← Адаб

Адаб · id 28181

نقد الشعر

قدامة بن جعفر

Полный текст (88 стр.). Показаны 71–88 · переход к 76.

стр. 71

ومنه قول أيمن بن خزيم، في بشر بن مروان: يا ابن الذوائب والذرى والأرؤس ... والفرع من مضر العفرنا الأقعس وابن الأكارم من قريش كلها ... وابن الخلائف وابن كل قلمس من فرع آدم كابراً عن كابر ... حتى انتهيت إلى أبيك العنبس مروان إن قناته خطية ... غرست أرومتها أعز المغرس وبنيت عند مقام ربك قبة ... خضراء كلل تاجها بالفسفس فسماؤها ذهب وأسفل أرشها ... ورق تلألأ في البهيم الحندس فما في هذه الأبيات يتعلق بالمدح الحقي، وذلك أن كثيراً من الناس لا يكونون كآبائهم في الفضل، ولم يذكر هذا الشاعر شيئاً غير الآباء، ولم يصف الممدوح بفضيلة في نفسه أصلاً، وذكر بعد ذلك بناءه قبة، ثم وصف القبة بأنها من الذهب والفضة، وهذا أيضاً ليس من المدح، لأن في المال والثروة مع الضعة والفهة ما يمكن معه بناء القباب الحسنة واتخاذ كل آلة فائقة، ولكن ليس ذلك مدحاً يعتد به، ولا نعتاً جارياً على حقه. ومما نذكره في هذا الموضع، ليصح به شدة قبح هذا المدح، قول أشجع بن عمرو بما يخالف اليسار: يريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفه أوسع فقد أحسن هذا الشاعر، حيث لم يجعل الغنى واليسار فضيلة، بل جعلها غيرهما، وقال أيضاً أيمن بن خريم في بشر: فلو أعطاك بشر ألف ألفٍ ... رأى حقاً عليه أن يزيدا وأعقب مدحتي سرجاً خلنجا ... وأبيض جوزجانياً عقودا فإنا قد وجدنا أم بشر ... كأم الأسد مذكاراً ولودا فجميع هذا المدح على غير الصواب، وذلك أنه أومأ إلى المدح بالتناهي في الجود أولاً، ثم أفسده في البيت الثاني بذكر السرج وغيره، ثم ذكر في البيت الثالث ما هو إلى أن يكون ذماً أقرب، وذلك أنه جعل أمه ولوداً، والناس مجمعون على أن نتاج الحيوانات الكريمة يكون أعسر، ومنه قول الشاعر:

стр. 72

يغاث الطير أكثرها فراخاً ... وأم الصقر مقلات نزور ذكر عيوب الهجاء كما أن معرفة رداءة المدح قد كان سهلها معرفة جيدة، فكذلك عيب الهجاء يسهل الطريق إلى العلم به ما تقدم في باب نعته، وجماع القول فيه: أنه متى سلب المهجو أموراً لا تجانس الفضائل النفسية كان ذلك عيباً في الهجاء، مثل أن ينسب إلى أنه قبيح الوجه، أو صغير الحجم، أو ضئيل الجسم، أو مقتر، أو معسر، أو من قوم ليسوا بأشراف، إذا كانت أفعاله في نفسه جميلة، وخصاله كريمة نبيلة، أو أن يكون أبواه مخطتين، إذا كان مصيباً، أو غويين، إذا وجد رشيداً سديداً، أو بقلة العدد، إذا كان كريماً، أو بعدم النظار، إذا كان راجحاً شهماً، فلست أرى ذلك هجاء جارياً على الحق. ومما يدل على ذلك، بعد القياس الصحيح، والنظر الصريح، أشعار وأقوال أعددها، فمنها ما أنشدناه أبو العباس أحمد بن يحيى، ثعلب: رأت نضو أسفار أميمة قاعداً ... على نضو أسفار فجن جنونها فقالت: من أي الناس أنت ومن تكن ... فإنك راعي ثلة لا نزينها فقلت لها: ليس الشحوب على الفتى ... بعار ولا خير الرجال سمينها فهذا صريح في أن القبح والشحوب والسماجة ليست بعار. ومن هذا أيضاً قول بعضهم في ابن له ازدراه رجال، فمنعهم من نعمه، وقد أغاروا عليها: رأوه فازدروه وهو خرق ... وينفع أهله الرجل القبيح ومن الأبيات الأول في أن قلة المال ليست عاراً قوله: عليك براعي ثلة مسلحبة ... يروح عليه محضنها وحقينها سمين الضواحي لم تؤرقه ليلة ... وأنعم أبكار الهموم وعونها وللسموأل في أن قلة العدد ليس عيباً ولا سبة: تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثيرين ذليل

