Полный текст (4 600 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ولقد درس الأستاذ الدكتور عبد الله الرسيني في رسالته للماجستير: «فقه الفقهاء السبعة وأثره في فقه مالك»، في تسعين مسألة من أبواب الفقه كافة، وهي حصيلة آراء الفقهاء السبعة بالمدينة التي جمعها من مختلف الكتب، فكانت النتيجة كالتالي:
عدد المسائل المدروسة: ٩٠ (تسعون)
اتفاق مالك مع هؤلاء ٨١
عدد مسائل اختلاف ٩
النتيجة: أن الإمام مالك وافق السبعة في ٩٠ في فتاواهم الجماعية.
يقول د. الرسيني: لا شك أن هذه النسبة عالية جداً، الأمر الذي يعتبر تعبيراً صادقاً عن مدى تأثر مالك بالسبعة.
غير أنه ربما ورد التساؤل: ألا يمكن أن تكون هذه المسائل مما يتفق فيها العلماء ولا يختلفون؟
ولكي نتأكد من صحة هذا الاستنتاج علينا أن نقارن آراء الفقهاء السبعة برأي فقيه معاصر لمالك أو متقدم عليه قليلاً، لكنه من بيئة فقهية أخرى ولم يكن له صلة بعلم هؤلاء كصلة مالك بهم، ولذلك اخترنا أبا حنيفة ﵀ لمعرفة رأيه في تلك المسائل.
ولقد درس الدكتور الرسيني خمساً وأربعين مسألة فقهية من فقه الفقهاء السبعة مع موقف أبي حنيفة في تلك المسائل، وكانت النتيجة أن أبا حنيفة خالف الفقهاء السبعة في ٢٣ مسألة من ٤٥ مسألة أي نسبة المخالفة ٥٣ بالمائة بينما نسبة المخالفة عند مالك ١٠ % فقط.
стр. 37
ثم يقول الدكتور عبد الله الرسيني: وبعد مقارنة آراء السبعة بآراء مالك وآراء أبي حنيفة وبعدما أظهرت لنا تلك المقارنة من اتفاق وخلاف يمكن القول - بكل طمأنينة - أن الإمام مالك كان ينهج نهج الفقهاء السبعة في التفكير الفقهي، ولذلك كثر وفاقه للسبعة حتى أصبح الخلاف في حكم النادر، بينما نرى الأمر عند أبي حنيفة كان على عكس ذلك، وهذا يؤيد نتيجتنا - السالفة - وهي تأثر الإمام مالك بفقه هؤلاء، وبمنهج تفكيرهم الفقهي.
ثم درس الأستاذ الرسيني موقف مالك من آراء فقهاء السبعة كأفراد - دون الفقهي الجماعي للسبعة - فكانت النتيجة كالتالي:
عدد المسائل المدروسة: ٣٦٢
عدد مسائل الاتفاق دون خلاف: ٢٢٩
مسائل وافق فيها البعض وخالف آخرين ٢٦
مخالفة البعض دون الموافقة لأي منهم ١٠٧
مجموع الخلاف: ١٣٣
نسبة الاتفاق: ٦٣
وهذه النسبة في اتفاق مالك مع السبعة تؤكد ما أنتجته مقارنة فقه مالك بفقه جماعة السبعة ومن تأثره بهم تأثراً بالغاً وعلى أساس هذه الدراسة الجادة يمكن القول بكل طمأنينة أن الإمام مالكاً ﵀ كان أميناً على تراث المدينة المنورة التي تمتد جذوره إلى العهد النبوي، وكان منهج تفكيره الأصولي يوافق تماماً منهج أسلافه، وليست هذه الدراسة فقط كشفت هذه الحقيقة، ولكن الموطأ نفسه خير شاهد على هذا.
стр. 38
لأنه نفسه يستعمل التعبيرات في الموطأ بما يدل على الأخذ بأقوال من سبق فمثلاً يقول:
«وأحسن ما سمعت في ذلك».
وقول ابن شهاب أحب ما سمعت إليّ في ذلك، الموطأ الفقرة ١٠٨.
وذلك أحب ما سمعت إليّ في ذلك، الموطأ الفقرة ١١٨.
وهو أحب ما سمعت إليّ في ذلك، الموطأ الفقرة ٢٠٤.
وعلى هذا أدركت من أرضي من أهل العلم، الموطأ الفقرة ٩٢٠.
وهذا أحسن ما سمعت، الموطأ الفقرة ١٠٨٦.
وقد سمعت من يقول ذلك، الموطأ الفقرة ٩٤٤.
والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا، الموطأ الفقرة ١٠٩٦.
«وأدركت أهل العلم ببلدنا».
«لم يبلغني في النداء، إلا ما أدركت الناس عليه».
فهذا دليل قاطع على أن مالكاً امتداد لغرس المدينة المنورة الذي سقاه الصحابة والتابعون، ثم تسلمها مالك فامتدت جذورها وأوْرقت، وأثمرت حتى شملت القارات الثلاث بداية من خراسان شرقاً والبرتغال غرباً، ومن أوربا وتركيا شمالاً إلى اليمن وحضرموت جنوباً. وهو سر من أسرار الله تعالى.
إن رجلاً انقطع عن الجمعة والجماعات، وزيارة الناس، وحضور الجنائز لسنين، على الرغم من ذلك، كما يقول ابن المبارك: «ما رأيت رجلاً ارتفع مثل مالك بن أنس، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة».
стр. 39
وقد روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «ليضربن الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة».
وقد فسره ابن عيينة أنه: مالك بن أنس.
ولا أعرف محدثاً رزق في حياته وبعد مماته القبول، وانتشار كتابه، وتلقي الأمة له بالقبول مثل ما حصل لموطأ مالك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم.
مما لا شك فيه أن صحيح البخاري أعلى درجة عند المسلمين من كل كتاب ألفه المسلمون في تاريخهم الثقافي، لكن الإمام البخاري ﵀ لم يعط حظوة في حياته مثل الإِمام مالك.
مالك وبداية تدريسه
وقد بدأ الإمام مالك نشاطه التدريسي في وقت مبكر.
قال النسائي: أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ
غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَالِكَ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْهُ بعَدَ مَوْتِ نَافِعٍ بِسَنَةٍ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ حَلْقَةٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الله
بْنُ الْفَضْلِ عَنْ نَافِعَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «الأيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا والْيتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا».
وقد مات نافع في سنة ١١٧ هـ.
وقال أيوب السختياني: قدمت المدينة في حياة نافع ولمالك حلقة.
وكان مالك يقول: «ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل، وأهل الجهة من المسجد، فإن رأوه لذلك أهلاً جلس. وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخاً من أهل
стр. 40
العلم أني لموضع لذلك.
وكان يصعب عليه في مقتبل عمره أن يجلس للتدريس ككبار المشايخ، لكنه تدرج وشهد له الأفاضل من المدينة، والجلة من الآفاق.
«وقال مصعب: كان لمالك حلقة في حياة نافع أكبر من نافع».
«قال ابن وهب: جاء رجل يسأل مالكاً عن مسألة، فبادر ابن القاسم فأفتاه، فأقفل عليه مالك كالمغضب، وقال له: جسرت على أن تفتي يا عبد الرحمن؟ يكررها فلما سكن غضبه، قيل له: من سألت؟
قال: الزهري وربيعة الرأي».
مالك ومجلسه العلمي
إن المتتبع لسيرة الإمام مالك ﵀ يجد أنه كان يحترم أحاديث رسول الله ﷺ أي احترام، كان يسأل الطلبة عن حاجتهم، هل يريدون معرفة المسائل الفقهية أم أحاديث رسول الله ﷺ ، فإذا كانت الرغبة في الأحاديث فلها ترتيب خاص من غسل وتعطر وملابس جديدة، ولها اهتمام ما بعده اهتمام.
أما إن كانت الرغبة في المسائل الفقهية فله اهتمام دون ذلك.
وحين يأتي الحجاج من الآفاق في موسم الحج، فإن هناك ترتيباً خاصاً لأيام المواسم، وترتيب آخر في غير موسم الحج.
ثم كانت هناك مجالس خاصة للفقهاء، لا يشاركهم غيرهم.
