Полный текст (127 стр.). Показаны 106–127 · переход к 111.
стр. 106
وكثر الخضوع، وامتد البعد،
وانسكبت الدموع، فصفة العاشق القانع، الملي على نفسه المطامع، المنزه محبوبه عن التكليف، المشفق عليه من نحو التعنيف، وقد اتصف به جم غزير، عدوا فيه أقل القليل أكثر الكثير، وعكس هؤلاء من مد إلى المحبوب باعه، وأوسع آماله وأطماعه، فلم يرض إلا بامتزاج الأشباح، فضلاً عن الأرواح، والتأليف الذي لا يمكن تمييزه كالماء والراح، حتى يراهما واحداً في العين، الأحوال الذي يرى الشيء اثنين، وحاصل القضية انه يمكن الجمع بين أهل القناعة باليسير من المحبوب، ومن لم يقف على غاية في المطلوب، باختلاف الأمكنة وصفاء الأيام، والخلو ن نحو واش ونمام، ومجالس الورد النمام، فإن من الحزم انتهاز الفرص، ومن الحمق الوقوع في ضيق القفص، ومن صفا له الزمان فجبن عن مطلوبه، فهو زاهد في محبوبه، ومن رأى العوائق دون مرامه، فالحزم تقييد غرامه، ومن حالات العشاق مكابدة الأمور الصعاب، عند طلب رضا الأحباب، وخوض الأهوال، واستهلال قضاء الآجال، فضلاً عن بذل الأموال، ليحصل من حبوبه على مطلوبه، ويرضى باليسير كما سلف، ولو كان ذلك يقضي إلى التلف. وأعظم من ذلك الملازمة على ذكر المحبوب عند نزول البلاء. وتلف النفس وشدة الابتلاء.
стр. 107
خاتمة
للشعراء مقاطيع فائقة، وأبيات رائقة، يشير مجموعها إلى جميع الأصول السابقة، وتترجم عنده بالغزل والنسيب، لإعراب مضمونها عن نحو محاسن الحبيب، وتهييجها الأشواق المستقرة، حيث يذكر الشعر والطرة، وتفصيلها لتلك الجملة، من حيث وصف الحجاب والمقلة، إثارة ما قر من البلبال، عند ذكر الوجنة والخال، واستمالتها نفوس الأحباب، عند ذكر الثغر والرضاب، وإتيانها بأعذب الموارد بعدما حال الصدر، إذا ذكر النهد والصدر، ونشر مطاوي الأشواق، إذا سمح مدح الخلخال والساق، إلى غير ذلك مما اقترحته أفكارهم الدقيقة اللطيفة، وتخيرته في هذا الباب أذهانهم الشريفة، وبها نختم هذا المورد اللطيف، وما يتعلق بالعشق من هذا التأليف. قال ابن نباتة المصري:
أيها العاذل الغبي تأمل ... من غدا في صفاته القلب ذائب
وتعجب لطرة وجبين ... إن في الليل والنهار عجائب
ولابن المطران:
ظباء أعارتها المها حسن مشيها ... كما قد أعارتها العيون الجآذر
فمن حسن ذاك المشي جاءت وقبلت ... مواطئ من أقدامهن الغدائر
ولحسام الدين الحاجري:
ومهفهف من شعره وجبينه ... تغدو الورى في ظلمة وضياء
стр. 108
لا تنكروا الخال الذي في خده ... كل الشقيق بنقطة سوداء
ولشمس الدين ابن العفيف:
بدا وجهه من فوق أسمر قده ... وقد لاح من سود الذوائب في جنح
فقلت: عجيباً! كيف لم يظهر الدجى ... وقد طلعت شمس النهار على رمح
ولابن المعتز:
سقتني في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خديها بغير رقيب
فأمسيت في ليلين للشعر والدجى ... وشمسين من خمر وخد حبيب
ولابن نباتة:
وأغيد جارت في القلوب لحاظه ... وأسهرت الأجفان أجفانه الوسنى
أجلى نظرا في حاجبيه وطرفه ... ترى السحر منه قاب قوسين أو أدنى
ولعلاء الدين الوداعي:
رمتني سود عينيه ... فأصمتني ولم تبطي
