Полный текст (298 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، ولا يحتاج في تدبير ملكه إلى المؤازرين ولا إلى الأنصار، ولا تسع عبارة عباده في معرفته غير الاعتراف بالإقصار عن كنه قدرها والإقصاء.
نحمده على نعمه التي نوّرت بصائرنا فرفعتنا إلى معالم الهدى، وفتّحت أبصارنا فجرّتنا عن مغارم العدى، وسلّمت أفكارنا من الوقوع في أشراك الشّرك ومهاوي المهالك وموارد الرّدى.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: شهادةً ترقم حروفها على سرادق العرش، وتقوم بما يجب علينا في تقصير أعمالنا من الأرش، وتدغم سيئاتنا في حسناتنا كما ادغم أبو عمرو فيحصل لها تفخيم ورش.
ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي جعل رسالته إلى الخلق نعمى، ورمى بعه الباطل فأصاب شاكلته وأصمى، وأنزل عليه في محكم الذكر " عبس وتولى أن جاءه الأعمى ".
صلى الله عليه وعلى آل وصحبه الذين جبر فقرهم بالصلات والعوائد، وجلسوا من كرمه الجمّ بأعطاف موائد على تلك الموائد، واصبح كلّ منهم وله من نوره المبين قائد. صلاة يتضوّع منها الأرج، وترفع بها لهم الدرج، ما أفضى مضيق إلى فضاء الفرج، وسقط عن الأعمى ثقل الحرج. وسلّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
وبعد فإني لما وقفت على كتاب المعارف لابن قتيبة رحمه الله تعالى. وجدته قد ساق في آخره فصلاً في المكافيف. فعدّ فيهم أبا قحافة وهو والد أبي بكر الصديق ﵁، وأبا سفيان بن حرب، والبراء بن عازب، وجابر بن عبد الله، وكعب بن مالك الأنصاريّ، وحسّان بن ثابت الأنصاريّ، وعقيل بن أبي طالب، وأبا أسيد الساعديّ، وقتادة بن النّعمان، وأبا عبد الرحمن السّلميّ، وقتادة بن دعامة، والمغيرة بن مقسّم، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والقاسم بن محمد ابن أبي بكر الصديق
стр. 2
رضي الله عنه ذهب بصره آخر عمره، وعبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ومعاوية بن سبرة، وسعد بن أبي وقّاص ذهب بصره في آخر عمره، وعبد الله بن أبي أوفى ذهب بصره، وعليّ بن زيد من ولد عبد الله بن جدعان ولد وهو أعمى، وأبا هلال الراسبيّ وأبا يحيى بن محرز الضّبيّ.
وذكر بعد هؤلاء ثلاثة مكافيف في نسق: عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وأبوه العباس، وأبوه عبد المطلب.
هذا جملة من وقفت على ذكره في كتاب المعارف.
ثم رأيت الحافظ جمال الدين أبا الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن الجوزيّ رحمه الله تعالى قد ساق فصلاً في آخر كتابه تلقيح فهوم أهل الأثر في تسمية العميان الأشراف.
قال: فمن الأنبياء ﵈: إسحاق، ويعقوب، وشعيب، عليهم الصلاة والسلام.
ومن الأشراف: عبد المطّلب بن هاشم، أميّة بن عبد شمس، زهرة بن كلاب، كلاب بن مرّة، مطعم بن عديّ.
ومن الصحابة ﵃: البراء بن عازب، جابر بن عبد الله، حسّان بن ثابت، الحكم بن أبي العاص، سعد بن أبي وقّاص، سعيد ابن يربوع، صخر بن حرب أبو سفيان، العباس بن عبد المطلب، عبد الله بن الأرقم، عبد الله بن عمر، عبد الله بن العبّاس، عبد الله بن عمير، عبد الله بن أبي أوفى، عتبان بن مالك، عتبة بن مسعود الهذلي، عثمان بن عامر، أبو قحافة، عقيل بن أبي طالب، عمرو بن أم مكتوم، قتادة بن النعمان، كعب بن مالك، مالك بن ربيعة، أبو أسيد الساعديّ، ومخرمة بن نوفل.
قال: ومن التابعين: عطاء بن أبي رياح، أبو بكر بن عبد الرحمن، قتادة بن دعامة، أبو عبد الرحمن السّلميّ، أبو هلال الراسبيّ. هذا صورة ما ذكره ابن الجوزيّ رحمه الله تعالى.
فما زاد على ابن قتيبة إلا بذكر الأنبياء الثلاثة صلى الله عليهم وسلم، ورتب الصحابة على حروف المعجم لا غير.
وكان يمكن ابن الجوزي رحمه الله تعالى الزيادة على ذلك بأضعاف مضاعفة، لتأخر زمانه ووفاته على زمان ابن قتيبة ووفاته رحمه الله تعالى. لأنّ ابن قتيبة توفّي في سنة سبع وستين ومائتين، رحمه الله تعالى، وابن الجوزي توفي في سنة سبع وتسعين وخمسمائة.
