Полный текст (88 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الاثنان واحداً، فبقي أن يكون التشبيه إنما يقع بين شيئين بينهما اشتراك في معان تعمهما ويوصفان بها، وافتراق في أشياء ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه بصفتها، وإذا كان الأمر كذلك، فأحسن التشبيه هو ما وقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها، حتى يدنى بهما إلى حال الاتحاد.
ومما جاء من التشبيهات الحسان قول يزيد بن عوف العليمي يذكر صوت جرع رجل قراه اللبن:
فعبَّ دخالاً جرعُه متواترٌ ... كوقْع السحابِ بالطراف الممددِ
فهذا المشبه نما شبه صوت الجرع بصوت المطر على الخباء الذي من أدم، ومن جودته أنه لما كانت الأصوات تختلف، وكان اختلافها إنما هو بحسب الأجسام التي تحدث الأصوات اصطكاكها، فليس يدفع أ، اللبن وعصب المرئ اللذين حدث عن اصطكاكهما صوت الجرع قريب الشبه من الأديم الموتر والماء اللذين حدث عن اصطكاكهما صوت المطر.
وعند سلوك هذه السبيل في تعرف جودة التشبيه يستجاد قول جبهاء الأشجعي في تشبيه صوت حلب عنز بصوت الكير إذا نفخ:
كأنَّ أجيجَ الكيرِ إرزامُ شخبها ... إذا امتاحهَا في محلبِ الحيِّ مائحُ
وقد قال أوس بن حجر يشبه ارتفاع أصواتهم في الحرب تارة، وهمودها وانقطاعها تارة، بصوت التي تجاهد أمر الولادة:
لنا صرخةٌ ثم إسكاتةٌ ... كما طرقتْ بنفاسٍ بكرْ
ولم يرد المشتبه في هذا الموضع نفس الصوت، وإنما أراد حاله في أزمان مقاطع الصرخات، وإذا نظر في ذلك وجد السبب الذي وفق بين الصوتين واحداً، وهو مجاهدة المشقة والاستعانة على الألم بالتمديد في الصرخة.
ومن جيد التشبيه قول الشماخ يذكر لواذ الثعلب من العقاب:
تلوذُ ثعالبُ الشرفينِ منها ... كما لاذ الغريمُ من التبِيع
وقد يختلف اللوذان بحسب اختلاف اللائذين، فأما التبيع فهو ملح في طلب الغريم لفائدة يرومها منه، والغريم بحسب ذلك مجتهد في الروغان واللواذ خوفاً من
стр. 37
مكروه يلحقه، وكذلك الثعلب والعقاب سواء، لأن العقاب ترجو شبعها، والثعلب يخاف موته.
وقال الشماخ:
كأنَّ على أوراكِها من لُعابه ... وخيفةَ خطمىٍّ بماءِ مرجرجِ
فشبه لعاب الفحل إذا ظهر على أوراك الأتن عند كدمه إياها بالخطمى، وهو شبيه به في قوام الثخن وفي الرغوة وفي اللون أيضاً، وذلك أن الحمار إنما يكثر كدمه الأتن في الربيع عند خضمه الرطب وأشره في ذلك الوقت.
وقد أحسن الشماخ أيضاً في قوله حين شبه أضلاع الناقة وبرى السير إياها بالقسي الموترة:
وقربتُ مبراةً كأنَّ ضلوعَها ... من الماسخياتِ القسيِّ الموتَّرا
فقد أحسن الشماخ في هذا التشبيه من قبل اجتماع الأضلاع والقسي الموترة في الشكل والتوتر بالأعصاب والأوتار، ولم يرد إلا الشكل فقط، وقد أتى على ما فيه.
ولابن أحمر الباهلي يذكر قلب الفرس عند الحركة السريعة:
حتَّى صبحْنا طاوِياً ذا شرةٍ ... وفؤادُه زجلٌ كعزف الهدهدِ
فتواتر نبض قلب الفرس إذا تحرك قريب الشبه من تواتر حركة عزف الهدهد.
وللمرار:
لها قلاصُ نعامٍ يرتعين بها ... كأنهنَّ سبيٌّ لابسُو الهدمِ
فما أحسن ما شبه انسدال فواضل ريش النعام بانسدال الأطمار الرثة على اللابس لها، ولا سيما السبي، فإن في مشيهم أعجمية تشبه مشي النعام، وفي ألوان ثيابهم قتمة من الدرن تشبه قتمة ريش النعام، ففي الشيئين اشتراك في معان كثيرة.
وقد يقع في التشبيه تصرف إلى وجوه تستحسن، فمنها: أن تجمع تشبيهات كثيرة في بيت واحد وألفاظ يسيرة، كما قال امرؤ القيس:
له أيطَلا ظبيٍ وساقاً نعامةٍ ... وإرخاءُ سرحانِ وتقريبُ تتفلِ
فأتى بأربعة أشياء مشبهة بأربعة أشياء، وذلك أن مخرج قوله: له أيطلا ظبي، إنما هو على أن له أيطلين كأيطلي ظبي، وكذا ساقين كساقي نعامة، وإرخاء
стр. 38
كإرخاء السرحان، وتقريب كتقريب التنفل.
ومنها: أن يشبه شيء بأشياء في بيت أو لفظ قصير، وذلك كما قال امرؤ القيس:
وتَعْطو برخصٍ غيرِ شثنِ كأنَّه ... أساريعُ ظبيٍ أو مساويكُ إسحلِ
ومنها: أن يشبه شيء في تصرف أحواله بأشياء تشبهه في تلك الأحوال، كما قال امرؤ القيس يصف الدرع في حال طيها:
ومشدودةَ السكِّ موضونةً ... تضاءلُ في الطيِّ كالمبردِ
ثم وصفها في حال النشر في هذه الأبيات فقال:
تفيضُ على المرءِ أردانُها ... كفيضِ الآتيِّ على الجدجدِ
وكما قال يزيد بن الطثرية يشبه رأسه في حال كون الجمة عليه وبعد حلق ثور أخيه إياها:
فأصبحَ رأسِي كالصخيرةِ أشرفتْ ... علَيها عقابٌ ثم طارتُ عقابُها
فقد أحسن يزيد في هذا البيت، حيث تصرف فيه في التشبيه، وأحسن أيضاً في تشبيه رأسه بعد الحلق بالصخرة، وذلك أنه قريب منها في الضخامة والملامسة واللون المائل إلى الخضرة.
وقد قال بعضهم في مثل ذلك:
جلاميدُ أملاءُ الأكفِّ كأنَّها ... رؤوسُ رجالٍ حلقتْ في المواسمِ
وقال الحسين بن مطير الأسدي، يشبه أفعال رجل مات وكان جواداً:
فتىً عيشَ في معروفِه بعدَ موتِه ... كما كانَ بعدَ السيْل مجرَاه مرتَعا
التصرف في التشبيه
ومن أبواب التصرف في التشبيه أن يكون الشعراء قد لزموا طريقاً واحداً في تشبيه شيء بشيء، فيأتي الشاعر من تشبيهه بغير الطريق التي أخذ فيها عامة الشعراء.
مثال ذلك أن أكثر الشعراء يشبهون الخوذ بالبيض، كما قال سلامة بن جندل:
كأنَّ النعامَ باض فوق رؤسهمْ ... بنهيِ القذافِ أو بنهيٍ مخفقِ
وقال معقر البارقي:
كأنَّ نعامَ الدوِّ باضَ عليهمُ ... وأعينهمْ تحت الحبيك الجواحرُ
стр. 39
وأكثر الشعراء يلتزمون هذا التشبيه.
قال أبو شجاع أحد بني سلامان بن مفرج من الأزد:
فلم أرَ إلا الخيلَ تعدُو كأنمَا ... سنورهَا فوق الرؤوسِ الكواكبُ
وربما كان الشعراء يأخذون في تشبيه شيء بشيء، والشبه بين هذين الشيئين من جهة ما، فيأتي شاعر آخر بتشبيه من جهة أخرى، فيكون ذلك تصرفاً أيضاً.
مثال ذلك أن جل الشعراء يشبهون الدرع بالغدير الذي تصفقه الرياح، كما قال أوس بن حجر:
وأملسَ صوليَّاً كنهيِ قرارَةٍ ... أحسَّ بقاعٍ نفحَ ريحٍ فأجْفَلا
وقال آخر:
وعلىَّ سابغةُ الذيولِ كأنهَا ... سوقُ الجنوب حبابَ نهيٍ مفرطِ
وكثير من الشعراء ينحون في تشبيه الدروع هذا المنحى، وإنما يذهبون إلى الشكل، وذلك ن الريح تفعل بالماء في تركيبها إياه بعضاً على بعض ما يشبهه في حال التشكيل بحال الدرع في مثل هذا الشكل، فقال سلامة بن جندل عادلاً عن تشبيه الشكل إلى تشبيه اللين، وذلك أن اللين من دلائل جودة الدرع لصغر قتيرها وحلقها:
فألقًوا لنا أرسانً كل نجيبةٍ ... وسابغةٍ كأنهًا متن خرنق
وقال يذكر بريقها، وهو وجه غير الوجهين الأولين:
مداخلةٍ منْ نسجِ داؤدَ سكُّها ... كمنكب ضاحٍ من عمايةَ مشرقِ
ومن التشبيه الجيد للحكم الخضري يصف غليان القدر بما فيها من قطع اللحم:
كأنَّ جذولَ الناب فيها إذا غلتْ ... دعاميصُ تخشى صائِداً فتعومُ
ولقيس بن زهير:
كأنَّ خذاريفَ السواعدِ بيننا ... مغالي غواة يلعبونَ بها لعبَا
وللزفيان أحد بني عوافة بن سعد بن زيد:
وقد سقوهنَّ سجَالاً فاستقوْا ... منْ أجنٍ كأنهنَّ الزنبقُ
ثم لنتبع القول في التشبيه القول في الوصف.
стр. 40
نعت الوصف
أقول: الوصف إنما هو ذكر الشيء بما فيه من الأحوال والهيئات، ولما كان أكثر وصف الشعراء إنما يقع على الأشياء المركبة من ضروب المعاني، كان أحسنهم وصفاً من أتى في شعره بأكثر المعاني التي الموصوف مركب منها، ثم بأظهرها فيه وأولاها، حتى يحكيه بشعره، ويمثله للحس بنعته.
فمن ذلك قول الشماخ يصف أرضاً تسير النبالة فيها:
خلتْ غيرَ آثارِ الأراجيلِ ترتمِي ... تقعقعُ في الآباط منها وفاضهَا
فقد أتى في هذا البيت بذكر الرجالة وبين أفعالها بقوله: ترتمي، وعن الحال في مقدار سيرها بوصفه تقعقع الوفاض، إذ كان في ذلك دليل على أنه الهرولة أو نحوها من ضروب السير، ودل أيضاً على الموضع الذي حملت فيه هذه الرجالة الوفاض، وهي أوعية السهام، حيث قال: في الآباط، فاستوعب أكثر هيئات النبالة، وأتى في صفاتها بأولاها وأظهرها عليها وحكاها، حتى كأن سامع قوله يراها.
ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي يصف حال السيل عند إقلاع السحاب وسكون المطر:
لكلِّ مسيلٍ من تهامَةَ بعد ما ... تقطعَ أقرانُ السحابِ عجيجُ
ومنه قول رجل من هذيل يصف حال القوم في الحرب عند الجلاد:
كغماغمٍ الثيرانٍ بينهمٌ ... ضربٌ تغمضٌ دونهُ الحدقُ
ومثله قول معاوية بن خليل النصري، من نصر بن قعين، يذكر نباهة حيه، وأنه أشهر من حذلم، حي آخر:
فنحن الثريَّا وعيوقهَا ... ونحنُ السماكانِ والمرزمُ
وأنتم كواكبُ مجهولةٌ ... تُرى في السماءِ ولا تعلمُ
ولدريد بن الصمة يصف آثار خيل وإبل، اطردها فنجا بها:
ألا هلْ أتاهُ ما ركبنا جيادَه ... ومَا قد عقرنَا من صفيٍّ ومن قرمِ
وأصبحنَ قد جاوزنَ أسفلَ ذي حُساً ... وآثارهَا فوقَ المضيح كالرقمِ
стр. 41
ولعبد الرحمن بن عبد الله، المعروف، بالقس يصف إصغاء السامعين إلى الغناء الحسن المطرب، وهو في سلامة:
إذا ما عجَّ مزهرُها إليها ... وعاجتْ نحوهُ أذنٌ كرامُ
فأصغْوا نحوهَا الأسماعَ حتَّى ... كأنهمُ وما نامُوا نيامُ
وللمرار بن منقذ أحد بلعدوية يصف، الفرس الكريم:
ذو مراحٍ فإذا وقرتهُ ... فذلولٌ حسنُ الخلقِ يسرْ
وليزيد بن مالك الغامدي يصف فعل سنابك الخيل في الأرض:
يثرنَ بسهلِ الأرضِ مما يطسنَه ... عجاجاً وبالصفاحِ نارَ الحباحبِ
ولعدي بن الرقاع العاملي يصف فعل سنابك الحمارين إذا عدوا:
يتعاورانِ من الغبار ملاءةً ... غبراءَ محكمةً همَا نسجاهَا
تطوَى إذا علوَا مكاناً ناشِزاً ... وإذا السنابكُ أسهلتْ نشراهَا
ولذي الرمة:
ترىَ الخودَ يكرهنَ الرياحَ إذا جرتْ ... ومىٌّ بها لولا التحرجُ تفرحُ
إذا ضربتْها الريحُ في المرْط أشرفَت ... روادفُها وانضمَّ منها الموشحُ
ولنتبع القول في الوصف القول في النسيب.
نعت النسيب
أقول: إن كثيراً من الناس يحتاج إلى أن يعلم أولاً ما النسيب، ونحنن نحده فنقول: إن النسيب ذكر الشاعر خلق النساء وأخلاقهن، وتصرف أحوال الهوى به معهن.
وقد يذهب على قوم أيضاً موضع الفرق ما بين النسيب والغزل، والفرق بينهما أن الغزل هو المعنى الذي إذا اعتقده الإنسان في الصبوة إلى النساء نسب بهن من أجله، فكأن النسيب ذكر الغزل، والغزل المعنى نفسه، والغزل إنما هو التصابي والاستهتار بمودات النساء، ويقال في الإنسان: إنه غزل، إذا كان متشكلاً بالصورة التي تليق بالنساء، وتجانس موافقاتهن لحاجته
стр. 42
إلى الوجه الذي يجذبهن إلى أن يملن إليه، والذي يميلهن إليه هو الشمائل الخلوة، والمعاطف الظريفة، والحركات اللطيفة، والكلام المستعذب، والمزاح المستغرب، ويقال لمن يتعاطى هذا المذهب من الرجال والنساء: متشاج، وإنما هو متفاعل من الشجا، أي متشبه بمن قد شجاه الحب.
وإذ قد بان أن الذي قلناه على ما قلنا، فيجب أن يكون النسيب الذي يتم به الغرض هو ما كثرت فيه الأدلة على التهالك في الصبابة، وتظاهرت فيه الشواهد على إفراط الوجد واللوعة، وما كان فيه من التصابي والرقة، أكثر مما يكون فيه من الخشن والجلادة، ومن الخشوع والذلة، أكثر مما يكون فيه من الإباء والعز، وأن يكون جماع الأمر ما ضاد التحفظ والعزيمة، ووافق الانحلال والرخاوة، فإذا كان النسيب كذلك فهو المصاب به الغرض.
وقد يدخل في النسيب التشوق والتذكر لمعاهد الأحبة بالرياح الهابة، والبروق اللامعة، والحمائم الهاتفة، والخيالات الطائفة، وآثار الديار العافية، وأشخاص الأطلال الداثرة.
وجميع ذلك إذا ذكر احتيج أن تكون فيه أدلة على عظيم الحسرة، ومرمض الأسف والمنازعة، ولست أذكر متى سمعت في التشوق بآثار الديار أوجز ولا أجمع ولا أدل على لاعج الشوق ومكمد الوجه من قول محمد بن عبيد السلاماني أحد، بني سلامان بن مفرج من الأزد:
فلم تدعِ الأرواحُ والماءُ والبلَى ... من الدار إلا ما يشوقُ ويشغفُ
ولعمري ان عمرو بن أحمر الباهلي قد أوجز وأبان عن شديد تشوق وعظيم تحسر بقوله:
معارفُ تلوى بالفؤاد وإن تقلْ ... لها بينِي لي حاجةً لم تكلمِ
فأما قوله: إنها لم تكلم، فهو تجاهل الهائم وتدله الواله، فإنه قد يحتاج إلى أن يكون في شعر الوامق التحير وآية التلدد.
وممن شاقته المنازل صخر الخضري، وقد مر على ربع كانت خلته كأس تحله، فقال:
بليتُ كما يبلَى الرداءُ ولا أرَى ... جناباً ولا أكنافَ ذروةَ تخلقُ
ألوِّى حيازيميِ بهنَّ صبابةً ... كما يتلوى الحيةُ المتشرقُ
وممن شافه البرق، فأحسن وصف ما يثيره من الشوق: حبيش ابن نطر العامري، حيث يقول ويذكر خفقان قلبه:
стр. 43
أجدَّك ما يبدو لك البرقُ مرَّة ... من الدَّهر إلا ماءُ عينيكَ يذرفُ
وقلبك من فرطِ اشتياقٍ كأنهُ ... يَدا لامعٍ أو طائرٌ يتصرفُ
ولرجل من عبس:
إذا الله أسقَى دمنتينِ ببلدةٍ ... من الأرض سقيَا رحمةٍ فسقاهُما
نزلنَا بهذِي نزلةً ثمَّ نزلةً ... بهذِي فطابَ المنزلانِ كلاهمَا
فبتُّ أشيمُ البرقَ مرتفِقاً به ... يداً عن يدٍ حتَّى ونَى منكباهُما
وقال الشماخ:
رأيتُ سنَا برقٍ فقلتُ لِصاحبي ... بعيدٌ بفلجٍ ما رأيتُ سحيقُ
فباتَ مهماً لي يذكِّرني الهوَى ... كأنِّي لبرقٍ بالحجازِ صديقُ
وباتَ فؤادِي مستخفاً كأنَّه ... خوافِي عقابٍ بالجناحِ خفوقُ
فأما النسيب نفسه فقد تقدمت أوصافنا له.
ومما أختم به القول أن المحسن من الشعراء فيه، هو الذي يصف من أحوال ما يجده ما يعلم به كل ذي وجد حاضر أو دائر أنه يجد أو قد وجد مثله، حتى يكون للشاعر فضيلة الشعر.
فمن ذلك قول أبي الصخر الهذلي، فإنه يصف ما أرى أن كل متعلق بمودة يجد مثله وهو:
أما والَّذِي أبكَى وأضحكَ والَّذِي ... أماتَ وأحيَا والَّذِي أمْرُه الأَمْرُ
لقد كنتُ آتِيها وفي النَّفْس هجْرُها ... بَتَاتاً لأخرى الدهرِ ما طلعَ الفجرُ
فما هوَ إلا أن أراها فجاءةً ... فأبهتُ لا عرفٌ لديَّ ولا نكرُ
وأنسَى الذي قد كنتُ فيهِ هجرتُها ... كما قد تنسِّى لبَّ شاربِها الخمرُ
وفي هذه القصيدة أيضاً موضع آخر دال على إفراط المحبة، ومبين عن سجية في اهل الهوى عامة، وهو قوله:
ويمنعنُيِ من بعْض إنكارِ ظلمِها ... إذا ظلمتْ يوماً وإن كان لي عذرُ
مخافةُ أني قد علمتُ لئن بَدا ... لي الهجرُ منها ما على هجرها صبرُ
وإني لا أردي إذا النفس أشرفت ... على هجرها ما يبلغن بي الهجر
стр. 44
وأما قول الشاعر:
يودُّ بأن يُمْسِي سقيماً لعلَّها ... إذا سمعتْ عنه بشكوَى تراسلهُ
ويهتزُّ للمعروفِ في طلبِ العلَى ... لتحمدَ يوماً عند ليلَى شمائلهُ
فهو من أحسن القول في الغزل، وذلك أن هذا الشاعر قد أبان في البيت الأول عن أعظم وجد وجده محب، حيث جعل السقم أيسر مما يجد من الشوق، فإنه اختاره ليكون سبيلاً إلى أن يشفى بالمراسلة من الوجد، فهو أيسر ما يتعلق به الوامق، وأدنى فوائد العاشق، وأبان في البيت الثاني عن إعظام منه شديد لهذه المرأة، حيث لم يرض نفسه لها عن سجيته الأولى، حتى احتاج إلى أن يتكلف سجايا مكتسبة يتزين بها عندها، وهذه غاية المحبة، ووصف الشاعر لذلك هو الذي يستجاد لا اعتقاده، إذ كان الشعر إنما هو قول، فإذا أجاد فيه القائل لم يطالب بالاعتقاد، لأنه قد يجوز أن يكون المحبون معتقدين لأضعاف ما في نفس هذا الشاعر من الوجد، فحيث لم يذكروه، وإنما اعتقدوه فقط، لم يدخلوا في باب من يوصف بالشعر.
ومن النسيب قول طريح بن إسماعيل الثقفي:
بان الخليطُ وفرقَ الشملُ ... وعلى التفرقِ ما بدَا الوصلُ
أبكاكَ منهم ما فرحتَ به ... ولكلِّ مولدِ فرحةٍ ثكلُ
ومن هذه الأبيات:
ممسودةٌ خلِقت فعليتهَا ... خوطٌ ومعقدُ مرطهَا عبلُ
تضعُ البريمَ فيستديرُ على ... فعمٍ ألفَّ كأنَّه رملُ
يسجَى إذا ما قلتُ أخفضهُ ... ويمورُ منكشطاً إذا يعلُو
وقيامهَا حسنٌ وضحكتهَا ... عند العجيبِ تبسمٌ رتلُ
وغَلا بها عظمٌ فألحقهَا ... بنسائهَا ولداتَها بسلُ
ولأبي صخر الهذلي في التصابي والخلاعة والإصرار على التعلق بمودات النساء:
أراد الشيبُ منِّي ختلَ نفسِي ... لأنسَى ذكرَ رباتِ الحجالِ
إذا اختصمَ الصبَا والشيبُ عندِي ... فأفلجتُ الشبابَ فلا أبالِي
стр. 45
فقد أتينا من ذكر نعوت الأغراض التي تنتحيها الشعراء من المعاني، وهي المديح والهجاء وغيرهما، مما عددناه وشرحنا أحواله على ما فيه كفاية لمن له فهم وعنده نظر وفحص.
وهذه المعاني التي ذكرناها من أغراض الشعراء إنما هي أجزاء من جملة المعاني، وتكلمنا به فيها مع ما بيناه من أحوالها مثالاً لغيرها، واعتباراً فيما لم نذكره منها.
المعاني الشعرية
فأما ما يعم جميع المعاني الشعرية، فالآن حين نبتدئ بذكر ذلك وتعديده.
فمن ذلك
صحة التقسيم .
صحة التقسيم
وهي أن يبتدئ الشاعر فيضع أقساماً فيستوفيها، ولا يغادر قسماً منها.
