← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2771

المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية

علي جمعة

Полный текст (348 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكتاب: المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية المؤلف: د. علي جمعة محمد (مفتي الديار المصرية) الناشر: دار السلام - القاهرة الطبعة: الثانية - ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للَّه، والصلاة والسلام على سيدنا رسول اللَّه وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد ... فهذه هي الطبعة الثانية من كتاب المدخل، الذي صدرت طبعته الأولى عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي سنة ١٩٩٦ م، بعد أن قمت بإعادة ترتيب مادته والتوسع في أجزاء كثيرة منه، وزيادة التوثيق وتقديم ما كان حقه التقديم، وتأخير ما كان فرضه التأخير، واختصار وتهذيب في مواطن كثيرة، وضم الشبيه إلى شبيهه، والنظير إلى نظيره كما سيراه كل من قارن بين هذه الطبعة وأختها السابقة حتى شعرت وإن اتحد الهدف واتفقت المادة أنه كتاب جديد، ناهيك عن تصحيح الأخطاء المطبعية وتحرير النقول والعزو، فرأيت أن أسميه (المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية) حتى أحافظ على الكلمة الأساس التي اشتهر بها، وأشير بتلك الزيادة إلى حقيقته التي سأل عنها من لم يطلع على مضمونه، وإلى أنه أصبح ككتاب مختلف عن سابقه بقدر ما حدث فيه من زيادة وتنقيح. ولقد وضعت له فهرسًا مفصلًا، وأرجو اللَّه أن ينفع به وأن يكون خطوة في بناء أداة الفهم الصحيح للتراث الإسلامي ومذاهبه الفقهية حتى يتم الاستفادة منه على الوجه الأكمل دون القبول المطلق، أو الرفض المطلق، أو الانتقاء العشوائي، حتى نتحرر من المناهج غير العلمية التي غبلت العقل المسلم، ونرجع إلى عهود السلف الصالح الذين خدموا دين اللَّه وعقل الإنسان بهدف عبادته سبحانه وعمارة الكون. القاهرة فى غرة رمضان ١٤٢٢ هـ - ١٦ نوفمبر ٢٠٠١ م أ. د. عَلي جُمعة محمد

стр. 3

الفصل الأول ماهية التراث الإسلامي التراث هو: نتاج العقل البشري المسلم عبر القرون. وقانون الآثار المصري المعمول به الآن، يحدد مائة سنة سابقة عن الآن حتى نعتبر الشيء في عالم الأشياء أثرًا. وقديمًا كان عصر الخديوي إسماعيل هو الحد الفاصل في مسألة الآثار، وهو عصر يعد نقطة فارقة في تاريخ مصر، وفي تاريخ الشرق المسلم، تغير فيه كل شيء، وأراد الخديوي إسماعيل أن يخرج مصر من سياقها التاريخي لتصبح قطعة من أوربا، فجاءها خير كثير من هذا، وجاءها شر أيضًا. حدث هذا التغير، وحدث معه شيء كثير من الاضطراب: الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي، والثقافي في مصر. فقد غَيَّر الخديوي إسماعيل نمط حياة الإنسان المصري، غَيَّر برنامجه اليومي.. غَيَّر التقويم من الهجري إلى الميلادي.. غَئر الساعة من العربي إلى الأفرنجي.. غَيَّر الأزياء.. غَيَّر نمط المعيشة. وقبله بدأ محمد علي التعليم الموازي، فترك الأزهر على حاله وأنشأ - موازيًا له - تعليما سماه التعليم المدني، وأرسل البعثات إلى أوربا فحدث بعد ذلك ما أسميناه بازدواجية التعليم، وأصبح هناك من يدري الشرع ويطلع على التراث، ومن يستطع أن يتعامل معه، وهناك أيضًا من أصحاب العلوم والفنون من لا يستطيع أن يتعامل مع هذا التراث، وسمي الأول بالسلفي، والآخر بالعصري، وأصبحت هناك معركة، ما كنا نود أن تكون، لون ما أسموه بالأصالة والمعاصرة، حتى أطلق عليها بعضهم: " المعركة بين الطربوش والعمامة " على سبيل الرمز، وظل هذا التخالف في ازدياد إلى عصر الخديوي إسماعيل. لقد كانت ساعاتنا ساعات غروبية تتسق مع العبادة، وتنضبط الساعة مع أذان المغرب على الساعة ١٢، فنعرف الساعة الأولى من الليل، والساعة الثانية من الليل، والساعة الثالثة من الليل، فعندما نقرأ حديث البخاري: " أن من اغتسل يوم الجمعة

стр. 4

غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر " يفهمه الناس، لأنهم يعرفون ما الساعة الأولى، وما الساعة الثانية. تم اختلف الحال في عصر الخديوي إسماعيل فأصبحت الساعة (١٢) هي وسط النهار، ومن المعلوم أن اليوم ليس (٢٤) ساعة تمامًا، بل يختلف باختلاف الأيام في السنة، فهو ٢٤ ساعة و ١٧ دقيقة، أو ٢٤ ساعة إلا ١٧ دقيقة، لأجل هذه الى (٣٤) دقيقة يختلف أذان الظهر عندنا الآن، فنجده يؤذن مرة ٣٥. ١١، ومرة ٠٧. ١٢، لأن هذه المساحة من الوقت هي التي يختلف فيها اليوم واقعيًّا على مر السنة. كان المسلمون يكيفون أنفسهم ومعيشتهم بطريقة تجعل العبادة سهلة، وتجعل هذه الشعائر التي يقيمونها تنطق تمامًا مع النظام اليومي الذي يعيشونه. لم يكن هناك نوع تنافر ولا اضطراب، ولا ضيق، ولا نوع فوات للصلاة. كانوا ينامون بعد العشاء ويستيقظون قبل الفجر، كانوا يدركون ما معنى ثلث الليل الأخير الذي يستجيب اللَّه فيه الدعاء، كان هناك تفاعل مع هذا الدين. ولكن دخلت الأوبرا، واضطروا إلى أن يخلعوا سراويلهم المغربية التي كانت أقرب إلى الالتزام بستر العورة في الصلاة، ليلبسوا الأزياء الأفرنجية، والياقات البيضاء المنشية، التي لو جاء عليها ماء، لفسد ما بها من نشا، وأصبح من علامات الفسق عند المتدينين: لبس الجورب " الشراب "، وأصبع العوام يقولون: " كفر أبو فلان ولبس الشراب "؛ لأن لبسه " للشراب " كان دليلًا على أنه لا يتوضأ، وكان دليلًا على أنه خرج من منظومة ونسق معين، ودخل في نسق آخر. ترك الناس الصلاة شيئًا فشيئًا؛ لأنهم ذهبوا عند المغرب للأوبرا، والذين يذهبون إلى الأوبرا كانوا هم عُلَيةَ القوم. سهروا هناك حتى الساعة الثانية بالليل، فضاع عليهم المغرب والعشاء، وضاع عليهم الفجر، وانتظرهم البواب، والطباخ، والسائق، فلم يصلوا هم الآخرون، وشاع عدم الصلاة في الناس، وشاع ترك الصلاة بالكلية.

стр. 5

هذا عرض بسيط لا نقف عنده طويلًا، لكن هذه اللحظة الفارقة في تاريخنا: لحظة عصر الخديوي إسماعيل. يمكن أن نعد ما قبلها من التراث، حتى يدخل في التراث إنتاج الشيخ الباجوري المتوفى (١٢٧٧ هـ لم ١٨٥٦ م) ، والذي كان شيخًا للأزهر، وهذا قياسًا لحد التراث على حد الآثار (مائة سنة) كما مرَّ. * * *

стр. 6

توثيق التراث هذا التراث - الذي بدأ مع تدوين العلوم عند المسلمين الأوائل في أواخر القرن الثاني الهجري، وامتد إلى عصر شيخ الإسلام الباجوري (١٢٢٧ هـ/١٨٥٦ م) - هو النتاج الفكري الذي جعل لنفسه محورًا هو النص: الكتاب والسنة، النص بما اشتمل عليه من أحكام، ومن مقاصد شرعية تشتمل على قيم، وهذه القاصد والقيم تعمل في وسط قواعد، وتعمل كل هذه المنظومة في مجال السنن الإلهية التي خلقها اللَّه في الكون، والنفس، والمجتمع. فقد جعل المسلمون النص محورًا لحضارتهم، ومحور الحضارة معناه: أنهم جعلوه معيارا للتقويم، وجعلوه منطلَقًا للخدمة، وجعلوه مرجِعًا يرجعون إليه. ولذلك نجد أنهم قد وَلَّدوا علومًا كثيرةً، كعلم الفقه، وعلم الأصول، وعلم النحو، وعلم الصرف، وعلم الوضع، وعلم البلاغة، ... ، أرادوا بهذه العلوم أن يخدموا النص، وكذلك علم الخط يريدون به أن يخدموا النص، هذا الخط العجيب الذي يقول عنه ابن مقلة: إن كتاب اللَّه قد نزل على نسبة إلهية فاضلة، نظمه عجيب معجز، فلا بد أن يكتب بخط مبني على نسبة إلهية فاضلة، وتفتق ذهن ابن مقلة على مسألة المسدس الدائري الذي رسم فيه الألف، واستطاع بميزان الألف أن يرسم الحروف كلها، فرسمت كل الحروف داخل المسدس داخل الدائرة. يقول أبو حيان: لقد أوحى اللَّه تسديس الخط لابن مقلة كما أوحى للنحل بتسديس بيوتها. وليس هناك خط على وجه الأرض وإلى يومنا هذا يسير على نسبة واحدة كالخط العربي وما تفتق ذهن المسلمين بذلك إلا لأنهم قد خدموا النص، وأرادوا خدمته، وجعلوه محورًا واضخا لحضارتهم. الفنون مثلًا وما حدث فيها من رسم وتعشيبات نباتية، وتلاعب بالخطوط، والأشكال الهندسية، والتلاعب بالألوان، كل هذا إنما يحاولون به أن يصلوا إلى خدمة شيء معين جعلوه محورًا ينطلقون منه في حياتهم. اقتضى وجود النص مسألة التوثيق، فالتوثيق هو السؤال الأول الذي يطرح نفسه على

