← Адаб

Адаб · id 28113

مقامات بديع الزمان الهمذاني

بديع الزمان الهمذاني

Полный текст (445 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

يا وَكْفَ البيْتِ، يَا كَيْتَ وَكَيْتَ، واللهِ لوْ وَضَعْتَ أسْتَكَ عَلَى النُّجُومِ، وَدَلَّيْتَ رِجْلَكَ في التُّخُومِ، وَاتَّخَذْتَ الشِّعْرَى خُفّاً، وَالثُرَيَّا رَفَّاً، وَجَعَلْتَ السَّماءَ مِنْوَالاً، وَحِكْتَ الهَوَاءَ سِرْبالاً، فَسَدَّيْتَهُ بِالْنَّسْرِ الطَّائِرِ، وَأَلْحَمْتَهُ بالفَلَكِ الدَّائِرِ، ما كُنْتَ إِلاَّ حَائِكاً. قَالَ عِيسَى بْنُ هِشامٍ: فَوَ اللهِ مَا عَلِمْتُ أَيَّ الرَّجُلَين أُوثِرُ؟! وَمَا مِنْهُما إِلاَّ بَدِيع الْكَلاَمِ، عَجِيبُ المَقَامِ، أَلَدُّ الخِصَامِ، فَتَرَكْتُهما، وَالدِّينَارُ مُشاعٌ بَيْنَهُمَا، وانْصَرَفْتُ وَمَا أَدْرِي مَا صَنَعَ الدَّهْرُ بِهِمَا. المَقَامَةُ الشِّعْرِيَّةُ حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كُنْتُ بِبِلادِ الشَّامِ، وَانْضَمَّ إِلَى

стр. 352

رُفْقَةٌ، فَاجْتَمَعْنا ذَاتَ يَوْم فِي حَلَقَةٍ، فَجَعَلْنا نَتَذَاكَرُ الشِّعْرَ فَنُورِدُ أَبْيَاتَ مَعَانِيِه، وَنَتَحاجى بِمَعَامِيهِ، وَقَدْ وَقَفَ عَليْنَا فَتَىً يَسْمَعُ وَكَأَنَّهُ يَفْهَمُ، وَيَسْكُت وَكَأَنَّهُ يَنْدَمُ، فَقُلْتُ: يَا فَتَى قَدْ آذَانَا وُقُوُفكَ؛ فَإِمَّا أَنْ تَقْعُدَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْعُدَ، فَقالَ: لا يُمْكِنُنِي القُعُودُ، وَلَكِنْ أَذْهَبُ فَأَعُودُ، فَالزَمُوا مَكانَكُمْ هَذا، قُلْنَا: نَفْعَلُ وَكَرَامَةً، ثُمَّ غَابَ بِشَخْصِهِ، وَمَا لَبِثَ أَنْ عادَ لِوَقْتِهِ، وَقَالَ: أَيْنَ أَنْتُمْ مِنْ تِلْكَ الأَبْيَاتِ؟ وَمَا فَعَلْتُمْ بِالمُعَمَّياتِ؟ سَلُونِي عَنْهَا، فَمَا سَأَلْنَاهُ عَنْ بَيْتٍ إِلاَّ أَجَابَ، وَلا عَنْ مَعْنَىً إِلاَّ أَصَابَ، وَلَمَّا نَفَضْنَا الكَنَائِنَ، وَأَفْنَيْنَا الخَزَائِنَ، عَطَفَ عَلَيْنَا سائِلاً، وَكَرَّ مُبَاحِثاً، فَقَالَ: عَرِّفُوني أَيُّ بَيْتٍ شَطْرُهُ يَرْفَعُ وَشَطْرُهُ يَدْفَعُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ كُلُّهُ يَصْفَعُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ نِصُفُهُ يَغْضَبُ،