وكان له حاجب ينادي كل طبقة على حدة للدخول في المجلس.
стр. 41
ثم ليس هناك لغط أو رفع صوت بل سكوت تام وإصغاء كامل، فيقرأ القارئ بحيث لا يتجاوز الورقتين أو الثلاث.
وحين القراءة هناك من كان يكتب في المجلس ما يسمع، أو يكتب قبل الدرس أو بعده ثم يصحح كراسته بكراسة الشيخ أو القارئ.
وكان مالك دقيقاً جداً في تعليمه. صارماً في دروسه، محدوداً في المادة التي يلقيها. من استزاد عوقب أو سجن.
وإذا طلب معاملة خاصة رفض سواءً كان خليفة أم أميراً أم فقيراً.
وكان مالك مرهف الحس، وكان يتأثر بحسن الطلب، وإذا استثقل القارئ استبدله بغيره.
هذه صورة عامة لمجلس الإمام مالك حين تدريسه وإملائه، والنصوص الآتية تدلل على ذلك.
مالك وتفريقه بين مجلس الحديث ومجلس الفقه
١ - «قال مطرف: وكان مالك إذا أتاه الناس خرجت إليهم الجارية، فتقول لهم: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل؟
فإن قالوا: المسائل. خرج إليهم، فأتاهم، وإن قالوا: الحديث، قال لهم: اجلسوا، ودخل مغتسله، فاغتسل، وتطيب، ولبس ثياباً جدداً، ولبس ساجه، وتعمم، ووضع على رأسه طويلة، وتلقى له المنصة، فيخرج إليهم وقد لبس وتطيّب، وعليه الخشوع، ويوضع عود فلا يزال يُبَخّر حتى يفرغ من حديث رسول الله ﷺ ».
٢ - ويصف مجلسه تلميذ آخر من كبار تلامذته:
ألا وهو معن بن عيسى وهو يقول: «كان مالك بن أنس رحمة الله عليه
стр. 42
إذا أراد أن يحدث بحديث رسول الله ﷺ اغتسل، وتبخر، وتطيب ... ».
٤ - وقال ابن بكير: «كان مالك بن أنس ﵀ إذا عُرض عليه الموطأ تهيأ ولبس ثيابه، وعمامته، ثم أطرق ولا يتنحنح، ولا يعبث بشيء من لحيته حتى يفرغ من القراءة إعظاماً لحديث رسول الله ﷺ ».
٥ - وقال أبو مصعب: «كان مالك لا يحدث بحديث رسول الله ﷺ إلا وهو على الطهارة إجلالاً لحديث رسول الله ﷺ ».
٦ - قال ابن أبي أويس: «كان مالك إذا جلس للحديث توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدّث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ ، ولا أحدث به إلا على طهارة متمكناً ...
ولم يكن يجلس على المنصة إلا إذا حدّث عن رسول الله ﷺ ».
فهذه النصوص تدل دلالة واضحة على احترامه الشديد لأحاديث النبي ﷺ ، وكان اهتمامه فوق اهتمامه لتدريس المسائل الفقهية.
وفي تدريسه كان يراعي الزمان، إذ كان يكثر الطلاب في موسم الحج ممن يأتون لزيارة المدينة ويقصدون مالكاً للعلم.
قال يحيى: «إذا قدم الحاج جعل بواباً على بابه يأذن أولاً لأهل المدينة، فإذا دخلوا قال للبواب: تنح، وكان آذنه يخص أولاً أصحابه، فإذا فرغ منهم أذن للعامة».
стр. 43
تصنيفه لطلابه
وتقديم أهل العلم والفضل في المجلس كان معمولاً به عند مالك، بينما لا يلقي بالاً لعلية القوم في المجتمع إذا لم يكونوا من أهل العلم.
قال جعفر بن إبراهيم: كلم صديق لأبي مالكاً أن أسمع منه، فأذن، فكنت أختلف إليه وأنا مدل بنسبي من الرسول ﵊ وموضعي، فأتخطى الناس إلى وساد مالك فلا يتزحزح، ويريني أنه لم يدنني احتقاراً لي، فشكوت ذلك إلى أبي وغيره فبعثوا إليه يسألونه إكرامي، وأثرتي، فقال للرسول: ما هو عندنا وغيره سواء، إنما هي عافاك الله مجالس علم، السابق إليها أحق بها، فكنت آتي وقد أحدق الناس، فما يوسع لي فأستدني حيث وجدت».
وأختم هذه الفقرة. بموقفه مع الخليفة المجاهد هارون الرشيد، وفيه عظة، وعبرة وإكبار وإجلال للعلم والعلماء، والخلفاء الذين كانوا يحكمون العالم ثم لا يتكبرون على العلم بل يتشرفون بأن يُحسبوا من زمرة الطلاب.
قال ابن عساكر:
«أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن منصور المالكي قال: أنبأني أبو العباس الفقيه، قال: أنبأ عبد الوهاب بن عبد الله الحافظ، قال: ثنا أبو يعلى عبد العزيز بن عبد القريب الحراني المقرئ قال: ثنا أبو بكر أحمد بن مروان المالكي قال: حدثني إبراهيم بن نصر النهاوندي، قال: حدثني عتيق بن يعقوب الزبيري قال:
قدم هارون الرشيد المدينة، وكان قد بلغه أن مالك بن أنس ﵀ عنده الموطأ يقرؤه على الناس، فوجه إليه البرمكي فقال: أقرئه السلام وقل له: يحمل إليّ الكتاب، فيقرأه عليّ، فأتاه البرمكي.
стр. 44
فقال له: أقرئه السلام، وقل له: إن العلم يزار ولا يزور، وإن العلم يؤتى ولا يأتي،
فأتاه البرمكي فأخبره، وكان عنده أبو يوسف القاضي فقال: يا أمير المؤمنين، يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك بن أنس في أمر فخالفك أعزم عليه، فبينا هو كذلك، إذ دخل مالك بن أنس فسلم وجلس،
فقال: يا ابن أبي عامر: أبعث إليك فتخالفني؟!
فقال مالك: يا أمير المؤمنين أخبرني الزهري، وذكره عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه ﵁ قال:
كنت أكتب الوحي بين يدي رسول الله ﷺ فنزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ [النساء: ٩٥] قال: وابن أم مكتوم بين يدي رسول الله ﷺ . فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير، وقد أنزل الله في فضل الجهاد ما قد علمت.
فقال النبي ﷺ : «لا أدري». وقلمي رطب ما جفّ حتى وقع فخذ النبي ﷺ على فخذي، ثم أغمي على النبي ﷺ ، ثم جلس ﷺ ، فقال: يا زيد اكتب: ﴿غير أولي الضرر﴾ [النساء: ٩٥].
ويا أمير المؤمنين حرف واحد بعث فيه جبريل، والملائكة من مسيرة خمسين ألف عام، ألا ينبغي لي أن أعزه وأجلّه، وإن الله ﵎ رفعك وجعلك في هذا الموضع بعلمك، فلا تكن أنت أول من يضع عِزّ العلم فيضعُ الله عِزَّك.
قال: فقام الرشيد فمشى مع مالك إلى منزله يسمع منه الموطأ، وأجلسه معه على المنصة، فلما أراد أن يقرأه على مالك قال: تقرأه عليَّ؟
قال مالك: ما قرأته على أحد منذ زمان:
قال: فتخرج الناس عني حتى أقرأه أنا عليك.
стр. 45
فقال مالك: إن العلم إذا منع من العامة لأجل الخاصة لم ينفع الله به الخاصة، فأمر له معن بن عيسى القزاز ليقرأه عليه، فلما بدأ بالقراءة ليقرأه، قال مالك بن أنس لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين، أدركت أهل العلم ببلدنا، وإنهم ليحبون التواضع للعلم، فنزل هارون عن المنصة فجلس بين يديه». رحم الله هارون الرشيد، ورضي عنه.
وقد ذكر «القاضي الفاضل في بعض رسائله، ما أعلم أن لمالك رحلة في طلب العلم إلا الرشيد فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ عن مالك. قال: وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين، ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين إلى الإسكندرية، فسمعه على طاهر بن عوف، ولا أعلم لهما ثالثاً. انتهى من مجلة الهداية الإسلامية».
