السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي
تأليف الدكتور عبد الحليم محمود
منشورات المكتبة العصرية: صيدا - بيروت.
عدد الأجزاء: ١.
أعده للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، - غفر الله له ولوالديه -.
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].
стр. 2
السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي
تأليف الدكتور عبد الحليم محمود
منشورات المكتبة العصرَيَّةَ: صيدا - بيروت.
стр. 3
من مراجع الكتاب:
١ - " صحيح البخاري ".
٢ - " صحيح مسلم ".
٣ - " سيرة ابن هشام ".
٤ - " رياض الصالحين ".
٥ - " الأنوار المحمدية " للنبهاني.
٦ - " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للمرحوم الأستاذ مصطفى السباعي.
٧ - " السنة قبل التدوين " للأستاذ محمد عجاج الخطيب.
٨ - " الرسالة " للإمام الشافعي.
٩ - " رجال الفكر والدعوة " لأبي الحسن الندوي.
١٠ - " الرسالة المحمدية " للسيد سليمان الندوي.
١١ - " الحديث والمحدثون " للشيخ محمد أبو زهو.
стр. 4
مُقَدِّمَةٌ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين
يقول الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١). ويقول سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢).
ويقول: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣).
وفي حديث صحيح يقول المقدام بن معدي كرب: «حَرَّمَ النبي ﷺ أشياء يوم خيبر، منها الحمار الأهلي وغيره، فقال رسول الله ﷺ : يُوشِكُ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدِّثُ بِحَدِيثِى فَيَقُولُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلاَلاً اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ».
وبعد:
فيحب القراء عادة أن يعرفوا شيئاً عن ظروف تأليف الكتب التي يقرءونها، لأنَّ ذلك يضعهم في جو يمهد لهم
стр. 5
تقدير الكتاب في صورة أعمق: حيث عرفوا الظروف والملابسات، ولأن ذلك يقرِّبُهُم من جو الكاتب النفسي، ويدخلهم، نوعاً ما، في محيطه الخاص، فتكون بينهم وبينه - على البعد - بعض أسباب الألفة. ومن أجل توضيح ذلك أكتب هذه المقدمة:
إنَّ السُنَّة: دعوة بالحسنى إلى الرقي الأخلاقي الذي تجري وراءه الإنسانية المهذبة، إنها دعوة إلى التاجر أنْ يكون صادقاً، فيحشر مع النَبِيِّينَ والصِدِّيقِينَ والشهداء، وإلى العامل أنْ يتقن عمله، لأنَّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه.
وإلى الصانع أن يؤدي العمل كما يجب، حيث أخذ الأجر، ومن أخذ الأجر حاسبه الله على العمل.
وهي دعوة إلى الأب، باعتباره أباً، وإلى الأم في وضعها كأم، وإلى الأخ في مهمته كأخ، وإلى غيرهم من أفراد المجتمع: أن يرعى كل منهم ما وكل إليه من أمر رعيته وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.
وهي دعوة للناس إلى الأمانة، حيث أنه لا إيمان لمن لا أمانة له.
وإلى الصديق، وإنَّ الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صدِّيقاً.
وإلى الرحمة: الرحمة العامة الشاملة، وصلوات الله وسلامه على من قال:
стр. 6
«إنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ».
ومن قال: «ارْحَمُوا مَنْ فِى الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِى السَّمَاءِ».
وخذ أي خلق كريم تتمنى أن يسير عليه المجتمع: فستجد في السُنَّة دعوة إليه، بوسيلة أو بأخرى، وبثالثة.
وهي في هذه الدعوة تنبه دائماً إلى دور الأمَّة الإسلامية في الأخلاق العالمية: أنَّ دورها: إنما هو الرائدة الراعية وعلى الرائد دائماً أن يكون المثل الأعلى، والأسوة الكريمة، والقدوة الصالحة.
ولقد كان رسول الله ﷺ : الصورة الحية الناطقة التي طبقت كمبادئ إنسانية ممكنة الخلق الذي رسمه الله وأحبه للإنسانية جمعاء، والذي عبرت عنه السُنَّة أجمل تعبير وأبلغه.
ومن أجل هذا التقدير الكريم للسنة الشريفة كان العلماء المستنيرون في كل عصر: يجاهدون من أجلها، ومن أجل مكارم الأخلاق التي تعبر عنها، وكان هؤلاء العلماء - علماء السُنَّة - يعرفون بسيماهم: فقد كانوا من الزهد في حطام الدنيا: بحيث لا ينازعون الناس في دنياهم: لقد كانوا مشغولين عن الجاه بغرس الخلق الصالح الكريم، وكانوا مشغولين عن السلطان بمن بيده السلطان يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء: مالك الملك ذي الجلال والإكرام.
стр. 7
وكانوا صادقين، لقد كان الصدق دينهم وفطرتهم. وكانوا صابرين على الحياة، وصابرين على العمل: لقد أقاموا نهارهم، وأسهروا ليلهم عملاً على مرضاة الله ورسوله ﷺ .
والمثل الذي نحب أنْ نسُوقه - كصورة لهؤلاء القوم - هو: الإمام أحمد بن حنبل ﵁، أنه المُحَدِّثُ الذي حاول أنْ يكون صورة صادقة لما كان عليه الرسول ﷺ ، في الزاوية الأخلاقية.
وسيرة الإمام - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ -: مَثَلٌ أعلى في التمسك بما يراه حقاً، وفي الصبر على ما يناله في سبيل التمسك بالحق.
