Полный текст (734 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
"وكان للعرب مع هذا معرفة بأوقات مطالع النجوم ومغاربها، وعلم بأنواء الكواكب وأمطارها على حسب ما أدركوا بفرط العناية وطول التجربة، لاحتياجهم لمعرفة ذلك في أسباب المعيشة لا على طول تعلم الحقائق، ولا على سبيل التدرب في العلوم".
"وأما جزيرة العرب فإن بحر الهند الكبير يصادرها من جنوبها، ويعانقها من غربها بخليج جدة الواصل إلى القلزم، ومن شرقها بخليج فارس الواصل إلى البصرة، ولا تبقى لها طريق متصل إلى البر إلا ما هو من جهة الشمال حيث بلاد الشام".
قال البيهقي: ودون هذه الجزيرة العربية على السواحل والحد المتصل بالبر خمسة آلاف وأربعمائة ميل، فلا يستوفي الراكب ذرع نطاقها إلا في مقدار نصف سنة؛ وفي نحو ذلك يقطع النصف من المعمور من الأرض. فاعلم مقدار ما أخذته هذه الجزيرة العربية من مساحة الأرض، وما حازته هذه الأمة منها. ثم إنها لم تقتنع بها في الجاهلية بل خرجت منها إلى العراق والجزيرة والشام، وكان لها بها ديار معلومة. وأما في الإسلام فلم تكد أمة تسلم من الاستيلاء على أرضها إن شاركتها فيها.
وللناس كلام كثير في تفضيل العرب، وكلام أيضاً في تفضيل العجم عليهم. ويعرف الذين يفضلون العجم بالشعوبية. وما تقف عليه من أخبارهم وآثارهم وكلامهم في جاهليتهم وإسلامهم يغنيك عن الإطناب.
стр. 37
وأكثر ما تعيبهم به الشعوبية قلة اهتمامهم بالمباني والمعاقل، وأن معظمهم أهل خيام وإبل مجبولين على الغارات وسفك الدماء وطلب الثأر.
والسهم المصيب في جواب من استهدف للغض منهم بالاهمال في البوادي أنهم جبلوا على إطعام الطعام، وإعداد القرى لمن يجتاز بهم من المرتادين والسالكين من أخلاط الفرق الذين يشيعون بالذكر بذلك في كل مكان يحلونه ويمرون به. وذلك لا يتمكن في الحاضرة كما يتمكن في البادية. وقد ملأوا أشعارهم برفع النيران للضيفان، واستدلالهم بنباح الكلاب، وما أشبه ذلك من خواص البادية. ويكفي من التمثل في ذلك قول إمامهم في هذا الشأن:
الليل فيه ظلمة وقر
فشعشع النيران يا شمر
عل يرى نارك من يمر
إن جلبت ضيفاً فأنت حر
وأيضاً فإن سكان البادية عذرهم أبسط في تقديم ما يتيسر للضيف كألبان الغنم، وصيد الغلاة، وغير ذلك لا يلزمهم التقيد بالتجمل الذي يلزم أهل الحاضرة، ويؤدي إلى الامتناع من إظهار القليل إذا أعوز الكثير.
стр. 38
قال البيهقي: وديار العرب جمهورها كما قال شاعرهم:
بأودية أسافلهن روض ... وأعلاها إذا خفنا حصون
وأخبرني النجم الريحاني، وزير أبي عزيز صاحب مكة، أنه أشير على أبي عزيز أن يشيد له قصراً تظهر عليه أبهة الملك، ويكون منه اعتناء في تشييد سوق مكة، فقال: نحن أمة أسوارنا سيوفنا، ومعاقلنا خيولنا، وقد قال شاعرنا:
ونحن أناس لا حصون بأرضنا ... نلوذ بها إلا السيوف القواضب
ثم أطرق ساعة وقال:
إذا افتخر الأعاجم بابتناء ... تميل به إذا بلي الدعائم
فان بناءنا أبداً جديد ... دعامه مشيدات المكارم
ويحكي أن أنوشروان ملك الفرس عاب على بعض العرب تجولهم في أقطار الأرض، وقلة سكناهم في المباني، فقال: ذلك لأنا ملكنا الأرض ولم تملكنا. وهذه من البلاغة العجيبة.
стр. 39
القسم الثاني
تاريخ الغرب العاربة وهم القحطانية في حال الجاهلية
стр. 40
ذكروا في معرفتهم بالعرب من أجل أنهم ينتسبون إلى
يعرب بن قحطان بن هود ﵇ بن عابر بن شالخ ابن أرفخشد بن سام، هكذا في كتاب التيجان لابن هشام، وفي مروج الذهب وغيره: يعرب بن قحطان بن عابر المذكور.
وكثير من النسابين يجعلون العرب العاربة من ولد إسماعيل ابن إبراهيم، قال المسعودي: ويستدلون بقول النبي ﵇ للأنصار: "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً". وإنما نسبهم من جهة الأمهات، و"سائر قحطان تأبى النسبة إلى إسماعيل وتنكر هذا القول" إلى الآن.
وعرفت بنو قحطان بالعاربة؛ لأنهم أعربوا كلامهم، وقالوا الأشعار الحسنة بخرف المبلبلة البائدة.
قحطان بن هود عليه السرم
قيل: إنه أول من ملك اليمن، وأول من تتوج، وإنه الذي حارب بني يافث وبني سام على جزيرة العرب حتى طردهم عنها وحازها دونهم.
وزحف النمرود بن كنعان بن مازيغ بن كنعان ابن حام ملك أرض كنعان إلى البيت، فقاتل العمالقة، فأقبل عليه قحكان بن هود، وكان قد دوخ البلاد إلى
стр. 41
سمرقند على ما ذكره صاحب التيجان، فأخذ قحطان النمرود أسيراً وصلبه على بيت المقدس.
ولما مات قحطان صار الملك إلى ابنه:
يعرب بن قحطان
وقد ذكر الأكثرون - ومنهم صاحب تواريخ الأمم، وصاحب المعارف: إنه "أول من نطق البينة، وأول من تتوج باليمن، وحياه بنوه تحية الملك، وهي: أبيت اللعن، وأنعم صباحا".
قال ابن هشام صاحب كتاب التيجان الذي صنعه في الملوك المتوجة من حمير: "إن يعرب هو الذي خرج بالعرب إلى اليمن، ونزلها، فسميت به لأن اسمه يمن".
