← Фикх шафии

Фикх шафии · id 279

إتحاف الأريب بشرح الغاية والتقريب

أبو المعاطي الشبراوي

Полный текст (499 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مُقَدِّمَة الحمدُ للهِ القائلِ في كِتَابِهِ الكَريمِ: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، والصَّلاةُ والسَّلامُ على نبيِّنا محمَّدٍ القائلِ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (١)، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ الغُرِّ المَيامينِ، وعلى مَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ. أمَّا بعدُ: فهذا الجزءُ الثَّاني مِن «مكتبة المبتدئِ في طَلَبِ العِلْمِ»، وقد كانَ الجزءُ الأوَّلُ في «العقيدةِ»، وهو شرحٌ لمتن «أصول السنة»؛ للإمام أحمد بن حنبل ﵀، سَمَّيْتُه «لطائفُ المِنَّةِ بشرحِ أُصُولِ السُّنَّةِ». وبَعْدَ أن انتهيتُ مِنه بِحَوْلِ اللهِ وقُوَّتِه؛ شَرَعْتُ فِي الجزءِ الثَّاني، وهو في الفِقْهِ، وقد اخترتُ مَتْنَ «الغاية والتَّقريب» في الفقهِ الشَّافعيِّ، ووشَّيْتُه بشرحٍ لطيفٍ سمَّيْتُه: «إتحافُ الأريبِ بشرحِ الغايةِ والتَّقريبِ». ومِن المَعْلُومِ أنَّ الفقهَ دلائلُ ومسائلُ، ولذا كانت المتونُ المصنَّفةُ فيه على نوعين:

стр. 2

النَّوعُ الأوَّلُ: متونُ الدلائل، وفيها يعتني المُصَنِّفُ بأدِلَّةِ الأحكامِ الشَّرْعِيَّةِ العَمَلِيَّة، مِثْلُ: «عُمدة الأحكامِ»، و «مُنتقى الأخبارِ»، و «بلوغ المَرامِ»، وغَيْرِها. النَّوعُ الثَّاني: متون المسائل، وفيها يعتني المُصَنِّفُ بذكرِ المسائلِ الفقهيَّةِ مُجَرَّدَةً عن دلائلِها، مثلُ: «مِنهاج الطَّالبين»، و «عُمدة السالِك»، و «الغاية والتَّقريبُ». وقد أحببتُ أن أَجْمَعَ بينَ الحُسْنَيَيْنِ فأذْكُرُ الأدِلَّةَ الشَّرعيَّةَ على المسائلِ المذكورةِ فِي هذا المتنِ المبارَكِ؛ لِيَكونَ القارئُ على بَصيرةٍ بأدلَّةِ الأحكامِ الفِقْهِيَّة، عِنْدَ السَّادَةِ الشَّافِعِيَّة. ولما كان هذا الشرحُ مقصودًا به طالب الفقه في أُولى مراحله، رغبتُ عن ذِكْرِ الخلافِ وتحريرِ الراجحِ من الأقوال، وأنصحُ الطالبَ في هذه المرحلةِ أن لا يشغلَ نفسَهُ بالخلافِ والرَّدِّ على المخالفين، فإنَّ ذلك يَقْطَعُهُ عَنِ الطَّلَبِ غالبًا. والمتأمِّلُ في متنِ «الغاية والتَّقريب» يجدُ أنَّه مِن أَجْمَعِ وَأَبْدَعِ وأَخْصَرِ ما صُنِّفَ في فقهِ الإمامِ الشَّافعيِّ ﵀، ولذلك حَظِيَ باعتناءِ العلماءِ قديمًا وحديثًا، فقاموا بشرحِه، ونَظْمِه، وعملِ الحواشي على شُروحِه، فمنْ شُرَّاحِهِ: ١ - أبو بكرِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤْمنِ الحُسينيُّ، الحصنيُّ، المُتوفَّى سنةَ (٨٢٩ هـ)، واسمُ شرحِه «كفايةُ الأخيارِ في حَلِّ غايةِ الاختصارِ».

стр. 3

٢ - محمَّدُ بنُ قاسمٍ الغَزِّيُّ المُتوفَّى سنةَ (٩١٨ هـ)، واسمُ شَرْحِه «فتحُ القريبِ المجيبِ في شرحِ ألفاظِ التَّقريبِ»، أو «القولُ المختارُ في شرحِ غايةِ الاختصارِ». وعلى هذا الشَّرحِ حَوَاشٍ، من أشهرها: حاشيةُ الشَّيْخِ إبراهيمَ بنِ محمَّدِ بنِ أحمدَ البَيْجوريِّ المُتوفَّى سنةَ (١٢٧٧ هـ)، واسمُ حاشيتِه «توضيحُ البَيْجوريِّ على شرحِ ابنِ قاسمٍ لمتنِ أبي شُجاعٍ». ٣ - وَلِيُّ الدِّينِ البصيرُ المُتوفَّى بعدَ سنةِ (٩٧٢ هـ)، واسمُ شرحِه «النهايةُ في شرحِ الغايةِ». ٤ - محمَّدٌ الخطيبُ الشِّربينيُّ المُتوفَّى سنةَ (٩٧٧ هـ)، واسمُ شرحِه «الإقناعُ في حَلِّ ألفاظِ أبي شُجاعٍ». وعلى هذا الشَّرحِ حَوَاشٍ، من أشهرها: حاشيةُ الشَّيْخِ سُليمانَ بنِ محمَّدِ بنِ عمرَ البُجَيْرِمِيِّ المصريِّ الشَّافعيِّ المُتوفَّى سنةَ (١٢٢١ هـ)، واسمُ حاشيتِه «تحفةُ الحبيبِ على شرحِ الخطيبِ». ٥ - أحمدُ بنُ القاسمِ العبَّاديُّ المُتوفَّى سنةَ (٩٩٤ هـ)، واسمُ شرحِه «فتحُ الغفَّارِ بكشفِ مخبَّآتِ غايةِ الاختصارِ». ٦ - مُصطفى دِيب البغا، وذكرتُه وهو مِن المعاصرين؛ لكثرةِ استفادتِي منه، واسمُ شَرْحِهِ «التذهيبُ في أدِلَّةِ مَتْنِ الغايةِ والتَّقريب». وممن نَظَمَهُ؛ شَرَفُ الدِّينِ العِمْرِيطيُّ المُتوفَّى سنةَ (٨٩٠ هـ)، وسمَّاهُ «نهايةُ التدريبِ في نَظْمِ غايةِ التَّقريبِ».

стр. 4

أسألُ اللهَ تَعَالَى أنْ يَنْفَعَ بهذا العملِ، وأنْ يَجْعَلَه خالصًا لوجهِه الكريمِ إنَّه بكلِّ جميلٍ كفيلٌ، وهو حَسْبُنا ونِعْمَ الوكيلُ، وصلَّى اللهُ وسَلَّمَ وباركَ على نَبِيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحْبِه أَجْمَعينَ. كتبه الشبراوي بن أبي المعاطي المصري الحسني السنبلاوين - دقهلية - بمصر