стр. 73

فعدى هذا الشاعر عن الهجاء الذي عيرتهم به هذه المعيرة، واحتج فيه بما دل على أنه غير صائر، ثم وصف بعد ذلك نفسه وقومه بالأوصاف التي هي لائقة بالمدح، وفي ذكرنا إياها في هذا الموضع منفعة في تعليم الهجاء الجاري على الصواب، فقال: وإنا لقوم لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا طل منا حيث مات قتيل لن اجبل يحتله من نجيره ... منيع يرد الطرف وهو كليل فأتى في هذه الأبيات بالمدح من جهة الشجاعة والبأس والعز، ثم قال: وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول إذا سيد منا خلا قام سيد ... قؤول لما قال الكرام فعول سلى إن جهلت الناس عنا وعنهم ... وليس سواء عالم وجهول فأتى في هذه الأبيات بالوصف من جهة العقل والرأي والفهم، ثم قال: فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعد بخيل فأتى بالمدح من جهة الجود، وهو أحد أقسام العدل، كما بينا، ثم قال: صفونا فلم نكدر وأخلص سرنا ... إناث أطابت حملنا وفحول فأتى بالمدح من جهة العفة، إذ كان في ذكره طيب الحمل دليل على ذلك؛ أفلا ترى أن هذا الشاعر، لما علم أن المعيرة لم تأت بما يضرهم، احتج في ذلك بما يزيل الظنة عنهم، ثم عمد إلى الفضائل، التي هي فضائل بالحقيقة، فأوجبها لهم، فكأنه أرى بهذا الفعل أن ما قالته المعيرة غير جار على الصواب. وأنشدنا أحمد بن يحيى في هذا المعنى: وإني لا أخزى إذا قيل مملق ... سخي وأخزى أن يقال بخيل وبلغني أن ابن الزبير لما دخل الشام ناداه أهلها: يا ابن ذات النطاقين، فقال لابن أبي عتيق: وتلك شكاة ظاهر عنك عاراها فأبان بهذا القول أنه لا يلزمه ما يقال في أمه. وإذا تؤمل ما ذكرته في هذا الباب، لم يبعد الوقوف على عيب الهجاء كيف يتعرف.

стр. 74

عيوب المراثي: وأما المراثي: ففي ما قدمته في باب نعوتها ما أبان عن الوجه في باب عيوبها، إذا كان النظر صحيحاً والفكر سليماً. عيب التشبيه وأما عيب التشبيه: فتلك سبيله أيضاً لمن كان حافظا لما تقدم من أقوالنا في باب نعوته. عيب الوصف وأما عيب الوصف: فبالمضادة في باب نعوته. الغزل وأما الغزل: فالقول فيه كالقول فيما مر من هذه الأبواب، إذا كان عيبه إنما هو مضادة ما قدمنا ذكره في باب نعته. ومن الغزل الجاري على تلك المضادة، وفيه - مع أنه مثال في هذا الموضع للعيب - توكيد لما قدمناه في باب النعوت، قول إسحاق الأعرج مولى عبد العزيز بن مروان: فلمَّا بدَا لي ما رابنِي ... نزعتُ نزوعَ الأبيِّ الكريمْ وبلغني أن أبا السائب المخزومي لما أنشد هذا البيت، قال، قبحه الله، لا والله ما أحبها ساعة قط. ومثلها لنابغة بني تغلب، واسمه الحارث بن عدوان أحد بني زيد ابن عمرو بن غنم بن تغلب: هجرتَ أمامةَ هجْراً طويلاً ... وما كان هجركَ إلا جمِيلا على غَيْرِ بغضٍ ولا عنْ قِلى ... وإلاَّ حياءً وإلا ذهُولاً بخلنَا لبخلكِ قدْ تعلمِين ... فكيف يلومُ البخيلُ البخِيلا ولما كان المذهب في الغزل إنما هو الرقة واللطافة والشكل والدماثة، كان ما يحتاج فيه أن تكون الألفاظ لطيفة مستعذبة مقبولة، غير مستكرهة، فإذا كانت جاسية مستوخمة كان ذلك عيباً، إلا أنه لما يكن عيباً على الإطلاق، وأمكن أن يكون حسناً، إذ كان قد يحتاج إلى الخشونة في مواضع مثل ذكر البسالة والنجدة واليأس

стр. 75

والمرهبة، كان أحق المواضع التي يكون فيها عيباً الغزل لمنافرته تلك الأحوال وتباعده منها، فمن الكلام المستثقل في الغزل قول عبد الرحمن ابن عبد الله القس: إن تنأَ داركِ لا أملُّ تذكُّراً ... وعليكِ منِّي رحمةٌ وسلامُ ومن المستخشن قول هذا الشاعر أيضاً: سلامَ ليتَ لساناً تنطقينَ به ... قبلَ الذي نالني من صوتِهِ قطعَا فما رأيت أغلظ ممن يدعو على معشوقته، حيث أجادت في غنائها له، بقطع لسانها. العيوب العامة للمعاني: وأما العيوب العامة للمعاني، من الأغراض التي ذكرناها وغيرها، وعموم ذلك إياها، كعموم النعوت التي قدمنا وعددنا في أبوابها، فمنها فساد القسم: فساد القسم: وذلك يكون إما بأن يكررها الشاعر، أو يأتي بقسمين: أحدهما داخل تحت الآخر في الوقت الحاضر، أو يجوز أن يدخل أحدهما تحت الآخر في المستأنف، أو أن يدع بعضها فلا يأتي به. التكرير: فأما التكرير، فمثل قول هذيل الأشجعي: فما برحت تومي إليه بطرفها ... وتومض أحياناً إذا خصمها غفل لأن تومض وتومي بطرفها متساويان في المعنى. دخول أحد القسمين في الآخر: وأما دخول أحد القسمين في الآخر، فمثل قول أحدهم: أبادرُ إهلاك مستهلكٍ ... لماليَ أو عبثَ العابِث فعبث العابث داخل في إهلاك مستهلك. ومثل قول أمية بن أبي الصلت الثقفي: لله نعمتُنا تبارَك ربُّنا ... ربُّ الأنامِ وربُّ من يتأبدُ فليس يجوز أن يكون أمية أراد بقوله: من يتأبد الوحش، وذلك أن من لا تقع على الحيوان غير الناطق، وإذا كان الأمر على هذا، فمن يتوحش داخل في الأنام، أو يكون أراد بقوله: يتأبد يتقرب من الأبد، وذلك داخل في الأنام أيضاً. وأما أن يكون القسمان مما يجوز دخول أحدهما في الآخر، فمثل قول أبي عدي القرشي:

стр. 76

غير ما أنْ أكونَ نلتُ نوَالاً ... من نداهَا عفْواً ولا مهنِيَّاً فالعفو قد يجوز أن يكون مهنياً، والمهني قد يجوز أن يكون عفواً. وقد ضحك من أنوك سأل مرة فقال: علقمة بن عبدة جاهلي أو من بني تميم؟ فلأن الجاهلي قد يكون من بني تميم ومن بني عامر، والتميمي قد يكون جاهلياً وإسلامياً. ومن ذلك قول عبد الله بن سلمة الغامدي: فهبطتُ غيْثاً ما تفزعُ وحشهُ ... من بين سربٍ ناوي وكنوسِ ناو: سمين، يقال: نوى سمن، والسمين يجوز أن يكون كانساً أو راتعاً، والكانس يجوز أن يكون سميناً أو هزيلاً. وأما القسم التي يترك بعضها مما لا يحتمل الواجب تركه، فمثل قول جرير في بني حنيفة: صارتْ حنيفةُ أثلاثاً فثلثهمُ ... من العبيدِ وثلثٌ من مواليهَا وبلغني أن هذا الشعر أنشد في مجلس، ورجل من بني حنيفة حاضر فيه، فقيل له: من أيهم أنت؟ فقال: من الثلث الملغى ذكره. ومن عيوب المعاني: فساد المقابلات . ومن كان حافظاً لما ذكرناه من صحة المقابلات في باب النعوت ظهر له الحال في فسادها كثيراً. فساد المقابلات وهو أن يضع الشاعر معنى يريد أن يقابله بآخر، إما على جهة الموافقة أو المخالفة، فيكون أحد المعنيين لا يخالف الآخر ولا يوافقه، مثال ذلك قول أبي عدي القرشي: يا ابنَ خيرِ الأخيارِ من عبدِ شمسٍ ... أنت زينُ الدنيا وغيثُ الجنودِ فليس قوله: وغيث الجنود، موافقاً لقوله: زين الدنيا، ولا مضاداً، وذلك عيب. ومنه قول هذا الرجل أيضاً في مثل ذلك: رحماءٌ بذي الصلاح وضرَّاً ... بونَ قدْماً لهامةِ الصنديدِ فليس للصنديد فيما تقدم ضد ولا مثل، ولعله لو كان مكان قوله: الصنديد الشرير،

стр. 77

كان ذلك جيداً لقوله: ذو الصلاح. وللعدول عن هذا العيب غير الرواة قول امرئ القيس: فلوْ أنها نفسٌ تموتُ سويةً ... ولكنَّها نفسٌ تساقطُ أنفُسا فابدلوا مكان: سوية: جميعة لأنها في مقابلة تساقط أنفساً أليق من سوية. ومن عيوب المعاني: فساد التفسير . فساد التفسير ومن كان ذاكراً لما قدمناه في باب نعت هذا المعنى عرف الوجه في عيبه. مثال في ذلك: ما جاءني به بعض الشعراء في هذا الوقت، وأنا أطلب مثالات في هذا الباب، يستفتيني فيه وهو: فيَا أيها الحيرانُ في ظلمِ الدجَى ... ومن خافَ أن يلقاهُ بغيٌ من العدَى تعالَ إليه تلقَ من نورِ وجههِ ... ضياءً ومن كفيهِ بحراً من الندَى وقد كان هذا الرجل يسمعني كثيراً أخوض في أشياء من نقد الشعر، فيعي بعض ذلك، ويستجيد الطريق التي أوضحها له، فلما وقع هذان البيتان في قصيدة له، ولاح له ما فيهما من العيب، ولم يتحققه صار إلي فيهما، وذكر انه عرضهما على جماعة من الشعراء وغيرهم، ممن ظن أن عنده مفتاحاً له، وأن بعضهم جوزهما، وبعضهم شعر بالعيب فيهما ولم يقدر على شرحه، فذكرت له الحال فيه، وأثبت البيتين في هذا الباب مثالاً. ووجه العيب فيهما: أن هذا الشاعر، لما قدم في البيت الأول الظلم وبغي العدى، كان الجيد أن يفسر هذين المعنيين في البيت الثاني بما يليق بهما، فأتى بإزاء الإظلام بالضياء، وذلك صواب، وكان الواجب أن يأتي بإزاء بغي العدى بالنصرة أو بالعصمة أو بالوزر أو بما جانس ذلك مما يحتمى به الإنسان من أعدائه، فلم يأت بذلك وجعل مكانه ذكر الندى، ولو كان ذكر الفقر أو العدم لكان ما أتى به صواباً. وقد يتفرع من هذا الباب خطآن إذا وقعا فيه، خرجا إلى بابين آخرين من أبواب عيوب الشعر. أحدهما: أن يكون هذا الشاعر مثلاً لو لم يأت بخلاف القسم الثاني، بل تركه، لدخل في باب الخلل؛ ولو لم يتركه، بل أتى به وزاد عليه، لدخل في باب الحشو، وقد ذكرنا هذين البابين في مواضعهما.