تدريس مالك في المسجد النبوي
موضع مجلس مالك في المسجد النبوي
قال مصعب: كان مالك يجلس عند نافع مولى ابن عمر في الروضة حياة نافع وبعد موته.
وقال ابن المنذر: كان مكان مالك من المسجد مكان عمر بن الخطاب، وهو المكان الذي يوضع فيه فراش رسول الله ﷺ في المسجد إذا اعتكف.
ويصف الإمام الشافعي حضوره أول درس للإمام مالك بالمسجد النبوي، فقال: «رأيت مالك بن أنس مؤتزراً ببردة، متوشحاً بأخرى، وهو يقول: حدثني
стр. 46
نافع عن ابن عمر عن صاحب هذا القبر، ويضرب بيده على قبر رسول الله ﷺ ... ».
ونقل محمد الطاهر بن عاشور عن الشافعي، فقال: «قال الشافعي: ولقد شهدت مجلس مالك في رحلتي الثانية إليه وحوله أربعمائة أو يزيدون، وقد دخل مالك من باب النبي ﷺ وأربعة من تلامذته يحملون ديوانه (أي كان ذا أجزاء)، وجلس مالك على الكرسي وألقى مسألة من جراح العمد».
وهذا العدد الضخم الذي ذكره الإمام الشافعي لعدد كبير حقاً، يملأ الروضة الشريفة، بل يزيد، وإيصال صوت القارئ إلى الحضور يتطلب جهداً ومشقة، ولذلك «لما كثر الناس على مالك قيل له: لو جعلت مستملياً يسمع الناس. قال: قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم﴾ [الحجرات: ٢].
وقال: «فمن رفع صوته عند حديث رسول الله فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله».
ولذلك لم يقبل مالك أن يستعين بمستملي في المسجد النبوي.
تدريس مالك في بيته
ولقد اضطر الإمام مالك إلى الانقطاع عن المسجد النبوي، وبدأ يعقد الدروس في بيته، وكثر العدد، وازدحم الناس، فكان لا بد من الاستعانة بمستملي، وقد كان ذلك بالرغم من كرهه له.
قال الواقدي: وهو ممن درس وحضر مجلس مالك ﵀، وهو يصف درسه في منزله
стр. 47
«كان مالك يجلس على ضجاع، ونمارق مطروحة في منزله يمنة ويسرة لمن يأتي من قريش والأنصار والناس.
وكان مجلس وقار وعلم وكان رجلاً مصيباً نبيلاً، ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط، ولا رفع صوت إذا سئل عن شيء فأجاب سائله لم يُقل له من أين رأيت هذا؟
وكان الغرباء يسألونه عن الحديث والحديثين فيجيبهم الفينة بعد الفينة، وربما أذن لبعضهم يقرأ عليه».
وعندما ازدحم الناس عليه في بيته لسماع الموطأ اتخذ مستملياً، وكان ابن علية مستملياً له.
وقال علي بن محمد بن أحمد الرياحي، سمعت أبي يقول: «كنت عند مالك بن أنس أكتب وإسماعيل بن علية قائم على رجليه يستملي».
القراءة في مجلس مالك
ما كان مالك ﵀ يسمح بقراءة الموطأ في مجلسه إلا من فهم العلم وجالس العلماء،
وكان الإمام الشافعي من المحظوظين إذ أعجب الإمام مالك بقراءته، فسمح له بالقراءة. وكان الشافعي قبل أن يلتقي بمالك كان قد سمع من ابن عيينة والزنجي وغيرهما من المكيين.
стр. 48
وقرأ أناس آخرون بين وقت وآخر. فقد قرأ عليه عبد الرحم
ن بن مهدي كتاب الصلاة.
قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: «قلت لأبي: هذه الأحاديث التي تقول: قرأتُ على عبد الرحمن عن مالك، سمعها أو عرضها؟
قال: قال عبد الرحمن: أما كتاب الصلاة فأنا قرأته على مالك.
قال عبد الرحمن: وسائر الكتب قُرئت على مالك وأنا أنظر في كتابي».
ولكن في وقت متأخر، أكثر ما كان يقرأ عليه كاتبه حبيب، وقلما كان الإمام مالك يقرأ بنفسه.
يقول الواقدي: «وكان له كاتب قد نسخ له كتبه، يقال له حبيب: يقرأ للجماعة، فليس أحد ممن حضر يدنو منه، ولا ينظر في كتابه، ولا يستفهمه هيبة له وإجلالاً ... ولم يكن يقرأ كتبه على أحد». ومن المستحسن أن نلاحظ هنا أن الصفات المذكورة في هذا النص ليست للقارئ، ولكنها لمالك ﵁.
قال أبو عبد الله بن مخلد العطار: قال أحمد منصور الرمادي: قال عبد الرزاق: قال عبيد الله بن عمر: «ما أخذنا من ابن شهاب إلا قراءة، كان مالك بن أنس يقرأ لنا، كان جيّد القراءة».
ومن يكون جيد القراءة لا يرضى برديء القراءة.
قال عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني بمصر: قال أبو إبراهيم المُزني: «كان الشافعي يقول: قرأت الموطأ على مالك، ولم يكن يقرأ على مالك إلا من قد فهم العلم وجالس أهله، وكنت قد سمعت من ابن عُيينة».
стр. 49
مقدار القراءة في مجلس مالك
يذكر الإمام الشافعي ﵀ أنه سمع خمسة وعشرين حديثاً في أول درسه من درس الإِمام مالك. وقد قرأ الإمام الشافعي الموطأ في ثمانية شهور.
ويصف مصعب الزبيري قراءة حبيب، فيقول: «كان حبيب يقرأ على مالك، وأنا عن يمين حبيب، يقرأ كل يوم ورقتين أو ورقتين ونصفاً. وكان يأخذ في كل عرضة دينارين من كل إنسان، فزدناه نحن».
وقال الشافعي: «استأذنت على مالك، وكنت أريد أن أسمع منه حديث السقيفة، فقلت: إن جعلته أولاً خشيت أن يستطيله ولم يحدثني، وإن جعلته آخراً خشيت أن لا أبلغه، فجعلته بعد عشرة أحاديث، فأخذت أسأله، فلما مرت عشرة، قال: حسبك فلم أسمعه».
وسمع الإمام محمد الشيباني منه لفظاً في ثلاث سنوات وكسراً سبعمائة حديث.
فإذا نظرنا في مجموعة الروايات تبين أن معدل القراءة على وجه العموم لا يتجاوز صفحتين أو ثلاثاً، وقد يكون هناك الاستثناء في حالات نادرة.
قال القاضي عياض: «قال صفوان بن عمر بن عبد الواحد: عرضنا على مالك الموطأ في أربعين يوماً، فقال: كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يوماً، قلّ ما تتفقهون فيه».
وكان بعض الناس ينظرون في كتابهم وقت القراءة، وبعضهم يتأكد فيسأل الإمام مالك «هذا الذي قرأ عليك حبيب كما قرأ، فيقول: نعم».
стр. 50
قال ابن بكير: «لما عرضنا الموطأ على مالك، قال له رجل من أهل المغرب: يا أبا عبد الله: أُحدِّث بهذا عنك؟
فقال: نعم.
قال: وأقول: حدثني مالك؟
قال: نعم. أما رأيتني فرغت نفسي لكم، وتسمعت إلى عرضكم، وأقمت سقطه وزلله، فمن حدثكم غيري؟ نعم حدِّث بها عني، وقل: حدثني مالك».
فهذا النص يدل على يقظة الإمام يقظة تامة حيث يقول: إذا أخطأ القارئ «أقمت سقطه وزلله».
وقال الواقدي: «وكان حبيب إذا أخطأ فتح عليه مالك، وكان ذلك قليلاً».
هذا وصف موجز لمجلس مالك ﵀ في تدريس الحديث.
عقوبة الاستزادة
كان الإمام مالك ﵀ صارماً في منهجه، فإذا استفسر أحد عن حديث وهو قائم أو ماشٍ فإن جزاءه إما التأنيب الشديد، أو الطرد أو الحبس.