стр. 5

تَرْجَمَةُ أبِي شُجَاعٍ الأصْبَهَانِيُّ ﵀ اسْمُه ونَسَبُه: هو الإمامُ الفَقيهُ العلَّامةُ شِهابُ الدِّينِ أحمدُ بنُ الحسنِ بنِ أحمدَ، أبو شجاعٍ الأصبهانيُّ الشَّافعيُّ (١). وُلِدَ والدُه بعبَّادانَ وجَدُّه بأَصبهانَ، أمَّا هو فقد وُلِدَ بالبصرةِ سنةَ أربعٍ وثلاثينَ وأربَعِمِائة، قال ياقوتٌ الحَمَويُّ في الكلامِ على عبَّادانَ: وإليها يُنْسَبُ «القاضي أبو شجاعٍ أحمدُ بنُ الحسنِ بنِ أحمدَ الشَّافعيُّ العبَّادانيُّ، روى عنه السِّلفيُّ وقال: هو من أفرادِ الدَّهرِ، درَّسَ بالبصرةِ أَزْيَدَ مِن أَربعينَ سنةً في مَذهبِ الشَّافعيِّ» (٢). وقد عُمِّرَ أبو شُجاعٍ طويلًا حتى إنَّ العلَّامةَ الدَّرديريَّ قال: «إنَّه عاشَ مائةً وسِتِّينَ سنةً، وعلى الرَّغمِ مِن ذلك فإنَّه لم يَخْتَلَّ له عضوٌ مِن أعضائِهِ، وعندما سُئِلَ عن ذلك قال: «ما عصيتُ اللهَ تَعَالَى بعضوٍ منها في الصِّغَرِ، فحَفِظَها اللهُ عليَّ في الكِبَرِ» (٣). واشْتُهِرَ صِيتُ أبي شُجاعٍ في الآفاقِ بعِلْمِهِ وورَعِه ووَلِيَ

стр. 6

القَضاءَ سنةَ سبعٍ وأربعين وأربَعِمِائة، فكانَ مِثالًا للقاضي العادلِ الَّذي لا يَخْشَى في اللهِ لومةَ لائمٍ. وقد اسْتَوْطَنَ المدينةَ النَّبويَّةَ في آخِرِ حياتِه وعَمِلَ في خِدمةِ الحَرَمِ النَّبويِّ الشَّريفِ، حتَّى توفِّيَ سنةَ (٥٩٣ هـ) رَحِمَهُ اللهُ تعالى (١). من مؤلَّفاتِه: «شرحُ الإقناعِ» للماوَرْديِّ. «الغايةُ والتَّقريب» (٢).

стр. 7

مُقَدِّمِةُ صَاحِبِ الْمَتْن قال أبو شجاع ﵀: «سَأَلَنِي بَعْضُ الْأَصْدِقَاءِ حَفِظَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنْ أَعْمَلَ مُخْتَصَرًا فِي الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَرِضْوَانُهُ فِي غَايَةِ الِاخْتِصَار، وَنِهَايَةِ الْإِيجَازِ، لِيَقْرُبَ عَلى الْمُتَعَلِّمِ دَرْسُهُ، وَيَسْهُلَ عَلَى الْمُبْتَدِئِ حِفْظُهُ، وَأَنْ أُكْثِرَ فِيهِ مِنَ التَّقْسِيمَاتِ، وَحَصْرِ الْخِصَالِ، فَأَجَبْتُهُ إِلَى ذَلِكَ طَالِبًا لِلثَّوَابِ، رَاغِبًا إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي التَّوْفِيقِ لِلصَّوَابِ، إِنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ، وَبِعِبَادِهِ لَطِيفٌ خَبِيرٌ»، بَيَّنَ أبو شُجاعٍ ﵀ أنَّه إنَّما أَلَّفَ هذا المُختصَرَ في الفقهِ استجابةً لبعضِ الأصدقاءِ، رغبةً في ثوابِ اللهِ تعالى. والمُختصَرُ: هو ما قَلَّ لفظُه وكَثُرَ مَعناهُ. والفِقْهُ لغةً: الفَهْمُ، واصطلاحًا: العِلمُ بالأحكامِ الشَّرعيَّةِ العمليَّةِ المُكتسَبِ مِن أدلَّتِها التَّفصيليَّةِ. والإمامُ الشَّافعيُّ: هو محمَّدُ بنُ إدريسَ بنِ العبَّاسِ بنِ عُثمانَ بنِ شافعِ بنِ السَّائبِ بنِ عُبيدِ بنِ عبدِ يَزيدَ بنِ هِشامِ بنِ المطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافِ بنِ قُصَيِّ بنِ كِلابِ بنِ مُرَّةَ بنِ كعبِ بنِ لؤيِّ بنِ غالبٍ، الإمامُ، عالِمُ العصرِ، ناصرُ الحَديثِ، فقيهُ المِلَّةِ، أبو عبدِ اللهِ القُرشيُّ، ثُمَّ المُطَّلِبيُّ، المكِّيُّ، الغَزِّيُّ المَولِدِ، نَسيبُ

стр. 8

رسولِ اللهِ ﷺ وابنُ عَمِّه، فالمُطَّلِبُ هو أخو هاشمٍ والدِ عبدِ المُطَّلِبِ. وقد وَصَفَ أبو شُجاعٍ ﵀ هذا المتنَ بأنَّه في غايةِ الاختصارِ ونهايةِ الإيجازِ، والغايةُ والنِّهايةُ مُتقارِبانِ، وكذا الاختصارُ والإيجازُ. ثم وَصَفَ أبو شُجاعٍ ﵀ هذا المُخْتصَرَ بأنَّه يَقْرُبُ على المتعلِّمِ دَرْسُه، ويَسْهُلُ على المبتدئِ حِفْظُه، أيِ: استحضارُه على ظَهرِ قلبٍ لمَن يَرْغَبُ في حفظِ مُخْتَصَرٍ في الفقهِ. ثُمَّ بَيَّنَ -أيضًا- أنَّ مَن طَلَبوا منه عَمَلَ هذا المُختصرِ أرادوا أنْ يُكْثِرَ فيه مِنَ التَّقسيماتِ وحَصْرَ الخِصالِ، والسَّببُ في ذلك أنَّه أَسْهَلُ في الحِفْظِ. واللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 9

كتابُ الطَّهارة الكِتابُ في اللُّغةِ: مُشْتَقٌّ مِنَ الكَتْب، وهو الضَّمُّ والجَمْعُ، ومنه الكَتيبةُ إذا اجْتَمَعَ فُرسانُها، وسُمِّيَ كِتابًا لجمْعِه الحُروفَ والكلماتِ والجُمَلَ. وفي الاصطلاحِ: اسمٌ لجُملةٍ مِنَ العِلْمِ مُشْتَمِلةٍ على أبوابٍ وفصولٍ ومَسائلَ. والطَّهارةُ في اللُّغةِ: النَّظافةُ. وفي الاصطلاحِ: فِعْلُ ما تُستباحُ به الصَّلاةُ، مِن وُضوءٍ وغُسْلٍ، وتَيَمُّمٍ، وإزالةِ نجاسةٍ. «فَصْلٌ» في أنواع المِياهِ وأقسامِها قال أبو شجاع ﵀: «الْمِيَاهُ الَّتِي يَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِهَا سَبْعُ مِيَاهٍ»، المياهُ جَمْعُ ماءٍ، وَجَمَعَهُ وهو اسمُ جنسٍ يُطْلَقُ على القليلِ والكثيرِ؛ لاختلافِ أنواعِه، والجادَّةُ أنْ يَقولَ: «سبعةُ مِياهٍ»؛ لأنَّ مياه جَمْعُ ماءٍ، وهو مُذَكَّرٌ، والعددُ من ثلاثةٍ إلى تسعةٍ يخالِفُ المعدودَ؛ كما هو معلومٌ. ١ - «مَاءُ السَّمَاءِ»؛ أي: المطر؛ لقولِه تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ

стр. 10

مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، وغَيْرِها مِنَ الآياتِ. ٢ - «وَمَاءُ الْبَحْرِ»؛ أي: المالح؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رجلًا سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّا نَرْكَبُ البحرَ، ونَحْمِلُ معنا القليلَ مِنَ الماءِ، فإنْ تَوَضَّأْنا به عَطِشْنا، أَفَنَتَوَضَّأُ بماءِ البحرِ؟ فقالَ ﷺ : «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (١). ٣ - «وَمَاءُ النَّهْرِ»؛ أي: العذب، كالنيل والفرات وغيرهما؛ للإجْمَاع على جواز التَّطَهُّرِ به. ٤ - «وَمَاءُ الْبِئْرِ»؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّه قيلَ للنَّبيِّ ﷺ : أنتوضَّأُ مِن بئرِ بُضاعَةَ، وهي بئرٌ يُطْرَحُ فيها الحِيَضُ ولحمُ الكلابِ والنَّتْنُ؟ فقالَ ﷺ : «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (٢). ٥ - «وَمَاءُ الْعَيْنِ»، كالنَّابعةِ مِنَ الأرضِ أو الجبلِ، والأصلُ فيه الحديثُ السَّابقُ، والقياسُ على ماءِ البئرِ، وهو طاهرٌ بالإجماعِ. ٦ - «وَمَاءُ الثَّلْجِ»؛ لحديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا كبَّرَ في الصَّلاةِ سَكَتَ بَيْنَ التَّكبيرِ والقراءةِ هُنَيَّةً، فقالَ أبو هُريرةَ بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ سُكوتَكَ بَيْنَ التَّكبيرِ والقِراءةِ، ما تَقولُ؟ قالَ ﷺ أَقولُ: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا

стр. 11

بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ» (١). ٧ - «وَمَاءُ الْبَرَدِ»؛ للحديثِ السَّابقِ. ولو قالَ المصنِّفُ ﵀: ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، أو نَبَعَ مِنَ الأرضِ؛ لكانَ أَخْصَرَ مِن ذلك وأَعَمَّ، ولعلَّ عذرَهُ الوفاءُ بما سُئِلَ مِنْ أنْ يُكْثِرَ مِنَ التَّقسيماتِ. قال أبو شجاع ﵀: «ثُمَّ الْمِيَاهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: ١ - طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ؛ وَهُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ»؛ أيْ: طاهرٌ في نَفْسِه مطهِّرٌ لغَيْرِه، غيرُ مكروهٍ فِي سائرِ الاستعمالات، كالوُضوءِ والغُسلِ، وإزالةِ النَّجاسةِ مِن بَدَنٍ، أو ثوبٍ أو بُقْعَةٍ. والماءُ المُطْلَقُ: هو ما يُطْلَقُ عليه ماءٌ؛ مِن غيرِ زيادةٍ على هذه الكلمةِ، فالماءُ الَّذي لم يُذْكَرْ معه لفظٌ آخَرُ، أو ذُكِرَ معه لَفْظٌ آخَرُ لكنَّه يُمْكِنُ الاستغناءُ عنه؛ كماءِ البحرِ، وماءِ البئرِ؛ إذْ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في كلٍّ منهما: ماءٌ، مِن غيرِ حاجةٍ إلى ذِكرِ كلمةِ بحرٍ، أو بئرٍ، فهذا يُسَمَّى ماءً مُطْلَقًا، أمَّا الماءُ الَّذي يُذْكَرُ معه لفظٌ آخَرُ لا يُمْكِنُ حَذْفُه؛ كماءِ الوَرْدِ، وماءِ العِنَبِ؛ فلا يُعْتَبَرُ ماءً مُطْلَقًا؛ إذْ لا يُمكِنُ أنْ يُقالَ في كلٍّ منهما: ماءٌ مِن غيرِ لفظِ الوَرْدِ أو العِنَبِ. ٢ - «وَطَاهِرٌ مُطَهِّرٌ مَكْرُوهٌ؛ وَهُوَ الْمَاءُ الْمُشَمَّسُ»، أيْ طاهرٌ

стр. 12

في نَفْسِه، مطهِّرٌ لغيرِه، مكروهٌ استعمالُه في البَدَنِ، وُضوءًا وغُسلًا، وإزالةَ نجاسةٍ عنه، لا في الثَّوبِ ونحوِه، والمشمَّسُ: أيِ المسخَّنُ بِحَرِّ الشَّمسِ، ويَكونُ مكروهًا بثلاثةِ شُروطٍ: أ- أنْ يَكونَ ببلادٍ حارَّةٍ. ب- أنْ يَكونَ موضوعًا بأوانٍ قابلةٍ للطَّرْقِ، كالحديدِ والنُّحاسِ؛ لأنَّ الشَّمسَ إذا أَثَّرَتْ فيها خَرَجَ منها زُهومةٌ تعلو على وجهِ الماءِ، يُخْشَى إذا لاقتِ البدنَ أن تُسَبِّبَ البرص على ما قيل، ولا يَتأتَّى ذلك في إناءِ الذَّهبِ والفِضَّةِ؛ لصفاءِ جوهرِهِما، لكنَّهُ يَحْرُمُ استعمالُهُما على ما سيَأتِي ذِكْرُه إن شاء اللهُ تعالى. جـ- أنْ يَكونَ استعمالُه في البَدَنِ. ودليل كراهَتِه ما رُوِيَ عن عائشةَ ﵂ قالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ اللهِ ﷺ وقد سَخَّنْتُ ماءً في الشَّمسِ فقال: «لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» (١). ٣ - «وَطَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ؛ وَهُوَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ وَالْمُتَغَيِّرُ بِمَا خَالَطَهُ مِنَ الطَّاهِرَاتِ»؛ أيْ: طاهرٌ في نَفْسِه غَيْرُ مطهِّرٍ لغَيْرِه، وهو الماءُ المُسْتَعْمَلُ في رَفْعِ حَدَثٍ، كماءِ الوُضوءِ والغُسلِ؛ لحديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ»، فسئل أبو هريرة ﵁، كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولًا (٢).

стр. 13

والمتغيِّرُ بما خالَطَهُ مِنَ الطَّاهراتِ: أيِ الَّذي تَغَيَّرَ أَحَدُ أوصافِه مِن لونٍ أو طَعْمٍ أو ريحٍ بشيء من الطاهرات، كالمِلحِ والعَسَلِ والزَّعفرانِ ونحوِ ذلك، مما لا يُمْكِنُ فَصْلُها عنه بعدَ المخالَطةِ، أمَّا المتغيِّرُ بطُولِ المُكْثِ، أو بمخالِطٍ لا يَسْتَغْني عنه، كطُحْلَبٍ وغَيْرِه؛ فإنَّه باقٍ على طَهُورِيَّتِه. ٤ - «وَمَاءٌ نَجِسٌ وَهُوَ الَّذي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، وَهُوَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، أَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَتَغَيَّرَ، وَالْقُلَّتَانِ: خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيٍّ تَقْرِيبًا فِي الْأَصَحِّ»، الماءُ النَّجِسُ: أيِ المُتَنَجِّسُ بما حَلَّ فيه مِنَ النَّجاسةِ، وهو دُونَ القُلَّتينِ؛ لحديثِ ابنِ عُمرَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عن الماءِ يَكونُ بالفَلاةِ مِنَ الأرضِ، وما يَنُوبُه مِنَ السِّباعِ والدَّوابِّ، فقال: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» (١). وفي رواية: «لَا يَنْجُسُ» (٢). و «الفَلاةُ»: الصَّحْراءُ ونحوُها، و «يَنُوبُهُ»: أيْ يَرِدُ عليه، و «السِّباعُ»: كُلُّ حيوانٍ له نابٌ يَفْتَرِسُ به. و «القُلَّةُ»: الجَرَّةُ الكبيرةُ، وجمعُها قُلَلٌ، وقِلَالٌ، والمقصودُ قِلالُ هَجَرَ -وهي قريةٌ قريبةٌ مِنَ المدينةِ النَّبويَّةِ- و «الخَمْسُمائةِ

