أصبح من الضروري، إعادة ترتيبها حتى تعمل بطريقة أكثر فاعلية مع مقتضيات ومتطلبات هذا العصر.
وبذلك فنحن لم نخالف مناهج السلف في ترتيبها، بل رتبناها بدرجة تسمح
بتشغيلها أكثر مع معطيات الحضارة الإنسانية المتشابكة منذ بداية هذا القرن إلى الآن.
والترتيب الذي نراه متوافقا، وهذا الاحتياج كالآتي: حفظ النفس، ثم العقل، ثم
стр. 308
الدين، ثم النسل، ثم المال.
على حين أن القدامى قد رتبوها ترتيبًا مخالفًا لذلك باعتبار أن مرادنا بالدين هنا:
الشعائر التي تحتاج إلى النية، أو العبادة المحضة، أو محض التعبد، ولو كان في
المعاملات، أو هو إدراك.
وليس مقصودنا بالدين هنا: الإسلام، بل الإسلام في ذلك الاصطلاح أعم من الدين بهذا المفهوم، وبالتالي فهو يشمل هذه المقاصد الخمس، وحينئذ تحل مشكلات كثيرة.
فالإسلام عبارة عن: خطاب اللَّه للبشر، وخطاب اللَّه للبشر - كما عُرِّف -: " وضع إلهي مَسُوق لذوي العقول السليمة إلى ما فيه منفعة دينهم ودنياهم ".
وهذا الترتيب وإن كان جديدًا إلا أنه لا يخرج عن كلام السابقين، ولا يعارضهم.
وبالتالي فهو لا يخرج أيضًا عن الدليل الشرعي حتى يكون بدعة مثلًا، وإنما هو مدخل من المداخل التي يستقيم معها حال الأمة في العصر الراهن.
وهذا المدخل مؤداه أن الإسلام، وهو خطاب اللَّه للبشر، أمر
بأوامر، ونهى عن نواهٍ، هذه الأوامر والنواهي مقصدها هو: أن يحافظوا على أنفسهم، وعلى عقولهم في تلك النفوس، وأن يحافظوا كذلك على صلتهم بربهم، تحقيقًا للمقصد الأول من وجود البشرية متمثلة في النفس والعقل وهو: (العبادة) .
ثم أمرهم بعد ذلك أن يحافظوا على نسلهم، وحقوقهم، وعمارة الأرض، وهو الذي يحقق العمارة والعبادة، والعمارة من خلال تلك العبادة هي التي تقوم بها الدنيا، وهي أيضا تقوم بها الآخرة.
* * *
منطقية الترتيب:
ترتيب الكليات الخمس على نحو ما قررناه: " النفس، العقل، الدين، النسل، المال " هو ترتيب منطقي، وله اعتبار، حيث إنه يجب المحافظة أولًا على النفس التي تقوم بها الأفعال، ثم على العقل الذي به التكليف، ثم نحافظ على الدين الذي به العبادة، وقوام العالم.
ثم نحافظ بعد ذلك على ما يترتب على حفظ الذات، والعقل، والدين، وهو:
المحافظة على النسل النابخ من الإنسان، وما يتعلق، أو ما يندرج تحت هذا العنوان
стр. 309
الكلي، من المحافظة على العِزض، وحقوق الإنسان وكرامته.
ثم بعد ذلك نحافظ على قضية المِلْك، وهى التي بها عمارة الدنيا عند تداولها،
ذلك المال الذي إذا ما تُدُووِل، فإنه يمثل عصبًا من أساسيات الحياة.
* * *
نماذج لثمرة هذا الترتيب:
من خلال هذا المدخل، وبتصور العلاقة القائمة بين الإسلام والمقاصد الخمسة، والتي منها الدين، ينبني عندنا أمور
١ - علاقتنا مع الآخرين في الداخل والخارج، وأنها مبنية في الداخل على الرعاية، وفي الخارج على الدعوة، وبذلك يكون خطابنا للعالمين معقولًا؛ إذ في علاقتنا مع الآخرين نبين لهم أن الإسلام هذا أوسع من أن يكون دينًا، إذ هو خطاب اللَّه للبشر،
وخطاب الله للبشر يشتمل على ما يمكن للإنسان أن يقيم به حضارة، وعلى ما يمكن أن يعمر به الأرض، وكذلك على ما يمكن أن يعْبد به اللَّهَ ، ويُطيع أوامره تفصيلَا، لا إجمالًا، وعلى ذلك فلا بد لمن في الداخل أن يندرجوا تحت ذلك الإسلام وحضارته، حتى وإن لم يندرجوا تحت ديننا.
