← Адаб

Адаб · id 28115

من غاب عنه المطرب

أبو منصور الثعالبي

Полный текст (111 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الباب الأول وصف الخط والبلاغة وما يجري مجراهما فصل الخط ومن أحسن ما سمعت في ذلك نثراً قول أبي القاسم الصاحب: " خط أحسن من عطفة الأصداغ، وبلاغة كآمل آذن بالبلاغ " وقوله: " خط كالمقل المراض، والإقبال بعد الإعراض ". وقد أحسن ابن المعتز وأطرب، حيث قال يصف خط أبي بن عبد الله:

стр. 2

إذا أخذَ القرطاسَ خلتَ يمينه ... تُفَتِّقُ نَوْراً أو تنظِّمُ جوهراً ولا مزيد على حسن قول أبي إسحاق الصابي في بعض الوزراء: وكم من يد بيضاءَ حازت جمالَها ... يدٌ لكَ لا تَسْوَدُّ إلا من النِّقسِ إذا رقشت بيضَ الصحائِف خلتَها ... تطرِّزُ بالظلماءِ أرديةَ الشمسِ ووصف يوسف بن أحمد جارية كاتبة فقال: كأن خطها أشكال صورتها، وكأن مدادها سواد شعرها، وكأن قلمها بعض أناملها، وكأن بيانها سحر مقلها، وكأن سكينها سيف لحظها، وكأن مقطها قلب عاشقها. ومن أحسن ما قيل في حسن الخط والوجه: ما أنشد فيه أبو محمد الكاتب البروجرذي للصاحب أبي القاسم بن عباد: وخطٍّ كأنَ اللهَ قالَ لحسنِه ... تشَّبهْ بمن قد خطّك اليومَ فأتمرْ وهيهات أينَ الخطُّ من حسنِ وجههِ ... وأين ظلامُ الليلِ من صفحة القمرْ وأحسن من ذلك قوله: كلا الخطينِ من سكني مليحُ ... وقلبي منهما دنِفٌ جريحُ

стр. 3

فخطُّ عذارِه مسكٌ يفوحُ ... وخَطُّ يمينهِ دُرٌّ يلوحُ وقول أبي القاسم: " مولاي مليح الحظِّ والخطِّ، فذاك النمل في العاج وذاك الدر في السمط ". ومما يستطرب للصنوبري، ويقع في هذا الفصل قوله في غلام كاتب جميل، وقد أجاد فيه: أُنظرْ إلى أثرِ المدادِ بخدّه ... كبنفسَجِ الروض المشوب بوردِهِ ما أخطأتْ نوناتُه من صدغِه ... شيئاً ولا ألفاتُه من قَدِّهِ وأليق منه بهذا الفصل في هذا المعنى وأبدع وأدخل في باب الإِطراب، قول كشاجم في غلام يكتب ويمحو ما يغلط فيه بلسانه: ورأيتُه في الطرسِ يكتبُ مرةً ... غلطاً يواصلُ محوهُ برضا بِهِ فوددتُ أَنّي في يديه صحيفةٌ ... ووددتُه لا يَهتدي لصوابهِ والنظم والنثر في هذا الباب مما يعجب ولا يطرب. والشرط

стр. 4

ما يطربُ. وعليه بناء جمع الكتاب. فصل البلاغة ووصف الكلام الحسن ليس لواحد من الوصف المطرب للكلام المعجب ما للصاحب أبي القاسم بن عباد وقد كتبت المختار. فمن مختار ذلك: " ألفاظ كغمزات الألحاظ، ومعان كأنها قلب عان. استعارت حلاوة العتاب بين الأحباب، واسترقت تشاكي العشاق يوم الفراق. وألفاظ لها من الهواء رقته، ومن الماء سلاسته، ومن سحر نفثتُهُ. ومن الشهد حلاوته. كلام كبُرد الشباب، وبَرد الشراب. كلام يهدي إلى القلوب روح الوصال، ويهب على النفوس هبوب الشَّمال. ألفاظ حسبتها لرقتها منسوخة من صحيفة الصبا، وظننتها لسلاستها مكتوبة من إملاء الهوى. كلام كما هب نسيم السحر، على صفحات الزهر، ولذ طعم الكرى بعد برح السهر. كلام يقطر صرفاً، ويمزج الراح لطفاً، كلام

стр. 5

كنسيم وعهد الصِّبا. كلام هو سَمَر بلا سهر، وصفو بلا كدر. فصل في مثل ذلك نظماً قد أحسن وأطرب إبراهيم بن سياه الأصفهاني في قوله لأبي مسلم محمد بن بحر: إذا ارتجلَ الخطابَ بدا خليجٌ ... بفيه يمدُّه بحرُ الكلامِ كلامٌ بل مدامٌ بل نظامٌ ... من الياقوتِ بل حببُ الغمامِ وأبو إسحاق الصابي في قوله للوزير المهلبي: قل للوزيرِ مُحَمَّدٍ يا ذا الذي ... قد أعجزتْ كلَّ الورى أوصافُهُ لك في المجالسِ منطقٌ يَشفي الجوى ... ويسوغُ في أُذُنِ الأديب سلافُهُ فكأن لفظك لؤلؤ متنخَّل ... وكأنما آذاننا أصدافه والصاحب في قوله ل " القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز ": بالله قلْ لي أقرطاسٌ تخطُّ به ... في حلةٍ هو أم ألبستَه الحللا؟

стр. 6

بالله لفظُك هذا سالَ من عسلٍ ... أم قد صببتَ على أفواهِنا العسلا؟ وأطرب " أبو روح ظفر بن عبد الله القاضي " حيث قال في " أبي الفتح البستي ": يا منْ تذكِّرُني شمائلُه ... ريحَ الشمالِ تنفستْ سَحَرا وإذا امتطى قلمٌ أناملَه ... سحرَ العقولَ به وما سَحَرا وقلت للأمير أبي الفضل عبيد الله بن محمد الميكالي: سبحانَ ربي تبارك اللهُ ما ... أشبهَ بعضَ الكلام بالعسلِ والمسكِ والسحرِ والرقى وابنةِ ... الكرم وحلي الحسانِ والحللِ مثلُ كلامِ الأميرِ سيدِّنا ... نظماً ونثراً يسيرُ كالمثلِ وقلت لأبي عبيد الله محمد بن حامد الحامدي: إني أرى ألفاظَكَ الغُرّا ... عطَّلتِ الكافورَ والدُّرّا لك الكلامُ الحُرُّ يا منْ غدا ... أفعالهُ تستعبدُ الحُرّا فصل وصف الكتب البليغة وحسن موقعها نثراً الصاحب: " كتاب أوجب من الاعتداد، وأوفر من الأعداد، وأودع بياض الوداد سواد الفؤاد.