стр. 14

رِطلٍ»: ما يُساوي (١٩٠) لِترًا تقريبًا، أو سِعةَ مُكَعَّبٍ طُولُ حَرْفِه (٥٨) سَنتيمترًا، وبالمساحةِ سِعةَ ذراعٍ ورُبُعٍ طُولًا وعَرْضًا وعُمْقًا بذراعِ الآدميِّ، وهو شِبرانِ تقريبًا. ومفهومُ الحديثِ: أنَّه إذا كانَ أَقَلَّ مِن قُلَّتَيْنِ فإنَّه يَنْجُسُ ولو لم يَتَغَيَّرْ، ودَلَّ على هذا المفهومِ حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (١). فقد نَهى المستيقِظَ مِن نومِه عنِ الغَمْسِ؛ خَشيةَ تلوُّثِ يَدِه بالنَّجاسةِ غيرِ المرئيَّةِ، ومعلومٌ أنَّ النَّجاسةَ غيرَ المرئيَّةِ لا تُغَيِّرُ الماءَ، فلولا أنَّها تنجِّسُه بمجرَّدِ المُلاقاةِ لم يَنْهَهُ عن ذلك. وقولُه: «أَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَتَغَيَّرَ»، قال النَّوَوِيُّ ﵀: «أَجْمَعُوا أنَّ الماءَ القليلَ أو الكثيرَ، إذا وَقَعَتْ فيه نجاسةٌ، فغَيَّرَتْ طَعمًا أو لونًا أو ريحًا، فهو نَجِسٌ» (٢). «فَصْلٌ» في أحكامِ المَيتةِ وبيانِ ما يَطْهُرُ بالدِّباغ المَيْتَةُ في اللُّغَة: ما فارقته الحياة. وفي الاصطلاح: ما زالت حياتُه بغير ذكاة شرعية. فالحيوانُ إما أن يكونَ مِن جنس ما يؤكل لحمه، كالإبلِ

стр. 15

والبقرِ والغنمِ وغيرِ ذلك، فهذا يحل أكله بعد تذكيته بطريقة شرعية، فإن مات بغير تذكية شرعية -كأن مات مخنوقًا مثلًا، أو مُتَرَدِّيًا من على جبل- أو مات بتذكية غير شرعية -كأن قام بذبحه وثنيٌّ أو مجوسيٌّ- فهو ميتة، وأما ما لا يحل أكله من الحيوان فلا تُفِيدُهُ التَّذْكِية؛ لأنه يعدُّ ميتة في جميع الأحوال. قال أبو شجاع ﵀: «وَجُلُودُ الْمَيْتَةِ تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، إِلَّا جِلْدَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا»، الدِّباغُ: هو نَزعُ فُضولِ الجِلدِ مما يُعَفِّنُه مِن دَمٍ ونحوِه بشيءٍ حِرِّيفٍ، أيْ: لاذعٍ، بحيثُ لو وَقَعَ عليه الماءُ لم يَعُدْ إليه النَّتنُ والفَسادُ، يَقولُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» (١). فجلودُ المَيْتَةِ تَطْهُرُ بالدِّباغِ؛ سواءٌ في ذلك ما يُؤْكَلُ لَحْمُه، وما لا يُؤْكَلُ لَحْمُه؛ باستثناءِ الكلبِ والخِنزيرِ وما تَوَلَّدَ مِنْهُمَا ولو مع حيوانٍ طاهر؛ لأنَّهما نَجِسَانِ في حالِ الحياةِ، والدِّباغُ إنَّما يُطَهِّرُ ما نَجُسَ بالموتِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَعَظْمُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُهَا نَجِسٌ إِلَّا الْآدَمِيَّ»، عَظْمُ المَيْتَةِ وشَعْرُها نَجِسٌ؛ لأنَّه مِن أجزائِها، ولقولِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وتحريمُ ما ليس بحرامٍ ولا ضَرَرَ في أَكْلِه يَدُلُّ على نجاسَتِه، أمَّا الآدميُّ فلا تَنْجُسُ مَيْتَتُهُ؛ لقولِه تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].

стр. 16

«فَصْلٌ» في استعمالِ الأواني الأواني: جمع الجمع، والجمع آنية، والمفرد إناء. وعلاقةُ فَصْلِ استعمالِ الآنية بكتاب الطهارة أن الماء لا بد له من إناء يوضع فيه، ثم يستعمل هذا الماء من هذا الإناء، فالترتيب الطبيعي أن يأتي بأحكام الأواني. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَوَانِي»، يَحْرُمُ استعمالُ أواني الذَّهَبِ والفِضَّةِ في الأكلِ أو في الشُّرْبِ؛ لحديثِ حُذيفةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ» (١). ولحديثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» (٢). «فَصْلٌ» في السِّوَاك قال أبو شجاع ﵀: «وَالسِّوَاكُ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ حَالٍ، إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ لِلصَّائِمِ»، السِّواكُ يُطْلَقُ ويُرادُ به الفِعلُ، ويُطْلَقُ ويُرادُ به العُودُ الَّذي يُستاكُ به، وتَحْصُلُ السُّنَّةُ باستعمالِ كلِّ خَشِنٍ يُزيلُ

стр. 17

الوَسَخَ، وعُودُ الأراكِ المعروفُ بالسِّواكِ أَفْضَلُ، والسِّواكُ سببٌ لتطهيرِ الفمِ، موجِبٌ لمَرضاةِ الرَّبِّ، كما جاء في حديث عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (١). ولا يُسْتَحَبُّ السِّواكُ بعدَ الزَّوالِ للصَّائِمِ؛ لحديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَهُوَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا:»؛ أي: يَتَأَكَّدُ استحبابُه في هذه الأوقاتِ الثلاثَةِ: ١ - «عِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ مِنْ أَزْمٍ وَغَيْرِهِ»، الأَزْمُ: هو السُّكوتُ الطَّويلُ، وقِيلَ: تَرْكُ الأكلِ. ٢ - «وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ»؛ لحديثِ حُذيفةَ ﵁: «كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا قامَ مِنَ اللَّيلِ يَشُوصُ فاهُ بالسِّواكِ» (٣). ٣ - «وَعِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ»؛ لحديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي؛ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (٤).

стр. 18

وفي روايةٍ: «لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» (١). أيْ لأَمَرْتُهم أَمْرَ إيجابٍ، وهذا دليلٌ على الاستحبابِ المؤكَّدِ. «فَصْلٌ» في فروضِ الوُضوءِ وسُنَنِه الوُضوءُ في اللُّغةِ: مِنَ الوَضاءةِ، وهي الحُسْنُ والنَّظافةُ، والوُضُوءُ بالضَّمِّ: الفِعْلُ، وبالفَتْحِ: الماءُ المُعَدُّ له. وفي الاصطلاحِ: استعمالُ الماءِ في أعضاءٍ مخصوصةٍ مُفْتَتَحًا بِنِيَّةٍ. قال أبو شجاع ﵀: «فُرُوضُ الْوُضُوءِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: ١ - النِّيَّةُ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ»، وهو مأخوذٌ مِنْ قولِه تَعَالَى في آيةِ الوُضوءِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. فهذا يَقتضي أنَّ الوُضوءَ مأمورٌ به للصَّلاةِ، وهذا مَعنى النِّيَّةِ. ولحديثِ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢).