ومن هنا يتبين لنا أن هذا الإسلام يشتمل على:
١ - دين يختص به من أسلم، وآمن بالله ورسوله.
٢ - ودولة تحافظ على الناس، وتحافظ لهم أيضا على المقاصد الخمسة، التي منها الدين الذي أباح اللَّه قبول التعدُّد فيه داخل هذا النطاق، أو تحت هذه المظلة، فأباح لأهل الكتاب أن يمكثوا بيننا، وأن يصبحوا مواطنين لنا، وأن نأكل، ونشرب، ونتزوج منهم، وإن كان ديننا يمنعنا أن يتزوج رجالهم من نسائنا، وإن كان أيضا يمنعنا من بعض طعامهم، إلا أنه على مستوى الإسلام هم يعيشون بيننا،
ولغتنا واحدة، وحضارتنا واحدة، وآمالنا وآلامنا واحدة.. إلخ هـ
ذا من ناحية الآخر الذي بالداخل.
أما الآخر الذي في الخارج: فالعلاقة ييننا وبينهم مبنية أصلًا على الدعوة، وليس بيننا وبينهم علاقة سِلْم، ولا علاقة حرب، وإنما يأتي السلم والحرب عَرَضا لقضية الدعوة،
فإذا مُنْعِنَا أو تُجُبر علينا فتكون الحرب، و " آخر العلاج الكي "، وإذا لم يكن كذلك
(وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ... ) .
стр. 310
(وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ... ) .
إلى غير ذلك من النصوص التي تدعو إلى السلام، وإلى السلم.
وهي لا تعارض قوله تعالى: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) ؛ لأن هذا عَرَض وذاك عَرَض لقضية الدعوة، وإنما الأصل: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) .
وكذلك: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) .
ولا يعترض علينا في هذا المقام بالقول بأن آية السيف قد نسخت غيرها من الآيات التي تدعو إلى السلام.
أضف إلى ذلك الغموض الشديد الذي يكتنف أصل القول بالنسخ.
من هنا ومع كوننا الآن في باب التأصيل والتنطر، فلا نستطيع الأخذ بالاحتمالات، والقرآن في أساسياته وكذا السنة المشرفة لا ينفيان هذا التصور الذي ذهبنا إليه.
ومن فروع هذه المسألة: تفضيل ابن تيمية للكافر العادل في حكمه على المسلم الجائر في حكمه في جانب عمارة الدنيا، إذ العدل أساس الملك.
فابن تيمية يرجح هذا حيث وافق الكافرُ العادلُ - هنا - حضارةَ الإسلام، وإن خالف دين الإسلام، حيث إن منشأ هذه الحضارة هو: العدل، الذي به قوام النفس، والعقل، والنسل، والمال، ذلك الأمر الذي تقوم به الدنيا في حين أن الجور يُذهبها.
فالمسلم وإن كان متعلقًا بدين، إلا أنه - وفي حالة جوره - يُذهب القيمةَ التي تنبني على المقاصد الأخرى التي بها العبادة والعمارة، وهذا لا يحقق النتيجة في الواقع المعاش.
وعلى هذا يتنزل كلام ابن تيمية، أضف إلى ذلك أن كلامه يمكن أن يتخرج على أنه من قبيل تقديم المصلحة العامة على الخاصة، وهو ما يؤكد ويؤيد ما قررناه في ترتيب الكليات.
ويؤيد هذا ما قاله الإمام الشعراني، من أن المسلم إذا دخل أرض كفر فعليه أن يلتزم بقوانينهم التي لا تخالف الشريعة؛ لأن اللَّه قد ألهمهم بها لعمارة الدنيا، فهي إذن لا تتعارض مع ما شرعه اللَّه، وما يريده المسلم ويراه، وطالما أنها من إلهام اللَّه لهم،
فلا بد أن تكون مندرجة تحت الإسلام بالمعنى العام الذي هو أوسع من مفهوم الدين بالمعنى الذي اخترناه.