стр. 353

وَنِصْفُهُ يَلْعَبُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ كُلُّهُ أَجْرَبُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ عَرُوضُهُ يُحَارِبُ، وَضَرْبُهُ يُقَارِبُ وَأَيُّ بَيْتٍ كُلُّهُ عَقَارِبُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ سَمُجَ وَضْعُهُ، وَحَسُنَ قَطْعُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ لا يَرْقَأُ دَمْعُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ يَأْبِقُ كُلُّهُ، إِلاَّ رِجْلُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ لاَ يُعْرَفُ أَهْلُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ هُوَ أَطْوَلُ مِنْ مِثْلِهِ، كَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ لا يُمْكِنُ نَبْضُهُ، وَلا تُحْتَفَرُ أَرْضُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ نِصْفُهُ كَامِلٌ وَنِصْفُهُ سَرَابِلُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ لا تُحْصَى عِدَّتُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ يُرِيكَ مَا يُسَرُّ بِهِ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ لا يَسَعُهُ

стр. 354

العَالَمُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ نِصْفُهُ يَضْحَكُ وَنِصْفُهُ يَأَلَمُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ إِنْ حُرِّكَ غُصْنُهُ، ذَهَبَ حُسْنُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ إِنْ جَمَعْنَاهُ، ذَهَبَ مَعْنَاهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ إِنْ أَفْلَتْنَاهُ، أَضْلَلْنَاهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ شَهْدُهُ سَمٌّ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ مَدْحُهُ ذَمٌّ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ لَفْظُهُ حُلْوٌ وَتَحْتَهُ غَمٌّ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ حَلُّهُ عِقْدٌ، وَكُلُّهٌ نَقْدٌ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ نِصْفَهُ مَدٌّ، وَنِصْفُهُ رَدٌّ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ نِصْفُهُ رَفْعٌ، وَرَفْعُهُ صَفْعٌ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ طَرْدُهُ مَدْحٌ؟ وَعَكْسُهُ قَدْحٌ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ هُوَ فِي طَوْفٍ صَلاَةُ الخَوْفِ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ يَأْكُلُهُ الشَّاءُ مَتَّى شَاءَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ إِذَا أَصَابَ الرَّاسَ هَشَمَ الأَضْرَاسَ، وَأَيُّ بَيْتٍ طَالَ، حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ أَرْطَالٍ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ قَامَ، ثُمَّ سَقَطَ وَنَامَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ أَرَادَ أَنْ يَنْقُصُ فَزَادَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ كَادَ يَذْهَبُ فَعَادَ؟

стр. 355

وَأَيُّ بَيْتٍ حَرَبَ العِرَاقَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ فَتَحَ البَصْرَةَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ ذَابَ، تَحْتَ العَذَابَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ شَابَ، قَبْلَ الشَّبَابَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ عَادَ قَبْلَ المِيعَادَ؟ وأَيُّ بَيْتٍ حَلَّ، ثُمَّ اضْمَحَّلَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ أُمِرَ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ أَصْلَحَ، حَتَّى صَلَحَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ اسْبَقَ مِنْ سَهْمِ الطِّرِمَّاحِ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ خَرَجَ مِنْ عَيْنِهِمْ؟ وَأَيُ بَيْتٍ ضَاقَ، وَوَسِعَ الآفَاقَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ رَجِعَ، فَهَاجَ الوَجَعَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ نِصْفُهُ ذَهَبٌ، وَبَاقِيهِ ذَنَبٌ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ بِعْضُهُ ظَلامٌ، وَبَعْضُهُ مُدَامٌ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ جَعَلَ فَاعِلُهُ مَفْعُولاً، وَعَاقِلُهُ مَعْقُولاً؟ وَأَيُّ بَيْتٍ كُلُّهُ حُرْمَةٌ؟ وَأَيُّ بَيْتَيْنِ هُمَا كَقِطَارِ الإِبِلِ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ يَنْزِلُ مِنْ عَالٍ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ طِيَرَتُهُ فِي الفَالِ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ آخِرُهُ