стр. 19

٢ - «وَغَسْلُ الْوَجْهِ»، وهو مأخوذٌ مِنَ الآيةِ -أيضًا- في قولِه تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. ٣ - «وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ»، وهو مأخوذٌ مِنَ الآيةِ -أيضًا- في قولِه تَعَالَى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. والمِرْفَقُ: هو مُجْتَمَعُ السَّاعدِ مع العَضُدِ، ويَدْخُلُ في وُجوبِ الغَسْلِ، وقد دَلَّ على ذلك حديثُ أبي هُريرةَ ﵁ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الوُضوءَ، ثم غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى حتَّى أَشْرَعَ في العَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ اليُسْرى حتَّى أَشْرَعَ في العَضُدِ، ثم مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَه اليُمْنَى حتَّى أَشْرَعَ في السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَه اليُسْرَى حتَّى أَشْرَعَ في السَّاقِ، ثُمَّ قال: «هكذا رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ» (١). ٤ - «وَمَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ»، وهو مأخوذٌ مِنَ الآيةِ -أيضًا- في قولِه تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. ولحديثِ المُغيرةِ بنِ شُعْبةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ «تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بناصِيَتِهِ، وعلى العِمامةِ» (٢). والنَّاصيةُ مُقَدَّمُ الرَّأسِ، وهي جُزءٌ منه، والاكتفاءُ بالمَسْحِ عليها دليلٌ على أنَّ مَسْحَ الجُزءِ هو المفروضُ. ٥ - «وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ»، وهو مأخوذٌ مِنَ الآيةِ -أيضًا- في قولِه تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].

стр. 20

والكَعْبانِ: هما العَظْمانِ النَّاتئانِ مِنَ الجانِبَيْنِ عند مَفْصِلِ السَّاقِ مع القَدَمِ، ويَدْخُلانِ في وُجوبِ الغَسْلِ، وقد دَلَّ على ذلك حديثُ أبي هُريرةَ ﵁ السَّابقُ. ٦ - «وَالتَّرْتِيبُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا»؛ لأنَّ آيةَ الوُضوءِ جاءتْ مُرَتَّبَةً، ولفعلِ النَّبيِّ ﷺ الثَّابتِ في الأحاديثِ الصَّحيحةِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَسُنَنُهُ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ: ١ - التَّسْمِيَةُ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ» (١). ٢ - «وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ»؛ لحديثِ حُمْرانَ مَوْلَى عُثمانَ بنِ عَفَّانَ أنَّه رأى عُثمانَ ﵁ دعا بإناءٍ فَأَفْرَغَ على كَفَّيْهِ ثلاثَ مَرَّاتٍ فَغَسَلَهُما، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ في الإناءِ؛ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَه ثلاثَ مَرَّاتٍ، وَيَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِه، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ

стр. 21

لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١). ٣ - «وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ»؛ للحديثِ السَّابقِ، ولحديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ ﵁ عندما قِيلَ له: تَوَضَّأْ لنا وُضوءَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فَدَعا بإناءٍ فَأَكْفَأَ منها عَلَى يديْهِ فَغَسَلَهُمَا ثلاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ مِن كَفٍّ واحدةٍ فَفَعَلَ ذلك ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قال: «هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٢). ٤ - «وَمَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ»؛ للحديثِ السَّابقِ، ولحديثِ الرُّبَيِّعِ بنتِ مُعَوِّذِ بنِ عَفْرَاءَ، أنَّها رأتِ النَّبيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ، قالتْ: «مَسَحَ رَأْسَهُ، وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ منه وَمَا أَدْبَرَ، وَصُدْغَيْهِ، وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً واحدةً» (٣). ٥ - «وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا بِمَاءٍ جَدَيدٍ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «مَسَحَ أُذنيْهِ بغيرِ الماءِ الَّذي مَسَحَ به رأسَه» (٤).

стр. 22

٦ - «وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ»؛ لحديثِ أنسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا تَوَضَّأَ أَخَذَ كفًّا مِن ماءٍ، فَأَدْخَلَهُ تحتَ حَنَكِه فَخَلَّلَ به لِحْيَتَه، وقال: «هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي » (١). ٧ - «وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ»؛ لحديثِ لَقِيطِ بنِ صَبِرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (٢). ٨ - «وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَؤوا بِمَيَامِنِكُمْ» (٣). ولحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في تنعُّلِه وتَرَجُّلِه وطُهورِه وفي شأنِه كُلِّه» (٤). ٩ - «وَالطَّهَارَةُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا»؛ لحديثِ عُثمانَ ﵁ قال: «ألا أريكم وُضوءَ رسولِ اللهِ ﷺ ؟»، ثم تَوَضَّأَ ثَلاثًا ثلاثًا (٥). ١٠ - «وَالْمُوَالَاةُ»، وهي التَّتابُعُ في التَّطهيرِ بينَ الأعضاءِ، بحيثُ لا يَجِفُّ الأوَّلُ قَبْلَ الشُّروعِ في الثَّاني، ودليلُها ما سَبَقَ مِن

стр. 23

حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ ﵁ وحديثِ عثمانَ ﵁ وغيرِهِما في صِفةِ وُضوءِ النَّبيِّ ﷺ . تنبيهٌ: كلُّ ما وَرَدَ في سُننِ الوُضوءِ ممَّا يوهِمُ ظاهرُه الوُجوبَ؛ دَلَّ على عَدَمِ الوُجوبِ؛ آيةُ الوُضوءِ الَّتي نَصَّتْ على الفرائِضِ. ويُسْتَحَبُّ الذِّكْرُ عندَ الوُضوءِ، ومِنَ الأذكارِ الثَّابتةِ حديثُ عُقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنِيِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (١). وزادَ في روايةٍ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ» (٢). «فَصْلٌ» في الاستنجاء الاستنجاءُ في اللُّغةِ: القَطْعُ، مأخوذٌ مِن نَجَوْتُ الشَّجرةَ، وأَنْجَيْتُها إذا قطعتَها، فكأنَّه يَقْطَعُ الأذى عنه. وفي الاصطلاحِ: إزالةُ ما يَخْرُجُ مِنَ السَّبيلينِ؛ سواءٌ بالغَسلِ، أو المَسحِ بالحِجارةِ ونحوِها عن مَوْضِعِ الخُروجِ وما قَرُبَ منه.

стр. 24

قال أبو شجاع ﵀: «وَالِاسْتِنْجَاءُ وَاجِبٌ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْأَحْجَارِ ثُمَّ يُتْبِعَهَا بِالْمَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْمَاءِ أَوْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يُنْقِي بِهِنَّ الْمَحَلَّ، فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَالْمَاءُ أَفْضَلُ»، الأفضلُ في الاستنجاءِ أنْ يَكونَ بالأحجارِ ثُمَّ إتباعُها بالماءِ؛ لما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قال: «نَزَلَتْ هذه الآيةُ في أهلِ قُباءَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، فَسَأَلَهُم رسولُ اللهِ ﷺ ، فقالوا: إنَّا نُتْبِعُ الحِجارةَ الماءَ (١). ويَجوزُ أنْ يَقْتَصِرَ على ثلاثةِ أحجارٍ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ، فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» (٢). وقالَ ابنُ مسعودٍ ﵁: أتى النَّبيُّ ﷺ الغائطَ فَأَمَرَني أنْ آتِيَهُ بثلاثةِ أحجارٍ، فوجدْتُ حَجَرَيْنِ، والتمستُ الثَّالثَ فلم أَجِدْهُ، فأخذتُ رَوْثةً، فأتيتُه بها، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وألقى الرَّوْثةَ، وقال: «هَذَا رِكْسٌ» (٣).