стр. 311
الإسلام دين وحضارة
الإسلام دين عالمي ينظم البشر جميعًا، ولا يمكن أن يحصر في قوم بعينهم، وهذه العالمية التي تستوعب كل الطوائف بما لا يتعارض مع الدين، جعلت علاقة الإسلام بالبشر جميعًا على مستويين:
الأول: أن يؤمنوا به ويدخلوا فيه.
وبالتالي يدخلون تحت مظلة المقاصد الخمسة كلها.
الثاني: أن يحترموه، ويتركوه يسعى للوصول بين الناس، فيكفوا أيديهم عن
المسلمين، ويندرجوا تحت حضارته المتمثلة في نظام الحياة المتحقق بمقاصده دون الدين.
ومن هنا يلقي الإسلام بحضارته في الأرض من خلال شقيه (الوحي والوجود) ، الأمر الذي تنتفي معه أية تبعية للغير، فضلًا عن تحطيم كل دعاويهم التي يروجونها في العالم عامة، وبين الأمة الإسلامية خاصة، فلا نرتمي في أحضان الغير بدون أساس فنفقد هويتنا، وحضارتنا، وكل مقوماتنا.
أضف إلى ذلك: أن هذه الكليات الخمس - كما وضعوها - قد أقرت في جميع الأديان، بمعنى أنها مُقَرَّة في أصل الخلقة ابتداء من آدم ﷺ ، وخطاب اللَّه تعالى له، وانتهاء بمحمد ﷺ ، وخطاب اللَّه تعالى له، وفي هذه المسيرة خاطب اللَّه البشرية بأن
يحفظوا هذه المناحي الخمسة.
ونحن نتفق - كمسلمين لنا شرعة خاصة في جانب الدين - مع باقي الأمم في
أربعة من هذه المقاصد، ونختلف معهم في قضية الدين، مع أننا نقرهم كذلك على حفظ أصله، وهو أن يكون للإنسان دين يؤمن من خلاله بأن هناك منهجا يوصل إلى رضا الله .
ويتفرع على هذه المسألة، ويتضح لنا: أن الإسلام دين ودولة، دين بالمعنى الأخص الذي بيَنَّاه فيما سبق، ودولة تحافظ على المقاصد الأربعة الباقية.
مع ملاحظة أن الدين وإن تأخر في هذا الترتيب؛ لأنه لا يقوم إلا بقيام النفس
والعقل، إلا أن أحكامه تضرب بظلالها وأطنابها على المقاصد كلها، بما يجعلها لا تقوم إلا به؛ إذ أن الوحي هو الحاكم المنظم للوجود، مما يؤكد أن المندرج تحتها متحقق بالإسلام حضارة ودولة، ومن هنا ينصاع لأحكامه وإن لم يدينوا بديانته.
стр. 312
بعض الاعتراضات الواردة على هذا الترتيب والرد عليها:
١ - يدعي بعضهم الإجماع على ترتيب الإمام الغزالي: " الدين ثم النفس ثم العقل فالنسل فالمال "، ويرى أن استقراء موارد الشرع يدل على ذلك.
والرد على ذلك: بأن هذا الإجماع لم يحكه أحد من العلماء السابقين المعتبرين، بل هو من إطلاقات بعض المحدثين، فهو ادعاء يعوزه الدليل، أو النقل الصحيح فضلا عن أننا لم نخالف الغزالي في ترتيبه، إذ إنه قَصَدَ بالدين الإسلامَ، ونحن لم نقصد ذلك،
بل أوردناه بمعناه الأخص كما أسلفنا.
وإن كنا نرى أن هذه المقاصد الخمسة تمثل دائرة واحدة، فنحن وإن رَتَّئضا حسا إلا أنها كالخيمة ذات العمود والأوتاد الأربعة، والخيمة هي الإسلام، والعمود هو الدين، والأوتاد الأربعة هي سائر المقاصد.
على أن الترتيب المنطقي، وإعمال الآيات كلها في محلها دون بعضها البعض يؤيد ما ذهبنا إليه من الترتيب، وهذا ما سنبينه إن شاء اللَّه تعالى في مرحلة تأصيل هذا المدخل.