قال البيهقي: يعرب أول من تكلم بالعربية المبينة، وخرج عن نمط العرب المبلبلة، وكان له ولنسله الظفر، فأورثهم الله بلاد اليمن. وكان منهم الملوك التبابعة الذين دوخوا أقطار الأرض. ولهم الشرف على العدنانية بهذا القدر، والعدنانية تفخر عليهم بالنبوة المحمدية.
ومن التيجان: "كان بنو حام لما تبلبلت الألسن قد سبقوا إلى الأرض العالية من اليمن وغيرها، ثم جاورهم القوط من بني يافث".
стр. 42
"ثم أتى هود النبي ﵇ آت في المنام وهو ببابل، فقال له: إذا (حدثت) رائحة المسك لأحد ولدك من ناحية من النواحي فليتبعها، حتى إذا ركدت عنه فلينزل فذلك مستقره، ولله فيه علم وقضاء مكنون. فقص الرؤية على ولده وقومه، وعاد له الآتي في الليلة الثانية، وأكد عليه ذلك".
"ثم إن يعرب بن قحطان وجد رائحة المسك، فقال له جده هود: أنت أيمن ولدي، مر فإذا سكنت الرائحة فانزل على اليمن والايمان فإنها خير وطن، وجاور بيت الله بأحسن جوار".
"فسار يعرب بمن تبعه من بني قحطان وبني عابر ومن خف معه من بني أرفخشد في جميع عظيم من وجوه بابل، وكان أحسن غلام ببابل، فنطق حينئذ بالعربية البينة، والناس مختلطو الألسن قد تبلبلوا، فقال يعرب:
أنا الغلام ذو النصيب الأجزل
الأيمن المعروف بالتجمل
أنا ابن قحطان الهمام الأقيل
أعربت والأمة في تبلبل
? بالمنطق الأبين غير المشكل
ومنطق الأملاك بعدي الكمل
стр. 43
قال: وأراد بالكمل التبابعة من ولده. ثم قال:
يا قوم سيروا في الرعيل الأول
فحظنا الأوفر غير الأرذل
ثم بشر بالنبي ﵇، فقال:
محمد الهادي النبي المرسل
لله در الماجد المستقبل
قال: "ثم سكنت رائحة المسك على رأس العالية من أرض اليمن، فنزل بجوار بني حام، وتشاجروا فغلب يعرب، ونفاهم إلى غربي الأرض. فأتاه القوط من بني يافث مذعنين له، فأمرهم بالإقامة، ورفع عنهم الخراج الذي كانوا يؤدونه لبني حام".
قال: "وأقام يعرب هنالك يغرس ويجري الأنهار. وكان أول من قال الشعر في العرب ووزنه، وتفنن في أعاريضه وأنواعه: فمدح وافتخر وتغزل، فتعلم منه إخوته وبنو عمه، فوصل ذلك إلى المقيمين ببابل وغيرها، فأعجبهم الشعر، وحسدوا يعرب وأصحابه على ما هم فيه. فيقال: إن ذلك كان سبب خروج عاد من أرض بابل، ونزولها بجوار اليمن في الأحقاب".
стр. 44
قال: "وكان يعرب يرى الأسباب في نومه، فأتاه آت ودلة على معدن الذهب في أرض برهوت، وبشرقية معدن لجين، ثم أخرج معادن كثيرة جوهرية باليمن، وبلغ ذلك عاداً فحسدته، وطمعت في أرضه، فوقعت الحرب بينهم، فهزمهم على بارق، وقال في ذلك شعراً منه:
لعمري لقد أودت بعاد وملكهم ... سيوف بني قحطان في يوم بارق
قال: "وحج يعرب مع أبيه قحطان وجده هود والبيت غير مبني، فأراد يعرب أن يبنيه، فنبهه هود على أن بانيه إبراهيم ﵇، فتركه".
ثم إن يعرب نفى بني يافث عن أرض العرب، وولى إخوته على البلاد، واستقل بالملك بعد أبيه، وطال عمره إلى أن مات.
وذكر صاحب التيجان: "أنه كان ليعرب عشرة إخوة هو أكبرهم وأرأسهم؛ والمشهورون منهم جرهم وعاد وناعم وأيمن وحضرموت. فولى على الحجاز جرهم بن قحطان فورثها ولده. وهي جرهم الثانية أخوال العدنانية، وسنذكر
стр. 45
دولتهم. وولى على بلاد عاد الأولى، وهي الشحر، عاد بن قحطان. وقيل: إنه ولاه أيضاً على بابل لما صارت له، وقيل: إن عاد بن قحطان هم عاد الثانية. وولى على بلاد حضرموت حضرموت بن قحطان فسميت باسمه وتناسل ولده إلى اليوم. وولى على عمان ناعم بن قحطان، وقيل: إن اسمه عمان وبه سميت. وولى على اليمن أيمن بن قحطان، قيل: وبه سميت. وقد قيل: إن ذلك اسم ليعرب.
قال: واشتغل يعرب بالخروب وتدويخ الأرض، وصار في مرتبة ملك الملوك".
стр. 46
دولة التبابعة
وهم اليمانية الخالصة من بني يعرب
ذكر البيهقي: أن يعرب لما قسم الممالك بين إخوته أعطى المملكة العظمى وهي اليمن لابنه يمن، وهو يشجب ابن يعرب. قال: ويمن اسمه، وإنما لقب يشجب لسقم طال به. قال: واختص اليمن بسرير السلطنة؛ لأنه أعظم بلاد جزيرة العرب به الأنهار والمعادن وخيرات البر والبحر والجبال لتي تبنى فيها المعاقل، وصار من يملك اليمن له عمود الملك، وهو تبع الذي تتبعه الممالك والملوك.
قال: وقد قيل: إن يعرب سمى ابنه يمن بتبع لهذه العلة، وبقيت تلك سمة لكل ملك منهم تكون له المملكة الكبرى. وقد قيل: إن سمة تبع كانت لمن يملك اليمن وتتبعه حضرموت، وهذا هذيان، إنما وضعت لمن يملك اليمن وتتبعه ممالك أرض العرب.
قال: وكان لهم الأقيال، وهم مثل المرازبة عند الفرس، يولونهم على الولايات العظيمة، ولا يكلم الملك غيرهم.
وقد قيل: إن الأذواء فوقهم، وإن الملوك الذين كانوا يلون الجهات، فتنسب إليهم، فيقال: ذو رعين، وذو أصبح. والأقيال بعدهم، وهم بمنزلة الأمراء والقواد.