стр. 7

كتاب أنساني سماع الأغاني من مطربات الغواني. كتاب رأيت فيه ساعة الأوبة على المسافر، وبرد الليل على المسامر، كتاب شممته شم الولد، وألصقتُه بالقلب والكبد، كتاب مطلعه مطلع أهلَّة الأعياد، وموقعه نيل المراد ". أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضبي: " كتاب هو في الحسن رَوضة حَزَن بل جنة عدن، وفيه شرح النفس، وبسط الأنس، برد الأَكباد والقلوب، وقميص يوسف على أجفان يعقوب ". الخوارزمي: " كتاب هو المسك زكياً، والزهر جنياً، والماء مرئياً، والعيش هنياً، والسحر بابلياً ". فصل مثل ذلك نظماً أحسن ما سمعت في ذلك قول المريمي: يُطْوى وليس بمطويٌّ محاسنُه ... فالحسنُ ينشُره والكفّ تطويهِ

стр. 8

وأحسن منه قول ابن مندويه الأصفهاني: يُكَرّر طوراً من قراهُ فصولَهُ ... فإن نحنُ أتممْنا قراءَتَه عُدْنا إذا ما نشرناهُ فكالمسكِ نشرُه ... ونطويه لا طيَّ السآمةِ بلْ ضَنّا وأنشدني أبو الفتح البستي لنفسه: بنفسيَ من أهدى إلي كتابَه ... فأهدى لي الدنيا مع الدين في دُرْج كتابٌ معانيه خلالَ سطوره ... لآلىءٌ في دَرجِ كواكبُ في بُرْجِ فصل وصف الشعر نثراً أبو إسحاق الصابي في شعر أبي عثمان الخالدي: " يختلط بأجزاء النفس لنفاسته، ويكاد يفتن كاتبه لسلاسته " غيره: " نظم كنظم الجمان، في روض الجنان، وأمن الفؤاد، وطيب الرقاد ". الصاحب، في شعر عضد الدولة: " قرأت الأبيات، أسفر عنها طبع المجد، وألقاه بحر العلم على لسان الفضل، فعلمت كيف يتكسر الزهر على الحدائق، وكيف يغرس الدر في أرض المهارق.

стр. 9

فصل في مثل ذلك نظماً أحسن ما قيل فيه قول ابن نباتة " خُذها إذا أنشدتْ في القوم من طربٍ ... صدورُها عُلِمَتْ فيها قوافيها ينسى لها الراكبُ العجلانُ حاجتَه ... ويصبحُ الحاسدُ الغضبانُ يطريها وأنشد أبو سعد الرستمي وبالغ في الإِطراب: قوافٍ إذا ما رواها المشو ... قُ هَزّتْ له الغانياتُ القدودا كسونَ عبيداً لباسَ العبيدِ ... وأضحى لبيدُ لديها بَليدا وقول عبد الصمد بن بابك: أَزَرتُكَ يا بنَ عبادٍ ثناءً ... كأنَّ نسيمَهُ شرقٌ براحِ ومدحاً ناهبَ الحليَ الغَواني ... وأهدى السحرَ للحدِق الملاحِ الباب الثاني الربيع وآثاره وسائر فصول السنة فصل مدح الربيع ووصف طيبه وحسنه نثراً قال أبقراط: " من لم يبتهج بالربيع، ولم يتمتع بنسيمه، فهو

стр. 10

فاسد المزاج يحتاج إلى العلاج ". وكان المأمون يقول: " أغلظ الناس طبعاً، من لم يكن ذا صبوة ". وقال علي بن عبيدة: " الربيع جميل الوجه، ضاحك السن، رشيق القد، حلو الشمائل، عطر الرائحة، كريم الأخلاق ". وقال آخر: الربيع شباب الزمان، ونسيمه غذاء النفوس، ومنظره جلاء العيون. وقال آخر: قد زارنا حبيب، من القلوب قريب وكله حسن وطيب. وقال آخر: تبلج عن وجه بهج، وخلق غنج، وروض أرج، وطير مزدوج. وقال آخر: مرحباً بزائر وجهه وسيم، وفضله جسيم، وريحه نسيم. وقال آخر: تنفس الربيع عن أنفاس الأحباب، وأعار الأرض أثواب الشباب، أذال الربيع أثواب الحرير، وعبرت أنفاسه عن العبير، سحاب الربيع ماطر، وترابه عاطر. فصل في ذلك نظماً

стр. 11

أحسن ما قيل في وصف الربيع وأكثره إطراباً قول سعيد بن حميد: طلعتْ أوائيلُ الربيع فبشرَتْ ... نَوْرَ الرياضِ بجدةٍ وشبابِ وغدا السحابُ لذاك يسحَبُ في الثرى ... أذيالَ أسحمَ حالكِ الجلبابِ يبكي فيضحكُ نَوْرُهُنَّ فيا له ... ضحكاً تَوَلَّدَ عن بكاءِ سحابِ فترى السماءَ إذا أَسَفَّ ربابُها ... فكأنها كسيتْ جناحَ غرابِ وترى الغصونَ إذا الرياحُ تناوحت ... ملتفةً كتعانقِ الأحبابِ وأحسن منه قول البحتري: أتاك الربيعُ الطلقُ يختالُ ضاحكاً ... من الحسنِ حتى كادَ أن يتكلما وقد نبه النيروزُ في غسِق الدجى ... أوائلَ ورد كنَّ بالأمس نُوِّما يفتقُها بردُ الندى فكأَنَّه ... يبثُّ حديثاً كانَ قبلُ مكتَّما فمن شجرٍ رَدَّ الربيعُ لباسَه ... عليه كما نَشَّرْتَ وَشْياً مُنمنما أحلَّ فأبدى للعيونِ بشاشةً ... وكان قذىً للعين إذا كانَ محرما