على أنَّ كل من تشبع بالسُنَّة حقاً: إنما هو صورة، قريبة بقدر المستطاع، من الإمام أحمد.
لقد كان الإمام البخاري وغيره ممن أشربت نفوسهم حُبَّ السُنَّة: أمثلة كريمة للخلق الكريم.
والأمثلة الكريمة للخلق الكريم هدف دائماً لسهام النماذج الأثيمة التي استهواها الشيطان في قليل أو كثير: إنه النزاع الدائم بين الفضيلة واصحابها، وبين المُمَثِّلين لنزعات الهوى والضلال.
ولولا وجود هذه المثل العليا لمكارم الأخلاق في كل عصر لفقدت الإنسانية الثقة بنفسها، ولما اطمأن إنسان لإنسان، ولما وثق شخص آخر.
стр. 8
لقد ربت السُنَّة رجالاً، وخصائصها التي ربت بها الرجال موجودة فيها، لأنها من طبيعتها ومن ذاتها. ولقد شاهدت الإنسانية واعترفت بسمو هؤلاء الرجال، وأولتهم ثقتها وتقديرها.
إنَّ الإمام أحمد بن حنبل، وإنَّ الإمام البخاري، وإنَّ أمير المؤمنين في الحديث: الإمام سفيان الثوري، وأمثال هؤلاء ﵃: منارات يَهتَدِي بهم عشاق المثل العليا.
لا بد إذن من العمل على نشر السُنَّة وإذاعتها، ومحاولة الإكثار من النفوس التي تتشربها وتحققها وتتمثلها وتحياها.
لا بد من نشرها وطنية.
ولا بد من نشرها إنسانية، لأنها تعبِّرُُ عن أرقى مستوى إنساني.
ولا بد من نشرها ديناً.
ولا بد من نشرها ذوقاً أدبياً.
ولا بد من نشرها للثروة اللغوية ..
وما من شك في أنَّ للسُنَّة جواً فكرياً: فالرسول ﷺ : يتحدَّثُ عن عوامل الهدم، التي تعمل على تقويضه، وعن عوامل البناء التي تعمل على إقامته على قواعد سليمة، ويتحدَّثُ عن
стр. 9
النظم التي ينبغي أنْ تسود المجتمع الإنساني، وعن الأوضاع التي يجب أنْ تستقيم.
وللسُنَّة جو لغوي: فالرسول ﷺ قد أوتي جوامع الكلم، وكلامه ﷺ أبلغ الكلام البشري، ونشر السُنَّة عامل من أهل العوامل على ترقية اللغة التي يكتب بها الكتاب، وعلى وضع الناشئين والمُثقَّفين في وضع أدبي ممتاز، من حيث اللغة، ومن حيث الأسلوب.
وَلِلْسُنَّةِ جَوٌّ رُوحِيٌّ: إنها تهذيب للنفس، وتربية للروح وسمو بالأخلاق إلى درجة لا تجارى، - وصَلََّى اللهُ على من قال: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ».
ورحم الله شوقي إذ يقول:
إِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاَقُ مَا بَقِيَتْ * ... * ... * فَإِنْ [هُمُ] ذَهَبَتْ أَخْلاَقُهُمْ ذَهَبُوا
ومن أجلِ ذلك كله كان نشر السُنَّةِ واجباً دينياً، وعملاً اجتماعياً كريماً، وواجباً وطنياً حتمياً، وإصلاحاً أخلاقياً سامياً.
وهو على كل حال ضرورة وطنية مُلِحَّةٌ في عصر تحاول الرذيلة فيه أنْ تعمِّم الانحلال الخلقي في كل أسرة وفي كل بيت، ويحاول الفساد أنْ يأتي على مقدسات الأُمَّة ومقوماتها من عرض وشرف وكرامة.
стр. 10
لقد أحب الله للإنسانية مثالاً أخلاقياً كريماً رسمه سبحانه في القرآن الكريم قولاً، فكان رسول الله ﷺ الصورة التطبيقية الكاملة للرسم الإلهي، وكان بذلك الإنسان الكامل.
لقد كان المثل الأعلى في الرحمة، والمثل الأعلى في الكفاح والمثل الأعلى في الصبر المجاهد المتفائل، والمثل الأعلى في الصدق، في الإخلاص، في الوفاء، في البر، في الكرم.
لقد وصفه الله سبحانه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١).
ولا ريب في أنَّ الأُمَّة الإسلامية حينما تقتدي بالرسول ﷺ : إنما تقتدي بأعظم البشر رجولة وإنسانية.
وتقتدي بمن أحب الله سبحانه أن تقتدي به.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢).
وإنَّ العمل على نشر السُنَّة إنما هو توجيه للاقتداء بالرسول ﷺ .
واللهَ أرجو أنْ يجعله عام النفع.
وأنْ يهدي به.
وأنْ يجعله ذخيرة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاَّ من أتى الله بقلب سليم.
стр. 11
الفَصْلُ الأَوَّلُ: الرَّسُولُ ﷺ وَسُنَّتُهُ الشَّرِيفَةُ:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين.
﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (١)، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٢).
خاتم الأنبياء:
يقول الله تعالى لرسوله الكريم ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣)، وما كانت هذه الرسالة العامة لأحد من الرسل من قبله، فموسى ﵇ أرسل لبني إسرائيل خاصة، لقد اقتصرت دعوته على بني إسرائيل، لدرجة أنه حينما ذهب هو وهارون، ﵉، إلى فرعون، قالا له: ﴿إِنَّا رَسُولاً رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٤).