стр. 7

الإنسان الذي يسعى إلى معرفة الحق، هل الذي بين يديَّ الآن هو الذي نطق به رسول اللَّه ﷺ ، سواء أكان قرآناً، أم سنة صادرة عن النبي ﷺ فمن أجل الإجابة على هذا السؤال وُجِدَ ما يقرب من عشرين علمًا، تتعلق بعلم الرجال وعلم الأسانيد، وعلوم الجرح والتعديل، وعلوم مصطلح الحديث، علوم كثيرة تحاول أن تضبط المسألة. ليس هناك كتاب على وجه الأرض له تلك الأسانيد المتصلة، التي يقول كل قارئ للقرآن فيها (والقارئ هنا معناه: متحمل القراءة، وعالم القراءة) لقد سمعت هذا الكلام حرفًا حرفًا بالتشكيل، وعلى هذا الخط الموجود أمامنا، من شيخي الذي ولد يوم كذا وتوفي سنة كذا، وكان اسمه كذا وكان يضحك ويقول كذا وكذا، وكان يبكي في المواقف الفلانية، تاريخ حياته كاملًا موجود في ملف في هذا العلم، وهذا الشيخ يقول أيضًا: إنه سمع هذا الكلام عن شيخ آخر، وله كل هذه المواصفات، ليس هناك أحد في هذا السند من المجاهيل التي لا نعرفها، فنحن وحتى الآن نعرف كل واحد في هذه السلسلة، وهذا النقل ليس عن شخصٍ واحدٍ يمكن أن يكذب، ويمكن أن يخطئ، ويمكن أن يضعف في موقف معين، لا عن ألف، بل قد يكون عن آلاف، فابن الجزري في كتابه النشر في القراءات العشر، أورد ما يقرب من ألفى طريق للقرآن، وكتاب النشر هذا، كتاب واحد، حصر ألف طريق، كأن هناك ألفًا قد تلقى عنهم ابن الجزري، وهؤلاء الألف قد تلقوا عن ألف من مشايخهم وهكذا، والأمر أعظم من هذا بكثير. إن المسلمين يفتخرون بكتابهم، وأنه محفوظ عليهم، وأنه وارد إليهم بالأسانيد التي لو قارناها بكتب الديانات الأخرى، لوجدنا أن التوراة مثلًا يقول ابن حزم عنها: لها سندُ واحدُ فقط، آخر شخصٍ في السند بينه وبين سيدنا موسى ﷺ ألف سنة أو أكثر. كما أنه لا توجد النسخة الأصلية من الإنجيل، وإنما الذي يوجد له ترجمة يونانية، ومع ذلك، فمن المتُرجِم؟ لا نعرف. مسألة مضحكة، ومحزنة، ومخزية أن يظل العقل البشري في حيرة من أمره أمام هذا الوضوح البين، بين مقارنة ظاهرية سطحية، تثبت من كل جهة قبل التعمق أن هذا

стр. 8

الدين، دين حفظه اللَّه ، ودين قد دافع عنه اللَّه تعالى، وجعله مهيمنًا على ما بين يديه من تلك الأديان والكتب. من المترجم؟ لا نعرف، ما هي الأسانيد إلى تلك الترجمة؟ لا نعرف. ثم إن مجموعة الباباوات الذين تولوا الكنيسة، والمعروف عنهم النقل إلى هذا المصدر المبتور: واحد منهم ثبت لديهم أنه من عبدة الشياطين، ومجموعة منهم ثبت لديهم أنهم من المجرمين السفاحين، ومجموعة أخرى من الداعرين، هذا ليس كلامنا، هذا كلامهم. أما السند عندنا فوصل به الحال إلى أن رحل البخاري الطلب الحديث فذهب إلى شخص للرواية، فوجده ممسكًا بعشب في يده يحاول أن يجذب إليه بهيمته، فلما جاءت إليه أمسك بها ورمى العشب، فتركه البخاري، ولم يُحَدث عنه، وقال: إنك قد كذبت عليها فلم يأمنه. إلى هذا الحد يتم عندنا التوثق. وَتذكَّر البخاريُّ أن النبي ﷺ عندما وجد امرأة تريد أن تمسك بصبيها، فقدمت له تمرة، ثم لما أمسكت به أرادت أن تحرمه منها، فقال لها: لو فعلت لكذبت. هذا المنهج - منهج توثيق المصدر - أثر تأثيرًا كبيرًا في عقلية المسلمين، وامتد ذلك التوثيق من المصدر (الكتاب والسنة) إلى الكتب التي ألفها الناس لخدمة هذا المصدر. ولذلك هناك علم قد نشأ اسمه " علم الأثبات والمسانيد "، علم الأثبات؟ السند ينتهي إلى المؤلف، وليس إلى رسول اللَّه ﷺ ، وأصبحنا إذا ما أردنا أن نقرأ كتابًا، لا بد علينا أولًا أن نتوثق أن هذا الكتاب منسوب نسبةً صحيحة إلى مؤلفه بالسند المتصل أيضًا. ألف الشوكاني كتابًا ماتعًا أسماه: " إتحاف الأكابر بأسانيد الدفاتر "، وليست بأسانيد الأحاديث النبوية فقط، هذا أمر آخر في علم الحديث، لكن علم الحديث، وعلم القراءات، وما حدث فيه من توثيق أثر على عقلية المسلم، فأصبح طلب التوثيق ضروريًّا في كل حياته، فأصبح هناك طلب لقضية أسانيد الدفاتر، وأصبح منهجًا يتخذ، وأثر هذا حتى في شكل النقل، فلا بد علينا أن نحفظ الوسيلة، والطريقة التي بها النقل، ومن هنا وضع العلماء الأثبات التي جمعت أسانيد العلوم كلها. ومن جهة أخرى أخذ توثيق النص منحىً آخر بتصحيحه، وإتقانه في نفسه: فنرى

стр. 9

ابن الصلاح في مقدمته يرشد الطلبة والنساخ إلى كيفية كتابة النصوص، ونقلها، والتأكد من صحتها بمصطلحات هي أنقى وأبر من مصطلحات المستشرقين وأضبط، ومن ضمن ما ذكره ابن الصلاح: أنه ينبغي على القارئ عند القراءة إذا ما وجد سقطًا أو خطأ أن لا يصلح في أصل النسخة، خيفة أن يكون ما ظنه سقطًا، أو خطأ ليس كذلك، بل على القارئ أن يصلح في الهامش وأن يشير بعلامة " صح " فوق الكلمة، ويخرج في الهامش ويقول ما يريد، سواء أكان من عنده أم كان من نسخة أخرى، حتى يدع لآخرين من بعده ينظرون في هذه النسخة، ولا يقطع عليهم الطريق، ولا يحرف كلام الناس، وحتى لا يصبح عنده تسلط على الآخرين في العلم، وأن ما ذهب إليه قطعي، وأن ما ذهب إليه لابد على الناس جميعًا أن يتمثلوا به. وتثبت أيضًا السماعات على النسخة، ومعنى السماعات: أن يقول المتلقي للكتاب مثلًا: " سمعت هذا الكتاب من الشيخ الفلاني، حيث قال لي: إنه سمعه من الشيخ الفلاني بتاريخ كذا في المكان الفلاني "، فيحدد الشخص، والزمان، والمكان، حتى إذا ما كان هناك اشتباه في الأسماء بين المشايخ يحدث تمييز بينهم بالتاريخ، وإذا ما كان هناك كذب، أو زيادة قد حرفها محرف، أو وضعها واضع، تتضح هذه عند العلماء الذين يعرفون.. وبهذه الطريقة كشف عن كثير من أنواع التلاعب، وهذا علم قائم بذاته. الحقيقة أن تحول المناهج إلى تلك الملكات، هي التي نفتقدها نحن الآن، نحن أصبح عندنا معلومات، ولم يعد عندنا علم. والفرق يينهما: أن المعلومات مفردة، والعلم نسق مرتبط بعضه مع بعض، له منهج، وله استعمال، وهذا هو الفرق بين العالم والمثقف، فالمثقف عنده كثير من المعلومات في مادة معينة، لكن ليس عالماً في هذه المادة، وقد تفوق معلوماته معلومات بعض علماء هذه المادة، لكن لابد علينا أن نعي المنهج، وأن نعي طرق الاستعمال، وأن نعي الربط بين المعلومات، وأن نعي المعلومات أيضًا حتى نُحصِّل علمًا معينا. وضع العلماء طرقًا ثمانية من طرق التحمل - أي تحمل العلم - أيضًا أخذوها من الحديث بعضها يتعلق بطريقة الأداء:

стр. 10

فمن ذلك: أن يقرأ الشيخ والتلميذ يسمع، ويقول: قد سمعت هذا، وهذا يكون أضبط؛ لأن الشيخ عندما يقرأ، يقرأ كثير من طلبة العلم الآن، من غير قراءة على عالم يستطيع أن يصحح، وأن ينقل الملكات، والمعلومات، ومناهج البحث العلمي منه إلى الطالب. على كل حال فإن حضارة المسلمين لم تمت، بل نامت فقط، والنائم يستيقظ، واللَّه ييعث مَنْ في القبور، على أن حالة النوم هذه استمرت عند المسلمين حتى دخول المطبعة الأميرية التي فتحها محمد علي (٨٢١ ام) لطبع كتب الجهادية، وا لفنون، والزراعة، والصناعة، والطب، وغيرها. ثم بعد ذلك بدأت في طباعة المصحف سنة ١٨٣٢ م) ، لأن المشايخ حرموا طباعة الصحف ابتداء لسببين: أحدهما موضوعي، والآخر شكلي. السبب الموضوعي: أنه سيكون فيه أخطاء فادحة نظرًا لصعوبة التصحيح وبدائية عملية الطباعة، وأنه لا بد علينا أن نكتبه بأيدينا حتى نتأكد من عدم وجود الأخطاء. والسبب الشكلي: أنهم قد سمعوا أن الاسطوانة التي تدور عليها ورق الطباعة مصنوعة من جلد الخنزير، فلا ينبغي أن تدنس صفحات المصحف بجلد الخنزير، فتأخرت طباعة المصحف. ثم بعد ذلك أصدر محمد علي باشا، قرارا بطبع المصحف حتى ولو كان حرامًا! وكانت هذه خطوة وعلامة فارقة من ارتباط الأحكام الشرعية بالسياسة فطبع المصحف، طبع منه أول الأمر مائتا نسخة، واتضح أن فيه أخطاء فاحشة، فصححها، وأذكر أن التصحيح قد تكلف ١٣ جنيهًا ذهبا لأجل تصحيح المصحف المطبوع. وبعد ذلك بدأت دار الطاعة الأميرية في إخراج أوائل منتجاتها الأدبية، فقام علماء المطبعة الأميرية من المصححين المطعيين. وكانوا من أكابر العلماء أمثال الشيخ قطة العدوي، والشيخ نصر الهوريني.

стр. 11

والشيخ نصر الهوريني هذا له شرح على ديباجة القاموس المحيط للفيروزآبادي، حيث إنه أشرف على طبعه فألف هذا الشرح، ولا يؤلف مثله إلا من هو أعلى من الفيروزآبادي أو مثله، وهذا ييين لك من المصحح، ليس كالمصحح المطبعي الآن لا يدري عن نفسه شيئًا، حتى أصبحت مهنة مَنْ لا مهنة له، بل لقد كان المصحح من كبار العلماء. لقد لاقى التراث اهتمامًا كبيرًا في قضايا التوثيق والنقل إلى أن أصبحت الطبعة الأميرية من أي كتاب وإلى يومنا هذا، هي العمدة والمعتمد. ومثل الشيخ نصر الهوريني: الشيخ قطة العدوي، وحسن بك حسني، وأحمد باشا زكي شيخ العروبة، وأحمد باشا تيمور. وبدأ أحمد باشا تيمور ما نطلق عليه الآن بتكشيف التراث، وذلك في التذكرة التيمورية، وفي الموسوعة التيمورية، فقد كان يقرأ، ويأخذ الفوائد والقواعد والشوارد، ويضعها في نظام خاص، طبع بعد موته؛ لأنه كان يفتح الملفات ولا يغلقها، لأنه كان دائمًا يلقي فيها بالدرر التي يلتقطها من بحار التراث في اتجاهه الأدبي اللغوي إلى أن ألفى أكثر من ثلاثين كتابًا على هذا الوضع، وأغلبها قد طبع بعد وفاته، لأنها لم تكمل حتى في حياته، لأنها مستمرة، ولأنها ملفات تكشيف. لقد قام كثير من علماء الأمة ممن عرفناهم وممن لم نعرفهم من الجنود المجهولين

стр. 12

بالحفاظ على قضية التوثيق أثناء الانتقال من المخطوط إلى المطبوع. وأول من كتب في علم مستقل هو علم نقد النصوص، ومحاولة نشرها نشرًا علميًّا هو: " برجستراسر " كتب كتابه بالعربية سماه " نقد النصوص "، وكان مجموعة من المحاضرات التي يلقيها على طلبته في جامعة القاهرة. وبعد ذلك كتب من العرب عبد السلام هارون ﵀، وترجم أحمد شلبي شيئًا ما في الموضوع. ثم انثالت بعد ذلك الكتب التي تتكلم عن كيفية نشر التراث نشرًا محققًا مخدومًا، له فهارس وله مقدمة، كيف نقارن بين النسخ، وكيف نخرج نسخة معتمدة؟ وما هي شروط تلك النسخ؟. واستفيد في هذا المجال بكثير مما وصل إليه الإنسان في الشرق والغرب، واختلفت المصطلحات، ولكن المقصود هو الوصول إلى المضمون والمعنى، وهو أن نحافظ على التراث، وأن نوثقه، هذه إطلالة سريعة على قضية توثيق التراث قديمًا وحديثًا.