стр. 25

وقالَ سَلْمانُ الفارسيُّ ﵁: «نَهَانَا النَّبيُّ ﷺ أنْ نَسْتَقْبِلَ القِبلةَ لغائطٍ، أو بولٍ، أو أنْ نستنجيَ باليَمينِ، أو أنْ نَستنجيَ بأقلَّ مِن ثلاثةِ أحجارٍ، أو أنْ نَستنجيَ برَجِيعٍ أو بعَظْمٍ» (١). فإذا اقْتُصِرَ على أَحَدِهِما فالماءُ أَفْضَلُ؛ لأنَّه يُزيلُ عَينَ النَّجاسةِ وأَثَرَهَا، ولحديثِ أنسٍ ﵁ قال: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا خَرَجَ لحاجَتِه أَجيءُ أنا وغُلامٌ ومعنا إداوةٌ مِن ماءٍ يَستنجي به» (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجْتَنِبُ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارَهَا فِي الصَّحْرَاءِ، وَيَجْتَنِبُ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَتَحْتَ الشَّجَرَةِ الْمُثْمِرَةِ، وَفِي الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ، وَالثَّقْبِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ عَلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ، وَلَا يَسْتَدْبِرُهُمَا»، ثَبَتَ في الصَّحيحَيْنِ عن أبي أيُّوبَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا»، قالَ أبو أيُّوبَ: فقَدِمْنا الشَّامَ فَوَجَدْنا مَراحيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلةِ، فَنَنْحَرِفُ ونَسْتَغْفِرُ اللهَ تعالى (٣).

стр. 26

قال المُزَنِيُّ ﵀: «وذلك في الصَّحارى؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد جَلَسَ على لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بيتِ المَقْدِسِ، فدَلَّ أنَّ البِناءَ مُخالفٌ للصَّحارى» (١). والحديثُ الَّذي اسْتَشْهَدَ به المُزَنِيُّ هو حديثُ ابنِ عمرَ ﵄ قال: «ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ» (٢). ويُجْتَنَبُ البولُ في الماءِ الرَّاكدِ لحديثِ جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «نَهى أنْ يُبالَ في الماءِ الرَّاكدِ» (٣). والتَّغَوُّطُ أَقْبحُ وأَوْلى بالنَّهْيِ. وكذلك تحتَ الشَّجَرةِ المُثْمرةِ، صِيانةً للثمرة عن التَّلويثِ عندَ الوقوعِ فتعافُها النَّفْسُ. وكذلك في الطَّريقِ، والظِّلِّ؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ»، قالوا وما اللَّعَّانانِ يا رسولَ اللهِ؟ قال: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» (٤). وكذلك في الثَّقْبِ؛ لحديثِ قَتادةَ عن عبدِ اللهِ بنِ سَرْجِسَ ﵁ قال: «نَهى رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُبالَ في الجُحْرِ»، قالوا لقَتادةَ ﵀: ما

стр. 27

يُكْرَهُ من البولِ في الجُحْرِ؟ قال: كانَ يُقالُ: إنَّها مَساكنُ الجِنِّ (١). ويُجْتَنَبُ الكلامُ على البولِ والغائِطِ؛ لحديثِ أبي سعيدٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَإِنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» (٢). ولحديثِ ابنِ عمرَ ﵄: «أنَّ رَجُلًا مَرَّ ورسولُ اللهِ ﷺ يَبولُ، فَسَلَّمَ، فلمْ يَرُدَّ عليه» (٣). وقولُهُ: «وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ، وَلَا يَسْتَدْبِرُهُمَا»، اسْتَدَلُّوا له بحديثِ: «نَهى أنْ يَبولَ الرَّجلُ، وفَرْجُه بادٍ إلى الشَّمسِ والقمرِ» (٤). فائدةٌ: يُسْتَحَبُّ لقاضي الحاجَةِ أنْ يَقولَ قبلَ الدُّخولِ إلى الخَلاءِ: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» (٥)، ويَقولَ بعدَ الخُروجِ: «غُفْرَانَكَ» (٦)؛ لثُبوتِ ذلك عن النَّبيِّ ﷺ .

стр. 28

«فَصْلٌ» في نواقِضِ الوُضوء قال أبو شجاع ﵀: «وَالَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: ١ - مَا خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ»، السَّبيلانِ: الطَّريقانِ، والمَقصودُ بهما؛ القُبُلُ والدُّبُرُ، فكلُّ ما خَرَجَ منهما يَنْقُضُ الوُضوءَ؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، فقالَ رَجُلٌ مِن أَهْلِ حَضْرَمَوْتَ: ما الحَدَثُ يا أبا هُرَيْرَةَ؟ قال: فُساءٌ أو ضُراطٌ (١). ونَبَّهَ أبو هُرَيْرَةَ ﵁ بالأخَفِّ على الأغلظِ؛ لأنَّه أجابَ سائلًا سألَه عن المصلِّي يُحْدِثُ في صلاتِه، فَخَرَجَ جوابُه على ما يَسْبِقُ المصلِّيَ مِنَ الأحْدَاثِ في صلاتِه، ولأنَّ البولَ والغائطَ والمُلامسةَ غيرُ معهودةٍ في الصَّلاةِ، ولعِلْمِه أنَّ السَّائلَ يَعْلَمُ ما عدا ذلك، وأمَّا باقي الأحداثِ المُخْتَلَفِ فيها بَيْنَ العلماءِ؛ فلعَلَّ أبا هُرَيْرَةَ ﵁ كانَ لا يَرَى النَّقْضَ بشيءٍ منها، ولذلك قالَ البُخاريُّ ﵀: «وقالَ أبو هُرَيْرَةَ لا وُضوءَ إِلَّا مِن حَدَثٍ»، وبَوَّبَ عليه بابًا، فقال: «بابُ مَن لم يَرَ الوُضوءَ إلَّا مِنَ المَخْرَجَيْنِ» (٢). ٢ - «وَالنَّوْمُ عَلَى غَيْرِ هَيْئَةِ الْمُتَمَكِّنِ»، المتمكِّنُ هو الَّذي ينامُ مُمَكِّنًا مَقْعَدَتَه مِنَ الأرضِ، فلا يَنْتَقِضُ وُضوؤُه لأنَّهُ يُحِسُّ بما

стр. 29

يَخْرُجُ منه، يَقولُ أَنَسٌ ﵁: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» (١). وفي روايةٍ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» (٢). أمَّا النَّومُ مع عَدِمِ تَمْكِينِ الْمَقْعَدَةِ مِن الأرضِ فإنَّه يَنْقُضُ الوضوء، لحديثِ معارويةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ انْطَلَقَ الْوِكَاءُ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٣). قال البيضاوي ﵀: «الوكاء: ما يُشَدُّ به الشيء, والسَّه: الدُّبُر, وأصله: سَتَهٌ لجمعه على أسْتَاه، وتصغيره على: سُتَيْهَة, والمعنى: أنَّ الإنسانَ إذا تَيَقَّظَ أمسكَ مَا فِي بَطْنِهِ, فإذا نام زال اختياره، واسترخت مفاصِلُه, فَلَعَلَّه يخرجُ مِنها ما يَنْقُضُ طُهْرَهُ, وذلك إشارة إلى أنَّ نقضَ الطهارةِ بالنَّوْمِ وسائرِ ما يزيلُ العقل؛ ليس لأنفسها, بل لأنَّها مَظِنَّةُ خُرُوجِ ما يَنْتَقِضُ الطُّهْرُ بِه، ولذلك خُصَّ نومُ مُمَكِّنِ الْمَقْعَدَةِ مِن الأرضِ في حديثِ أنس» (٤). ٣ - «وَزَوَالُ الْعَقْلِ بِسُكْرٍ أَوْ مَرَضٍ»، قياسًا على النَّومِ. ٤ - «وَلَمْسُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ»؛ لقولِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، [المائدة: ٦]، فقد قرَأَهَا

стр. 30

حمزةُ والكِسائيُّ وخَلَفٌ: (لَمَسْتُمْ)؛ بغيرِ أَلِفٍ، وقرأ الباقونَ بالألِفِ. فعَطَفَ اللَّمسَ على المجيءِ مِنَ الغائطِ ورَتَّبَ عليهما الأمْرَ بالتَّيَمُّمِ عندَ فَقْدِ الماءِ (١). ٥ - «وَمَسُّ فَرْجِ الْآدَمِيِّ بِبَاطِنِ الْكَفِّ»؛ لحديثِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفوانَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (٢). وفي روايةٍ لعمرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ» (٣). وفي روايةٍ لأبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ وَلَا حِجَابٌ، فَلْيَتَوَضَّأْ» (٤). ٦ - «وَمَسُّ حَلْقَةِ دُبُرِهِ عَلَى الْجَدِيدِ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ السَّابقِ، ولحديثِ أمِّ حَبيبةَ ﵂ -أيضًا- أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٥). وهذا عامٌّ، فَيَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثى، كما يَشْمَلُ القُبُلَ والدُّبُرَ.