стр. 12

ورقَّ نسيمُ الريح حتى حسبتَه ... يجيءُ بأنفاسِ الأحبَّةِ نعما وأحسن منه قول ابن المعتز: اسقني الراحَ في شبابِ النهار ... وأنِف هَمي بالخندريس العُقارِ ما ترى نعمةَ السماءِ على الأرضِ ... وشكرَ الرياضِ للأمطارِ قد تولتْ زُهرُ النجومِ وقد ... بشَّرَ بالصبحِ طائرُ الأسحارِ وغناءَ الطيورِ كلَّ صباح ... وانفتاقَ الأشجارِ بالأنوارِ وكأن الربيعَ يجلو عروساً ... وكأنَّا من قَطْرِه في نثارِ وقد أحسن وأطرب ابن المعتز: أما ترى الأرضَ قد أعطتْك زهرتَّها ... مخضرةً واكتسى بالنَّوْرِ عاريها فللسماءِ بكاءٌ في حدائِقها ... وللرياض ابتسامٌ في نواحيها وأطرب وأملح محمد بن سليمان المخزومي حيث قال: نيسانُ وقتُ مسرةِ الإِنسانِ ... وأوانُ طيبِ الراحِ والرَّيْحانِ شهرٌ له بنسيمهِ ونعيمِه ... صفةٌ تحاكي جنةَ الرضوانِ وقال الصنوبري في تفضيل الربيع على سائر الفصول:

стр. 13

إن كان في الصيف أثمارٌ وفاكهة ... فالأرضُ مستوقدٌ والحَرُّ تنورُ وإن يكنْ في الخريفِ النخلُ مخترفاً ... فالأرض عُريانةٌ والأفقُ مَقْرورُ ما الدهرُ إلا الربيعُ المستنيرُ إذا ... جاءَ الربيع أتاكَ النَّوْرُ والنُّورُ فالأرضُ ياقوتةٌ والجوُّ لؤلؤةٌ ... والنبتُ فيروزجٌ والماءُ بلورُ تبارك اللهُ ما أحلى الربيعَ فلا ... تُغْرَرْ فَقائِسُه بالصيفِ مغرورُ من شمَّ ريحَ تحياتِ الربيعِ يقلْ ... لا المسكُ مسكٌ ولا الكافورُ كافورُ وقد ملح المُعَوّجُ الرَّقي حيث قال من أبيات: طابَ هذا الهواءُ وازدادَ حتى ... ليس يزدادُ طيبُ هذا الهواءِ ذهبٌ حيثما ذهْبنا ودُرُّ ... حيث دُرنا وفضة في الفضاءِ وقلت في الصبا: أظُنُّ ربيعَ العامِ قد جاءَ تاجراً ... ففي الشمسِ بزّازاً وفي الريح عطّارا وما العيشُ إلا أن تواجهَ وجهَه ... وتقضي بين الوشِي والمسكِ أوطارا وقال مؤلف الكتاب في شتقان أجل منتزهات نيسابور

стр. 14

غفر الله له: ولما نزلْنا بشتقان التي غدت ... وراحتْ بجناتِ الربيعِ تُشَبَّهُ وقد برزتْ شجْراتها في ملابسٍ ... ربيعيّةٍ تحوي مدى الأنسِ كُلَّهُ وعارضَنا ماءٌ يروقُ مصندَلٌ ... ووجهنا وردٌ يشوقُ موجَّهُ وقهقهَ رعدٌ في السماءِ مجلجلٌ ... وفي الأرضِ إبريقُ المدامِ يُقهقِهُ وغنى مغني العندليبِ كأنما ... يجاوبُه في حلفِه مزهرٌ له تنزهَ سمعي ما أرادَ وناظري ... وقلبي مع الإِخوان لا يتنزَّهُ فصل تشبيه محاسن الربيع وما يليق به ومحاسن الإِخوان والسادة نثراً غيث الربيع متشبه بكفك، واعتداله مضاه لخلقك، وزهره مواز لبشرك، ونسيمه منتسب إلى نشرك. كأنما استعار حلله من شيمك، وأمطاره من جودك وكرمك. قدم الربيع منتسباً إلى خلقك، مكتسياً محاسنه من طبعك، متوسماً أنوار فضلك، متوضحاً بآثار لسانك ويدك. أنا في بستان كأنه من خلقك خلق، ومن

стр. 15

شمائلك سرق، وقد قابلتني أشجار تميل بذكر ريح الأحباب إذا تداولتهم أيدي الشراب. وأنهار كأنها من يدك تسيل، ومن راحتك تفيض. أنا على حافة حوض ذي ماءٍ قد رق، كصفاء مودتي لك، ورقة قولي في عتبك، وقد قابلتني شقائق كالزنوج، وتقاتلت فسالت دِماها وبقيت دُماها. قد سفر الربيع عن خلقك الكريم، وأفاض ماء النعيم، ونطق بلسان النسيم: جر النسيم على الأرض أزره، وحل عن جيب الطيب أُزُرَه، قد ركضت خيول النسيم في ميادين الرياض، وقد حلت يد المطر أزرار الأنوار، وأذاع لسان النسيم أسرار الأزهار، الأرض زمردة، والأشجار وشي، والنسيم عطر، والسماء شنوف، والطير قيان. فصل ذكر النسيم نظماً كان أبو بكر الخوارزمي يقول: عجبت ممن لا يرقص