стр. 13

فهم التراث إلا أن هذا التراث الذي بين أيدينا في الحقيقة لا بد علينا أن نفهمه، وكثير من الناس يرفضون التراث رفضًا تامًا، وهذا الرفض رفض وجداني فقط؛ لأنه لم يفهم التراث أصلًا، حتى يرفض ما فيه. وكثير من الناس يقبلون التراث قبولًا تامًّا، وهذا أيضًا قبول وجداني، لأنه لم يفهم ما فيه أيضًا، نعم هو خير من الأول الذي رفض، لأنه ينتمي إلى آبائه الصالحين، وإلى سلفه الأماجد. لكن لا بد علينا أن نفهم التراث، والتراث مكتوب في إطار طرائق معينة، ونظريات، وأفكار، وأساليب ما في التفكير والتحليل، فله ما يشبه "الشفرة "، هذه "الشفرة " نريد أن نلقي شيئًا من الضوء عليها. ولقد تنبه كثير من العلماء إلى هذا، أو إلى شيء منه، مثل الشيخ طنطاوي جوهري ﵀ فألف كتابه الماتع " بهجة العلوم "، محاولًا أن يلقي الضوء على تلك التصورات الكلية التي كانت في أذهان السلف الصالح. هذه التصورات نجدها في مقدمات علم الكلام، نجدها في علم لم يعد يدرس اسمه " الحكمة العالية "، وموضوعه الوجود والعدم، نجد مثل هذه التصورات عند التأمل والتدبر في عباراتهم، نجدها في النطق الصوري العربي، نجدها مشتتة. وألف عبد القادر بن بدران كتابًا أسماه المدخل، يحاول فيه أن يلقي الضوء على جانب آخر من هذه الشفرة التي كتب بها التراث. كما اهتم الأتراك كثيرًا بمثل ذلك حتى يفهموا، فعلماء الدولة العثمانية، وهي ناطقة بالتركية أرادوا أن يفهموا بعمق حتى يساهموا في البناء الفقهي، فكانت مؤلفاتهم تشتمل على كثير من حل تلك الشفرة.

стр. 14

ولقد تأملت كثيرًا في هذه القضية حتى أرى ما الحائل الذي يحول بيننا وبين نص تراثي مكتوب، فوجدت أن الأمر لا يخلو من أحد أمور خمسة: ١ - أن يكون القارئ المعاصر قد فقد التصور الكلي الذي كان شائعًا عند الكاتبين للتراث عبر الزمان والمكان، وعلى ذلك من الممكن أن نقول: إنه ينبغي علينا - حتى نفهم التراث فهمًا دقيقًا واعيًا - أن ندرك أولًا التصورات الكلية التي كانت قائمة في أذهانهم، وحاكمة على كتاباتهم حتى شاعت هذه التصورات، وكأنها مسلَّمات. فعندما نفقد هذه التصورات، أو لا نستوعبها، أو لا نستحضرها حين قراءتنا للتراث، فإن خيرًا كثيرًا يفوتنا، وإن فَهْمًا دقيقًا يعوزنا. ٢ - أيضًا فقد يفقد القارئ المعاصر النظريات الكلية التي حكمت الذهن العلمي عندما أنشأ تلك العلوم، أو تعامل وتفاعل معها، أو دوَّنها، أو انقسم فيها إلى مدارس ... وإلخ. هذه النظريات الكلية عادة وغالبًا لا نجدها مستورة في الكتب التي بين أيدينا بطريقة شاملة، بل نجد عناصر مشتتة في الكتب، وموزعة على الأعصار المختلفة، وموزعة أيضًا بين المذاهب المتعددة، وبين الأشخاص، والعلماء، والفقهاء الذين قاموا بإنتاج كل ذلك، ومنذ خمسين سنة والعلماء المسلمون يحاولون تجميع وصياغة تلك النظريات الكلية في بعض العلوم خاصة الفقه واللغة، ويحاولون أن يستنبطوا تلك النظريات وأن يكتبوا رسائل علمية (ماجستير ودكتوراه) فيها، ولقد قطعوا شوطًا كبيرًا، فكتبوا في نظرية الملكية، وفي نظرية المال، وفي نظرية الحق، وفي نظرية العقد، وفي نظرية الضمان، وفي نظرية المسئولية وهكذا، كتبوا عن هذا كثيرًا، لكن الأمر لم يسر في كل العلوم سيرته في الفقه، كما أنه لم يسر أيضًا بصورة منتظمة، وعلى درجة واحدة من الإتقان، ومن العمق، فأصبح عندنا نظريات استطعنا أن ندرك فيها عمق التفكير الفقهي الموررث، وهناك نظريات ما زالت في بداياتها من ناحية الصياغة والشمول. فنظرية العقد في الفقه الإسلامي مثلًا، نضجت بما فيه الكفاية، لأنا نستعملها كمفتاح نستطع به أن ندرك كثيرًا من العقود الإسلامية، فهمًا، أو إنشاء، - في حين أن الشخصية الاعتبارية وأحكامها ما زالت في بداية الطريق. ٣ - الأمر الثالث الذي يجعل الإنسان غير قادر على أن يتصل الاتصال المرجو

стр. 15

بالتراث هو قضية المصطلحات، فلكل عصر ولكل مذهب ولكل علم مصطلحاته الدقيقة، التي إذا ما فقدها القارئ المعاصر، أو طالب العلم، أو الباحث فإنه لا يدرك كثيرًا مما أمامه، ويقف هذا حجر عثرة دون الفَهْم العميق، أو الفهم المتأني. ٤ - أما الأمر الرابع فهو قضية فقد العلوم الخادمة، فكل علم من هذه العلوم كان يعتمد على بنية فكرية، هي عبارة عما حصله العالم من درس في مختلف العلوم الأخرى، فالذي كتب في الفقه درس قبله المنطق، ودرس علم الكلام، ودرس ما كانوا يسمونه بعلم الوضع، ودرس النحو، ودرس البلاغة، ودرس علوم العربية، ودرس الأصول، ودرس علومًا كثيرة أخرى، كوّنت نسيجه الفكري، وكوَّنت بنيته الذهنية، فجلس وهو يتكلم في الفقه يتكلم بهذه الأداة التي تولَّدت عنده في ذهنه من دروسه المختلفة، نحن الآن عندما نريد أن نعادل شهادات الكليات، فإننا نطلع على كمِّ الدراسة، وكم الساعات، وكم المعلومات التي تلقاها طالب معين في جامعة بعينها، حتى نرى ما إذا كان مساويًا لما تلقاه الآخر في جامعة أخرى. إن كمَّ الساعات التي كان يتلقاها الفقيه قديمًا كان يشتمل على علومٍ كثيرةٍ، قد تغيب عنا، وعن كثير من المطلعين اليوم. كل هذا أَثَّر في إنشاء العبارة، وفي الأداء، وفي الصياغة، وفي كتابة العلوم بصورة عامة. ولهذا لما كتب الفقه رأيناه وكأنه مُسْتَبطِن للمنطق، ومُسْتَبطِن لما عليه علماء الكلام من مفاهيم، ومُسْتَثطِن أيضًا لما عليه علماء الحكمة العالية وعلماء الأصول. وهكذا في كل فن، وفي كل علم عندما كان صاحبه يصوغه، فإنه يصوغه متأثرًا بما قد تلقاه من درس في حياته العلمية، فكانت العلوم بعضها يخدم بعضًا، وتكون نسيجًا وبنيةً فكريةً واحدةً ومتسقةً في نفس الوقت. وفهم هذا الجانب أمرُ أساس حتى نفهم بدقة كلام الأقدمين، وحتى نستطيع بعد ذلك أن نكمل المسيرة، ونبني كما بنوا. ٥ - أما الأمر الخامس فهو قضية الصياغة اللغوية والمنطقية، والتي تحتم علينا أن ندرك فلسفة اللغة وعلاقتها بما في الأذهان، وبما في الأعيان. هذه الصياغات لا بد علينا أن نقف عندها كثيرًا، وأن نعيها بطريقة أساسية، حتى تصبح مفتاحًا لنا لقراءة التراث كله بكافة تشعباته، وبكافة أنواعه. هذه هي الأمور الخمسة التي ينبغي أن تُعالجَ بشيء من التفصيل، ولا أدعى أن هذه

стр. 16

الأمور الخمس هي فقط التي نحتاجها لفك شفرة التراث، لكنها هي أهم المحاور على كل حال، كما أنني أريد أن أبين أن الاتصال بالتراث على درجات ومستويات مختلفة. ونحن الآن في المستوى الأول منه، ولكننا إذا أردنا أن نتقدم خطوة إلى الأمام، أو أن ننتقل نقلة نوعية، فإننا ينبغي علينا أن نعالج هذه الموضوعات بمستوى آخر غير الذي سنعالجه في هذه العجالة. فالمستويات منها ما هو مبتدئ، ومنها ما هو متوسط، ومنها ما هو منتهي. * * *

стр. 17

الفصل الثاني من مداخل التراث ذكرنا في الفصل الأول أن الأمر الثالث الذي نستطع به أن نفك شفرة التراث، هو قضية المصطلحات، ومعرفة مبادئ العلوم، وقواعد وفوائد حول العلم الذي ندخل فيه. ولنضرب مثلًا بفقه الشافعية، ثم الحنفية، ثم المالكية، ثم الحنابلة.. * * * مذهب الشافعية ترجمة الإمام الشافعي: هو: أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف. ولد في سنة ١٥٠ هـ بغزة، ومات بمصر في سنة ٢٠٤ هـ. وقد قدم الشافعي مكة صغيرًا، ونشأ يتيمًا فقيرًا في حجر والدته، حتى إنها لم يكن معها ما تعطي المعلم. حفظ الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى القرآن، ولما يتجاوز سبع سنين، وكان يقرأ على إسماعيل بن قسطنطين، وكان شيخ أهل مكة في زمانه، وأخذ العلم عن شيوخ مكة منهم: سفيان بن عيينة إمام أهل الحديث، ومسلم بن خالد الزنجي فقيه مكة، وسعيد بن سالم القداح، وداود بن عبد الرحمن العطار، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي داود. وقد حيل بين الشافعي رحمه اللَّه تعالى وبين الرحلة إلى الإمام الليث بن سعد بمصر. ثم رحل ﵀ إلى المدينة للأخذ عن علمائها وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فقد كان حفظ موطأ الإمام مالك، وأراد أن يتلقاه عن الإمام مالك نفسه، وقد استصغر الإمام مالك سِنَّه في أول الأمر، وطلب من الشافعي أن يحضر معه من يقرأ له، فلما سمع قراءة الشافعي أعجب مالك بها جدًّا، لفصاحة الشافعي وجودة قراءته، وقد لازمه من سنة ١٦٣ هـ، وحتى وفاته سنة ١٧٩ هـ. كما أخذ بالمدينة أيضًا عن إبراهيم بن سعد الأنصاري، وعبد العزيز بن محمد الداراوردي، وإبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، ومحمد بن سعيد بن أبي فديك، وعبد الله ابن نافع الصائغ صاحب ابن أبي ذئب.