كما أن ترتيب المقاصد ورد بصورة مختلفة على غير ترتيب الغزالي، فمثلًا عند الزركشي: " النفس، ثم المال، ثم النسل، ثم الدين، ثم العقل ".
٢ - يرى بعضهم أن قضية الجهاد تُبَينِّ لنا أن الدين مُقَدَّم على النفس، إذ قد أودى بها في سبيله، مصداقًا لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) .
وللرد عليه نقول: أنا - كمسلم - لم أومر إطلاقًا بالتفريط في النفس من أجل الدين، ولكن أمرت بالمحافظة على النفس بأفعال قد تؤدي بي إلى إهلاكها عَرَضًا لا قصدًا.
ونحن نتكلم في المقاصد، لا في ما يتم من الأمور بالعَرَض.
ففي الجهاد: لم يأمرني ربي بأن أذهب فأقتل نفسي، بل أمرني أن أفعل فعلًا معينًا هذا الفعل أظن فيه السلامة، وإن كان فيه مظنة القتل، ومظنة ذهاب النفس، لكنه ليس قاطعًا في ذهابها، ومن هنا جاءت صيغ الحث على القتال في القرآن، أو المقاتلة.
وفي الجهاد أيضا: محافظة على النفس، والنفس هنا بمعنى (النفس الكلية) ، ولو ذهبت في سبيل ذلك النفس الجزئية.
بمعنى آخر: فإن الجهاد هو من قبيل تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، إذ
стр. 313
قد يتعرض البعض للقتل، أو القتال من أجل الحفاظ على باقي الأمة من ضياع أنفسها.
ويتضح لنا هذا الترتيب أيضًا من خلال موقف عَمَّار مع المشركين، وِإذْن الرسول ﷺ بالنطق بكلمة الكفر حفاظا على النفس (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) .
٣ - وقد يعترض بعضهم بأننا في تقديم النفس والعقل على الدين نؤول إلى القول بالتحسين والتقبيح العقليين.
وهذا مردود عليه: بأن مرادنا بالعقل هنا: القدرة على الفهم، تلك القدرة التي بها مناط التكليف.
فالأحكام العلمية والعملية متعلِّقة بهذا المفهوم، وهو القدرة على الفهم.
أما استعمال العقل في إنشاء الأحكام فهذا شيء آخر، ونحن لا نقصده بهذا الاعتبار، بل المقصود هو أن يدرك العقل الأحكام، بمعنى أن العقل الذي له التقبيح والتحسين إنما هو ذلك الذي
ينشئ الأحكام، والذي معنا هو إدراك الأحكام بواسطة العقل.
وقد يعمل العقل في طريق إنشاء الحكم، ولكن دوره هو دور الفهم، ولو كان هذا الفهم مركبًا (كطريق القياس) الذي يكون فيه العقل كاشفًا للحكم، وليس منشئًا له، لأن الذي ينشئ الحكم إنما هو اللَّه تعالى وحده، وهذا الإنشاء يظهر عن طريق كلامه سبحانه
وتعالى في القرآن، وعن طريق كلام نبيه في السنة، وعن طريق إجماع الأمة حول حكم
معين، وكذلك عن طريق إعمال العقل في استنباط حكم معين، وفي كل ذلك فالحكم:
" هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع ".
فقالوا: " خطاب اللَّه تعالى " وحده، ولم يقولوا: "خطاب اللَّه ورسوله والأمة "؟
لأن الرسول والأمة غير منشئين، وإنما خطاب الله تعالى المدلول عليه ب: القرآن، والسنة، والإجماع، وبإعمال العقل (القياس) ،
وبالاستدلال (وهو باقى الأدلة المختلف فيها) ، وكل هذه كواشف عن الحكم، وليست منشئة له.
٤ - وقد يعترض بعضهم بأن تقديم النفس على الدين يَكِرُّ على حد الردة
بالبطلان، ويصبح لا معنى له.
فنقول: بأن هذا يتصور لو قصدنا بالدين في هذا الترتيب (الإسلام) ، أما إذا عرفنا أن المقصود بالدين هنا هو المعنى الأخص الذي قلنا -: لإدراكنا أن هذا الترتيب أدق من سابقه في هذا الاسم، فهو يفرق بين عدم الالتزام بأصل الإيمان وما هو معلوم
стр. 314
ضرورة من الدين (وذلك هو الإسلام) ، وبين عدم الالتزام بالشعائر الدينية (وهو مقصودنا من الدين) .