стр. 78

ومن عيوب المعاني: الاستحالة والتناقض . الاستحالة والتناقض وهما أن يذكر في الشعر شيء، فيجمع بينه وبين المقابل له من جهة واحدة، والأشياء تتقابل على أربع جهات: إما على طريق المضاف، ومعنى المضاف هو الشيء الذي إنما يقال بالقياس إلى غيره، مثل الضعف إلى نصفه، والمولى إلى عبده، والأب إلى ابنه، فكل واحد من الأب والابن والمولى والعبد والضعف والنصف يقال بالإضافة إلى الآخر، وهذه الأشياء من جهة ما أن كل واحد منها يقال بالقياس إلى غيره، هي من المضاف، ومن جهة أن كل واحد منها بإزاء صاحبه كالمقابل له، فهي من المتقابلات. وإما على طريق التضاد، مثل: الشرير للخير، والحار للبارد، والأبيض للأسود. وإما على طريق العدم والقنية، مثل الأعمى والبصير، والأصلع وذي الجمة. وإما على طريق النفي والإثبات، مثل أن يقال: زيد جالس، زيد ليس بجالس. فإذا أتى في الشعر جمع بين متقابلين من هذه المتقابلات، وكان هذا الجمع من جهة واحدة، فهو عيب فاحش غير مخصوص بالمعاني الشعرية، بل هو لاحق بجميع المعاني، وأعني بقولي: من جهة واحدة: ا، هـ قد يجوز أن يجتمع في كلام منثور أو منظوم متقابلان من هذه المتقابلات، ويكون ذلك الاجتماع من جهتين لا من جهة واحدة، فيكون الكلام مستقيماً غير محال ولا متناقض، مثال ذلك أن يقال في تقابل المضاف: إن العشرة مثلاً ضعف وإنها نصف، لكن يقال: إنها ضعف لخمسة ونصف لعشرين، فلا يكون ذلك محالاً إذا قيل من جهتين، فأما من جهة واحدة كما إذا قيل: إنها ضعف ونصف لخمسة فلا. وكذلك يجوز أن يجتمع المتقابلات على طريق العدم والقنية من جهتين، مثال ذلك أن يقال: زيد أعمى بصير القلبن فيكون ذلك صحيحاً، فأما من جهة واحدة، كما لو قيل في إنسان: واحد إنه أعمى العين بصيرها، فلا. وكذلك في التضاد أن يقال في الفاتر: حار عند البارد، وبارد عند الحار، فأما عند أحدهما فلا. وفي النفي والإثبات أن يقال: زيد جالس، في وقته الحاضر الذي هو فيه جالس، وغير جالس في الوقت الآتي الذي يقوم فيه إذا قام، فذلك جائز، فأما في وقت واحد وحال واحدة جالس وغير جالس فلا. ولهذه العلة يجوز ما يأتي في الشعر على هذه السبيل، مثل ما قال خفاف بن ندبة: إذا انتكثَ الحبلُ ألفيتَه ... صبورَ الجنانِ رزيناً خفيفَاً

стр. 79

فلو لم تكن إرادته أنه رزين من حيث ليس خفيفاً، وخفيف من حيث ليس رزيناً، لم يجز، ومثل ما قال الشنفرى: فدقتْ وجلتْ واسبكرتْ وأكملتْ ... فلو جنَّ إنسانٌ من الحسنِ جنتِ فإنه إنما أراد دقت من جهة وجلت من أخرى، فأما لو كان أراد أنها دقت من حيث جلت، لم يكن جائزاً. وقد جاء في الشعر من الاستحالة والتناقض ما لا عذر فيه، وما جمع فيما قيل فيه بين المتقابلات من جهة واحدة، ومنه ما التناقض فيه ظاهر، يعلم في أول ما يلقى السمع، ومنه ما يحتاج إلى تنبيه على موضع التناقض فيه. ومما جاء في ذلك على جهة التضاد، قول أبي نواس يصف الخمر: كأنَّ بقايا ما عفَا من حبابِها ... تفاريقُ شيبٍ في سوادِ عذارِ فشبه حباب الكأس بالشيب، وذلك قول جائز، لأن الحباب يشبه الشيب في البياض وحده، لا في شيء آخر غيره، ثم قال: تردتْ به ثم انفرَى عن أدِيمها ... تفرىَ ليلٍ عن بياض نهارٍ فالحباب الذي جعله في هذا البيت الثاني كالليل، هو الذي كان في البيت الأول أبيض كالشيب، والخمر التي كانت في البيت الأول كسواد العذار هي التي صارت في البيت الثاني كبياض النهار، وليس في هذا التناقض منصرف إلى جهة من جهات العذر، لأن الأبيض والأسود طرفان متضادان، وكل واحد منهما في غاية البعد عن الآخر، فليس يجوز أن يكون شيء واحد منهما في غاية البعد عن الآخر، فليس يجوز أن يكون شيء واحد يوصف بأنه أبيض وأسود، إلا كما يوصف الأدكن في الألوان بالقياس إلى واحد من الطرفين اللذين هو واسطة بينهما، فيقال: إنه عند الأبيض أسود، وعند الأسود أبيض، وليس فيما قاله أبو نواس حال توجب انصراف ما قاله إلى هذه الجهة. ولعل قوماً أن يحتجوا لأبي نواس بأن يقولوا: إن قوله: تفرى ليل عن بياض نهار لم يرد به أسود ولا أبيض، لكن الذي أراده إنما هو ذات التفري وانحسار الشيء عن الشيء، أسود كان أو أبيض أو غير ذلك من الألوان. فنقول: من يحتج بهذه الحجة تبطل من جهات: إحداها: أن الرجل قد صرح بأنه لم يرد غير اللون فقط، بقوله: عن بياض نهار، والثانية: تشبيهه الحباب بالشيب، لأن الحباب لا يشبه الشيب من جهة من الجهات غير البياض، والثالثة: أن النهار والليل ليس هما غير الضياء والظلمة، فيظن بالجاعل