قال ابن مهدي: «مشيت مع مالك يوماً إلى العقيق من المسجد فسألته عن حديث فانتهرني، وفي رواية فالتفت إليّ وقال لي: كنتَ في عيني أجل من هذا، أتسألني عن حديث رسول الله ﷺ ونحن نمشي؟
فقلت: إنا لله ما أراني إلا وقد سقطت من عينه، فلما قعد في مجلسه بعدت منه، فقال: ادنُ ها هنا، فدنوت، فقال: قد ظننت إنا أدبناك، تسألني عن حديث رسول الله ﷺ وأنا أمشي؟ سل عما تريد ها هنا.
стр. 51
قال ابن مهدي: وسألوا مالكاً بالموسم وهو قائم فلم يحدثهم».
قال بشر بن آدم: سأل الأغضب مالكاً عن مسألة ثم عن أخرى فأجابه، ثم عن أخرى فلم يجبه، فقال له: هو لِمَ؟
قال مالك: يا غلام خذ بيده فاذهب به إلى السجن.
قال: إني قاضي أمير المؤمنين.
قال: ذلك أهون لك.
قال: لا أعود، قال: خلِّ سبيله.
قال أبو مصعب: سأل جرير بن عبد الحميد القاضي مالكاً عن حديث وهو قائم فأمر بحبسه.
فقيل: إنه قاض.
فقال: القاضي أحق أن يؤدب، احبسوه، فحبس إلى الغد.
مالك يتأثر بحسن الطلب
لقد ذكر القاضي عياض قصصاً كثيرة مفادها الطرد أو الحبس في حالة الاستكثار. وعلى الرغم من صرامته كان يلين بحسن الخطاب ويتلطف لتلاميذه.
قال القاضي عياض: «ولما حج هاشم بن جريج وهو حدث أتى مالك بن أنس وقد رحل الناس، بورقتين من حديث، فقال له: اقرأ هذه الأحاديث فقد مضى الناس.
فقال مالك: ينتظر أحدكم حتى إذا رحل الناس جاء، فقال: اقرأ لي، فقد رحل الناس.
стр. 52
فالتفت هاشم إلى مالك، فقال: أصلحك الله إن تكن حاجة أو أمر تأمر به انتهيت إلى طاعتك، ووقفت عند أمرك، وفرحت بذلك في نادي قومي، وسُدتُ به على عشيرتي، أستودعك الله، فإن طاعتك فرض، وقولك حكم. أستودعك الله.
قال مالك: مثل هذا طلب العلم، ردّوه، فبعث في طلبه، فأُتي به، فقرأ له، ثم انصرف».
الكتابة في درس الإمام مالك ﵀
قال أبو مصعب: «رأيت معناً - يعني ابن عيسى القزاز - جالساً على العتبة وما ينطق مالك بشيء إلا كتبه».
وسئل يحيى القطان: هل كان مالك يملي عليك؟
قال: «كنت أكتب بين يديه».
وقال مصعب: «كان مالك يرى الرجل يكتب عنده فلا ينهاه، ولكن لا يرد عليه، ولا يراجعه».
قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «وفي شرح القسطلاني على صحيح البخاري في مناقب عبد الله بن سلام في ذكر زيادة في حديث أن عبد الله بن سلام من أهل الجنة، قال عبد الله بن يوسف: إن مالكاً تكلم بقوله: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وشهد شاهدٌ﴾ عقب ذكر الحديث، وكانت معي ألواحي فكتبت هذا، فلا أدري قاله مالك، أو في الحديث».
стр. 53
مالك يصحح كتب أصحابه
قال ابن وهب: كنت أنا آتي مالكاً وهو شاب قوي يأخذ كتابي فيقرأ منه، وربما وجد فيه الخطأ فيأخذ خرقةً بين يديه فيبلها في الماء فيمحوه، ويكتب لي الصواب.
المراسلة مع مالك
كان الناس يكتبون من الآفاق، ويستفتونه، فكان يرد عليهم، وإن تعذر فكان يعطي الكتاب لبعض أصحابه ليرد عليهم.
«قال إسحاق بن عيسى الطباع، قال: كتب إليّ مالك بن أنس جواب كتابي إليه: بلغني كتابك تذكر حديثاً سقط عليك، تسألني عنه، حديث عبد الله بن عمر، وتسأل أن أكتب به إليك، وما أحبّ إلّا حفظك وقضاء حاجتك، وإرشادك إلى كل خير، فإنك ممن أحب حفظه من إخواني وبقاء الود بيني وبينه، وأرجو وفاءه واستقامة مودته، وذلك حديث قد عرفته، حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر، أن عبد الله بن عمر بال وهو بالسوق، ثم توضأ وغسل وجهه ويديه ومسح رأسه، ثم رجع إلى المسجد فدعي إلى جنازة ليصلي عليها فدعا بماء فمسح على خفيه، ثم صلى على الجنازة.
قال إسحاق: ثم لقيت مالكاً بعد فسألته عن الحديث فحدثني به كما كتب به إليّ، وكان نقش خاتمه حسبي الله ونعم الوكيل».
ذكرت هذه النصوص لأوضح موقف مالك من الكتابة، فتبين أنه كان يكتب. وكتب شيئاً كثيراً حتى قيل إنه كتب مائة ألف حديث أو نحواً من عشرة آلاف حديث.
وكان الطلاب يكتبون في مجلسه، وأحياناً يطلب كتب الطلاب فيقرأ ويصحح بنفسه.
وكان الناس يراسلونه من الآفاق ويرشدهم ويوضح لهم، ويفتيهم.
стр. 54
مالك وتعداد أحاديثه
قال القطان: «لما مات مالك ﵀ أخرجت كتبه، أصيب فيها فنداق عن ابن عمر ليس في الموطأ منه شيء إلا حديثين».
وقال ابن مالك: «لما دفنا مالكاً دخلنا منزله فأخرجنا كتبه فإذا فيها سبع صناديق من حديث ابن شهاب ظهورها وبطونها ملأى، وعنده فناديق أو صناديق من كتب أهل المدينة فجعل الناس يقرأون ويدعون ويقولون: رحمك الله يا أبا عبد الله، لقد جالسناك الدهر الطويل فما رأيناك ذاكرت بشيء مما قرأناه».
قال القاضي عياض: «وذكر عتيق بن يعقوب أنه دخل منزل مالك بعد موته مع أبيه ففتح صناديق مملوءة كتباً فقرأها فذكر نحوه، قال: ثم فتح صندوقاً فأخرج منه اثني عشر ألف حديث للزهري، وفتح آخر فأخرج منه سبع صناديق ظهورها وبطونها من حديث أهل المدينة، فما رأيت شيئاً مما ذاكر به أصحابه في حياته».
قال ابن أبي زنبر: «سمعت مالكاً يقول: كتبت بيدي مائة ألف حديث».
وقال أحمد بن صالح: «نظرت في أصول كتاب مالك فإذا شبيه باثني عشر ألف حديث».
والحق أننا لا نستطيع أن نعرف مقدار أحاديثه إلا ما رواه، ومن المعلوم أنه ما روى كل ما سمع.
стр. 55
مما لا شك فيه أن في الأرقام المذكورة مبالغة كبيرة، سببه تفكير بعض العلماء كيف يكون الإمام مالكٌ إماماً وحصيلةُ الحديث في كتابه زهاء سبعمائة حديث، وبالمراسيل والبلاغات ما يقارب الألف.
وقد قال ابن المديني: «لمالك نحو ألف حديث، يعني مرفوعة».
والجواب المحكم للاستغراب عن قلة أحاديث مالك يكمن في النصوص الآتية:
قال الشافعي وذكر الأحكام والسنن، فقال: «العلم - يعني الحديث - يدور على ثلاثة؛ مالك بن أنس وسفيان بن عيينة والليث بن سعد» وذكر الشافعي أحاديث الأحكام فقال: «تدور على أربعمائة ونيف أو خمسمائة».
وقال البويطي: سمعت الشافعي يقول: «أصول الأحكام نيّف وخمسمائة حديث، كلها عند مالك إلا ثلاثين حديثاً، وكلها عند ابن عيينة إلا ستة أحاديث».
وقال ابن القيم: «أصول الأحكام التي تدور عليها نحو خمسمائة حديث، وفرشها وتفاصيلها نحو أربعة آلاف حديث».
