Полный текст (111 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وحكى أبو القاسم الآمدي قال: سمعت بعض الشيوخ النقدة للشعر تقول: غزل بيت قول العباس بن الأحنف:
وصالكُمُ هجر وحُبُّكُمُ قِلىً ... وعطفكمُ صَدٌّ وسِلمكُمُ حربُ
فقال: هذا والله أحسن من تقسيمات إقليدس.
وبلغني أن الصاحب كان يستحسن جداً قول المتنبي:
وما شَرَقي بالماءِ إلا تذكراً ... لماءٍ به أهلُ الحبيب نزولُ
وكان أبو بكر الخوارزمي يقول: أغزل البصريين السري الرفاء في قوله:
قسمت قلبيَ بين الهَمّ والكمدِ ... ومقلتي بين فيضِ الدمع والسهدِ
ورحت في الحبّ أشكالاً مقسمةً ... بين الهلالِ وبين الغصن والعقدِ
أرينني مَطَراً ينهلُّ ساكبُه ... بين الجفونِ وبرقاً لاحَ مِنَ بَرَدِ
ووجنةً لا يروِّي ماؤُها ظمأي ... بخلاً وقد لذعتْ نيرانُها كَبِدي
وكيف أبقي على ماءِ الشؤون وما ... أبقى الغرامُ على صَبري ولا جَلَدي
وقال مؤلف الكتاب في صباه:
стр. 72
قلبي وجداً مشتغلْ ... على الهمومِ مشتعلْ
وقد كساني في الهوى ... ملابسَ الصَّبِّ الغَزِلْ
إذا زنتْ عيني به ... فبالدموع تغتسلْ
فصل
الشّعْر
من أحسن ما قيل في
الشعر قول بكر بن النطاح:
بيضاء تسحبُ من قيامٍ فرعَها ... وتضلُّ فيه وهو جثلٌ أسْحَمُ
وكأنها فيه نهارٌ ساطعٌ ... وكأنه ليلٌ عليها مظلِمُ
وأحسن ما سمعت في شعورهن، مع وصف عيونهن، وحسن مشيهن قول المطراني الشاشي، وهو ما استحسنه الصاحب من شعره لما حمل ديوانه إلى حضرته:
ظباءَ أعارتها المها حسنَ مشيها ... كما قدْ أعارتها العيونَ الجآذرُ
فمن حسن حال المشي جاءتْ فقَبلتْ ... مواطىء من أقدامِهَنَّ الضفائرُ
стр. 73
ومن وسائط المتنبي قوله:
نشرتْ ثلاثَ ذوائبٍ من شعرها ... في ليلةٍ فأرتْ لياليَ أربعا
فصل
العيون
قال عدي بن الرقاع عفا الله عنه:
وكأنّها بين النساءِ أعارَها ... عينيه أحورُ من جآذرِ جاسمِ
وسنانُ أقصدَه النعاسُ فرنَّقَتْ ... في عينهِ سِنةٌ وليسَ بنائمِ
وأحسن ذو الرمة حيث قال:
لها بَشرٌ مثلُ الحرير ومنطقٌ ... رخيمُ الحواشي لا هراءٌ ولا نزرُ
توهمتُها ألوى بأجفانِها الكرى ... كرى النومِ أو مالتْ بأعطافِها الخمرُ
وقد ملح كشاجم في قوله:
يا منْ لأجفان قريحَهْ ... سهرتْ لأجفانٍ مليحَهْ
لم تتركِ المقلُ المريضةُ فيَّ جارحةً صحيحَهْ
стр. 74
ومن مطربات السري قوله:
بنفسي من أجودُ له بنفسي ... ويبخلُ بالتحيةِ والسلامِ
وحتفي كامنٌ في مقلتيه ... كمونَ الموتِ في حَدِّ الحسامِ
ولا مزيد على قول الوزير المهلبي:
ربّ يومٍ قطعتُ فيه خُماري ... بغزالٍ كأنني مخمورُ
فصل
الثغر
من مطربات هذا الفصل قول المخزومي:
وقبَّلتُ أفواهاً عِذاباً كأنها ... ينابيعُ خمرٍ حُصّنَتْ لؤلؤَ البحرِ
وقول العلوي الحماني:
ذاتُ خدين ناعمين ضنينين بما فيهما منَ التفاحِ
وثنايا وريقةٍ من مدامٍ ... كعبيرٍ وروضةٍ منْ أقاحي
وأحسن كشاجم حيث قال:
واحَرَبا من أوجهٍ ملاحِ ... ومن ثغورٍ تشبهُ الأقاحي
مملوءةٍ من بَرَدٍ وراحِ ... وحدقٍ مريضةٍ صحاحِ
стр. 75
هنَّ اللواتي أيأستْ صلاحي ... وتركتْ ليلي بلا صَباحِ
وله أيضاً:
في فمها مسكٌ ومشمولةٌ ... صِرفٌ ومنظومٌ من الدُّرِّ
فالمسكُ للنكهةِ والخمرُ للريقةِ واللؤلؤُ للثَّغْرِ
ومن مطربات الصابي قوله:
قبَّلتُ منه فماً مجاجتُه ... تجمعُ بين المدامِ والشَّهدِ
كأن مجرى سِواكه بَرَدٌ ... وريقُهُ ذوبُ ذلك البَرَدِ
وأحسن من ذلك كله وأدعى للطرب قول أبي العشائر:
للعبد مسألةٌ لديكَ جوابُها ... إن كنتَ تذكرُه فهذا وقتُهُ
ما بال ريقِك ليسَ ملحاً طعمُه ... ويزيدني عَطشاً إذا ما ذقتُهُ
وقال مؤلف الكتاب:
ثغرٌ كلمح البرقِ حسنُ بريقه ... يشفي غليلَ المستهامِ بريقِهِ
قد بتُّ ألثمُهُ وارتشفُ المنى ... من دُرِّهِ وعَقيقِه ورَحيقِهِ
فصل
جميع الأوصاف وسائر التشبيهات
في
стр. 76
البيتين والبيت
قال ابن المعتز وأبدع:
ليلٌ وبدرٌ وغصنٌ ... شعرٌ ووجهٌ وَقَدُّ
خمرٌ ودرٌّ ووَرْدٌ ... ريقٌ وثغرٌ وخَدُّ
وقال ابن سكرة:
في وجه إنسانة كلفْتُ بها ... أربعةٌ ما اجتمعنَ في أحدِ
الخدُّ وردٌ والصُّدْغُ غاليةٌ ... والريقُ خمرٌ والثغرُ من بَرَدِ
في كل جزء من حسنها بِدَعٌ ... تُودِعُ قلبي ودائعَ الكمدِ
ولأبي نواس أربع تشبيهات:
يا قمراً أبصرتُ في مأتمٍ ... يندبُ شجواً بين أترابِ
يبكي فيذري الدُرَّ من نرجسٍ ... ويلطمُ الوردَ بعنَّابِ
وأحسن الوأواء الدمشقي حيث قال:
وأمطرَتْ لؤلؤاً من نرجسٍ وسقتْ ... ورداً وعضَّتْ على العنَّابِ بالبَرَدِ
فصل
وصف الثدي
стр. 77
قد أحسن فيه ابن أبي السمط حيث قال:
كأن الثَّدِيَّ إذا ما بَدَتْ ... وزانَ العقودُ بهنَّ النحورا
حِقاقٌ من العاجِ مكنونةٌ ... يسعنَ من الدُّرِّ شيئاً كثيرا
وقول ابن الرومي نهاية في الحسن والظرف:
صدورٌ فوقهنَّ حقاقُ عاجِ ... ودْرٌّ زانه حسنُ اتساقِ
يقولُ القائلونَ إذا رأوْها ... أهذا الحلْيُ من هذي الحقاقِ
ومن مطربات هذا الباب قول ابن المهدي:
خلتها في المعصفرات القواني ... وردة في شقائق النعمان
أنتِ تفاحتي وفيكِ مع التفاحِ رمانتانِ في غصنِ بانِ
وإذا كنتِ لي وفيكِ الذي أهوى فما حاجتي إلى البستانِ؟
ولم أسمع في لطافة الكشح أحسن من قول ابن الرومي:
شهدت لنا كبدٌ ترقُّ كما ... شهدتْ بذاك لطافةُ الكشْحِ
ولا في حسن الحديث كقوله:
стр. 78
وحديثها السحرُ الحلال لو أنّه ... لم يجنِ قتلَ العاشِق المتحرزِ
إن طالَ لم يُملَلْ وإن هي أوجزتْ ... وَدَّ المحدَّثُ أنها لم توجزِ
شَرَكُ العقولِ ونزهةٌ ما مثلها ... للمطمئنِّ وعقلةُ المستوفزِ
فصل
غرر من ألفاظ البلغاء
في أوصاف النساء نثراً
هي روضة الحسن، ونضرة الشمس، وبدر الأرض كأنها فلقة قمر على قضيب فضة. بدر التم يفتر تحت نقابها، وغصن يهتز تحت ثيابها. قد أثمر صدرها ثمر الشباب، وأثمر خدها التفاح وصدرها الرمان. مطلع الشمس من وجهها، ومنبت الدر من فيها، وملقط الورد من خدها، ومنبع السحر من طرفها، ومد الليل من شعرها، ومغرس الغصن في قدها، ومهيل الرمل في ردفها.
فصل
غرر من ألفاظهم في أوصاف المرد
قد زاد جماله وأقمر هلاله، وقد استوفى وصف الغصن، وترقرق في وجهه ماء الحسن. غلام تأخذه
стр. 79
العين، ويقبل عليه القلب، وترتاح له الروح، وتكاد العيون تأكله، والقلب يشربه. صورته تجلو الأبصار وتخجل الأقمار، غزلات طرفه تحت ظرفه، ومنطقه ينطق بوصفه. كأن قده سكران من خمر طرفه، والأزهار مسروقة من حسنه وظرفه. قد ملك أزمة القلوب، وأظهر حجة الذنوب. السحر من ألحاظه، والشهد من ألفاظه. كأنما خادم الولدان في الجنان هرب من رضوان. ما هو إلا خال في خد الظرف، وطراز على علم الحسن، ووردة في غصن الدهر، وخاتم في خنصر الملك، وشمس في فلك اللطف.
فصل
التغزل بغلمان مختلفي الأحوال
والأفعال والأوصاف
من أحسن ما سمعت في غلام صغير قول ابن لنكك:
стр. 80
قالوا عشقتَ صغيراً قلت أرتعُ في ... روضِ المحاسنِ حتى يُدرَكَ الثمرُ
ربيع حسنٍ دعاني لافتتاحِ هوىً ... لما تفتح فيها النَّوْرُ والزَهَرُ
وأبدع منه قول عثمان الخالدي:
صغيرٌ صرفتُ إليه الهوى ... وهل خاتمٌ في سوى خنصرِ
فإن شئت فاعذر ولا تلحني ... وإن شئت فآلحُ ولا تعذرِ
وأحسن الصنوبري في غلام يصلي:
جاء يسعى إلى الصلاةِ بوجهٍ ... يخجِلُ البدرَ في بروجِ السعودِ
فتمنيت أن وجهيَ أرضٌ ... حين أومى بوجهه للسجودِ
وفي غلام إمام قول أبي نواس:
ولم أنس ما أبصرتُه في جماله ... وقد زرت في بعض الليالي مصلاهُ
ويقرأُ في المحرابِ والناسُ خلفه ... " ولا تقتلوا النفسَ التي حَرَّمِ اللهُ "
فقلتُ: تأملْ ما تقول فإنها ... فعالكَ يا من تقتلُ الناسَ عيناه
وفي غلام حاج قول أبي محمد بن عبد الباقي:
أيا زائرَ البيتِ العتيق وتاركي ... قتيلَ الورى لو زرتَني كان أجدرا
стр. 81
تحجُّ احتساباً ثم تقتلُ مسلماً ... فليتكَ لم تحججْ ولا تقتل الورى
وفي غلام يدور في الماء ورد قول ابن المعتز:
يا هلالاً يدورُ في فلكِ الما ... وَرْدِ رفقاً بأعين نظارَهْ
قفْ لنا في الطريقِ إن لم تزرنا ... وقفةٌ في الطريق نصفُ الزيارَهْ
وفي غلام يحمل مطرداً قول أبي البغل:
قد أقبلَ البدر في قراطِقه ... يقتلُ بالدَّلِّ قلبَ عاشقِه
يسطو علينا بسيفِ مقلته ... لا بالذي شُدَّ في مناطِقه
ولابن المعتز في غلام لابس أزرق:
وبنفسجيِّ الثوبِ قلبُ محبِّه من رائِه
الآن صرتَ البدرَ حين لبستَ ثوبَ سمائِه
وقول الصاحب في غلام لابس أحمر:
قد قلت لما مرَّ يخطرُ ماشياً ... والناسُ بين معوِّذٍ أو وامقِ
لم يكف ما صنعتْ شقائقُ خده ... حتى تلبسَ حلةً بشقائقِ
стр. 82
وفي غلام عاشق قوله:
بدا لنا والشمسُ في شروقِه ... يشكو غلاماً لجَّ في عقوقِه
واعجباً والدهرُ في طروقه ... من عاشق أحسن من معشوقِه
وفي غلام دخل الحمام قول الحسين الضحاك:
جردهُ الحمامُ كالفضَّهْ ... أبانَ منه عُكَناً بضَّهْ
كأنما الرشحُ بأطرافه ... قطرٌ على سوسَنةٍ غضَّهْ
فليتَ لي من فمه قبلةً ... وليتَ لي من خدّه عَضَّهْ
وفي غلام يبيع الفراني:
قلت للقلبِ ما دهاك أجبني ... قال لي بائعُ الفراني فراني
ناظراهُ فيما جنى ناظِراه ... أوْ دعاني أمتْ بما أوْدعاني
وفي غلام بيده غصن عليه نَوْر قول ابن سكرة:
стр. 83
غصن بانٍ أتى وفي اليد منه ... غُصُنٌ فيه لؤلؤٌ منظومُ
فتحيرتُ بين غصنين في ذا ... قمرٌ طالعٌ وفي ذا نجومُ
وفي غلام ينفخ في مجمرة قول الصنوبري:
يا نافخَ الجمرةِ مستعجلاً ... ليزكيَ الجَمرَ فأزكاهُ
مهيئاً فاه لها مثلما ... هَيَّأ إذ قبلني فاهُ
لست أريدُ الطيبَ رياك قد ... أغنتْ عن الطيبِ ورياهُ
وفي غلام يشتكي ضرسه قول أبي سعيد بن خلف الهمداني:
عجباً لضرسِك كيف تشكو علةً ... وبجنبها من ريقِك الترياقُ
هلاَّ وقاكَ سقامُ ناظركَ الذي ... عافاكَ وابتليَتْ به العشاقُ
أو عقربا صدغيكَ إذ لذَعا الورى ... وحماكَ من حماتِها الخلاّقُ
وفي غلام مريض قول الوأواء الدمشقي:
ابيضَّ واصفر لاعتلالٍ ... فصارَ كالنرجسِ المُضَعَّفْ
كأنَّ نسرينَ وجنتيهِ ... بشعرِ أصداغهِ مغلَّفْ
يرشحُ منه الجبينُ ماءً ... كأنه لؤلؤٌ منَصَّفْ
стр. 84
وفي غلام مسافر قول مؤلف الكتاب:
فديتُ مسافراً ركبَ الفيافي ... وأثَّرَ في محاسنِه السفارُ
فَمَسَّك وردَ خديه السوافي ... وعنبرَ مسكَ صدغيه الغبارُ
فصل
الصدغ والشارب والعذار واللحظ
من أحسن ما سمعت في الصدغ قول ابن المعتز:
ظبيٌ يتيه بحسن صورتِه ... عبثَ الدلالُ بلحظ مقلتهِ
وكأن عقربَ صدغِه احترقتْ ... لما بدتْ من نارِ وجنتِهِ
ومن مطربات ابن المعتز قوله:
قد صادَ قلبي قمرُ ... يسحرُ منه النظرُ
بوجنة يكاد أنْ ... يقدحَ منها الشررُ
وشاربٍ قد عَمّ إذ ... نمَّ عليه الشَّعَرُ
وقول السري:
وريمٍ إذا رمتُ حثَّ الكؤو ... سِ قَطَّبَ للتيهِ واستكبرا
стр. 85
ترى وردَ وجنتهِ أحمراً ... وريحانَ شاربِه أخضرا
ومن الغرر المطربة قول أبي الفتح كشاجم وقد أملح فيه:
مَنْ عذيري من عِذاريْ قمر ... عَرَّضَ القلبَ لأسباب التلفْ
علِمَ الشعرُ الذي عارضَه ... أنه جارَ عليه فوقفْ
وقال الصاحب:
إن كنتَ تنكرُه فالشمسُ تعرفه ... أو كنتَ تظلمه فالحسن يُنصفُهُ
ما جاءه الشعرُ كي يمحو محاسنَه ... وإنما جاءَه غِمداً يغلّفُهُ
وقد أطرب ابن هندو حيث قال:
عابوه لما التحى فقلنا ... عبتمْ وغبتم عن الجمالِ
هذا غزالٌ ولا عجيبٌ ... تَوَلُّدُ المسْكِ من غزالِ
الباب الخامس
الخمريات وما يتصل بها
فصل
مدح النبيذ
قال كسرى: النبيذ صابون الهم.
وقال جالينوس: الراح صديق الروح.
وقال أرسطاطاليس: الراح كيميا الفرح.
وقال
стр. 86
عبد الملك بن صالح الهاشمي: ما جمشت الدنيا بأظرف من النبيذ، وكان ابن الرومي يقول: قد أفلح شارب النبيذ لأنه يقيه الشح، وقال الله تعالى: " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ".
وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال:
أعاذل إنَّ شربَ الراحِ رشدٌ ... لأن الراحَ يأمرُ بالسماحِ
يقينا شحَّ أنفسِنا وذاكم ... إذا ذُكِرَ الفلاحُ من الفلاحِ
فصل
وصف الخمر من كلام البلغاء
مدامة تورد ريح الورد، وتحكي نار إبراهيم في اللين والبرد. راحاً كالنور والنار. راحاً أحسن من الدنيا المقبلة. وهي من نعم الله المكملة. راحاً أرق من الصبا وعهد الصبى. وألذ من الشماتة بالأعدا. ساقٍ كأن الراح من خده معصورة، وملاحة الصورة عليه مقصورة.
فصل
مدح السماع
стр. 87
قال بعض الفلاسفة: أمهات لذَّاتِ الدنيا أربع. لذة الطعام، ولذة الشراب، ولذة النكاح، ولذة السماع فاللذات الثلاث الأول لا يوصل إلى واحدة منها إلا بحركة وتعب ومشقة، ولها مضار إذا استكثر منها. ولذة السماع صافية من التعب خالصة من الضرر.
وكان بعض المتكلمين يقول: قد اختلف الناس في السماع فأباحه قوم، وحظره آخرون. وأنا أخالف الفريقين. فأقول بوجوبه لكثرة منافعه ومرافقه، وحاجة النفوس إليه، وحسن أثر استمتاعه به.
وقال بعض الخلفاء: إني لأجد للسماع أريحية، لو سئلت عندها الخلافة لأعطيتها، وسمع معاوية عند عبد الله بن جعفر الغناء، فحرك رأسه ورجليه، وصفق بيديه ثم ثاب إليه رأيه فقال كالمعتذر من فعله: إن الكريم طروب ولا خير فيمن لا يطرب.
وقال يحيى بن خالد: خير الغناء ما أشجاك وأبكاك وأطربك وألهاك.
ومن المطربات
стр. 88
قول أبي محمد الحمامي:
قمْ فاسقني بين خفقِ الناي والعودِ ... ولا تبعْ طيبَ موجودٍ بمفقودِ
نحن الشهودُ وخفقُ العود خاطبُنا ... نزوِّجُ ابنَ سحابٍ بنتَ عنقودِ
ومن أحسن ما قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
إن آن عيدٌ فهذا يومُ تعييدِ ... فاشربْ على الأخوينِ الناي والعودِ
كأساً تَسوغُ فتجري من لطافتها ... في باطن الجسم جريَ الماءِ في العودِ
ولأبي عثمان الناجم:
شدْوُ ألذُّ من ابتدا ... ءِ العين في إغفائِها
أشهى وأحلى من منى ... نفسي ونيل رجائها
فصل
أوصاف الندماء
وصف المأمون ثمامة بن أشرس فقال: كان والله أعلى الناس في الجد وأحلاهم في الهزل. وكان يتصرف مع القلوب تصرف السحاب مع الجنوب.
وذكر المهلبي الوزير أبا القاسم التنوخي فقال: هو ريحاننا في القدح،
стр. 89
وذريعتنا إلى الفرح. ووصف الصاحب بعض بني المنجم فقال: عشرته ألطف من نسيم الشمال على أديم الماء الزلال. ومن أحسن ما جاء في وصف الظرف واللباقة قول أبي خلاد المصري في مولى لأبي أحمد بن طولون، يسمى ريحاناً فقال:
ريحان ريحانتي إذا مُلِىءَ الكأسُ ومنه يُؤَدَّبُ الأدبُ
تشربهُ الكأسُ ليس يشربُها ... يطربُ من حسنِ وجهه الطَرَبُ
فصل
الاستظهار بالراح
على الزمان ودفع الأحزان
كان المأمون وهو ملك ملوك الزمان يستعين بها على الزمان. قال أبو نواس:
أما ترى الأرضَ ما تفنى عجائبُها ... والدهرُ يخلطُ ميسوراً بمعسورِ
وليس للهمّ إلا كُلُّ صافيةٍ ... كأنها دمعةٌ في عينِ مهجورِ
وقال أيضاً ﵀:
стр. 90
إذا ما أتتْ دون اللهاةِ من الفتى ... دعا هَمُّه من صدرِه برحيلِ
ومن ملحِ أحاسن ابن المعتز قوله:
سَلِّطْ على الأحزان بنت الدنانْ ... وارحل إلى السكر برطل وثانْ
نعمَ قِرى السمعِ على شربها ... صوتُ المزامير وعَزْفُ القيانْ
ومن مطربات الصاحب قوله:
رَقّ الزجاجُ وراقتِ الخمرُ ... فتشابها فتشاكلَ الأمرُ
فكأنما خمرٌ ولا قدحٌ ... وكأنما قدحٌ ولا خمرُ
ومن مطربات ابن المعتز قوله:
وندمانٍ سقتني الراحَ صرفاً ... وأفقُ الليل منسدلُ السجوفِ
صفتْ وصفتْ زجاجتُها عليها ... كمعنى دَقَّ في معنىً لطيفِ
وقول مؤلف الكتاب:
يا واصفَ الكأسِ بتشبيهها ... دونَكَ وصفاً عاليَ القَدْرِ
стр. 91
كأنَّ عينَ الشمسِ قد أُفْرِغَتْ ... في قالبٍ صيغَ من الدُّرِ
ومن مطربات السري قوله:
وبكر شربناها على الروضِ بكرةً ... فكانت لنا وِرداً إلى ضحوةِ الغدِ
إذا قام مبيضُ اللباسِ يُديرُها ... توهمته يسعى بكمٍّ مورَّدِ
وأحسن من هذا كله قول أبي الحسن الجوهري الجرجاني:
جنحَ الظلامُ فبادري بمدامةٍ ... بسطتْ إليَّ من العقيقِ جناحا
صهباءُ لو مرّت بها قمريةٌ ... أذكى عليك بريقُها مصباحا
رعتِ الزمانَ ربيعَه وخريفَهُ ... فأتتْكَ تهدي الوردَ والتفاحا
فصل
سائر الأجناس من مطربات أوصافها
قول أبي نواس:
اسقِنا إن يومَنا يومُ رامِ ... ولرامس فضلٌ على الأيامِ
من شرابٍ ألذَّ من نظرِ المعشوقِ ... في وجهِ عاشقٍ بابتسامِ
لا غليظٍ تنبو الطبيعةُ عنه ... نبوةَ السمعِ عن شنيعِ الكلامِ
وقول السري:
стр. 92
اشربْ فقد شرَّدَ ضوءُ الصبح عنا الظُلَما
وصَوَّبَ الإِبريقُ في الكأس مُداماً عَنْدَما
كأنه إذ مَجَّهُ ... مقهقهٌ يبكي الدما
وقول الخالدي:
قامَ مثلَ الغُصُنِ الميادِ من لينِ الشبابِ
يمزجُ الخمرَ لنا بالصفوِ من ماءِ السحابِ
فكأنّ الراحَ لما ... ضحكتْ تحتَ الحبابِ
وجنةٌ حمراءُ لاحت ... لكَ من تحتِ النقابِ
وقول ابن المعتز:
وأمطرَ الكأسُ ماءً من أبارقِه ... فأنبت الدُرَّ في أرضٍ من الذهبِ
وسَبَّحَ القومُ لما أن رأواْ عجباً ... نوراً من الماءِ في نارٍ من العِنَبِ
وقال أبو الفتح البستي:
إذا خمدتْ أنوار نفسك فاعتمد ... لإِشعالِها خمساً غَدَتْ خير أعوانِ
ولا تعتمد إلا بهنَّ فإنها ... لمن يعتريه الهَمُّ أوثقُ أركانِ
стр. 93
براحٍ وريحانٍ وساقٍ مهفهفٍ ... ونغمةِ ألحانٍ ولطعةِ إخوانِ
فصل
الساقي
من أحسن ما قيل في وصفه قول البحتري يصف الشراب وهو في غاية الإطراب:
سقاني كأسَه شَزْراً ... وولّى وهْوَ غضبانُ
وفي القهوةِ أشكالٌ ... من الساقي وألوانُ
حبابٌ مثل ما يضحكُ عنه وهو جذلانُ
وسكرٌ مثل ما أسكر طرفٌ منهُ وسنانُ
وطعمُ الريقِ إذ جادَ به والصبُّ هيمانُ
لنا من كفه راحٌ ... ومن ريّاه رَيْحانُ
وأحسن منه قول ابن المعتز:
قد حثَّني بالكأس أوَّلَ فجرهِ ... ساقٍ علامةُ دِينهِ في خَصْرِهِ
فكأنَّ حمرةَ لونها في خدِّه ... وكأن طيبَ نسيمها من نشرِهِ
стр. 94
حتى إذا صُبَّ المزاجُ تبسمتْ ... عن ثغرِها فحسبتهُ منْ ثغرِهِ
وأحسن منه قوله أيضاً:
تدورُ علينا الكأسُ من كفِّ شادنٍ ... له لحظُ عينٍ يشتكي السقمَ مدنَفُ
كأن سلافَ الراحِ من كأسِ خدِّهِ ... وعنقودَها من شعرِه الجعدِ يُقْطَفُ
ومن مطربات الخالدي قوله:
أهلاً بشمسِ مدامٍ من يدي قمرٍ ... تكاملَ الحسنُ فيه فهْوَ تيّاهُ
كأن خمرتَه إذ قامَ يمزجُها ... من خدّه عُصرَتْ أو مِنْ ثناياهُ
إذا سقتكَ من الممزوجِ راحتُه ... كأساً سقتك كؤوسَ الصرفِ عيناهُ
في وجههِ كلُّ ريحانٍ تراحُ به ... منا قلوبٌ وأبصارٌ وتهواهُ
النرجسُ الغضُّ عيناه وطُرَّتُه ... بنفسجٌ وذكيُّ الوردِ رَيّاهُ
فصل
الشراب المطبوخ
стр. 95
بلغني أنه لما حمل ديوان شعر أبي مطران الشاشي إلى الصاحب استحسن منه أبياتاً دون العشرة، وعلم عليها ليأمر بنقلها إلى سفينة كانت تجمع له ما تلذ به الأعين وتشتهيه الأنفس. فمنها قوله في الشراب المطبوخ:
وراحٍ عذبَتْها النارُ حتّى ... وقَتْ شُرَّابَها نارَ العذابِ
يذيب الهمَّ قبلَ الشرب لونٌ ... لها في مثلِ ياقوتٍ مذابِ
فكتب أنه سابق إلى معنى البيت الأول، حتى مر عليَّ البيت الثالث لابن المعتز من هذه الأبيات:
خليليَّ قد طابَ الشرابُ المَورَّدُ ... وقد عدتُ بعد النسكِ والعودُ أحمدُ
فهاتا عقاراً في قميصِ زجاجةٍ ... كياقوتةٍ في درةٍ تتوقَّدُ
وقتني من نارِ الجحيمِ بنفسها ... وذلك من إحسانها ليسَ يجْحَدُ
فعلمت أنه أخذ المعنى اللطيف منه، ولا أدري هل فطن الصاحب للسرقة أو لا.
الباب السادس
الإخوانيات والمدح
وما يضاف إليها
فصل
فيما يطرب من فضل الإِخوان
والأصدقاء
стр. 96
وحسن موافقتهم
قال العتبي: لقاء الإِخوان نزهة القلوب.
وقال ابن عائشة: لقاء الخليل شفاء الغليل.
وعن سليمان بن وهب: غزل المحبة أرق من غزل الصبابة، والنفس بالصديق آنس منها بالعشيق.
قال ابن المعتز: إذا قدمت المودة تشبهت بالقرابة.
وعن عمر بن مسعدة: العبودية عبودية الإِخاء لا عبودية الرق.
وقال يونس النحوي: إن في لقاء الإِخوان لغنماً وإن قل. وقال: يستحسن الصبر في كل شيء إلا عن الصديق الصدوق.
فصل
فيما يناسبه نظماً
من أحسن ما قيل فيه قول أبي تمام:
ذو الودِّ مني وذو القربى بمنزلةٍ ... وإخوتي أسوةٌ عندي وإخواني
عصابة جاورت آدابُهم أذني ... فهم وإن فُرِّقوا في الأرضِ جيراني
أرواحنا في مكانٍ واحدٍ وغدتْ ... أبداننا بشآمٍ أو خراسانِ
وأحسن منه وأكرم قول عبد الله بن طاهر:
стр. 97
أميلُ مَعَ الزمانِ على ابن عَمِّي ... وأقضي للصديقِ على الشقيقِ
وأغضي للصديقِ على المساوي ... مخافةَ أن أصيرَ بلا صديقِ
ولله در ابن المعتز في قوله:
لله إخوانٌ فقدتُهم ... لا يملكونَ لساعةٍ قلبا
لو تستطيعُ نفوسُهُمْ فقدتْ ... أجسامَهم وتعانقت حبا
لي قلب قريح حشوه ود صحيح، وكبد دامية تحتها مودة نامية. ومحبة لا تتميز معها الأرواح إذا ميزت الأشباح. ونحن كالنفس الواحدة لا انقسام ولا تمييز ولا انفصام. مسكنك الشغاف وحبة القلب، وخلب الكبد وسواد العين. أنت العين الباصرة وإليك ناظرة. فرحتي بك فرحة الأديب بالأديب، وفرحة المحب بالحبيب، وفرحة العليل بالطبيب. ولئن تفارقت الأشباح، فقد تعانقت الأرواح. ورب غائب بشخصه حاضر بخلوص نفسه. لقد لبثت بعدك بقلب يود لو كان عيناً ليراك، وعين تود
стр. 98
لو أنها قلب فلا يخلو من ذكراك.
فصل
الشوق
الشوق إليك سمير ذِكري ونديم فكري. شوق استخف نفسي واستفزها، وحرك جوانحي وهزها، فما الأعرابية حنت إلى نجد وأنَّتْ من وجد بأشد مني كلفاً وأتم شغفاً. ولئن ودعتني إذ أودعتني شوقاً يجوز حكمه وتوقاً ينفذ سهمه، فقد ودعتني بوداعك الدعة، والروح والسعة.
وما سمعت في تصافي الصديقين وحسن تشاركهما أحسن من قوله:
أعجَبْ لخِلينِ لو في النارِ عُذّبَ ذا ... وذاك في جنةِ الفردوسِ قد نعما
لكانَ ينعمُ هذا في تنعمِه ... وكانَ يألمُ هذا ذلكَ الألما
فصل
غيبة الصديق
стр. 99
من مطربات ابن طباطبا قوله:
نفسي الفداءُ لغائبٍ عن ناظري ... ومحلُّه في القلبِ دونَ حجابهِ
لولا تمتعُ مقلتي بجمالهِ ... لوهبتُها لمبشري بإيابهِ
ومن مطربات أهل الشام قول القاضي أبي الفرج سلامة بن بحر:
من سرَّهُ العيدُ فما سرني ... بل زادَ في همي وأحزاني
لأنه ذكَّرني ما مضى ... من عهدِ أحبابي وخلاني
وقوله:
من سرَّهُ العيد الجديد فقد عدمتُ به السرورا
كان السرور يطيب لي ... لو كانَ إخواني حضورا
وقول منصور الفقيه:
أخٌ لي عنده أدبُ ... مودَّةُ مثلِه نسبُ
رعى لي فوقَ ما يرعى ... وأوجبَ فوق ما يجبُ
فلو سبكت خلائقه ... لبهرجَ عنده الذهبُ
стр. 100
وقول أبي فراس الحمداني:
حللتَ من المجدِ أعلى مكانِ ... وبلغكَ اللهُ أقصى الأماني
فإنك لا عدمِتْكَ العلا ... أخٌ لا كإخوةِ هذا الزمانِ
كسوتَ أخُوَّتنا بالصفاء ... كما كُسِيَتْ بالكلامِ المعاني
فصل
العتاب والاستزادة
قد أحسن في ذلك ابن المعتز بقوله:
نعاتبكمْ يا أم عمروٍ لودِّكم ... ألا إنما المَقْليُّ من لا يُعاتَبُ
وأحسن ما سمعت في وجوب العتاب عند وقته وسوء أثر تركه عن ابن الرومي حيث قال:
أنتَ عيني وليسَ من حقِّ عيني ... غضُّ أجفانِها عن الأقذاءِ
وأحسن ما سمعت في عتاب الملول قول أبي الحسن الشاشي:
إذا أنا عاتبتُ الملولَ كأنني ... أخطُّ بأقلامي على الماء أحرفا
وهَبْهُ ارعوى بعدَ الملامِ ألم يكنْ ... تَودُّدُهُ طبعاً فصارَ تكلفا؟
стр. 101
وما أحسن قول أبي الفتح كشاجم:
إلى اللهِ أشكو أخاً جافياً ... يُضيعُ وأحفظ فيه الصنيعَهْ
إذا ما الوشاة سعوا بي إليه ... أصاخَ إليهم بأذنٍ سميعَهْ
كثرتُ عليه فأمْللتُهُ ... وكلُّ كثيرٍ عدوُ الطبيعَهْ
وقال مؤلف الكتاب:
إن غِبتُ عنك شكوتَني ... وإذا وصلتُ هجرتَني
وتظل لي مستبطئاً ... فإذا حضرتُ حجبتني
الباب السابع
فنون مختلفة الترتيب
فصل
الشيب والشباب
قال الجاحظ في قول أبي العتاهية:
إن الشبابَ حجةُ التصابي ... روائحُ الجنةِ في الشبابِ
في الشباب معنى كمعنى الطرب لا يحيط به القلب وتعجز عنه الألسن.
ومن أحسن ما قيل في الاغتنام لأيامه قول ابن الرومي:
стр. 102
جاءك الشيبُ فاقضِ ما أنت قاضِ ... عاجلاً من هوى العيون المراض
إن شرخ الشبابِ فرضُ الليالي ... فنصرفْ بها قبيلَ التقاضيي
وقوله:
إن المفند ينهاني ويأمرُني ... بقوله استحي إن الشيبَ قد حانا
والآن حينَ أجَدَّ الشيبُ في طلبي ... أبادرُ اللَّهوَ باللذاتِ عجلانا
وفي استطابة اللهو والطرب مع الشيب قول ابن طباطبا:
أقولُ وقد أُوقِظْتُ من سِنةِ الهوى ... بهجرٍ يحاكي لوعةَ الصَدِّ والهجرِ
دعوني وحكمَ اللهو في نيليَ. المنى ... ولا توقظوني بالملامةِ والهُجرِ
فقالوا ليَ استيقظْ فشيبكَ لائحٌ ... فقلتُ لهم طيبُ الكرى ساعةُ الفجرِ
وقد أملح العطوي بقوله:
جَدِّدا مجلساً لعهدِ الشباب ... ولذكر الآدابِ والإطرابِ
стр. 103
واسقياني إذا تجاوبتِ الأطيارُ رطلينِ بادِّكارِ الشبابِ ومن أحسن ما قيل في حلول الشيب قبل أوانه قول أبي نواس غفر الله له:
وإذا ما عددتُ سِنِّيَ كمْ هِي ... لم أجدْ للمشيبِ عذراً برأسي
وقول أبي الحسن الجرجاني:
وإذا ما عددتُ أيامَ عمري ... قلت للشيبِ مرحباً بالظَّلومِ
وقول أبي بكر الخالدي:
فديتكَ ما شبتُ من كبرةٍ ... فهذي سِنيَّ وهذا الحسابُ
ولكن هجرتَ فحلَّ المشيبُ ... ولو قدْ وصلتَ لعاد الشبابُ
ومن ملح الصاحب قوله:
تقول يوماً حبذا ما بالُها ... قد عرضتْني عند شيبيَ للأذى
تقول سحقاً بعد أن كانتْ وكنْت كحلَ عينيها فصرتُ كالقذى
ومن غرر ابن الرومي قوله:
ألا إنما الدنيا الشبابُ وإنما ... سرورُ الفتى هاتيكمُ السكراتُ
стр. 104
ولا خير في الدنيا إذا ما رعيتُها ... وقد يبستْ أغصانُها الخضراتُ
فصل
أقوال الملوك والسادة الكرام نثراً
صدرت عن أخلاق عظيمة وطباع شريفة، فهي تهز السامع، وتطرب المسامع.
وقال معاوية: إني لآنف أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي، وذنب لا يسعه عفوي، وحاجة لا يسعها جودي.
وقال المهلب بن أبي صفرة: عجبت لمن يشتري العبيد بماله كيف لا يشتري الأحرار بفعاله؟ وقال أبو العباس السفاح: ما أقبح بنا أن تكون الدنيا كلها لنا، وأولياؤنا خالون من حسن آثارنا.
وقال المأمون: إنما تطلب الدنيا لتملك، فإذا ملكت فلتوهب.
وكان الحسن بن سهل يقول: الشرف في السرف فإذا قيل: لا خير في السرف قال: ولا سرف في الخير، فيردد اللفظ ويستوفي المعنى.
وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما رأيت أحداً في داري أو على بابي إلا استحييت منه.
فصل
المدائح المطربة
стр. 105
منها قول الخزاعي عفا الله عنه:
يلامُ أبو الفضلِ في جودِه ... وهل يملكُ البحرُ أن لا يفيضا
وقول أبي تمام:
فلو صورتَ نفسَك لم تزدْها ... على ما فيكَ من كرمِ الطباعِ
ونغمةُ معتفٍ تأتيه أحلى ... على أذنيهِ من نغمِ السماعِ
وما أحسن قول ابن الرومي:
يهتزُّ للجودِ عند المدحِ يسمعُه ... من هزَّةِ المجدِ لا من هزَّةِ الطربِ
كأنه وهو مسئول وممتدَحٌ ... غنَّاه إسحاقُ والأوتارُ في صخَبِ
لولا بدائعُ صنعِ الله ما ثبتتْ ... تلك الفضَائلُ في لحمٍ ولا عصبِ
وقول أبي الفرج الوأواء الدمشقي:
من قاسَ جدواكَ بالغمامِ فما ... أنصفَ في الحكمِ بين شيئينِ
أنت إذا جدتَ ضاحكٌ أبداً ... وهْوَ إذا جادَ دامعُ العينِ
وقول أبي بكر الخالدي في الوزير المهلبي من قصيدة:
ما صَحَّ علمُ الكيمياءِ لغيركم ... ممن رأينا منْ جميعِ الناسِ
стр. 106
تعطيهم الأموالَ في بِدَرٍ إذا ... حملوا إليك الشِّعرَ في قرطاسِ
وقول أبي الطيب:
عجباً له حفظَ العنانَ بأنملٍ ... ما حِفْظُها الأشياءَ من عاداتِها
ليسَ التعجبُ من مواهبِ مالِه ... بل من سلامتِها إلى عاداتِها
ذُكِرَ الأنامُ لنا فكان قصيدةً ... كنت البديعَ الفردَ من أبياتِها
وقول البديع الهمذاني:
وكادَ يحكيكَ صوبُ السُّحْبِ منسكباً ... لو كان طلقَ المحيا يمطرُ الذهبا
والليثُ لو لم يُصَدْ والشمسُ لو نطقتْ ... والبدرُ لو لم يِغِبْ والبحرُ لو عَذُبا
فصل
مدح نفر من أهل الصناعات
قد أحسن كشاجم في مدح فصَّاد حيث قال:
كأنه من نصيحةٍ وتقى ... لنفسه دون غيرهِ فاصدْ
لو جمد الطبع حلَّ منه ولو ... ذابَ انحلالاً أعاده جامدْ
والسري في مدح طبيب حيث يقول:
стр. 107
برَّز إبراهيمُ في طبه ... فراحَ يُدعى وارثَ العلمِ
كأنه من حسنِ أفكارِه ... يجولُ بين الدَّمِ واللحمِ
لو غضبتْ روح على جسمها ... أصلحَ بين الروحِ والجسمِ
وقال في وصف مزين وأبدع:
هل الحذقُ إلا لعبدِ الكريم ... حوى فضلَه حادثاً عن قديمْ
إذا لمع البرقُ في كفّه ... أفاضَ على الرأسِ ماءَ النعيمْ
حمولُ الحسامِ ولكنه ... يروحُ ويغدو بكفيْ حَليمْ
له راحةٌ سيرها راحةٌ ... تمرّ على الرأس مثلَ النسيمْ
وقال مؤلف الكتاب في منجم:
صديقٌ لنا عالم بالنجومِ ... يحدثُنا عن لسانِ المَلَكْ
ويحفظُ أسرارَ إخوانِه ... ولكن ينمُّ بسرِّ الفَلَكْ
فصل
الخاتمة
يختم به الكتاب من غرر الشوارد وأبيات القصائد
فمنها قول الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد في الشمع:
ورائقِ القد مستحبِ ... يجمع أوصافَ كلِّ صبِّ
стр. 108
صفرةُ لونٍ وسكبُ دمع ... وذوبُ جسمٍ وحرقُ قلبِ
وقوله في عقارب الصدغ:
لئن هو لم يكفف عقاربَ صدغِه ... فقولوا له يسمحْ بترياقِ ريقِه
وقوله في الاستشفاء من المرض بالحبيب دون الطبيب:
لقد قلتُ لما أتوا بالطبيبِ ... وصادفني في أَحَرِّ اللهيبِ
وداوى فلم أنتفعْ بالدواء ... دعوني فإنَّ طبيبي حبيبي
ولستُ أريدُ طبيبَ الجسومِ ... ولكن أريدُ طبيبَ القلوبِ
وقول أبي إسحاق الصابي:
تشابهَ دمعي إذ جرى ومُدامتي ... فمن مثلِ ما في الكأس عينيَ تَسْكُبُ
فوالله ما أدري أبالخمرِ أسبلَتْ ... جفونيَ أمْ من دمعتي كنتُ أشربُ
وقول المتنبي:
قد كنت أشفقُ من دمعي على بصري ... فاليوم كُلُّ عزيزٍ بعدكم هانا
وقوله:
ومر بي النسيمُ إليك حتّى ... كأنّي قد شكوت إليه ما بي
وقول جحظة:
стр. 109
ورقَّ الجَوُّ حتى قيلَ هذا ... عتابٌ بين جحظةَ والزمانِ
وقول أبي الحسن الجوهري:
يا ليلةً أغمضَتْ عيني كواكبُها ... ترفقي بجفونٍ غمضُها رمَدُ
تذوبُ نارُ فؤادي في الهوى بَرَداً ... فهل سمعتَ بنارٍ ذوبُها بَرَدُ
وقوله أيضاً:
يا سقيطَ الندى على الأقحوانِ ... شأنَك الآن في الصبوحِ وشاني
أنتَ ذكرتني دموعي وقد صو ... بنَ بين العتابِ والهجرانِ
شجنٌ مدنفٌ وجوٌّ عَليلٌ ... وصباحٌ يميلُ كالنشوانِ
رقَّ عني ملابسُ الغيمِ فانهضْ ... برقيق من صوبِ تلك الدنانِ
وقول السري:
حيا بك اللهُ عاشقيكَ فقد ... أصبحتَ ريحانةً لمن عشقا
وقول السلامي الشاعر وكان الصاحب يستحسنه جداً ويطرب له غاية الطرب:
стр. 110
ونحنُ ألاكَ نُطْلَبُ من بعيد ... لعزتِنا ونُذْركُ عن قريب
تَبَسَّطْنا على الآثامِ لمّا ... رأينا العفوَ من ثمرِ الذنوبِ
وقول أبي المطاع ذي القرنينَ ناصر الدولة محمد:
لما التقينا معاً والليلُ يسترنا ... من جنحهِ ظُلَمٌ في طَيّها نِعَمُ
بتنا أعزَّ مبيتِ باته بشرٌ ... ولا مراقبَ إلا الظرفُ والكرمُ
فلا مشى من وشى عنك العدو بنا ... ولا سعتْ بالذي يسعى بنا قدمُ
وقول أبي الفرج الوأواء الدمشقي:
متى أرعى رياضَ الحسنِ فيهِ ... وعيني قد تضمنَها غديرُ
وقول الرضي:
كيف لا تبلى غلائلُهُ ... وهُوَ بدرٌ وهْيَ كتانُ
وقول القاضي الجرجاني:
أفدي الذي قالَ وفي كفِّه ... مثلُ الذي أشربُ منْ فيهِ
الورد قد أينعَ في وجنتي ... قلتُ: فمي باللثمِ يَجنيهِ
وقوله:
следующие страницы →