стр. 80

لهما في وصف من الأوصاف أنه أراد شيئاً آخر، فإن القائل مثلاً في شيء إنه قد تبرأ من شيء كما تتبرأ الشعرة من العجين، قد يجوز أن يصرف قوله هذا على وجهين: أحدهما: أن يظن أنه أراد ذات تبرؤ شيء، ويجوز أن يظن أنه إنما أراد تبرؤ الأسود من الأبيض، لأن في الشعرة والعجين جسماً يجوز أن يتبرأ من جسم، وسواداً وبياضاً، فأما الليل والنهار فليس هما غير سواد وبياض فقط، فأما جسم يتبرأ من جسم فلا. التناقض على طريف المضاف: ومما جاء في الشعر من التناقض على طريق المضاف، قول عبد الرحمن ابن عبد الله القس: فإنِّي إذا ما الموتُ حلَّ بنفسِها ... يزالُ بنفسِي قبلَ ذاكَ فأقبرُ فقد جمع بين قبل وبعد، وهما من المضاف، لأنه لا قبل إلا لبعد، ولا بعد إلا لقبل، حيث قال: إنه إذا وقع الموت بها، وهذا القول كأنه شرط وضعه ليكون له جواب يأتي به، وجوابه هو قوله: يزال بنفسه قبل ذاك، وهذا شبيه بقول قائل لو قال: إذا انكسر الكوز انكسرت الجرة قبله، ومنزلة هذا التناقض عندي فوقه منزلة جمع المتقابلين في الشناعة، لأن هذا الشاعر جعل ما هو قبل بعداً. التناقض على طريق القنية والعدم ومما جاء في الشعر من التناقض على طريق القنية والعدم، قول ابن نوفل: لأعلاجٍ ثمانيةٍ وشيخٍ ... كبيرِ السنِّ ذي بصرٍ ضريرٍ فلفظة: ضرير إنما تستعمل - وهي تصريف فعيل من الضر - في الأكثر للذي لا بصر له، وقول هذا الشاعر في هذا الشيخ: إنه ذو بصر وإنه ضرير، تناقض من جهة القنية والعدم، وذلك أنه كأنه يقول: إن له بصراً ولا بصر له، فهو بصير أعمى. فإن قال قائل: إنه ضرير، راجع على البصر بأنه أعمى، فالعرب أولاً إنما تريد بضرير الإنسان الذي قد لحقه الضر بذهاب بصره لا البصر نفسه، وأيضاً فليس البصر هو العين التي يقع عليها العمى بل ذات الإبصار، وذات الإبصار لا يقال: إنها عمياء، كما لا يقال: إن حدة السيف كليلة، بل إنما يقال: إن السيف كليل، لأن الحدة، لا تكل، وكذلك البصر لا يعمى، ولكن هو في توسع اللغة، وتسمح العرب في اللفظ جائز على طريق المجاز، وقد جاء في أقوى المواضع حجة، وهو القرآن في قوله فإنها لا تعمي الأبصار ولكنه إذا جاز في البصر أن يقال: أعمى، فلا أراه يجوز

стр. 81

أن يقال فيه: مضرور، وارى إنما يدخل في هذا الباب. ومن التناقض قول ابن الرمة: تراهُ إذا أبصرَ الضيفَ كلبهُ ... يكلمهُ من حبّه وهو أعجمُ فإن هذا الشاعر أقنى الكلب الكلام، في قوله: أنه يكلمه، ثم أعدمه إياه عند قوله: إنه أعجم، من غير أن يزيد في القول ما يدل على أن ما ذكره إنما أجراه على طريق الاستعارة، فإن عذر هذا الشاعر ببعض المعاذير، إذ كانت الحجج كثيرة، فهلا قال كما قال عنترة العبسي: فازورَّ من وقعِ القَنا بلبانهِ ... وشكَا إلى بعبرةٍ وتحمحمِ فلم يخرج الفرس عما له من التحمحم إلى الكلام، ثم قال: لو كانَ يدرِي ما المحاورةُ اشتكَى ... ولكان، لو علِم الكلامَ، مكلمِي فوضع عنترة ما أراده في موضعه. التناقض على طريق الإيجاب والسلب ومما جاء في الشعر من التناقض على طريق الإيجاب والسلب، قول عبد الرحمن بن عبد الله القس: أرى هجرهَا والقتلَ مثلينِ فاقصرُوا ... ملامكمُ فالقتلُ أعفَى وأيسرُ فأوجب هذا الشاعر الهجر والقتل أنهما مثلان، ثم سلبهما ذلك بقوله: إن القتل أعفى وأيسر، فكأنه قال: إن القتل مثل الهجر، وليس هو مثله. وأرى أن هذا الشاعر أراد أن يقول: بل القتل أعفى وأيسر، ولو قال: بل لكان الشعر مستقيماً، لأن مقام لفظة: بل مقام ما ينفي الماضي ويثبت المستأنف، لكنه لما لم يقلها، وأتى بجمع الإثبات ونفيه استحال شعره. وليس إذا علمنا أن شاعراً أراد لفظة تقيم شعره، فجعل مكانها لفظة تحيله وتفسده، وجب أن يحتسب له ما يتوهم أنه أراده، ويترك ما قد صرح به، ولو كانت الأمور كلها تجري على هذا لم يكن خطأ. وأرى أن مما يجري هذا المجرى قول يزيد بن مالك الغامدي، حيث قال: أكفُّ الجهلَ عن حلماءِ قومي ... وأعرضُ عن كلامِ الجاهلينَا ثم قال في هذه القصيدة بعد هذا البيت: إذا رجلٌ تعرضَ مستخِفاً ... لنا بالجهلِ أوشكَ أن يحينَا