فموسى ذهب إلى فرعون ليرسل معه بني إسرائيل. ولم يكافح سيدنا موسى الشعوب، أو الأمم في سبيل دعوته.
وعيسى ﵇، إنما أرسل إلى .. «خراف بني إسرائيل الضالة»، على حد تعبيرهم القديم، ولم
стр. 12
يحاول سيدنا عيسى أن يُبشِّر بدعوته خارج فلسطين، ولم يحاول أنْ يجاهد من أجلها.
أما رسول الله ﷺ ، فإنه أرسل إلى الناس جميعاً، أنه أرسل إلى الناس جميعاً من حيث المكان، وأرسل إليهم جميعاً من حيث الزمان، فهو الرسول الدائم زماناً ومكاناً.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١).
وقد تكفل الله تعالى بحفظ الكتاب الذي أنزله على رسوله، ﷺ ضماناً لهذا العموم في الزمان وفي المكان، وتحقيقاً له.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢).
ومن أجل هذا الوعد بحفظ الوحي كاملاً غير منقوص، صحيحاً غير مزيف، كانت الحكمة الإلهية في أنَّ الإنسانية لا تحتاج إلى رسول بعد الرسول، ولا إلى نبي بعد النبي، إنه - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -: خاتم الرسل، وخاتم الأنبياء.
ولقد امتزج رسول الله ﷺ ، برسالته الخالدة، فكان هو هي شرحاً وتفصيلاً.
وكانت هي هو بياناً لمعدنه وجوهره، وخلافة له، ونيابة عنه.
تقول السيدة عائشة ﵂: «لَقَدْ كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنُ» وهذه الكلمة من السيدة عائشة، - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا - تحتاج إلى تحديد وبيان. ذلك أنَّ القرآن يُحَدِّدُ
стр. 13
الخلق الكريم في حده الأدنى، ثم لا يقتصر على ذلك، إنما يرسم القمم من مكارم الأخلاق، ويوجِّهُ إلى السنام منها، ويقود إلى المشارف العليا من درجات المقرَّبين.
فهل تريد السيدة عائشة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا -، حينما تصفه ﷺ بِأَنَّ خُلُقُهُ القُرْآنُ: هل تريد الخلق الكريم في حده الأدنى، أم تريد في حده الأوسط، أم تريده في حده الأسمى؟
إنَّ القرآن الكريم يُحَدِّدُ الدرجة التي وصل إليها الرسول ﷺ من الخُلُق القرآني فيقول سبحانه لرسول الله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١).
هذه الآية القرآنية الكريمة تُحَدِّدُ درجة الأخلاق القرآنية التي وصل إليها الرسول ﷺ ، أنها ذروتها وسنامها.
أول المسلمين
ولقد قال - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ».
إنه ﷺ ، بعث لِيُتَمِّمَ المكارم الأخلاقية لِيُتَمِّمَهَا بذاته، بسلوكه، وَلِيُتَمِّمَهَا بقوله: برسالته.
إنه لم يبعث لينشر الأخلاق الكريمة فحسب، وإنما بعث ليتمم مكارمها.
ومكارم الأخلاق لم تكن - قبل الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - قد تمت. إنَّ أول المسلمين لم يكن قد
стр. 14
وجد بعد، وكانت بذلك مكارم الأخلاق ناقصة، كان ينقصها أكمل صفة لمكارم الأخلاق وهي إسلام الوجه لله إسلاماً تاماً. إنَّ الكائنات لم تكن قد وصلت - لا في نبي مرسل، ولا في ملك مقرب - إلى الذروة من إسلام الوجه لله، والذروة من إسلام الوجه لله، أو أول المسلمين - والتعبيران سواء - إنما هو الذروة من مكارم الأخلاق.
إنه الكائن الرباني: إنه أول المسلمين، أولهم بإطلاق، أولهم بالنسبة للملائكة، وأولهم بالنسبة لبني آدم، أولهم قديماً، وأولهم إلى الأبد .. إنَّ أول المسلمين لم يكن قد وجد بعد.
وكانت الإنسانية بذلك ناقصة، وكانت الكائنات كلها بذلك ناقصة.
كان الكون ناقصاً مادة ومعنى، كان ينقصه أنْ تتعطَّر أرضه بأزكى الأجساد، وأنْ يتعطَّرَ جوه بأزكى الأرواح، وكان لا بد من وجود كائن بهذه المثابة يكمل الله به الدين، ويتمُّ به النعمة، ويرضى رسالته ديناً عاماً خالداً للإنسانية جمعاء: هو إسلام الوجه لله.
وينزل القرآن مُحدِّداً إسلام الوجه لله وسائل، ومُحدِّداً إسلام الوجه لله غايات، مُحدِّداً إسلام الوجه طرقاً وأساليب، ومُحدِّداً له بواعث وأهدافاً. ومن هنا كان من يبتغي غير الإسلام ديناً لا يقبل منه. يقول الله تعالى:
стр. 15
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (١).
وكيف يقبل منه ما يتنافى مع إسلام الوجه لله؟
إنَّ إسلام الوجه لله هو الذروة من مكارم الأخلاق، وهو جوهر التدين، إنه الدين القويم، إنه الدين الخالد. والنص الوحيد، النص الإلهي الفريد في العالم كله الذي يُبيِّنُ كيفية إسلام الوجه لله، إنما هو القرآن. وإذا ما وصل الإنسان إلى إسلام الوجه كان بذلك في ذروة الإنسانية. وفي الذروة من مكارم الأخلاق.