стр. 356

يَهْرُبُ، وَأَوَّلُهُ يَطْلُبُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ أَوَّلُهُ يَهِبُ، وَآخِرُهُ يَنْهَبُ؟. قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَسَمِعْنَا شَيْئاً لَمْ نَكُنْ سَمِعْنَاهُ، وَسَأَلْنَاهُ التَّفْسِيرَ فَمَنَعْنَاهُ، وَحَسِبْنَاهُ أَلْفَاظاً قَدْ جُوِّدَ نَحْتُهُا، وَلا مَعَانِيَ تَحْتَها، فَقَالَ: اخْتَاروا مِنْ هذِهِ المَسَائِلِ خَمْساً لأُفَسِّرَهَا، وَاجْتَهِدُوا فِي البَاقِي أَيَّامَاً، فَلَعَلَّ إِنَاءَكُمْ يَرْشَحُ، وَلَعَلَّ خَاطِرَكُمْ يَسْمَحُ، ثُمَّ إِنْ عَجِزْتُمْ فَاسْتَأَنِفُوا التَّلاَقِيَ، لأُفَسِّرَ البَاقِيَ، وَكَانَ مِمَّا اخْتَرْنَا البَيْتَ الَّذِي سَمُجَ وَضْعُهُ وَحَسُنَ قَطْعُهُ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْهُ فَقالَ: هُوَ قُوْلُ أَبي نُوَاسٍ: فَبِتْنا يَرَانا اللهُ شَرَّ عِصَابَةٍ ... تُجَرِّرُ أَذْيَالَ الفُسُوقِ وَلا فَخْرُ قُلْنَا: فَالْبَيْتُ الَّذِي حَلُّهُ عَقْدٌ، وَكُلُّهُ نَقْدٌ، فَقَالَ: قُوْلُ الأَعْشَى: دَرَاهِمُنَا كُلُّهَا جَيِّدٌ ... فَلا تَحْبِسَنَّا بِتَنْقادِهَا

стр. 357

وَحَلُّهُ أَنْ يُقَالَ دَرَاهِمُنَا جَيِّدٌ كُلُّهَا وَلا يَخْرِجُ بِهَذا الحَلِّ عَنْ وَزْنِهِ قُلْنَا: فَالْبَيْتُ الَّذِي نِصْفُهُ مَدٌّ، وَنِصْفُهُ رَدٌّ، فَقَالَ: قَوْلُ البَكْرِيّ: أَتَاكَ دِيَنارُ صِدْقٍ ... يِنْقُصُ سِتِّيَن فَلْسَا مَنْ أَكُرَمِ النَّاسِ إِلاَّ ... أَصْلاً وَفَرْعاً وَنَفْساً قُلْنَا: فَالْبَيْتُ الَّذِي يَأَكُلُهُ الشَّاءُ، مَتَى شَاءَ، قالَ: بَيْتُ القَائِلِ فَمَا لِلْنَوى؟ جُذّ النَّوَى، قُطِعَ النَّوَىرَأَيْتُ النَّوَى فَطَّاعَةً لَلْقَرَائِنِ قُلْنَا فَالْبَيْتُ الَّذِي طَالَ، حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ أَرْطالٍ، قَالَ: بَيْتُ ابْنِ الرُّومِيّ:

стр. 358

إِذَا مَنَّ لَمْ يَمْنٌنْ بِمَنٍ يًمُنُّهُوَقَالَ لِنَفْسي: أَيُّهَا النَّفْسُ أَمْهِلي قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَعَلِمْنَا أَنَّ المَسَائِلَ، لَيْسَتْ عَواطِلَ، وَاجْتَهَدْنَا، فَبَعْضَها وَجَدْنا، وَبَعْضَها اسْتَفَدْنا، فَقُلْتُ عَلى أَثَرِهِ وَهُوَ عَادٍ: تَفَاوَتَ النَّاسُ فَضْلاً ... وَأَشْبَهَ البَعْضُ بَعْضَا لَوْلاهُ كُنتُ كَرَضْوَى ... طُولاً وَعُمْقاً وَعَرْضا المَقَامَةُ المُلُوكِيَّةُ حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كُنْتُ في مُنْصَرَفي مِنَ الْيَمنِ، وَتَوَجُّهِي إلى نَحْوِ الوَطَنِ، أَسْرِى ذَاتَ لَيْلَةٍ لا سَانِحَ بِهَا إِلاَّ الضَّبُعُ،