стр. 82

فقد أوجب هذا الشاعر في البيت الأول لنفسه الحلم والإعراض عن الجهال، ونفى ذلك بعينه في البيت الثاني بتعديه في معاقبة الجاهل إلى أقصى مراتب العقوبات وهو القتل. ولأبي نواس أيضاً شيء شبه هذا وهو قوله: ولي عهدٍ مالهُ قرينُ ... ولا له شبهٌ ولا خدينُ استغفرُ اللهَ، بلَى هارونُ ... يا خيرَ من كانَ ومن يكونُ إلا النبيُّ المصطفَى الميمونُ ... ذلت بك الدُّنيا وعزَّ الدينُ فصير هارون شبيهاً بولي العهد، ثم قال: إنه خير الناس، ولم يستثن بهارون، فكأنه إما خير منه، وليس خيراً منه، لأنه شبيهه أو كشبيهه، وليس بشبيهه، لأنه خير منه، وهذا جمع بين النفي والإثبات. ومما يجري هذا المجرى، وقد أنكره الناس وعابوه، قول زهير ابن أبي سلمى: حيَّ الديارَ الَّتي لم يعفُهَا القدمُ ... بلَى وغيرهَا الأرواحُ والديمُ إيقاع الممتنع ومن عيوب المعاني: إيقاع الممتنع فيها في حال ما يحوز وقوعه ويمكن كونه، والفرق بين الممتنع والمتناقض - الذي تقدم الكلام فيه - أن المتناقض لا يكون، ولا يمكن تصوره في الوهم، والممتنع لا يكون، ويجوز أن يتصور في الوهم. ومما جاء في الشعر - قد وضع الممتنع فيه فيما يجوز وقوعه - قول أبي نواس: يا أمينَ الله عِشْ أبَداً ... دُمْ عَلَى الأيامِ والزمنِ فليس يخلو هذا الشاعر من أن يكون تفاءل لهذا الممدوح بقوله: عش أبداً، أو دعا له، وكلا الأمرين، مما لا يجوز، مستقبح. ولعل معترضاً أن يعترض على هذا القول منا في هذا الموضع فيقول: إنه مناقضة لا استجزناه ورأيناه صواباً في صدر هذا الكتاب من الغلو، ويجعل قول أبي نواس هذا غلواً، يلزمنا تجويزه، كما أصلنا تجويز الغلو وتجويده. ونحن نقول: إن هذا وما أشبهه ليس غلواً ولا إفراطاً، بل خروجاً عن حد الغلو الذي يجوز أن يقع إلى حد الممتنع الذي لا يجوز أن يقع، لأن الغلو إنما هو تجاوز في نعت ما

стр. 83

للشيء أن يكون عليه، وليس خارجاً عن طباعه إلى ما لا يجوز أن يقع له، لأن الذي كنا قلنا: إنه جائز، مثل قول النمر بن تولب: تظلُّ تَحفرُ عنهُ إن ضربتَ بهِ ... بعد الذراعينِ والساقينِ والهادِي فليس خارجاً عن طباع السيف أن يقطع الذراعين والساقين والهادي. وأن يؤثر بعد ذلك ويغوص في الأرض، ولكنه مما لا يكاد أن يكون: وكذلك ما قلناه فيما قال مهلهل: فلوْلا الريحُ أسمعَ أهلُ حجرٍ ... صليلَ البيض تقرعُ بالذكورِ فإنه أيضاً ليس يخرج عن طباع أهل حجر أن يسمعوا الأصوات من الأماكن البعيدة، ولا خارج عن طباع البيض أن تصل ويشتد طنينها بقرع السيوف إياها، ولكن يبعد بعد المسافة بين موضع الوقعة وحجر بعداً لا يكاد يقع. وليس في طباع الإنسان أن يعيش أبداً، وأيضاً فإنا كنا قد قدمنا أن مخارج الغلو إنما هي على يكاد وليس في قول أبي نواس: عش أبداً، موضع يحسن فيه، لأنه لا يحسن على مذهب الدعاء أن يقال: يا أمين الله تكاد تعيش أبداً. مخالفة العرف: ومن عيوب المعاني: مخالفة العرف، والإتيان بما ليس في العادة والطبع، وذلك مثل قول المرار: وخالٍ على خديك يبدُو كأنَّهُ ... سنا البدْر في دعجاءَ بادٍ دجونهَا فالمتعارف المعلوم أن الخيلان سود، أو ما قاربها في ذلك اللون، والخدود الحسان إنما هي البيض، وبذلك تنعت، فأتى هذا الشاعر بقلب المعنى. ومن هذا المجلس قول الحكم الخضري: كانتْ بنُو غالبٍ لأمتها ... كالغيثِ في كلِّ ساعةٍ يكفُ فليس في المعهود أن يكون الغيث واكفاً في كل ساعة.