فنراه يعد الأول كفرًا ينهدم معه الإسلام نفسه، وبالتالي المقاصد كلها عقيدة
ونظامًا، بينما يعد الثاني فسقًا لا يهدم المقاصد الأربعة الأخرى المتعلقة بالوجود والحضارة.
بل إننا نرى أن هذا الترتيب يفرق بدقة بين الكفر والنفاق، وعليه فلا يقتل المنافق لظهور إسلامه.
وذلك ما يتفق مع النصوص كلها، ويتواءم مع القاعدة العريضة
" هلا شققت عن قلبه؟! ".
وما نحب أن نضيفه: هو أن هذه الترتيبات والتقسيمات في الواقع هي تقسيمات نظرية لمزيد من التشغيل والتفعيل، وإن كان الواقع مركبا من هذا كله تركيبا يصعب فيه هذا الفصل، إذ لا تنفك ذات الإنسان عن عقله، أو دينه، أو نسله ومشاعره، فهو مركب من كل هذا.
* * *
стр. 315
الفصل التاسع
القواعد والنظريات الفقهية
التقعيد الفقهي:
إن طريقة التقعيد الفقهي التي ظهرت بوضوح في القرن الرابع الهجري لخدمة
الفقه جديرة بالنظر، والتوقف عند آلياتها، وبيان كيفية حدوثها، ومحاولة الاستفادة من هذا كله في دراسة عقلية المجتهد في الفقه الإسلامي من ناحية، وكيفية تشغيل هذه القواعد على هذه المستجدات من ناحية أخرى.
* * *
معنى القاعدة لغة واصطلاحًا:
القاعدة في اللغة: الأساس، وهي تجمع على قواعد، وهي أسس الشيء وأصوله، حسيًّا كان ذلك الشيء كقواعد البيت، أو معنويًّا كقواعد الدين، أي: دعائمه، وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم، قال تعالى:
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) ،
وقال تعالى: (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) .
فالقاعدة في هاتين الآيتين الكريمتين بمعنى الأساس،
وهو: ما يرفع عليه البنيان.
стр. 316
أما في الاصطلاح، فقد عرفها التفتازاني بقوله:
" إنها حكم كلي ينطبق على جزئياته ليتعرف أحكامها منه ".
* * *
القواعد الفقهية - مدخل تاريخي:
١ - من الملاحظ أن عملية السعى نحو الكلي الضابط للجزئيات وردت في السنة المطهرة في مثل أحاديث: " قل هو اللُّه أحد تعدل ثلث القرآن "، أو " يس " تعدل ربع القرآن " على مذهب من فسرها على نحو ذلك.
ثم نرى أمثال ذلك عند عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه في كتابه إلى أبي
موسى الأشعري والذي ورد فيه: " أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، لا يمنعك قضاء قضيته، راجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، أن تراجع الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم فيما يختلج في صدرك، مما لم يبلغك في
الكتاب والسنة، اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عندك، فاعمد إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق ".
فيما ترى فهذه قطعة من كتاب عمر رضي اللَّه تعالى عنه، وكتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري، أخرجه الدارقطي في السنن.
قال حدثنا أبو جعفر محمد بن سليمان بن محمد النعماني أخبرنا عبد اللَّه بن عبد الصمد بن خداش أخبرنا عيسى بن يونس أخبرنا عبيد اللَّه بن حميد عن أبي المليح الهذلي قال: "كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة ... " إلخ.
وأخبرنا محمد بن مخلد أخبرنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل حدثني أبي أخبرنا
سفيان بن عيينة أخبرنا إدريس الأودي عن سعيد بن أبي بردة، وأخرج الكتاب فقال: هذا كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري: " أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة ... "إلخ.
стр. 317
وأخرجه البيهقي في المعرفة: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق الصنعاني حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن كناسة حدثنا جعفر بن برقان عن معمر البصري عن أبي العوام البصري قال: كتب عمر، فذكره.