وما في ذاك من بدع ... سهام الليل لا تخطي
وللصلاح الصفدي:
بسهم أجفانه رماني ... فذبت من هجره وبينه
إن مت ما لي سواه خصم ... لأنه قاتلي بعينه
стр. 109
ولبدر الدين بن حبيب:
عيناه قد شهدت بأنه مخطئ ... وأتت بخط عذاره تذكارا
يا حاكم الحب اتئد في قتلي ... فالخط زور والشهود سكارى
ولابن قلاقس:
فوق خديك دليل ... أن نهديك ثمار
ما اختفى الرمان إلا ... وتبدى الجلنار
ولمظفر الأعمى:
قبلته فتلظى جمر وجنته ... وفاح من عارضيه العنبر العبق
وحال بينهما ماء ومن عجب ... لا ينطفي ذا ولا ذا منه يحترق
ولبعضهم:
فتنت بتركي حماني عناقه ... عقارب صدغيه على خده صرعى
ألم تر أني كلما رمت لثمه ... تخيل لي من سحرها أنها تسعى
ولابن الوردي:
قال من أهواه: صف صدغي بما ... فيه توجيه وحببه إلي
قلت: إن الصدغ لام قد كوى ... نصبها قلبي فهذا لام كي
стр. 110
ولابن نباتة المصري:
لله خال على خد الحبيب له ... بالعاشقين كما شاء الهوى عبث
أورثته حبه للقلب القتيل به ... وكان عهدي بأن الخال لا يرث
ولبعضهم:
غدا خاله رب الجمال لأنه ... على عرش كرسي الخدود قد استوى
وأرسل في الأصداغ رسلا أعزة ... على فترة تدعو القلوب إلى الهوى
وقال آخر:
أبو طالب في كفه وبخده ... أبو لهب والقلب منه أبو جهل
وبنتا شعيب مقلتاه وخاله ... إلى الصدغ موسى قد تولى إلى الظل
وللدماميني:
تحدث ليل عارضه بأني ... سأسلوه وينصرم المزار
فقال جبينه لما تبدى ... كلام الليل يمحوه النهار
стр. 111
ولغيره:
سألته في ثغره قبلة ... فقال: ثغري لم يجز لثمه
فهاكها في الخد واقنع بها ... ما قارب الشيء له حكمه
وقال آخر:
ذكرت ريق حبيبي ... بشرب راح معطر
وليس ذا بعجيب ... فالشيء بالشيء يذكر
وللصلاح الصفدي:
رشفت ريقك حلوا ... فلم يكن لي صبر
وسوف أحظى بوصل ... وأول الغيث قطر
وقد أكثروا من هذا النمط، أعني التشبيب بالوجه ولأعضائه البسيطة والمركبة، لكونه أشرف وأبهج وأعلى وألطف، وأما ما عداه فنادر، إن تيسر لشاعر بيت أو بيتان أو أكثر في عضو بعينه، أما في ضمن غيره فكثير، وأما مطلق القامة بما فيها فأكثر من أن يحصى ما فيه، وما قيل من أول من وصف الثدي عمرو بن كلثوم:
وثدي مثل حق العاج رخص ... مصون عن اللامسينا
فأمر يحتاج إلى مزيد استقصاء وإحاطة، لأن العرب تغزلت كثيرا، غاية الأمر أن المتأخرين ألطف. وأورد الأنطاكي أشعارا كثيرة لشعراء كثيرين في وصف أعضاء المعشوقة متفرقة، وللسيد غلام علي آزاد البلكرامي ﵀ قصيدة سماها "مرآة الجمال" آتى فيها بوصف كل عضو من أعضاء الحسناء، وصنع مرآة ينطبع فيها
стр. 112
بدن العذراء من الرأس إلى القدم، وأبدع في تشبيهاتها واستعاراتها بما لم يسبق إليه أحد من الأمم، وهي خمسة ومئة بيت. ولقد أنشأ الفصحاء المتقدمون والبلغاء المتأخرون في الباب أشعارا أكثر من أن تعد، وأزيد من أن تحد، وذكر الأنطاكي منها جملة كافية، ونبذة وافية، لكني ما وقفت على أحد منهم شبب بمثل هذا التشبيب، ووصف الأعضاء في كلمة واحدة لا على الترتيب، إلى أن وقعت القرعة على علم آزاد، وجاءت هذه التحفة في سهم قلم هذا الجواد، ومثل هذه