стр. 18

وكان أول أخذه العلم عن علماء بغداد سنة ١٨٤ هـ، وخاصة الإمام محمد بن الحسنن صاحب الإمام أبي حنيفة صاحب المذهب المشهور، فتلقى جميع مصنفاته، ودرس مذهب الحنفية دراسة واسعة. كما أخذ ببغداد عن: وكيع بن الجراح، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وأبو أسامة حماد بن أسامة الكوفي، وإسماعيل ابن علية، وهؤلاء الأربعة من حفاظ الحديث النبوي. وقد أقام الشافعي مدة ببغداد، سافر بعدها عائدًا إلى بلده مكة، ليعقد بها أول مجالسه في الحرم المكي. ثم عاد الشافعي من مكة إلى بغداد، وذلك سنة ١٩٥ هـ، وقد بلغ من العمر خمس وأربعون سنة، وقد استوى عالماً له منهجه المتكامل، ومذهبه الخاص به. وقد كان للشافعي في هذه الرحلة الثانية أثر واضح على الحياة العلمية في بغداد. ثم رجع الإمام الشافعي ﵀ إلى مكة، ليعود إلى بغداد مرة أخيرة في سنة ١٩٨ هـ، إلا أنه لم يمكث في هذه المرة الأخيرة غير بضعة أشهر عزم فيها على الرحيل إلى مصر. غادر الإمام الشافعي ﵀ بغداد بعد أن نشر بها مذهبه، وترك بها عددًا كبيرًا من أصحابه تولوا بعده نشر المذهب، والتصنيف فيه، حتى أصبحت لهم مدرسةً متميزةً خاصة بهم داخل المذهب الشافعي، عرفت بطريقة العراقيين. وكان الإمام الشافعي ﵀ يعرف جيدًا أحوال مصر قبل قدومه إليها، فقد سأل الربيع عن أهل مصر قبل أن يرحل إليهم فقال الربيع: هم فرقتان، فرقة مالت إلى قول مالك، وتاضلت عنه، وفرقة مالت إلى قول أبي حنيفة وناضلت عنه. فقال الإمام الشافعي ﵀: أرجو أن أقدم مصر إن شاء اللَّه، فآتيهم بشيء أشغلهم به عن القولين جميعًا، فكان كما قال ﵀. وكان شديد الحب لأصحابه، واسع الجود معهم، يقضي لهم حوائجهم، ويساعدهم في أمورهم. ولقد علم الشافعي كثيرًا من الناس، وله تلامذة في بغداد، وله تلامذة في مصر، وله أيضًا تلامذة في خراسان. هكذا ينبغي علينا أن نتصور صورة لهذا المذهب، كيف نشأ؟ وكيف نقل إلينا؟ وكيف نستيطع أن نتعامل معه؟ فالإمام الشافعي ﵀ قد ألف أكثر من ثلاثين كتابا،

стр. 19

وكثير من هذه الكتب قد وصل إلينا، وبعضها قد فقد، ولم يصل إلينا، وكثير مما وصل إلينا قد طبع، وعلينا أن نتتبع هذا كله. وقد مر المذهب الشافعي بعدة أطوار: أ - طور الإعداد والتكوين: وابتدأ هذا الطور بعد وفاة الإمام مالك سنة ١٧٩ هـ، واستمر فترة طويلة حيث استغرق حوالي ستة عشر عامًا، إلى أن قدم الإمام الشافعي إلى بغداد للمرة الثانية سنة ١٩٥ هـ. ب - طور الظهور للمذهب القديم: واحتلت هذه المرحلة الفترة الزمنية من وقت قدوم الشافعي بغداد المرة الثانية سنة ١٩٥ هـ، وحتى رحيله إلى مصر سنة ١٩٩ هـ. ج - طور النضج والاكتمال لمذهبه الجديد: وبدأ بقدومه إلى مصر سنة ١٩٩ هـ، وحتى وفاته بها سنة ٢٥٤ هـ. د - طور التخريج والتذييل: ابتدأ على يد أصحاب الشافعي، من بعد وفاة الإمام الشافعي، وامتد حتى منتصف القرن الخامس تقرييًا - وبعض الباحثين يصل به إلى القرن السابع الهجري - وفي هذا الطور نشط الأصحاب إلى استخراج المسائل من أصول المذهب. هـ - طور الاستقرار: حيث استقرت مدارس المذهب، وتم الجمع بينها، والانتهاء من الترجيح فيما اختلف فيه علماء المذهب، ثم وضعت الكتب المختصرة في المذهب التي تشمل على الراجح في المذهب، وشرح هذه المختصرات بطريقة مدرسية.

стр. 20

أسس المذهب الشافعي: من مداخل التراث ١ - اتباع الكتاب والسنة: لا شك في شدة اتباع الإمام الشافعي ﵀ للسنة النبوية الشريفة حتى إنه قال: كل حديث عن النبي ﷺ فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني. ٢ - اتباع الحق والدليل: وهذه من أهم مميزات مذهب الإمام الشافعي ﵀، فما كان يحول بينه وبين اتباعه للدليل حائل من متابعة عمل أهل بلده، أو تقليد أحد من الأئمة السابقين عليه، فنجد مثلًا الإمام مالك يرى عمل أهل المدينة حجة يأخذ بها، ولا يدعه لمرويات أحد من أهل البلاد الأخرى، ويرى أن عمل أهل المدينة هو آخر الأمر من رسول الله ﷺ . بينما كان الإمام أبو حنيفة يأخذ بما كان عليه أهل بلده بالعراق، ولا يخالفهم. يقول الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- للإمام أحمد بن حنبل: أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحًا فأعلموني -: كوفيًّا كان، أو بصريًّا، أو شاميًّا، حتى أذهب إليه إن كان صحيحًا. ٣ - الاهتمام بأقوال الصحابة: حيث كان الشافعي يرى أن أقوال الصحابة فيما اتفقوا عليه حجة أما إذا اختلف الصحابة في مسألة، فيحتاج الأمر إلى الترجيح بينهم بدليل آخر. ويرى الشافعي أنه إذا انفرد الصحابي بقول ولم يوجد في المسألة نص من الكتاب، أو السنة أن هذا القول أولى من القياس. وإذا كان قول الصحابي في الأمور التي فيها مجال للاجتهاد، فقد رأى الإمام الشافعي أن قول الصحابي ليس بحجة على غيره من المجتهدين. ٤ - الأخذ بالقياس: وقف الإمام الشافعي في القياس موقفًا وسطًا، فلم يتشدد فيه تشدد الإمام مالك، ولم يتوسع فيه توسع الإمام أبي حنيفة، ومع هذا فكان الإمام الشافعي يرى للقياس أهمية كبيرة في العملية الفقهية، حتى جعله هو والاجتهاد بمعنى واحد، وكان ﵀ يقول: الاجتهاد القياس. ٥ - اعتبار الأصل في الأشياء: من الأسس التي بنى عليها الإمام الشافعي رحمه اللَّه

стр. 21

تعالى مذهبه فيما لم يرد فيه نص أن الأصل في المنافع الإباحة، والأصل في المضار التحريم. ٦ - الاستصحاب: وهو عبارة عن ثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول، فإذا عرفنا حكمًا من الأحكام في الزمن الماضي، ولم يظهر لنا ما يدل على عدمه، حكمنا الآن في الزمان الثاني بأنه لا زال باقيًا على ما كان عليه، لأنه لم يظن عدمه، وكل ما كان كذلك فهو مظون البقاء. ومن ذلك مثلًا: أن الأصل براءة ذمة الإنسان حتى يقوم الدليل على شغلها بواجب أو حق عليه، فنستصحب هذه البراءة فيما لو اتهم إنسان بدَيْن أو حق يتعلق بذمته، ولا بينة عليه، فنستصحب الأصل في براءة ذمته. ٧ - الاستقراء: وهو عبارة عن تتبع أمور جزئية ليحكم بحكمها على أمر يشتمل على تلك الجزئيات، حيمث يستدل بإثبات الحكم للجزئيات بعد تتبع حالها على ثبوت الحكم الكلي تلك الجزئيات، وبواسطة ثبوته للكلي يثبت للصورة المتنازع في حكمها. ومثاله: الاستدلال على أن الوتر مندوب وليس بواجب بأن الوتر يؤدى على الدابة في السفر، وقد ثبت بتتبع أحوال النبي ﷺ أنه ما كان يصلي الفرائض على الدابة، وإنما كان يصلي النوافل فقط، فلما صلى الوتر على الدابة علمنا أنه مندوب، وحملنا ما روى مما يوهم ظاهره وجوب الوتر على تأكيد الاستحباب. ١ - الأخذ بأقل ما قيل: حيث يرى الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى أن نأخذ بأقل ما قيل في المسألة، إذا كان الأقل جزء من الأكبر، ولم يجد دليلًا غيره. فهذا الأصل عند الإمام الشافعي يستعمله عند عدم وجود دليل آخر في المسألة، فيعمل به، لأنه قد حصل الإجماع الضمني على الأقل. ومثاله: دية الذمي، فقد اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال: فقيل: إنها ثلث دية المسلم. وقيل: إنها نصف دية المسلم، وهو مذهب المالكية. وقيل: إنها كدية المسلم، وهو مذهب الحنفية. فأخذ الإمام الشافعي بالثلث، بناء على أن الثلث أقل ما قيل في المسألة، وهو مجمع عليه؛ لأنه مندرج ضمن قول من أوجب النصف، أو الكل، والأصل براءة الذمة بالنسبة لمن سيدفع الدية، فلا يجب عليه شىء إلا بدليل، ولا دليل يوجب الزيادة

стр. 22

على الثلث، وإنما أوجبنا عليه الثلث للإجماع. فهذه هي الأدلة التي بنى عليها الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى، بالإضافة إلى ما قرره من قواعد في استثمار الأحكام من ألفاظ النصوص الشرعية، كقواعد العام والخاص، والمجمل والمبين، والمطق والمقيد. وعلى الجانب الآخر فقد رفض الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى بعض الأدلة التي قال بها غيره من الأئمة، حيث رأى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنها ضعيفة، لا يصح الاستدلال بها. ١ - فمما رده من الأدلة: المصالح المرسلة: فقد قبل الإمام مالك المصلحة المرسلة التي لم يرد عن الشارع اعتبارها أو إلغاؤها. فمن ذلك: أنه يجوز عند الإمام مالك ضرب المتهم بالسرقة حتى يقر. ولكن رد الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى هذا الدليل، ولم ير الأخذ به، وتابعه على ذلك جمهور العلماء. ٢ - ومما رده الإمام الشافعي رحمه الله تعالى من الأدلة: الاستحسان: فقد رأى الحنفية العمل بالاستحسان، وهو ترجيح القياس الخفي على القياس الجلي في بعض المسائل. ومن ذلك: تصحيح الحنفية بيع المعاطاة (بأن يأخذ المشتري بضاعته من البائع ويعطيه الثمن دون التعاقد باللفظ على ذلك) لاطراد عرف الناس وعادتهم على التعامل، فالأعصار لا تنفك عنها، ويغلب على الظن جريانها في عهد النبي ﷺ ، فجاز العمل بها استحسانًا. ورد الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى المعاطاة لمخالفتها لعموم الأدلة والقياس التي توجب التعاقد في عملية البيع، وتشترط الإيجاب والقبول، وليس المراد بالاستحسان: التشريع تبعًا للَّهوى، واستحسانًا له دون دليل شرعي، فهذا أمر اتفق الأئمة جميعًا على إبطاله ورده. ٣ - ومما رده الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: القول بعمل أهل المدينة: فقد ذهب الإمام مالك إلى أن عمل أهل المدينة فيما أجمعوا عليه حجة؛ لأنه الآخر من عمل النبي ﷺ .