стр. 31

وقولُه: «عَلَى الْجَدِيدِ»، أيِ المَذْهَبِ الجديدِ، وهو ما قاله الشَّافعيُّ ﵀ في مِصْرَ، تصنيفًا أو إفتاءً، وهو المعمولُ به. «فَصْلٌ» في موجِباتِ الغُسْل الغُسلُ في اللُّغة: سيلانُ الماءِ على الشيء. وفي الاصطلاحِ: سيلانُ الماءِ على جَمِيعِ البَدَنِ بِنِيَّةٍ مَخْصُوصَة. قال أبو شجاع ﵀: «وَالَّذِي يُوجِبُ الْغُسْلَ سِتَّةُ أَشْياءَ: ثَلَاثَةٌ تَشْتَرِكُ فِيهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَهِيَ: ١ - الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (١). ولحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ» (٢). وفي روايةٍ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» (٣).

стр. 32

وهو دليلٌ على وُجوبِ الغُسلِ بمجرَّدِ الجِماعِ، وإنْ لم يُنْزِلْ. ٢ - «وَإِنْزَالُ الْمَنِيِّ»؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» (١). ولحديثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قالتْ: جاءتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ اللهَ لا يَسْتَحِي مِنَ الحقِّ، فهل على المرأةِ مِنْ غُسلٍ إذا هي احْتَلَمَتْ؟ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ» (٢). ٣ - «وَالْمَوْتُ»؛ لحديثِ أُمِّ عطيَّةَ ﵂ قالتْ: دَخَلَ علينا النَّبيُّ ﷺ ونحن نَغْسِلُ ابنَتَه، فقال: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»، فلمَّا فَرَغْنا آذَنَّاه فألقى إلينا حَقْوَه، فقال: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ» (٣). قال أبو شجاع ﵀: «وَثَلَاثَةٌ تَخْتَصُّ بِهَا النِّسَاءُ، وَهِيَ: ١ - الْحَيْضُ»؛ لقولِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا

стр. 33

تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وَ ﴿تَطَهَّرْنَ﴾، يعني: اغْتَسَلْنَ. ٢ - «وَالنِّفَاسُ»؛ قِياسًا على الحيضِ. ٣ - «وَالْوِلَادَةُ»؛ لأنها مظنةُ خروجِ الدَّم، والحكمُ يُدَارُ على المَظَان؛ كما في الانتقاضِ بالنَّومِ على غيرِ هيئةِ المُتَمَكِّن. «فَصْلٌ» في فرائِضِ الغُسْلِ وسُنَنِه قال أبو شجاع ﵀: «وَفَرَائِضُ الْغُسْلِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: ١ - النِّيَّةُ»؛ لحديثِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١). ٢ - «وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ إِنْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ»؛ لحديثِ مَيمونةَ ﵂ قالتْ: «سَتَرْتُ النَّبيَّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الحَائِطِ أَوِ الْأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» (٢). ٣ - «وَإِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ إذا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ

стр. 34

يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَسُنَنُهُ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: ١ - التَّسْمِيَةُ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ» (٢). ٢ - «وَالْوُضُوءُ قَبْلَهُ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ السَّابقِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ «كانَ إذا اغْتَسَلَ مِنَ الجنابةِ بَدَأَ فغَسَلَ يديهِ، ثم يَتَوَضَّأُ كما يَتَوَضَّأُ للصَّلاةِ» (٣). ٣ - «وَإِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْجَسَدِ»، وهو ما يُسَمَّى بالدَّلْكِ. ٤ - «وَالْمُوَالَاةُ»، وهي التَّتابُعُ في غَسلِ الأعضاءِ، وقد سَبَقَتِ الأحاديثُ التي تَدُلُّ على المُوالاةِ، وإمرارِ اليدِ على الجسدِ -أيضًا- حيثُ كانَ النَّبيُّ ﷺ قَبْلَ غُسْلِه يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ، ويُخَلِّلُ بَيْنَ الأصابعِ، ويُوَصِّلُ الماءَ إلى أُصولِ شَعْرِه حتَّى يَرْوِيَ بَشَرَتَهُ. ٥ - «وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ

стр. 35

النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِه وتَرَجُّلِه وطُهُورِه وفي شَأْنِهِ كُلِّهِ» (١). «فَصْلٌ» في الاغتسالاتِ المَسْنُونَة قال أبو شجاع ﵀: «وَالِاغْتِسَالاتُ الْمَسْنُونَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ غُسْلًا: ١ - غُسْلُ الْجُمُعَةِ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ» (٢). وفي روايةٍ: «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» (٣). ٢ - «وَالْعِيدَيْنِ»؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كَانَ يَغْتَسِلُ يومَ الفِطرِ ويَومَ الأضْحى» (٤). وقال نافعٌ مَوْلَى ابنِ عُمرَ: «كانَ ابنُ عُمرَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الفِطرِ قبلَ أنْ يَغْدُوَ إلى المُصلَّى» (٥). ٣ - «وَالِاسْتِسْقَاءِ»؛ لأنَّه مَحَلٌّ يُشْرَعُ فيه اجتماعُ النَّاسِ فيُقاسُ على الجُمعةِ، ومِثْلُه الخسوفُ والكسوفُ.

стр. 36

٤ - «وَالْخُسُوفِ»، الخُسوفُ للقمرِ، وهو ذَهابُ نُورِه، والكُسوفُ للشَّمسِ، وهو ذَهابُ ضَوْئِها، ويُسَنُّ الاغتسالُ لهما؛ لأنَّهما صلاتانِ يُشْرَعُ الاجتماعُ لهما فيُسْتَحَبُّ الاغتسالُ لهما قِياسًا على الجُمُعةِ. ٥ - «وَالْكُسُوفِ»؛ لما ذُكِرَ في الفِقرةِ السَّابقةِ. ٦ - «وَالْغُسْلُ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، فَلْيَغْتَسِلْ» (١). ٧ - «وَالْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ»؛ لحديثِ قيسِ بنِ عاصمٍ ﵁ قال: «أتيتُ النَّبيَّ ﷺ أُريدُ الإسلامَ، فَأَمَرَني أنْ أَغْتَسِلَ بماءٍ وسِدْرٍ» (٢). ٨، ٩ - «وَالْمَجْنُونُ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَا»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالتْ: ثَقُلَ رَسولُ اللهِ ﷺ فقال: «أَصَلَّى النَّاسُ؟»، فقلنا: لا، هم يَنتظرونَك يا رسولَ اللهِ، فقال: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ»، فَفَعَلْنَا، فاغْتَسَلَ، ثم ذَهَبَ ليَنُوءَ فأُغْمِيَ عليه، ثم أفاقَ فقالَ، «أَصَلَّى النَّاسُ؟»، فقلنا: لا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يا رسولَ اللهِ، فقال: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ»، ففَعَلْنَا، فاغْتَسَلَ، ثم ذَهَبَ لينُوءَ فَأُغْمِيَ عليه، ثم أفاقَ، فقال: «أَصَلَّى النَّاسُ؟»، فقلنا لا، وهم يَنْتَظِرُونَكَ يا رسولَ اللهِ، قالتْ: والنَّاسُ عُكُوفٌ في المسجِدِ