ويتفاوت الناس في إسلام وجوههم لله، ولا بد من أنْ يكون أحدهم أول المسلمين، فكان رسول الله ﷺ ، أولهم بإطلاق مطلق.
﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢).
ولم يصف القرآن بأول المسلمين شخصاً آخر غير الرسول ﷺ .
ومكارم الأخلاق لا يَحُدُّهَا - من حيث التبشير بها - مكان ولا يَحُدُّهَا زمان، بل ولا يَحُدُّهَا عالم من عوالم الله في الأرض أو السماء، ومن ذلك كانت رسالته، - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلاَمُهُ -، رحمة للعالمين.
стр. 16
من مكانة الرسول ﷺ عند ربه:
ورسول الله ﷺ لأنه يمثِّل الأخلاق القرآنية في ذروتها وسِنامها - جعل الله ، له مكانة خاصة بين المسلمين، فهو، - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - لأنه تمثَّل القرآن وحقَّقه، وأصبح قرآناً، أصبح بذلك يمثِّل الحق بقوله، ويمثِّل الحق بعمله، فلا ينطق عن الهوى، ولا يعمل بالهوى.
ويقول الله ﵎ له، مُعبِّراً عن هذه الحقيقة أروع تعبير:
﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ ... ﴾ (١).
ويقول تعالى لرسوله ﷺ :
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا ... ﴾ (٢).
بل إنَّ طريق الدعوة نفسه، كان، - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -، يسير فيه معصوماً، وكل من يسير في الدعوة على نسقه، إنما يسير بعصمة الرسول، ﷺ ، التي منحها الله إياه:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٣).
ودعوته إذن وطريق دعوته: يسير فيهما على هُدى،
стр. 17
وعلى نور من ربه، ولذلك فإنَّ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١).
فيقول، سبحانه:
ويُعَمِّمُ الله، سبحانه، الحكم تعميماً، ويطلقه إطلاقاً، فيقول سبحانه:
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢).
ويقول تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٣).
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ... ﴾ (٤).
إنَّ حب العبد لله لا يفيد ما لم يتَّخذ العبد الوسيلة الناجعة لذلك، وهذه الوسيلة هي: اتِّباع رسول الله ﷺ .
ولقد قال الله في حديث قُدْسيٍّ، رواهُ الإمام البخاري: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ».
وهذه النوافل التي ذكرت في الحديث الشريف، والتي إذا أكثر الإنسان منها، بعد أداء الفرائض، أحبه الله: إنما هي سلوك رسول الله ﷺ ، إنها طريق رسمه، - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلاَمُهُ - بقوله وبعمله. إنها
стр. 18
سننه - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - التي سنَّها، لينال الإنسان بها محبَّةَ الله، سبحانه.
(من مكانة رسول الله ﷺ عند ربه أيضاً:)
وأحب الله، سبحانه، رسوله، ﷺ وكان هذا الرسول بعبوديته لله سبحانه، حبيب الله وبلغ الرسول، - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلاَمُهُ - بعُبوديته التامة درجة أول المسلمين، كما سبق أنْ ذكرنا.
ولما كان أول المسلمين. وكان حبيب الله، ونبيُّهُ، ورسوله: ميَّزهُ الله، على بقية البشر بكونه خيرهم، وهذا تمييز لا يخرجه، - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلاَمُهُ - عن البشرَيَّةَ: فهو بشر وهو خير البشر: ومنتهى القول فيه أنه بشر، وأنه خير خلق الله كلهم، ولأنه خير البشر: يقول الله تعالى مُخاطباً المؤمنين: ﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (١).
إنَّ الإنسان الذي خصَّهُ الله بالوحي، واجتباه لرسالته، واصطفاه ليكون - باسمه، سبحانه - بشيراً ونذيراً، إنّض هذا الإنسان الذي فضَّلهُ الله على العالمين: يجب أنْ نعرف له مكانته وننزله في الشرف الذي أنزله الله فيه. إنَّ هذا السراج المنير، إنَّ هذا الرؤوف الرحيم: ينبغي ألاَّ يدعى كما يدعى زيد وعمرو: «بمعنى لا تنادوه باسمه:
стр. 19
فتقولوا: يا محمد، ولا بكنيته فتقولوا: يا أبا القاسم، بل نادوه وخاطبوه بالتعظيم والتكريم، والتوقير بأنْ تقولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، يا إمام المرسلين، يا رسول رب العالمين، يا خاتم النبيِّين وغير ذلك ...
واستفيد من هذه الآية - كما يقول الشيخ الصاوي في " حاشيته على تفسير الجلالين " - إنه لا يجوز نداء النبي بغير ما يفيد التعظيم، لا في حياته، ولا بعد وفاته، فبهذا يعلم أنَّ من استخف بجنابه ﷺ : فهو كافر ملعون في الدنيا والآخرة» اهـ.
ويقول الله سبحانه في أوائل سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١). أي لا تتقدموا بأمر من الأمور، قولاً كان أو فعلاً، إلاَّ إذا أذن الله ورسوله، وكل أمر: قولاً كان أو فعلاً: أتاه الإنسان بدون إذن الله ورسوله: فإنه لا يقع على السُنن المستقيم.
يقول الضحاك عن ذلك: «هو عام في القتال وشرائع الدين، أي لا تقطعوا أمراً دون الله ورسوله» ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ (٣).