فبراعة الإمام مالك هو في انتقائِهِ للأحاديث القليلة التي هي مدار أحاديث الأحكام.
وقد أشار إلى هذا الشيخ ولي الله الدهلوي فقال: «ومن تتبع مذاهبهم، ورزق الإنصاف من نفسه علم لا محالة أن الموطأ عُدة مذهب مالك وأساسه، وعمدة المذهب الشافعي وأحمد ورأسه، ومصباح مذهب أبي حنيفة ونبراسه، وهذه المذاهب بالنسبة للموطأ كالشروح للمتون، وهو منها بمنزلة الدوحة من الغصون، وإن الناس وإن كانوا من فتاوى مالك في رد وتسليم وتنكيت وتقويم فما صفا لهم المشرب، ولا تأتى لهم المذهب إلا بما سعى في ترتيبه واجتهد في تهذيبه. قال الشافعي لذلك: ليس أحد أمنّ عليَّ في دين الله من مالك.
стр. 56
وعلم أيضاً أن الكتب المصنفة في السنن كصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والنسائي وما يتعلق بالفقه من صحيح البخاري وجامع الترمذي مستخرجات على الموطأ تحوم حومه، وتروم رومه».
وهذا جدول إجمالي لما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن طريق الإمام مالك.
عدد الأحاديث المروية عن طريق مالك في مختلف كتب صحيح البخاري
بدء الوحي ١
الإيمان ٨
العلم ٦
الوضوء ١٧
الغسل ٤
الحيض ٤
التيمم ١
الصلاة ٢١
سترة المصلي ٦
مواقيت الصلاة ٨
الأذان ٤٠
الجمعة ٩
صلاة الخوف ٠
العيدين ١
الوتر ٣
الاستسقاء ٤
الكسوف ٥
سجود القرآن ٠
التقصير ٣
التهجد ١٠
استعانة اليد (العمل في الصلاة)
السهو ٥
الجنائز ٩
الزكاة ١١
صدقة الفطر ٢
الحج ٣٠
العمرة ٤
المحصر ١٠
فضائل المدينة ٤
الصوم ١٨
التراويح ٤
الاعتكاف ٢
البيوع ٣١
السلم ٠
стр. 57
الشفعة ٠
الإجارة ٢
الحوالات ١
الكفالة ٠
الوكالة ٦
المزارعة ٢
المساقاة ٧
الاستقراض ٠
الخصومات ١
اللقطة ٢
المظالم ٤
الشركة ١
الرهن ٠
العتق ٤
المكاتب ٢
الهبة ٨
الشهادات ٤
الصلح ٠
الشروط ٣
الوصايا ١٠
الجهاد ٢١
فرض الخمس ٩
بدء الخلق ١٢
الأنبياء ٦
المناقب ٨
فضائل الصحابة ١
مناقب الأنصار ١
مبعث النبي ٢
المغازي ٢٥
التفسير ٢٠
فضائل القرآن ٦
النكاح ٢٠
الطلاق ١٠
النفقات ٢
الأطعمة ١١
العقيقة ٠
الذبائح ٨
الأضاحي ٠
الأشربة ٨
المرضى ٣
الطب ٨
اللباس ١٩
الأدب ١٨
الاستئذان ٤
الدعوات ٨
الرقاق ٧
القدر ١
الأيمان والنذور ٨
الكفارات ٢
الفرائض ٦
الحدود ١
المحاربين ٥
الديات ١
الاستتابة ٠
الإكراه ١
الحيل ٤
стр. 58
التعبير ٤
الفتن ٤
الأحكام ١٠
التمني ١
خبر الواحد ٣
الاعتصام ٩
التوحيد ٥
وهذا الجدول يثبت بدون شك بأن الإمام البخاري ﵀ ملأ كتابه بأحاديث الإمام مالك ﵀، وما من كتاب من كتب صحيح البخاري - سوى ما ندر - إلا وأحاديث الموطأ فيه كأنها أعمدة في ذلك البناء الشامخ.
الإمام مالك واعتناؤه بالنص
كان الإمام مالك ﵀ شديد الاعتناء بالنص، وكان لا يجيز الرواية بالمعنى في أحاديث النبي ﷺ .
قال معن: «كان مالك يتقي في حديث رسول الله ﷺ الياء والتاء ونحوهما».
وروى عنه ابن عمير مثله.
قال الخطيب البغدادي: «أخبرنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز الهمذاني، قال: ثنا صالح بن أحمد الحافظ، قال: ثنا القاسم بن أبي صالح، قال: سمعت أبا حاتم يعني الرازي يقول: سمعت سعيد بن عفير يقول: قال مالك بن أنس: كل حديث للنبي ﷺ يؤدى على لفظه، وعلى ما روي، وما كان عن غيره فلا بأس إذا أصاب المعنى».
وقال الخطيب البغدادي: «أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: ثنا عبيد الله بن محمد العكبري، قال: ثنا حمزة بن القاسم الخطيب، قال: ثنا
стр. 59
عمر بن مدرك، قال: ثنا عبد العزيز بن يحيى المديني مولى أبي هاشم، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: ما كان من حديث رسول الله ﵌ فلا تعدُ اللفظ، وما كان من غيره فأصبت المعنى فلا بأس».
وقال الخطيب: «أخبرنا أبو بكر محمد بن المؤمل الأنباري، قال: أنا محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح الأبهري، قال: ثنا عبيد الله بن الحسن الصابوني، قال: ثنا مالك بن عبد الله بن سيف التجيبي بمصر، قال: ثنا عبد الله بن عبد الحكم، قال: قال أشهب: سألت مالكاً عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى (واحدٌ) فقال: أما ما كان منها من قول رسول الله ﷺ فإني أكره ذلك، وأكره أن يزاد فيها، وينقص منها، وما كان من قول غير رسول الله ﷺ فلا أرى بذلك بأساً إذا كان المعنى واحداً».
وقال الخطيب: «أخبرنا أبو بكر البرقاني، قال: أنا محمد بن عبد الله بن خميرويه الهروي، قال: أنا الحسين بن إدريس، قال: ثنا ابن عمار عن معن، قال: سألت مالكاً عن معنى الحديث، فقال: أما حديث رسول الله ﷺ فأدِّه كما سمعته، وأما غير ذلك فلا بأس بالمعنى».
لقد ادّعى الدكتور بشار عواد في ذلك على الرغم من اعترافه بدقة الضبط عند مالك إلا أنه يرى أن الإمام مالكاً كان يروي بالمعنى أيضاً، مستدلاً باختلاف الروايات. وهذا نص كلامه:
قال الدكتور بشار عواد: «أما اختلاف الموطآت فيعود فيما نرى إلى سببين رئيسين يتصل أحدهما بالآخر:
الأول: اختلاف الأزمنة التي أخذ فيها كل راوٍ روايته مما يبين أن مالكاً
стр. 60
كان يعدل ويغيّر في ترتيب الكتاب وتبويبه، ويزيد فيه وينقص منه هنا وهناك، أو يغير في لفظه مما يراه مناسباً، ومن هنا يتعين الانتباه إلى آخر ما ارتضاه من الموطأ باعتباره يمثل النشرة الأخيرة التي أرادها المؤلف لهذا الكتاب.
الثاني: جواز رواية الحديث بالمعنى، وهو أمر يحتاج إلى مزيد توضيح وبيان على الرغم من تناول كتب مصطلح الحديث هذا الموضوع، وقولهم بأن رواية الحديث جائزة بالمعنى شرط أن لا تحيل المعاني عن مواضعها ومقاصدها.
والحقّ أن الموطأ من الأمثلة الواضحة على رواية الحديث بالمعنى، وعدم الالتزام الكامل بالألفاظ وتسلسلها بين رواية وأخرى، فالملاحظ أن الاختلاف بين الموطآت في ألفاظ الأحاديث كثير إلى حد يصعب حصره في التعليق على أية رواية من هذه الروايات، وقد جربنا ذلك مثلاً بين رواية يحيى المصمودي ورواية أبي مصعب الزهري، أو محاولة إثبات الخلاف في ألفاظ الحديث بين رواة الحديث عند مالك، فوجدنا أن الأمر يحتاج إلى تسويد مئات الصفحات من الحواشي لتوضيح هذه الاختلافات. وفي الوقت الذي نؤكد هذه الحقيقة الماثلة للعيان جراء التجربة والملاحظة، علينا أن ندرك في الوقت نفسه جملة أمور منها:
أ - أن الإمام مالك بن أنس قد بلغ الغاية في الدقة والضبط والإتقان والإمامة والديانة، وهو إمام في الحديث قلّ نظيره، وأنه قد أملى الموطأ في مدد مختلفة، فكأنه كان يغير في بعض الألفاظ أو يختصر بين حين وآخر.