стр. 359

وَلا بَارِحَ إِلاَّ السَّبُعُ، فَلَمَّا انْتَضَى نَصْلُ الصَّبَاحِ، وَبَرَزَ جَبِينُ المِصُبَاحِ، عَنَّ لي في الْبَرَاحِ، رَاكِبٌ شَاكي السِّلاحِ، فأَخَذَنِي مِنْهُ ما يأَخُذُ الأَعْزَلَ، مِنْ مِثْلِهِ إِذا أَقْبَلَ، لكِنّي تَجَّلَدْتُ فَوَقَفْتُ وَقُلْتُ: أَرْضَكَ لا أُمَّ لَكَ، فَدُونِي شَرْطُ الحِدَادِ، وَخَرْطُ القَتادِ، وَحَمِيَّةٌ أُزْدِيَّةٌ، وَأَنَا سِلْمٌ إِنْ كُنْتَ، فَمَنْ

стр. 360

أَنْتَ؟ فَقَالَ: سِلْماً أَصَبْتَ، وَرَفِيقاً كَمَا أَحْبَبْتَ، فَقُلْتُ: خَيْراً أَجَبْتَ، وَسِرْنَا فَلَمَّا تَخَالَيْنَا، وَحِينَ تَجَالَيْنَا، أَجْلَتِ القِصَّةُ عَنْ أَبي الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيِّ، وَسَأَلَنِي عَنْ أَكْرَمِ مَنْ لَقَيْتُهُ مِنَ المُلُوكِ، فَذَكَرْتُ مُلُوكَ الشَّامِ، وَمَنْ بِهَا مِنَ الكِرَامِ، وَمُلُوكَ العِرَاقِ وَمَنْ بِهَا مِنَ الأَشْرافِ، وَأُمَرَاءِ الأَطْرَافِ، وَسُقْتُ الذِّكْرَ، إِلَى مُلوكِ مِصْرَ، فَرَوَيْتُ مَا رَأَيْتُ، وَحَدَّثْتُهُ، بِعَوارِفِ مُلُوكِ اليَمَنِ، وَلَطَائِفِ مُلُوكَ الطَّائِفِ، وَخَتَمْتُ الجُمْلَةَ، بِذِكْرِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، فَأَنْشأَ يَقُولُ: يَا سَارياً بِنُجُومِ اللَّيْلِ يَمْدَحُهَاوَلَوْ رَأَى الشَّمْسَ لَمْ يَعْرِفْ لَهَا خَطَرَاً

стр. 361

وَوَاصِفاً لِلْسَّوَاقِي هَبْكَ لَمْ تَزُرِ ال بَحْرَ المُحِيطَ أَلَمْ تَعْرِفْ لَهُ خَبَرا مَنْ أَبْصَرَ الدُّرَّ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ حَجَراًوَمَنْ رَأَى خَلَفاً لَم يَذْكُرِ الْبَشَرا زُرْهُ تَزُرْ مَلِكاً يُعْطِي بِأَرْبَعَةٍ لَمْ يَحْوِهَا أَ؟ حَدٌ وَانْظُرْ إِلَيٍهِ تَرَى أَيَّامَهُ غُرَراً، وَوَجْهَهُ قَمَراً، ... وَعَزْمَهُ قَدَراً، وَسَيْبَهُ مَطَرَا

стр. 362

مَا زِلْتُ أَمْدَحُ أَقْواماً أَظُنُّهُمْصَفْوَ الزَّمَانِ؛ فَكَانُوا عِنْدَهُ كَدَرَا قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَقُلْتُ: مَنْ هَذا المَلِكُ الرَّ؟ حِيمُ الكَرِيمُ؟ فَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ، مَا لَمْ تَبْلُغْهُ الظُّنُونُ؟ وَكَيْفَ أَقْولُ، مَا لَمْ تَقْبَلُهُ العُقُولُ؟ وَمَتَى كَانَ مَلِكٌ يَأْنَفُ الأَكَارِمَ، إِنَّ بَعَثَتْ بِالدَّرَاهِم؟ وَالذَّ؟ هَبُ، أَيْسَرُ مَا يَهَبُ، وَالالْفُ، لا يَعُمُّهٌ إِلاَّ الخَلْفُ، وَهَذا جَبَلُ الكُحْلِ قَدْ أَضَرَّ بِهِ المِيلُ فَكَيْفَ لا يُؤَثِّرُ

