← Адаб

Адаб · id 28115

من غاب عنه المطرب

أبو منصور الثعالبي

Полный текст (111 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثمار الخريف المشمومةِ. وقد أحسن وأطرب كشاجم بقوله: يا حبذا يَومُنا ونحنُ على ... رؤوسنا نعقدُ الأكاليلا في جنّةٍ ذُلّلَتْ لقاطِفها ... قطوفُها الدانياتُ تذليلا كأنَ أترنجَها تميلُ بها ... أغصانُها حاملاً ومحمولا سلاسلٌ من زبرجدٍ حَمَلَتْ ... من ذهبٍ أحمرٍ قناديلا وللإمام في وصف الأترج: جسمُ لجينٍ قميصُه ذهبُ ... مُرَكَّبٌ في بديعِ تركيبِ فيه لمن شَمَّه وأبصرَه ... لونُ محبٍّ وريحُ محبوبِ وأطرب ابن العميد وندماؤه إذ شاركوه في نظم هذه الأبيات: وأترجةٍ فيها طبائعُ أربعُ ... وللشرب فيها الحسنُ والطيبُ أجمعُ فما اصفرَّ منها اللونُ للعشقِ والهوى ... ولكنْ أراها للمحبينَ تجزعُ ولم أسمع في أترجة مقفعة أحسنَ من قول أبي طالب الرقي وأبدع فيه:

стр. 37

مصفرةُ الظاهرِ بيضاءُ الحشا ... أبدعَ في صنعتها ربُّ السما كأنها لونُ محبٍّ دنفٍ ... مُبَعَّدٍ يحسبُ أيامَ الجفا ومن أحسن ما قيل في النارنج قول عمر بن علي المطوعي: أحسِنْ بنارنج أتانا غدوةً ... في منظرٍ مستحسنِ مرموقِ أصبحتُ أعشَقُهُ ويحكي عاشقاً ... أحسِنْ به من عاشقٍ معشوقِ وقال مؤلف الكتاب ﵀: كأنما النارنجُ للرباتِ ... ثُدِيُّ أبكارٍ مخدراتِ مزعفراتٍ ومعصفراتِ ... أو أُكرِ الكيمختِ مذهباتِ قد ضُمِّخَتْ بالعنبرِ الفُتّاتِ ... نسيمُها يزيدُ في الحياةِ فصل التفاح قال المأمون: اجتمع في التفاح الصفرة والدرية، والبياض الفضي، والحمرة الذهبية، يلذُّ به من الحواس ثلاث: تلذُّه العين لحسنه، والأنف لعرفه، والفم لطعمه. وقال سهل بن هارون: قد جمع التفاح من الألوان العلوية

стр. 38

لون قوس قزح ولو استدار قوس قزح لكان التفاح. كذلك الخمر هي تفاح ذائب، والتفاح خمر جامدة. وقد نظم هذا المعنى الأخير من قال: الخمرَ تفاحٌ جرى ذائباً ... كذلكَ التفاحُ خمرٌ جَمَدْ فاشربْ على جامِده ذوبَه ... ولا تدعْ لذةَ يومٍ لِغَدْ وقال من حكى مقالة جالينوس في التفاح: قال جالينوسُ في حكمتِه ... لك في التفاحِ فكرٌ وعَجَبْ هو روحُ الروحِ في جوهرِها ... ولها شوقٌ إليهِ وطَرَبْ ودواءُ القلبِ ينفي ضعفه ... ويُجلي الحزنَ عنه والكَرَبْ وأهدى أحمد ين يوسف المأموني إلى بعض الظرفاء تفاحة، وكتب إليه معها: قد بعثت بتفاحة تحكي بحمرتها وجنتك، وبرائحتها رائحتك، وبعذوبتها عذوبتك، وبملاحتها غرتك. ولمؤلف الكتاب رحمه الله تعالى في رسالة تفاح: تفاح يجمع وصف العاشق الوجل

стр. 39

والمعشوق الخجل، له نسيم العنبر، وطعم السكر، رسول المحب، وشبيه الحبيب. وأحسن ما قيل فيه نظماً وهو متنازع فيه لحسنه وإطرابه: وتفاحةٍ من سوسنٍ صيغَ نصفُها ... ومن جلنارٍ نصفُها وشقائقِ كأنّ الهوى قد ضَمَّ من بعد فرقةٍ ... بها خدَّ معشوقٍ إلى خَدِّ عاشقِ وقال مؤلف الكتاب ﵀: يا حبذا حسنُها ومرآها ... وحبذا في الثمارِ مجناها تفاحةٌ في الكرى توافِقني ... وفي انتباهي فصرتُ أهواها لأنها في المنام همةُ مَن ... يأملُ مالاً ويبتغي جاها وهي بهذي الأوصافِ ممتعةٌ ... تريحُ روحي بطيبِ ريّاها وتركت إيراد الأوصاف في سائر الثمار لأنها ليست من شرط الكتاب. فصل الشتاء وآثاره والاستظهار على البرد والثلج بالشرب من أحسن ما قيل فيه قول ابن المعتز:

стр. 40

جادَ الزمانُ بشمألٍ وصَبا ... يلقاهما المقرورُ بالضِدِّ فازمْ قرارَك لا تكن شرِهاً ... تشقى بطولِ السعي والكدِّ إن الكبيرَ تقله سَحَراً ... ترياقُ لسعِ عقاربِ البَرْدِ وكتب الصاحب إلى بعض ندمائه في يوم ثلج: كتبت والدنيا كقطعة كافور والدر ينثر، والكؤوس تدور. والراح ياقوت أحمر ونحن بين أطباق البرد فيما نستغيث منه إلى حر الراح وسورة الأقداح. وهي خير من كل شعر ووبر. ومن أحسن ما قيل في الشرب على الثلج قول الصنوبري: ذَهِّبْ كؤوسَك يا غلامُ ... فإنهُ يومٌ مفضَّضْ والجوُّ يجلى في الريا ... ض وفي حليّ الدُّرِ يُعْرَضْ وردُ الربيعِ مُلَوَّنٌ ... والوردُ في كانونَ أبيضْ

стр. 41

ومثله في الحسن قول الصاحب: هاتِ المدامةَ يا غلامُ معجلاً ... فالنفسُ في أيدي الهوى مأسورَهْ أو ما ترى كانونَ ينثر وردَه ... فكأنما الدنيا به كافورَهْ وأحسن منه قوله وإن لم يكن فيه ذكر الشراب: أقبلَ الجوُّ في غلائلِ نور ... وتهادى بلؤلؤ منثورِ فكأن السماءَ صاهرتِ الأرضَ فصارَ النثارُ من كافورِ وأجاد في وصف الثلج كشاجم حيث قال: الثلجُ يسقط أم لجينٌ يُسْبَكُ ... أم ذا حصى الكافورِ ظَلَّ يُفَرَّكُ ضحكتْ به الأرضُ الفضاءُ كأنما ... في كُلِّ ناحيةٍ بثغركَ تضحكُ وتزيِّن الأشجارُ منه ملاءةً ... عما قليل بالرياحِ تُهَتَّكُ شابتْ مفارقُها فَبَيَّنَ شيبها ... طرباً وعهداً بالمشيب يُنَسِّكُ فاليومُ يومُ نزاهةٍ ولذاذةٍ ... سَيُطَلُّ فيه دمُ الدنانِ ويُسْفَكُ والغيمُ من أرجِ الهواءِ كأنه ... ثوبٌ يعصفرُ مرةً ويُمَسَّكُ وقال أبو بكر الروز باري أنشدني أبو منصور المهلبي: ما لابن هَمٍّ سوى شربِ ابنةِ العنبِ ... فهاتِها قهوةً فراجةَ الكُرَبِ أدهقْ كؤوسَك منها واَسقني طرباً ... على الغيومِ فقد جاءتْكَ بالطربِ

стр. 42

أما ترى الأرضَ قد شابتْ مفارقُها ... مما نثرنَ عليها وهْيَ لم تشبِ راحتْ مفضضةَ الحافاتِ قد لَبستْ ... بيضاً من الحللِ الديباجةِ القُشُبِ جادَ الزمانُ بدمعٍ كاللجينِ جرى ... فجدْ لنا بالتي في اللونِ كالذهبِ وأنشدني أبو الفتح البستي لنفسه: كم نظمنا عقودَ أنسٍ وقصفٍ ... وجعلْنا الزمانَ للهو سِلْكا وفتقنا الدنانَ في يومِ ثلجٍ ... عزلَ الكأسُ فيه رشداً ونسكاً فكأنّ الزمانَ ينخل كافو ... راً علينا ونحنُ نعبقُ مِسكا وما أنسى قول المهلبي في ثلج ربيع وهو في نهاية الإعجاب والإطراب ومن أليق الأشعار في هذا المكان: الوردُ بين مضمخٍ ومضرّجِ ... والزهرُ بين مكلَّلٍ ومُتَوَّجِ والثلجُ يسقطُ كالنثارِ فقمْ بنا ... نلتذُّ بابنةِ كرمةٍ لم تُمْزَجِ طلع النهارُ ولاحَ نورُ شقائقٍ ... وبدتْ سطورُ الورد بين بنفسجِ فكأن يومَك في غلالةِ فضةٍ ... والنوْرُ من ذهبٍ على فيروزجِ الباب الثالث أوصاف الليالي والأيام وأوقاتهما والآثار العلوية

стр. 43

فصل فيما يطرب من ذكر الليالي الطيبة القصيرة المحمودة والمشكورة سئل الحسن بن وهب عن ليلة فقال: كانت والله ليلة رقد الدهر عنها، وطلعت سعودها، وغاب عذالها. وقال أيضاً: شربت البارحة على عقد الثريا، ونطاق الجوزاء، فلما انتبه الصبح، نمت فلم أستيقظ إلا بعد أن لبست قميص الشمس. ووصف غيره ليلة فقال: كانت والله فضية الأديم، مسكية النسيم، معطرة بأنفاس الحبيب، مهنأة بغيبة الرقيب. وقال أبو الحسن بن طباطبا: يا رُبَّ ليلٍ خلوتُ فيه بمنْ ... يقصرُ عن وصفِ كنهِ وجديَ بِهْ ليلٌ كبُرْدِ الشبابِ حالكهُ ... نعمتُ في ظِلِّه وفي طِيبِهْ وقال أيضاً وأبدع وأطرف: وليلةٍ قد غيبتْ نحسَها ... ووفرتْ حظّيَ مِنْ سَعدِها كأنها طرَّةُ فتانةٍ ... دعجاؤها سوداءُ من جعدها

стр. 44

قصيرةٌ قَصَّرَها طيبُها ... كأنها عمريَ مِنْ بعدِها وله أيضاً في معنى مقتبس من القرآن العظيم وأجاد جداً: وليلةٍ مثلِ أمرِ الساعة اشتبهتْ ... حتى تقضَّتْ ولمْ تشعرْ بها قِصَرا ما يستطيعُ بليغٌ وصفَ سرعتِها ... فاتتْ ولم تعتلقْ وهماً ولا خَطَرا يريد قول الله تعالى: " وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ". وللإمام إبراهيم بن العباس الصولي في وصف الليالي قصراً: وليلةٍ من حسناتِ الدهرِ ... قابلتُ فيها بدرهَا ببدري لم تكُ غيرَ شفقٍ وفجْرِ ... حتّى تولتْ وهي بكرُ العُمْرِ وقد حذا حذوه ابن المعتز فقال: وليلةٍ من الليالي الزهرِ ... سريتُ فيها بخيولٍ شُقْرِ سياطُها ماءُ السحابِ الغرِّ ... وشادنٌ ضعيفُ عقدِ الخَصرِ يمضي بموجٍ ويجي ببدرِ ... في صدغِه عقاربٌ لا تسري من سبَج قد قيدَتْ بالعطرِ ... يا ليلةً سرقتُها منْ عُمْري

стр. 45

ومن مطربات لياليه قوله: كم ليلةٍ شغلَ الرقادُ عذولَها ... عن راقدَيْنِ تواعدا للقاءِ ما راعنا تحتَ الدجى ليلاً سِوى ... شبهِ النجومِ بأعينِ الرقباءِ وقوله: يا ليلةً ما كان أطيبَها ... سوى قصرِ البقاءْ أحييتُها فأمتُّها ... وطويتُها طيَّ الرداءْ حتَى رأيتُ الشمَ تتلو ... البدرَ في أفق السماءْ وكأنها وكأنه ... قَدَحانِ من خمر وماءْ وقوله: لا تَلْقَ إلا بليلٍ من تواصُله ... فالشمسُ تمَّامةُ والبدرُ قَوَّادُ كم عاشقٍ وظلامُ الليل يسترُه ... لاقى أحبتَه والناسُ رُقَّادُ وزعم ابن جني أن المتنبي أخذ مصراع البيت الأول في قوله الذي هو من وسائط قلائده وهو: أزورُهمُ وسوادُ الليل يشفعُ لي ... وأنثني وبياضُ الصبحِ يُغْري بي

стр. 46

ومن مطربات أبي فراس الحمداني: يا ليلةً لستُ أنسى طيبَها أبداً ... كأن كُلَّ سرورٍ حاضرٌ فيها وقوله: يا ليلُ ما أغفلُ عما بي ... حبائبي فيك وأحبابي يا ليلُ نام الناسُ عن موجعٍ ... ناءٍ على مضجعِه نابي هبتْ لنا ريحٌ شآمِيَةٌ ... مَدَّتْ إلى القلب بأسبابِ أدتْ رسالاتِ حبيب بها ... فهمتُها مِنْ بينِ أصحابي وكان الصاحب يستحسنها ويكثر الإعجاب بها. ومن مطربات السري قوله: كستكَ الشبيبةُ ريْعانَها ... وأهدتْ لك الراحُ رَيْحانها فدمْ للنديمِ على عهدِه ... وغادِ المدامَ وندمائها سكرتُ بقطربُّلٍ ليلةً ... لهوتُ فغازلتُ غزلانها وأيُّ ليالي الهوى أحسنتْ ... إليَّ فأنكرتُ إحسانها؟ ومن مطربات الخالدي قوله:

стр. 47

رُبَّ ليلٍ فضحتُه بضياءِ ... الراحِ حتى تركتُه كالنهارِ بتُّ أجلو فيه شموسَ وجوهٍ ... حملتْ في الدُّجى وجوهَ عقارِ ومن مطربات ابن المعتصم الأنطاكي قوله: وليلٍ كأنَّ نجومَ السماء ... به مُقَلٌ رَنَّقَتْ للهجوعْ ترى الغيمَ من دونِها حاجباً ... كما احتجبتْ مقلةٌ بالدموعْ ومن مطربات الصنوبري قوله: يا ليلةً طلعتْ بأحسنِ طالعِ ... تاهت على ضوءِ النهارِ الطالعِ بمحاسن مقرونةٍ بمحاسنٍ ... وبدائعٍ مقرونةٍ ببدائعِ ضوءُ الشُموس وضوءُ وجهِك مازجاً ... ضوءَ العقارِ وضوءَ برقٍ لامعِ فكأنما ألقى الدجى جلبَابَه ... وأراك جلبابَ النهارِ الساطعِ وقال مؤلف الكتاب رحمه الله تعالى: يا ليلةً كالمسكِ مخبرُها ... كذاك في التشبيهِ منظرُها أحييتُها والبدرُ يخدمني ... والشمسُ أنهاها وآمُرُها وقال:

стр. 48

هذه ليلة لها بهجةُ الطاووسِ حسناً واللونُ لونُ الغدافِ رقدَ الدهرُ فانتبهنا وسارقناهُ حظاً من السرور الصافي بمدامِ صافٍ وخِلٍّ مصافِ ... وحبيبٍ وافٍ وسعدٍ موافِ فصل طول الليل من أحسن ما قيل فيه قول عتاب بن ورقاء الشيباني: إن اللياليَ للأنام مناهلٌ ... تُطوى وتُنْشَرُ بينَها الأعمارُ فقصارُهُنَّ مع الهموم طويلةٌ ... وطوالُهُنَّ مع السرورِ قصارُ وقول خالد الكاتب: رقدتَ فلم ترثِ للساهرِ ... وليلُ المُحب بلا آخرِ ولم تدرِ بعد ذهاب الرقادِ ... ما فعلَ الدمعَ بالناظرِ ومن أظرف ما قيل فيه قول ابن طباطبا: أترى النجمَ حار في الليل أم ... أسبلَ ليلي على نهاري ذَيْلا أم كما عادَ وصلُه ليَ هجراً ... عاد أيضاً فيه نهاريَ ليلا وغرة هذا الفصل قول سيدوك الواسطي:

стр. 49

عهدي بنا ورداءُ الوصلِ يجمعُنا ... والليلُ أطولُه كاللمحِ بالبصرِ فالآن ليليَ مُذْ غابوا فديتُهم ... ليلُ الضريرِ فصبحي غيرُ منتظرِ وقال غيره: وليلةٍ كاللجةِ الزاخِرَةْ ... طالتْ على ذي المقلةِ الساهرَهْ أقول إذا آيستُ من صُبحِها ... آخرُ هذي الليلةِ الآخرَهْ وقال مؤلف الكتاب ﵀: يا ليلةً هي طولاً ... كمثلِ شوقي ووجدي مَدَّتْ سرادقَ شجوٍ ... على الورى أيَّ مَدِّ نجومُها الزهرُ تحكي ... حسناً لآلىءَ عِقدِ والأنجُم الزهر فيها ... كالوردِ في اللازوردي فصل وصف الليل والنجوم من غرر ابن طباطبا قوله: ربَّ ليلٍ صحبتُه كاسفَ البا ... لِ كئيباً حليفَ هَمٍّ شتيتِ مؤنساً ربعَه بطولِ أنيني ... وهْوَ لي موحِشٌ بطولِ السكوتِ

стр. 50

تحت سقفٍ من الزبرجدِ قد ... رُصِّعَ حسناً بالدُرِّ والياقوتِ ومن ملح القاضي التنوخي قوله: وليلةِ مشتاقٍ كأن نجومَها ... قد اغتصبتْ عيني الكرى فهْيَ نُوَّمُ كأن عيونَ الساهرينَ لطولِها ... إذا طلعتْ للأنجم الزهرِ أنجمُ كأن ظلامَ الليلِ والفجرُ ضاحكٌ ... يلوحُ ويبدو أسودٌ يتبسمُ ومن بدائع الوأواء الدمشقي قوله: ولقد ذكرتُكِ والنجومُ كأنَّها ... درُّ على أرضٍ من الفيروزجِ يلمعنَ من خللِ السحاب كأنها ... شررٌ تطايرَ من دخانِ العَرْفَجِ ومن مطربات الحجاج قوله: يا صاحبيَّ تيقظا منْ رقدة ... تُزري على عقل اللبيبِ الأكيسِ هذي المجرة والنجومُ كأنها ... نهرٌ تدفّقَ في حديقةِ نرجسِ وأرى الصَّبا قد غلَّستْ بنسيمها ... فعلامَ شربُ الراحِ غيرَ مُغَلَّسِ ومن أحسن ما قيل في الثريا قول أبي عثمان الخالدي، وقيل هو لابن أخيه وينسب للمهلبي:

стр. 51

خليلَيَّ إني للثريا لحاسدُ ... وإني على ريبِ الزمان لواجدُ أيجمعُ منها شملُها وهي سبعةٌ ... وأفقدُ من أحببتُه وهْوَ واحدُ؟ فصل الهلال والبدر والقمر من مطربات ابن المعتز قوله: أهلاً بفطرٍ قد أنارَ هلالُه ... فالآنَ فاغدُ إلى الشرابِ وبَكِّرِ وانظر إليه كزورقٍ من فضةٍ ... قد أثقلتهُ حمولةٌ منْ عنبرِ وأحسن كشاجم في قوله: أهلاً وسهلاً بالهلا ... لِ بدا لعينِ المبصرِ أو ما تراه يلوح في ... جَوِّ السماءِ الأخضرِ كشعيرةٍ من فضةٍ ... قد رُكِّبَتْ في خِنْجَرِ وقد أبدع السّري وأطرب حيث قال: قد جاءَ شهر السرورِ شوالُ ... وغالَ شهرَ الصوم مغتالُ أما رأيتَ الهلال يرمقُه ... قومٌ لهم إن رأوهُ إهلالُ كأنه قَيْدُ فضةٍ هزجٌ ... فُضَّ على الصائمينَ فاختالوا

стр. 52

ومن مطربات ابن طباطبا قوله: تأملْ نحولي والهلالَ إذا بدا ... لليلتهِ في أفقِه أيُّنا أضنى على أنه يزدادُ في كلِّ ليلةٍ ... نُمُواً وأني بالضَّنى دائماً أفنى ومن مطربات عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: يا أيها القمرُ المنيرُ الزاهِرُ ... الأملحُ العالي الرفيعُ الباهرُ بلغْ شبيهتَكَ السلامَ وهنِّها ... بالنومِ واشهدْ لي بأنيَ ساهرُ ومن أحسن ما أنشد فيه الشيخ أبو منصور المرزباني لنفسه: كمْ ليلةٍ أحييتُها ومنادمي ... طَرْفُ الحبيب وطيبُ حَسُوِ الأكؤسِ شبهتُ بدرَ سمائِها لما دنتْ ... مني الثُرَيّا في قميصٍ سندسي مَلِكاً مَهيباً قاعداً في روضةٍ ... حياه بعضُ الزائرينَ بنرجسِ ومن أحسن ما قيل في البدر المحتجب بالغيم قول من قال: شبيهكَ بدرٌ في السماء مَحَلُّه ... فأنتَ إذا ما غِبْتَ آنسُ بالبدرِ فغطت على بدرِ السماءِ غمامةٌ ... وصار عليَّ الغيمُ أيضاً مَع الدهرِ ومن مطربات أبي الفرج الوأواء فيه طالعاً من خلال

стр. 53

السحاب قوله: لا تنكري ما بي فليسَ بمنكرٍ ... عند التفرق دهشةُ المُتَحَيِّرِ ها هذه روحي إليك هديةٌ ... فتجمَّلي في أخذِها ثم اعذري ولربّ ليلٍ ضلَّ فيه صباحُه ... وكأنهُ بكَ خطرةُ المتذكرِ والبدرُ أول ما بدا متلثماً ... يبدي الضياءَ لنا بخدٍّ مُسْفِرِ فكأنما هو خوذةٌ من فضةٍ ... قد رُكِّبَتْ في هامةٍ مِنْ عنبرِ وأبدع الخالدي في قوله من قصيدة: البدر منتقِب بخدٍّ أبيضٍ ... هو فيه بين تَخَفُّرٍ وتَبَرُّجِ كتنفس الحسناءِ في مرآتِها ... كملَتْ محاسنُها ولم تَتَزوجِ ومدح بعض البغاء القمر وأحسن إذ قال: هو نور الله تعالى، وأحد النيرين. هو الذي يجعل الليل نهاراً، ويشبه به كل وجه حسن، ويتمثل به في كل خبر، وفيما يقال من حكاياتهم: أن أعرابياً نام عن جمله، ثم انتبه ففقده، فلما طلع البدر وجده. فرفع يديه فقال: أشهد أنك أعليته،

стр. 54

وجعلت السماء بيته. ثم نظر إلى القمر فقال: الله تعالى صورَّرك ونوَّرك، وعلى البروج دوَّرك، إذا شاء نوَّرك، وإذا شاء كوَّرك، ولا أعلم مزيداً أسأله لك، ولئن أهديت إلي سروراً، فلقد أهدى الله إليك نوراً. فصل الصبح من مطربات ابن المعتز: يا خليليَّ اسقياني ... قهوةً ذاتَ حُميَّا إن تكنْ رشداً فرشداً ... أو تكنْ غَيّاً فَغَيّا قد تولى الليلُ عَنّا ... وطواهُ الصبحُ طَيّا وكأن الصبح لما ... لاحَ من تحتِ الثريّا ملكٌ أقبلَ في التاج يُفدّى ويُحَيّا ومن مطربات السري الرفا الموصلي: انظرْ إلى الليلِ كيف تصدعُه ... رايةُ صبح مبْيَضَّةُ العَذَبِ كراهبٍ حَنَّ للهوى طَرَباً ... فشقَّ جلبابَه منَ الطربِ

стр. 55

ومن مطربات أبي بكر الخالدي قوله: هو الصبحُ قابلَنا بابتسامِ ... ليصرفَ عنا عبوسَ الظلامِ ولاحَ فحلّلَ كأسَ الشمو ... ل صِرفاً وحَرَّمَ كأسَ الملامِ فظلْنا على شَمّ وردِ الخدودِ ... ومسكِ النحورِ ونقلِ اللثامِ نعينُ الصباحَ على كشفِِه ... قناعَ الظلامِ بضَوْءِ المُدامِ وقوله: ما عذرُنا في حبسِنا الأكوابا ... سقطَ الندى وصفا الهواءُ وطابا فكأنما الصبحُ المنيرُ وقدْ بدا ... بازٌ أطارَ من الظلامِ غرابا فأدمْ لذاذة عيشنا بمدامة ... زادتْ على هَرمِ الزمانِ شَبابا فصل الشمس قال بعض الظرفاء: لما ارتفع السحاب عن حاجبها، ولمعت في أجنحة الطير، وذهبت إلى أطراف الجدران، وطنب شعاعها في الآفاق، وافتضضنا عذرة الصباح، بمباكرة الأقداح من الراح، فما ترجلت الشمس إلا وقد ركبنا

стр. 56

أفراس الأفراح. وأنشد أبو بكر الخوارزمي: أما ترى الشمس بدت ... كأنها ترسُ ذَهَبْ كأنها قد ركِّبتْ ... للناظرينَ مِنْ لَهَبْ النُّورُ باد عندنا ... كما الظلامُ منتهَبْ أشكر عنها مَلِكاً ... أَحْسنَ فيما قدْ وَهَبْ وقال مؤلف الكتاب في احتجاب الشمس بالغيم: أما ترى اليومَ مسكيَّ الهواء وقد ... مدت يدُ الشمسِ في حافاتها كللا كأنما شمسُه قد أبصرتْ قمري ... يُربي عليها فغطَّتْ وجهَها خَجَلا فصل أيام الدجن والمطر من مطربات ابن المعتز قوله: يومٌ كأن سماءَه ... حجَبت بأجنحة الفَواخِتْ وكأن وردَ قطارِه ... وردٌ على الأغصانِ نابتْ يومٌ يطيبُ به الصبو ... حُ وقد نأتْ عنه الشوامِتْ

стр. 57

فارتعْ به وبمثلِه ... لا تأسفنَّ لفوتِ فائتْ وقوله: يومٌ بدا في غاية الحسنِ ... تبكي سحائبُه بلا جفنِ فالروضُ يضحكُ من بكا المزنِ والشمس تحت سرادِق الدجْنِ وكأن دجلةَ في تموجِها ... تختالُ بين مطارفٍ دُكْنِ ومما يستحسن لشرفه بالانتماء إلى قائله، لا لكثرة طائله قول عبد الله بن طاهر: يومُنا يومُ رذاذِ ... وسرورٍ والتذاذِ فاسقني واسقِ سليمانَ بنَ يحيى بنِ معاذِ من شرابٍ كسرويٍّ ... لونهُ لونُ البجاذِ ومن مطربات ابن الرومي: يومُها للنديمِ يومُ سرورٍ ... والتذاذٍ وحبرةٍ وابتهاجِ

стр. 58

في سماءٍ كأدكنِ الخزّ قد غِيمتْ وأرضٍ كمُذْهَبِ الديباج ومما يستحسن لأحمد بن يوسف ما كتبه إلى صديق له يستدعيه: إن كنت تنشط للصبوحِ فيومُنا ... يومٌ أغرّ محجلُ الأطرافِ وترى السحابةَ في السماءِ تعلقَتْ ... وكأنما كُسِيَتْ جناحَ غدافِ طوراً تُبَلّلُ بالرذاذِ وتارة ... تهمي عليك بدَلوِها الغرّافِ فانعم صباحاً واتِنا متفضلاً ... ودعَ الخلافَ فليس يومَ خلافِ وللإمام علي بن الجهم في وصف اليوم المتلون: أما ترى الليلَ ما أحلى شمائله ... صحوٌ وغيمٌ وإبراقٌ وإرعادُ كأنه أنتَ يا من ليسَ أذكرُه ... وصلٌ وهجرٌ وتقريبٌ وإبعادُ وأحسن وأبلغ منه قول ابن طباطبا: ويومِ دجنٍ ذي ضمير متهمْ مثل سرورٍ شانه عارضُ هَمْ أو كسقيمِ الرأي يقفوه الندمْ يبرزُه في زي ذي حَمْدٍ وذَمْ عبوسُ ذي اللؤمِ وبَشرُ ذي الكَرَمْ كقُبح لا خالطهُ حسنُ نَعَمْ

стр. 59

صحوٌ وغيمٌ وضياءٌ وظُلَمْ كأنه مستعبرٌ قد ابتسمْ ما زلتُ فيه عاكفاً على صنمْ مهفهفِ الكشحِ لذيذ الملتزمْ ريحانه وقفٌ على لَثْمِ وشَمْ وخَصرهُ وقفٌ على قبض وضمْ يا طيبَه يومٌ تولّى وانصرمْ وجودُه من قِصَر مثلُ العَدمْ وما أحسن قول السري وأطربه في ذكر يوم متلون: يومٌ خلعتُ به عذاري ... وعريتُ من حللِ الوقارِ وضحكتُ فيه إلى الصِّبا ... والشيبُ يضحكُ في عذاري متلِّونٌ يبدي لنا ... ظَرْفاً بأطرافِ النهارِ فهواؤهُ سحب الرداءِ ... وغيمُه جافي الإِزارِ يبكي فيجمد دمعُه ... والبرقُ يكحلُه بنارِ ومن مطربات المهلبي: يومٌ كأن سماءَه ... مثلُ الحصانِ الأبرشِ وكأن زهرةَ أرضِه ... فرشتْ بأحسنِ مفرشِ

стр. 60

والشمسُ تظهرُ مرةً ... وتغيبُ كالمستوحشِ شبهت حمرة وجهها ... بخمارِ عينِ المنتشي ومن مطربات السري قوله: اليوم يعذبُ وردٌ فيه تكديرُ ... ويستفيقُ من الهجران مهجورُ حثوا الكؤوسَ فذا يومٌ به قِصَرٌ ... وما به عن تمامِ الحسنِ تقصيرُ صحوٌ وغيمٌ يروق العينَ حسنُهما ... فالصحوُ فيروزجٌ والغيم شَمُّورُ وأنشدني أبو الفتح البستي لنفسه: يومٌ له فضلٌ على الأيامِ ... مزجَ السحابُ ضياءَه بظلامِ فالبرقُ يخفقُ مثلَ قلبِ هائمٍ ... والغيثُ يَهمي مثلَ طَرفٍ هامي وكأن وجهَ الأرضِ خدَّ متيمٍ ... وُصِلتْ سحابُ دموعِه بسجامِ فاطلبْ ليومك أربعاً هُنَّ المُنى ... وبهن تصفُو لذةُ الأيامِ وجهَ الحبيبِ ومنظراً مستنزهاً ... ومغنياً غَرِداً وكأسَ مُدامِ وما أملح قول الخالدي في يوم ذي غيم وبرق:

стр. 61

هو يومٌ كما ترا ... هُ مليح الشمائلِ هاجَ نوحُ الحمام فيهِ غناءَ البلابلِ ولركبِ السماء في الجو حقٌ كباطلِ مثلَ ما فَاه في المهندِ بعضُ الصياقلِ ومن المطربات ما أنشد فيه منصور بن منصور الهروي: يومُ دجنٍ هواؤُهُ ... فاختيٌّ رداؤُهُ مطَرَتْنا مسرةٌ ... حين صابتْ سماؤُهُ أشبهَ الماءَ راحُهُ ... وعلا الراحَ ماؤُهُ داوِ بالقهوةِ الخما ... رَ ففيها دواؤُهُ لا تعاتبْ زمانَنا ... إن عَرانا جفاؤُهُ شدةُ الدهر تنقضي ... ثمّ يأتي رَخاؤُهُ كَدَرُ العيش للفتى ... يقتفيه صفاؤُهُ وكذا الماءُ يسبق ... الضوءَ منه خفاؤُهُ

стр. 62

وقال مؤلف الكتاب: الأرض طاووسِيّةٌ ... والجوُّ جؤجؤُ فاختِ متبسمٌ عن نشرِ حبٍ ... عند صَبٍّ ثابتِ والوردُ دُرٌّ نابتٌ ... أحسنُ بدرٍ نابتِ لكنَّ في عيني قذىً ... من نورِ شيبٍ سابتِ لما بكيتُ دمَ الفؤادِ على الحبيب الفائتِ ضحكَ المشيبَ بعارضي ... ضحكَ العدوِّ الشامتِ فصل أيام الدجن والمطر واستزارة الإِخوان كتب بعض الظرفاء إلى صديق له يستدعيه إلى زيارته: يومنا حسن الشمائل، ممتنع الشمائل، ذو سماء هطلت، وجادت بوبلها وأسبلت فاجمع شملنا بقربك، وأرحنا من تأخرك. وكتب آخر: يومنا يوم غمام ومدام،

стр. 63

وندام، وأنت قطب السرور، ونظام الأمور، فتفضل وتطول، ولا تتمهل. وكتب آخر نظماً: قدورٌ تفورُ وكأسٌ تدورُ ... ويومُ مطيرٌ وعيشٌ نضيرْ وعندي وعندَك ما قد علمتَ ... علومٌ تمور وشِعرٌ كثيرْ فقمْ واصطبحْ قبل فوتِ الزمانِ ... فإن زمانَ التلاهي قصيرْ وكتب السري الرفاء إلى صديق له: ألست ترى ركبَ الغمام يساقُ ... وأدمَعه بين الرياضِ تراقُ وقد رقَّ جلبابُ النسيمِ على الثرى ... ولكنْ جلابيبُ الغمامِ صِفاقُ وعندي من الريحان نوعٌ تُحِبُّهُ ... وكأسٌ كرقراقِ الخلوقِ دهاقُ وذو أدب جلَّتْ صنائع كفّهِ ... ولكنْ معاني الشِعرِ منه دقاقُ فزرْ فتية بردُ الشباب لديهم ... حميمٌ إذا فارقتهم وغساقُ فصل سائر الاستزارات

стр. 64

وهو دخيل في هذا الباب لأنه يقطع من الإِخوانيات، ولكن آثرت أن يجتمع مما يطرب من الاستزارات ولا يفترق، وحين اتفق إيراد فصل أتبعته بما ينخرط في سلكه فمن أحسن ما أحفظ قول ابن طباطبا: يا حسنَ هذا السطحِ من متنَزَّهٍ ... للعينِ ما تلتذُ فيهِ وتشتهي من خضرةٍ نضرتْ وماءٍ سايحٍ ... ومدامةٍ حضرتْ وبهجةِ أوجُهِ وعصابةٍ أدباءَ كلٌ شاعرٌ ... والظرفُ في الدنيا إليهم ينتهي تهمي عقودُ الشعرِ بين عقولهم ... كتناثرِ المرجانِ من عقدٍ بَهي يا فرحةً لو كنتَ بين القومِ يا ... مَنْ لا يطيبُ لنا المقامُ سوى بهِ فهلمّ يُجْمَعْ شملُنا ونظامُنا ... يا زيننا وإمامَ كلِّ مفوِّهِ ومتى تُجِبْ فكأننا في روضةٍ ... ومتى تغبْ فكأننا في مهمهِ وكتب السري إلى صديق له: نفسي فداؤُكَ كيفَ تصبرُ ساعةً ... عن فتيةٍ مثل البدورِ صِباحِ حَنَّتْ نفوسُهُمُ إليكَ فأعلنوا ... نفساً يعد مسالك الأرواحِ

стр. 65

وغدوا لراحهم وذكرُك بينهم ... أذكى وأطيبُ من نسيمِ الراحِ فإذا جرتْ حيناً على أقداحِهم ... جعلوكَ ريحاناً على الأقداحِ وكتب أبو الفتح البستي إلى بعض إخوانه: عندي فديتكَ سادَةٌ أحرارُ ... وقلوبهُم شوقاً إليك حِرارُ وشرابُنا شربُ العلومِ وبيننا ... نزهُ الحديثِ ونقلُنا الأشعارُ فانعم علينا بالبدارِ فإنّما ... ساعاتُ أيامِ السرورِ قصارُ وكتب الصاحب إلى بعض ندمائه: نحن في مجلس أنس، قد فتحت فيه عيون النرجس، وفاحت مجامر الأترج، وفتقت فارات النارنج، ونطقت ألسنة العيدان، وقامت خطباء الأوتار، وهبت رياح الأقداح، وطلعت كواكب الندمان، وامتدت سماء الند، فبحياتي عليك إلا عجلت لتتصل الواسطة بالعقد، ونحصل من قربك في جنة الخلد. وكتب أيضاً: نحن

стр. 66

في مجلس أبت راحه أن تصفو إلا أن تتناوله يمينك، وأقسم غناؤه لا طاب حتى تعيه أذناك. وعندنا خدود نارنجية قد احمرت خجلاً لإبطائك وعيون نرجسية قد حدقت تأملاً للقائك، وأحب أن تطير إلينا طيران السهم، أو تطلع علينا طلوع النجم. وكتب مؤلف الكتاب إلى صديقين له: عندي إنسان ولكنه ... أكبرُ لي من ألفِ إنسانِ لقاؤه أشهى من البارد العذب إلى عطشانَ ظمآنِ فاقتربا عندي أفديكما ... فأنتما راحي ورَيْحاني فصل غرر البلغاء من أهل العصر في التأسف على الأيام السالفة يا أسفاً على غفلات العيش، ولحظات الأنس، إذ ظهائرنا أشجار، وليالينا نهار، وسنوننا أيام، وأوقاتنا قصار، سقى الله أياماً كانت من غرر العمر ودرر الدهر، كيف أنسى تلك اللمعة من عمري، والصفوة من

стр. 67

شربي، وهما غرة في مدلهم، وشهاب في ليل مظلم. وللصاحب تذكرت أياماً فتذكرت سحراً وسيماً، وعيشاً جسيماً، وراحاً وريحاناً ونعيماً، وخيراً عميماً، وابتهاجاً مقيماً، وأياماً حسنت فكأنها أعراس، وقصرت فكأنها أنفاس. ولابن العميد: أيامنا اللاتي حازت أيام الشباب حسناً ورقة، وفاقت أعلام المطارف ليناً ودقة، وليالينا التي تخجل خدود الرياض، وتفضح حواشي الحلل، وساعاتنا التي هي ألطف من مسارقة النظر، ومخالسة القبل، ونعسة الرقيب، وغيبة الحافظ، وإسعاف الحبيب، وزيارة الموموق، وحفظ العهد وإنجاز الوعد. فصل فيما يناسبه نظماً من مطربات ذلك قول بعض الحجازيين: سقى الله أياماً لنا لَسْنَ رُجَّعاً ... وسقياً لعصرِ العامرية من عصرِ

стр. 68

لياليَ أعطيتُ البطالةَ مِقودي ... تمرُّ الليالي والشهورُ ولا أدري وقول ابن طباطبا: بانوا وأبقَوْا في حشاي لبينهم ... وَجْداً إذا ظعنَ الخليطُ أقاما لله أيامُ اللقاءِ كأنها ... كانتْ لسرعةِ مَرِّها أحلاما لو دامَ عيشٌ قبلَها لأخي الهوى ... لأقامَ لي ذاك السرورُ وداما يا عيشَنا المفودَ خذْ من عمرِنا ... عاماً ورُدّ مِنَ الصِّبا أياما وللإمام أبي تمام في ذلك حيث يقول: أأيامَنا ما كنتِ إلا مواهباً ... وكنتِ بإسعافِ الحبيبِ حبائبا سنغربُ تجديداً لعهدكِ في البُكا ... فما كنتِ في الأيامِ إلا غَرائبا وقد أطرب المتنبي بقوله: سقا اللهُ أيامَ الصِّبا ما يسرها ... ويفعلُ فعلَ البابلي المعتَّقِ إذا ما لبستُ الدهرَ مستمتعاً به ... تخرقتُ والملبوسُ لم يَتَخَرَّقِ وقال مؤلف الكتاب:

стр. 69

سقياً لدهرِ سروري ... والعيشِ بين السراري إذْ طير سعدي جواري ... معَ امتلاكِ الجواري أيام عيشي فعودي ... وقد ملكتُ اختياري وغيمُ لهوي مطيرٌ ... وزَندُ أنسيَ واري أجري بغيرِ عذارٍ ... أجني بغيرِ اعتذارِ وقال أيضاً: سقياً لأيام الصِّبا إذ أنا ... في طلبِ اللذات عفريتُ أصيدُ كالبازي ولكنني ... أحكي العصافيرَ إذا شيتُ الباب الرابع الغزل وما يجانسه فصل الغزل يقال: أغزل بيت للعرب قول جرير: إن العيون التي في طرفها حَوَرٌ ... قتلْننا ثم لم يحيينَ قتلانا يصرعْنَ ذا اللبّ حتى لا حراكَ به ... وهنَّ أضعفُ خلقِ اللهِ أركانا

стр. 70

وقال هارون بن علي بن يحيى المنجم: أغزل بيت قول الشاعر: أنا والله أشتهي سحرَ عينيكِ ... وأخشى مصارعَ العشاقِ وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: أغزل بيت قول الموصلي: إذا مرضْنا أتيناكمْ نعودُكُمُ ... وتذنبونَ فنأتيكمْ فنعتذرُ وقال أبو هفان: قول أبي الشيص أغزلها: وقفَ الهوى بي حيثُ أنتِ فليس لي ... متأخَّرٌ عنهُ ولا مُتَقَدَّمُ أجد الملامةَ في هواك لذيذةً ... حباً لذكركِ فليلمْني اللُوَّمُ أشبهتِ أعدائي فصرتُ أَحبهم ... إذا كانَ حظي منكِ حظي منهُمُ وأهنِتني فأهنتُ نفسيَ صاغراً ... ما مَنْ يهونُ عليكِ ممنْ يُكْرَمُ وكان البحتري يقول: أغزل الناس العباس بن الأحنف وأغزل شعره قوله: أحرمُ منكمْ بما أقولُ وقد ... نال به العاشقونَ منْ عَشقوا صرتُ كأني ذبالةٌ نُصِبَتْ ... تضيءُ للناسِ وهْيَ تحترقُ

стр. 71

وحكى أبو القاسم الآمدي قال: سمعت بعض الشيوخ النقدة للشعر تقول: غزل بيت قول العباس بن الأحنف: وصالكُمُ هجر وحُبُّكُمُ قِلىً ... وعطفكمُ صَدٌّ وسِلمكُمُ حربُ فقال: هذا والله أحسن من تقسيمات إقليدس. وبلغني أن الصاحب كان يستحسن جداً قول المتنبي: وما شَرَقي بالماءِ إلا تذكراً ... لماءٍ به أهلُ الحبيب نزولُ وكان أبو بكر الخوارزمي يقول: أغزل البصريين السري الرفاء في قوله: قسمت قلبيَ بين الهَمّ والكمدِ ... ومقلتي بين فيضِ الدمع والسهدِ ورحت في الحبّ أشكالاً مقسمةً ... بين الهلالِ وبين الغصن والعقدِ أرينني مَطَراً ينهلُّ ساكبُه ... بين الجفونِ وبرقاً لاحَ مِنَ بَرَدِ ووجنةً لا يروِّي ماؤُها ظمأي ... بخلاً وقد لذعتْ نيرانُها كَبِدي وكيف أبقي على ماءِ الشؤون وما ... أبقى الغرامُ على صَبري ولا جَلَدي وقال مؤلف الكتاب في صباه:

стр. 72

قلبي وجداً مشتغلْ ... على الهمومِ مشتعلْ وقد كساني في الهوى ... ملابسَ الصَّبِّ الغَزِلْ إذا زنتْ عيني به ... فبالدموع تغتسلْ فصل الشّعْر من أحسن ما قيل في الشعر قول بكر بن النطاح: بيضاء تسحبُ من قيامٍ فرعَها ... وتضلُّ فيه وهو جثلٌ أسْحَمُ وكأنها فيه نهارٌ ساطعٌ ... وكأنه ليلٌ عليها مظلِمُ وأحسن ما سمعت في شعورهن، مع وصف عيونهن، وحسن مشيهن قول المطراني الشاشي، وهو ما استحسنه الصاحب من شعره لما حمل ديوانه إلى حضرته: ظباءَ أعارتها المها حسنَ مشيها ... كما قدْ أعارتها العيونَ الجآذرُ فمن حسن حال المشي جاءتْ فقَبلتْ ... مواطىء من أقدامِهَنَّ الضفائرُ

стр. 73

ومن وسائط المتنبي قوله: نشرتْ ثلاثَ ذوائبٍ من شعرها ... في ليلةٍ فأرتْ لياليَ أربعا فصل العيون قال عدي بن الرقاع عفا الله عنه: وكأنّها بين النساءِ أعارَها ... عينيه أحورُ من جآذرِ جاسمِ وسنانُ أقصدَه النعاسُ فرنَّقَتْ ... في عينهِ سِنةٌ وليسَ بنائمِ وأحسن ذو الرمة حيث قال: لها بَشرٌ مثلُ الحرير ومنطقٌ ... رخيمُ الحواشي لا هراءٌ ولا نزرُ توهمتُها ألوى بأجفانِها الكرى ... كرى النومِ أو مالتْ بأعطافِها الخمرُ وقد ملح كشاجم في قوله: يا منْ لأجفان قريحَهْ ... سهرتْ لأجفانٍ مليحَهْ لم تتركِ المقلُ المريضةُ فيَّ جارحةً صحيحَهْ

стр. 74

ومن مطربات السري قوله: بنفسي من أجودُ له بنفسي ... ويبخلُ بالتحيةِ والسلامِ وحتفي كامنٌ في مقلتيه ... كمونَ الموتِ في حَدِّ الحسامِ ولا مزيد على قول الوزير المهلبي: ربّ يومٍ قطعتُ فيه خُماري ... بغزالٍ كأنني مخمورُ فصل الثغر من مطربات هذا الفصل قول المخزومي: وقبَّلتُ أفواهاً عِذاباً كأنها ... ينابيعُ خمرٍ حُصّنَتْ لؤلؤَ البحرِ وقول العلوي الحماني: ذاتُ خدين ناعمين ضنينين بما فيهما منَ التفاحِ وثنايا وريقةٍ من مدامٍ ... كعبيرٍ وروضةٍ منْ أقاحي وأحسن كشاجم حيث قال: واحَرَبا من أوجهٍ ملاحِ ... ومن ثغورٍ تشبهُ الأقاحي مملوءةٍ من بَرَدٍ وراحِ ... وحدقٍ مريضةٍ صحاحِ

стр. 75

هنَّ اللواتي أيأستْ صلاحي ... وتركتْ ليلي بلا صَباحِ وله أيضاً: في فمها مسكٌ ومشمولةٌ ... صِرفٌ ومنظومٌ من الدُّرِّ فالمسكُ للنكهةِ والخمرُ للريقةِ واللؤلؤُ للثَّغْرِ ومن مطربات الصابي قوله: قبَّلتُ منه فماً مجاجتُه ... تجمعُ بين المدامِ والشَّهدِ كأن مجرى سِواكه بَرَدٌ ... وريقُهُ ذوبُ ذلك البَرَدِ وأحسن من ذلك كله وأدعى للطرب قول أبي العشائر: للعبد مسألةٌ لديكَ جوابُها ... إن كنتَ تذكرُه فهذا وقتُهُ ما بال ريقِك ليسَ ملحاً طعمُه ... ويزيدني عَطشاً إذا ما ذقتُهُ وقال مؤلف الكتاب: ثغرٌ كلمح البرقِ حسنُ بريقه ... يشفي غليلَ المستهامِ بريقِهِ قد بتُّ ألثمُهُ وارتشفُ المنى ... من دُرِّهِ وعَقيقِه ورَحيقِهِ فصل جميع الأوصاف وسائر التشبيهات في
следующие страницы →