ب - وإنما يدل على صحة ما ذكرنا أن الرواة الثقات لموطأ مالك قد اختلفوا فيما بينهم اختلافاً كبيراً يدل على احتمال أن يكون هذا الاختلاف من مالك نفسه، فضلاً عن احتمال بعض التغييرات في الألفاظ من الرواة أنفسهم بسبب روايتهم لها».
стр. 61
وللرد على هذا أقول: إن هذه الدراسة اعتنت باختلاف الروايات، والفروق التي بينها، فإذا بحثنا عن مصدر اختلاف الروايات نجد أن أكثر هذه الاختلافات ترجع إلى تلاميذ الإمام مالك وقليل منها جداً يمكن نسبته إلى الإمام مالك نفسه، وسيتضح هذا لكل من ينظر في هذه الطبعة من الموطأ إن شاء الله.
وقد قارنّا بين روايتي يحيى بن يحيى الليثي، وأبي مصعب الزهري حرفاً بحرف لأحاديث كثيرة وفتاوى عديدة لمعرفة هل هناك ثمة اختلاف بين الروايتين
وقمنا بمقارنة ما يقارب سبعة وتسعين حديثاً وفتوى من رواية يحيى الليثي برواية أبي مصعب الزهري، وهذه مقارنة دقيقة، لم نهمل فيها حتى حروف الجر، ولقد خصصنا لهذه الدراسة الملحق /١ وهذه الدراسة لا تؤيد ما ذهب إليه الدكتور بشار عواد، ويثبت أن في كلامه تهويلاً كثيراً.
مالك والكتابة والإجازة
وكان الإمام مالك يذهب إلى جواز الكتابة والمناولة والإجازة ولكن في نطاق ضيق، ويختلف من شخص لآخر.
قال مطرف: «حضرت مالكاً يأتيه الرجل بالدفتر فيسأله أن يجيزه، فيفعل».
«وروى ابن وهب أنه رأى مالكاً مرة فعله، ومرة كرهه».
«وقد كتب ليحيى بن سعيد الأنصاري مائة حديث لابن شهاب، فقيل له: أقرأها عليك؟
قال: كان أفقه من ذلك».
стр. 62
قال مصعب: «وسأله المهدي أن يسمع منه كتبه، فقال له: هذا شيء يطول عليك، ولكن أكتبها لك وأصححها، وأبعث بها إليك، وكان أكثر أمله أن يقرأ عليه، ولا يقرأ».
مالك: العرض والسماع سواء
قال إسماعيل بن أبي أويس: «السماع على ثلاثة أوجه: القراءة على المحدث، وهو أصحها، وقراءة المحدث، والمناولة، وهو قوله: أرويه عنك، وأقول: حدثنا، وذكر عن مالك مثل ذلك».
قال يحيى بن صالح: «كنت عند مالك بن أنس جالساً، فسأله رجل فقال يا أبا عبد الله: الكتاب تقرؤه عليّ أو أقرؤه عليك، أو تجيزه لي، فكيف أقول؟
فقال لي: قل في ذلك كله إن شئت: حدثنا مالك بن أنس».
قال عبد الله بن وهب: «كنت عند مالك بن أنس جالساً، فجاءه رجل قد كتب الموطأ يحمله في كسائه، فقال له: يا أبا عبد الله هذا موطؤك، قد كتبته وقابلته، فأجزه لي، فقال: قد فعلت.
قال: فكيف أقول: أخبرنا مالك، أم حدثنا مالك؟
قال له مالك: قل أيهما شئت».
قال الفريابي: «سمعت قتيبة يقول: كنت في كل مجلس أقوم إلى مالك، فأقول: هذا الذي قرأ عليك حبيب كما قرأ؟
فيقول: نعم.
стр. 63
فأقول: أقول: حدثنا مالك؟
فيقول: نعم».
وقال أبو نعيم الحلبي: «دخلت على مالك بن أنس، ومعي إسماعيل بن صالح، فأخرج كتاباً مشدوداً، فقال: هذا كتابي، قد نظرت فيه، فاروه عني، فإني قد صححته.
فقال له إسماعيل: فنقول: حدثنا مالك بن أنس؟
قال: نعم».
قال عبد الرحمن: «سمعت مالكاً يقول: القراءة والسماع سواء».
وقال عبد الرحمن بن سلام: «دخلت على مالك بن أنس وعلى بابه من يحجبه، وقال: بين يديه ابن أبي أويس، وهو يقول: حدثك نافع، حدثك ابن شهاب، حدثك فلان وفلان، فيقول مالك: نعم، نعم. فلما فرغ قلت: يا أبا عبد الله عوضني مما حدثته بثلاثة أحاديث تقرؤها عليّ.
قال: أعراقي، أعراقي؟ أخرجوه عني».
مؤلفات الإمام مالك
ذكر القاضي عياض في ترتيب المدارك مؤلفات الإمام مالك - غير الموطأ الذي يعد أشهر مؤلفاته - وسنفرد باباً خاصاً للموطأ -:
١ - رسالة ابن وهب في القدر. قال الذهبي: «وإسنادها صحيح».
٢ - كتاب في النجوم، وحساب مدار الزمان ومنازل القمر.
стр. 64
٣ - رسالة مالك في الأقضية، كتب بها إلى بعض القضاة عشرة أجزاء ذكرها الذهبي ولم يعلق عليها.
٤ - رسالته إلى أبي غسان محمد بن مطرف في الفتوى، ذكرها الذهبي بدون تعليق.
٥ - رسالة إلى هارون الرشيد.
قال الذهبي: «إسنادها منقطع، ذكرها إسماعيل القاضي وغيره، وفيها أحاديث لا تعرف.
قلت -: القائل هو الذهبي - هذه الرسالة موضوعة».
«وقال القاضي الأبهري: فيها أحاديث لو سمع مالك من يحدث بها لأدبه».
٦ - التفسير لغريب القرآن. وقال الذهبي: جزء في التفسير.
٧ - كتاب السير، من رواية ابن القاسم.
قال الذهبي: هو جزء واحد.
٨ - رسالة إلى الليث بن سعد في إجماع أهل المدينة.
محنة مالك
الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من خواص الإسلام. قال الله تعالى:
стр. 65
﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ [آل عمران: ١١٠]، زد على ذلك من واجب العلماء ترشيد العامة، والخاصة إلى ما هو الحق والصواب، وفي سبيل أداء هذا الواجب لقي خيار الأمة ما لقوا من الامتحان، وقد مر بذلك الإمام مالك ﵀ أيضاً.
فقد جُرد مالك ﵀ من ثيابه، وضرب بالسياط، وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه، وكان ذلك سنة ست وأربعين ومائة. وكان من أثر ذلك أنه كان يضطر أن يحمل إحدى يديه بالأخرى.
قال إبراهيم بن حماد الزهري: رأيت مالكاً يحمل إحدى يديه بالأخرى.
واختلف العلماء في سبب هذه المحنة، فذكر الطبري أن أبا جعفر نهى مالكاً عن الحديث:
«ليس على مستكره طلاق». ثم دسّ إليه من يسأله، فحدثه به على رؤوس الناس، فضرب لأجل ذلك.
وذكر الواقدي سبباً آخر، وهو شديد الصلة بالسبب الأول.
قال الواقدي: «لما دعي مالك، وشوور، وسمع منه وقُبل قوله حُسد وبغوه بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة سعوا به إليه وكثروا عليه عنده، وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المكره: أنه لا يجوز عنده.
قال: فغضب جعفر، فدعا بمالك، فاحتج عليه بما رُفع إليه عنه، فأمر بتجريده، وضربه بالسياط، وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه، وارتكب منه أمر عظيم، فوالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو».