ولهم أوضاع مستحسنة في ترتيب مراتبهم. "ومن كتاب الأكليل لأبي محمد الهمداني المؤلف في أخبار حمير أن ملوكها لم يكونوا يستعملون من قوادهم، ولا يصرفون من
стр. 47
كفاتهم إلا من عرفوا مولده، ووجدوا أدلته من البروج والكواكب موافقة لأدلتهم ومشاكلة لها. وأنهم كانوا إذا أرادوا غزو أمة من الأمم تخيروا لذلك الأوقات السعيدة، والطوالع المشاكلة لمواليدهم، والملائمة لنصب دولتهم، ومكثوا في ارتيادها الأزمان الطويلة حتى تمكنهم على اختيارهم فكانوا يبلغون بها حيث شاءوا من المراتب العلية والمنازل الرفيعة من الظفر بالأعداء وبعد الصيت في البلاد.
وأما ما توصف به بلادهم فأخبرني كمال الدين بن فارس - وكان في خدمة الملك المسعود بن أيوب: أن اليمن تشتمل على ثلاثة آلاف حصن، وأن أوديتها تحدق بها جبال معظمها لا يدخل إليه إلا من جهة واحدة، وعلى فمه حصنان من الجانبين يمنع الداخل إليه. والسكر فيها كثير، وأنواع الفواكه والخيرات.
يمن بن يعرب
ذكر البيهقي أنه أول ملوك اليمانية التبابعة، وقد قيل: إن أول المتوجة، وأن يعرب وقحطان لم يتتوجا.
ولما ولي بعد أبيه أطاعه أعمامه وأهل بلاده، ثم إنه لزمه سقم طويل عرف من أجله بيشجب. ولما كثر احتجاجه صارت أعمامه مستقلة بما في أيديها، واضطربت المملكة، فلم يطل عمره، ومات والبلاد مضطربة.
стр. 48
عبد شمس بن يشجب
ذكر صاحب التيجان: "انه ولي الملك بعد أبيه، وكان أمر بني قحطان قد خرج، فقام فيهم، وتكلم بخطبة بليغة، قال فيها: يا بني قحطان إنكم إن لم تقاتلوا الناس قاتلوكم، وإن لم تغزوهم غزوكم، ولم يغز قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا".
"ثم نهض إلى أرض بابل حتى بلغ أرمينية، وبنى قنطرة سنجة على نهر الساجور الخارج في أرض الشام من الفرات، وهي من آثار الدنيا العجيبة، وجاز عليها إلى ما أراده من بلاد الشام. وسار إلى مصر، وبنى بها مدينة عين شمس الجليلة الآثار".
"وكان يعبد الشمس، ودان بذلك بنوه من بعده، فكان يبني الهياكل لها حيث اختار. وولي على مصر ابنه بابليون، وبه سميت أرض مصر: بابليون، وإلى اليوم تعرفها الروم بذلك".
قال ابن هشام: "ولما بنى مدينة عين شمس قال لابنه: إني بنيتها لتكون صلة بين المشرق والمغرب. وأوصى ابنه وخاطبه بهذا الشعر:
стр. 49
ألا قل لبابليون والعقل حكمة ... ملكت زمام الشرق والغرب فاعدل
وخذ لبني حام من الأمر وسطه ... وإن صدفوا يوماً عن الحق أقبل
ولا تأخذن المال من غير وجهه ... فانك إن تأخذه بالرفق يسهل
قال: "ورجع إلى اليمن وقد سبى خلقا كثيراً فسمى: سبأ، وبني السد الذي ذكره الله في كتابه، وفجر إليه سبعين نهراً، وساق إليه السيول من أمد بعيد".
"ولما بلغ خمسمائة عام أشرف على الموت، وكان له من الولد عدد عظيم غير أن الملك صار لحمير".
ومن واجب الأدب أن آباءه كانوا قد حلوا العالية وبنوا هنالك، فارتاد سبأ موضع مدينة مأرب، وبناها ونزل بها، وعرفت بمدينة سبأ.
قال السهيلي في الروض الأنف: "ويقال: إن مأرب كان لقبا للملك الذي يلي اليمن، أن تبعا للملك الذي يلي اليمن وتتبعه حضرموت والشحر".
стр. 50
قال ابن قتيبة: "وإنما لقب سبأ لأنه أول من سبى السبي من ولد قحطان".
قال البيهقي: وقد قيل: إن مأرب قصر الملك، والملك والمدينة سميا باسم الملك. وكان لسبأ عدد كثير من الولد والعقب؛ والذكر والملك لولدين: حمير وكهلان ابني سبأ.
حمير بن سبأ
ذكر صاحب التيجان أنه لم يكن لسبأ على كثره ولده من يستقبل بملكه إلا حمير، ثم نسق التبابعة والمتوجين من بنيه.
قال البيهقي: ملك بعد أبيه، ونزل مدينة مأرب، واحتذى حذو أبيه في تدويخ الأرض، وأخذ الملك بالغلبة.
قال صاحب التيجان: "ورثى حمير أباه بهذا الشعر، وهو أول رثاء قيل في الدنيا من شعر العرب:
عجبت ليومك ماذا فعل ... وسلطان ذكرك كيف انتقل
جريت مع الدهر إطلاقه ... ونلت من الملك ما لم ينل
стр. 51
وحملك العزم ثقل الأمور ... فقام بها ناهضاً واستقل
قال: "وغزا شرقاً وغرباً، وأخرج ثمود من أرض اليمن إلى آخر الحجاز".
قال: "وحمير أول من كتب بالقلم المسند، وتسمى بذلك لأنه مسند عن جبريل. وبلغ عامة الأرض، وبلغ عمره أربعمائة عام وخمسة وأربعين عاماً. ولما احتضر قال شعراً منه:
غدر الزمان بعهد ملكك فانقضى ... وبعبد شمس قبل ذاك وسام"
واثل بن حمير
ذكر صاحب التيجان: "أنه ملك بعد أبيه، وكان أول من نزل قصر غمدان بظاهر صنعاء وبناه، ثم نزلته الملوك بعده". وقد قيل: إن الدهاء بني غمدان هيكلا على اسم الزهرة، وخربه في الإسلام عثمان بن عفان.
قال البيهقي: وبنى مدينة صنعاء للصناع فسميت بصنعاء، وعليها كلام كثير: فقد قيل: إن أول من بناها عاد ابن عوص من المبلبلة، وإنها أول حائط صنع باليمن.
стр. 52
وذكر الهروي في المزارات: "أن بصنعاء مسجد سام بن نوح".
قال ابن هشام: "وكان لواثل بن حمير حزم ومحاربات مع أخيه مالك بن حمير الظاهر عليه في عمان. ثم مات مالك، وولي بعده ابنه مصاعد بن مالك، وحاربه واثل إلى أن مات واثل بحسرة محاربته.