стр. 23

ورد الشافعي هذا الدليل؛ لأن الصحابة قد انتشروا في البلدان مع الفتوح، وحمل كل منهم عن النبي ﷺ العلم الكثير ونشره في البلاد، فليس العلم بما كان الآخر من أمر النبي ﷺ ، مقتصرا على أهل المدينة. ٤ - ومن الأدلة المردودة في مذهب الشافعي: شرع من قبلنا: فقد ذهب بعض العلماء إلى أننا متعبدون بما صح من شرائع من قبلنا، بطريق الوحي إلى النبي ﷺ بما في شرعهم، لا بطريق كتبهم المبدلة. ولكن رد الشافعية هذا القول؛ لأن الإسلام قد نسخ كل الشرائع التي قبله، فلم يبق فيها حجة. قول الشافعي إذا صح الحديت فهو مذهبي: قال الشيخ تقي الدين السبكي في رسالته " معنى قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي ": " هو قول مشهور عنه، لم يختلف الناس في أنه قاله، وروي عنه معناه أيضًا بألفاظ مختلفة ". ونَقَلَ عن ابن الصلاح ﵀ أنه قال في كتاب الفتوى: "ممن حكى عنه أنه أفتى بالحديث في مثل ذلك: أبو يعقوب البويطي، وأبو القاسم الداركي، وهو الذي قطع به أبو الحسن إلكيا الطبري، وليس هذا بالهين، فليس كل فقيه يسوغ له أن يستقل بالعمل بما رآه حجة من الحديث. ثم قال السبكي ﵀: " وأما قول ابن خزيمة: " إنه لا يعرف لرسول اللَّه ﷺ سنة في الحلال والحرام لم يودعها - يعني الشافعي - كتبه " فقد يكون أودعها كتبه، وفي بعضها لم يتبين له صحتها، فيتبين بعد ذلك، أو لا يكون في الحلال والحرام كما في الصلاة الوسطى، أو يكون سنة لم يعلمها ابن خزيمة، أو يكون الشافعي قال ذلك على سبيل الفرض والتقدير. وأما ما قام الدليل عند الشافعي على طعن فيها، أو نسخها، أو تخصيصها، أو تأويلها، أو نحو ذلك، فليس الكلام فيه، وليس هذا تركًا لها، وإنما الترك للحديث أن لا يعمل به أصلًا، كما يقوله من يترك الحديث لعمل أهل المدينة، أو للقياس، أو لعدم فقه الراوي، أو لعمله، أو عمل صحابي بخلافه، ونحو ذلك، هذا هو الترك.

стр. 24

وأما الطعن في إسناد الحديث، أو بسبب علة، أو شذوذ؛ فذلك يمنع من الحكم بصحة الحديث، وكلامنا إنما هو إذا صح الحديث. والنسخ ليس تركًا، فالنسخ قد يوجد في القرآن، والتخصيص ليس تركًا، بل جمع يينه وبين العام. وقد تكلم الشافعي في الأحاديث المختلفات، والجمع بينها في كتاب " اختلاف الحديث " أحسن كلام، وكذلك العلماء كلهم. فهذا ليس هو المراد هنا، وإنما المراد: الترك المطلق، ولم يقع ذلك للشافعي أصلًا، ولا تقتضيه أصوله ". ثم قال السبكي: " في كلام الشافعي هذه فوائد قد امتاز بها: إحداها: الفائدة التي قدمناها من جواز نسبته إليه، وفيها ثلاثة أشياء: أحدها: مجرد جواز نقله عنه. والثاني: أنه إذا أراد أحد تقليده فيه جاز له ذلك، إذا كان ممن يجوز له التقليد. والثالث: إذا كان العلماء كلهم إلا الشافعي على مقتضى حديث، والشافعي بخلافه لعدم اطلاعه، فإذا صح صارت المسألة إجماعية؛ لأنه لم يكن خالف فيها الشافعي، ويبين بالحديث أن قوله مرجوع فيه، أو لا حقيقة له، فلا ينسب إليه، بل ينسب إليه خلافه موافقة لبقية العلماء فيكون إجماعًا، فينقض قضاء القاضي بخلافه لمخالفته النص والإجماع. ولو اتفق ذلك لغير الشافعي ممن لم يقل مثل قوله: كان نقض القاضي به لمخالفته النص فقط، لا لمخالفته الإجماع، فهذه أشياء في هذه الفائدة الواحدة. الفائدة الثانية: أن الأحاديث الصحيحة ليس فيها شيء له معارض متفق عليه، والذي يقوله الأصوليون من أن خبر الواحد إذا عارضه خبر متواتر، أو قرآن، أو إجماع، أو عقل إنما هو فرض، وليس شيء من ذلك واقعًا، ومن ادعى ذلك فليبينه حتى نرد عليه. وكذلك لا يوجد خبران صحيحان من أخبار الآحاد متعارضان بحيث لا يمكن الجمع يينهما. والشافعي قد استقرأ الأحاديث، وعرف أن الأمر كذلك، وصرح به في غير موضع من كلامه، فلم يكن عنده ما يتوقف عليه العمل بالحديث إلا صحته، فمتى صح

стр. 25

وجب العمل به، لأنه لا معارض له، فهذا بيان للواقع. والذي يقوله الأصوليون مفروض، وليس بواقع، وهذه فائدة عظيمة وإليها الإشارة بقوله: " إذا صح الحديث ... "، حيث أطلقه، ولم يجعل معه شرطًا آخر. الفائدة الثالثة: أن العلماء رضوان اللَّه عليهم لكل منهم أصول، وقواعد بنى مذهبه عليها، لأجلها رَدَّ بعض الأحاديث، وأما الشافعي فليس له قاعدة يرد بها الحديث، فمتى صح الحديث قال به، والمعارض - الذي لو وقع كان معارضًا عنده، وعند غيره هو: المعقول، أو الإجماع، أو القرآن، أو السنة المتواترة - لم يقع أصلًا، وقد صان اللَّه شريعته عن ذلك، فكان في قول الشافعي: " إذا صح الحديث فهو مذهبي " إشارة إلى ذلك. الفائدة الرابعة: في عموم الألف واللام من قوله " الحديث "، سواء أكان حجازيًّا، أم عراقيًّا، أم شاميًّا، خلافًا لمن لم يقبل إلا أحاديث الحجاز. فهذه أربع فوائد، في الفائدة الأولى ثلاثة أشياء، فصارت ستة، لم توجد في كلام بقية الأئمة " انتهى ما أردته. * * * أقوال الإمام: قال الشيرازي: مسألة: تخريج الشافعي المسألة على قولين جائز، وذهب من لا يعتد بخلافه إلى أن ذلك لا يجوز، وربما قالوا: إن ذلك لا يجوز من جهة أنه لا يجوزأن يعتقد المجتهد في الحادثة قولين متضادين، ولا سيما على قوله: إن الحق من قول المجتهدين في واحد، وما عداه باطل، وربما قالوا: إن تخريج المسألة على قولين يدل على نقصان الآلة، وقلة العلم، حتى لم يعرف الحق من القولين، ويحتاج أن يخرج المسألة على قولين. وهذا خطأ؛ لأن ما ذكر عن الشافعي فيه قولان -: على وجوه، ليس في شيء منها ما يتوجه عليه اعتراض: فمنها: أن يذكر قولًا في القديم، ثم يذكر قولًا آخر في الجديد، فيكون مذهبه الثاني منهما، والأول مرجوع عنه، ويكون القولان له ﵀ كالروايتين عن الإمامين أبي حنيفة، ومالك، وسائر الفقهاء ﵏.

стр. 26

ومنها: أن يذكر قولين، ثم يدل على تصحيح مذهبه منهما بأن يقول: " هذا أشبه وأقرب إلى الصواب "، أو يُفسِد الآخر، ويقول: " هو مدخول فيه، أو منكسر "، فيبين أن مذهبه هو الآخر، أو يُفَرَّع على أحدهما، ويترك الآخر، فيعلم أنه هو المذهب. فما كان منه على هذه الوجوه لا اعتراض عليه فيه؛ لأنه لم يجمعْ بين القولين في الاختيار فينسب إلى أنه اعتقد قولين متضادين في مسألة واحدة، ولا تَوَقَّفَ عن القطع بأحدهما، فيقال: إنه عجز عن إدراك الحق. فإن قيل: إن كان مذهبه أحد القولين على ما ذكرتم، فما الفائدة في ذكر القولين؟ قلنا: إنما ذكر ذلك ليعلِّم أصحابه طرق العلل واستخراجها، والتمييز بين الصحيح من الفاسد من الأقاويل، وهذه فائدة كبيرة، وغرض صحيح. وقد يكون من ذلك ما ينص فيه على قولين، ولا يبين مذهبه منهما. قال القاضي أبو حامد: " ولا نعرف له ما هذا سبيله إلا في ست عشرة مسألة، أو سبع عشرة مسألة ". فهذا أيضًا لا اعتراض عليه فيه، لأنه لم يذكرهما على أنه مُعْتقِد لهما، وكيف يقال هذا وهما قولان منصوصان. وإنما ذكرهما؛ لأن الحادثة تحتمل عنده هذين القولين، ولم يرجحْ بعد أحدهما على الآخر، فذكرهما ليطلب منهما الصواب فأدركه الموت قبل البيان، وليس في ذلك نقض على المجتهد، بل يدلك ذلك على غزارة علمه، وكمال فضله حين تزاحمت عنده الأصول، وترادفت الشبه حتى احتاج إلى التوقيف إلى أن ينكشف له وجه الصواب منهما فيحكم به. فإن فيل: إذا لم يَبِنْ له الحق من القولين، ولم يكن مذهبه القولين، فما الفائدة في ذكر القولين؟ قلنا: فائدته أن الحق في واحد من هذين القولين غير خارج منهما، وأن ما عداهما من الأقاويل باطل، وفي ذلك فائدة كثيرة، وغرض صحيح. ولهذا جعل أمير المؤمنين ﵀ الأمر شورى في ستة، ولم ينص على واحد بعينه ليبين أن الإمامة لا تخرج منهم، ولا تطلب من غيرهم، فكذلك ها هنا.