стр. 66
وعلق عليه ابن النديم صاحب الفهرست قائلاً: «وكأنما كانت تلك السياط حلياً عليه».
وقال الذهبي: «قلت: هذا ثمرة المحنة المحمودة أنها ترفع العبد عند المؤمنين، وبكل حال فهي بما كسبت أيدينا، ويعفو الله عن كثير، ومن يرد الله به خيراً يصيب منه».
لكن ماذا كان موقف مالك ﵁ وأرضاه من هذه المحنة؟
حُمل مالك من الضرب مغشياً عليه فلما أفاق، قال: «أشهدكم أني جعلت ضاربي في حلٍّ».
وبيّن سببه، فقال: «تخوفت أن أموت أمس فألقى النبي ﷺ فأستحي منه أن يدخل بعض آله النار بسببي».
وبعد مدة وجيزة دار الزمان، وغضب المنصور على ضارب مالك، وضرب ونيل منه أمر شديد.
«فبُشر مالك بذلك، فقال: سبحان الله أترون حظنا مما نزل بنا الشماتة به؟ إنا لنرجو من عقوبة الله أكثر من هذا، ونرجو من عفو الله أكثر من هذا، وقد ضربت فيما ضرب فيه محمد بن المنكدر، وربيعة وابن المسيب، ولا خير فيمن لا يؤذى في هذا الأمر».
صفاته الخلقية والخلقية
كان مالك ﵀ طويلاً جسيماً، عظيم الهامة، أبيض الرأس واللحية.
стр. 67
قال عيسى بن عمر: ما رأيت قط بياضاً ولا حمرة أحسن من وجه مالك، كان أعين حسن الصورة، أشم، عظيم اللحية تامها، تبلغ صدره، ذات سعة وطول، وكان يأخذ شاربه ولا يحلقه، ولا يحفيه، ويراه مثلة.
قال الذهبي: وقيل: كان أزرق العين.
وقد وسع الله عليه في الرزق، وكان يُرى عليه أثر نعمته فكان يعتني بملبسه ومأكله ومجلسه.
ملابسه
قال خالد بن خداش: «رأيت على مالك طيلساناً طرازيّاً
وقلنسوة، وثياباً مروية جياداً، وفي بيته وسائد، وأصحابه عليها قعود، فقلت له: يا أبا عبد الله: الذي أرى شيئاً أحدثته أم وجدت الناس عليه؟
قال: رأيت الناس عليه».
وقال بشر بن الحارث: «دخلت على مالك فرأيت عليه طيلساناً يساوي خمسمائة، قد وقع جناحاه على عينيه أشبه شيء بالملوك».
قال الزبيري: «كان مالك يلبس الثياب العدنية الجياد والخراسانية والمصرية المرتفعة البيض، ويتطيب بطيب جيد، ويقول: ما أحب لأحد أنعم الله عليه إلا ويرى أثر نعمته عليه وخاصة أهل العلم، وكان يقول: أحب للقارئ أن يكون أبيض الثياب».
стр. 68
وقال الأشهب: «كان مالك يستعمل الطيب الجيد المسك وغيره».
قال ابن أبي أويس: ما رأيت في ثوب مالك حبراً قط.
داره
وكانت داره واسعة جداً حتى تتسع للعدد الكبير من الطلاب.
وكانت دار مالك بن أنس التي كان ينزل بها بالمدينة دار عبد الله بن مسعود.
قال أحمد بن صالح: مالك بن أنس لم يكن له منزل. كان يسكن بكراء إلى أن مات.
ولذلك يرى بعض الباحثين أنه كان يستكري بيت عبد الله بن مسعود.
مأكله ومشربه
قال إسماعيل بن أبي أويس: «كان في كل يوم لحمه درهمان، وكان يأمر خبازه سلمة في كل يوم جمعة طعاماً كثيراً.
قال مطرف: لو لم يجد مالك كل يوم درهمين يبتاع بهما لحماً إلا أن يبيع في ذلك متاعه لفعل. وكانت وظيفته في لحمه.
وقال ابن أبي حازم: قلت لمالك: ما شرابك يا أبا عبد الله؟
قال: في الصيف السكّر، وفي الشتاء العسل.
стр. 69
وكان مالك يعجبه الموز ويقول: لم يمسه ذباب، ولا يد أسود، ولا شيء أشبه بثمر الجنة منه، لا تطلبه في شتاء ولا صيف إلا ووجدته. قال الله: ﴿أكلها دائم وظلها﴾.
وفاته
ولقد مرض الإمام مالك ﵀ لاثنين وعشرين يوماً.
وتوفي صبيحة أربع عشرة يوم الأحد من شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة.
قال بكر بن سليمان الصواف: «دخلنا على مالك في العشية التي قبض فيها، فقلنا: كيف تجدك؟ قال: لا أدري ما أقول لكم إلا أنكم ستعاينون غداً من عفو الله ما لم يكن في حساب».
ولقد وجدت في مخطوطة أنقرة حكاية عن يحيى بن يحيى الليثي، يذكرها عن آخر لقاء مع الإمام مالك.
قال يحيى بن يحيى: «اجتمع عند مالك بالمدينة من كان من أهل الفقه، ومن غير أهل المدينة من الأمصار ممن كان عنده طالباً لهذا الأمر في مرضه الذي مات فيه وأنا منهم، فدخلنا عليه ونحن مائة وثلاثون رجلاً فسلمنا عليه ومشى إليه كل واحد منا يقف عليه و ... نفسه ويسأله عن حاله، فلما فرغنا من فعل ذلك أقبل علينا بوجهه، ثم قال: الحمد لله الذي أضحك وأبكى، والحمد لله الذي أمات وأحيى، ... أمر الله، ولا بد من لقاء الله.
стр. 70
فقلنا له: يا أبا عبد الله! كيف تجدك؟
قال: أجدني مستبشراً بصحبة أولياء الله، وهم أهل العلم، وليس شيء أعزّ على الله بعد أنبيائه منهم، ومستبشراً بطلبي هذا الأمر، لأن كل عمل فرضه الله وسنه رسوله ﷺ فقد بشر بثوابه رسوله، فقال: من لزم الصلاة، وحافظ عليها فله كذا وكذا، ومن حجّ بيت الله حجة مبرورة فله عند الله كذا وكذا، ومن جاهد في سبيل الله يريد ما عند الله فله عند الله كذا وكذا، كل هذا قد عرفه من ألهمه الله هذا الأمر إلا طالب هذا الأمر ومعلمه فلم يبلغ علم عالم أن يعلم ما لطالب هذا الأمر عند الله من الكرامة والثواب.
والله لأحدثنكم بحديث حدثني به ربيعة ما حدثتكم به إلى وقتي هذا يقول: والله الذي لا إله إلا هو لرجل يعطى في صلاته فلا يدري كيف يرفعها فيأتيني مستفتياً فأفتيه فيها بالعلم فأحمله على الصواب خير من أن تكون لي الدنيا كافة منها في الآخرة.
ولأحدثنكم بحديث ما حدثتكم به إلى وقتي هذا. والله الذي لا إله إلا هو لست أقول باباً من العلم، ولكني أقول لكم لشيء من العلم أسمعه من العالم فيتشابه عليّ بعضه فأقول في نفسي قال لي كذا وكذا فأذكره وقد أخذت مضجعي فأبيت متفكراً فيه حتى أصبح، وإذا أصبحت أتيته فسألته عنه، فلهمتي به خير من مائة حجة مبرورة.
وسمعت ابن شهاب غير مرة يقول: والله الذي لا إله إلا هو لرجل يستفتيني عن شيء من دينه فلا أسرع له بالجواب حتى ابتغي نفسي من أحمله على السنة أحب إليّ من مائة غزوة أغزوها في سبيل الله، فقلت: لكل واحد منهما حين حدثني حديثه، هذا لكم، فما للطالب؟
فكل قال لي: هيهات هيهات، انقطع العلم، نسأل الله التوفيق لنا ولكم.