قال البيهقي: ذكر أصحاب السير اليمانية أن واثلا لما مات أخوه مالك قال: قد دفع الله عنا من كان يشاركنا في مرتبتنا فلا نقدر أن ندفعه، وليس يقوم بعده من نبالي به. وقال في ذلك شعراً على جهة الشماتة منه:
تولى مالك فالأرض أرضي ... وما لي في المعالي من مسام
وقد كنا بمنزلة سواء ... ورثنا المجد عن أبناء سام
فمن يطلب سواه مقام عز ... تزل خطاه عن ذاك المقام
ثم إن قضاعة نهض بما كان ينهض به أبوه، وحارب واثلا عمه، وظهر له منه ما لم يكن يقدره، فيقال: إنه مات أسفاً من ذلك.
السكسك بن واثل
ولي بعد أبيه وتتوج. قال ابن هشام: "وكان حازماً، وسمي: مقعقع العمد؛ لأنه كان إذا غلب على من
стр. 53
ناوأه هدم بناءه، وغير آثاره. وأول ما ولي زاحف قضاعة الخارج على أبيه بعمان، فغلب على قضاعة، وأخرجه من اليمن". فلذلك سكن بنوه في أطراف الحجاز، وعدهم بعض النسابين من المعدية.
قال: "ولما اجتمع له ملك، وعلا أمره، خرج من جزيرة العرب، وغلب على الشام. ولقيه عمرو بن امرئ القيس بن بابليون بن سبأ صاحب مصر بالهدايا، ومت إليه بالقرابة، فتركه واليا عليها وعلى غيرها من بلاد الغرب. وأقر له بالطاعة بنو عبد ياليل الجرهميون ملوك الحرم، وكذلك طسم ملوك اليمامة. وعاد إلى قتال بابل، فمات في طريقه، فافترق ملك اليمن على ملوك شتى".
يعفر بن السكسك
ولي التبعية بعد أبيه، وتتوج وكان حديث السن، واشتغل بمزاحفة الخوارج عليه. ولم يطل عمره، ولا قرت بالملك عينه، ومرج أبو حمير بعد موته، وطالت كل يد إلى الملك.
ذو رياش
عامر بن باران بن عوف بن حمير
ذكر صاحب التيجان: "أنه كان بالبحرين من ملوك الأطراف، فزحف إلى غمدان مقر السلطنة، واستولى عليه
стр. 54
ونزله، ولم يكن ينزله إلا من استحق اسم تبع. ومكن له الملك بأن يعفر لما مات لم يترك ولداً ظاهراً فيستحق الملك، بل ترك
النعمان بن يعفر في بطن أمه، ووضع التاج على بطنها. وترقب الناس ذلك المولود، فغصب ذو رياش التبعية، وأخرج الملك عن بني واثل بعدما تأثل فيهم. وحمل النعمان لما ولد في يد ذي رياش، فحبسه في قصر غمدان. واشتغل ذو رياش بمحاربة ملوك الطوائف باليمن على التبعية، فمنهم من انقاد له، ومنهم من اشتغل بحربة. فبينا هو في محاربة مالك بن إلحاب بن قضاعة، ملك عمان، إذ وصله الخبر بأن النعمان بن يعفر قد استمال الحرس فنقبوا السجن وخرجوا به، وجمع بني حمير ودعاهم إلى نصرته على طلب ملك أبيه، فقاموا معه، واستوسق له الملك.
النعمان بن يعفر
ابن السكسك بن واثل بن حمير. كان يقول الأشعار في حبسه، ويتعلل باليمن إلى أن تخلص على ما تقدم.
ولما سمع بقيام ذو رياش سقط في يده، وندم على تركه في الحياة، وجد في قتال مالك بن إلحاف حتى هزمه وطرده من عمان. ثم أقبل إلى غمدان، فاستقبله النعمان بن يعفر بالمشلل وأمره في جدته وإقباله، فهزمه
стр. 55
النعمان، وأخذه أسيراً، وحبسه في الموضع الذي كان قد حبسه فيه، وقال: حبس بحبس والبادئ أظلم، وقال شعراً منه:
إذا أنت عافرت الأمور بقدرة ... بلغت معالي الأقدمين المقاول
فلقب بالمعافر.
"وسار إلى بابل فغلب عليها، ثم سار إلى خرسان، ودوخ البلاد وقتل الملوك وتغلب، ثم نزل مكة فتلقاه بقيلة بن مضاض الجرهمي من بيت الله المتوارث فأقره، ثم رجع إلى غمدان".
"وكان ذو رياش قد خرجت عليه حية في الحبس فمارسها، فلدغته فمات".
"ثم مات المعافر بقصر غمدان، وقال لقومه: إذا مت فلا تضجعوني فيتضجع ملككم، ولكن اقبروني قائماً، فلا يزال ملككم قائماً مادمت كذلك".
قال صاحب التيجان: "ووجد في مدة سليمان بن عبد الملك في مغارة باليمن وهو قائم، ولديه مال جسيم من الجوهر والذهب والسلاح، وعلى رأسه سارية فيها مكتوب بالحميرية: أنا المعافر بن يعفر، عشت ثلاثمائة عام، وملكت البلاد، فلم يغن ذلك عني شيئاً".
стр. 56
قال البيهقي: وللمعافر أشعار كثيرة قالها في حبسه، منها:
إذا أبصرت نجمي في السماء ... رجعت إلى الأماني والرجاء
لعل الله يأتيني بملك ... يسرحني إلى رحب الفضاء
فأقتنص المعالي من أناس ... أقاموا والبهائم بالسواء
وأبني كل ما قد هدموه ... وأنهض عازماً تحت اللواء
أسمح بن المعافر
ولي بعد أبيه فلم تكن له نجدة، وكان يقال له: لواء الرمل؛ لأنه لم يقم منه مقام ما، فتفرقت كلمة بني قحطان على ملوك لم ينته إلى عددهم. وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: والذي نفسي بيده، ما حمير في الدنيا إلا كالأنف بين العينين؛ لقد ملكت على الدنيا منهم عشرون ملكاً، وكان منهم سبعون ملكاً غير الأقيال والأذواء والمقاول والعباهلة والمباهلة.