стр. 363

ذَلِكَ العَطَاءُ الجَزِيلُ؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَلِكٌ يَرْجعُ مِنَ البَذْلِ إِلَى سَرَفِهِ، وَمِنَ الخُلْقِ إِلَى شَرَفِهِ، وَمِنَ الدّيْنِ إِلَى كَلَفِهِ وَمِنَ المُلْكِ إِلى كَنَفِهِ، وَمِنَ الأَصْلِ إِلى سَلَفِهِ، وَمِنَ النَّسْلِ إِلى خَلَفِهِ: فَلَيْتَ شِعْرِيَ مَنْ هَذِي مَآثِرُهُما ذَا الَّذِي بِبُلُوغِ النَّجْمِ يَنْتَظِرُ؟!.

стр. 364

المَقَامَةُ الصُّفْرِيَّةُ حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: لَمَّا أَرَدْتُ القُفُولَ مِنَ الحَجِّ، دَخَلَ إِلَيَّ فَتَىً فَقَالَ: عِنْدِي رَجُلٌ مِنُ نِجَارِ الصُّفْرِ، يَدْعُو إِلَى الكُفْرِ، وَيَرْقُصُ عَلى الظُّفْرِ، وَقَدْ أَدَّبَتْهُ الغُرْبَةُ، وَأَدَّتْنِي الحِسْبَةُ إِلَيْكَ، لأُمَثِّلَ حَالهُ لَدَيْكَ، وَقَدْ خَطَبَ مِنْكَ جَارِيَةً صَفْرَاءَ، تُعْجِبُ الحَاضِرينَ، وُتُسِرُّ النَّاظِرِينَ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ يَنْجُبُ

стр. 365

مِنَهما وَلَدٌ يَعُمُّ البِقاعَ وَالأَسْمَاعَ، فَإِذَا طَوَيْتَ هَذا الرَّيْطَ، و؟؟ ثَنَيْتَ هَذا الخَيْطَ، يَكُونُ قَدْ سَبَقكَ إِلى بَلدِكَ، فَرَأْيَكَ فِي نَشْرِ مَا فِي يَدِكَ. قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَعَجِبْتُ مِنْ إِيرَادِهِ، وَلُطْفِهِ فِي سُؤَالِهِ، وَأَجَبْتُهُ فِي مُرادِهِ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: المَجْدُ يُخْدَعُ بِاليَدِ السُّفْلِى ... وَيَدُ الكَرِيمِ وَرَأْيُهُ أَ؟ عْلَى.

стр. 366

المَقَامَةُ السَّارِيَّةُ حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ بِسَارِيَّةَ، عِنْدَ وَاليها، إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ فَتَىً بِهِ رَدْعُ صُفَارٍ، فَانْتَفَضَ المَجْلِسُ لَهُ قِيَاماً، وَأُجْلِسَ فِي صَدْرِهِ إِعْظَاماً، وَمَنَعَتْنِي الحِشْمَةُ لَهُ مِنْ مَسْأَلَتِي إِيَّاهُ عَنْ اسْمِهِ، وَابْتَدأَ فَقَالَ لِلْوالي: مَا فَعَلْتَ فِي الحَدِيثِ الأَمْسِي، لَعَلَّكَ جَعَلْتَهُ في المَنْسِي؟! فَقَالَ: مَعَاذَ اللهُ، وَلَكِنْ عَاقَنِي عَنْ بُلُوغِهِ عُذْرٌ لا يُمْكِنُ شَرْحُهُ، وَلا يُؤْسى جُرْحُهُ، فَقَالَ