واحذروا إنْ فعلتم ذلك: ﴿نْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ (٤).
стр. 20
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
أما هؤلاء الذين أساءوا الأدب دون أنْ يقصدوا فأخذوا ينادونك من وراء الحجرات مناداة الأعراب الأجلاف، فإنَّ عقولهم - في الأغلب الأعم - ناقصة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
على أنَّ مُجَرَّد الرغبة في الحديث، إلى رسول الله ﷺ ، يحتاج تنفيذها إلى تقديم صدقة، يقول الله تعالى في سورة المجادلة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).
وتدل الآية الكريمة على أنَّ ترك تقديم الصدقة إثم، لأنَّ من لم يجد الصدقة فإنَّ موقف الله سبحانه منه - لعدم قدرته - المغفرة والرحمة، ولا تكون المغفرة والرحمة إلاَّ على إثم أتاه الإنسان.
وعدم توفر الاستطاعة سبب في مغفرة الله سبحانه: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ (٤).
وإذا حملكم خوف الفقر على ألاَّ تفعلوا، وإذا قادكم الضعف الإنساني إلى ألاَّ تنفذوا ذلك، ثم ندمتم واستغفروا
стр. 21
فتداركوه حتى يتوب الله عليكم، وأثبتوا حسن نيَّتكم، وصفاء سريرتكم، بأنْ تقيموا الصلاة على الوجه الأكمل، وتؤتوا الزكاة طيبة بها نفوسكم، وتطيعوا الله ورسوله في الصغير والكبير، وما من ريب في أنَّ الله، سبحانه: خبير بكل ما تعملون.
يقول الله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١).
وبعد: فيقول رسول الله ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ».
ويقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ (٢).
هذا جانب من مكانة الرسول ﷺ التي أحبها الله له، والتي نَبَّهَ عليها ، قد فرض طاعة رسوله، ﷺ ، مقرونة بطاعته، بل لقد ذكرها الله وحدها، باعتبارها فرضاً.
ويقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا
стр. 22
قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا﴾ (١).
ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢).
ويقول سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٣).
وفي هذه الآية الكريمة إشارة إلى أنَّ الإعراض عن طاعة الله أو عن طاعة الرسول: كفر. وما من شك في أنه كفر، ذلك أنَّ الإيمان من أركانه: الإيمان برسول الله ﷺ ، وبأنَّ كل ما أتى به صدق، فالتولي عنه: استخفافاً، أو جُحُوداً وإنكاراً، أو عناداً ومُمَارَاةً.
ذلك كله: كفر يخرج به المعرض عن دائرة الإسلام.
يقول الله تعالى في طاعة الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -، حينما يفرده بالحديث: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لا َيُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤).
ويقول تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥).
ويجعل الله ، طاعة الرسول ﷺ طاعته فيقول سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٦).
стр. 23
ويجعل بيعته - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - بيعة لله، فيقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
وطاعة رسول الله ﷺ إنما هي فيما افترضه الله، سبحانه أو سُنَّة، وفيما افترضه رسوله - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - أو سُنَّةٌ.
وقد تابع الرسول ﷺ ، القرآن الكريم في بيانه لمنزلة السُنَّة. ووجوب اتِّباعه ﷺ ، فيما سَنَّهُ، فلقد حَثَّ فيما رواه أبو داود والترمذي عن زيد بن ثابت: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرُءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ».
وروي في معناه من طريق آخر: «رَحِمَ اللَّهُ امْرُءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ».
وكان رسول الله ﷺ يأمر الصحابة أَنْ يُبَلِّغَ الشاهد منهم الغائب فيقول فيما رواه أبو بكر: «أَلاَ فَلْيُبْلِغْ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ». «اَنْ يُبَلِّغَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ».
ولقد روى الحاكم والبيهقي أَنَّ رسول الله ﷺ قال:
стр. 24
«تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي».
ويقول رسول الله ﷺ في خطبة الوداع: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ، وَلَكِنْ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ [أَمْرِكُمْ] فَاحْذَرُوا، إِنِّي تَرَكْتُ مَا إِنِْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي».
وَيُبَيِّنُ رسول الله ﷺ ، فيما رواه البخاري عن أبي هريرة أَنَّ المسلمين سيدخلون الجنة إلاَّ من لا يرغب منهم في ذلك.
يقول ﷺ : «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ أَبَى»، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى».
مَكَانَةُ السُنَّةِ مِنَ القُرْآنِ:
وَسُنَّة رسول الله ﷺ ، لها مكانتها بالنسبة إلى القرآن ولها مكانتها بالنسبة إلى التشريع.
إنها المصدر الثاني للإسلام باعتباره عقيدة، والمصدر الثاني
стр. 25
للإسلام باعتباره تشريعًا، والمصدر الثاني للإسلام باعتباره أخلاقًا.
أما منزلتها بالنسبة إلى القرآن فإنها، حسبما يقول الإمام الشافعي: «وَسُنَنُ رَسُولِ اللََّهِ ﷺ وَجْهَانِ:
- أَحَدُهُمَا: نَصُّ كِتَابٍ فَاتَّبَعَهُ رَسُولُ اللََّهِ ﷺ كَمَا أَنْزَلَ اللََّهُ،
- وَالآخَرُ جُمْلَةً، بَيَّنَ رَسُولُ اللََّهِ فِيهِ عَنْ اللََّهِ مَعْنَى مَا أَرَادَ بِالجُمْلَةِ، وَأَوْضَحَ كَيْفَ فَرْضُهَا عَامًّا أَوْ خَاصًّا، وَكَيْفَ أَرَادَ أَنْ يَأْتِي بِهِ العِبَادُ وَكِلاَهُمَا اتَّبَعَ فِيهِ كِتَابَ اللِه».