شداد بن عاد
ابن الملطاط بن عبد شمس بن واثل بن حمير. ذكر صاحب التيجان: "أن الملك استقام في بني قحطان، واجتمع بعد أسمح لشداد بن عاد هذا، ولقي الأمر بالحزم، وداس
стр. 57
الأرض إلى أن بلغ أقصى المغرب وأهلك ملوكه. ثم سار إلى التبت، وبنى المدائن والمصانع، وأبقى الآثار العظيمة. وأقام بالمغرب مائتي عام، ثم رجع إلى الشرق. وأنف أن يدخل غمدان، فمضى إلى مأرب، وبنى القصر العتيق الذي قيل: إنه إرم ذات العماد، وجمع من أقطار الأرض جميع جوهر الدنيا وذخائرها ومعادنا وجعل ذلك فيها، ورصعها بطرائفه، وجعل أرضها زجاجاً أبيض وأحمر وغير ذلك من الألوان البديعة، وجعل أسرابا أفاض إليها الماء من السد الذي صنعه، فكان قصراً لم ير في الدنيا مثله".
ولما مات فتحت له مغارة في جبل شمام باليمن ودفن فيها، وجعل هنالك جميع ذخائره.
وفي شأن هذه المغارة خبر طويل مختصره: أنه كان باليمن في الجاهلية رجل من عاد بن قحطان، يقال له: الهميسع، وكان صعلوكاً فاتكأ، فاهتدى إلى هذه المغارة مع رفيقين له، فرأوا وحشة عظيمة، ونظروا مكتوباً على باب الكهف الأول بالحميرية:
لا يدخل الكهف إلا ذو مخاطرة ... أو جاهل بدخول الكهف مغرور
إن الذي عنده الآجال حاضرة ... موكل بالذي يغشاه مأمور
стр. 58
قال: ففر أحدهم جزءاً، ثم دخل الاثنان، فآل الأمر بهما إلى أن نظرا إلى حيات تصفر، وباب أعظم من الباب الأول وخلفه دوي عظيم وحنش هائل، وعلى ذلك الباب بالحميرية:
انظر لرجلك لا تزل فإنما ... حتم الحمام إلى الغرير يساق
يا ساكني جبلي شمام لعله ... يوفي بما عاهدتم الميثاق
قوموا إلى الإنسي قومة ثائر ... فلعله قد حان منه فراق
فولى الآخر هارباً، وتجاسر [الهميسع] حتى دخل الباب الثالث، فبرز تنني عظيم أحمر العينين فاتح فاه، فولى الهميسع هارباً فسكن حس التنين، فعلم أنه طلسم إذ لو كان حيواناً لتبعه، فرجع إليه، وصبر قلبه عليه، فقلع عينيه فإذا هما ياقوتتان لا قيمة لهما. ودخل البيت فإذا في وسطه سرير من ذهب، وعليه شيخ على رأسه تاج من ذهب معلق بسقف البيت مرصع بأصناف اليواقيت، وعلى رأسه لوح من ذهب فيه مكتوب: أنا شداد بن عاد، عشت خمسمائة عام، وافتضضت ألف بكر، وقتلت ألف مبارز، وركبت ألف جواد، [وهأنذا] حيث أنا. وتحت مكتوب:
стр. 59
يا ويح شداد بن عاد أصبحت ... آماله مهزومة الأقدام
يامن رآني إنني لك عبرة ... من بعد ملك الدهر والأعوام
فكأنني ضيف ترحل مسرعاً ... وكأنني حلم من الأحلام
ثم وجد لوحاً آخر فيه مكتوب: أنا حبة، وهذه أختي لبة بنتا شداد بن عاد، أتت علينا أزمات طلبنا فيها صاعاً من بر بصاع من در فلم نجده.
فأخذ الهميسع ما وجده، وفاز به.
أخوه لقمان بن عاد
من التيجان: "ولي بعد أخيه، وهو تبع متوج، وأعطاه الله قوة مائة رجل، وبصر مائة رجل، وكان طوالا لا يقاربه أحد من أهل زمانه".
ويقال: "إنه كان نبياً غير مرسل. قال وهب بن منبه: "لقيت عامة من العلماء يقولون إن ذا القرنين ولقمان ودانيال أنبياء غير مرسلين، وعامة يقولون: عباد صالحون".
قال وهب: وتسمية حمير الرائش؛ لأنه راشهم وأحسن إليهم، وكان متواضعاً لله، ولم يتتوج على عادة من كان قبله من الملوك. وكان يدعو قبل كل صلاة وفي عقبها، فيقول:
стр. 60
اللهم يا رب البحار الخضر
والأرض ذات النبت بعد القطر
سألك عمراً فوق كل عمر
فنودي: قد أجيبت دعوتك، وأعطيت سؤلك ولكن لا سبيل إلى الخلد. وخير في أشياء فاختار بقاء سبعة أنسر كلما هلك نسر أعقب من بعده نسر. فيذكر أنه عاش ألفي سنة وأربعمائة سنة، وكان يأخذ الفرخ من النسور من وكره، فيربيه، وهو يطير مع النسور ويرجع إليه".
وفي أثناء ذلك دانت له الأرض، وعز ملكه. ثم إن بني كركر بن عاد بن قحطان عتوا في أطراف اليمن وكفروا، فحاربتهم القبائل وأجلتهم، فسار بهم رئيسهم السميدع إلى لقمان برجز أوله:
سيروا بني كركر في البلاد ... لنهتدي فالخير في الرشاد
ثم وصلوا إلى لقمان وآمنوا على يده، وأقاموا في جواره إلى أن عشق السميدع سيدهم سوداء بنت مامة زوج لقمان، وشاور خواصه في أمرها، فعزموا على أن يجمعوا بينها وبينه، فقال عمرو الكركري أحد شعرائهم شعراً منه:
стр. 61
أفي كل عام سبة تحد ثونها ... ورأي على غير الطريقة يعبر
فضربه السميدع، ففر منه هارباً.
وجاءوا إلى لقمان وقالوا له: إننا نتوقع الحرب فيما بيننا، وقد أردنا أن نخبئ سلاحنا عندك في كهفك - وكان يتعبد فيه هو وزوجته. قالوا: فإن نحن سارعنا إلى الحرب لم يكن لنا سلاح حاضر. فأنعم لهم بذلك، فجاءوا بسلاحهم وفي طيها السميدع، فجعل في الكهف.
فلما خرج لقمان خرج إليها، فقالت له سوداء: من أنت؟ فأخبرها بشأنه، فأمكنته من نفسها، ثم أطعمته وسقته وردته إلى مكانه.