مثال ذلك قول نصيب، يريد أن يأتي بأقسام جواب المجيب عن الاستخبار:
فقالَ فريقُ القوْم: لا، وفريقُهُمْ: ... نعمْ، وفريقٌ قالَ: ويحكَ ما ندرِي
فليس في أقسام الإجابة عن مطلوب، إذا سئل عنه، غير هذه الأقسام، ومثال في ذلك أيضاً قول الشماخ يصف صلابة سنابك الحمار، وشدة وهصه الأرض.
متى ما تقعْ أرساغهُ مطمئنةَ ... على حجرٍ يرفضِّ أو يتدحرجِ
فليس في أمر الوطء الشديد إلا أن يوجد الذي يوطأ، رخواً فيرض، أو صلباً فيدفع.
ومثال ذلك أيضاً قول الأسعر بن حمران الجعفي يصف فرساً على هيئته من جميع جهاته:
أمَّا إذَا استقبلتهُ فكأنهُ ... بازٌ يكفكفُ أن يطيرَ وقد رأَى
أمَّا إذا استدبرتَهُ فتسوقهُ ... ساقٌ قموصُ الوقعِ عاريةُ النسَا
أما إذا استعرضته متمطراً ... فتقول هذا مثل سرحان الغضا
فلم يدع هذا الشاعر قسماً من أقسام النصبة التي ترى في الفرس، إذا رئي عليها، إلا أتى به، وقد يجوز ان يظن ظان في قولنا: إن هذا الشاعر قد أتى بجميع الأقسام: ليس بحق، إنه إذا كان الفرس أحد الأجسام، وكل جسم فله ست جهات، فإذا ذكرت حال أربع منها بقيت جهتان لم تذكرا، وحل هذا الشاك، إن وقع من أحد، هو أن هذا الشاعر إنما وصف فرساً لا جسماً
стр. 46
مطلقاً، وللفرس أحوال يمتنع بها من أن ينتصب كل نصبة، ومع ذلك فإن هذا الشاعر إنما وصف الجهات التي يراها الإنسان من الفرس إذا كان على بسيط الأرض، وكان الرجل قائماً أو قاعداً، إذ كانت هذه الحال هي التي يرى الإنسان عليها الخيل في أكثر الأمر، فأما مثل أن يكون الإنسان في علية فيرى من الفرس متنه فقط، أو أن يكون نائماً فيرى بطنه فقط، فما أبعد ما يقع ذلك، ولم يقصده الشاعر ولا له وجه في أن يقصده، إذ كان ليس في ما يعرف ويعهد من النظر إلى الخيل إلا ما ذكره، وهو أن تستقبل أو تستدبر أو تستعرض من أحد الجانبين.
ومثال في هذا الباب أيضاً قول أبي زبيد الطائي:
يا أسمَ صبْراً على ما كَان من حدَث ... إن الحوادثَ ملقىٌّ ومنتظرُ
فليس في الحوادث إلا أن تكون قد لقيت، أو ينتظر لقيها. ومن أنواع المعاني وأجناسها أيضاً
صحة المقابلات .
صحة المقابلات
وهي أن يصنع الشاعر معاني يريد التوفيق بين بعضها وبعض، أو المخالفة، فيأتي في الموافق بما يوافق، وفي المخالف بما يخالف على الصحة، أو يشرط شروطاً، ويعدد أحوالاً في أحد المعنيين، فيجب أن يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرطه وعدده، وفيما يخالف بأضداد ذلك، كما قال بعضهم:
فواعَجباً كيف اتفقْنا فناصحٌ ... وفيٌّ، ومطويٌّ على الغلّ غادرُ
فقد أتى بإزاء كل ما وصفه من نفسه بما يضاده على الحقيقة ممن عاتبه، حيث قال بإزاء ناصح: مطوى على الغل وبإزاء وفي: غادر.
ومثل قول الآخر:
تقاصرنَ واحلولين لي ثمَّ إنهُ ... أتتْ بعدُ أيامٌ طوالٌ أمرتِ
فقابل القصر والحلاوة: بالطول والمرارة.
ومثله قول الآخر:
وإذا حديثٌ ساءني لم أكتئبْ ... وإذا حديثٌ سرني لم آشرِ
فقد جعل بإزاء سرني: ساءني، وبإزاء الاكتئاب: الأشر، وهذه المعاني في غاية صحة التقابل، ومثل قول عقيل بن حجاج:
تستنُّ في حيثُ لمْ تبعدْ مصعدةً ... ولمْ تصوبْ إلى أدنَى مهاويها
فجعل بإزاء قوله: تبعد مصعدة: أدنى مهاويها، ولو جعل بإزاء الإبعاد في الصعود:
стр. 47
الهوى، من غير أن يقول: أدنى المهاوي لكانت المقابلة ناقصة، لكن لما قال: تبعد قال: أدنى، ولو لم يقل: تبعد لقنع منه بأن يقول: تهوى فقط، من غير أن يأتي بالدنو.
وللطرماح بن حكيم:
أسرناهمْ وأنعمنَا عليهمْ ... وأسقيْنا دماءهمُ الترابَا
فما صبرُوا لبأسٍ عندَ حربٍ ... ولا أدوْا لحسنِ يدٍ ثوابَا
فجعل بإزاء أن أسقوا دماءهم التراب وقاتلوهم: أن يصبروا، وبإزاء أن أنعموا عليهم: أن يثيبوا، ولآخر:
جَزى الله عنَّا ذاتَ بعلٍ تصدقتْ ... على عزبٍ حتَّى يكونَ له أهلُ
فإنَّا سنجزيَها كما فعلتْ بنَا ... إذا ما تزوجنا وليسَ لها بعلُ
فقد أجاد هذا الشاعر، حيث وضع مقابل أن تكون المرأة ذات بعل، وهو لا زوج له: أن يكون ذا زوج في وقت عزب المرأة، وقابل حاجته وهو عزب: بحاجتها وهي عزبة، من غير أن يغادر شرطاً، ولا أن يزيد شيئاً.
ومن أنواع المعاني
صحة التفسير .
صحة التفسير
وهي أن يضع الشاعر معاني يريد أن يذكر أحوالها في شعره الذي يصنعه، فإذا ذكرها أتى بها من غير أن يخالف معنى ما أتى به منها، ولا يزيد أو ينقص، مثل قول الفرزدق:
لقدْ خنتُ قوْماً لو لجأتَ إليهمُ ... طريدَ دمٍ أو حامِلاً ثقلَ مغرمِ
فلما كان هذا البيت محتاجاً إلى تفسير، قال:
لألفيتَ فيهمْ مطعِماً ومطاعِناً ... وراءَك شزْراً بالوشيجِ المقومِ
ففسر قوله: حاملاً ثقل مغرم: بأنه يلقى فيهم من يعطيه، وفسر قوله: طريد دم بقوله: إنه يلقي من يطاعن دونه ويحميه ومثل قول الحسين بن مطير الأسدي:
فلهُ بلا حزنٍ ولا بمسرةٍ ... ضحكٌ يراوحُ بينهُ وبكاءُ
ففسر بلا حزن: ببكاء ولا بمسرة: بضحك، وقال صالح ابن جناح اللخمي:
لئن كنتُ مُحتاجاً إلى الحلمِ إنَّني ... إلى الجهلِ في بعض الأحايينِ أحوجُ
стр. 48
وفسر ذلك بأن قال:
ولي فرسٌ للحلمِ بالحلمِ ملجمٌ ... ولي فرسٌ للجهلِ بالجهْل مسرجُ
فلم يزد المعنى ولا نقص منه، ثم فسر البيت الثاني أيضاً، فقال:
فمنْ رام تقويمي فإنِّي مقومٌ ... ومن رام تعويجي فإنِّي معوجُ
وقال سهل بن هارون:
فواحسرتَا حتَّى متى القلبُ موجعٌ ... بفقدِ حبيبٍ أو تعذرِ إفضالِ
وفسر ذلك فقال:
فراقُ خليلٍ مثله يورثُ الأسَى ... وخلةُ حرٍّ لا يقومُ بها مالِي
أنواع نعوت المعاني
ومن أنواع نعوت المعاني
التتميم:
التتميم
وهو أن يذكر الشاعر المعنى فلا يدع من الأحوال التي تتم بها صحته وتكمل معها جودته شيئاً إلا أتى به.
مثل قول نافع بن خليفة الغنوي:
رجالٌ إذا لم يقبلِ الحقُّ منهمُ ... ويعطوهُ عاذُوا بالسيوفِ القواطعِ
فإنما تمت جودة المعنى بقوله: ويعطوه، وإلا كان المعنى منقوص الصحة، ومثل قول عمير بن الأيهم التغلبي:
بها نلنَا القرائبَ من سوَانا ... وأحرزنَا القرائبَ أن تنالا
فالذي أكمل جودة هذا البيت قوله: وأحرزنا القرائب أن تنالا، مع أنهم القرائب من سواهم.
ومثله قول طرفة:
فسقَى دياركِ غيرَ مفسدِهَا ... صوبُ الربيع وديمةٌ تهمِى
فقوله: غير مفسدها، إتمام لجودة ما قاله، لأنه لو لم يقل: غير مفسدها، لعيب، كما عيب ذو الرمة في قوله:
ألا يا اسْلَمِى يا دارَ ميٍّ عَلَى البلَى ... ولا زالَ منهلاً بجرعائكِ القطرُ
فإن الذي عابه في هذا القول، إنما هو بأن نسب قوله هذا إلى أن فيه إفساداً للدار التي دعا لها، وهو أن تغرق بكثرة المطر.
ومثل قول مضرس بن ربعي:
стр. 49
والمانعونَ إذا كانتْ ممانعةٌ ... والعائذونَ بحسناهمْ إذا قدرُوا
ومثل قول عبيد الراعي:
لا خيرَ في طولِ الإقامةِ للفتَى ... إلا إذا ما لمْ يجدْ متحولا
ومثله قول كعب بن سعد الغنوي:
حليمٌ إذا ما الحلمُ زينَ أهلهُ ... مع الحلمِ في عينِ العدوِّ مهيبُ
ومثل قول الأسود بن يعفر:
ألا منَ لامنِي إلاَّ صديقٌ ... فلاقى صاحِباً كأبي زيادِ
ومثل قول حسان بن ثابت:
لم تفتهَا شمسُ النهار بشيءٍ ... غيرَ أن الشبابَ ليسَ يدومُ
ومثل قول أعشى باهلة:
لا يصعبُ الأمرُ إلا ريثَ بركبهُ ... وكلّ أمرٍ سوَى الفحشاءِ يأتمرُ
ومثل قول النمر بن تولب:
لقدْ أصبحَ البيضُ الغوانِي كأنمَا ... يربنَ إذا ما كنتَ فيهنَّ أجربَا
وكنتُ إذا لا قيتهنَّ ببلدةٍ ... يقلنَ على النكراءِ أهلاً ومرحبَا
فقوله: على النكراء، أتم جودة المعنى، وإلا فلو كانت بينهم معرفة، لم ينكر أن يقلن له أهلاً ومرحباً.
وقول الآخر:
وهلْ علمتِ بيتنا إلا ولَهْ
شربةٌ من غيرهِ وأكلهْ.
ومن أنواع نعوت المعاني
المبالغة:
المبالغة
وهي أن يذكر الشاعر حالاً من الأحوال في شعر لو وقف عليها لأجزأه ذلك في الغرض الذي قصده، فلا يقف حتى يزيد في معنى ما ذكره من تلك الحال ما يكون أبلغ فيما قصد له، وذلك مثل قول عمير بن الأيهم التغلبي:
ونكرمُ جارنَا ما دامَ فينَا ... ونتبعهُ الكرامةَ حيثُ مالا
стр. 50
فإكرامهم للجار، ما دام فيهم، من الأخلاق الجميلة الموصوفة، وإتباعهم إياه الكرامة، حيث كان، من المبالغة في الجميل.