стр. 27

مسألة: إذا ذكر في القديم قولًا، ثم ذكر في الجديد غيره، فمذهبه هو الثاني، والأول مرجوع عنه. ومن أصحابنا من قال: لا يكون رجوعًا عن الأول ما لم يصرح بالرجوع. لنا: أنهما قولان متضادان، فالثاني منهما تَرْكُ الأول، كما تقول في النصين المتضادين عن النبي ﷺ . ولأنه إذا أفتى في القديم بإحلال شيء، ثم أفتى في الجديد بتحريمه، فقد أفتى ببطلان الأول، فلا يجوز أن يكون ذلك قولًا له كما لو صَرح بالرجوع عنه. واحتج المخالف: بأنه جوز أن يجمع بين القولين في حالة واحدة، ويكونا قولين له، فكذلك يجوز أن يذكر القولين في وقتين، ويكون ذلك قولين له. قلنا: إذا ذكر في موضع واحد قولين، لم يمكن أن يجعل أحدهما رجوعا عن الآخر، فيحمل ذلك على أنه ذكرهما لينظر بهما. وفي مسألتنا ذكر أحدهما بعد الآخر، فجعل الثاني رجوعًا عن الأول، يدل عليه: أن صاحب الشرع لو ذكر قولين متضادين في وقت واحد، لم يجعل أحدهما ناسخًا للآخر، بل يجمع بينهما، ويرتب أحدهما على الآخر، ولو أنه ذكر ذلك في وقتين مختلفين جعل الثاني ناسخًا للأول، كما في مسألتنا. مسألة: إذا نص الشافعي في مسألة على قولين، ثم أعاد المسألة، وذكر فيها أحد القولين، أو فَرَّعَ على أحد القولين، كان ذلك اختيارًا للقول المعاد، والقول المفرَّع عليه في قول المزني ﵀. ومن أصحابنا من قال: ليس في ذلك دليل على الاختيار. فما: أن الظاهر أن مذهبه هو الذي أعاده، أو فَرَّعَ عليه؛ لأنه لو كان مقيما على القولين لأعادهما، وفَرَّعَ عليهما، ولما أفرد أحدهما بالإعادة والتفريع، دَلَّ على أنه هو الذي يذهب إليه ويختاره من القولين.

стр. 28

واحتج المخالف: بأنه يجوز أن لا يعيد أحد القولين اكتفاءً بما عُرِفَ له من القولين، ويجوز أن يُفَرع على أحدهما على أن معنى أن هذا القول أوضح فلا يكون ذلك اختيارًا له قطعًا. قلنا: يحتمل ما ذكروه، ولكن الظاهر ما قلناه، ولأن الإنسان لا يفتى إلا بما ذهب إليه، ولا يُفَرع إلا على مذهبه. مسألة: إذا نَصَّ ﵀ في مسألة على حكم، ونَصَّ في غيرها على حكم آخر، وأمكن الفصل بين المسألتين: لم ينقل جواب إحداهما إلى الأخرى، بل تحمل كل واحدة منهما على ظاهرها. ومن أصحابنا من قال: ينقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى، فيُخَرج المسألتين على قولين. لنا: أن القول إنما يجوز أن يضاف إلى الإنسان إذا قاله، أو دل عليه بما يجري مجرى القول فأما ما لم يقله، ولم يدل عليه، فلا يحل أن يُنْسب إليه. ولأن الظاهر أن مذهبه في إحدى المسألتين خلاف مذهبه في الأخرى؛ لأنه نص فيهما على المخالفة، فلا يجوز الجمع بين ما خالف. واحتج المخالف: بأنه لما نَصَّ في إحدى المسألتين، وفي نظائرها على غيره، وجب أن تحمل إحداهما على الأخرى، ألا ترى أن اللَّه تعالى لما نَصَّ في كفارة القتل على الإيمان، وأطلق في كفارة الظهار، قِسْنا إحداهما على الأخرى، واعتبرنا الإيمان فيهما؟ كذلك ها هنا. قلنا: نَصَّ على الإيمان في إحدى الكفارتين، وأَطْلَق في الأخرى، فقِسْنا ما أَطْلَق على ما قَيَّدَ. وفي مسألتنا صَرَّحَ في كل واحدة من المسألتين بخلاف الأخرى، فلا يجوز حمل إحداهما على الأخرى، كما تقول في صيام الظهار والتمتع، لما نص على التتابع في إحداهما، وعلى التفريق في الأخرى لم يجعل حمل أحدهما على الآخر.

стр. 29

مسألة: لا يجوز أن ينسب إلى الشافعي ﵀ ما يُخَرَّج على قوله، فيجعل قولًا له. ومن أصحابنا من قال: يجوز. لنا: أن قول الإنسان ما نَصَّ عليه، أو دل عليه بما يجري مَجْرَى النص، وما لم يقله، ولم يدل عليه، فلا يحل أن يضاف إليه، ولهذا قال الشافعي: "ولا ينسب إلى ساكت قول" واحتج المخالف: بأن ما اقتضاه قياس قوله جائز أن ينسب إليه، كما ينحسب إلى اللَّه، وإلى رسوله ما دل عليه قياس قولهما. قلنا: ما دل عليه القياس في الشرع، لا يجوز أن يقال: إنه قول اللَّه ، ولا قول رسول اللَّه ﷺ ، وإنما هذا دين اللَّه، ودين رسوله ﷺ بمعنى أنهما دلًا عليه، ومثل هذه الإضافة لا تصح في قول الشافعي فسقط ما قالوه. قالوا: لا خلاف أنه لو قال فيمن باع شقصًا مشاعًا من دار: " إن للشفيع فيه الشفعة " كان ذلك قوله في الأرض، والبستان، والحانوت، وإن لم يذكرهما فكذلك هاهنا. قلنا: إنما جعلنا قوله في الدار قوله في سائر ما ذكرتم من العقار؛ لأن طرق الجمع متساوية، والفرق بين الدار وغيرها لا يمكن، فجوابه في بعضها جوابه في الجميع، وكلامنا في مسألتين يمكن الفرق بينهما، فأجاب في إحداهما بجواب، فلا يجوز أن يجعل ذلك قولى في الأخرى. مسألة: إذا قال الشافعي في مسألة بقول، ثم قال: " ولو قال قائل بكذا كان مذهبًا" لم يجز أن يجعل ذلك قولًا له. ومن أصحابنا من جعل ذلك قولًا له. لنا: أن قوله: " ولو قال قائل بكذا كالن مذهبًا " ليس فيه دليل على أنه مذهبه، وإنما هو إخبار عن بيان احتمال المسألة لما فيها من وجوه الاجتهاد، فلا يجوز أن يجعل له هذا القول قولا.

стр. 30

واحتجوا: بأن قوله " ولو قال قائل بكذا كان مذهبًا " ظاهرٌ أنه يحتمل هذا القول ويحتمل ما ذكروه، فصار كما قال: هذه المسألة تحتمل قولين. والجواب: أن أكثر ما فيه أنه دل على ذلك، فيحتمل في الاجتهاد، وهذا لا يدل على أنه مذهب له. ألا ترى أنَّا نقول أبدًا في مسائل الخلاف: هذه مسألة يسوغ فيها الاجتهاد، ثم لا يقتضي ذلك أن تكون تلك المذاهب أقوالًا " اهـ كلام الشيرازي. * * * طريقتا المذهب، وطبقات الأصحاب: الإمام الشافعي - رحمه اللَّه تعالى - كانت له تلامذة نشروا مذهبه في بغداد - في العراق - وآخرون نشروا مذهبه في خراسان، وآخرون نشروا مذهبه في مصر، وأصبحت هناك طريقتان كبيرتان في العالم، طريقة الخراسانيين، وطريقة العراقيين في تناول مذهب الإمام الشافعي. وبدأت كل طريقة في التميز عن أختها ابتداء من أصحاب الشافعي كما سنذكره، ْوأصبح لكل فريق طريقة معينة في التفكير الفقهي، وفي الاستنباط، وفي الأصول، إلا أنهما يعملان سويًّا من خلال أصول الشافعي بالجملة، وظل الحال هكذا إلى أن وصلنا إلى اتحاد الطريقتين مرة أخرى في تلامذة القفال المروزي. وأخذت الطريقتان تتلاشيان حتى انتهتا تماما في عصر الإمام الرافعي، ومن بعده الإمام النووي، ولم يعد بعد ذلك ما كان يذكر في هذه العصور من الفرق بين طريقة أصحابنا الخراسانيين، وأصحابنا العراقيين. وهذه الصورة للمذهب نجدها عند الإمام النووي حينما ذكر سلسلة التفقه التي تلقاها في الفقه الشافعي. * * سلسلة المذهب الشافعي: يقول الإمام النووي رحمه اللَّه تعالى: فأما أنا فأخذت الفقه قراءة وتصحيحًا وسماعًا وشرحًا وتعليقًا عن جماعات أولهم شيخي الإمام أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي ثم المقدسي، ثم شيخنا أبو عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم المقدسي، ثم الدمشقي مفتي دمشق، ثم شيخنا أبو حفص عمر بن أسعد بن أبي طالب الربعي، ثم الأربلي، وتفقه شيوخنا على الإمام أبي عمرو ابن الصلاح،

стр. 31

وتفقه هو على والده فأخذ عنه الطريقتين. أما طريقة العراقيين: فعلى ابن سعيد عبد اللَّه بن محمد بن هبة اللَّه بن علي بن أبي عسرون الموسوي، وتفقه أبو سعيد على القاضي أبي علي الفارقي، وتفقه الفارقي على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، الذي تفقه على القاضي أبي الطيب الطبري طاهر بن عبد الله، وأبو الطيب تفقه على أبي الحسن الماسرجسي محمد بن علي بن سهل بن مصلح، وتفقه أبو الحسن الماسرجسي على أبي إسحاق المروزي إبراهيم بن أحمد، وتفقه المروزي على ابن سريج، وهو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج، وتفقه ابن سريج على أبي القاسم عثمان بن باشر الأنماطي، وتفقه الأنماطي على المزني، أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى، وتفقه المزني على الإمام الشافعي. والإمام الشافعي على جماعة منهم: مالك بن أنس، والإمام سفيان بن عيينة، والإمام أبو خالد مسلم بن خالد الزنجي. أما الإمام مالك: فتفقه على ربيعة الرأي عن أنس، وعلى نافع عن ابن عمر. وأما الإمام سفيان بن عيينة فعلى: عمرو بن دينار عن ابن عمر، وابن عباس ﵃. وأما الإمام أبو خالد مسلم بن خالد الزنجي: فعلى عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس. وأخذ ابن عباس عن النبي ﷺ ، وعن جماعات من الصحابة منهم: عمر بن الخطاب، وعلي، وزيد بن ثابت ﵃ جميعًا عن سيدنا رسول اللَّه ﷺ . يقول الإمام النووي: وأما طريقة أصحابنا الخراسانيين، فأخذتها عن شيوخنا المذكورين عن ابن الصلاح عن والده عن أبي القاسم بن البزري الجزري عن إلكيا الهراسي أبي الحسن علي بن محمد بن علي، والذي تفقه على إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد اللَّه بن يوسف الجويني عن والده أبي محمد الجويني عن القفال المروزي الصغير، والذي تفقه على أبي زيد المروزي محمد بن أحمد بن عبد اللَّه، وأخذ أبو زيد عن أبي إسحاق المروزي عن ابن سريج على ما سبق. ومن هنا يتبين لنا أن ابن الصلاح كان قد تلقى الطريقتين، وأن طريقة العراقيين، والخراسانيين ما زالتا تدرسان حتى عصر ابن الصلاح الذي جمع بينهما كما جمع