ولم يزل على ذلك إلى أن كان في بعض الأيام، فرقد على سرير لقمان، ثم تنخم نخامة، فألقاها في سقف البيت، فالتصقت هنالك. ثم إن لقمان أتى وألقى نفسه على سريره، ورفع بصره ونظر إلى النخامة، فقال للمرأة: من بصق هذه البصقة؟ قالت: أنا! قال: فابصقي، فبصقت فلم تدرك السقف. فقال: من السلاح أتيت! ثم بادر إليه فأخرجه.
(قال البيهقي: فقالت له: لا تقتله فإنه أخي، فقال: "رب أخ لك لم تلده أمه"، فسارت مثلا) .
стр. 62
وأخرجهما وقرنهما، ورمى بهما من أعل الجبل، ثم أمر الناس أن يرجموهما بالحجارة، فكان أول من رجم في الزناء وأخرج بني كركر من جواره.
قال: ويقال: أن النسر الآخر من السبعة الأنسر التي سأل أن يعيش على قدر عمرها عاش ألف سنة، واسمه لبد، فعندما مات مات لقمان.
وقالت العرب: "أختي أبد على لبد". وضربت العرب بذلك الأمثال في أشعارها. ولعظم موقع لقمان بن عاد في النفوس قال الشاعر:
تراه يطوف الآفاق حرصاً ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
وكان مسكنه بمأرب، "ودفن بالأحقاب بجوار قبر هود ﵇".
ذو شدد بن عاد
ذكر صاحب التيجان أنه ولي التبعية بعد أخيه لقمان، وتتوج، وأخذ الملك أخذاً شديداً، واستمرت سيرته على الشدة والقهر إلى أن مات.
стр. 63
ابنه الرائش الحارث بن ذي شدد
يقال له: الرائش الأصغر، ويعرف أيضاً بذي مراثد. وهنا اختلاف كثير بين المصنفين. ومن الرائش الحارث ابتدأ ابن قتيبة في المعارف بعد حمير بن سبأ، وكلك الأصفهاني في طبقات تواريخ الأمم.
وقال ابن قتيبة: "إن الملك لم يزل في ولد حمير بعده، لكن ملكهم لا يعدو اليمن، ولا يغزو أحد منهم حتى مضت قرون، وصار الملك إلى الرائش الحارث، فكان أول من غزا منهم وأصاب الغنائم، وأدخلها اليمن، فسمي: الرائش، لأنه راش الناس بتلك النعم.
وقال الأصفهاني: "هو تبع الأول، وكان الملك قبله مقسماً بين صاحب سبأ وصاحب حضرموت وغيرهما، فاجتمع له ذلك، وتبعه الجميع، فقيل له: تبع". وذكر انه كان بينه وبين حمير خمسة عشر أباً، وذكر نسبه على هذه الصورة: الحارث [بن قيس] بن صيفي بن سبأ الأصغر.
والاعتماد على ما ذكره ابن هشام في التيجان عن علماء اليمن، وهو عمود الترتيب الذي بنينا عليه.
وكان لقب الملك قبله من ملوك اليمن: مأرب، باسم المدينة التي كانوا ينزلونها، إلى أن تبع أهل اليمن وحضرموت الرائش الحارث، فعرف بتبع، فجرى عليهم هذا الاسم.
стр. 64
قال صاحب التيجان: "كان قد غزا الهند قبل الرائش من ملوكهم أربعة: سبأ، وحمير، وواثل، والسكسك. وأبقوا عليهم خراجاً يحملونه إلى اليمن. فلما ولي الرائش، وجاءته هدايا الهند، رأى فيها من العجائب واللطائف ما حمله على غزو الهند، فوصل إليها، وبنى فيها مدينة سماها: الرائش". قال: "وهي مدينة الهند العظمى التي تسميها الهند: الرائد، وبها ملكهم إلى اليوم".
"وأوقع بالسند، ودوخ أذربيجان وأرمينية، وقابلته ملوك الأرض بما يقابل به الملوك العظماء، وكتب على صخور في الأقطار ما سنح لخاطره، فكان من ذلك:
يا جازعاً أرض خراسان ... ملججاً في أرض تركان
ومنه: إن الرائش ذا مراثد، سيد الأوابد، بلغ من الدنيا أمله، وبقي ينتظر أجله.
ثم نزل غمدان، ومات عن مائة عام وخمسة وأربعين عاماً".
стр. 65
ابنه ذو القرنين الصعب بن الرائش
حكى صاحب التيجان عن وهب بن منبه أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: حدثوا عن حمير فإن في أحاديثها عجائب، ومن أعجبها حديث ذي القرنين.
وقد اختلف فيه اختلافاً كثيراً: فقيل: كان نبياً، وقيل كان ملكاً إلا أنه كان صالحاً مصدعا له بلطف الله، وقيل: كان من العرب، وقيل: كان من العجم. ثم اختلف في أي العجم كان، فتجاذبته الأمم لعلو ذكره كل أمة تدعي أنه منها.
والاعتماد في شأنه على ما ذكره صاحب التيجان، قال: "سئل ابن عباس ﵁ عن ذي القرنين من هو؟ فقال: من حمير، وهو الصعب بن ذي مراثد الذي مكنه الله في الأرض، وأتاه من كل شيء سببا، فبلغ قرني الشمس، وداس الأرض، وبني السد على يأجوج ومأجوج. قيل له: فالإسكندر؟ قال: كان رجلاً رومياً صالحاً حكيماً بنى على البحر مناراً، ودوخ المغرب، وبنى فيه المدن والمصانع". وقد فخرت التبابعة بأن جدهما ذو القرنين، وذكرت ذلك في أشعارها.
قال: وكان ذو القرنين قد رأى في منامه ما أوجب موعظته ورجوعه عما كان عليه من التجبر الذي لم يسبقه إليه أحد من الملوك، فتواضع لله، وعدل ورجع عما كان عليه.
стр. 66
ثم رأى في منامه أنه أخذ الشمس بيمينه، والقمر بشماله، والدراري تتبعه. ثم رأى أنه يأكل الأرضين وقد اشتد عطشه، فشرب البحار بحراً بحراً حتى أتى على السبعة الأبحر، ثم أقبل على البحر المحيط فشربه، فلما أمعن فيه بلغ إلى طين وحمأة سوداء، فلم يسغ له فتركه.
ثم أفاق، ثم رأى أن جميع الحيوان قد حشرت له، فذكر ذلك لأصحابه، فقال له شيخ منهم: لا يفسر لك ما رأيت إلا نبي من ولد إسحق بن إبراهيم بالبيت المقدس. فسار ذو القرنين بجنوده إليه بعدما أمر بعمود من رخام عند مدينة مأرب، فنقش فيه.