ومثل ذلك قول الحكم الخضري:
وأقبحَ من قردٍ وأبخلَ بالقِرَى ... من الكلبِ وهو غرثانُ أعجفُ
فقد كان يجزئ في الذم أن يكون هذا المهجو أبخل من الكلب، ومن المبالغة في هجائه قوله: وهو غرثان أعجف.
ومن هذا الجنس لدريد بن الصمة:
متَى ما تدعُ قومكَ أدعُ قومِي ... فيأتي من بني جشمٍ فئامُ
فوارسُ بهمةٌ حشدٌ إذا ما ... بدا حضرُ الحييةِ والخذامُ
والمبالغة الشدية في هذا الشعر هي في قوله: الحيية.
ومنه للحكم الخضري أيضاً:
فكنْ يا جارهمْ في خيرِ دارٍ ... فلا ظلمٌ عليكَ ولا جفاءُ
فقوله: فلا ظلم عليك ولا جفاء: توكيد ومبالغة.
ومنه قول رؤاس بن تميم، أحد الغطاريف الأزدي:
وإنَّا لنعطِي النصفَّ منَّا وإننَا ... لنأخذهُ من كلِّ أبلخَ ظالمِ
فالتوكيد في قوله: وإننا لنأخذه من كل أبلخ ظالم، فهذه مبالغة مضاعفة مكررة.
ومنه قول مضرس:
بهمْ تمترَي الحربُ العوانُ وفيهمُ ... تؤدَّي القروضُ حلوهَا ومريرهَا
فقوله: ومريرها: مبالغة.
وكذلك قوله أوس بن غلفاء الهجيمي:
وهمْ تركوكَ أسلحَ من حبارَى ... رأتْ صقْراً، وأشردَ من نعامِ
ففي قوله: رأت صقراً: مبالغة.
ومن نعوت المعاني
التكافؤ .
التكافؤ
وهو أن يصف الشاعر شيئاً أو يذمه، أو يتكلم فيه بمعنى ما، أي معنى كان، فيأتي بمعنين متكافئين، والذي أريد بقولي: متكافئين، في هذا الموضع: متقاومان، إما من
стр. 51
جهة المضادة أو السلب والإيجاب أو غيرها من أقسام التقابل، مثل قول أبي الشغب العبسي:
حلوُ الشمائِل، وهوَ مرٌّ باسلٌ ... يحمِي الذمارَ صبيحةَ الإرهاقِ
فقوله: حلو ومر: تكافؤ.
ومثل قول أم الضحاك المحاربية:
كيفَ يسامِي خالداً أو ينالهُ ... خميصٌ من التقوى بطينٌ من الخمرِ
فقولها: خميص وبطين: تكافؤ، ومثل قول طرفة:
بطيءٍ عن الجلَّى سريعٍ إلى الخنَا ... ذليلٍ بأجماعِ الرجالِ ملهدِ
فقوله: سريع وبطيء: تكافؤ، ومثل قول زهير:
حلماءُ في النادِي إذا ما جئتهمْ ... جهلاءُ يومَ عجاجةٍ ولقاءِ
فقوله: حلماء وجهلاء: تكافؤ، ومثل قول حميد بن ثور الهلالي:
فلمْ أرَ محزوناً له مثلُ صوتهَا ... ولا عربياً شاقهُ صوتُ أعجمَا
فقوله: عربي وأعجم: تكافؤ، ومثل قول الآخر:
بطاءٌ عن الفحشاءِ لا يحضرونَهَا ... سراعٌ إلى داعِي الصباحِ المثوبِ
ومثل قول العباس بن مرداس:
مطهَّماً خلقهُ شثْناً سنابكهُ ... صعْلاً على أن في الجنبينِ إجفارَا
فجعل: صعلاً مكافئاً لمجفر، ومثل قول الفرزدق:
فتَى السنِّ كهلُ الحلْم قد عرفتْ لهُ ... قبائلُ ما بينَ الدنا وإيادِ
فقوله: فتى: مكافأة لقوله: كهل، وقال الفرزدق أيضاً:
لعمرِي لئنْ قلَّ الحصَى في رجالكُم ... بني نهشلٍ ما لؤمكمْ بقليلِ
فهذا ضرب من المكافأة من جهة السلب، ومنه قول خولة بنت عيينة بن مرداس، هو ابن فسوة الشاعر:
يحكُّ بحامِي أيرهِ باردَ استهَا ... كما استولجتْ ظمياءُ أيرَ ابن غالبِ
فكافأت بقولها حامي كذا وبارد كذا.
ومن هذه الجهة استجاد الناس قول دعبل، حين روي عنه أنه قال: أن ابن قولي:
لا تعجبِي يا سلمَ منْ رجلٍ ... ضحكَ المشيبُ برأسهِ فبكَى
لأن ضحك وبكى: مكافأة.
وقد أتى المحدثون من التكافؤ بأشياء كثيرة، وذلك أنه بطباع أهل التحصيل والروية في الشعر، والتطلب لتجنيسه، أولى منه بطباع القائلين
стр. 52
على الهاجس بحسب ما يسنح من الخاطر، مثل الأعراب ومن جرى مجراهم، على أن أولئك بطباعهم قد أتوا بكثير منه، وقد قدمنا بعضه.
ومما للمحدثين في ذلك، قول بشار:
إذا أيقظتكَ حروبُ العدَى ... فنبهْ لها عمَراً ثمَّ نَمْ
فنبه ونم: تكافؤ، وله أثر في تجويد الشعر قوي، فإنه لو قال مثلا: فجرد لها عمراً، لم يكن لهذه اللفظة من الموقع مع من ما لنبه.
الالتفاف:
ومن نعوت المعاني الالتفاف - وبعض الناس يسميه الاستدراك - وهو ا، يكون الشاعر آخذاً في معنى، فكأنه يعترضه إما شك فيه أو ظن بأن راداً يرد عليه قوله، أو سلائلاً يسأله عن سببه، فيعود راجعاً على ما قدمه، فإما أن يؤكده أو يذكر سببه أو يحل الشك فيه، مثال ذلك قول المعطل، أحد بني رهم من هذيل:
تبينُ صلاةُ الحرب منا ومنهمُ ... إذا ما لتقينا والمسالمُ بادنُ
فقوله: والمسالم بادن: رجوع على المعنى الذي قدمه حين بين ان علامة صلاة الحرب من غيرهم أن المسالم يكون بادناً والمحارب ضامراً، وقول الرماح بن ميادة:
فلا صرمُة يبدُو، وفي اليأسِ راحةٌ ... ولا وصلُه يصفُو لنا فنكارِمُهْ
فكأنه بقوله: وفي اليأس راحة: التفت إلى المعنى، لتقديره أن معارضاً يقول له: وما تصنع بصرمه؟ فقال: لأن في اليأس راحة.
ومن هذا الجنس قول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
وأجمِلْ إذا ما كنتَ لا بُدَّ مانِعاً ... وقد يَمْنَعُ الشيءَ الفتَى وهو مجملُ.
ومنه قول امرئ القيس:
يا هَلْ أتاكَ وقد يُحَدِّثُ ذوُ ... الودِّ القديم مسمةَ الدَّخْل
فكأنه لما قال: أتاك، وكان المعنى مسراً غير مظهر، توهم أن المخاطب يقول له: كيف يبلغني؟ فقال: وقد يحدث ذو الود القديم مسمة الدخل، وقول طرفة:
стр. 53
وتصدُّ عنك مخيلةَ الرجلِ ال ... مشنوفِ موضحةٌ عن العظمِ
بحسامِ سيفكِ أو لسانكَ، وال ... كلمُ الأصيلُ كأرغبِ الكَلِم
فكأنه لما بلغ بعد حسامك إلى لسانك قدر أن معترضاً يعترضه، فيقول: كيف يكون مجرى السيف واللسان واحداً؟ فقال: والكلم الأصيل كأشد الجراح وأكثرها اتساعاً.
ومنه قول جدير بن ربعان:
معازيلُ في الهيجاءِ ليسُوا بذادَةٍ ... مجازيعُ عندَ اليأسِ، والحرُّ يصبِر
ففي قوله: والحر يصبر: التفات إلى أول كلامه.
الاستغراب والطرفة:
وقد يضع الناس في باب أوصاف المعاني: الاستغراب والطرفة. وهو أن يكون المعنى مما لم يسبق إليه على جهة الاستحسان.
وليس عندي أن هذا داخل في الأوصاف، لأن المعنى المستجاد إنما يكون مستجاداً إذا كان في ذاته جيداً، فإما أن يقال له: جيد، إذا قاله شاعر من غير أن يكون تقدمه من قال مثله، فهذا غير مستقيم، بل يقال لما جرى هذا المجرى: طريف وغريب، إذا كان فرداً قليلاً، فإذا كثر لم يسم بذلك.
وغريب وطريف، هما شيء آخر غير حسن أو جيد، لأنه قد يجوز أن يكون حسن جيد: غير طريف ولا غريب، وطريف غريب: غير حسن ولا جيد، فأما حسن جيد غير غريب ولا طريف، فمثل تشبيههم الدروع بحباب الماء الذي تسوقه الرياح، فإنه ليس يزيل جودة هذا التشبيه تعاور الشعراء إياه قديماً أو حديثاً، وأما غريب وطريف لم يسبق إليه، وهو قبيح بارد، فملء الدنيا، مثل أشعار قوم من المحدثين سبقوا إلى البرد فيها.
والذي عندي في هذا الباب أن الوصف فيه لاحق بالشاعر المبتدئ بالمعنى الذي لم يسبق إليه لا إلى الشعر، غذ كانت المعاني مما لا يجعل القبيح منها حسناً سبق السابق إلى استخراجها، كما لا يجعل الحسن قبيحاً الغفلة عن الابتداء بها، وأحسب أنه اختلط على كثير من الناس وصف الشعر بوصف الشاعر، فلم يكادوا يفرقون بينهما، وإذا تأملوا هذا الأمر نعماً، علموا أن الشاعر موصوف بالسبق إلى المعاني واستخراج ما لم يتقدمه أحد إلى استخراجه، لا الشعر.
نعت ائتلاف اللفظ مع المعنى:
ولنتبع ذكر المعاني، وهو القسم الرابع من أقسام الشعر المفردات: ذكر الأربعة المركبات، التي قدمنا القول فيها في أول الكتاب، ولنبدأ بأولها وهو:
стр. 54
نعت ائتلاف اللفظ مع المعنى.
ومن أنواع ائتلاف اللفظ مع المعنى المساواة.