وفي كلمة أخرى يُبَيِّنُ الإمام الشافعي الوجهين فيقول: «أَحَدُهُمَا: مَا أَنْزَلَ اللََّهُ فِيهِ نَصَّ كِتَابٍ، فَبَيَّنَ رَسُولُ اللََّهِ مِثْلَ مَا نَصَّ الكِتَابُ، وَالآخَرُ: مِمَّا أَنْزَلَ اللََّهُ فِيهِ جُمْلَةَ كِتَابٍ، فَبَيَّنَ عَنِ اللََّهِ مَعْنَى مَا أَرَادَ؛ وَهَذَانِ الوَجْهَانِ اللَّذَانِ لَمْ [يَخْتَلِفُوا] فِيهِمَا».
والوجه الأول بَيَّنَهُ بنفسه.
إنه من الواضح أَنَّ رسول الله ﷺ كان يُبَيِّنُ القرآن عقيدة وشريعة وأخلاقًا على وجوه شتى، وعلى أنحاء مختلفة، وعلى أساليب تختلف في الإيجاز والإسهاب، بحسب حالة المخاطب، يقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١).
стр. 26
والرسول ﷺ كان يبين للناس ما نزل إليهم بسلوكه، وبقوله، وبإقراراته، يقول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -: «مَا تَرَكْتُ شَيْئاً مِمَّا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ إِلاَّ وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلاَ تَرَكْتُ شَيْئًا - مِمَّا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ - إِلاَّ وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ».
ولكن بيان رسول الله ﷺ كان يشتمل على بيان ما أجمل في كتاب الله، وهذا الوجه كثير في السُنَّة.
يقول الإمام الشافعي ﵁: «قال ﵎: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (١).
وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢).
وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣).
ثم بَيَّنَ على لسان رسوله عدد ما فرض من الصلوات، ومواقيتها، وَسُنَنِهَا، وعدد ركعاتها، والزكاة ومواقيتها، وكيف عمل الحج والعمرة، وحيث يزول هذا ويثبت، وتختلف سُنَّتُهُ وتتفق، ولهذا أشباه كثيرة في القرآن والسُنَّةِ». اهـ.
وقد كان رسول الله ﷺ ، يُبَيِّنُ كيفية الصلاة بقوله وعمله، كان يُبَيِّنُ أوقاتها، وأركانها، وعدد ركعاتها، وافتتاحها وترتيب حركتها بعد الافتتاح، ويقول ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»
стр. 27
ويبين رسول الله ﷺ مناسك الحج: أركانه، وواجباته، وَسُنَّتَهُ. يقول: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ».
وفرض الله الزكاة ولم يبين مقادير لها، لم يذكر بالتفصيل الزروع والثمار والأموال التي تجب فيها الزكاة فَبَيَّنَ رسول الله ﷺ ذلك كله وطبقه.
ولقد بَيَّنَتْ السُنَّةُ أن القاتل لا يرث، وأن الوصية لا تكون في أكثر من الثلث، وأن الدين يقدم على الوصية، هذا وكثير غيره مِمَّا بَيَّنَتْهُ السُنَّةُ.
عَنْ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ يريد أن يقتصر على القرآن دُونَ السُنَّةِ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ أَحْمَقُ!! أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، لاَ يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ؟» ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِ الصَّلاَةَ وَالزَّكَاةَ وَنَحْوِ هَذَا. ثُمَّ قَالَ: «أَتَجِدُ هَذَا فِي كِتَابِ اللهِ مُفَسَّرًا؟ إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ أَبْهَمَ هَذَا وَإِنَّ السُنَّةَ تُفَسِّرُ ذَلِكَ» (١).
وَلَقَدْ قِيلَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: لاَ تُحَدِّثُونَا إِلاَّ بِالْقُرْآنِ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ: «وَاللَّهِ مَا [نُرِيدُ] بِالْقُرْآنِ بَدَلاً، وَلَكِنْ نُرِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ مِنَّا» (٢).
ويقول الإمام الشافعي ﵁: «وَمَنْ قَبِلَ عَنْ رَسُولِ اللهِ فَعَنْ اللهِ قَبِلَ، لِمَا افْتَرَضَ اللهُ مِنْ طَاعَتِهِ».
стр. 28
مَكَانَةُ السُنَّةِ مِنَ التَشْرِيعِ:
ورسول الله ﷺ يُشَرِّعُ عن الله تعالى فيما لا نص فيه من كتاب الله.
روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وغيرهم: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، بَعَثَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ إِلَى اليَمَنِ فَقَالَ لَهُ:
«كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟».
قَالَ: «أَقْضِي بِكِتَابِ اللهِ».
قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللهِ؟».
قَالَ: «فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ».
قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ؟».
قَالَ: «أَجْتَهِدُ رَأْيِيِ وَلاَ آلُو».
فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَىَ صَدْرِهِ، وَقَالَ: «الحَمْدُ للهِ الذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ».
وسيدنا عمر بن الخطاب ﵁ في رسالته في القضاء إلى أبي موسى الأشعري ﵁ والتي بدأها بقوله: «سَلاَمٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ القَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ، وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ».