стр. 16

إذا سمع بيتي أبي عبادة البحتري وهما: تذكرنيكَ والذكرى عناءٌ ... مشابهُ فيك واضحةُ الشكولِ نسيمُ الروض في ريح شمالٍ ... وصوبُ المزن في راحٍ شَمولِ فهما يطربان غاية الإِطراب، ويذكران غور الشباب، وغرر الأحباب. ومن أحسن محاسن ابن المعتز، وآخذها بمجامع القلوب وأكثرها إطراباً قوله: يا ربَّ ليلٍ سحرٌ كُلُّهُ ... مفتضحُ البدرِ عليلُ النسيمْ تلتقطُ الأنفاسُ بردَ الندى ... فيه فتُهديه لحَرِّ الهمومْ لم أعرِفِ الإِصباحَ منْ ضوئه ... بالبدرِ إلا بانحطاطِ النجومْ ومن أحسن ملح السري وطرفه المعجبة المطربة قوله: وحدائقٍ يسبيكَ وشُي برودِها ... حتى تشبَّههَا سبائكَ عبقرِ يجري النسيمُ خلالَها وكأنما ... غُمِسَتْ فضولُ ردائِه في عنبرِ وأحسن منه في بساط من الريحان:

стр. 17

وبساطِ ريحانٍ كماءِ زبرجدٍ ... عبثتْ بصفحته الجنوبُ فأُرْعِدا يشتاقُه الشرَّبُ الكرامُ فكلما ... مرضَ النسيم سَعَوْا إليه عُوَّدا وللإِمام ابن الرومي في وصف النسيم حيث يقول: ونسيمٍ كأن مسراهُ في الأروا ... حِ مسرى الأرواحِ في الأجسادِ وما أملح قول أبي الفرج الوأواء الدمشقي وأظرفه حيث قال: سقى اللهُ ليلاً طابَ إذا زارَ طيفُه ... فأفنيتُه حتى الصباحِ عناقا بطيبِ نسيمٍ منه يستجلبُ الكرى ... فلو رَقَدَ المخمورُ فيه أفاقا وقول ابن بابك: سحرُ العذارِ وثغرهُ النعماني ... حَبَسا على خلعِ العذارِ عِناني يا حبذا وصفُ النسيمِ إذا وَنى ... وتحرشُ الريحانِ بالريحانِ فصل من مطربات ألفاظ البلغاء في أوصاف البساتين روضة رقت حواشيها، وتأنق، قد نشرت

стр. 18

طرائف مطارفها ولطائف زخارفها فطوي لها الديباج الخسرواني ودفن معها الوشي الاسكندراني. الصابي: قد تضوعت بالأرج الطيب أرجاؤها وتضرعت بظلل الغمام صحراؤها وتفاوضت بغرائب المنطق أطيارها. بستان كأنه أنموذج الجنة. ولا يحل للأريب أن يحل به لأنه نعمة. به أشجار كأن الحور أعارتها ثيابها وقدودها وكستها برودتها وحلتها عقودها. فصل مطربات أوصاف الشعراء منها قول ابن طباطبا عفا الله عنه حيث قال: أنظرْ إلى زهرِ الرياضِ كأنّها ... وشيٌ تُنَقِّشُه الأكفُ مُنَمنمُ والنَّوْرُ يهوي كالعقود تبدّدَتْ ... والوردُ يخجلُ والأقاحي تبسمُ ويكادُ يذري الدمعَ نرجسُها إذا ... أضحى ويقطرُ من شقائِقها الدَّمُ وقول الصنوبري رحمه الله تعالى:

стр. 19

يا ريمُ قُومي الآنَ ويحَكِ فانظري ... ما للربى قد أظهرتْ إعجابَها كانت محاسنُ وجهها محجوبةً ... فالآن قد كشفَ الربيعُ حجابَها ورد بدا مثلَ الخدودِ ونرجسٌ ... مثلُ العيون إذا رأتْ أحبابَها وشقائقٌ مثلُ المطارفِ قد بدت ... حُمراً وقد جُعِلَ السوادُ كِتابَها وكأن خُرَّمها البديعَ إذا بدا ... عرفُ الطواوسِ قد مددنَ نقابَها وثيابُ باقلاءَ يشبهُ نَوْرُه ... بلقَ الحَمامِ مقيمةً أذنابَها لو كنت أملكُ للرياضِ صيانةً ... يوماً لما وطِىءَ اللئيمُ ترابَها وقول السروي عفا الله عنه: مررْنا على الروضِ الذي قد تبسمتْ ... ذُراه وأرواحُ الأباريقِ تُسْفكُ فلم نَر شيئاً كانَ أحسنَ منظراً ... من الروضِ يجري دمعُه وهْو يَضحكُ وقول الكاتب البكتمري وقد ملح فيه: وروضةٍ راضيةٍ عن الديمْ ... وطئتها بناظري دونَ القَدَمُ وصنتها صونيَ بالشكر النعم وقول ابن سكرة:

стр. 20

أما ترى الروضةَ قد نَوَّرَتْ ... وظاهرَ الروضةِ قدْ أعشبا كأنما الروضُ سماءٌ لنا ... نقطفُ منها كوكباً كوكبا ومما يقع في كل اختيار قول سليمان بن وهب في مثل هذا: حُفَّتْ بسروٍ كالقيانِ تلبَّسَتْ ... خضرَ الحريرِ على قوامٍ معتدِلْ فكأنها والريحُ تخطِرُ بينها ... تنوي التعانقَ ثم يمنعُها الخَجَلْ وبلغني أن الصاحب كان يعجب بقول ابن طباطبا ويعجبه إذا دخل بستان داره: يا حسنَ بستانِ داري ... والوردُ يقطرُ طَلَّهْ والسروُ قد مَدَّ فيه ... على الرياحينِ ظِلَّهْ فصل غناء الأطيار على الأشجار لبعض المتأخرين: أرى شجراً للطيرِ فيه تشاجِرُ ... كأن صنوفَ النَّوْرِ فيها جواهرُ كأن القماري والبلابلَ وسطها ... قيانٌ وأوراقُ الغصونِ ستائرُ شربنا على ذاكَ الترنُّمِ قهوةً ... كأنَّ على حافاتها الدرَّ دائرُ وأحسن منه قول أبي العلاء السروي:

стр. 21

أما ترى قضبَ الريحانِ لابسةً ... حُسناً يبيحُ دمَ العنقودِ للحاسي وغردتْ خطباءُ الطيرِ ساجعةً ... على منابرَ من وردٍ ومن آسِ وأحسنُ منه قول بعض العصريين: وفصلٍ فيه للأرضِ اختيالٌ ... لأنَّ جميعَ ما لبستْ حَريرُ وللأغصانِ من طربٍ تثنِ ... إذا جَعَلتْ تُغنيها الطيورُ وما أحسن قول البحتري وأدعاه إلى الطرب: وورقٍ تداعى للبكاءِ بعثنَ لي ... كثيرَ أسىً بين الحشا والحيازمِ وصلتُ بدمعي نوحَهُنَّ وإنما ... بكيتُ لشجوي لا لشجوِ الحمائمِ ولا مزيد على ظرف ابن المعتز في قوله: وصوتِ حمامةٍ سجعت بليلٍ ... وقد حنَّتْ إلى إلفٍ بعيدِ فما زلنا نقولُ لها أعيدي ... وللساقي أَلا هَلْ من مزيدِ فصل مقدمات المطر والسحاب والرعد والبرق من مطربات ابن المعتز قوله: أيا ساقيَ القومِ لا تنسَنا ... ويا ربةَ العودِ غَنِّي لنا

стр. 22

فقد لبسَ الجوُ بين السما ... ءِ والأرضِ مطرفَهُ الأدكنا وقوله: خليليّ اتركا قولَ النصوحِ ... وقوما فامزجا روحاً بروحٍ فقد نشرَ الصباحُ رداءَ نورٍ ... وهبَّت بالندى أنفاسُ روحِ وحان ركوع إبريقٍ لكأسِ ... ونادى الديكُ حَيَّ على الصبوحِ وقوله: ونسيمٍ يبشر الأرضَ بالقطرِ كذيلِ الغلالةِ المبلولِ ووجوهُ البلاد تنتظرُ الغيث انتظارَ المحبِّ عَوْدَ الرسولِ ومن محاسن أبي عثمان الخالدي قوله: مسرةٌ كيلُها بلا خَسَرِ ... ولذةٌ صفوُها بلا كَدَرِ قد ضُرِبَتْ خيمةُ النسيم لَنا ... فَرُشَّ جيشُ النسيمِ بالمطرِ ومن بدائع مطربات الخالدي قوله: وسحابٍ يجر في الأرضِ ذيليْ ... مطرَفٍ زَرَّهُ على الأرض زَرّا

стр. 23

برقُه لحظةٌ ولكنْ له رعدُ ... بطيءٌ يكسو المسامعَ وَقرا كخليٍّ موافقٍ للذي يهوى ... فيبكي جَهْراً ويضحكُ سِرا وأحسن منه قوله: أما ترى الغيمَ يا من قلبُه قاسي ... كأنهُ أنا مقياساً بمقياسِ قَطْرٌ كدمعي وبرقٌ مثلُ نارِ هوى ... في القلبِ تُذكى وريحٌ مثلُ أنفاسي ومما أخذ قول القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز بمجامع القلوب حيث قال: من أينَ للعارضِ الساري تَلهُّبُهُ ... أم كيف طَبَّقَ وجهَ الأرضِ صَيِّبُهُ هل استعارَ دموعي فهيْ تنجدُه ... أم استعارَ فؤادي فهْوَ يُلهبُهُ فصل السحاب والمطر نظماً ونثراً إذا لبست الجو جلبابها، فلتلبس الأحباب أحبابها. إذا انحل عقد السماءِ، فلينتظم عقد الندماء. إذا انقطع ساريات الغمام، فليتصل أحوال المدام. قد استعار السحاب، أكف الجواد، وجفون العشاق. سحاب يحكي المحب انسكاب دموعه، والتهاب النار بين

стр. 24

ضلوعه. ومن أحسن ملح عبيد الله بن عبد الله بن طاهر إلى أخيه يستدعيه: أما ترى اليومَ قد رقتْ حواشيهِ ... وقد دعاك إلى اللذاتِ داعيهِ وجاد بالقطرِ حتى خلتَ أن له ... إلفاً نآهُ فما ينفكُّ يبكيهِ فاركبْ إلينا ولا تبطىءْ فتقلقَنا ... حتى توفيَ ما كنا نُوَفِّيه ومن مطربات الكلام قول كشاجم: غيمٌ أتانا مؤذنٌ بخفضِ كالجيشِ يتلو بعضَه ببعض يضحكُ من برقٍ خفيِّ النبضِ كالكفِّ في انبساطِها والقبضِ دنَا فخلناهُ دوينَ الأرضِ إلفاً إلى إلفٍ بِسِرٍّ يُفضي ثم مضى كاللؤلؤ المرفَضِّ وقول السّرّي: ساريةٌ في غَسَقِ الظلامِ دانيةٌ من قللِ الآكامِ جاءت مجيءَ الجحفلِ اللهامِ واقتربتْ كالإِبلِ السوامِ كأنها والبرقُ في ابتسامِ ثم بكتْ بكاءَ مستهامِ

стр. 25

فبشرتْ بسابغِ الإنعامِ وثروةٍ تحكم في الأعدامِ كتيبةً مُذْهبةُ الأعلامِ دنتْ من الأرضِ بلا احتشامِ ولله در ابن المعتز في قوله: ومزنةٍ جادَ من أجفانِها المطرُ ... فالروضُ منتظمٌ والوردُ منتثرُ ترى مواقعَه في الأرض لائحةً ... مثلَ الدراهمِ تبدو ثم تَسْتَتِرُ ما زال يلطمُ خدَّ الأرض وابلُها ... حتى وقتْ خَدَّها الغدرانُ والخُضَرُ فصل الشرب على الدجن من أحسن ما قيل فيه قول منصور بن كيغلغ: خنتُ الذي أهوى من الناسِ ... ونمتُ عن جودي وعن باسي يوماً أرى الدجنَ فلا أرتوي ... من ريِّقِ الفيِّ ومن كاسي وقول ابن المعتز: ما العذرُ في حبسِ كاسٍ ... المسكُ منها يفوحُ والغيمُ رطبٌ ينادي ... يا غافلينَ الصبوحُ وقول ابن مقلة الوزير:

стр. 26

لا يكنْ للكاسِ يومَ الغيمِ في كفّكَ لبْثُ أو ما تعلمُ أن الغيثَ ساقٍ مستحِثُّ؟ ومن أحسن ملح السرى المطربة: قُمْ وانتصفْ من صروفِ الدهرِ والنُّوَبِ ... واجمعْ بكاسكَ شملَ اللهوِ والطربِ أما ترى الغيثَ قد قامتْ عساكره ... في الشرقِ تنشرُ أعلاماً من الذهبِ والجَوُّ يختالُ في حُجْبٍ مُمَسَّكةٍ ... كأنما القلبُ فيها قلبُ ذي رُعُبِ جريتُ في حلبةِ الأهواءِ مجتهداً ... وكيفَ أُقْصِرُ والأيامُ في طلبي تَوِّجْ بكأسكَ قبلَ الحادثاتِ يدي ... فالكاسُ تاجُ يدِ المثري من الذهبِ وقد أحسن أبو العشائر الحمداني: الخمرُ شمسٌ في غلالةِ لاذِ ... تجري ومطلعُها من الخرداذي والنَّوْرُ كالإبريزِ بين عقائقٍ ... ولآلىءٍ وزُمُرُّدٍ وبِجاذِ فاشربْ على روضِ الغمامِ فيومُنا ... في مجلسِ البستان يومُ رذاذِ وانظرْ إلى لَمْعِ البروقِ كأنها ... يومَ الضرابِ صحائفُ الفولاذِ فصل آثار الربيع وأزهاره من أحسن ما أحفظ في عامة الرياحين قول ابن

стр. 27

المعتز في مزدوجة ولا مزيد على حسنه: أما ترى البستانَ كيف نَوَّرا ونشرَ المنثورُ بُرْداً أصفرا وضحكَ الوردُ إلى الشقائقِ واعتنقَ القطرَ اعتناقَ الوامق في روضةٍ كحلَّةِ العروسِ وخُرَّمٍ كهامةِ الطاووس وياسمينِ في ذرى الأغصانِ منتظمٍ كقطعِ المرجانِ والسروُ مثلُ قضبِ الزبرجدِ قد استَمدَّ الماءَ من تربٍ ندي والسَّوسنُ الآزرُ منشورُ الحللْ كَقُطَنٍ قد مَسَّه بعضُ البللْ وحَلَق البهارُ فوقَ الآسِ جمجمةً كهامةِ الشماسِ وجلنارٌ مثلُ جمر الخَدِّ أو مثلُ أعرافِ ديوكِ الهندِ والأقحوانُ كالثنايا الغُرِّ قد صُقِلَتْ أَنوارُه بالقطرِ ومن الشعر المطرب في النرجس قول ابن طباطبا: يا من يحاصرُ وجدَه في نفسِه ... ويحاذر الرقباءَ أن يتنفسا زفراتُ همك قد أصابتْ فرصةً ... فخرجن لما أنْ شممنا النرجسا

стр. 28

وقول أبي العلاء السروي: حَيِّ الربيعَ فقد حيا بباكورِ ... من نرجسٍ ببهاءِ الحسنِ مذكورِ كأنما جفنُه بالغنجِ مفتتحاً ... كأسٌ من التِّبرِ في منديل كافورِ وقول جحظة البرمكي في الورد: ألا فاسقنيها قهوةً بابليةً ... تحاكي شعاعَ الشمسِ بل هِيَ أفضلُ فقد نطقَ الدراجُ بعد سكوتِه ... ووافى كتابُ الورد أني مقبلُ وقول أبي سعيد الأصفهاني: الوردُ في حللٍ وحَلي لم يَرُحْ ... في مثلِها إلا الكَعابُ الرودُ والوردُ فيه كأنما أوراقهُ ... نُزِعَتْ ورُدّ مكانَهن خدودُ وقول السري: لو رحَّبتْ كأسٌ بذي زورةٍ ... لرحَّبتْ بالوردِ إذْ زارها جاءَ فخلناهُ بدوراً بدتْ ... مُضرِمةً من خجلٍ نارَها

стр. 29

وعَطَّرَ الدنيا وطابتْ به ... لا عدمتْ دنياهُ عطَّارهَا وقول ابن حجاج ولا غاية لإِطرابه: جنى من البستانِ لي وردةً ... أحسنَ من إنجازهِ وعدي فقال والخمرة في كأسها ... بكفه أذكى من النِد اشربْ هنيئاً لك يا عاشقي ... ريقيَ مِنْ كَفّي على خَدِّي ومن أحسن ما قاله ابن المعتز: سقياً لأرضٍ إذا ما نمتُ نبهني ... بعد الهدوِّ بها صوتُ النواقيسِ كأن سوسَنها في كل شارقةٍ ... على الميادين أذنابُ الطواويسِ وقول أبي الفرج الببغاء: زمنُ الوردِ أشرفُ الأزمانِ ... وأوانُ الربيعِ خيرُ أوانِ أظرفُ الزهرِ جاء في أظرفِ الدهرِ ... فَصِلْ فيه أظرفَ الإِخوان واندبِ الوردَ وابكه بدموعٍ ... من دموعِ الأقداحِ لا الأجفانِ وقول ابن سكرة: للورد عندي مَحَلُّ ... لأنه لا يُمَلُّ كُلُّ الرياحينِ جندٌ ... وهْوَ الأميرُ الأجَلُّ

стр. 30

إن زارَ عَزّوا وتاهوا ... حَتّى إذا غابَ ذَلُّوا ومن أشبه ما قيل في تشبيه الورد قول الخالدي: يا شبيهَ البدرِ حسناً ... وضياءً ومِثالاً وشبيهَ الغصن ليناً وقواماً واعتدالاً أنتَ مثلُ الورد لوناً ... ونسيماً ودَلالا زارنا حتّى إذا ما ... سَرَّنا بالقربِ زالا ومن أحسن ما قيل في الشقائق قول بعض بني حمدان: شقيقةٌ شَقَّتْ على وردها ... ما التبستْ من بهجةِ الصبغِ كأنها وحسنَها جبهةٌ ... يلوحُ فيها طرفُ الصدغِ ومن أحسن ما قيل في الشراب قول ابن لنكك: قد شربنا على شقائقِ روضٍ ... شربتْ عبرةَ السحابِ السكوبِ صُبِغَتْ من دمِ القلوبِ فما ... تُبْصَرُ إلا تعلقتْ بالقلوبِ وقول عبد الله بن أحمد النحوي البلدي: هاتِ المدامة يا شقيقي ... نشربْ على روضِ الشقيقِ كأسَ العقيقِ نديرُها ... ما بين كاساتِ العقيقِ