стр. 84

نسب الشيء إلى ما ليس منه: ومن عيوب المعاني: أن ينسب الشيء إلى ما ليس منه، كما قال خالد بن صفوان: فإن صورةٌ راقتكَ فاخبُرْ فربَّما ... أمرَّ مذاقُ العودِ، والعودُ أخضرُ فهذا الشاعر بقوله: ربما أمر مذاق العود والعود أخضر. كأنه يومئ إلى أن سبيل العود الأخضر، في الأكثر، أن يكون عذباً، أو غير مر، وهذا ليس بواجب، لأنه ليس العود الأخضر بطعم من الطعوم أولى منه بالآخر. ولنتبع ما تكلمنا به في عيوب المعاني بما في الأقسام الأربعة المؤتلفة. من ذلك: عيوب ائتلاف اللفظ والمعنى. فمنها: الإخلال: وهو أن يترك من اللفظ ما به يتم المعنى. مثال ذلك قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أعاذل عاجل ما أشتهي ... أحب من الأكثر الرائث فإنما أراد أن يقول: عاجل ما أشتهي مع القلة أحب إلى من الأكثر المبطئ فترك مع القلة وبه يتم المعنى. ومثل ذلك قول عروة بن الورد: عجبتُ لهم إذ يقتلونَ نفوسهمْ ... ومقلتهمْ عند الوغَى كان أعذرَا فإنما أراد أن يقول: عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم في السلم، ومقلتهم عند الوغى أعذر فترك في السلم. ومن هذا الجنس قول الحارث بن حلزة: والعيشُ خيرٌ في ظِلا ... لِ النوكِ ممنْ عاَش كدَّا فأراد أن يقول: والعيش خير في ظلال النوك من العيش بكد في ظلال العقل فترك شيئاً كثيراً، وعلى أنه لو قال ذلك لكان في هذا الشعر خلل آخر، لأن الذي يظهر أنه أراده، هو أن يقول: إن العيش الناعم في ظلال النوك خير من العيش الشاق في ظلال العقل فأخل بشيء كثير. ومن هذا الجنس نوع آخر، وهو كما قال بعضهم:

стр. 85

لا يرمضُون إذا حرتْ مغافرهمْ ... ولا ترى منهمْ في الطعنِ ميَّالا ويفشلونَ إذا نادَى ربيئهمْ ... ألا اركبنَّ فقد آنستُ أبطالا فأراد أن يقول: ولا يفشلون فحذف لا فعاد المعنى إلى الضد ومن عيوب هذا الجنس، عكس العيب المتقدم، وهو أن يزيد في اللفظ ما يفسد به المعنى، مثال ذلك قول بعضهم: فما نطفةٌ من ماءِ نحضٍ عذيبةٌ ... تمنعُ من أيدِي الرقاةِ ترومُها بأطيبَ مِنْ فيها لو أنكَ ذقتهُ ... إذا ليلةٌ أسجتْ وغارتْ نجومهَا فقول هذا الشاعر: لو أنك ذقته زيادة توهم أنه لو لم يذقه لم يكن طيباً. عيوب ائتلاف اللفظ والوزن: منها الحشو. الحشو: وهو أ، يخشى البيت بلفظ لا يحتاج إليه لإقامة الوزن. مثال ذلك ما قال أبو عدي القرشي: نحنُ الرؤوسُ وما الرؤوسُ إذا سمتْ ... في المجدِ للأقوَام كالأذنابِ فقوله: للأقوام، حشو لا منفعة فيه. وقال مصقلة بن هبيرة: ألكْنِي إلى أهلِ العراقِ رسالةً ... وخصَّ بها، حييتَ، بكرَ بنَ وائلِ فقوله: حييت، حشو لا منفعة فيه. ومنها التثليم. التثليم: وهو أن يأتي الشاعر بأسماء يقصر عنها العروض، فيضطر إلى ثلمها النقص منها، مثال ذلك قول أمية بن أبي الصلت: لا أرَى من يعيننِي في حياتِي ... غيرَ نفسِي إلا بنِي إسرالِ وقال في هذه القصيدة: أيُّما شاطنٍ عصَاه عكاهُ ... ثمَّ يلقَى في السجنِ والأكبَال وقال علقمة بن عبدة: كأنَّ إبريقهمْ ظبيٌ على شرفِ ... مقدمٌ بسبا الكتان ملثومُ أراد: بسبائب الكتان، فحذف للعروض. وقال لبيد بن ربيعة: درسً المنا بمتالعٍ فأبانٍ أراد المنازل.