المساواة:
وهو أن يكون اللفظ مساوياً للمعنى، حتى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه، وهذه هي البلاغة التي وصف بها بعض الكتاب رجلاً فقال: كانت ألفاظه قوالب لمعانيه، أي هي مساوية لها لا يفضل أحدهما على الآخر، وذلك مثل قول امرئ القيس:
فإن تكتمُوا الداءَ لا نخفهِ ... وإن تبعَثُوا الحربَ لا نقعدِ
وإن تقتلونَا تقتلكمُ ... وإن تقصدُوا لدمٍ نقصدِ
وأعددتُ للحربَ وثابةً ... جوادَ المحثةِ والمردودِ
ومثل قول زهير:
ومهمَا تكنْ عند امرئٍ من خليقةٍ ... وإن خالهَا تخفَى على الناسِ تعلمِ
ومثل قوله:
إذا أنتَ لم تقصرْ عن الجهلِ والخنَا ... أصبتَ حليماً أو أصابكَ جاهلُ
ومثل قوله:
سعَى بعدهمْ قومٌ لكي يدركوهمُ ... فلم يدركُوا ولم يليمُوا ولم يألُوا
ومثل قول طرفة:
لعمركَ إن الموتَ ما أخطأَ الفتَى ... لكالطولِ المرخَى وثنياهُ باليدِ
ستبدِى لك الأيامُ ما كنتَ جاهِلاً ... ويأتيكَ بالأخبارِ منْ لم تزودِ
ومثله قول خالد بن زهير ابن أخي أبي ذؤيب الهذلي:
فلا تجزعنْ من سنَّةٍ أنتَ سرتَها ... فأولُ راضٍ سنة من يسيرُها
ومثل قول ليلى الأخيلية:
فلا يبعدنكَ الله يا توبَ إنّما ... لقاءُ المنايَا دارِعاً مثل حاسرِ
ومن أنواع ائتلاف اللفظ والمعنى الإشارة:
الإشارة:
وهو أن يكون اللفظ القليل مشتملاً على معان كثيرة بإيماء إليها أو لمحة تدل
стр. 55
علياه، كما قال بعضهم، وقد وصف البلاغة، فقال: هي لمحة دالة، وذلك مثل امرئ القيس:
فإنْ تهلكْ شنوءةُ أو تبدلْ ... فسيري إن في غسانَ خَالا
بعزهمُ عززتِ وإن يذلُّوا ... فذلهمُ أنالكِ ما أنالا
فبنية هذا الشعر على أن ألفاظه، مع قصرها، قد أشير بها إلى معان طوال، فمن ذلك قوله: تهلك أو تبدل، ومنه قوله: إن في غسان خالا، ومنه ما تحته معان كثيرة وشرح طويل، وهو قوله: أنالك ما أنالا. ومثل قول طرفة:
موضوعها زول ومرفوعها ... كمر غيث لجب وسط ريح
فقوله زول: مشار به إلى معان كثيرة، وهو شبيه بما يقول الناس في إجمال نعت الشيء واختصاره: عجب، ومثل قول إسماعيل ابن يسار النساء:
هاج ذا القلب من تذكر جمل ... ما يهيج المتيم المحزونا
فقد أشار هذا الشاعر بوله: ما يهيج المتيم المحزونا، إلى معان كثيرة. ومثل قول امرئ القيس:
على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كز ولا وان
فقد جمع بقوله: أفانين جري، على ما لو عد لكان كثيراً، وضم إلى ذلك أيضاً جميع أوصاف الجودة في هذا الفرس، وهو قوله: قبل سؤاله، أي يذهب في هذه الأفانين طوعاً ن غير حث، وفي قوله: قوله: غير كز ولا وان، ينفي عنه أن يكون معه الكزازة من قبل الجماح والمنازغة، والونى من قبل الاسترخاء والفترة.
ومثل قولا امرئ القيس أيضاً يصف ذئباً:
فظل كمثل الخشف يرفع رأسه ... وسائره مثل التراب المدفق
وجاء خفياً يسفن الأرض بطنه ... ترى الترب منه لازقاً كل ملزق
ففي هذا الشعر إجمال للمعاني كثير، وأوكد ما فيه من ذلك قوله: لازقاً كل ملزق. ومثل قول زهير:
فإني لو لقيتك واتجهنا ... لكان لكل منكرة كفاء
стр. 56
ومثل قول أوس بن حجر:
فإن يهو أقوام ردائي فإنني ... يقيني الإله ما وقى وأصادف
ومثل قول قتادة بن طارق المازني من الأزد:
اهاجك ربع قد تحمل حاضره وأوحش بعد الحي منه مناظرهيقول: ما تنظر إلى موضع منه إلا ذكرت فيه من الأنس بمن كان يحله منا قد أوحش في هذا الوقت بخلوه منه، وللعامرية:
كيف الفخار وقد كانوا لنسوتكم ... يوم النسار، بنو ذبيان، أربابا
إذ جز ناصيتي حصن وأعتقني ... وذاك شيب مني اليوم ما شابا
ولامرئ القيس:
فظل لنا يوم لذيذ بنعمة ... فقل في مقيل تحسه متغيب
ولامرأة من عكل:
يا ابن الدعى إنها عكل فقف
لتعلمن اليوم إن لم تنصرف
أن الكريم واللئيم مختلف
ومن أنواع ائتلاف اللفظ والمعنى الإرداف:
الإرداف:
وهو أن يريد الشعر دلالة على معنى من المعاني فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى، بل بلفظ يدل على معنى هو ردفه وتابع به، فإذا دل على التابع أبان عن المنبوع، بمنزلة قول ابن أبي ربيعة:
بعية مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم
وإنما أراد هذا الشاعر أ، يصف طول الجيد، فلم يذكره بلفظه الخاص به، بل أتى بمعنى تابع لطول الجيد، وهو بعد مهوى القرط.
ومثل قول امرئ القيس:
ويضحي فتيت المسك فوق فراشها ... تؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
وإنما أراد امرؤ القيس أن يذكر ترفه هذه المرأة وأن لها من يكفيها، فقال: نؤرم الضحى، وإن فتيت المسك يبقى إلى الضحى فوق فراشها، وكذلك سائر البيت، أي
стр. 57
هي لا تنتطق لتخدم، ولكنها في بيتها متفضلة، ومعنى عن في هذا البيت معنى: من بعد. وكذلك قوله:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
فإنما أراد أن يصف هذا الفرس بالسرعة وأنه جواد، فلم يتكلم باللفظ بعينه، ولكن بأردافه ولواحقه التابعة له، وذلك أن سرعة إحضار الفرس يبعها أن تكون الأوابد، وهي الوحوش، كالمقيدة له إذا نحا في طلبها.
والناس يستجيدون لامرئ القيس هذه اللفظة، فيقولون: هو اول من قيد الأوابد، وإنما غزا بها الدلالة على جودة الفرس وسرعة حضره، فلو قال ذلك بلفظه لم يكن الناس من الاستجادة لقوله مثلهم عند إتيانه بالردف له.
وفي هذا برهان على أن وضعنا الإرداف من أوصاف الشعر ونعوته واقع بالصواب.
ومنه قول ليلى الأخيلية:
ومخرق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما
فإنما أرادت وصفه بالجود والكرم، فجاءت بالأرداف والتوابع لهما، أما ما يتبع الجود، فإن تخرق قميص هذا المنعوت فسر أن العفاة تجذبه فتخرق قميصه من مواصلة جذبهم إياه، وأما ما يتبع الكرم فالحياء الشديد الذي كأنه من إماتته نفس هذا الموصوف وإزالته عنه الأشر يخال سقيما.
ومنه أيضاً قول الحكم الخضري:
قد كان يعجب بعضهن براعتي ... حتى سمعن تنحنحي وسعالي
فأراد وصف الكبر والسن، فلم يأت باللفظ بعينه، ولكنه أتى بتوابعه وهي السعال والتنحنح.
أبيات المعاني: ومن هذا النوع ما يدخل في الأبيات التي يسمونها أبيات معان. وذلك إذا ذكر الردف وحده، وكان وجه اتباعه لما هو ردف له غير ظاهر، أو كانت بينه وبينه أرداف أخر، كأنها وسائط، وكثرت حتى لا يظهر الشيء المطلوب بسرعة، وهذا الباب إذا غمض، لم يكن داخلاً في جملة ما ينسب إلى جيد الشعر، إذ كان من عيوب الشعر الانغلاق في اللفظ وتعذر العلم بمعناه.
التمثيل:
وهو أن يريد الشاعر إشارة إلى معنى فيضع كلاماً يدل على معنى آخر، وذلك
стр. 58
المعنى الآخر والكلام منبئان عما أراد أن يشير إليه.
مثال ذلك قول الرماح بن ميادة:
ألم تك في يمنى يديك جعلتني ... فلا تجعلني بعدها في شمالكا
ولو أنني أذنبت ما كنت هالكاً ... على خصلة من صالحات خصالكا
فعدل عن أن يقول في البيت الأول: إنه كان عنده مقدماً، فلا يؤخره، أو مقربا، فلا يبعده، أو مجتبى، فلا يجتنبه، إلى أن قال: إنه كان في يمنى يديه، فلا يجعله في اليسرى، ذهاباً نحو الامر الذي قصد الإشارة إليه بلفظ ومعنى يجريان مجرى المثل له، وقصد الإغراب في الدلالة والابداع في المقالة، وكذلك قول عمير بن الأيهم:
راح القطين من الثغراء أو بكروا ... وصدقوا من نهار الأمس ما ذكروا
قالوا لنا وعرفنا بعض بينهم ... قولاً فما وردوا عنه وما صدروا
فقد كان يستغنى عن قوله: فما وردوا عنه ولا صدروا، بأن يقو: فما تعدوه، أو فما تجاوزوه، ولكن لم يكن له من موقع الإيضاح وغرابة المثل ما لقوله: فما وردوا عنه ولاصدروا.
ومن هذا قول بعض بني كلاب:
دع الشر واحلل بالنحاة تعزلا ... إذا هو لم يصبغك في الشر صابغ
ولكن إذا ما الشر ثار دفينه ... عليك فأنضج دبغ ما أنت دابغ
فأكثر اللفظ والمعنى في هذين البيتين جار على سبيل التمثيل، وقد كان يجوز أن يقال مكان ما قيل فيه: دع الشر ما لم تنشب فيه، فإذا نشبت فيه فبالغ، ولكن لم يكن لذلك من الحظ في الكلام الشعري والتمثيل الظريف ما لقول الكلابي، ومن هذا قول الآخر:
تركت الركاب لأربابها ... وأكرهت نفسي على ابن الصعق
جعلت يدي وشاحاً له ... وبعض الفوارس لا يعتنق
وفي قوله: جعلت يدي وشاحاً له، إشارة بعيدة لغير لفظ الاعتناق وهي دالة عليه.
ومنه قول يزيد بن مالك الغامدي:
فإن ضجوا منا زأرنا فلم يكن ... شبيهاً بزأر الأسد ضبح الثعالب
стр. 59
فقد أشار إلى قوتهم وضعف أعدائهم إشارة مستغربة، لها من الموقع بالتمثيل ما لم يكن لو ذكر الشيء المشار إليع بلفظه، ومثل ذلك قول عبد الرحمن بن علي بن علقمة بن عبدة:
أوردتهم وصدور العيس مسنفة ... والصبح بالكوكب الدري منحور
فقد اشار إلى الفجر إشارة بعيدة ظريفة بغير لفظه.
وكذلك قول اللعين المنقري، يصف ناره:
رأى أم نيران عواناً تكفها ... بأعرافها هوج الرياح الطرائد
فقد أومأ بقوله: أم نيران: إلى قدمها، وبعوان: إلى كثرة عادته لإيقادها، إيماء غريباً ظريفاً، وإن كانت العرب تقول ذلك في النار كثيراً.
وقال بعض العرب:
فتى صدمته الكأس حتى كأنما ... به فالج من دائها فهو يرعش
والكأس لا تصدم، ولكنه أشار بهذا التمثيل إشارة حسنة إلى سكره.
وقال العباس بن مرداس:
كانوا أمام المؤمنين دريئة ... والبيض يومئذ عليهم أشمس
يريد أن البيض عليهم قد صارت شموساً.
المطابق والمجانس:
وقد يضع الناس من صفات الشعر: المطابق والمجانس، وهما داخلان في باب ائتلاف اللفظ والمعنى، ومعناهما أن تكون في الشعر معان متغايرة قد اشتركت في لفظة واحدة وألفاظ متجانسة مشتقة.