إذا كان الإمام يحيف جوراً ... وقاضي الأرض يدهن في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويل ... لقاضي الأرض من قاضي السماء
ثم دخل بجنوده إلى الحرم، فمشى فيه حافياً".
ثم ذكر الجوزي وغيره من المؤرخين أنه اجتمع بالحرم مع إبراهيم الخليل ﵇.
واجتمع بالخضر ببيت المقدس، فقال للخضر: أيوحى إليك؟ قال: نعم يا ذا القرنين! قال: ما هذا الاسم الذي دعوتني به؟ فقال له: أنت صاحب قرني الشمس. ثم ذكر له الرؤيا. ففسرها عليه بما تقضي له بملك الدنيا، والبلوغ إلى العين الحمئة، والانتهاء إلى الظلمة. وكان الخضر
стр. 67
يوحي إليه في أمر ذي القرنين فيبلغه، فقال له الخضر: أمرت أن تسير إلى المغرب، وتبلغ وداي الياقوت.
فسارا وداسا الأمم وذو القرنين يقتل ويسبي. ومر على سودان زرق العيون، وعلى أخر آذانهم كآذان الجمال، ثم على أخر آذن الرجل منهم من أعلى رأسه إلى [ذقنه] ، وغلب على أرض السودان، وجلب منهم مما بين يدي عسكره.
ثم جاز إلى الأندلس، فغلب على أقطارها. ثم رام ركوب البحر المحيط، فرأى الرياح تعلو بموجه كالجبال، فبنى هنالك منارة نحاس عقد بها عاصفات الرياح. ثم سكن البحر، ولان ركوبه حتى انتهى إلى عين الشمس "فوجدها تغرب في عين حمئة"، ووجد دونها جزائر فيها أمم لا يفقهون ما يقال لهم، فأراد قتلهم، فقال له الخضر: "إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً.. (الآية) ثم أتبع سبباً"، وهو المنام يراه فيفسره له الخضر. فسار حتى بلغ أرض الرمل، فأقبلت الشمس حتى وقعت في العين الحمئة، فكاد يهلك هو ومن معه من وجبة الشمس. ووجد وادي الرمل يسيل بالرمال كالجبال، فرام أن يعبره فلم يطق، فأقام عليه أربعة أيام حتى دخل عليه السبت
стр. 68
فسبت، وقدم بين يديه آلافا ليعبروه، فهلكوا ولم يرجع منهم أحد.
ثم أتبع سببا، وسار مع وادي الرمل حتى بلغ الظلمة، فسار ليله ونهاره سواء، وعين الشمس تسقط خلفه حتى شق واديا تزلق فيه الخيل وجميع ما معهم من الدواب، فقال له أصحابه: يا ذا القرنين، ما هذا؟ قال: هذا شيء من أخذ منه ندم، ومن تركه ندم! فساروا فيه أياماً إلى أن أشرق عليهم مكانهم، وفاض نور الصخرة، ونظروا لما حملوا معهم من ذلك الوادي فإذا هو ياقوت، فندم من حمل منه على كونه لم يستكثر منه، ومن لم يحمل ندم على كونه ضيع ما تركه خلفه.
ثم دنا ليرقى على الصخرة فاضطربت، فرجع عنها فسكنت. ثم رقي عليها الخضر فسكنت، ولم يزل يرقى وذو القرنين ينظر إليه إلى أن غاب. وناداه مناد: امض أمامك، واشرب وتطهر فإنها عين الحياة! وإنك تعمر إلى يوم النفخ في الصور، ويموت أهل السموات والأرض، وتذوق أنت الموت حقاً! فشرب وتطهر ورجع فأعلم بذلك ذا القرنين، وقال له: ليس بعد هذا مزيد لا لإنس ولا جان.
ثم أتبع سببا، ونودي بالمسير إلى مطلع الشمس، فسار ونزل على قصر المجدل وهو قصر عابر بن شالخ، فرأى من عجائبه أن يرى من داخل القصر من هو خارجه، فقال فيه. ثم أمر أن يكتب عليه شعراً فيه:
стр. 69
نزلنا من قرى الصخر ... على القصر فقلناه
فمن سال عن القصر ... فمبني وجدناه
ثم سار حتى بلغ نهاوند، فاعترضته جبال شاهقة وشعاب عظيمة، فقيل له: إن هذه الشعاب تنقل إلى جابلقا وجابرصا، وشعب إلى بلخا وحابلجا وأرض يأجوج ومأجوج، وشعب إلى خرسان، فأخذ على شعب جابرصا وغلب على من كان بها، وعطف على باب الأبواب، وهو سماه بذلك وقال:
جزعنا الشرق والغرب ... وجزنا باب أبواب
وأيدنا من الغيب ... بآيات وأسباب
وفي الأمر تصاريف ... وآيات لألباب
وعلم فوق علام ... وغلاب لغلاب
стр. 70
وكان قد أعطاه الله كل لسان يكلم به جميع من يمر عليه، فبلغ يأجوج ومأجوج فقاتلهم فغلبهم، وأتى منه بأمة يقال لهم: بنو علجان بن يافث، فتركهم في ناحية منقطعة، ومضى إلى الشمال فسموا الترك، وبلغ في الشمال الأرض الهامدة فافتتحها - وهي أرض مبسوطة لا تلعة فيها ولا رابية - ثم بلغ جزائر البحر الزوراء التي تزاور عنها الشمس عند طلوعها، فوجد عندها قوماً صغار الوجوه مشعرين كأنهم قرود، لا يظهرون إلا بالليل، ثم وجد قوماً من يأجوج سوداً وجوههم كوجوه الخنازير، وهم في مطلع الشمس لا يظهرون إلا بالليل من شدة الحر، كما قال تعال: " [ثم أتبع) سببا. حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا".
ثم ركب البحر المحيط فسار فيه حولا كاملا حتى ترك الشمس عن يمينه. ولجج الظلمات، فوصل إلى أرض بيضاء كالثلج لا ينبت فيها شيء، وعليها ضوء كضوء الشمس يخطف الأبصار، وهي أرض الفضة البيضاء. فلم تستطع الدواب [أن] تمشي عليها، فسار وحده أياماً حتى بلغ إلى دار بيضاء وعليها رجل أبيض واقف، فقال له: أين تريد يا ذا القرنين؟ لم تكفك أرض الجن والأنس حتى انتهيت إلى أرض الملائكة؟ وكان على سطح الدار رجل قد أخذ في فمه شيئاً كقرن، أراد الله بذلك أن يري ذا القرنين كيف ينفخ إسرافيل في الصور، وأعلمه بذلك الملك، وقال له: ارجع فليس لك من مدخل. وأعطاه عنقوداً من عنب أكل منه جميع عسكره ولم ينقص منه
стр. 71
شيء، فكان ذلك مما زاد أصحابه فيه يقينا. ثم وزن الحجر بجميع جواهر الأرض من حديد وغيره والحجر يرجح. وكان الخضر في ذلك كله معه، فقال له الخضر: هذا الحجر مثل لعينك لا يملأها شيء من جميع ما في الأرض، ولكن يملأها هذا - وغرف قبضة من تراب فحملها في كفة والحجر في كفة، فرجح التراب.