стр. 32

بينهما قبل ذلك أبو إسحاق المروزي أيضًا. وأبو إسحاق المروزي هو: إبراهيم بن أحمد صاحب الشرح، قال عنه الإمام النووي: وحيث أطلق أبو إسحاق في المذهب فهو المروزي، كان إمامًا جليلًا غواصًا على المعاني ورعًا زاهدًا، وهو إمام جماهير أصحابنا، وشيخ المذهب، وإليه تنتهي طريقة أصحابنا العراقيين، والخراسانيين - كما قدمنا في سلسلة الفقه - تفقه على أبي العباس بن سريج، وانتهت إليه رئاسة العلم ببغداد، وانتشر العلم عن أصحابه في البلاد، شَرَح المختصر (يعني مختصر المزني) ، وصنف في الأصول، ونشر مذهب الشافعي في العراق، وسائر الأمصار، وأخذ عنه الأئمة، وانتشر الفقه من أصحابه في البلاد، وخرج إلى مصر آخر عمره. قال العبادي: وقعد في مجلس الشافعي بمصر سنة القرامطة، واجتمع عليه الناس، وضربوا إليه أكباد الإبل، وسار في الآفاق عن مجلسه سبعون إمامًا من أصحاب الشافعي، وتوفي بها سنة ٣٤٠ هـ. طبقات الخراسانيين: إذا ألقينا الضوء على خراسان نجد أن مدائن خراسان كانت أربعة: نيسابور، وهراة، وبلخ، ومرو، ومرو أعظمها ولهذا يعبر أصحابنا بالخراسانيين تارة، وبالمراوزة أخرى، والمراد بمرو إذا أطلقت مرو الشاهجان، والشاهجان معناه: روح الملك. وأما مرو الروذ: فإنها تستعمل مقيدة، والروذ هو النهر بلغة فارس، والنسبة إلى مرو: المروزي، وإلى مرو الروذ المرورذي، وقد تخفف إلى المروذي. والشافعية بخراسان كانت الطبقة الأولى منهم هي طبقة أصحاب الشافعي: منهم إسحاق بن راهويه الحنظلي، ومنهم حامد بن يحيى بن هانئ البلخي، وقد أخذ عن الشافعي، وأكثر عن سفيان بن عيينة، ومات ٢٠٢ هـ في حياة الشافعي، ومنهم أبو سعيد الأصفهاني الحسن بن محمد بن نريد، وهو أول من حمل علم الشافعي إلى أصفهان، ومنهم أبو الحسين النيسابوري علي بن سلمة بن شقيق، ومات ٢٥٢ هـ. والطبقة الثانية طبقة تلامذتهم، وعلى رأسهم: أبو بكر بن إسحاق بن خزيمة صاحب الصحيح، ومنهم أبو عبد اللَّه محمد بن نصر المروزي، الذي ولد ببغداد سنة ٢٠٢ هـ،

стр. 33

ونشأ بنيسابور، وتفقه بمصر على أصحاب الشافعي، وسكن بسمرقند إلى أن توفي سنة ٢٩٤ هـ، ومنهم أبو محمد المروزي عبدان بن محمد بن عيسى، تفقه على المزني، ومنهم أبو عاصم فضيل بن محمد الفضيلي الكبير الفقيه، فقيه هراة ومفتيها، ومنهم أبو الحسن الصابوني، ومنهم أبو سعيد الدارمي، ومنهم أبو عمرو الخفاف رئيس نيسابور، ومنهم أبو عبد اللَّه محمد بن إبراهيم العبدي البوُشنجي. ثم بعد ذلك تلتهم طبقة ثالثة هي طبقة تلامذة هؤلاء، وعلى رأسهم: أبو علي الثقفي، وأبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الصبغى، وأبو بكر المحمودي المروزي، وأبو الفضل يعقوب بن إسحاق بن محمود الهروي. ثم بعد ذلك تلتهم طبقة رابعة هي تلامذة الطبقة الثالثة، ومنهم أبو إسحاق المروزي تلميذ ابن سريج، والذي تلتقي عنده سلسلة الطريقتين كما ذكرنا عن النووي سابقًا، ومنهم أيضا أبو الوليد حسان بن محمد القرشي النيسابوري، ومنهم أبو الحسين النسوي، ومنهم أبو بكر البيهقي، ومنهم أبو منصور عبد اللَّه بن مهران، وهو من أكابر أصحاب الوجوه. وتأتي بعد ذلك الطبقة الخامسة، وعلى رأسهم: أبو زيد المروزي، وأبو سهل الصعلوكي، وأبو العباس الهروي، وأبو حفص الهروي وغيرهم. وهكذا تأتي الطبقة السادسة من تلامذتهم، وعلى رأسهم: وأبو بكر القفال المروزي شيخ الطريقة، وأبو الطيب الصعلوكي، وأبو يعقوب الأبيوردي، وأبو إسحاق الإسفراييني. ثم تأتي الطبقة السابعة، وعلى رأسهم: القاضي الحسين، وأبو علي السنجي، وأبو بكر الصيدلاني. ثم تأتي الطبقة افامنة من الخراسانيين، وعلى رأسهم: إمام الحرمين والذي قد ألف كتابه الكبير " نهاية المطلب في دراية المذهب "، وسنرى كيف أنه كان بداية لسلسلة كتب الشافعية. ثم تأتي الطبقة التاسعة، وهي من أواخر طبقات هذه السلسلة، فمنهم إلكيا الهراسي، وأبو سعد المتولي، ومحيي السنة البغوي، والروياني، ومنهم أيضًا إمام الحرمين، وحجة الإسلام الغزالي.

стр. 34

كتب الخراسانيين: هناك الكثير من كتب الخراسانيين، أشهرها مصنفات أبي علي السنجي الذي شرح مختصر المزني، والذي سماه إمام الحرمين بالمذهب الكبير، وأيضا شرح تلخيص ابن القاص، وشرح فروع ابن حداد، التي اهتم الخراسانيون بشرحها كثيرا. قال النووي: واعلم أنه متى أطلق القاضي في كتب متأخري الخراسانيين كالنهاية، والتتمة، والتهذيب، وكتب الغزالي، ونحوها فالمراد القاضي الحسين، ومتى أطلق القاضي في كتب متوسطي العراقيين فالمراد القاضي أبو حامد المرورذي. وقال ابن السبكي: ومن كتب الخراسانيين وأتباعهم: تعليقة القاضي حسين، والفتاوى له، والسلسلة للجويني، والجمع والفرق له، والنهاية لإمام الحرمين، والتهذيب للبغوي، والإبانة للفوراني، والعمدة للفوراني أيضا، وتتمة الإبانة للمتولي، والبسيط، والوسيط، والوجيز، والخلاصة للغزالي، وشرح الوسيط لشيخنا ابن الرفعة، وإشكالات الوسيط والوجيز للعجيلي، وحواشي الوسيط لابن السكري، وإشكالات ْالوسيط لابن الصلاح، والشرح الكبير للرافعي، والشرح الصغير له، والتهذيب له، والروضة للنووي، ومختصر المختصر للجويني، وشرحه المسمى بالمعتبر، والمحرر، والمنهاج، وتذكرة العالم لأبي علي بن سريج، واللباب للشيشي اهـ. طبقات العراقيين: ذاك ما كان من أمر الخراسانيين، أما طبقات طريقة العراقيين، فأولها كان من طبقة أصحاب الشافعي، منهم: أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي الذي تفقه على الإمام مباشرة، ومنهم أحمد بن حنبل الإمام المشهور، ومنهم أبو جعفر الخلال أحمد ابن خالد البغدادي، ومنهم أبو جعفر النهشلي ثم البغدادي، ومنهم أبو عبد اللَّه الصيرفي، ومنهم أبو عبد الرحمن أحمد بن يحيى بن عبد العزيز البغدادي، ومنهم الحارث بن سريج النقال وهو الذي نقل كتاب الشافعي " الرسالة " إلى عبد الرحمن بن مهدي ومات ٢٣٦ هـ، ومنهم الحسن بن عبد العزيز المصري نزيل بغداد، ومنهم الكرابيسي الحسين بن علي البغدادي الذي مات في ٢٤٨ هـ. والطبقة الثانية من العراقيين، كان على رأسهم: أبو القاسم الأنماطي، وأبو بكر

стр. 35

النيسابوري، وأبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي، والقاضي أبو عبيد علي بن الحسين بن حربويه البغدادي، وأبو إسحاق الحربي، وأبو الحسن المنذري. والطبقة الثالثة من العراقيين، كان على رأسهم: ابن سريج وهو شيخ الأصحاب، وسالك سبيل الإنصاف، وصاحب الأصول والفروع، وناقض قوانين المعترضين على الشافعي: أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج القاضي البغدادي شيخ الشافعية في عصره، ومنهم أبو سعيد الاصطخري، ومنهم أبو علي بن الخيران، ومنهم أبو حفص المعروف بابن الوكيل: عمر بن عبد اللَّه البغدادي. والطبقة الرابعة، وهم تلامذة الثالثة، على رأسهم أبو إسحاق المروزي، ومنهم أبو علي بن أبي هريرة، وأبو الطيب محمد بن فضل بن مسلمة البغدادي، وأبو بكر الصيرفي البغدادي، وأبو العباس بن القاضي، وأبو جعفر الاستراباذي، وأبو بكر أحمد ابن الحسين بن سهل الفارسي صاحب " عيون المسائل في نصوص الشافعي "، ومات ٣٥٠ هـ، ومنهم أيضا أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن القطان المتوفي ٣٥٩ هـ. ثم جماءت الطبقة الخامسة من بعدهم، وعلى رأسهم: الداركي وهو: أبو القاسم عبد العزيز بن عبد اللَّه البغدادي شيخ العراق، ومنهم أبو على الطبري، ومنهم أبو الحسن بن المرزبان. ثم جاءت الطبقة السادسة من بعدهم، وهم تلامذة الطبقة الخامسة، وعلى رأسهم: أبو حامد الإسفراييني أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي الذي توفي في ٤٠٦ هـ، ومنهم أبو الحسن الماسرجسي، ومنهم أبو الفضل النسوي. ثم جاءت الطبقة السابعة، منهم أبو الحسن الماوردي صاحب كتاب الحاوي، والقاضي أبو الطيب، وسليم بن أيوب الرازي، وأبو الحسن المحاملي والشاشي، والبندنيجي، والقاضي أبو سعيد الأبيوردي. ثم جاءت الطبقة الثامنة، وهي من خواتم طريقة العراقيين: منهم القاضي أبو السائب عقبة بن عبد الله بن موسى الهمداني، وأبو الحسن المحاملي الكبير، وأبو سهل أحمد بن زياد، والفقيه البغدادي، وأبو بكر محمد بن عمر الزبادي البغدادي، وأبو محمد الجوزجاني، وأبو الطيب الصائد الخلال صاحب كتاب العراقيين.

стр. 36

كتب العراقيين: أهم كتب كانت لطريقة العراقيين، يقول فيها الإمام النووي: واعلم أن مدار كتب أصحابنا العراقيين أو جماهيرهم مع جماعات من الخراسانيين، على تعليق الشيخ أبي حامد وهو في نحو خمسين مجلدًا، جمع فيه من النفائس ما لم يشارك في مجموعه من كثرة المسائل والفروع، وذكر مذاهب العلماء وبسط أدلتها والجواب عنها. قال: واعلم أن نسخ تعليق الشيخ أبي حامد تختلف في بعض المسائل، وقد نبهت على كثير من ذلك في شرح المهذب. ومن كتبهم أيضًا: يقول الإمام السبكي: تعليقة الشيخ أبي حامد الإسفراييني، والذخيرة للبندنيجي، والدريق للشيخ أبي حامد، وتعليقة البندنيجي أيضا، والمجموع والأوسط للمحاملي، والمقنع، واللباب، والتجريد للمحاملي، وتعليقة القاضي أبي الطيب الطبري، والحاوي، والإقناع للماوردي، واللطيف لأبي الحسين بن خيران، والتقريب والمجرد لسليم، والكفاية لسليم، والكفاية للعبدري، والتهذيب لنصر المقدسي، والكافي وشرح الإشارة له، والكفاية للمحاجري، والتلقين لابن سراقة، وتذنيب الأقسام للمرعشي، والكافي للزبيدي، والمطارحات لابن اللقان، والشافي للجرجاني، والتجريد له، والمعاياة له، والبيان للعمراني، والانتصار لابن عسرون، والرشد له، والتنبيه والإشارة له، والشامل لأبي نصر بن الصباغ، والعدة لأبي عبد اللَّه الحسين بن علي الطبري، والبحر للروياني، والحلية للشاشي، والحلية للروياني، والتنبيه للمصنف - يعني أبا إسحاق الشيرازي - وشرحه لابن يونس، وشرحه لشيخنا ابن الرفعة، ودفع التمويه عن مشكلات التنبيه لأحمد بن كتاسب. فقه الطريقتين والجمع بينهما: يقول الإمام النووي في فقه الطريقتين: اعلم أن نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه ووجوه متقدمي أصحابنا أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالبًا، والخراسانيون أحسن تصرفًا وبحثا وتفريعًا وترتيبًا. يقول تاج الدين السبكي في ترجمة الإمام أبي علي الحسين بن شعيب بن محمد السنجي: أول من جمع بين الطريقتين.