المطابق:
فأما المطابق فهو ما يشترك في لفظة واحدة بعينها، مثل قول زياد الأعجم:
ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام
وقال الأفوه الأودي:
وأقطع الهوجل مستأنساً ... بهوجل عيرانة عنتريس
فلفظة: الهوجل في هذا الشعر واحدة قد اشتركت في معنيين، لأن الأولى يراد بها الأرض، والثانية الناقة، وكذلك قول أبي دؤاد الإيادي:
عهدت لها منزلاً دائراً ... وآلا على الماء يحملن آلا
فالآل الأول في المعنى غير الثاني، لأن الأول أعمدة الخيام، والثاني من السراب.
المجانس:
стр. 60
وأما المجانس؛ فأن تكون المعاني اشتراكها في ألفاظ متجانسة على جهة الاشتقاق، مثل قول أوس بن حجر:
لكن بفرتاج فالخلصاء أنت بها ... فحنبل فعلى سراء مسرور
ومثل قول زهير:
كأن عيني وقد سال السليل بهم ... وجيرة ما هم لو أنهم أمم
ومثل قول العوام في يوم العظالي:
وفاض أسيراً هانئ وكأنما ... مفارق مفروق تغشين عندما
ومثل قول حيان بن ربيعة الطائي:
لقد علم القبائل أن قومي ... لهم حد إذا لبس الحديد
ومثل قول الفرزدق:
خفاف أخف الله منه سحابه ... وأوسعه من كل ساف وحاصب
ومثل قول الكميت:
فقل لجذام قد جذمتم وسيلة ... إلينا كمختار الرداف على الرحل
ومثل قول مسكين الدارمي:
وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية ... إذا الكواكب كانت في الدجى سرجا
وكما قال النعمان بن بشير لمعاوية بن أبي سفيان:
ألم تبتدركم يوم بدر سيوفنا ... وليلك عما ناب قومك نائم
وقال ذو الرمة:
كأن البرى والعاج عيجت متونه ... على عشر نهى به السيل أبطح
وقال رجل من بني عبس:
وذاكم أن ذل الجار حالفكم ... وأن أنفكم لا يعرف الأنفا
وقال المرار:
وأعظمني أن أرى زائراً ... وأختلف الحي يوماً خلوفا
نعت ائتلاف اللفظ والوزن:
وهو ان تكون الأسماء والأفعال في الشعر تامة مستقيمة كما بنيت، لم يضطر
стр. 61
الأمر في الوزن إلى نقضها عن البنية بالزيادة عليها والنقصان منها، وأن تكون أوضاع الأسماء والأفعال والمؤلفة منها، وهي الأقوال، على ترتيب ونظام لم يضطر الوزن إلى تأخير ما يجب تقديمه، ولا إلى تقديم ما يجب تأخيره منها، ولا اضطر أيضاً إلى إضافة لفظة أخرى يلتبس المعنى بها، بل يكون الموصوف مقدماً والصفة مقولة عليها، وغير ذلك مما لو ذهبنا إلى شرحه لاحتجنا إلى إثبات كثير من صناعتي المنطق والنحو في هذا الكتاب، فكان يصعب النظر فيه على أكثر الناس، ولكن في ما أجملته في هذا القول، وأشرت إليه من التنبيه على الطريق التي يعرف بها جودة هذا الباب ما كفى وأغنى عند ذوي القرائح السليمة، ومن قد تعلق ببعض الآداب السهلة.
ومن هذا الباب أيضاً ألا يكون الوزن قد اضطر إلى إدخال معنى ليس الغرض في الشعر محتاجاً إليه، حتى أنه إذا حذف لم تنقص الدلالة لحذفه، أو إسقاط معنى لا يتم الغرض المقصود إلا به، حتى أن فقده قد آثر في الشعر تأثيراً بان موقعه.
ولمآت في هذا الباب بأمثلة، لأن كل شعر سليم مما ذكرت فهو مثال لذلك، فأما الأشعار التي لم تسلم منه، فأنا أذكرها في باب عيوب الشعر إن شاء الله تعالى.
نعت ائتلاف المعنى والوزن:
أن تكون المعاني تامة مستوفاة، لم يضطر الوزن إلى نقصها عن الواجب، ولا إلى الزيادة فيها عليه، وأن تكون المعاني أيضاً مواجهة للغرض لم تمتنع من ذلك ولم تعدل عنه من اجل إقامة الوزن والطلب لصحته، والسبب في تركنا أن نأتي لهذا الجنس بأمثلة من الشعر هو السبب في تركنا ذلك في باب ائتلاف اللفظ مع الوزن، ونحن نذكر ما يجب ذكره من أمثلة عيوب هذا الباب في جملة ما سنذكره من عيوب الشعر.
نعت ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت:
أن تكون القافية معلقة بما تقدم من معنى البيت تعلق نظم له وملائمة لما مر فيه.
فمن أنواع ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر
стр. 62
البيت:
التوشيح .
التوشيح
وهو أن يكون أول البيت شاهداً بقافيته، ومعناها متعلقاً به، حتى أن الذي يعرف قافية القصيدة التي البيت منها، إذا سمع أول البيت عرف آخره وبانت له قافيته، مثال ذلك قول الراعي:
وإن وزن الحصى فوزنت قومي ... وجدت حصى ضريبتهم رزينا
فإذا سمع الإنسان أول هذا البيت، وقد تقدمت عنده قافية القصيدة، استخرج لفظة قافيته، لأنه يعلم أن قوله: وزن الحصى، سيأتي بعده: رزين، لعلتين: إحداهما أن قافية القصيدة توجيه، والأخرى أن نظام المعنى يقتضيه، لأن الذي يفاخر برجاحة الحصى يلزمه أني قول في حصاه إنه رزين.
وقول العباس بن مرداس:
هم سودوا هجناً وكل قبيلة ... يبين عن أحسابها من يسودها
فمن تأمل هذا البيت، وجد أوله يشهد بقافيته، وقول نصيب:
وقد أيقنت أن ستبين ليلى ... وتحجب عنك إن نفع اليقين
وقول مضرس بن ربعي:
تمنيت أن ألقى سليماً ومالكاً ... على ساعة تنسى الحليم الأمانيا
ومن أنواع ائتلاف القافية مع سائر البيت: الإيغال.
الإيغال:
وهو ا، يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاماً من غير أن يكون للقافية فيما ذكره صنع، ثم يأتي بها لحاجة الشعر، في أن يكون شعراً، غليها، فيزيد بمعناها في تجويد ما ذكره في البيت، كما قال امرؤ القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرجلنا الجزع الذي لم يثقب
فقد أتى امرؤ القيس على التشبيه كاملاً قبل القافية، وذلك أن عيون الوحش شبيهة بالجزع، ثم لما جاء بالقافية أوغل بها في وصف ووكده، وهو قوله: الذي لم يثقب، فإن عيون الوحش غير مثقبة، وهي بالجزع الذي لم يثقب أدخل في التشبيه، وقال زهير:
كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم
فالعهن: هو الصوف الأحمر، والفنا: حب تنبته الأرض أحمر، فقد أتى على الوصف
стр. 63
قبل القافية، لكن حب الفنا إذا كسر كان مكسره غير أحمر، فاستظهر في القافية لما أن جاء بها، بأن قال: لم يحطم، فكأنه وكد التشبيه بإبغاله في المعنى، قال امرؤ القيس:
إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب
فقد تم أوصف والتشبيه قبل القافية، لأنه يكفي أن يشبه حفيف جري الفرس بالريح، فلما أتى بالقافية، أوغل إيغالاً زاد به في المعنى، وذلك أن الأثاب شجر للريح في أضعاف أغصانه حفيف شديد.
حدثني التوزي قال: قلت للأصمعي: من أشعر الناس؟ فقال: من يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيراً، أو إلى الكبير فيجعله بلفظه خسيساً، أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى.
قال: قلت: نحو من.
قال: نحو ذي الرمة، حيث يقول:
قف العيس في أطلال مية فاسأل ... رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل
فتم كلامه قبل المسلسل، ثم قال: المسلسل، فزاد شيئاً. ثم قال:
أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبديد الجمان المفصل
فتم كلامه، ثم احتاج إلى القافية، فقال: المفصل، فزاد شيئاً.
قال: قلت: ونحو من؟ قال: الأعشى، حيث قال:
كناطح صخرة يوماً ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
فتم مثله إلى قوله: قرنه، فلما احتاج إلى القافية، قال الوعل، فزاد معنى.
قلت: فكيف صار الوعل مفضلاً على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قلة الجبل على قرنيه فلا يضيره.
الفصل الثالث
عيوب الشعر
وإذ قد أتيت على ما قدرت أنه نعت للشعر، وعددت أجناس ذلك، وفصلت أنواعه.
فالآن أحب أن أبتدئ بذكر عيوب الشعر، وأذكر أجناس ذلك على الترتيب الذي رتبت النعوت عليه، وبحسب تلك السياقة.
стр. 64
عيوب اللفظ
أن يكون ملحوناً وجارياً على غير سبيل الإعراب واللغة، وقد تقدم من استقصى هذا الفن، وهم واضعو صناعة النحو، وأن يركب الشاعر منه ما ليس بمستعمل إلا في الفرط، ولا يتكلم به إلا شاذاً، وذلك هو الوحشي الذي مدح عمر بن الخطاب زهيراً بمجانبته له وتنكبه إياه، فقال: كان لا يتبع حوشي الكلام.
وهذا الباب مجوز للقدماء، ليس من أجل أنه حسن، لكن لأن شعرائهم من كان أعرابياً قد غلبت عليه العجرفية، وللحاجة أيضاً إلى الاستشهاد بأشعارهم في الغريب، ولأن من كان يأتي منهم بالوحشي لم يكن يأتي به على جهة التطلب له، والتكلف لما يستعمله منه، لكن لعادته وعلى سجية لفظه.
فأما أصحاب التكلف لذلك، فهم يأتون منه بما ينافر الطبع وينبو عنه السمع، مثل شعر أبي حزام غالب بن الحارث العكلي وكان في زمن المهدي، وله في أبي عبيد الله كاتب المهدي قصيدة أولها:
تذكرت سلمى وإهلاسها ... فلم أنس والشوق ذو مطرؤه
وفيها يقول:
لأوحى وزير إمام الهدى ... لنا وهو بالإرب ذو محجوه
يسوس الأمور فتأتي له ... وما في عزيمته منهوه
وفي بالأمانة صفو التقى ... وما الصفو بالرنق المحموه
وعند معاوية المصطفى ... جباً غير مأج ولا مطرؤه
فقال الوزير الأمين: انظموا ... قريضاً عويصاً على لؤلؤه
فعبرت مرتفقاً وحيه ... بغير انصيار إلى المتكؤه
سيدني من الحق ذو فطنة ... معي في العواقب والمبدؤه
بيوتاً علي لها وجهة ... بغير السناد ولا المكفؤه
ومثل شعر أحمد بن جحدر الخراساني في مالك بن طوق؛ ويقال: إنها لمحمد بن عبد الرحمن الغريبي الكوفي، في عيسى الأشعري:
هيا منزل الحي جنب الغضا ... سلامك عن النوى تصرم
стр. 65
ويا طللاً آية ما ارتمت ... بليلاك غربتها المرجم
حلفت بما أرقلت نحوه ... همرجلة خلقها شيظم
وما شبرقت من تنوفية ... بها من وحي الجن زيزيزم
فبلغني أنه أنشد هذه القصيدة ابن الأعرابي، فلما بلغ إلى ههنا، قال له ابن الأعرابي: عن كنت جاداً فحسيبك الله.