والبيهقي في السنن الكبرى: حدثنا أبو طاهر الفقيه إملاء وقراءة أنبأنا أبو حامد بن بلال حدثنا يحيى بن الربيع المكي حدثنا سفيان بن إدريس الأودي قال: أخرج إلينا سعيد بن أبي بردة كتابًا، فقال: هذا كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى ﵁ فذكر الحديث،
قال فيه: " الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في القرآن
والسنة، اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك ... " إلخ.
وقال الخطب البغدادي في الفقيه والمتفقه: أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن زياد القطان حدثنا أبو الحسن على بن عبد الملك ابن أبي الشوارب حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا إدريس أبو عبد اللَّه ابن إدريس: قال: أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسائل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة،
فأخرج إليَّ كتبًا، فرأتحا كتابًا منها: " أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة ... "إلخ.
وقال ابن حزم في إحكام الأحكام: حدثنا أحمد بن عمر العذري حدثنا أبو ذر
الهروي حدثنا أبو سعيد الخليل بن أحمد القاضي السجستاني حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا يوسف بن موسى القطان حدثنا عبيد اللَّه بن موسى حدثنا عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه قال: كتب عمر بن الخطاب إلى موسى الأشعري - فذكر الرسالة - وفيها:
" الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم
اعرف الأمثال، والأشكال فقس الأمور عند ذلك، ثم اعمد إلى أشبهها بالحق وأقربها إلى اللَّه "، وذكر باقي الرسالة.
وحدثنا أحمد بن عمر حدثنا عبد الرحمن بن الحسن الشافعي حدثنا القاضي أحمد ابن محمد الكرجي حدثنا محمد بن عبد اللَّه العلاف حدثنا أحمد بن علي بن محمد الوراق حدثنا عبد اللَّه بن سعد حدثنا أبو عبد اللَّه محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني
стр. 318
حدثنا سفيان بن إدريس بن يزيد الأودي عن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى فذكر الرسالة..
اهـ.
قال ابن حزم: لا يصح؛ لأن السند الأول فيه عبد الملك بن الوليد بن معدان وهو كوفي متروك الحديث، ساقط بلا خلاف، وأما السند الثاني، فمن بين الكرجي إلى سفيان مجهولون، وهو أيضًا منقطع فبطل القول به جملة. اهـ.
على أنه يمكن القول بأن عبد الملك متوسط، ولم يصفه أحد إلا ابن حزم، وأما أبوه فهو ثقة معروف، ذكره ابن حيان في الثقات.
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: قال أبو عبيد: حدثنا كثير بن هشام عن جعفر برقان، وقال أبو نعيم بن جعفر بن برقان، عن معمر البصري، عن أبي العوام البصري،
وقال سفيان بن عيينة: حدثنا إدريس أبو عبد اللَّه بن إدريس قال:
أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبو موسى الأشعري، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة فأخرج إليه كتبًا، فرأيت في كتاب منها وذكر الكتاب ... إلخ.
قال أبو عبيد: قلت لكثير: هل أسنده جعفر؟ قال: لا.
قال ابن القيم "وهذا كتاب جليل، تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة ".
وقال ابن حجر في التلخيص: أخرجه الدارقطي والبيهقي، وساقه ابن حزم من طريقين وأعلهما بالانقطاع، لكن اختلاف الخرج فيهما مما يقوي أصل الرسالة، لا سيما وفي بعض طرقه أن راويه أخرج الرسالة المكتوبة.
وقال شيخنا الحافظ أبي الفضل عبد اللَّه بن الصديق في تخريج أحاديث اللمع: أخرجه الدارقطني في السن من طريق عبيد اللَّه بن أبي حميد عن أبي المليح الهذلي، وعبيد اللَّه بن أبي حميد ضعيف متروك، لكن ورد من طرق تدل على أن له أصلًا، لا سيما وفي بعض طرقه عند الدارقطني أن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري أخرج الكتاب وقال: هذا كتاب عمر، ثم قرئ على سفيان بن عيينة، وقد تلقاه الناس بالقبول، وجعلوه أصلًا في باب القضاء فأغنى ذلك أيما غناء اهـ.