стр. 31

ومن أحسن ما قيل في الآذريون قول ابن المعتز: سقياً لأيامٍ لنا ... وللعصورِ الخاليَهْ ما بين روضاتٍ لنا ... من كلِّ حُسنٍ حاليَهْ كأنما أزهارُها ... من ماءِ وردٍ جاريَهْ كأن آذريونَها ... تحتَ السماءِ الصافيَهْ مداهنٌ منْ عسجدٍ ... فيها بقايا غاليَهْ وقال في النرجس: ظللنا بملهى خيرِ يومٍ وليلةٍ ... تدورُ علينا الكأسُ مَعْ فتيةٍ زُهْرِ لدى نرجسٍ غَضٍّ وسروٍ كأنه ... قدودُ جوارٍ رحنَ في أُزُرٍ خُضْرِ وما أحسن قول الصنوبري في النيلوفر: حبذا يومُ أحمدِ ... بين روح ومنجدِ وخليجٍ مزردِ ... وحمامٍ مغرِّدِ كُلَّنا باسطُ اليد ... نحو نيلوفرٍ ندي

стр. 32

كدنانيرِ عسجدِ ... نِصفُها منْ زبرجدِ وأظرف منه ما وجدته بخط الأمير أبي الفضل عبد الله بن أحمد الميكالي في كتاب يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر ملحقاً بشعر الخباز البلدي. وأنشدني أبو المحاسن الرئيس ابن أبي سعيد الحوالي له في النيلوفر: تحبُّ الشمس لا تبغي سواها ... وتلحظُها بمقلةِ مستهامِ إذا غربتْ تكنَّفها اشتياقٌ ... فنامتْ كي تراها في المنامِ ومن أحسن ما سمعته في باقة ريحان قول بعض الكتاب: وباقةِ ريحانٍ كعقد زبرجدٍ ... حوتْ منظراً للناظرينَ أنيقا إذا شمها المعشوقُ خلتَ اخضرارَها ... ووجنَته فيروزجاً وعقيقا فصل الصيف ووصف البلغاء الحر حر يشبه قلب الصب، ويذيب دماغ الضب. هاجرة كأنها من قلوب العشاق، إذا اشتعلت فيها نار الفراق. هاجرة تحكي الهجر، وتذيب قلب الصخر. أيام كأيام

стр. 33

الفرقة امتداداً، وحر كحر الوجد اشتداداً. هاجرة كقلب المهجور، والتنور المسجور. ومن أحسن الأشعار الحجازية قول عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي: ويومٍ كتنورِ الطواهي سَجَرْنَه ... وألقين فيه الجزلَ حتّى تضرما قذفتُ بنفسي في أجيجِ سُمومِها ... وبالعيسِ حتى ابتلَّ مشفرُهُ دَما أُؤَمِّلُ أن ألقى من الناسِ عالماً ... بأخبارِكم أو أن أزورَ مُسَلِّما وقال مؤلف الكتاب رحمه الله تعالى: ربّ يومٍ هواؤُه يتلظَّى ... فيحاكي فؤادَ صِبٍّ متيمْ قلتُ إذ صاب حَرُّه حَرَّ وجهي ... ربنا اصرفْ عنا عذابَ جهنمْ وقال أيضاً: قد أقبلَ الصيف يحكي حَرّ أنفاسي ... وفي فؤاديَ حَرٌّ ماله آسي فإن سمعتَ ببردِ الوصلِ فيك فقد ... سللتَ نضوَ رجائي من يديْ باسي

стр. 34

وأنشدني أبو بكر الخوارزمي لابن بسام: حرارةُ قلبي والتهابُ هوائيا ... وحرٌّ له بين الضلوعِ ضرامُ لعمركَ قد أصبحتُ رهناً بحالةٍ ... جهنمُ بردٌ عندها وسلامُ فصل أيام الخريف أحسن ما قيل فيه قول البادي الأصفهاني: ولا زلتَ في عيشةٍ كالخريفِ ... فإن الخريفَ جميعاً سَحَرْ صفا الماءُ فيه وطابَ الهوى ... يحيلهما نسيمُ ريحٍ عَطِرْ ترى الزعفرانَ بأعطافِه ... يفوحُ الترابُ له المستعِرْ واترجَّهُ عاشقٌ مدنَفٌ ... إذا ما رجا طيبَ وصلٍ هُجرْ وتفاحُهُ فوق أغصانِه ... خدودٌ خجلنَ لوحي النظرْ وما كنتُ أحسبُ أن الخدو ... دَ تكون ثماراً لتلكَ الشجرْ وأحسن منه قوله ابن المعتز: اشرب على طيبِ الزمانِ فقد حدا ... بالصيفِ من إيلولَ أكرمُ حادي وأشَمَّنا بالليلِ بردَ نَسيمه ... فأراحتِ الأرواحَ في الأجسادِ

стр. 35

وافاك بالإِنذارِ قُدَّامَ الحيا ... فالأرضُ للأمطار في استعدادِ وقال أيضاً: هات كأسَ الصبوحِ في إيلولِ ... بردَ الطَلُّ في الضحى والأصيلِ وخبتْ جمرةُ الهواجرِ عَنَّا ... واسترحْنا من النهارِ الطويلِ وخرجْنا من السمومِ إلى رَوْحِ شمالٍ وطيبِ ظلٍّ ظليلِ ونسيم يبشر الأرضَ بالقطرِ كذيلٍ الغلالةِ المبلولِ وكأنا نزدادُ قرباً من الجَنّةِ في كلِّ شارقٍ وأصيلِ ووجوهُ البلادِ تنتظرُ الغيثَ ... انتظارَ المحبِّ رَجْعَ الرسولِ وقال جحظة البرمكي: لا تصغِ للّومِ إن اللومَ تضليلُ ... واشربْ ففي الشربِ للأحزان تحليل فقد مضى القيظُ واحتثت رواحلُه ... وطابتِ الراحُ لما آل إيلولُ فليسَ في الأرض نبتٌ يشتكي مَرَهاً ... إلا وناظرُه بالطَّلِّ مبلولُ فصل الأترنج والنارنج اللذين هما أجَلُّ

стр. 36

ثمار الخريف المشمومةِ. وقد أحسن وأطرب كشاجم بقوله: يا حبذا يَومُنا ونحنُ على ... رؤوسنا نعقدُ الأكاليلا في جنّةٍ ذُلّلَتْ لقاطِفها ... قطوفُها الدانياتُ تذليلا كأنَ أترنجَها تميلُ بها ... أغصانُها حاملاً ومحمولا سلاسلٌ من زبرجدٍ حَمَلَتْ ... من ذهبٍ أحمرٍ قناديلا وللإمام في وصف الأترج: جسمُ لجينٍ قميصُه ذهبُ ... مُرَكَّبٌ في بديعِ تركيبِ فيه لمن شَمَّه وأبصرَه ... لونُ محبٍّ وريحُ محبوبِ وأطرب ابن العميد وندماؤه إذ شاركوه في نظم هذه الأبيات: وأترجةٍ فيها طبائعُ أربعُ ... وللشرب فيها الحسنُ والطيبُ أجمعُ فما اصفرَّ منها اللونُ للعشقِ والهوى ... ولكنْ أراها للمحبينَ تجزعُ ولم أسمع في أترجة مقفعة أحسنَ من قول أبي طالب الرقي وأبدع فيه:

стр. 37

مصفرةُ الظاهرِ بيضاءُ الحشا ... أبدعَ في صنعتها ربُّ السما كأنها لونُ محبٍّ دنفٍ ... مُبَعَّدٍ يحسبُ أيامَ الجفا ومن أحسن ما قيل في النارنج قول عمر بن علي المطوعي: أحسِنْ بنارنج أتانا غدوةً ... في منظرٍ مستحسنِ مرموقِ أصبحتُ أعشَقُهُ ويحكي عاشقاً ... أحسِنْ به من عاشقٍ معشوقِ وقال مؤلف الكتاب ﵀: كأنما النارنجُ للرباتِ ... ثُدِيُّ أبكارٍ مخدراتِ مزعفراتٍ ومعصفراتِ ... أو أُكرِ الكيمختِ مذهباتِ قد ضُمِّخَتْ بالعنبرِ الفُتّاتِ ... نسيمُها يزيدُ في الحياةِ فصل التفاح قال المأمون: اجتمع في التفاح الصفرة والدرية، والبياض الفضي، والحمرة الذهبية، يلذُّ به من الحواس ثلاث: تلذُّه العين لحسنه، والأنف لعرفه، والفم لطعمه. وقال سهل بن هارون: قد جمع التفاح من الألوان العلوية

стр. 38

لون قوس قزح ولو استدار قوس قزح لكان التفاح. كذلك الخمر هي تفاح ذائب، والتفاح خمر جامدة. وقد نظم هذا المعنى الأخير من قال: الخمرَ تفاحٌ جرى ذائباً ... كذلكَ التفاحُ خمرٌ جَمَدْ فاشربْ على جامِده ذوبَه ... ولا تدعْ لذةَ يومٍ لِغَدْ وقال من حكى مقالة جالينوس في التفاح: قال جالينوسُ في حكمتِه ... لك في التفاحِ فكرٌ وعَجَبْ هو روحُ الروحِ في جوهرِها ... ولها شوقٌ إليهِ وطَرَبْ ودواءُ القلبِ ينفي ضعفه ... ويُجلي الحزنَ عنه والكَرَبْ وأهدى أحمد ين يوسف المأموني إلى بعض الظرفاء تفاحة، وكتب إليه معها: قد بعثت بتفاحة تحكي بحمرتها وجنتك، وبرائحتها رائحتك، وبعذوبتها عذوبتك، وبملاحتها غرتك. ولمؤلف الكتاب رحمه الله تعالى في رسالة تفاح: تفاح يجمع وصف العاشق الوجل

стр. 39

والمعشوق الخجل، له نسيم العنبر، وطعم السكر، رسول المحب، وشبيه الحبيب. وأحسن ما قيل فيه نظماً وهو متنازع فيه لحسنه وإطرابه: وتفاحةٍ من سوسنٍ صيغَ نصفُها ... ومن جلنارٍ نصفُها وشقائقِ كأنّ الهوى قد ضَمَّ من بعد فرقةٍ ... بها خدَّ معشوقٍ إلى خَدِّ عاشقِ وقال مؤلف الكتاب ﵀: يا حبذا حسنُها ومرآها ... وحبذا في الثمارِ مجناها تفاحةٌ في الكرى توافِقني ... وفي انتباهي فصرتُ أهواها لأنها في المنام همةُ مَن ... يأملُ مالاً ويبتغي جاها وهي بهذي الأوصافِ ممتعةٌ ... تريحُ روحي بطيبِ ريّاها وتركت إيراد الأوصاف في سائر الثمار لأنها ليست من شرط الكتاب. فصل الشتاء وآثاره والاستظهار على البرد والثلج بالشرب من أحسن ما قيل فيه قول ابن المعتز:

стр. 40

جادَ الزمانُ بشمألٍ وصَبا ... يلقاهما المقرورُ بالضِدِّ فازمْ قرارَك لا تكن شرِهاً ... تشقى بطولِ السعي والكدِّ إن الكبيرَ تقله سَحَراً ... ترياقُ لسعِ عقاربِ البَرْدِ وكتب الصاحب إلى بعض ندمائه في يوم ثلج: كتبت والدنيا كقطعة كافور والدر ينثر، والكؤوس تدور. والراح ياقوت أحمر ونحن بين أطباق البرد فيما نستغيث منه إلى حر الراح وسورة الأقداح. وهي خير من كل شعر ووبر. ومن أحسن ما قيل في الشرب على الثلج قول الصنوبري: ذَهِّبْ كؤوسَك يا غلامُ ... فإنهُ يومٌ مفضَّضْ والجوُّ يجلى في الريا ... ض وفي حليّ الدُّرِ يُعْرَضْ وردُ الربيعِ مُلَوَّنٌ ... والوردُ في كانونَ أبيضْ
следующие страницы →