ومنها:
لأم لكم نجلت مالكاً ... من الشمس لو نجلت أكرم
ومن أين مثلك؟ لا أين هو ... إذا الريق أقفر منه الفم
ومن الأعراب أيضاً من شعره فظيع التوحش، مثل ما أنشدناه أحمد ابن يحيى عن ابن الأعرابي لمحمد بن علقة التيمي، يقولها لرجل من كلب يقال له ابن الفنشخ، ورد عليه فلم يسقه:
أفرخ أخا كلب وأفرخ أفرخ
أخطأت وجه الحق في التطخطخ
أما ورب الراقصات الزمخ
يخرجن من بين الجبال الشمخ
يزرن بيت الله عند المصرخ
لتمطخن برشاء ممطخ
ماء سوى مائي يا ابن الفنشخ
أو لتجيئن بوشي بخ بخ
من كيس ذي كيس مئن منفخ
قد ضمه حولين لم يسنخ
ضم الصماليخ صماخ الأصلخ
ومن عيوب اللفظ: المعاظلة.
المعالظة:
وهي التي وصف عمر بن الخطاب زهيراً بمجانبته لها أيضاً، فقال: وكان لا يعاظل بين الكلام.
وسألت أحمد بن يحيى عن المعاظلة، فقال: مداخلة الشيء في الشيء، يقال: تعاظل الجراداتان، وعاظل الرجل المرأة: إذا ركب أحدهما الآخر.
وإذا كان الأمر كذلك، فمحال أن ينكر مداخلة بعض الكلام في ما يشبهه من بعض، أو في ما كان من جنسه، وبقي النكير إنما هو في ان يدخل بعضه في ما ليس من جنسه وما هو غير لائق به، وما أعرف ذلك إلا فاحش الاستعارة، مثل قول أوس بن حجر:
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولباً جدعاً
فسمى الصبي: تولباً، وهو ولد الحمار.
ومثل قول الآخر:
стр. 66
وما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر
فسمى رجل الإنسان: حافراً.
فإن ما جرى هذا المجرى من الاستعارة قبيح لا عذر فيه.
وقد استعمل كثير من الشعراء الفحول المجيدين أشياء من الاستعارة ليس فيها شناعة كهذه، وفيها لهم معاذير، إذ كان مخرجها مخرج التشبيه، فمن ذلك قول امرئ القيس يصف الليل:
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
فكأنه أراد: أن هذا الليل في تطاوله كالذي يتمطى بصلبه، لا أن له صلباً، وهذا مخرج لفظه إذا تؤمل، ومنه قول زهير:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله
فكأن مخرج كلام زهير إنما هو مخرج كلام من أراد: أنه لما كانت الأفراس للحرب، وإنما تعرى عند تركها ووضعها، فكذلك تعرى أفراس الصبا، إن كانت له أفراس، عند تركه والعزوف عنه. وكذلك قول أوس بن حجر:
وإني امرؤ أعددت للحرب بعدما ... رأيت لها ناباً من الشر أعصلا
فإنه إنما أراد: أن هذه الحرب قديمة قد اشتد أمرها، كما يكون ناب البعير أعصل، إذا طال عمره واشتد.
وكذلك قول عنترة العبسي:
جادت عليه كل بكر حرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم
وقل طفيل الغنوي:
وحملت كورى فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل
وقول عمر بن كلثوم:
ألا ابلغ النعمان عني رسالة ... فمجدك حولي ولؤمك قارح
وقول أبي ذؤيب الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
وقول أوس بن مغراء يهجو بني عامر:
يشيب على لوم الفعال كبيرها ... ويغذي بثدي اللؤم منها وليدها
стр. 67
وقال المخبل:
يعالج عزاً قد عسا عظم رأسه ... قراسية كالفحل يصرف يازله
فما جرى هذا المجرى مما له مجاز، كان أخف وأسهل مما فحش ولم يعرف له مجاز، وكان منافراً للعادة، بعيداً عما يستعمل الناس مثله.
الكلام في عيوب الوزن:
ولنتبع الكلام في عيوب اللفظ بالكلام في عيوب الوزن، فنقول:
الخروج عن العروض:
من عيوبه: لخروج عن العروض، وقد تقدم من استقصى هذه الصناعة. إلا أن من عيوبه التخليع.
التخليع:
وهو أن يكون قبيح الوزن قد أفرط قائله في تزحيفه، وجعل ذلك بنية للشعر كله، حتى ميله إلى الانكسار، وأخرجه عن باب الشعر الذي يعرف السامع له صحة وزنه في أول وهلة، إلى ما ينكره حتى ينعم ذوقه، أو يعرضه على العروض فيصح فيه، فإن ما جرى من الشعر هذا المجرى ناقص الطلاوة، قليل الحلاوة، ذلك مثل قول الأسود بن يعفر:
إنا ذممنا على ما خيلت ... سعد بن زيد وعمراً من تميم
وضبة المشترى العار بنا ... وذاك عم بنا غير رحيم
لا ينتهون الدهر عن مولى لنا ... قورك بالسهم حافات الأديم
ونحن قوم لنا رماح ... وثروة من موال وصميم
لا نشتكي الوصم في الحرب ولا ... نئن منها كتأنان السليم
ومثل قول عروة بن الورد:
يا هند بنت أبي ذراع ... أخلفتني ظني ووترتني عشقي
ونكحت راعي ثلة يثمرها ... والدهر فائته بما يبقى
ومثل قصيدة عبيد بن الأبرص، وفيها أبيات قد خرجت عن العروض البتة، وقبح ذلك جودة الشعر، حتى أصاره إلى حد الردئ منه، فمن ذلك قوله:
والمرء ما عاش في تكذيب ... طول الحياة له تعذيب
فهذا معنى جيد ولفظ حسن، إلا أن وزنة قد شانه وقبح حسنه، وأفسد جيده.
فما
стр. 68
جرى من التزحيف هذا المجرى في القصيدة، أو الأبيات كلها أو أكثرها، كان قبيحاً من أجل إفراطه في التخليع واحدة، ثم من أجل دوامه وكثرته ثانية، وإنما يستحب من التزحيف ما كان غير مفرط، أو كان في بيت أو بيتين من القصيدة من غير توال ولا اتساق، ولا إفراط يخرجه عن الوزن، مثل ما قال متمم بن نويرة:
وفقد بني أم تداعوا فلم أكن ... خلافهم لأستكين وأضرعا
فأما الإفراط والدوام فقبيح.
الزحاف:
وقال إسحاق يحكي عن يونس أنه قال: أهون عيوب الشعر: الزحاف، وهو ا، ينقص الجزء عن سائر الأجزاء، فمنه ما نقصانه أخفى، ومنه ما هو أشنع، وهو في ذلك جائز في العروض، قال خالد ابن أخي أبي ذؤيب الهذلي:
لعلك إما أم عمرو تبدلت ... سواك خليلاً شاتمي تستخيرها
وهذا مزاحف في كاف سواك ومن أنشده خليلاً سواك كان أشنع.
قال: وكان الخليل بن أحمد ﵀ يستحسنه في الشعر، إذا قل البيت أو البيتان، فإذا توالى وكثر في القصيدة سمج.
قال إسحاق: فإن قيل: كيف يستحسن منه شيئاً وقد قيل هو عيب؟ قيل: هذا مثل الحول والقبل واللثغ في الجارية، قد يشتهي القليل نمه الخفيف، وهو إن كثر هجن وسمج، والوضح في الخيل يشتهي ويستظرف خفيفه، مثل الغرة والتحجيل، فإذا فشا وكثر، كان هجنة ووهناً.
قال: وخفيف البلق يحتمل في الخيل، ولم أر أبلق قط، ولم أسمع به سابقاً.
ولنبتع الكلام في عيوب الوزن بالكلام في عيوب القوافي.
عيوب القوافي:
ولنتعد ما قد أتى به من استقصى ذلك فيما وضعه من الكتب، إذ كان لاارب في إعادته، ولكنا نتكلم في ذلك بظاهر ما يعرفه جمهور الناس من المعايب التي ليست من جنس ما وضعت فيه الكتب.
ولنذكر مما وضع فيها ما كانت القدماء تعيب به دون غيره، فن ذلك التجميع.
التجميع:
وهو أن تكون قافية المصراع الأول من البيت الأول على روى متهيئ لأن تكون قافية آخر البيت بحسبه، فتأتي بخلافه،
стр. 69
مثل ما قال عمرو بن شأس:
تذكرت ليلى، لات حين ادكارها ... وقد حني الأصلاب، ضلاً بتضلال
ومثل قول الشماخ:
لمن منزل عاف ورسم منازل ... عفت بعد عهد العاهدين رياضها
ومن عيوبها الإقواء.
الإقواء:
وهو أن يختلف إعراب القوافي، فتكون قافية مرفوعة مثلاً، وأخرى مخفوضة او منصوبة، وهذا في شعر الأعراب كثير جداً، وفي من دون الفحول من الشعراء أكثر، ولا يجوز لمولد، لأنهم قد عرفوا عيبه، والبدوي لا يأبه له فهو أعذر.
قال إسحاق: قلت ليونس: أكان عبيد الله بن الحر يقوى، فقال: الإفواء خير منه. يعني من فوقه من الشعراء يقوى.
وقد ركب بعض فحول الشعراء الإقواء في مواضع، مثل ما قال سحيم بن وثيل الرياحي:
عذرت البزل إن هي خاطرتني ... فما بالي وبال ابني لبون
وماذا يدري الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعين.
فنون الأربعين مفتوحة، ونون اللبون مكسورة، ولكنه كأنه وقف القوافي فلم يحركها، وقال جرير:
عرين من عرينة ليس منا ... برئت إلى عرينة من عرين
عرفنا جعفراً وبني عبيد ... وأنكرنا زعانف آخرينا
الإيطاء:
ومنه: الإيطاء، وهو ان يتفق القافيتان في قصيدة واحدة، فإن زادت على اثنين فهو أسمج، فإن اتفق اللفظ واختلف المعنى كان جائزاً، كقولك: أريد خياراً، وأوثر خياراً أي تريد خياراً من الله لك في كذا وخيار الشيء: أجوده، والإيطاء من المواطأة، أي الموافقة، قال الله ﵎: ليواطئوا عدة ما حرم الله أي ليوافقوا. ومنه السناد.
السناد:
وهو أن يختلف تصريف القافية، كما قال عدي ابن زيد:
ففاجأها وقد جمعت جموعاً ... على أبواب حصن مصلتينا
فقدمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذباً ومينا
وكقول الفضل بن العباس اللهبي:
عبد شمس أبي فإن كنت غضبى ... فاملئي وجهك المليح خموشا
стр. 70
نحن كنا سكانها من قريش ... وبنا سميت قريش قريشا
والسناد من قولهم: خرج بنو فلان برأسين متساندين، أي هذا على حياله وهذا على حياله، وهو مثل ما قالوا: كانت قريش يوم الفجار متساندين، أي لا يقودهم رجل واحد.
ولنتبع ذلك بالكلام على عيوب المعاني.
عيوب المعاني:
قد كنا قدمنا في باب النعوت، أن جملتها أن يكون المعنى مواجهاً للغرض، غير عادل عنه إلى جهة أخرى، وبينا من الأغراض التي تنتحيها الشعراء في ذلك الموضع ما إذا حفظ عرف العيب بالعدول عنه، وبدأنا في باب النعت بأمور جعلناها مثالات، فلا بأس في أضدادها بمثالات أيضاً.
ذكر المديح
لما كنا قدمنا من حال المديح الجاري على الصواب ما أنبأنا أنه الذي يقصد فيه المدح للشيء بفضائله الخاصية، لا بما هو عرضي فيه، وجعلنا مديح الرجال مثالاً في ذلك، وذكرنا أن من قصد لمدحهم بالفضائل النفسية الخاصية كان مصيباً، وجب أن يكون ما يأتي به من المدح على خلاف الجهة التي ذكرناها في النعوت معيباً.