стр. 86

ومنها التذنيب. التذنيب: وهو عكس العيب المتقدم، وذلك أن يأتي الشاعر بألفاظ تقصر عن العروض، فيضطر إلى الزياد فيها. مثال ذلك ما قال الكميت: لا كعبدِ المليكِ أو كيزيدِ ... أو سليمان بعدُ أو كهشامِ فالملك والمليك اسمان لله ، وليس إذا سمي إنسان بالتعبد لأحدهما، وجب أن يكون مسمى بالآخر، كما أنه ليس من سمى: عبد الرحمن هو من سمى عبد الله. ومن هذا الجنس: التغيير. التغيير: وهو أ، يحيل الشاعر الاسم عن حاله وصورته إلى صور أخرى، إذا اضطرته العروض إلى ذلك. كما قال بعضهم يذكر سليمان ﵇: ونسج سليم كل قضاء ذائل وكما قال آخر: منْ نسجٍ داودِ أبي سلامِ ومنه التفصيل. التفصيل: وهو ألا ينتظم للشاعر نسق الكلام على ما ينبغي لمكان العروض، فيقدم ويؤخر، كما قال دريد بن الصمة: وبلغْ نميراً، إن عرضتً، ابن عامرٍ ... فأيُّ أخٍ في النائباتِ وطالبِ ففرق بين نمير بن عامر بقوله: إن عرضت، وكما قال أبو عدي القرشي: خيرُ راعي رعيةٍ، سرهُ الله ... هشامٌ وخيرُ مأوى طريد وكما قال الآخر: لعمرُ أبيها لا تقولُ حليلتي ... ألا فرَّ عني مالكُ بنُ أبي كعبْ عيوب ائتلاف المعنى والوزن: منها المقلوب. المقلوب: وهو أن يضطر الوزن الشعري إلى إحالة المعنى، فيقلبه الشاعر إلى خلاف ما قصد به. مثال ذلك لعروة بن الورد: فلو أنِّي شهدتُ أبا سعادٍ ... غداةَ غَداً بمهجتهِ يفوقُ فديتُ بنفسهِ نفسِي وماليِ ... وما آلوكَ إلا ما أطيقُ أراد أن يقول: فديت نفسه بنفسي، فقلب المعنى. وللحطيئة: فلمَّا خشيتُ الهونَ والعيرُ ممسكٌ ... على رغمهِ ما أثبتَ الحبل حافرهُ أراد: الحبل حافره، فانقلب المعنى. ومنها المبتور: المبتور: وهو ان يطول المعنى عن أن

стр. 87

يحتمل العروض تمامه في بيت واحد، فيقطعه بالقافية، ويتمه في البيت الثاني، مثال ذلك قول عروة بن الورد: فلو كاليَوْم كان علي أمرِي ... ومَنْ لك بالتدبُّرِ في الأُمُور فهذا البيت ليس قائماً بنفسه في المعنى، ولكنه أتى بالبيت الثاني بتمامه، فقال: إذاً لملكتُ عصمَة أمِّ وهبٍ ... علَى ما كان من حسَك الصدورِ وقال امرؤ القيس: أبعدَ الحارثِ الملكِ ابن عمروٍ ... وبعدَ الخيرِ حُجْرٍ ذِي القبابِ فالمعنى ناقص عن تمامه، فأتمه في البيت الثاني، وقال: أرجِّى من صروفِ الدهرِ ليناً ... ولم تغْفُلْ عن الصمّ الصلابِ عيوب ائتلاف المعنى والقافية: منها: التكلف في طلب القافية: أن تكون القافية مستدعاة قد تكلف في طلبها، فاشتغل معنى سائر البيت بها، مثل ما قال أبو تمام الطائي: كالظبيَة الأَدْمَاءِ صافتْ فارتعتْ ... زهَرَ العَرَارِ الغضَّ والجَثْجَاثا فجميع هذا البيت مبني لطلب هذه القافية، وإلا فليس في وصف الظبية بأنها ترتعي الجثجاث كبير فائدة، لأنه إنما توصف الظبية إذا قصد لنعتها بأحسن أحوالها بأن يقال: إنها تعطو الشجر، لأنها حينئذ رافعة رأسها، وتوصف بأن ذعراً يسيراً قد لحقها، كما قال الطرماح: مِثْلَ ما عَايَنْتَ مَخْرُوفة ... نصَّها ذاعِرُ رَوْعِ مُؤامْ فأما أن ترتعي الجثجاث، فلا أعرف له معنى في زيادة الظبية من الحسن، لا سيما والجثجاث ليس من المراعي التي توصف بأن ام يرتعى يؤثره: الإتيان بالقافية لتكون نظير لأخواتها في السجع: ومن عيوب هذا الجنس: أن يؤتى بالقافية لتكون نظيرة لأخواتها في السجع، لا لأن لها فائدة في معنى البيت، كما قال علي بن محمد البصري: وسابِغَةُ الأذيالِ زَغْفٌ مُفَاضَةٌ ... تَكَنَّفَها مِنِّي نِجَادٌ مُخَطَّطُ في وصف الدرع وتجويد نعتها. فليس يزيد في جودتها أن يكون نجادها مخططاً، دون أن يكون أحمر أو أخضر، أو غير ذلك من الأصباغ، ولكنه أتى به من أجل السجع. ومن هذا الجنس: قول أبي عدي القرشي:

стр. 88

وَوُقِيتَ الحُتوفَ مِن وارثٍ وَا ... لٍ وأَبْقَاكَ صَالِحاً ربُّ هودِ فليس نسبة هذا الشاعر الله إلى أنه رب هود بأجود من نسبته إلى أنه رب نوح، ولكن القافية كانت دالية، فأتى بذلك للسجع لا لإفادة معنى بما أتى به منه.