стр. 37

ينتظرونَ رسولَ اللهِ ﷺ لصلاةِ العِشاءِ الآخِرةِ، قالتْ: فَأَرْسَلَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى أبي بكرٍ أنْ يُصَلِّيَ بالنَّاسِ (١). ويُقاسُ المجنونُ على المُغْمَى عليه مِن بابِ أَوْلى. ١٠ - «وَالْغُسْلُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ»؛ لحديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ ﵁ أنَّه: «رأى النَّبيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لإهلالِهِ واغْتَسَلَ» (٢). ١١ - «وَلِدُخُولِ مَكَّةَ»؛ لحديثِ نافعٍ، أنَّ ابنَ عُمَرَ: «كانَ لا يَقْدَمُ مَكَّةَ إلَّا باتَ بذي طُوًى حتَّى يُصْبِحَ، ويَغْتَسِلَ، ثم يَدْخُلُ مَكَّةَ نهارًا، ويَذْكُرُ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه فَعَلَه» (٣). ١٢ - «وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ»؛ لحديثِ نافعٍ، أنَّ ابنَ عُمَرَ ﵁: «كانَ يَغْتَسِلُ لإحرامِهِ قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ، ولدخولِهِ مَكَّةَ، ولوقوفِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ» (٤). ١٣ - «وَلِلْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ»؛ لاجتماعِ النَّاسِ له، فكانَ كالجُمُعةِ. ١٤ - «وَلِرَمْيِ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ»؛ لما ذُكِرَ في الفِقرةِ السَّابقةِ. ١٥ - «وَلِلطَّوَافِ»؛ لاجتماعِ النَّاسِ له، فكانَ كالجُمعةِ.

стр. 38

١٦ - «وَلِلسَّعْيِ»؛ لما ذُكِرَ في الفِقرةِ السَّابقةِ. ١٧ - «وَلِدُخُولِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ »؛ لزيارتِهِ ﷺ . «فَصْلٌ» في المَسْحِ على الخُفَّيْن قال أبو شجاع ﵀: «وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ: ١ - أَنْ يَبْتَدِئَ لُبْسَهُمَا بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ»؛ لحديثِ المغيرةِ بنِ شُعبةَ ﵁ قال: كنتُ مع النَّبيِّ ﷺ ذاتَ ليلةٍ في مَسِيرٍ، فقالَ لي: «أَمَعَكَ مَاءٌ؟»، قلتُ: نعم، فَنَزَلَ عن راحِلَتِه، فمشى حتى توارى في سَوادِ الليلِ، ثم جاءَ فَأَفْرَغْتُ عليه مِنَ الإداوةِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وعليه جُبَّةٌ مِن صوفٍ، فلم يَسْتَطِعْ أن يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ منها حتَّى أَخْرَجَهُما مِن أَسْفَلِ الجُبَّةِ، فَغَسَلَ ذراعيهِ، ومَسَحَ برأسِهِ، ثم أهويتُ لأنزِعَ خُفَّيْهِ، فقال: «دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، ومَسَحَ عليهما (١). وأمَّا كيفيَّةُ المسحِ؛ فقد قالَ الشِّيرازيُّ ﵀ في «المُهَذَّبُ»: «والمُسْتَحَبُّ أنْ يَمْسَحَ أعلى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ فيَغْمِسَ يَدَيْهِ في الماءِ ثُمَّ يَضَعَ كَفَّهُ اليُسْرى تَحْتَ عَقِبِ الخُفِّ وكَفَّهُ اليُمْنَى على أطرافِ أصابِعِه ثم يُمِرَّ اليُمْنى إلى ساقِه واليُسرى إلى أطرافِ أصابِعِهِ» (٢).

стр. 39

قال النوويُّ ﵀ في «شَرْحُ الْمُهَذَّبِ»: «وكَيْفِيَّتُهُ كما ذَكَرَ المُصَنِّفُ ﵀؛ لكونِهِ أَمْكَنَ وَأَسْهَلَ، ولأنَّ اليدَ اليُسْرى لمباشَرَةِ الأقذارِ والأذى، واليُمنى لغيرِ ذلك، فكانتِ اليُسرى أَلْيَقَ بِأَسْفَلِه واليُمْنى بأعلاه» (١). ٢ - «وَأَنْ يَكُونَا سَاتِرَيْنِ لِمَحَلِّ غَسْلِ الْفَرْضِ مِنَ الْقَدَمَيْنِ»؛ لأنَّهما إنْ لم يَكونا ساتريْنِ، فَسَيَكُونُ ما ظَهَرَ مِنَ القَدَمِ حُكْمُهُ الغَسْلُ، وما اسْتَتَرَ مِنَ القَدَمِ حُكْمُهُ المَسْحُ، ولا قائلَ بالجَمْعِ بَيْنَهُما. ٣ - «وَأَنْ يَكُونَا مِمَّا يُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْيِ عَلَيْهِمَا»، أي يَكونا قويَّيْنِ بحيثُ يَمنعانِ نُفوذَ الماءِ إلى القَدَمَيْنِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ، وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ يُحْدِثُ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ، فَإِنْ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، أَوْ مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ؛ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ»؛ لحديثِ شُرَيْحِ بنِ هانئٍ، قال: أتيتُ عائشةَ ﵂ أَسْأَلُها عن المسحِ على الخُفَّيْنِ، فقالتْ: عليكَ بابنِ أبي طالبٍ، فَسَلْهُ فإنَّه كانَ يُسافِرُ مع رسولِ اللهِ ﷺ فسألناه فقال: «جَعَلَ رسولُ اللهِ ﷺ ثلاثةَ أيَّامٍ ولَيَالِيَهُنَّ للمُسافِرِ، ويومًا وليلةً للمُقيمِ» (٢). وابتداءُ مُدَّةِ المسح تُحسبُ من حين يحدث؛ لا من وقت

стр. 40

المسح، ولا من ابتداء اللبس، فإن مَسَحَ الشَّخْصُ فِي الحَضَرِ ثُمَّ سافر أو مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أقام قبل مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَتَمَّ مسحَ مُقِيم، قال الغزي ﵀: «والسُّنَّةُ فِي مَسْحِهِ أن يكون خُطُوطًا، بِأَنْ يُفَرِّجَ الماسِحُ بين أَصَابِعِهِ ولا يَضُمَّهَا» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَيَبْطُلُ الْمَسْحُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: ١ - بِخَلْعِهِمَا»، إذَا خَلَعَ خُفَّيْهِ أو أَحَدَهُمَا أو انْخَلَعَ الخُفُّ بِنَفْسِه أو خَرَجَ الخُفُّ عن صلاحيَةِ المَسْحِ عليه لتخَرُّقِه أو ضَعْفِه أو غَيْرِ ذلك فإنَّه لا يَمْسَحُ عليه. ٢ - «وَانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ»، إذا مَضَى يومٌ وليلةٌ للمُقِيمِ أو ثلاثةُ أيَّامٍ للمُسافرِ بَطَلَ مَسْحُهُ للحديثِ السَّابقِ، ولحديثِ صَفوانَ ﵁ الآتي. ٣ - «وَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ»؛ لحديثِ صَفوانَ بنِ عَسَّالٍ ﵁ قال: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنا إذا كنَّا مُسافِرِينَ أنْ نَمْسَحَ على خِفافِنا ولا نَنْزِعَها ثلاثةَ أيَّامٍ مِن غائطٍ وبولٍ ونومٍ إلَّا مِن جنابةٍ» (٢). «فَصْلٌ» في التَّيمُّم التَّيَمُّمُ في اللُّغةِ: القصدُ، ومنه قولُه تَعَالَى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
следующие страницы →