стр. 319
٢ - ثم ترى ذلك عن الإمام الشافعي (ت ٤٠٢ هـ) في حديث " إنما الأعمال بالنيات " حيث يقول: يدخل في هذا الحديث ثلث العلم، ويجعل ثلاثة أحاديث يبني عليها الدين، وهي طريقة تبين آلية التقعيد في ذهن الإمام الشافعىِ.
ثم يأتي البيهقي (ت ٤٥٨) فيذكر خمسة أحاديث، ثم يأتي النووي (ت ٦٧٦ هـ)
ويجمع أربعين حديثًا من هذه التي قيل فيها إنها من قواعد الدين، وهكذا.
وأرى أن هذا التوجيه إنما يبين الرغبة في التقعيد المؤيد بالفعل النبوي الشريف، المشتمل على الإرشاد لمثل هذا النوع من التعامل مع العلم والمعلومات.
٣ - قال الإمام السيوطي في الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية: " اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم به يطلع على حقائق الفقه ومداركه، ومآخذه، وأسراره، ويتمهر في فهمه، واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة
أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على ممر الزمان، ولهذا قال بعض أصحابنا: الفقه معرفة النظائر.
وحكى القاضي أبو سعيد الهروي أن بعض أئمة الحنفية بهراة، بلغه أن الإمام أبا طاهر الدباس إمام الحنفية بما وراء النهر رد على جميع مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة فسافر إليه، وكان أبو طاهر ضريرًا، وكان يكرر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد أن يخرج الناس منه، فالتف الهروي بحصير، وخرج الناس وأغلق أبو طاهر المسجد، وسرد من تلك القواعد سبعًا، فحصلت للهروي سعلة، فأحسَّ به أبو طاهر
فضربه وأخرجه من المسجد، ثم لم يكررها فيه بعد ذلك، فرجع الهروي إلى أصحابه وتلا عليهم تلك السبع.
قال القاضي أبو سعيد: فلما بلغ القاضي حسينًا ذلك رد جميع مذهب الشافعي إلى أربع قواعد:
الأولى: اليقين لا يزول بالشك، وأصل ذلك قوله ﷺ : " إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في صلاته فيقول له: أحدثت فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا ".
الثانية: المشقة تجلب التيسير، قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) .
وقال ﷺ : " بعثت بالحنيفية السمحة ".
стр. 320
الثالثة: الضرر يزال، وأصلها قوله ﷺ :
" لا ضرر ولا ضرار ".
الرابعة: العادة محكمة، لقوله ﷺ :
" ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن ".
قال بعض المتأخرين: في كون هذه الأربع دعائم الفقه كله نظر، فإن غالبه لا يرجع إليها إلا بواسطة وتكلف.
وضم بعض الففلاء إلى هذه قاعدة خامسة، وهي " الأمور بمقاصدها "، لقوله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات "،
وقال: " بني الإسلام على خمس، والفقه على خمس ".
قال العلائي: وهو حسن جدًّا، فقد قال الشيخ تاج الدين السبكي: التحقيق عندي أنه إن أريد رجوع الفقه إلى خمس بتعسف وتكلف وقول جملي، فالخامسة داخلة في الأولى، بل أرجع الشيخ عز الدين بن عبد السلام الفقه كله إلى اعتبار المصالح ودرء المفاسد، بل قد رجع الكل إلى اعتبار المصالح، فإن درء المفاسد من جملتها.
ويقال على هذا: واحدة من هؤلاء الخمس كافية، والأشبه أنها الثالثة، وإن أريد الرجوع بوضوح فإنها تربو على الخمسين، بل على المئتين.. اهـ.
* * *
الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي
القواعد الفقهية تختلف عما يسمى بالضوابط الفقهية، فإن مجال الضابط الفقهي أضيق مما وجدناه بالنسبة للقاعدة الفقهية، إذ أن نطاقه لا يتخطى الموضوع الفقهي الواحد الذي يرجع إليه بعض مسائله، وقد نبه على ذلك بعض الأصوليين، ففي حاشية البناني: والقاعدة لا تختص بباب، بخلاف الضابط ".
وكذلك العلامة ابن نجيم يميل إلى الفرق بين القاعدة والضابط، فيقول في الفن الثاني من الأشباه: " الفرق بين الضابط والقاعدة: أن القاعدة تجمع فروعًا من أبواب شتى، والضابط يجمعها من باب واحد ".
следующие страницы →