стр. 37

وقال أيضًا عن الفوراني: إنه ذكر في خطبة الإبانة أنه بين الأصح من الأقوال والوجوه، قال التاج السبكي: وهو من أقدم المبتدئين لهذا الأمر. ثم قام إمام الحرمين بجمع طرق المذهب ووجوه الأصحاب المتقدمين في عمله العظيم نهاية المطلب في علم المذهب، وقام بالترجيح فيما اختلف فيه الأصحاب، في ضوء قواعد المذهب، وسار تلميذه الغزالي من بعده على نهجه وأكمل ما بدأه وهذبه، وفتح المجال لتهذيب المذهب وتنقيحه، ذلك الغرض الذي خُدم وخُتم بجهود الإمامين الرافعي والنووي، ولهذا استحقا لقب الشيخين. أعلام الشافعية: صنف الإمام النووي كتابه المشهور تهذيب الأسماء واللغات، جمع فيه ما وقع من ذلك في مختصر المزني، والمهذب، والتنبيه، والوسيط، والوجيز، والروضة، وقال ﵀: " وخصصت هذه الكتب بالتصنيف؛ لأن الخمسة الأولى منها مشهورة بين أصحابنا يتداولونها أكثر تداول، وهي سائرة في كل الأمصار، مشهورة للخواص والمبتدئين في كل الأقطار ... ". كما تشتمل طبقات ابن هداية اللَّه الحسيني على مهمات أعلام الأصحاب. وسنذكر منهما ما تمس إليه الحاجة على سبيل الاختصار. فمن ذلك: أبو أمية الطرسوسي: محمد بن إبراهيم، ت ٢٧٣ هـ. أبو إسحاق: حيث أطلق في المذهب فهو المروزي، يأتي. أبو إسحاق الإسفرايني: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، ت ٤١٨ هـ. أبو إسحاق الشيرازيْ إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد اللَّه الشيرازي، ت ٤٧٢ هـ. أبو إسحاق المروزي: إبراهيم بن أحمد المروزي، شيخ المذهب، وإليه ينتهي طريقة الخراسانيين والعراقيين، ت ٣٤٠ هـ. أبو الحسن المارودي: علي بن محمد بن حبيب، صاحب الحاوي (مطبوع) وغيره، ت ٤٥٠ هـ. أبو الحسن الماسرجسي: محمد بن علي بن سهل بن مفلح، ت ٣٨٤ هـ. أبو الحسين بن القطان: أحمد بن محمد بن أحمد بن القطان البغدادي، ت ٣٥٩ هـ.

стр. 38

أبو الربيع الإيلاقي: طاهر بن محمد بن عبد اللَّه، ت ٤٦٥ هـ. أبو الطيب الصعلوكي: سهل بن محمد بن سليمان العجلي، ت ٣٨٧ هـ. أبو الطيب الطبري: القاضي طاهر بن عبد الله بن طاهر، ت ٤٥٠ هـ. أبو العباس ابن سريج: أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، إمام الأصحاب، تفقه على أبي القاسم الأنماطي، وتفقه الأنماطي على المزني، توفي ابن سريج ٣٠٦، وعد مجدد قرنه. أبو العباس بن القاص: أحمد بن أبي أحمد القاص الطبري، صاحب التلخيص، ت ٣٣٥ هـ. أبو القاسم الداركي: عبد العزيز بن عبد اللَّه، ٣٧٥ هـ. أبو الوليد النيسابوري: حسان بن محمد بن أحمد بن هارون، ٣٤٩ هـ. أبو بكر الإسماعيلي: أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني، ت ٣٧١ هـ. أبو بكر الصبغي: أحمد بن إسحاق، ت ٣٤٢ هـ. أبو بكر الصيرفي: محمد بن عبد اللَّه، ت ٣٣٠ هـ. أبو بكر النيسابوري: عبد اللَّه بن محمد بن زياد، ت ٣٢٤ هـ. أبو بكر بن الحداد: محمد بن أحمد القاضي المصري صاحب كتاب الفروع، من مشهورات كتب المذهب، ت ٣٤٥ هـ. أبو بكر بن المنذر: محمد بن إبراهيم بن المنذر، صاحب التصانيف، ت ٣٠٩ هـ. أبو بكر بن لال: أحمد بن علي بن أحمد، ت ٣٧٨ هـ. أبو ثور: إبراهيم بن خالد الكلبي، ت ٢٤٠ هـ. أبو حامد الإسفراييني: أحمد بن محمد بن أحمد، شيخ طريقة العراق، ت ٤٥٦ هـ. أبو حامد المروروذي: أحمد بن بشر بن عامر القاضي، ت ٣٦٢ هـ. أبو زيد المروزي: محمد بن أحمد بن عبد الله، ت ٣٧١ هـ. أبو سعد المتولي: عبد الرحمن بن مأمون، صاحب تتمة الإبانة، ت ٤٧٨ هـ. أبو سعيد الاصطخري: الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى، ت ٣٢٨ هـ. أبو سهل الصعلوكي: محمد بن سليمان بن محمد العجلي، ت ٣٦٩ هـ.

стр. 39

أبو طاهر الزبادي: محمد بن محمد بن مَحْمِش بن علي، ت بعد ٤٠٠ هـ. أبو عبد الله الزبيري: الزبير بن أحمد بن سليمان، من نسل الزبير بن العوام (، توفي الزبيري قبل ٣٢٠ هـ. أبو علي النقفي: محمد بن عبد الوهاب النيسابوري، ت ٣٢٨ هـ. أبو علي السنجي: الحسين بن شعيب، أخذ على القفال والشيخ أبي حامد شيخا الطريقتين، وجمع بينهما في تصانيفه. أبو على الطبري: الحسن بن القاسم، ت ٣٥٠ هـ. أبو علي بن أبي هرورة: القاضي الحسن بن الحسين البغدادي، ت ٣٤٥ هـ. الأبيورفى ي: أبو منصور علي بن الحسين ت ٤٨٧ هـ، وأبو سهل أحمد بن علي ت ٤٨٣ هـ. الأذرعي: شهاب الدين أحمد بن عبد اللَّه الأذرعي، صاحا " جمع التوسط والفتح بين الروضة والشرح "، وغنية المحتاج شرح المنهاج الفروعي، وقوت المحتاج شرح المنهاج الفروعي أيضا أكبر من الأول، وهو المراد بالقوت عند الإطلاق، ت ٧٠٨ هـ. الأنمماطي: عثمان بن سعيد بن بشار، ت ٢٨٨ هـ. الأودني: أبو بكر محمد بن عبد الله الأودني، ت ٣٨٥ هـ. الإسنوي: جمال الدين عبد الرحيم بن الحسن، صاحب التمهيد، والمهمات، وشرح المنهاج الأصولي، وغيره، ت ٧٧٢ هـ. إمام الحرمين: ضياء الدين أبو المعالي عبد الملك بن الشيخ أبي محمد الجويني، صاحب التصانيف، وإمام الأصحاب، والإمام عند الإطلاق في كتب الفروع، ت ٤٧٨. ابن أبي عصرون: أبو سعد عبد اللَّه بن محمد بن هبة اللَّه الموصلي، ت ٥٨٥ هـ. ابن أبي هر - روة: القاضي الحسن بن الحسين البغدادي، ت ٣٤٥ هـ. ابن الرفعة: أبو يحيى نجم الدين أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، صاحب الكفاية شرح التنبيه، والمطلب شرح الوسيط، وغيرها، وهو ضيخ السبكي، ت ٧٣٥ هـ. ابن السبكي: جمال الدين، وتاج الدين، وبهاء الدين. ابن الصباغ: أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد، صابا الشامل، ت ٤٧٧ هـ. ابن الصلاح: تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الكردي، صاحب

стр. 40

التصانيف كالمقدمة في المصطلح، والفتاوى، وشرح مسلم وغيرها، ت ٦٤٣ هـ. ابن المنذر: محمد بن إبراهيم بن المنذر، ت ٣٠٩ هـ. ابن بنت الشافعي: أحمد بن محمد بن عبد اللَّه المطلبي الشافعي نسبًا ومذهبًا، أبوه ابن عم الإمام الشافعي، وأمه زينب بنت الإمام الشافعي ﵀، من كبار أئمة الأصحاب المتقدمين، لم يكن في آل شافع بعد الإمام الشافعي أجل منه. ابن بَرهان: أبو الفتح أحمد بن علي بن بَزهان، ت ٥١٨ هـ. ابن خزيمه: محمد بن إسحاق، شمس الأئمة، صاحب الصحيح، ت ٣١١ هـ، وسيأتي مزيد بيان في الحنفية عمن يعرف بابن خزيمة. ابن خيران: علي بن الحسين بن صالح بن خيران البغدادي، ت ٣١٠ هـ تقريبًا. ابن سريج: أبو العباس ابن سريج، تقدم. ابن كج: القاضي يوسف بن أحمد الدينوري، ت ٤٠٥ هـ. ابن مرزبان: أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي، ت ٣٦٦ هـ. الاستراباذي: أحمد بن محمد أبو جعفر الاستراباذي. البغوي: محصي السنة الحسين بن مسعود البغوي، صاحب التهذيب، شرح السنة، وغيرها، ت ٥١٠ هـ. البندنيجي: القاضي أبو علي الحسن بن عبد اللَّه، صاحب الجامع والذخيرة، ت ٤٢٥ هـ. بهاء الدين بن السبكي: أبو حامد أحمد بن علي، شارح التلخيص البلاغي، وغيره، ت ٧٧٣ هـ. البُوشنجي: أبو عبد اللَّه محمد بن إبراهيم البوشنجي ت ٢٩٠ هـ، وأبو سعيد إسماعيل بن أبي القاسم عبد الواحد بن إسماعيل، ت ٥٣٠ هـ. البويطي: أبو يعقوب يوسف بن يحيى القرشي، ت ٢٣١ هـ. البيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين، صاحب التصانيف، ت ٤٥٨ هـ. تاج الدين بن السبكي: شيخ الإسلام عبد الوهاب بن على، ت ٧٧١ هـ. الجرجاني: جماعة منهم: أبو أحمد محمد بن أحمد، ت ٣٧٣ هـ. وأبو العباس الجرجاني أحمد بن محمد القاضي صاحب كتاب المعاياة (مطبوع) والتحرير، والبلغة، ت ٤٨٢ هـ.
следующие страницы →