يقول سيدنا عمر في هذه الرسالة: «الفَهْمَ الفَهْمَ فِيمَا تَلَجْلَجَ فِي صَدْرِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي كِتَابٍ وَلاَ سُنَّةٍ».
стр. 29
فجعل سيدنا عمر السُنَّةَ مصدرًا من مصادر التشريع.
ولقد سئل سيدنا أبو بكر ﵁ عن ميراث الجدة فقال: «مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ أَسْأَلُ النَّاسَ»، فسألهم، فقام الْمُغِيرَةُ بْنُ شُُعْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَشَهِدَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهَا السُّدُسَ.
ولم يكن سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ يعلم سُنَّةَ الاستئذان حتى أخبره بها أبو موسى الأشعري ﵁ (١).
ولم يكن يعلم أن المرأة ترث من دية زوجها حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان، أمير رسول الله ﷺ ، على بعض البوادي يخبره أن رسول الله ﷺ «وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَّةِ زَوْجِهَا».
ولم يكن يعلم حُكْمَ المجوس في الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله ﷺ قَالَ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ».
وَلَمَّا قَدِمَ «سَرْغَ» وَبَلَغَهُ أَنَّ الطَّاعُونَ بِالشَّأْمِ، اسْتَشَارَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ الذِينَ مَعَهُ، ثُمَّ الأَنْصَارَ، ثُمَّ مُسْلِمَةَ الفَتْحِ فَشَارَ عَلَيْهِ كُلٌّ بِمَا رَأَى، وَلَمْ يُخْبِرْهُ أَحَدٌ بِسُنَّةٍ، حَتَّى قَدِمَ
стр. 30
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَأَخْبَرَهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الطَّاعُونِ وَأَنَّهُ قَالَ: «إِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ».
وهذا عثمان ﵁، لم يكن عنده علم بأن المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَعْتَدُّ في بيت زوجها، حتى حَدَّثَتْهُ الفُرَيْعَةُ بِنْتِ مَالِكٍ، أخت أبي سعيد الخُدري بقضيتها لما توفي زوجها، وأن النبي ﷺ قال لها: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ»، فأخذ به عثمان.
ولقد روى الحاكم ما يلي:
«حَرَّمَ [النَّبِيُّ] ﷺ أَشْيَاءَ يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْهَا الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ وَغَيْرُهُ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُوشِكُ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ عَلَى أَرِيكَتِهِ، يُحَدَّثُ بِحَدِيثِي، فَيَقُولُ: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلاَلاً اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَمْنَاهُ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ».
ويقول رسول الله ﷺ ، فيما رواه أبو داود عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي، مِمَّا أَمَرْتُ
ُ
стр. 31
بِهِ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لاَ [نَدْرِي]، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ».
روى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ. أَلاَ وَأَنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ».
وَعَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: «كَانَ جِبْرِيلُ ﵇ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ، وَيُعَلِّمُهُ إِيَّاهَا كَمَا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ».
وَعَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «[آتَانِيَ] اللَّهُ الْقُرْآنَ، وَمِنَ الْحِكْمَةِ مِثْلَيْهِ» أخرجهما أبو داود في " مراسيله ".
وَقِيلَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: لاَ تُحَدِّثُونَا إِلاَّ بِالْقُرْآنِ، فَقَالَ [مُطَرِّفٌ]: «وَاللَّهِ مَا [نُرِيدُ] بِالْقُرْآنِ بَدَلاً، وَلَكِنْ نُرِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ مِنَّا» (١).
عن عبد الله بن مسعود قال: «لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ، وَالمُوسْتَشِمَاتِ، وَالمُتَنَمِّصَاتِ وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ»، فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ فقالت:
الفَصْلُ الثَّانِي: تَدْوِينُ السُنَّةِ:
بدأ رسول الله ﷺ ، في العهد المكي يُبَشِّرُ بالقرآن الكريم، ورسالة التوحيد سِرًّا، ثم جهرًا، وكان الرسول ﷺ يلتقي بالأضواء كلها على القرآن.
١ - ذلك أن القرآن كلام الله ، وهو بأسلوبه معجز، وهو بمعناه يأخذ بالأفئدة، وهو بعظاته يملك القلوب، وهو بمنطقه يسيطر على العقول.
٢ - ثم إن موضوع القرآن في هذه الفترة كان موضوعًا محددًا: لقد كان جملة من القضايا تتصل بالغيب، الغيب الإلهي، أو - بتعبير آخر - توضح العقيدة.
توحيدًا، ورسالة، وبعثًا.
وكان أسلوب القرآن في ذلك واضحًا لا لبس فيه، مُبَيِّنًا بَيَانًا سَافِرًا.
٣ - وخشي رسول الله ﷺ ، أن يضيف بعض الناس شيئًا من كلامه إلى القرآن ويخلطوه به، وربما أسرفوا في هذه الإضافة: فلا يستبين الناس الفواصل والفروق بين الأسلوب القرآني الإلهي، والأسلوب
стр. 34
النبوي، حينما يتلونهما، في أول العهد بالإسلام، ممتزجين لا تمييز بينهما.
إن معالم الأسلوب القرآني واضحة، وكلام الله، سبحانه أينما كان يتميز بصفات تجعله يسمو بمعزل من غيره، ولكن لا بد من إيجاد الفرصة الكافية لترتسم هذه المعالم في النفوس: أي لا بد من تقديم القرآن خالصًا صافيًا لا يمتزج به غيره.