ومن الأمثلة الجياد في هذا الموضع ما قاله عبد الملك بن مروان لعبيد الله بن قيس الرقيات، حيث عتب عليه في مدحه إياه: إنك قلت في مصعب بن الزبير:
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء
وقلت في:
يأتلق التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب
فوجه عتب عبد الملك: إنما هو من أجل أن هذا المادح عدل به عن الفضائل النفسية، التي هي العقل والعفة والعدل والشجاعة، وما جانس ذلك، ودخل في جملته إلى ما يليق بأوصاف الجسم في البهاء والزينة، وقد كنا قدمنا أن ذلك غلط وعيب.
стр. 71
ومنه قول أيمن بن خزيم، في بشر بن مروان:
يا ابن الذوائب والذرى والأرؤس ... والفرع من مضر العفرنا الأقعس
وابن الأكارم من قريش كلها ... وابن الخلائف وابن كل قلمس
من فرع آدم كابراً عن كابر ... حتى انتهيت إلى أبيك العنبس
مروان إن قناته خطية ... غرست أرومتها أعز المغرس
وبنيت عند مقام ربك قبة ... خضراء كلل تاجها بالفسفس
فسماؤها ذهب وأسفل أرشها ... ورق تلألأ في البهيم الحندس
فما في هذه الأبيات يتعلق بالمدح الحقي، وذلك أن كثيراً من الناس لا يكونون كآبائهم في الفضل، ولم يذكر هذا الشاعر شيئاً غير الآباء، ولم يصف الممدوح بفضيلة في نفسه أصلاً، وذكر بعد ذلك بناءه قبة، ثم وصف القبة بأنها من الذهب والفضة، وهذا أيضاً ليس من المدح، لأن في المال والثروة مع الضعة والفهة ما يمكن معه بناء القباب الحسنة واتخاذ كل آلة فائقة، ولكن ليس ذلك مدحاً يعتد به، ولا نعتاً جارياً على حقه.
ومما نذكره في هذا الموضع، ليصح به شدة قبح هذا المدح، قول أشجع بن عمرو بما يخالف اليسار:
يريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع
وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفه أوسع
فقد أحسن هذا الشاعر، حيث لم يجعل الغنى واليسار فضيلة، بل جعلها غيرهما، وقال أيضاً أيمن بن خريم في بشر:
فلو أعطاك بشر ألف ألفٍ ... رأى حقاً عليه أن يزيدا
وأعقب مدحتي سرجاً خلنجا ... وأبيض جوزجانياً عقودا
فإنا قد وجدنا أم بشر ... كأم الأسد مذكاراً ولودا
فجميع هذا المدح على غير الصواب، وذلك أنه أومأ إلى المدح بالتناهي في الجود أولاً، ثم أفسده في البيت الثاني بذكر السرج وغيره، ثم ذكر في البيت الثالث ما هو إلى أن يكون ذماً أقرب، وذلك أنه جعل أمه ولوداً، والناس مجمعون على أن نتاج الحيوانات الكريمة يكون أعسر، ومنه قول الشاعر:
стр. 72
يغاث الطير أكثرها فراخاً ... وأم الصقر مقلات نزور
ذكر عيوب الهجاء
كما أن معرفة رداءة المدح قد كان سهلها معرفة جيدة، فكذلك عيب الهجاء يسهل الطريق إلى العلم به ما تقدم في باب نعته، وجماع القول فيه: أنه متى سلب المهجو أموراً لا تجانس الفضائل النفسية كان ذلك عيباً في الهجاء، مثل أن ينسب إلى أنه قبيح الوجه، أو صغير الحجم، أو ضئيل الجسم، أو مقتر، أو معسر، أو من قوم ليسوا بأشراف، إذا كانت أفعاله في نفسه جميلة، وخصاله كريمة نبيلة، أو أن يكون أبواه مخطتين، إذا كان مصيباً، أو غويين، إذا وجد رشيداً سديداً، أو بقلة العدد، إذا كان كريماً، أو بعدم النظار، إذا كان راجحاً شهماً، فلست أرى ذلك هجاء جارياً على الحق.
ومما يدل على ذلك، بعد القياس الصحيح، والنظر الصريح، أشعار وأقوال أعددها، فمنها ما أنشدناه أبو العباس أحمد بن يحيى، ثعلب:
رأت نضو أسفار أميمة قاعداً ... على نضو أسفار فجن جنونها
فقالت: من أي الناس أنت ومن تكن ... فإنك راعي ثلة لا نزينها
فقلت لها: ليس الشحوب على الفتى ... بعار ولا خير الرجال سمينها
فهذا صريح في أن القبح والشحوب والسماجة ليست بعار.
ومن هذا أيضاً قول بعضهم في ابن له ازدراه رجال، فمنعهم من نعمه، وقد أغاروا عليها:
رأوه فازدروه وهو خرق ... وينفع أهله الرجل القبيح
ومن الأبيات الأول في أن قلة المال ليست عاراً قوله:
عليك براعي ثلة مسلحبة ... يروح عليه محضنها وحقينها
سمين الضواحي لم تؤرقه ليلة ... وأنعم أبكار الهموم وعونها
وللسموأل في أن قلة العدد ليس عيباً ولا سبة:
تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثيرين ذليل
стр. 73
فعدى هذا الشاعر عن الهجاء الذي عيرتهم به هذه المعيرة، واحتج فيه بما دل على أنه غير صائر، ثم وصف بعد ذلك نفسه وقومه بالأوصاف التي هي لائقة بالمدح، وفي ذكرنا إياها في هذا الموضع منفعة في تعليم الهجاء الجاري على الصواب، فقال:
وإنا لقوم لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا طل منا حيث مات قتيل
لن اجبل يحتله من نجيره ... منيع يرد الطرف وهو كليل
فأتى في هذه الأبيات بالمدح من جهة الشجاعة والبأس والعز، ثم قال:
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
إذا سيد منا خلا قام سيد ... قؤول لما قال الكرام فعول
سلى إن جهلت الناس عنا وعنهم ... وليس سواء عالم وجهول
فأتى في هذه الأبيات بالوصف من جهة العقل والرأي والفهم، ثم قال:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعد بخيل
فأتى بالمدح من جهة الجود، وهو أحد أقسام العدل، كما بينا، ثم قال:
صفونا فلم نكدر وأخلص سرنا ... إناث أطابت حملنا وفحول
فأتى بالمدح من جهة العفة، إذ كان في ذكره طيب الحمل دليل على ذلك؛ أفلا ترى أن هذا الشاعر، لما علم أن المعيرة لم تأت بما يضرهم، احتج في ذلك بما يزيل الظنة عنهم، ثم عمد إلى الفضائل، التي هي فضائل بالحقيقة، فأوجبها لهم، فكأنه أرى بهذا الفعل أن ما قالته المعيرة غير جار على الصواب.
وأنشدنا أحمد بن يحيى في هذا المعنى:
وإني لا أخزى إذا قيل مملق ... سخي وأخزى أن يقال بخيل
وبلغني أن ابن الزبير لما دخل الشام ناداه أهلها: يا ابن ذات النطاقين، فقال لابن أبي عتيق:
وتلك شكاة ظاهر عنك عاراها
فأبان بهذا القول أنه لا يلزمه ما يقال في أمه.
وإذا تؤمل ما ذكرته في هذا الباب، لم يبعد الوقوف على عيب الهجاء كيف يتعرف.
стр. 74
عيوب المراثي:
وأما المراثي: ففي ما قدمته في باب نعوتها ما أبان عن الوجه في باب عيوبها، إذا كان النظر صحيحاً والفكر سليماً.
عيب التشبيه
وأما عيب التشبيه: فتلك سبيله أيضاً لمن كان حافظا لما تقدم من أقوالنا في باب نعوته.
عيب الوصف
وأما عيب الوصف: فبالمضادة في باب نعوته.
الغزل
وأما الغزل: فالقول فيه كالقول فيما مر من هذه الأبواب، إذا كان عيبه إنما هو مضادة ما قدمنا ذكره في باب نعته.
ومن الغزل الجاري على تلك المضادة، وفيه - مع أنه مثال في هذا الموضع للعيب - توكيد لما قدمناه في باب النعوت، قول إسحاق الأعرج مولى عبد العزيز بن مروان:
فلمَّا بدَا لي ما رابنِي ... نزعتُ نزوعَ الأبيِّ الكريمْ
وبلغني أن أبا السائب المخزومي لما أنشد هذا البيت، قال، قبحه الله، لا والله ما أحبها ساعة قط.
ومثلها لنابغة بني تغلب، واسمه الحارث بن عدوان أحد بني زيد ابن عمرو بن غنم بن تغلب:
هجرتَ أمامةَ هجْراً طويلاً ... وما كان هجركَ إلا جمِيلا
على غَيْرِ بغضٍ ولا عنْ قِلى ... وإلاَّ حياءً وإلا ذهُولاً
بخلنَا لبخلكِ قدْ تعلمِين ... فكيف يلومُ البخيلُ البخِيلا
ولما كان المذهب في الغزل إنما هو الرقة واللطافة والشكل والدماثة، كان ما يحتاج فيه أن تكون الألفاظ لطيفة مستعذبة مقبولة، غير مستكرهة، فإذا كانت جاسية مستوخمة كان ذلك عيباً، إلا أنه لما يكن عيباً على الإطلاق، وأمكن أن يكون حسناً، إذ كان قد يحتاج إلى الخشونة في مواضع مثل ذكر البسالة والنجدة واليأس
стр. 75
والمرهبة، كان أحق المواضع التي يكون فيها عيباً الغزل لمنافرته تلك الأحوال وتباعده منها، فمن الكلام المستثقل في الغزل قول عبد الرحمن ابن عبد الله القس:
إن تنأَ داركِ لا أملُّ تذكُّراً ... وعليكِ منِّي رحمةٌ وسلامُ
ومن المستخشن قول هذا الشاعر أيضاً:
سلامَ ليتَ لساناً تنطقينَ به ... قبلَ الذي نالني من صوتِهِ قطعَا
فما رأيت أغلظ ممن يدعو على معشوقته، حيث أجادت في غنائها له، بقطع لسانها.
العيوب العامة للمعاني:
وأما العيوب العامة للمعاني، من الأغراض التي ذكرناها وغيرها، وعموم ذلك إياها، كعموم النعوت التي قدمنا وعددنا في أبوابها، فمنها فساد القسم:
فساد القسم:
وذلك يكون إما بأن يكررها الشاعر، أو يأتي بقسمين: أحدهما داخل تحت الآخر في الوقت الحاضر، أو يجوز أن يدخل أحدهما تحت الآخر في المستأنف، أو أن يدع بعضها فلا يأتي به.
التكرير:
فأما التكرير، فمثل قول هذيل الأشجعي:
فما برحت تومي إليه بطرفها ... وتومض أحياناً إذا خصمها غفل
لأن تومض وتومي بطرفها متساويان في المعنى.
دخول أحد القسمين في الآخر:
وأما دخول أحد القسمين في الآخر، فمثل قول أحدهم:
أبادرُ إهلاك مستهلكٍ ... لماليَ أو عبثَ العابِث
فعبث العابث داخل في إهلاك مستهلك.
ومثل قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
لله نعمتُنا تبارَك ربُّنا ... ربُّ الأنامِ وربُّ من يتأبدُ
فليس يجوز أن يكون أمية أراد بقوله: من يتأبد الوحش، وذلك أن من لا تقع على الحيوان غير الناطق، وإذا كان الأمر على هذا، فمن يتوحش داخل في الأنام، أو يكون أراد بقوله: يتأبد يتقرب من الأبد، وذلك داخل في الأنام أيضاً.
وأما أن يكون القسمان مما يجوز دخول أحدهما في الآخر، فمثل قول أبي عدي القرشي:
следующие страницы →