قال يحيى: هذا آخر حديث سمعته من مالك ﵀ «قوبل، وعليه
стр. 71
علامة التصحيح، والحمد لله»، وبعض الكلمات مشكوك في قراءتها، والرواية مستغربة وقد سألت عنها أستاذنا الشيخ محمد الشاذلي بن نيفر حفظه الله، وقد قرأت عليه بالاختصار فأظهر الاستغراب. ولم أجد هذا الكلام في مصدر آخر.
دفنه
غسله ابن كنانة وابن أبي زنبر، وابنه يحيى وكاتبه حبيب يصبان عليه الماء، ونزل في قبره جماعة، وأوصى أن يكفن في ثياب بيض، وأن يصلى عليه في موضع الجنائز.
تركة مالك بن أنس
قال القاضي عياض: قال ابن القاسم: مات مالك رحمه الله تعالى عن مائة عمامة فضلاً عن سواها.
وقال محمد بن عيسى بن خلف: خلف مالك خمسمائة زوج من النعل، وقد اشتهى يوماً كساء قومسياً فما بات إلا وعنده سبعة بعثت إليه.
وأهدى إليه يحيى بن يحيى النيسابوري هدية باع من فضلها بثمانين ألفاً.
وقال القاضي إن تركته كانت ثلاثة آلاف وثلاثمائة ونيف ديناراً.
стр. 72
موطأ الإمام مالك، بواعث تأليفه، وتاريخ تصنيفه
لقد بدأت كتابة السنة النبوية في حياة النبي ﷺ ، وازدادت بمرور الزمن ونستطيع أن نقول بكل ثقة وطمأنينة إنه كانت هناك مئات الأجزاء الحديثية، بل الآلاف، المتداولة بين المحدثين، في القرنين الأول والثاني.
بل أكثر من ذلك فقد ظهرت المؤلفات في موضوعات فقهية مختلفة، وتعدت الدراسات إلى التأليفات في السيرة النبوية، والتاريخ، وعلى سبيل المثال رسالة زيد بن ثابت في الفرائض.
قال جعفر بن برقان: «سمعت الزهري يقول: لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض لرأيت أنها ستذهب من الناس».
وروى عنه ابنه خارجة بن زيد بن ثابت كتابه في الفرائض.
قال ابن خير الأشبيلي: «كتاب الفرائض لزيد بن ثابت ﵀ حدثني به أبو بكر ... عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه زيد بن ثابت ﵁».
ولقد ألف الشعبي ﵀ المتوفى ١٠٣ هـ كتباً متعددة، في موضوعات مختلفة مثل كتاب الجراحات، وكتاب في الصدقات، وكتاب في الفرائض، وكتاب في الطلاق، ومجموعة فقهية من الأحاديث، وكتاب في المغازي.
стр. 73
وعروة بن الزبير كانت لديه كتب فقهية كثيرة، وضاعت كتبه بعوامل شتى وكان يتحسر عليها.
وقد نُشِر كتابه في المغازي مؤخراً بتحقيق محمد مصطفى الأعظمي. [مكتب التربية العربي لدول الخليج ١٤٠٠ هـ].
وألف مجاهد بن جبر المتوفى عام ١٠٢ هـ كتاباً في التفسير.
وألف مكحول الشامي المتوفى ١١٨ هـ كتاب السنن في الفقه وكتاب المسائل في الفقه.
وألف أبو الزناد، عبد الله بن ذكوان القرشي المتوفى ١٣٠ هـ كتاب الفقهاء السبعة.
وألف ابن جريج كتباً كثيرة، منها كتاب السنن، وكتاب الحج، وكتاب في التفسير، وكتاب الجامع.
كما ألف ابن أبي عروبة كتباً عديدة، منها: تفسير القرآن، وكتاب السنن، وكتاب المناسك - ولا يزال يوجد جزء من هذا الكتاب - وكتاب النكاح، وكتاب الطلاق.
على كل ليس هذا استقصاء للمؤلفات قبل موطأ الإمام مالك ﵀، ومن يرغب في المزيد فلينظر دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه لمحمد مصطفى الأعظمي من ص ٩٢ - ٣٢٥.
إذن في عهد الإمام مالك كانت هناك مؤلفات معروفة متداولة، بل هناك كتب ألفت باسم الموطأ، مثل موطأ ابن أبي ذئب، وموطأ ابن الماجشون، وسنعود إلى ذكره قريباً إن شاء الله.
أسباب وبواعث تأليف الموطأ
لقد مر بنا آنفاً وجود الحركة العلمية في المجتمع المكي والمدني، وفي حواضر العالم الإسلامي الآخر.
стр. 74
فالتأليف والكتابة ليست غريبة بالنسبة للإمام مالك ﵀، لكن السؤال الذي يطرح ما الذي دفع الإمام مالكاً إلى وضع كتابه الموطأ، ومتى كان ذلك؟
هل أتته الفكرة، لأنه كان يرغب أن يستمر ثواب علمه الطيب، إذ قال رسول الله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
أو أنه رأى غيره يصنع شيئاً فأراد أن يصنع شيئاً أحسن وأتقن مما عمل.
أو طلب منه أحد أن يؤلف كتاباً في العلم؟.
الآثار العديدة تشير إلى أنه كان بطلب من الآخرين، فإذا كان الأمر كذلك فمن يكون ذاك؟ ومتى طلب منه؟ ومتى أنجز عمله؟
يحتار المرء في الجواب عن هذه الأسئلة، وليس هناك بحث شافٍ في الموضوع، وربما لن يكون لأننا لا نملك نصاً صريحاً واضحاً إلا بعض الاستنتاجات من النصوص المبثوثة، والباحثون يختلفون في هذا المجال.
سأذكر بالإجمال هذه الأقاويل مع بيان ما أذهب إليه في هذا المجال.
بواعث التأليف
بمراجعة الانتقاء لابن عبد البر، وترتيب المدارك للقاضي عياض، وكشف المغطى لابن عساكر، وكتب أخرى نرى أنها تشير إلى بواعث مختلفة.
١ - فبعضهم يقول: إن الإمام مالك قام بتأليف الموطأ بطلب من الخليفة المهدي بن المنصور.
٢ - والبعض الآخر يقول: إنه كان بناءً على طلب وتوجيه من الخليفة أبي جعفر المنصور.
٣ - والبعض الآخر يقول: إنه كان من تلقاء نفسه عندما اطلع على عمل ابن ماجشون.
وسأذكر هذه الروايات بشيء من التفصيل.
стр. 75
طلب الخليفة المهدي لوضع الكتاب
قال القاضي عياض: «ورُوي أن المهدي قال له: ضع كتاباً أحمل الأمة عليه. فقال له مالك: أما هذا الصقع يعني المغرب، فقد كفيته، وأما الشام ففيه الأوزاعي، وأما أهل العراق فهم أهل العراق».
ونجد أصل هذا النص عند ابن عبد البر، حيث يقول: حدثنا أحمد بن محمد، قال: نا أحمد بن الفضل، قال: نا محمد بن جرير، قال: نا العباس بن الوليد، قال: نا إبراهيم بن حماد الزهري المدني، قال: سمعت مالكاً يقول: قال لي المهدي: يا أبا عبد الله
، ضع لي كتاباً أحمل الأمة عليه، فقلت له: يا أمير المؤمنين، أما هذا الصُّقْع - وأشار إلى المغرب - فقد كفيتكه، وأما الشام ففيهم الرجل الذي علمته يعني الأوزاعي، وأما أهل العراق فهم أهل العراق.
قال أبو جعفر محمد بن جرير: هكذا حدثني به العباس
بن الوليد، عن إبراهيم بن حماد».
يلاحظ في هذا النص الإشادة بالأوزاعي، والذي مات قبل مبايعة المهدي.
كما نرى في هذه النصوص ما يدل على أن الخليفة المهدي طلب من الإمام مالك تأليف الكتاب، ولو أن الوقائع التاريخية كما أشرت إليه لا تتفق مع هذه الرواية.
طلب الخليفة أبي جعفر المنصور لوضع الكتاب
١ - قال القاضي عياض: «وروى أبو مصعب أن أبا جعفر قال لمالك: ضع للناس كتاباً أحملهم عليه، فكلمه مالك في ذلك.
فقال: ضعه فما أحد أعلم منك، فوضع الموطأ فلم يفرغ منه حتى مات أبو جعفر».
следующие страницы →