стр. 367

الدَّاخِلُ: يَا هَذا قَدْ طَالَ مِطَالُ هَذَا الوَعْدِ، فَمَا أَجِدُ غَدَكَ فِيهِ إِلاَّ كَيَوْمِكَ، وَلا يَوْمَكَ فِيهِ إِلاَّ كَأَمْسِكَ، فَمَا أُشَبِّهُكَ فِي الإِخْلاَفِ، إِلاَّ بِشَجَرِ الخِلافٍ، زَهْرُهُ يَمْلأُ العَيْنَ، وَلا ثَمَرَ فِي البَيْنِ. قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَلَمَّا بَلَغَ هَذا المَكَانَ قَطَعْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: حَرَسَكَ اللهُ! أَلَسْتَ الإِسْكَنْدَرِيَّ؟ فَقَالَ: وَأَدَامَ حِرَاسَتَكَ، مَا أَحْسَنَ فِرَاسَتكَ! فَقُلْتُ: مَرحَباً بِأَمِيرِ الكَلاَمِ، وَأَهْلاً بِضَالَّةِ الكِرَامِ، لَقَدْ نَشَدْتُهَا حَتَّى وَجَدْتُهَا، وَطَلَبْتُهَا، حَتَّى أَصَبْتُهَا،

стр. 368

ثُمَّ تَرَافَقْنَا حَتَّى اجْتَذَبَني نَجْدٌ، وَلَقِمَهُ وَهْدٌ، وَصَعَّدِتُ وَصَوَّبَ، وَشَرَّقْتُ وَغَرَّبْ، فَقُلْتُ عَلَى أَثَرِهِ: يَالَيْتَ شِعْريَ عَنْ أَخٍ ... ضَاقَتْ يَدَاهُ وَطَالَ صِيتُهْ قَدْ بَاتَ بَارِحَةً لَدَيَّ ... فَأَيْنَ لَيْلَتَنَا مَبِيتُهْ لاَ دَرَّ دَرُّ الفَقْرِ فَهْ وَطَرِيدُهُ وَبِهِ رُزِيتُهْ

стр. 369

لاَ سَلِّطَنَّ عَلَيْهِ مِنْ ... خَلَفِ بْنِ أَحْمَدَ مَنْ يُمِيتُهْ الَمَقامَةُ التَّمِيمِيَّةُ حَدَثَّنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: وُلِيتُ بَعْضَ الوِلاَيَاتِ مِنْ بِلاَدِ الشَّامِ، وَوَرَدَهَا سَعْدُ بْنُ بَدْرٍ أَخُو فَزَارَةَ، وَقَدْ وُلِّيَ الوِزَارَةَ،

стр. 370

وَأَحْمَدُ الوَلِيدِ،

стр. 371

عَلَى عَمَلِ البَرِيدِ، وَخَلَفُ بْنُ سَالِمٍ، عَلَى عَمَلِ المَظَالِمِ،

стр. 372

وَبَعْضُ بَنِي ثَوَابَةَ، وَقَدْ وُلِّيَ الكِتَابَةِ

стр. 373

وَجُعِلَ عَمَلُ الزِّمَامِ، إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ،

стр. 374

فَصَارَتْ

стр. 375

تُحْفَةَ الفُضَلاءِ، وَمَحَطَّ رِحَالِهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ يَرِدُ الوَاحِدُ بَعْدَ الوَاحِدِ، حَتَّى امْتَلأتِ العُيُونُ مِنَ الحَاضِرِينَ، وَثَقُلُوا عَلَى القُلُوبِ، وَوَرَدَ فِيْمَنْ وَرَدَ أَبُو النَّدَى التَّمِيمِيُّ، فَلَمْ تَقِفْ عَلَيْهِ العُيُونُ،

стр. 376

وَلا صَفَتْ لَهُ القُلوبُ، وَدَخَلَ يَوْماً إِلَيَّ فَقَدَرْتُهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وَأَقْعَدْتُهُ مِنَ المَجْلِسِ فِي صَدْرِهِ، وَقُلْتُ: كَيْفَ يُرَجِّى الأُسْتاذُ عُمْرَهُ؟ وَكَيْفَ يَرَى أَمْرَهُ؟ فَنَظَرَ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ اليَسَارِ، فَقَالَ: بَيْنَ الخُسْرَانِ وَالخَسارِ، وَالذُّلِّ وَالصَّغارِ وَقَوْمٌ كَرَوْثِ الحِمَارِ، يَشُمُّهُم الإِقْبَالُ وَهُمْ مُنْتِنُونَ، وَيُحْسِنُ إِلَيِّهِمْ فَلا يُحْسِنُونَ، أَمَا وَاللهِ لَقَدْ وَرَدْتُ مِنْهُمْ عَلَى قَوْمٍ مَا يُشْبِهُهُمْ مِنَ النَّاسِ، غَيْرُ الرَّأْسِ وَاللِّبَاسِ، وَجَعَلَ يَقُولُ:

стр. 377

فِدَىً لَكِ يَا سِجِسْتَانُ البِلاَدُ ... وَلِلْمَلِكِ الكَرِيمِ بِكِ العِبَادُ هَبِ الأَيَّامَ تُسْعِدُنِي وَهَبْنِي ... تُبَلِّغُنِيهِ رَاحِلَةٌ وَزَادُ فَمَنْ لِي بِالَّذِي قَدْ مَاتَ مِنْهُ ... وَبِالعُمْرِ الَّذِي لا يُسْتَعَادُ؟. المَقَامَةُ الخَمْرِيَّةُ حَدَّثَنَا عِيسى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: اتَّفَقَ ليِ في عُنْفُوَانِ الشَّبِيبَةِ خُلُقٌ سَجِيحٌ، وَرَأْيٌ صَحِيحٌ، فَعَدَّلْتُ مِيزَانَ

стр. 378

عَقْليِ، وَعَدَلْتُ بَيْنَ جِدِّي وَهَزْلِي، وَاتَّخَذْتُ إِخْواناً لِلْمِقَةِ، وَآخَرِينَ للنَّفَقَةِ، وَجَعَلْتُ النَّهَاَرَ لِلنَّاسِ، وَاللَّيْلَ لْلكاَسِ. قَالَ: واجْتَمَعَ إِلَيَّ فِي بَعْضِ لَيَالِيَّ إِخْوانُ الخَلْوَةِ، ذَوُو المَعَاني الحُلْوَةِ، فَمَا زِلْنَا

стр. 379

نَتَعَاطَى نُجُومَ الأَقْدَاحِ، حَتَّى نَفَدَ مَا مَعْنَا مِنْ

стр. 380

الرَّاحِ. قَالَ: واجْتَمَعَ رَأْيُ النَّدْمَانِ، عَلَى فَصْدِ الدِّنَانِ، فَأَسَلْنَا نَفْسَهَا، وَبَقِيَتْ كَالصَّدَفِ بِلا دُرٍّ، أَوْ المِصْرِ بِلا حُرٍّ. قَالَ: وَلَمَّا مَسَّتْنَا حَالُنَا

стр. 381

تِلْكَ دَعَتْنَا دَوَاعِي الشَّطَارَةِ، إِلَى حَانِ الخَمَّارَةِ، وَالْلَّيْلُ أَخْضَرُ الدِّيبَاجِ، مُغْتَلِمُ الأَمْواجِ، فَلَمَّا أَخَذْنَا فِي

стр. 382

السَّبْحِ، ثَوَّبَ مُنَادِي الصُّبْحِ، فَخَنَسَ شَيْطَانُ الصَّبْوَةِ، وَتَبَادَرْنَا إِلَى الدَّعْوَةِ، وَقُمْنَا وَرَاءَ الإِمَامِ، قِيَامِ البَرَرَةِ الكِرَامِ، بِوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ، وَحَرَكَاتٍ مَوْزُونَةٍ، فَلِكُلِّ بِضَاعَةٍ وَقْتٌ،

стр. 383

وَلِكُلِّ صِنَاعَةٍ سَمْتٌ، وَإِمَامُنَا يَجِدُّ فِي خَفْضِهِ وَرَفْعِهِ، وَيَدْعُونَا بِإِطَالَتِهِ إِلَى صَفْعِهِ، حَتَّى إِذَا رَاجَعَ بَصِيرَتَهُ، وَرَفَعَ بِالسَّلاَمِ عَقِيرَتَهُ، تَرَبَّعَ فِي رُكْنِ مِحْرَابِهِ، وَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلى أَصْحَابِهِ، وَجَعَلَ يُطِيلُ إِطْرَاقِهِ، وَيُدِيمُ اسْتِنْشَاقَهُ، ثُمًّ قَالَ:

стр. 384

أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ خَلَطَ فِي سِيرَتِهِ، وابْتُلِيَ بِقَاذُورَتِهِ، فَلْيَسَعْهُ دِيماسُهُ، دُونَ أَنْ تُنَجِّسَنَا أَنْفَاسَهُ، إِنِّي لأَجِدُ مُنْذُ اليَومِ، رِيحَ أُُمِّ الكَبَائِرِ مِنْ بَعْضِ القَوْمِ، فَمَا جَزَاءُ مَنْ بَاتَ صَرِيعَ الطَاغُوتِ، ثُمَّ ابْتَكَرَ إِلَى هذِهِ البُيُوتِ، الَّتِي أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ، وَبِدَابِرِ هَؤُلاءِ أَنْ

стр. 385

يُقْطَعْ، وَأَشَارَ إِلَيْنَا، فَتَأَلَّبَتِ الجَمَاعَةُ عَلَيْنَا، حَتَّى مُزِّقَتِ الأَرْدِيَةُ، وَدَمِيَتِ الأَقْفِيَةُ، وَحَتَّى أَقْسَمْنَا لَهُمْ لا عُدْنَا، وَأَفْلَتْنَا مِنْ بَيْنِهِمْ وَمَا كِدْنَا، وَكُلُّنَا مُغْتَفِرٌ لِلْسَلامَةِ، مِثْلَ هَذِهِ الآفَةِ، وَسَأَلْنَا مَنْ مَرَّ بِنَا مِنَ الصِّبْيَةِ، عَنْ إِمَامِ تِلْكَ القَرْيَةِ، فَقَالُوا: الرَّجُلُ التَّقِيُّ، أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، فَقُلْنَا: سُبْحَانَ اللهِ! رُبَّمَا أَبْصَرَ عِمِّيتٌ،

стр. 386

وَآمَنَ عِفْرِيتٌ، وَالحَمْدُ للِه لَقَدْ أَسْرَعَ فِي أَوْبَتِهِ، وَلا حَرَمَنَا اللهُ مِثْلَ تَوْبَتِهِ، وَجَعَلنَا بَقِيَّةَ يَوْمِنَا نَعْجَبُ مِنْ نُسْكِهِ، مَعَ مَا كُنَّا نَعْلَمُ مِنْ فِسْقِهِ. قَالَ: وَلَمَّا حَشْرَجَ النَّهَارُ أَوْ كَادَ، نَظَرْنَا فَإِذَا بِرَايَاتِ الحَانَاتِ أَمْثَالُ النُّجُومِ، في الْلَّيْلِ

стр. 387

البَهِيمِ، فَتَهَادَيْنَا بِهَا السَّرَّاءَ، وَتَبَاشَرْنَا بِلَيْلَةٍ غَرَّاءَ، وَوَصَلْنَا إِلَى أَفْخَمِهَا بَاباً، وَأَضْخَمِهَا كِلاباً، وَقَدْ جَعَلْنَا الدِّينَارَ إِمَاماً، وَالاسْتِهْتَارِ لِزَاماً، فَدُفِعْنَا إِلَى ذَاتِ شَكْلٍ وَدَلٍّ، وَوِشَاحِ

стр. 388

مُنْحَلٍّ، إِذَا قَتَلَتْ أَلْحَاظُهَا، أَحْيَتْ أَلْفَاظُهَا، فَأَحْسَنَتْ تَلَقِّينَا،

стр. 389

وَأَسْرَعَتْ تُقَبِّلُ رُؤُوسَنَا وَأَيْدِينَا، وَأَسْرَعَ مَنْ مَعَهَا مِنَ العُلُوجِ، إِلَى حَطِّ الرِّحَالِ وَالسُّرُوجِ، وَسَأَلْنَاهَا عَنْ خَمْرِهَا، فَقَالَتْ: خَمْرٌ كَرِيقِي فِي العُذُو ... بَةِ وَالَّلذَاذَةِ وَالحَلاوَةْ

стр. 390

تَذَرُ الحَلِيمَ وَمَا عَلَيْهِ لِحِلْمِهِ أَدْنَى طُلاَوَةْ كَأَنَّمَا اعْتَصَرَهَا مِنْ خَدِّي، أَجْدَادُ جَدِّي.
следующие страницы →