القصيدة الحسنية مثل القصائد البديعيات، حيث شرع فيها الشيخ صفي الدين الحلي، ثم جاء جمع من الفرسان، وأطلقوا أعنة الأقلام في الميدان، وقد قال آزاد ﵀: لقد شرعت في البنيان، وأسست قواعد العمران، فمن يجيء بعدي يزيد على هذا البناء، ويرفعه على سابعة السماء إن شاء الله تعالى. انتهى. وهذا أمر مرجو، لكن لم أقف إلى الآن على من زاد عليه بعده، وقد رأيت أن أختم هذه الخاتمة بذكر تلك القصيدة الحسنى، ليكون مسك ختام الكلام، في هذا الاحتفال في هذا المرام، وأجعلها بدلا عن أشعار كثيرة من الأدباء المتفرقين من بحور وقواف مختلفة في الانسجام، وهي هذه:
مطلق الحسن
بي ظبية من أبرق الحنان ... من مثلها في عالم الإمكان
стр. 113
شمس تباهي بالسنا أمة لها ... وكواكب أخرى من الغلمان
الضفيرة
أضفيرتان على بياض خدودها ... أو في كتاب الحسن سلسلتان
أو ليلتا العيدين أقبلتا معا ... أو من قصائدهم معلقتان
الجبهة
لله جبهته المضيئة في الدجى ... وهب الإله له علو مكان
هي نصف بدر كامل لكنها ... تربي على القمرين في اللمعان
الحاجب
أبصر حواجبها وأدرك كنهها ... غصنان منحيان وسط البان
أو كافران يشاوران ليوقعا ... آمالنا في موقع الحرمان
العين
طرفا الحبيبة ماكران تمارضا ... وتغافلا عن رؤية الجيران
أو نرجسان على غصين واحد ... وهما بماء مسكر نضران
الهدب
أهداب حسناء الأبيرق مروح ... متحرك لتروح الكسلان
أو خذو إنسان العيون ستارة ... جعلت معلقة من الأجفان
اللحظ
لحظ المهاة فتورها مستحسن ... يحكي أريج النرجس الريان
ترنو ونحن نخاف فتنة طرفها ... وقع المهند في يد السكران
الكحل
انظر إلى كحل على أهدابها ... هو جوهر لمهند ويمان
стр. 114
أو أبدع النقاش خطا حالكا ... ليزيد رونق دورة الفنجان
الأنف
الأنف سد بين طرفيها نعم ... هذا سيافان مختصمان
محراب حاجبه بناء رائق ... وهو العماد لذلك البنيان
الفم
وفم الحبيبة حقة محمرة ... فيها الآلئ الماء والتبيان
ياقوتة مثقوبة لكنها ... بالثقب خالية عن النقصان
الشفة
شفة الفتاة عقيقة يمنية ... تشفي مويهتها صدى الظمآن
رطبان كل منهما ذي حمرة ... متفاخر باللون والحلوان
المسي
شفة المهاة عقيقة مسيها ... يحكي سواد شقائق النعمان
أو هذه ياقوتة كحلية ... فيها جلاء بصارة الإنسان
الثغر
ما ثغرها إلا الطباشير الذي ... يطفي لواعج غلة اللهثان
أو هذه ياقوتة كحلية ... فيها جلاء بصارة الإنسان
التبسم
بسمت شفاه حبيبتي أو لاح في ... شفق وميض رائق البرقان
أو سلت الحسناء سيفا لامعا ... لتريق باسمة دم الولهان
اللسان
حسناء مقولها طلسم يحتوي ... دررا تدحرجها إلى الآذان
стр. 115
عين الحياة فم التي أحببتها ... ولسانها هو احمر الحيتان
الحديث
حلو ومر قول فاتنة النقا ... متلبس بتخالف العنوان
فالحلو منه لمن تناول السكر ... والمر منه مدامة النشوان
الرضاب
ماء الحياة رضاب غانية اللوى ... أين السبيل إليه العطشان
أو خمرة ماء الآلئ ماؤها ... لا شربة من حبة الرمان
الخد
خد التي برعت طلاوة وجهها ... ورد طري من رياض جنان
الورد في بستان غانية الحمى ... والنرجس الريان يجتمعان
العرق
عرق الوجيهة قطرة لكنها ... في عرفنا تربي على الطوفان
أو لؤلؤ متدحرج ينحو إلى ... جهة يشاء على بساط قان
الخال
الخال في خد الحسينة برة ... كيف استقر الكفر في الإيمان
أو طاح في الوقد الذكي فراشة ... أو عرج الزنجي في الميسان
الذقن
ذقن الجميلة سافل في وجهها ... عال سناه على سنا النيران
خجل التفافيح القواني عنده ... ومآلها خر على الأذقان
стр. 116
القرط
قرطا الجمان من الغدائر أومضا ... أو ضاء في الديجور مصباحان
قصرت عن شرح الحقيقة بل هما ... سعدان حول البدر يلتمعان
الجيد
قد أطرق الغزلان قاطبة متى ... شاهدن جيد سعاد في الليان
أمل الدمى أن تستفيد تلفتا ... من جيد غادة برقة الروحان
الطوق
الطوق زينة جيدها لكنه ... طوق على عنق المحب الجاني
دارت على الفئة الذين تمسكوا ... بالعشق دائرة من الأزمان
الثدي
ثديا المليحة صاحبان تشاكلا ... وهما على العلات يصطحبان
جلسا على صدر الكمال تكبرا ... وعلى رؤوسهما قلنسوتان
الوشاح
زار الكواكب صدر الحسناء النقا ... ويخالها الراؤون سلك جمان
أو تلك أفئدة ثوت في فالق ... وتبرأت من ألفة الأوطان
القلب
حجر أصم فؤادها وزجاجة ... قلب الذي هو في المحبة فان
стр. 117
ففؤادها في الانشراح لأنه ... ضرر على أوان يلتقيان
الساعد
خرج اللجين عن المعادن لا كما ... خرجت سواعدها عن الأردان
صبحان منفلقان عن كميهما ... وكلاهما في الضوء مستويان
السوار
أهوى أساورها وليس ببدعة ... أن الخليل إلى الدوائر ران
حق المغرد أيكون مطوق ... عجب الزمان تطوق القضبان
اليد
حمراء خلت ذراعها مرجانة ... وحسبتها ساق مع الأفنان
جعلت قلوب الناس ملك يمينها ... وأرت يدا بيضاء في الإحسان
الظفر
قد حصل الأظفار هذا الطيب من ... أظفار غانية من الصمان
جمع الأهلة والبدور بنانها ... هذا لعمري خارق الدوران
الحناء
أخذت أناملها الخضيبة مهجتي ... هي بين نيران بغير دخان
يخشى خضاب بنانها أسد الشرى ... يحكي دماء أسنة الخرصان
الخصر
خصر الرشيقة لا يفارق جدبه ... رفقا بصبر وشاحها الغرثان
بين الوجودين اللذين تراهما ... عدم فيا لغرابة الجسمان
стр. 118
السرة
إن فاح سرتها فلا تتعجبوا ... مأوى الأريجة سرة الغزلان
بقيت علامة أصبع أذ حاولت ... تخمير طينتها يد الرحمن
ما تحت السرة
بر من الفردوس لحسناء أو ... موزان مختصران ملتصقان
قوسان سهم واحد يكفيهما ... يرجوهما سهمي من الطغيان
الردف
هام الفؤاد بغادة طائية ... أجأ وسلمى عندها الردفان
ليست روادفها علي ثقيلة ... مع أنهن ثقيلة الميزان
الساق
ساقا الخريدة أسطوانة حسنها ... حسبت عمود الصبح في الأقران
تربان قد غلب الغرور عليهما ... فهما أوان الميس يستبقان
الرجل
رجل العشيقة كيف تقصد دارنا ... عدم التخطي أرجل الأغصان
غمزت زجاجات القلوب فكسرت ... وتشبثت بصيانة المنان
الخلخال
ساق التي قالت تذيب قلوبنا ... خلخالها من خالص العقيان
أو قبلت شمس الصبحية رجلها ... مفقودة الأحشاء بالذوبان
القامة
يا طيب غصن الصندل الرطب الذي ... داوى متيمه من الخفقان
стр. 119
رفع الأسنة كلها سبابة ... شهدت لوحدة ذلك المران
الميس
صان الإله رشيقة مياسة ... أربت على الغزلان في الجولان
نكس الغصون رؤوسها لما رأت ... مختالة الوعساء في الميسان
الدلال
غنج الحسان الفاتنات قيامة ... يلقي سلاة الناس في الهيمان
غنجت فخلناها وميضاً ماطراً ... يبكي ويبسم فلتة في آن
اللباس الأبيض
لبست جويرية الأبارق حلة ... بيضاء ناصعة من الكتان
فكأنها في حلة مبيضة ... شمس أضاءت في الصباح الثاني
اللباس الأحمر
خرجت صباح العيد غانية الحمى ... في حلة حمراء بين غوان
طلت دماء العاشقين ولم تلح ... في ذيلها لتوحد الألوان
اللباس الأصفر
لبست حميراء الغوير مزعفراً ... يل ربنا صنها عن العيان
قد حل لون الحسن في لون الهوى ... العذري بالطريان والسريان
اللباس الأسود
لبست فتاة الأبرقين ممسكاً ... فبدا ضياء في بهيم زمان
ظهرت سليمى في لباس حالك ... أو حفت النعماء بالكفران
стр. 120
اللباس الأخضر
لبست بثينة حلة مخضرة ... فرأيت أي الروح والريحان
وقع الحمائم في تصور بانة ... خضراء إذ ذهبت إلى البستان
اللباس الأزرق
طلعت سعاد صبحية في حلة ... زرقاء يقدمها علو الشان
أو تلك شمس ضمها نيلوفر ... سقياً له من طالب اللقيان
اللباس المصندل
جاءت حسيناء الأبيطح في لب ... س صندلي نحو هذا العاني
لبست بتوفيق الإله مصندلاً ... لتعالج المصدوع بالفيحان
الخاتمة
أمليت في وصف المهاة قصيدة ... حسنية تحوي أدق معان
في سبعة فوق الثمانين التي ... مئة وألف بعدها حسباني
سميت "مرآة الجمال" قصيدتي ... طابت برؤيتها قلوب حسان
ما إن سمعنا مثلا عن شاعر ... آزاد للطرز المنشط بان
صلى الله على النبي وآله ... ما غنت الأطيار بالألحان
ولصاحب القصيدة شرح موجز عليها، أثبت تحت كل عضو أشعاراً رائقة للشعراء، وأبياتاً فائقة للفصحاء، من تعريفات الحبائب، وتوصيفات الكواعب، وجملة أشعار في الدواوين العربية آلاف، وكانت ولادته في الخامس والعشرين من صفر يوم الأحد سنة ست عشرة ومئة ألف بمحروسة بلكرام، وهي متصلة بقنوج من
стр. 121
بلاد الهند المذكورة في "القاموس" وقنوج موطن هذا العبد المؤلف، وكان رحمه الله تعالى فاضلاً فقيهاً محدثاُ أديباً، بارعاً في العلوم العقلية والنقلية، جامعاً للفضائل والكمالات الصورية والمعنوية، وجملة أشعاره في "السبعة السيارة" وغيرها أحد عشر ألفاً، وما سمع قط من أهل الهند من يكون له ديوان عربي ومن يكون له شعر عربي على هذه الحالة، وهو حسان الهند، مدح النبي ﵌ في الدواوين، وأوجد في مدحه معاني كثيرة نادرة لم يتيسر مثلها لأحد من الشعراء المفلقين، وأبدع في قصائده المدحية مخالص لم يبلغ مداها فرد من الفصحاء المتشدقين، وله في التغزل طور خاص قلما يوجد في كلام غيره، يعرفه أصحاب الفن، وله تصانيف نفيسة حسنة جداً، وغالبها حاضر عندي، وكان يرجع نسبه إلى علي العراقي بن حسين بن محمد بن عيسى موتم الأشبال بن زيد الشهيد ابن الإمام علي زين العابدين ﵃. توفي ﵀ في سنة مئتين وألف هجرية، ودفن بالروضة من أرض الدكن. وأما أنا، فيرجع نسبي إلى علي بن الحسين السبط أيضاً، لكن بواسطة أئمة الهدى من أهل البيت، وعشيرتي معروفة بسادة بخارى، ولي أيضاً يد صالحة وجارحة عاملة في اللسان العربي والفارسي والهندي، وتصانيف كثيرة فيها، لكن غالبها في علم التفسير والحديث وفقه السنة وعلم العقائد وعلم التاريخ وعلم الأدب واللغة والبديع وغير ذلك، وولدت ببلدة بريلي موطن جدي القريب من جهة الأم،
стр. 122
ونشأت في حجر الوالدة الكريمة بقنوج، على زنة سنور، واكتسبت العلوم المتداولة، وتأدبت على عصابة العلوم الفاضلة، وسافرت إلى الحرمين المكرمين، وعدت إلى بلدة بهو بال المحمية عن الرين والشين، ومن الله علي بالمال والحلال، والأولاد الصالحة، والقضاء النافذ، والحكم الماضي على الرئاسة العلية المذكورة، وخوطبت من جهة مليكة البرطانية بخطاب فائق ولقب رائق، لفظه بالفارسية: نواب عليجاه الملك سيد محمد صديق حسن خان بهادر، والآن أنا نزيلها، وزوج الرئيسة ودخيلها، جعل الله خاتمتي بالخير، وصانني عن شرور الأعادي وكل ضير. هذا وقد أورد الأنطاكي في "تزيين الأسواق" مقاطيع وأغزالاً وأبياتاً وأشعاراً كثيرة، ختم بها كتابه المذكور، وما ذكرت منها ههنا إلا اليسير المسطور، لأن الغزال المطلقة التنصيص، العامة من غير تخصيص، كثيرة لا تحصى، وغزيرة لا تستقصى. أورد منها في "تزيين الأسواق" ما حسن وقعه في الأسماع، وجلب القلوب السليمة الأذواق عند السماع، وذكر شيئا من لطائف الغزل الخاصة والعامة، في الذاتيات والأعراض اللازمة، وقد تغزل العشاق في الأعراض المفارقة، نحو الزينة والوضائف، ببديع النكت واللطائف، ومما يلحق بذلك التلميح، وهو نوع لطيف جليل المقدار في البديع، عظيم الفائدة في الإيصال إلى المطلوب، من نحو نكاية الخصم، وبلوغ الأرب من ذوي الفهم، ولم تدر الأغبياء وجل
стр. 123
علماء المعاني على أن التلميع يراد فه، والصحيح أنه أخص، ومما ينسج في هذا النمط ما سمته العرب باللاحن، قال ابن دريد: إنه مشتق من اللحن، يعني: الفطنة، وإن فائدتها التخلص من أنشوطة التعسف مع الأمن من المؤاخذة عند الإلجاء. وأمثلة التلميح والملاحن مذكورة في كتاب الأنطاكي. ومنها المجون، وما نقش على الخواتم والتكك، وغيرهما من نحو إكليل وعود وميل وكأس وأترجة، ومما ينخرط في هذا المسلك ما يكتب على الكتب، ونظائر ذلك كثيرة لا مطمع في استقصائها، ولا قدرة على إحصائها، وبعضها مذكور في "تزيين الأسواق" فإن شئت الإطلاع عليه فراجعه. ولنختم الكلام الذي اقتطفناه من هذه الأزهار وارتضيناه، ومن هذه الأصمار جنيناه، بغزل منا في بعض أيام الشباب نظمناه:
لله غانية في مهجتي نزلت ... مالت إلى الوصل شوقا ثم ما وصلت
طحت بقلبي وضامتني بلا سبب ... يا أيها القوم قولوا كيف ما فعلت
أتحف جوهر قلبي نحو حضرتها ... ألقت إلي فما شامت وما قبلت
قد أمنتني وألقتني إلى أسف ... بالله يا صاح ما هذا وما فعلت
قامت تودعني والحزن يرهقها ... وقمت عانقتها والعين انهملت
جاءت وولت فلا شكوى من دعد ... هي الحبيبة إن عادت وإن عدلت
حور الجنان تحاكي حسن عزتنا ... في فكرهن ولو أبصرتها خجلت
تلوح في عارضيها صفرة عجب ... لعلها من جفاء الصب انفعلت
стр. 124
كانت تؤمل قتلي دائما أبدا ... لله نفس مشوق بالمنى قتلت
لم أرتكب في هوى أسماء معصية ... بأي ذنب رعاها الله قد قتلت
إعراض قلبي عنها أي معصية ... لا أرتضيه وإن جارت وإن عدلت
ضاءت ذوائبها من نور وجنتها ... لله بارقة في ظلمة حصلت
أتلك طرتها طالت إلى قدم ... أم آية هذه في شأنها نزلت
أهذه يدها البيضاء زاهية ... من نور طلعتها شمس الضحى خجلت
أم غرة في جبين الدهر فائقة ... أم درة من نحور الحور انتقلت
هي التي ترتضي مني وتمقتني ... باليت يوم من التلوين انفعلت
حب المليحة يوم الدين مكرمة ... هناك منه موازين الهوى ثقلت
سفاكة قطعت رأسي بلا قود ... تجاوز الله عنها أي ما فعلت
стр. 125
فتانة أجرت الأنهار من دمنا ... لا يفعل الظالم المغرور ما فعلت
هوى العذول رجوعي عن صبابتها ... ولست أرجع إن حييت وإن قتلت
ألصب يشكر منه موعدا حسنا ... وإن أخلت بإيفائها وإن ختلت
ما إن بخلت بروحي مذ شغفت بها ... فكيف عزتنا بالوصل لي بخلت
ليست لها غاية في قتل عاشقها ... إلا الثواب جزاها الله ما عملت
نصح العواذل لا يأتي بفائدة ... تلك المواعظ منهم هفوة بطلت
شهادة الصب منها أي مرحمة ... أمنية كان لي من مدة حصلت
وأين تحصل للعشاق خلوتها ... ترى المحبين صرعى حين احتفلت
لن تنظرن إلى صب بعين رضا ... فيا لمنتظر من نظرة فضلت
هيج الغرام وموت الهجر مخمصة ... ما ضر عزة لو عن صبها سألت
стр. 126
موت المحب على دين الهوى حسن ... أفتى به زمرة آثارهم نقلت
سقم الفتى في الهوى العذري عافية ... وأي عافية ما مثلها حصلت
حكت سعاد لنا من حسنها عجبا ... فلو رأتها ظباء المنحنى ضألت
فاضت دموعي على جيراننا بدم ... هذي منازل سلمى قد خوت وخلت
كانت معمرة مأهولة أبدا ... صارت بلا قع مذ أسماؤنا رحلت
لله درك يا صديق من كلم ... نظمتها وهي في أوصافها كملت
صلى الإله على المختار من مضر ... ما دام سنته للمؤمنين حلت
وقد رأينا أن نجعل هذا المقطع من الغزل كالاستغفار بعد الذنوب، والكفارة لمن عزم أن يتوب، لاشتماله على ذكر الصلاة على النبي ﵌، التي يكشف بها كل غم، وينجلي كل هم، وهذا أقصى ما أردنا تحريره، وأنهى نهاية ما ارتضينا تسطيره، مستغفرين الله مما جنيناه، إذ هو أكرم كريم، يقبل توبة
стр. 127
التائب، ولطيف يؤوب إليه الآيب، قائلا ما قال الأنطاكي، في لوعة الشاكي ودمعة الباكي:
كتبت وقد أيقنت أن جوارحي ... ستبلى ويبقى كل ما أنا عامله
فإن كان خيرا سوف أحمد غبه ... وإن كان شرا أوبقتني غوائله
فاستغفر الله العظيم من الذي ... كتبت ومما قلت أو أنا قائله
فيا رب بالهادي النبي محمد ... نبي على كل الورى فاض نائله
وبالآل والأصحاب ترحم عاجزا ... كليلا من الذنب الذي هو حامله
أتى تائبا من غفلة اللهو قائلا ... صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله
ولم لا وجل العمر قد فات وانقضى ... وعري أفراس الصبا ورواحله
تفضل عليه وارحم الآن ذله ... وتختم بخير كل ما هو فاعله
فالحمد لله على إتمامه، والشكر له على جزيل إنعامه، وعلى خاصته من خلقه محمد أفضل صلاته وسلامه وعلى آله الغالبين بإتمامك الحجج على الأعادي، وأصحابه المتمين لأنوار الهدى في الدآدي، ما عد التسابيح للرحمن، بسبحة الياقوت والمرجان.