وبنى ذو القرنين السد على ما هو مذكور. ويقال: إنه مسيرة سبعة أشهر، قال: ثم دوخ الأرض، وداس الهند والسند وانثنى راجعاً إلى بابل، فتغلب على من بها. ورأى بها في الأسباب أنه يموت، وأعلمه الخضر بذلك، فقال في ذلك شعراً طويلاً، يصف فيه ما لقي من الأمم، وما جال من الأقطار، ثم مات بالعراق.
وغاب الخضر، فلم يظهر لأحد بعده إلا لموسى بن عمران ﵉. وقد تقدمت ترجمة الخضر.
ودفن ذو القرنين عند قراقر في طريق الحجاز. وذكر صاحب التيجان أنه ينسب إلى ذي القرنين الشعر المشهور:
стр. 72
منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي
ومنه في وصف عسكره:
وبألف ألف كالنجوم لهم ... [زجل] كأسراب القطا الهمس
والصعب ذو القرنين يقدمها ... لصلاح أرض الترك والفرس
وأنشد لها شعراً منه:
جررت كماة الشرق والغرب ظاهراً ... على موج يم مزبد متلاطم
عقدت بعنق الريح عقداً يكنها ... فأمسك عن مجرى المدى المتلاطم
ابنه ذو المنار أبرهة بن ذي القرنين
ذكر صاحب التيجان "أنه ولي بعد أبيه، واسمه بالحبشية أبرهة، ومعناه: وجه أبيض. وكان وسيماً جميلاً من التبابعة المتوجين، وتولع بتدويخ الأرض والضرب في البلاد، فظهرت له الزمردة، وهي حية ذات رأسين عظيمة السم لا يشبهها شيء من الحيوان المسموم، وهي تظهر بالنهار وتسكن بالليل. فجل يسري في الليل ويعرس بالنهار خوفاً منها، فكثر ضلال عساكره، فأمرهم باشعال النيران على رؤوس الجبال
стр. 73
وهو أول من فعل ذلك، فاهتدت بذلك عساكره، وعرف بذي المتار".
وذكر صاحب التيجان "أنه عشقته امرأة جنية من الجن الذين كانوا يسكنون بوادي الجن عند المشلل من أرض اليمامة، وكان من نزل بذلك الوادي أحرقته الجن، فخطبها من أبيها فزوجها منه، فولدت له العبد ذا الأشعار وعمراً ذا الأذعار". وقد أنكر هذا جماعة من العلماء، وقالوا: إن الجن لا تناسل من الأنس، وإنما هذا حديث ينقل على ما تداولته الألسن.
وقد اختلف في ذي المنار واسمه واسم أبيه: فذكر ابن قتيبة أنه "ذو المنار أبرهة بن الحرث بن الرائش"، وقال: "إنما عرف بذلك لأنه ضرب المنار على طريقه في مغازية ليهتدي بها إذا رجع. وكان ملكه مائة وثلاثاً وثمانين سنة". وقال صاحب تواريخ الأمم: "هو ذو المنار أبرهة بن الحرث الرائش". وقال السهيلي في الروض الأنف: "إن المنار هو شمر بن الأملوك".
وكان من حمير، وهو الذي بنى مدينة ظفار، ولا يقال ذمار، وقيل: المدينة ظفار وأرضها ذمار.
стр. 74
وذكر صاحب تواريخ الأمم "أن شمر بن الأملاك كان في زمان موسى ﵇، وكان يدين لمنوجهر ملك الفرس، وهو الذي بنى ظفار باليمن، وأخرج من كان بها من العماليق". وكذلك ذكر الجوزي في المنتظم.
وأنشد صاحب الكمائم من شعر ذي المنار في الجنية التي عشقها:
ألا من لعين لا تنام عن التي ... وهبت لها قلبي ولم أعط نائلا
من الجن إلا أن سيماء وجهها ... من الملأ العلوي يسبي المقاولا
أخوه ذو الأشعار العبد بن ذي المنار
هكذا ذكر صاحب التيجان: ملك من بعد أبيه، ولم يطل ملكه، وإنما سمي ذا الأشعار لأنه كان عليه شعر كثير قد ملأ جسده. ولم يطل ملكه، ولا ورخ له خبر.
أخوه ذو الأذعار عمرو بن ذي المنار
قال صاحب التيجان: "لما ولي عمرو قهر الناس وجار عليهم وذعرهم، فسموه بذي الأذعار".
وقال صاحب المعارف: سمي بذلك أنه "غزا بلاد النسناس، فقتل منهم مقتلة عظيمة، ورجع إلى اليمن من
стр. 75
سبيهم بقوم وجوههم في صورهم، فذعر الناس منهم، فسمي ذا الأذعار؛ وكان هذا في زمان أبيه. فلما ملك أصابه الفالج فذهب شقة، فقل غزوه. وكان ملكه خمسا وعشرين سنة".
قال ابن هشام: "ولما أفرط ذو الأذعار في الجور، وشرد الناس عن أوطانهم، وجعل يسم كل من يسخط عليه من أبناء الملوك بالنار، كرهت حمير دولته، وجهدت في تغييرها".
قال صاحب الكمائم: ذو الأذعار هو الذي ظهر في غمدان، وقاتل بلقيس حتى ضعفت عنه، ثم تحيلت عليه بأن تزوجته، فقتلته وملكت.
ومن شعره قوله وهو في النزاع:
حسبت بأني أخدع الناس كلهم ... فمال بعقلي أضعف الناس جانبا
وأمسيت ملقى ضاع ملكي بعدما ... تركت حديد الهند مني ذائبا
شر حبيل بن عمرو بن غالب
ابن المنتاب بن زيد بن يعفر بن السكسك بن واثل بن حمير. ذكر صاحب التيجان "أن ذا الأذعار لما كرهته حمير خلعت طاعته، وقلدت الملك شر حبيل المذكور، فقام
следующие страницы →