لا بُدَّ من تقديمه كما أنزل في ثوبه الآلي البحت حتى تصبح المعالم معالم الإعجاز المعجز، بينة سافرة.
من أجل ذلك نهى رسول الله ﷺ عن كتابة حديثه، - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -.
٤ - على أن هذه الآيات القرآنية، في العهد المكي، وهي تشرح التوحيد: توحيد الله في الذات وتوحيد الله في الصفات، إنها وهي تشرح الهيمنة الإلهية على الكون، على العوالم: جميع العوالم، ليست: في حاجة إلى بيان أوضح أو إلى تعبير أقوى.
بل إنه لا يتأتى أن يكون هناك بيان أوضح أو تعبير أقوى.
إنها وهي تهدم الشرك، وتدك حصونه، فتقول مثلاً: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ
стр. 35
تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ.
أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ.
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ.
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.
أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١).
إنها، حينما تقول ذلك، لا تحتاج إلى شرح أو تفسير وهي، حينما تتحدث عن البعث فتقول: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (٢).
ليست بحاجة إلى شرح أو تفسير.
وهي: حينما تتحدث عن الرسول ﷺ ، ونزول القرآن عليه فتقول:
стр. 36
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١). ليست بحاجة إلى شرح أو تفسير.
ثم هي، حينما تقول ترغيبًا وتبشيرًا:
﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾.
﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾.
﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾.
﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٢).
ليست بحاجة إلى شرح أو تفسير.
وحينما تقول موعظة وإنذار:
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ (٣). ليست بحاجة إلى شرح أو تفسير.
٥ - ثم إن الموضوعات التي تتحدث فيها هذه الآيات
стр. 37
المكية: موضوعات غيبية، والموضوعات الغيبية دقيقة وغاية في الدقة، فهل إذا تحدث الرسول ﷺ .
في هذه الموضوعات، ونقل عنه هؤلاء شفهيًا - وهم حديثو عهد بالإسلام وقريبو عهد بالجاهلية الوثنية ... هل سَيُحْسِنُونَ التعبير عنها أو سيقولونها كما تحدث بها الرسول ﷺ ، في دقته الدقيقة، وفهمه الواعي عن الله، ؟
من أجل كل ذلك، أمر رسول الله ﷺ ألا يكتب عنه غير القرآن.
وحكمة هذا الأمر وتعليله: واضح كل الوضوح مما ذكرنا.
ولكن في فترة العهد المدني تغير الوضع:
ها هو ذا الإسلام ينتشر انتشارًا واسعًا وسريعًا: وها هي ذي الأُمَّةُ الإسلامية الناشئة المؤمنة القوية: تبعث الأمل واسعًا في أن دين الله سينتشر في الآفاق، وسيعم نوره الأقطار، وستحطم كلمة الحق صروح الباطل، وَسَيُتِمُّ اللهُ نُورَهُ ولو كره المشركون، وسيعم لألاؤه رغم ألوف الكافرين.
ومن أجل هذه الأُمَّةِ بدأ الوحي ينزل إرسالاً، أرسالاً بالتشريع في جميع ألوانه: تشريع دولي، وتشريع جنائي، وتشريع مدني، وتشريع للعبادة، وتشريع للأحوال الشخصية.
стр. 38
لقد بدأ التشريع الإلهي ينظم حياة الفرد: عبادة ومعاملة: حياته مع نفسه، وحياته مع أُمَّتِهِ، وحياته مع الله تعالى.
لقد أخذ ينظم حياة الإنسان منذ أن يستيقظ في الصباح إلى أن ينتهي به الأمر إلى الصحو من جديد في صباح تال.
وينظم حياته في أسبوع إلى أسبوع، ومن شهر إلى شهر، ومن عام إلى عام.
وينظم حياته في ذاته، وينظم حياته في أسرته، وينظم حياته في مجتمعه.
وينظم حياة المجتمع الإسلامي كله في الكون كله.
وما كان يتأتى أن يتعرض الوحي في ذلك للتفصيلات المفصلة، ولا للجزئيات الجزئية التي لا تحد ولا تحصى، ولكنه كان يفصل تفصيلاً يشبه أن يكون تامًا في الأمور التي تكون عادة مثار النزاع، وخصوصًا الماليات: كالميراث وكتابة الدَّيْنِ مثلاً.
ويضع قواعد عامة شاملة تتضمن الجزئيات المتعددة في موضوعات أخرى، وكان لاَ بُدَّ من أن يستفيض الرسول ﷺ في البيان والشرح والتفسير.
وكان المسلمون قد ألفوا الجو الإسلامي، وألفوا الأسلوب القرآني، عرفوا مفهوم الشرك ومفهوم التوحيد، وتبينت لهم الفروق الفاصلة بين العلم والجهل، وبين الإسلام
стр. 39
والجاهلية، وبين توجيه الوجه للذي فطر السموات والأرض وتوجيهه للأصنام أو الشهوات أو اللهو، ولم يكن هناك من خوف على خلط أسلوب القرآن الكريم بغيره.
وكان لاَ بُدَّ من تقييد شروح الرسول ﷺ ، وتفسيراته. لم يكن هناك ظروف توجب عدم كتابة الحديث، وكانت هناك ظروف توجب كتابته.
ومن أجل ذلك أباح الرسول ﷺ كتابته بعد أن كان قد نهى عنها.
وبدأ الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، يكتبون.
روى الإمام البخاري، في كتاب العلم، باب كتابة العلم قال:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: " لاَ، إِلاَّ كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ " (*).
ويروي الإمام البخاري:
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ -