← Адаб

Адаб · id 28173

نشوة السكران من صهباء تذكار الغزلان

صديق حسن خان

Полный текст (127 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقول نفطويه: كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعني ... عنه الحياء وخوف الله والحذر كذلك الحب لا إتيان معصية ... لا خير في لذة من بعدها سقر الطارق إليها في الليل المظلم: كقول المتنبي: وقد طرقت فتاة الحي مرتدياً ... بصاحب غير عزهاةٍ ولا غزل فبات بين تراقينا ندفعه ... وليس يعلم بالشكوى ولا القبل

стр. 72

ثم اغتدى وبه من ردعها أثر ... على ذوائبه والجفن والخلل وفي ذلك قول للأرجاني ابن خفاجة الأندلسي وغيرهما: الطارق إليها في الليل والمقمر: كقول آزاد ولقد سريت إلى الأبيطح ليلة ... فلقيت ثم خريدة معناقا والبدر قال وقلبه متكدر ... فلما رأى في الواصلين عناقا هذا قريب عينه بجمالها ... وأرى إذا اقترنت ذكاء محاقا الفاطن: هو الذي يعمل نوعاً من الفطانة في معاملاته بالنسبة إلى محبوبته، وهو على نوعين: الفاطن قولاً، كقول لبن نباتة المصري: وملولة في الحب لما أن رأت ... أثر السقام بعظمى المنهاض قالت تغيرنا فقلت لها نعم ... أنا بالسقام وأنت بالإعراض وقول القاضي منصور الهروي: ومنتقب بالورد قبلت خده ... وما لفؤادي من هواه خلاص فأعرض عني مغضباً قلت لا تجر ... وقبل فمي إن الجروح قصاص والفاطن فعلاً: ومن شواهده قصة ذات النحيين، وهي امرأة من تيم الله بن ثعلبة، كانت تبيع السمن في الجاهلية، فأتاها خوات بن جبير الأنصاري، فساومها، فحلت نحياً مملوءاً، فقال لها: امسكيه

стр. 73

حتى أنظر إلى غيره، ثم فك النحي الآخر، وقال: امسكيه حتى أذوقه، فلما شغل يديها ساورها حتى قضى ما أراد وهرب، ثم أسلم وشهد بدراً، فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "يا خوات! كيف كان شراؤك؟ " وتبسم صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! قد رزق الله الخير، وأعوذ بالله من الحور بعد الكور. ومنه المثل: أشغل من ذات النحيين. وقول بعضهم: يجري النسيم على غلالة خده ... وأرق منه يمر عليه ناولته المرآة ينظر وجهه ... فعكست فتنة ناظريه إليه وقول آزاد: مررت على سلمى فأخفيت خاتمي ... وكدت رقيبا خوفتني صوارمه وقفت أراعي حيلة للقائها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه الواصل: كقول أبي الفرج محمد بن محمد الشلحي: وكم ليلة زارت وقد لان أهلها ... وسامح واشيها وغاب حسودها فحلت بتضييق العناق عقودها ... وحلى من در المدامع جيدها وقول التهامي: ألبستني سربال ضم ما له ... إلا رؤوس نهودها إزار

стр. 74

أجني الثمار من الغصون فحبذا ... تلك الغصون وحبذ الأثمار المهجور: كقوله تعالى: (وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم) [يوسف: ٨٤] .وقوله تعالى على لسان يعقوب: (إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله) [يوسف:٨٦] . وقول قائل: لئن نحن التقينا قبل موت ... شفينا النفس من ألم العتاب وإن ظفرت بنا أيدي المنايا ... فكم من حسرة تحت التراب وقول ابن قرناص الحموي: إن الذين ترحلوا ... نزلوا بعين ناظرة أنزلتهم في مقلتي ... فإذا هم بالساهرة المودع: كقول التهامي: باكرتنا بفراقهن فجأة ... قبل العطاس وناعب الغربان وسفحن للبين المدامع فالتقى ... دران در مدامع وجمان وقول آزاد: ودعته وفؤادي أمس فاغتربا ... وبعد مالي علم أينما ذهبا وقوله: أي القيا مات أشكو يوم فرقتهم ... صوت الحدى وحنين الطائر الغرد أو نغمة صدرت عن حلي مائسةٍ ... أو قول قائلة فاصبر إلى أمد

стр. 75

وقوله، وهو معنى بديع: سالت مدامعنا في يوم رحلتهم ... وكاد قالبنا يخلو عن النفس لما حدى السائق القاسي ركائبهم ... أننت من خفقان القلب كالجرس الساهر بالليل: كقول امرئ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما إلا صباح منك بأمثل وقول علي بن محمد التهامي: خليلي هل من رقدة استعيرها ... أملي بأحلام الكرى أستزيدها المبتلي بالعذول: كقوله تعالى: (وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتنها عن نفسه، قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين) [يوسف:٣٠] . وقوله الأرجواني:

стр. 76

حبي بلومك يا عذول يزيد ... فاستبق سهمك فالرمي بعيد وقول آزاد: يقول لي العذول دع التصابي ... إلى إبليس تلميذ العذول ضلال العاشقين هدى عظيم ... فلا يعبأ بقولي أبي الفضول المتأذي بالرقباء: كقول القاسم بن الحسين الخوارزمي: بدت ورقيب خلفها من نسائها ... فما أحسن الأولى وما أقبح الأخرى وقول الصاحب إسماعيل بن عباد: قال لي إن رقيبي ... سيء الخلق فدراه قلت دعني وجهك ... الجنة خفت بالمكاره وقول آزاد: تركية سفكت دمي وهي التي ... أسلافها أخنوا على المستعصم حمراء صينت بالأسنة والظبا ... حتم أذى الأشواك دون الحوجم كيف العلاج ولا أنال لقائها ... بالصلح أو بالحرب أو بالدرهم المتأذي بالوشاة: وفي الحديث: "شرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة". ومن أمثلته قول بعضهم: بأبي حبيب زارني متنكرا ... فبدا الوشاة له فولى معرضا

стр. 77

فكأنني وكأنه وكأنهم ... أمل ونيل حال بينهما القضا الشاكي من عينه: شكاية العاشق من عينه في الهندية أيضا كثيرة، لكن ما جعلوا هذا الشاكي نوعا مستقلا من أقسام العشاق، واستخرجه آزاد، وأدخله في أقسامهم، وهو نوع أحلى موقعا، كقول الأرجاني: تمتعا يا مقلتي بنظرة ... وأوردتما أشر الموارد أعيني كفا عن فؤادي فإنه ... من البغي سعي اثنين في قتل واحد وقول آزاد: ولولا العيون المغويات لمهجتي ... لما عرفت نار الغرام فرقت بكين مدى الأيام أيضا صبابة ... ومن آذت الجار السليم تأذت الشاكي من عينه: شكاية العاشق من عينه في الهندية أيضا كثيرة، لكن ما جعلوا هذا الشاكي نوعا مستقلا من أقسام العشاق، واستخرجه آزاد، وأدخله في أقسامهم، وهو نوع أحلى موقعا، كقول الأرجاني: تمتعتما يامقلتي بنظرة ... وأوردتما قلبي أشر الموارد أعينيا كفا عن فؤادي فإنه ... من البغي سعي إثنين في قتل واحد وقول آزاد: ولولا العيون المغويات لمهجتي ... لما عرفت نار الغرام فرقت بكين مدى الأيام أيضا صبابة ... ومن آذت الجار السليم تأذت الشاكي من جور الحبيب: كقول بديع الهمذاني: هلم إلى نحيف الجسم مني ... لتنظر كيف آثار النحاف ولي جسد كواحدة المثاني ... له كبد كثالثة الأثافي وقول ابن العفيف: يا ساكنا قلبي المعنى ... وليس فيه سواك ثاني لأي شيء كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان وفيه خليل أبداه الصفدي، وهو أن القلب ظرف لاجتماع الساكنين، كما هو القانون، إنما كسر ما اجتمع فيه.

стр. 78

وقول ابن أبي حجلة موريا: يا سائلاً عن حالتي ما حال من ... أمسى بعيد الدار فاقد إلفه بي صيرفي لا يرق لحالتي ... قد مت من جور الزمان وصرفه الراضي عن جور الحبيب: كقول قائل: تمنت سليمى أن نموت صبابة ... وأهون شيء عندنا ما تمنت وقول بعضهم: إن كان يحلو لديك قتلي ... فزد من الهجر في عذابي عسى يطيل الوقوف بيني ... وبينك الله في الحساب وقول آزاد: سقى الله طيرا قيدت في المصائد ... وما نسيت عهد الحمى في الشدائد وإن شئن يحرقن الحبائل بالجوى ... ولكن رضا الصياد أعلى المقاصد وقوله: لا اشتكي والله من جفواتها ... أنا طالب لذات لا لصفاتها يا للعناية إن أتت بإساءة ... يا للكرامة إن أرت حسناتها يا صاح إن تذهب فأنت مخير ... أنا قد نذرت المكث في عتباته إن مت في سبل الغرام فهين ... أبغي من المنان طول حياتها

стр. 79

الغيور: وفي الحديث ما روي عن المغيرة، قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله وآله وسلم، فقال: "أتعجبون من غيرة سعد! والله لأنا أغير منه، والله أغير مني". وخلاف هذا ما حكى الشيخ أثير الدين أبو حيان الغرناطي في تفسيره عند قوله تعالى: (يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك أنك كنت من الخاطئين) [يوسف:٢٩] : "نقل عن العزيز صاحب مصر أنه كان قليل الغيرة". وقول الطائي: أغار على القميص إذا علاه ... مخافة أن يلامسه القميص وقول المتنبي: أغار من الزجاجة وهي تجري ... على شفة الأمير أبي الحسين قالوا: إن هذه الغيرة إنما تكون بين المحب والمحبوب، كما قال كشاجم: أغار إذا دنت من فيه كأس ... على در يقبله زجاج فأما الأمراء والملوك فلا معنى للغيرة على شفاههم. وقول الأرجاني: إذا هب النسيم بطيب نشر ... طربت وقلت أهلا يا سول سوى أني أغار لأن فيه ... شذاك وأنه مثلي عليل وقول الصفي الحلي: يغار عليك قلبي من عياني ... وأخفي ما أكابد من هواكا

стр. 80

مخافة أ، أشاور فيك قلبي ... فيعلم أن طرفي قد رآكا المغتبط: من الغبطة، ومضت أمثلتها في "غصن البان"، فيلتفت إلى ثم، وأذكر مثالا واحدا ههنا كيلا يكون المقام خاليا عن المثال مطلقا، وهو قول ابن عبد الظاهر علي بن محمد في معشوقه نسيم: إن كانت العشاق من أشواقهم ... جعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا فأنا الذي أتلوهم يا ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا العائد: هو الذي يعود حبيبته المريضة، روي أن كثيرا عاد عزة من مصر وهي مريضة بالعراق، فأنشأ يقول: وعزة قالوا بالعراق مريضة ... فأقبلت من مصر عليها أعودها فوالله ما أدري إذا أنا زرتها ... أأبرئها من دائها أم أزيدها المترجي: هو الذي يترجى قدوم الحبيب الغائب، كقوله تعالى: (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا) [يوسف:٩٦] . وقول آزاد: قد جاء من سبإ بشير الهدهد ... وأفادني نبأ الغزال الأغيد وقوله: جعلت يد الهجران سود وجهه ... أسحارنا في صبغة الآصال

стр. 81

قالوا سترجع ممن تحب مجيئها ... نفسي الفداء لهذه الأقوال المسؤول عن حاله: كقول محمد بن سليمان الشاب الظريف: لا تخف ما فعلت بك الأشواق ... واشرح هواك فكلنا عشاق واصبر على هجر الحبيب فربما ... عاد الوصال وللهوى أخلاق وقول آزاد من قصيدة: يا صاح أي سقام بات يضنيكا ... وأي شيء وقاك الله يشفيك يا حسرة الوقت ما لي بالرقى خبر ... لو كنت أعلم هذا الفن أرقيكا صواحب الحسن بالجرعاء وافرة ... من التي بسهام العين ترميكا تلقيك مائسة الأغصان في قلق ... ورؤية الوردة الحمراء تشجيكا المائل إلى أشباه الحبيب: حكي عن كثير عزة، قال: بينا أنا أسير في بعض الفلوات، إذا أنا برجل قد نصب حبالته، فقلت: ما حبسك ههنا؟ قال: أهلكني وأهلي الجوع، فنصبت حبالتي هذه لأصيب لهم شيئا ولنفسي ما يكفينا يومنا هذا. قلت: أرأيت إن

стр. 82

أقمت معك فأصبت صيدا، أتجعل لي منه جزاء؟ قال: نعم. فبينا نحن كذلك إذ وقعت ظبية في الحبالة، فخرجنا نبتدر، فسبقني إليها، فحلها وأطلقها، فقلت له: ما حملك على هذا؟ قال: دخلتني عليها رأفة لشبهها بليلى، وأنشأ يقول: أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني ... لك اليوم من وحشية لصديق أقول وقد أطلقتها من وثاقها ... فأنت لليلى ما حييت طليق وقول بعضهم: ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم وقول قائل: ذكرت سليمى وحر الوغى ... بقلبي كساعة فارقتها وأبصرت بين القنا قدها ... وقد ملن نحوي فعانقتها المعظم لآثار الحبيب: كقول المتنبي: فديناك من ربع وإن زدتنا كربا ... فإنك كنت الشرق للشمس والغربا وكيف عرفنا رسم من لم تدع لنا ... فؤاد لعرفان الرسوم ولا لبا

стр. 83

نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا قال ابن بسام في "الذخيرة" أول من بكى الربيع واستبكى ووقف الملك الضليل امرؤ القيس حيث يقول: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ثم جاء أبو الطيب المتنبي فنزل وترجل ومشى في آثار الديار، حيث يقول: نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ثم جاء أبو العلاء المعري، فلم يقنع بهده الكرامة خشع وسجد، حيث يقول: تحية كسرى في السناء وتبع ... لربعك لا أرضى تحية أربع وقول القطامي: إنا محبوك فاسلم أيها الطلل ... وإن بليت وإن طالت بك الطيل وقول بعضهم: تحية صوب المزن يقرأها الرعد ... على منزل كانت تحل به هند نأت فأعرناها القلوب صبابة ... وعارية العشاق ليس لها رد الباكي على الأطلال والآثار: اعلم أن شعراء العرب أكثروا من أغزالهم ذكر الأطلال والأماكن والبكاء عليها بعدما خلت عن الأحبة، وذكر الأشجار الصحرائية، كالأثل والضال والأراك والبان وغيرها، وذكر الجمل والحادي والسرى، وهذا الطريق مختص بهم ما هو في الفرس ولا في الأهاند، وكذا أكثروا ذكر الحمائم والنسائم والغمائم، وشعراء الفرس شاركوهم في الأولى والثانية،

стр. 84

وشعراء الهند في الثالثة، ولهؤلاء مكان الحمامة الكوكلاء. وقال طرفة وهو مطلع معلقته: لخولة أطلال ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد وقول بشار: أبى طلل بالجزع أن يتكلما ... وماذا عليه لو أجاب متيما وقول المتنبي: أثاف بها ما في الفؤاد من الصلى ... ورسم كجسمي ناحل متهدم وقول الأرجواني: سلا رسوما أقامت بعدما ساروا ... أعندها من أهيل الحي أخبار وقول الشيخ عبد الرحيم البرعي: بالأبلق الفرد أطلال قديمات ... لآل هند عفتهن الغمامات وملعب لعبت هوج الرياح به ... كأنهم فيه ما ظلوا ولا باتوا

стр. 85

وقول الشيخ بهاء الدين العاملي: قف بالطول وسلها أين سلماها ... ورو من أدمع الأجفان جرعاها صاحب حديث الورقاء والطرفاء وأمثالهما: كقول مهيار: حمام اللوى رفقاً به فهو لبه ... جوادا رهان نوحكن ونحبه وقول ابن بابك: حمامة جرعا دومة الجندل اسجعي=فأنت بمرأى من سعاد ومسمع وفيه تتابع الإضافات، وقصر جرعاء تأنيث الأجرع للضرورة، كذا في (مطول التفتازاني) ، ويمكن إصلاحه بوضع لفظة مرعى مكان جرعا، ودومة الجندل بضم الدال المهملة اسم موضع، والاسم المركب في حكم لفظ واحد، فارتفع تتابع الإضافات، والقصر في عدم الفرق في اللفظ بين المصراعين إلا بالميم والدال. وقول مجير الدين ابن تميم مورياً: لم أنس قول الورق وهي حبيبة ... والعيش منها قد أقام منغضا قد كنت ألبس من غصوني أخضراً ... فلبست منها بعد ذاك مقفصا وقول بعضهم: أحمامة فوق الأراكة خبري ... بحياة من أبكاك ما أبكاك

стр. 86

أما أنا فبكيت من ألم الجوى ... وفراق من أهوى أأنت كذاك وقول آزاد: عطفاً على أطيار ذي الحصحاص ... جاء الربيع وهن في الأقفاص من ذا الذي يسعى لوجه الله في ... تخليصها عن محبس القناص وقوله: خف الله يا صياد الأجارع ... أتقتلها وقت الثمار الأيانع عليك بتعمير الأبارق رأفة ... أتجعلها قفراً بقتل السواجع وقوله: رأيت الأمس في قفص سجوعاً ... يحن إلى الجداول والطلال يقول: من الذي آنا يسيرا ... يعلقني بطرفاء العوالي وقوله: رحم الإله حمامة يمنية ... سجعت بموعظة على الأغصان قالت لقد أبصرت مكتوبا على ... باب الحديقة من أنوشروان عهد الربيع الغض برق ذاهب ... فاغنم نصيبك من غصون البان

стр. 87

أبصرت في الأقفاص طير المنحنى ... صبرت على جور الزمان الجاني نسيت على غصن الأراكة عشها ... أنى رجاء الفوز بالأفنان وقوله: ورد الربيع على الحمام جديدا ... قلبي يحدث أن يصير شهيدا هزت أثيلات الغوير أسنة ... يقتلن آه مطوقا غر يدا وقوله: لقد برع الأقران في الهند ساجع ... وجدد فن العشق يا للمغرد فلا عجب أن صاده متقنص ... ألم تر في الأسلاف قيد المجدد تلميح إلى ما وقع للشيخ أحمد السهر ندي مجلد الألف الثاني، حبسه سلطان جهانكير في قلعة كواليار. وقوله: شاهدت ساجعة على يد صائد ... نقلت إلى قفص من الأفنان قالت تفجر دمعها متسلسلا ... هذا جزاء العيش في البستان وقوله في المستزاد: يا ساجعة على أثيل الجبل أعلاك الله ... أرويت غصونه بماء المقل رواك الله

стр. 88

تزورين حديث جيرتي من إضم ما أحسنه ... أحييت بذكرهم أسير الأجل حياك الله صاحب حديث النسيم: كقول علاء الدين الجو يني: مذ صار مبيتنا بضوء القمر ... والحب نديمنا وصوت الوتر نادى بفراقنا نسيم سحرا ... ما أبرد ما جاء نسيم السحر وقول الحاجري: لا غرو أن لعبت بي الأشواق ... هي رامة ونسيمها الخفاق وقول القاضي مجير الدين موريا: شكر لنسمة أرضكم ... كم بلغت عني تحية لا غرو أن حفظت أحا ... ديث الهوى في الذكية وقول شهاب الدين الحاجبي موريا: لا تبعثوا غير الصبا بتحية ... ما طاب في سمعي حديث سواها حفظت أحاديث الهوى وتضوعت ... نشرا فيا لله ما أذكاها وقول آزاد: من أي ناحية مجيئك يا صبا ... إن كان من أرض الحبيب فمرحبا طي الطريق على العليل مشقة ... فخجلت حيث أتيت نحوي متعبا ما كنت تعرفني وزرت بداية ... لم لا وسواك الإله مهذبا أحييتني كرما بنفحة وردة ... بسمت فأخجلت الوميض الأشنبا

стр. 89

صاحب حديث القلب: وإنما ذكره لكونه مشتملا على رقة تذيب القلوب الجامدة، وتوقظ العيون الراقدة، وهو العاشق الذي يحدث عن قلبه، كقول بعضهم: أليس وعدتني يا قلب أني ... إذا ما تبت عن ليلى تتوب فها أنا تائب عن حب ليلى ... فما لك كلما ذكرت تذوب وقول الفقيه عمارة اليمني: قلبي كفاه من الصبا أنه ... لبى دعاء الظاعنين وما دعي ومن الظنون الفاسدات توهمي ... بعد الفراق بقاءه في الأضلع وقول آزاد: يا سائلا عن فؤادي كيف حالته ... اسمع لقد جذب المحبوب فانجذبا رأيته يوم سار القوم من إضم ... يرزح في عقب المعشوق مضطربا وقوله: جمر ذكي في ضلوع المغرم ... تالله خير من فؤاد مؤلم وقوله: سلمت قلبي لسلمى وهي تطعمه ... ولست أدري أترعى أو تضيعه صاحب حديث الطيف: قد مضى ذكره في الزائرة في

стр. 90

الرؤيا، وكان بعض المعاني المتعلقة بالطيف مناسبا بحال العشاق، فعقد بابا له في أقسامهم، كقول من قال: زها عني وأعرض واستطال ... وآلى لا يكلمني دلالا وكان يزورني منه خيال ... فلما أن جفا منع الخيالا وقول أبي تمام: ظبي تقنصته لما نصبت له ... في آخر الليل أشراكا من الحلم وقول القسطلي: إن كان واديك ممنوعا فموعدنا ... وادي الكرى فلعلي فيه ألقاكا وقال آزاد في النبي ﷺ : فداء محمد قلبي وروحي ... على العلات يسعدني برفده أتاني زائرا في النوم ليلا ... فسبحان الذي أسرى بعبده الشائم: كقول آزاد: أصارم أم وميض لاح من أحد ... لقد قتلت به قتلا بلا وقود وقوله: أترى بروق جوانب الأنجاد ... لما بسمن وردت بهن زنادي وجناته تجلو البصائر في الدجى ... رحضاؤها تشفي أوام الصادي الذاكر لأيام الحمى: كقول المعري: ويا وطني إن فاتني بك سابق ... من الدهر فلينعم لساكنك البال

стр. 91

فإن استطع في الحشر آتك زائرا ... وهيهات لي يوم القيامة أشغال وقول ابن طبا طبا: لله أيام السرور كأنما ... كانت لسرعة مرها أحلام يا عيشنا المفقود خذ من عمرنا ... عاما وزد من الصبا أياما وقول آزاد: مضى زمان لقينا فيه جيرتنا ... عفى المهيمن عن أيامنا الأول نعد شوقا وإخلاصا مناقبهم ... بسبحة من لآلي أبحر المقل الشائب المتأسف على الشباب: كقول بشار: لا يرحل الشيب عن دار يحل بها ... حتى يرحل عنها صاحب الدار وقول أبي تمام غالب الملقب بالحجام: ليالي كان العيش غصنا يظلني ... نضيرا وماء الوعد غير مشوب وعيني قد نامت بليل شبيبي ... فلم تنتبه إلا لصبح مشيب وقول العلوي الحماني: عريت عن الشباب وكنت غضا ... كما يعري عن الورق القضيب ونحت على الشباب بدمع عيني ... فما نفع البكاء ولا النحيب

стр. 92

ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب النادر: هو الذي يوجب على نفسه عملا تكون فيه حسبة على مذهب العشق، بشرط أن يحصل له ما يتمناه. كقول آزاد: مررت على ترب الفراش عشية ... وألفيته صبا شهيدا منورا نويت هنا أم ألق شمع النقا أضيء ... على تربه الميمون شمعا معنبرا وقوله: لقد بعدت عني منازل جيرتي ... فلا تتراءى ذرة من غبارها نذرت إذا أحظى برؤية دراهم ... أكحل أجفاني بظل جدارها الموصي: هو الذي يأمر شخصا أن يفعل ما يتمناه على مذهب العشق بعد موته، كقول طرفة: فإن مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد وقول آزاد: يا صاحبي أنت لا تأسف على فقد ... صار الهوى من أوان المهد دستوري

стр. 93

ألا سأبذل روحي في هوى قمر ... فأكتب على لوح قبري سورة النور المتكلم بعد الموت: قد مضت أمثلة هذا النوع في كلام الروح من كتاب "غصن البان" وأورد هنا أيضا شيئا من كلام قتلى الغرام غفر الله لهم، كقول آزاد ﵀: رآني حمام في المحبة فانيا ... وزار ترابي بالأبيطح باكيا تلا آية الترجيع طورا وقال لي ... فنيت وأيم الله قد صرت ناحيا طويت بلاد الشرق والغرب كلها ... فلم أر في العشاق مثلك صبايا بعثت على دين المحبة والهوى ... وعشت إلى نهج الصبابة هاديا لقد كنت في حزوى بقدري عارفا ... إلى الله أشكو في فراقك ما بيا وأرجو من الله المهيمن أنني ... سأبصر تربي في جوارك ثاويا فلما أتم النائح القول قلت: يا ... معالج أدوائي ترفقت وافيا

стр. 94

جزيت جزاء المحسنين رققت لي ... وأجريت دمعا من مآقيك قانيا أصابتك مني غاية الحزن فاستمع ... بشيء عجيب من حقيقة حاليا فنيت ولكني هويت حبيبة ... عنايتها تحيي عظاما بواليا ألا كلما تبدو وتبسم رأفة ... أذوق حياة ث أعشق ثانيا فلا تحسبني فائتا عنك وانتظر ... ستبصرني حيا بسلمى فيا ليا وللسيد آزاد ﵀ قصيدة هيما نية، أتى فيها بجميع أقسام العشاق المذكورة هنا، لا نذكرها فرارا عن التكرار، وهذا آخر ما رام آزاد ﵀ إيراده في "سبحة المرجان". مبحث في ذكر من كلف وهو غير مكلف اعلم أنا حيث أنهينا الكلام في هذا المقام إلى ما يتعلق بالإنسان، عن لنا أن نبين كيفية دخول العشق في باقي أنواع الأعيان، والعشق سر يودعه الله في الأرواح عند صفائها وسهولة انقيادها، ثم يختلف

стр. 95

باختلاف البواعث والدواعي وميل النفوس بحسب مرادها، فعلى هذا لا يخص نوعا دون نوع من أحد الأجناس، كما ترشد إليه أدلة التجربة والقياس، غير أنه مختلف الرتب، كما لا يخفى على ذوي الأدب، وقد صح أن الإنسان أفضل الموجدات، لعلمه بأحكام الأحوال المختلفات، فلذلك كان واسطة نظام هذا الشأن، ثم يليه الأقرب فالأقرب من أنواع الحيوان، حتى ينتهي القول إلى الأجرام العنصرية، وما بينها وبين الطبقات السماوية، وهذا النوع ينتظم في خمسة أقسام: الأول: في الطيور، وهي ألطف الحيوان مزاجا، لانحلال كثيفها بخرق الهواء، وذهاب فضلاتها في نحو الريش، فلذلك داخله التألم بالنوى، قالوا: إن أوفى الطيور في المحبة القمري والشفني، أعني: الفاخت، وإنه إذا مات أحد الزوجين تعذب الآخر، فلم يأنس حتى الموت، وكثيرا ما سمعنا عن نحو البلبل والشحرور الحنين إلى الغناء والملاهي والأصوات الحسنة، وإن بعض الطيور نزل على يد بعض الوعاظ حتى مات. وحكي عن سفيان، أن بلبلا كان لوالده، وأنه أقام يرعى ويأتي البيت، حتى قيل: إنه مضى مع الناس يوم موته إلى القبر، ورجع، فاضطرب حتى مات. وأما قصة الزاغ فمشهورة جدا.

стр. 96

وحكى الشيخ أن أعظم الحيوان إدراكا من ذوات الأربع الخيل، وأنها أقرب من غيرها إلى مزاج الإنسان، حتى أنها لا تنزو على محرم أبدا. وفي "تزيين الأسواق" حكايات عن حمامة، وغراب، وبط، وخطاف، وزاغ، وحصان، وفيل، وكلب، وحمار، وعشقهن. وأما

стр. 97

العشق في الأنفس النباتية، فقد جزمت الحكماء أن أصح النبات وأعدله وأكمله خلقا جمع أمور تسعة: الورق، والعود، والتمر، والنوى، والصمغ، والدهن، والليف، والقشر، والأصول، قد كمل في النخل ذلك، فهذا أعدل النبات. وفي الأخبار أنه من طينة آدم. وفي الصحيحين: "تعرفون شجرة هي كالرجل المسلم". وفي "الفلاحة النبطية" أن النخلة تخاف وتفرح وتعشق نخلة أخرى، فقد صح أن النخلة إذا لم تحمل ضرب في أصلها بفأس، ويقول شخص أخر: لأي شيء هذا؟ فيقول الضارب: دعني أقطعها، فإنها لم تحمل! فيقول: دعها في ضماني العام، فإن لم تحمل فاقطعها، فإنها تحمل، وقد جرب ذلك. وأما ما بين الفلفل والكافور والنفط والتين والزنجبيل والأزدارخت، فأشهر من أن يحكى، وغاية الأمر أن يدعى فيه الخواص، فيقال: إن شدة الائتلاف بين العاشق والمعشوق من قبيل الخواص. وأما الأحجار، فاعتلا ق المغناطيس والحديد مما لم يشك في وجوده، وهذا لكثرة وجود المغناطيس، وإلا فلسائر المتطرفات أحجار من الجمادات تجذبها لمشاكلة بينهما في الزيبقية والكبريتية، وهذا ظاهر التعليل. وأغرب منه ما حكي في "اختصار الكائنات" للمعلم، أ، في البحر دابة كالأرنب، يتولد رأسها في حجر، إذا أخذ وأشير به إلى اللحم أو الحيوان انجذب حتى يلصق بالحجر. وفي أيضا أن شخصا نزل بأرض اللؤلؤ مما يلي جزيرة رامهرم، فوجد الشمس إذا أشرقت على أرضها ترتفع منها أشعة، ثم تتراقص أحجارها

стр. 98

وتضطرب حتى تجتمع، فإذا غربت الشمس افترقت الأحجار. وأما الأحجار. وأما الأيام والأجرام والبروج والكواكب والأجسام والدوائر فمتطابقة التأليف، متوافقة التكييف، قد تربعت جهة وريحا وأقطابا وطبعا، وتشعبت قوى وجوانب ونقصا وزيادة إلى غير ذلك، فمثالها في الإنسان اثني عشر مخرجا، عينان وأذنان، وفم ومنخران، وسرة وثديان وسبيلان، قد قيست بالبرج، ونفس بالشمس، إذ لا تزيد ولا تنقص، وعقل بالقمر في قبول الحالتين، والخمس الحواس بالخمس البواقي، وهكذا إلى درج في العروق ومفاصل بالجو زهرات، والكل خدمة بلسان الشرع ملائكة، ولسان الحكمة نفوس وعقول مجردة، وفرع أهل الرياضة والروحانيات والأرصاد على ذلك الاستخدام واستنزال الكواكب وتكليمها والطيران إليها وتحريك الجمادات، إلى غير ذلك مما يليق بهذا المحل، وهل ذلك إلا قوة عاشقية؟ فليعتبر أولو الأبصار، وليتذكر أولو الألباب، فسبحان من أوجد ذلك واستغنى عنه، وأثر فيه ومنه، ولا تفنيه الأوقات، ولا يعجزه اختلاف الأكوان. والأصل في المحاسن، والمطلوب عند العقلاء في كل مواطن، إنما هو إصلاح السرائر، وتهذيب البواطن لا الظواهر، وإنما ضم إصلاح الظاهر إلى ما ذكر طلبا لتحصيل الكمال، ودلالة في الأغلب على الاعتدال، ويتم الأول بتحسين المقاصد، وإصلاح العقائد، وقصر القلب على عتبات الحق الثابت من الكتاب والسنة في تلك المواقف، مستمدا بالمراصد، مستعدا للأوامر الإلهية، وتلقى ما في تلك الصحائف،

стр. 99

وذلك كما قال محقق المقول، ومهذب الفروع والأصول، جامع المراتب الظاهرة والباطنة، وقطب دائرة الكائنات في الدنيا والآخرة، والبدر التام في سماع الجلالة، والجزء الأخير من العلة التامة للرسالة، ﵌: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". وصلاحه استعداده لقبول ما يجب فعله وترك ما يجب تركه، وذلك متعذر إلا بعد الأخذ الأوفر من أمهات الأخلاق، وهي: الحكمة والشجاعة والمروءة والعدالة، فإنها لهذه الموارد كالأخلاط للمزاج إفراطا واعتدالا، وخير الأمور سلوك الاعتدال للسلامة، من الإفراط والتفريط اللاحقين لكل هذه، كالتهور والجبن، ولازم مما ذكرنا التخلق بالعفاف والزهد، والصدق، والورع، والتسليم والرضا بالقدر والقضاء، وهذه الخصال هي الداعية إلى حفظ ما به النظام من النفس والعقل والعرض والمال والدين، فإن المتخلق بها محال أن يقع منه قتل، أو أخذ ما يزيل عقله أو زنا أو تناول غير ما هو له، فهذه أصول السياسة ونظام المدينة، وموضع بسطها الحكمة، بل ملازمة الشريعة الحقة المطهرة، فقد أغنت عنها، فهذه الأخلاق التي لا أجدر من وصف المتخلق بالحسن والجمال. وأما المحاسن الظاهرة اللائق ذكرها بهذا المحل، وقد سبق مبحث فيه، فالعبارات عنها كثيرة، والألفاظ فيها غزيرة، والصحيح أنه معنى لا يدرك، ويختلف باختلاف

стр. 100

الأشخاص، ودقة الأنظار، وصحة التأدي إلى الأفكار، فلو لم يكن الحسن في نفس الأمر كذلك ما اختلف فيه العبارات، ولا كثرت فيه الاستعارات، ولا بالغ كل في تحصيله بجده، واعتقد التقصير عن حده، والخلاف إنما هو بالألفاظ، والمعنى المطلوب واحد، كما هو رأي أهل التحقيق من سائر الموارد، ومن ثم قال بعضهم: عباراتنا شتى وحسنك واحد ... وكل إلى ذاك الجمال يشير ولله در أستاذ عطر الوجود، فيض وجوده، واستمدت الكائنات من بحر فضله وجوده، حيث حقق هذا المعنى، وسبكه في أحسن مبنى، بقوله: فكم بين حذاق الجدال تنازع ... وما بين عشاق الجمال تنازع هذا هو الحسن العام، وقد اختلفت آراء الحذاق، وتشعبت مرادات العشاق، فمن ذاهب إلى الأفضل خزن الأسرار، وأن ذلك من فعل الأحرار. ومن قائل: إن إفشاءها يسر القلب، ويسري الكرب. ومن قائل بالتفصيل، وأن الإذاعة إلى المحبوب مطلوبة إذ هو الطبيب، وكتم العلة عنه تعذيب، وأما الإباحة لغيره فغير جائزة في مذهب المحبين، وفاعلها ممقوت ومن أكبر المذنبين، وهذا الطريق قد ادعى في "ديوان الصبابة" أنه الكاشف عن وجهه نقابه! ولا والله ما له فيه ذرة، ولم يكن ارتضع من هذا اللقح درة، بل أول من استنتج هذه الآراء المحررة، ودون هذه المذاهب المحبرة عمر بن الفارض ﵀، ثم لهج الناس بهذه الطرق.

стр. 101

والاحتيال على طيف الخيال أمر مهم عند أهل الغرام، يتوصل إليه بالمنام، وإنما تدعو الحاجة إليه عند طول الهجر وشدة الضجر، ومقاساة نار الملل والسهر، ومنهم من ذم النوم في قالب الاعتذار عن طيف الخيال، كأنه يقول: إن المنغصات في الدنيا لا تنفك عن الإنسان حتى في النوم، ألا ترى أن من يحلم بمحبوبه، أو شيء من مطلوبه، ينتبه فلا يرى إلا الأسف والقلق، وزيادة الحرق، وإن حلم أنه أحدث أو ضرب رأى ذلك في الصباح! ولما كان خيال المحبوب من التلذذات، لم يأت النوم به جريا على عوائد الزمان في الإتيان بغير الملائم للإنسان. فصل في أحوال العشاق وقد مضت أمثلتها في فصل أقسام العشاق، فهذا الفصل كالذيل له يفيد بعض فوائد جديدة، منها أحكام الليل والنهار، وذم قصرهما عند الوصل، وطولهما عند الهجر والنفار، وتمني طول زمن الوصل والرضا، وقصر الهجر وقطعه أسرع من القضا، وما تشعب في ذلك بين العشاق، وذهبوا كل مذهب على اختلاف الأذواق، وإنما أكثروا من ذكر الليل دون غيره لأنه محل سكون الحواس، وهدوء الأنفاس، وخلو النفس بعد انطباق مسالك التشعبات عنها،

стр. 102

فتستجلب الأفكار الخفيات، فيما مضى وما هو آت، وقلة الاعتلاق، ومحل التسلية عن الأشواق، اللهم إلا شخصا قد ملك الحب قياده، فلا يلهيه شيء ولا ينسيه مراده. ثم اشتهر على ألسنتهم من لوم العذول، وسوء عقله الذي أوقعه في الفضول، وكيف أدخل نفسه بين الأحباب، حتى انتقم منه أهل الآداب، فوجهوا إليه سنان اللسان والأقلام، فامتحن طعنا بكل نثر ونظام، فقد قيل: ليس من العدل، كثرة العذل، ومن تكلم بما لا يعنيه، سمع ما لا يرضيه. ومن لم يمسك عما استغنى عنه ن الكلام، فهو أحق بالملام. ثم أحكام الزيارة، وما جاء في فضلها من اليراعة والعبارة، وتفنن العشاق في فضل زيارة الحبيب، وإيثار النفس على نفائس الطيب. قيل: كان الشافعي ﵀ يكثر من زيارة أحمد، وكان أحمد يقل من زيارته هيبة له. فقيل للشافعي: إنك لتزوره أكثر وهو المحتاج إليك! فأنشد: قالوا يزورك أحمد وتزوره ... قلت الفضائل لا تفارق منزله إن زارني فبفضله أو زرته ... فلفضله فالفضل في الحالتين له وجعل عمر بن الفارض الزيارة تفضلا من المحبوب، ومنة منه على المحب، فسبحان واهب الفضل لمن أحسن في خدمته، وقام بحقوق محبته، وطيب الحبيب، غاية لا يدركها اللبيب، وذلك قوله: ولو عبقت في الشرق أنفاس طيبها ... وفي الغرب مزكوم لعاد له الشم

стр. 103

ومما يتخرج على الزيارة تخريج الفروع على الأصول، ويهتدي إلى إلحاقه بها أهل العقول، وما جرى على ألسنة الأحباب، ن أحوال العتاب، وانقسام الناس فيه إلى مادح له لتأكيده المحبة، وذام له بين الأحبة، والصحيح إنما كذب الناقل، وميز الحق من الباطل، وأكد الصحبة بعد النفور، وبين للحبيب الزور، فهو أحق بأن ينصر، ومنه يستكثر. قال في "إحياء علو الدين" ما معناه: إن العتاب شأ، أولي الألباب، وقاطع لقطيعة الأخلاء والأصحاب، وكان الرجل إذا وقع في نفسه من أخيه شيئا لم يهجره حتى يوضح له ذلك، فإن انتهى وإلا هجره، وإما عتاب يفضي إلى المقاطعة، ويحدث الهجر والممانعة، فتقريع يجب اجتنابه عقلا ونقلا، وتركه فصلا وأصلا، وقد قيل: من سوء الآداب، كثرة العتاب. ومن أمثالهم: العتاب مفتاح الوصال، قاطع للهجر والملال. وإن أفضل العتاب ما غرس العفو وأثمر المحبة، وعتب يوجب العفو والصفاء، أفضل من ترك يعقب الجفا. وقال علي كرم الله وجهه في تفسير قوله تعالى: (فاصفح فالصفح الجميل) [الحجر:٨٥] اعف واصفح من دون عتاب. وقال بعضهم: عتاب المحبين الذلة في الأعتاب وخدمة الأبواب. ومما يلحق بالعتاب ويصلح أن يكون معه في باب الصبر على تعنت المعشوق، وتجنيه على الصب المشوق، والصفح عن التجني حين يذوق جناه، ونسخ سخطه بظلمه ورضاه، وهو أصل عند العشاق يبني عليه، ويرجع في قواعد مذهب المحبين إليه، لا يصدهم عنه صد، ولا

стр. 104

تقفون من سيوف اللحظ عند حد، ولا تأخذهم فيه لومة لائم، ولا يعدون جور ما يرد من الظلم من المظالم. والهجر: عند أهل المحبة بعد الاستقصاء إلى أربعة أقسام: هجر الدلال: وهو الممدوح الصفات، المقصود بالذات، وسببه علم المحبوب بمكانته عند المحب، وأنه يتلذذ بالحسنة، ولا تغيره الحوادث على اختلاف الأزمنة، ولهذا إذا صفت مرآة أهل المحبة، اتحدوا في كل رتبة، فيقع لأحدهم بعد المبالغة في هذا الصفاء أن يعتقد ارتفاع الخلاف، واتصاف كل أحد بما عنده من الأوصاف. وهجر الملال: هو هجر منشأه الملازمة مع اختلاف الخصال، وتكون المحبة فيه غير عريقة، بل منشأها علة على الحقيقة، وسبه ما ذكر من الاختلاف، وتحري النفس طلب الاعتساف، وعلامته تأثير مباعدة المكان، وطول الأزمان، وعلاجه التحبب والتخلق بخلق المراد، وسلوك كل ما أراد، وربما محته الهدية، والملاطفة بالأخلاق المرضية والصفح مع حسن الصبر، والمجاوزة عن الزلة وإن عظم الأمر. وهجر الجزاء والمعاقبة: هو هجر سببه وقوع في ذنب ولو خطأ، وعلامته قبول الأوبة، عند صدق التوبة، وعلاجه تصديق الحبيب في دعواه، والنزول على حكمه والرضا بما يهواه، والاعتراف بالذنب وأن لم يكن صدر، وطلب لعفو ممن عليه قدر. والهجر الخلقي: وفيه حديث: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف". وهذا القسم والذي قبله

стр. 105

لا تعلق للعشاق بهما على ما اخترناه، وبعضهم يرى أن الثلاثة الأول من متعلقات العشق، ويجمع بين الكلامين بتفاوت المراتب. وهذا القسم لا علاج له أصلاً إلا بالإرادة الإلهية. ثم هجر المحب الصادق، قد يؤول الأمر فيه بالعاشق إلى أن يخرج كلامه مخرج الدعاء عليه، ويكون في الحقيقة ثناء لديه، وقد يستخير عند تمادي الجر وحكم الغرام حلول رمسه، فيجعل ذلك الدعاء على نفسه، ثم يتمادى الهجر ولا يسمع الدعاء، ويعز الوصل ويصعب الرضاء، فيأخذ العاشق في سح الدموع، والانحطاط من أوج الارتفاع إلى حضيض الخضوع، وأما نفي كدر الهم والصدود، باستجلاب الأماني والوعود، والتعلل بالأماني، والطمع في التهاني، فهو أصل انقسمت فيه العشاق إلى قسمين: قسم وفى له محبوبه، وحصل له بعد الوعد مطلوبه، وهو العزيز النادر، وغير الوافي الوافر، وقسم مات بغصته، وحالت المنية بينه وبين أمنيته، وانتهاز فرصته، وأعجب ما فيه أن الراضين به مع العلم بزوره أكثر العشاق، وأغلب من نودي عليه في هذه الأسواق، والمترسمة أكثروا في هذا الباب الأقوال، واختلفوا باختلاف الأحوال. ومن كلام أفلاطون: الأماني حلم المستيقظ، وسلوة المحروم. وقال غيره: التمني مؤنس، إن لم ينفعك فقد أنهاك. قيل لأعرابي: ما أمتع لذات الدنيا؟ قال: ممازحة الحبيب، ومحادثة الصديق، وأماني تقطع بها أيامك. وأما الرضا بالدون من المحبوب، والقناعة باليسر من المطلوب، وإن طال الوعد،

стр. 106

وكثر الخضوع، وامتد البعد، وانسكبت الدموع، فصفة العاشق القانع، الملي على نفسه المطامع، المنزه محبوبه عن التكليف، المشفق عليه من نحو التعنيف، وقد اتصف به جم غزير، عدوا فيه أقل القليل أكثر الكثير، وعكس هؤلاء من مد إلى المحبوب باعه، وأوسع آماله وأطماعه، فلم يرض إلا بامتزاج الأشباح، فضلاً عن الأرواح، والتأليف الذي لا يمكن تمييزه كالماء والراح، حتى يراهما واحداً في العين، الأحوال الذي يرى الشيء اثنين، وحاصل القضية انه يمكن الجمع بين أهل القناعة باليسير من المحبوب، ومن لم يقف على غاية في المطلوب، باختلاف الأمكنة وصفاء الأيام، والخلو ن نحو واش ونمام، ومجالس الورد النمام، فإن من الحزم انتهاز الفرص، ومن الحمق الوقوع في ضيق القفص، ومن صفا له الزمان فجبن عن مطلوبه، فهو زاهد في محبوبه، ومن رأى العوائق دون مرامه، فالحزم تقييد غرامه، ومن حالات العشاق مكابدة الأمور الصعاب، عند طلب رضا الأحباب، وخوض الأهوال، واستهلال قضاء الآجال، فضلاً عن بذل الأموال، ليحصل من حبوبه على مطلوبه، ويرضى باليسير كما سلف، ولو كان ذلك يقضي إلى التلف. وأعظم من ذلك الملازمة على ذكر المحبوب عند نزول البلاء. وتلف النفس وشدة الابتلاء.

стр. 107

خاتمة للشعراء مقاطيع فائقة، وأبيات رائقة، يشير مجموعها إلى جميع الأصول السابقة، وتترجم عنده بالغزل والنسيب، لإعراب مضمونها عن نحو محاسن الحبيب، وتهييجها الأشواق المستقرة، حيث يذكر الشعر والطرة، وتفصيلها لتلك الجملة، من حيث وصف الحجاب والمقلة، إثارة ما قر من البلبال، عند ذكر الوجنة والخال، واستمالتها نفوس الأحباب، عند ذكر الثغر والرضاب، وإتيانها بأعذب الموارد بعدما حال الصدر، إذا ذكر النهد والصدر، ونشر مطاوي الأشواق، إذا سمح مدح الخلخال والساق، إلى غير ذلك مما اقترحته أفكارهم الدقيقة اللطيفة، وتخيرته في هذا الباب أذهانهم الشريفة، وبها نختم هذا المورد اللطيف، وما يتعلق بالعشق من هذا التأليف. قال ابن نباتة المصري: أيها العاذل الغبي تأمل ... من غدا في صفاته القلب ذائب وتعجب لطرة وجبين ... إن في الليل والنهار عجائب ولابن المطران: ظباء أعارتها المها حسن مشيها ... كما قد أعارتها العيون الجآذر فمن حسن ذاك المشي جاءت وقبلت ... مواطئ من أقدامهن الغدائر ولحسام الدين الحاجري: ومهفهف من شعره وجبينه ... تغدو الورى في ظلمة وضياء

стр. 108

لا تنكروا الخال الذي في خده ... كل الشقيق بنقطة سوداء ولشمس الدين ابن العفيف: بدا وجهه من فوق أسمر قده ... وقد لاح من سود الذوائب في جنح فقلت: عجيباً! كيف لم يظهر الدجى ... وقد طلعت شمس النهار على رمح ولابن المعتز: سقتني في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خديها بغير رقيب فأمسيت في ليلين للشعر والدجى ... وشمسين من خمر وخد حبيب ولابن نباتة: وأغيد جارت في القلوب لحاظه ... وأسهرت الأجفان أجفانه الوسنى أجلى نظرا في حاجبيه وطرفه ... ترى السحر منه قاب قوسين أو أدنى ولعلاء الدين الوداعي: رمتني سود عينيه ... فأصمتني ولم تبطي وما في ذاك من بدع ... سهام الليل لا تخطي وللصلاح الصفدي: بسهم أجفانه رماني ... فذبت من هجره وبينه إن مت ما لي سواه خصم ... لأنه قاتلي بعينه

стр. 109

ولبدر الدين بن حبيب: عيناه قد شهدت بأنه مخطئ ... وأتت بخط عذاره تذكارا يا حاكم الحب اتئد في قتلي ... فالخط زور والشهود سكارى ولابن قلاقس: فوق خديك دليل ... أن نهديك ثمار ما اختفى الرمان إلا ... وتبدى الجلنار ولمظفر الأعمى: قبلته فتلظى جمر وجنته ... وفاح من عارضيه العنبر العبق وحال بينهما ماء ومن عجب ... لا ينطفي ذا ولا ذا منه يحترق ولبعضهم: فتنت بتركي حماني عناقه ... عقارب صدغيه على خده صرعى ألم تر أني كلما رمت لثمه ... تخيل لي من سحرها أنها تسعى ولابن الوردي: قال من أهواه: صف صدغي بما ... فيه توجيه وحببه إلي قلت: إن الصدغ لام قد كوى ... نصبها قلبي فهذا لام كي

стр. 110

ولابن نباتة المصري: لله خال على خد الحبيب له ... بالعاشقين كما شاء الهوى عبث أورثته حبه للقلب القتيل به ... وكان عهدي بأن الخال لا يرث ولبعضهم: غدا خاله رب الجمال لأنه ... على عرش كرسي الخدود قد استوى وأرسل في الأصداغ رسلا أعزة ... على فترة تدعو القلوب إلى الهوى وقال آخر: أبو طالب في كفه وبخده ... أبو لهب والقلب منه أبو جهل وبنتا شعيب مقلتاه وخاله ... إلى الصدغ موسى قد تولى إلى الظل وللدماميني: تحدث ليل عارضه بأني ... سأسلوه وينصرم المزار فقال جبينه لما تبدى ... كلام الليل يمحوه النهار
следующие страницы →