ولكن يمكن الاعتذار لكليهما بأنهما لم يضعا مصنفيهما لاستيعاب ذكر العميان، وإنما ذكرا أشراف من كان أعمى.
ورأيت أبا العباس أحمد بن علي بن بانة قد ذكر في كتابه رأس مال النديم أشراف
стр. 3
العميان. فقال: شعيب وإسحاق صلوات الله وسلامه عليهما، وزهرة بن كلاب بن كعب بن مرّة، وعبد المطلب بن هاشم، والعباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن عباس، وأميّة بن عبد شمس وكان أعور، والحكم بن العاص، وأبو سفيان بن حرب، والحارث بن عباس بن عبد المطلب، ومطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، وعتبة بن مسعود الهذليّ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وأبو أحمد بن جحيش ابن مسعود الأسديّ، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وعبد الله بن أرقم، والبراء بن عازب، وحسان بن ثابت، وقتادة بن النعمان، وأبو أسيد الساعديّ، وقتادة بن دعامة، ودريد بن الصّمّة الجشميّ شهد حنين أعمى فقتل يومئذ، ومخرمة بن نوفل الزّهريّ، والفاكه بن المغيرة المخزوميّ، وخزيمة بن خازم النّهشليّ.
هذا جملة من رأيته قد ذكره في كتابه، وأنت تقارب هذه الأسامي وعدتها بعضها من بعض.
وأرى أن السابق لذلك ابن قتيبة، ثم بعده هذا ابن بانة، ثم ابن الجوزيّ.
وللخطيب أبي بكر خطيب بغداد، جزء جمعه في العميان ولم أره إلى الآن.
وجرى يوماً في بعض اجتماعاتي بجماعة من الأفاضل ذكر فصل استطردت بذكره في شرح لامية العجم. ذكرت فيه جماعة من أشراف العميان، قال لي بعض من كان حاضراً: لو أفردت للعميان تصنيفاً تخصّهم فيه بالذكر، لكان ذلك حسناً.
فحداني ذلك الكلام، وهزّت عطفي نشوة هذه المدام، على إن عزمت على جمع هذه الأوراق، في ذكر من أمكن ذكره أو وقع إليّ خبره وسميته: نكت الهميان في نكت العميان وقد رتبته على مقدمات ونتيجة. أما
المقدمات ، فأذكر في كلّ منها فوائد لا يستغني الفاضل عن ذكرها، ولا يسعه أن يفقد شيئاً من درهما.
стр. 4
المقدمة الأولى
فيما يتعلق به من اللغة والاشتقاق
قد تتبعت أفراد وضع اللغة العربية، فرأيت العين المهملة والميم، كيفما وقعتا في الغالب وبعدهما حرف من حروف المعجم، لا يدّل المجموع إلا على ما فيه معنى الستر أو ذهاب الصواب على الرأي.
فمن ذلك: عمج عمج يعمج بالكسر، قلب معج. إذا أسرع في السير واعوجّ. وسهم عموج، إذا كان يتلوّى في ذهابه. وتعمّجت الحيّة، إذا تلوّت في سيرها، كأنها لا ترى الطريق الأقوم: قال الشاعر يصف زمام الناقة.
تلاعب مثنى حضرميّ كأنّه ... تعمّج شيطان بذي خروع قفر
والعومج الحيّة: وكذلك العمّج بالتشديد: قال الشاعر.
يتبعن مثل العمّج المنشوش ... أهوج يمشي مشية المالوش
وقال قطرب: هو العمج، على وزن السبب.
فأنت ترى مفهوم هذه الأوضاع كيف يدل على معنى الستر وذهاب الصواب.
ومن ذلك عمرّد العمرّد بتشديد الراء الفرس الطويل: قال الشاعر.
يصرّف سيداً في العنان عمرّدا
وكذلك طريق عمرّد: قال الشاعر.
خطّارة بالسّبسب العمرّد
ولا بدّ للفرس إذا طال، أن يكون فيه بعض التواء، وذهاب على غير استواء. وكذلك الطريق إذا طالت.
стр. 5
ومن ذلك عمد: عمد البعير إذا انفضح داخل سنامه من الركوب، وظاهره صحيح. كّأن داءه ذاك مستور لا يرى. والعمد إنما يقام به ما مال واعوّج.
ومن ذلك: عمر عمر الرجل بالكسر يعمر عمراً وعمراً على غير قياس لأنّ قياس مصدره التحريك إذا عاش زماناً طويلاً ومن طال عمره التوت عليه سائر الأيام، ومشت به على غير استقامة: من حوادث الدهر وضعف الجوارح. والعمر بالتحريك واحد عمور الأسنان. وهو ما بينها من اللحم. قيل فيه ذلك لمّا كان يستتر فيها. واعتمر في الحجّ إذا اعتم بعمامة. قيل فيه ذلك لمّا كان يستر ما بدا من رأسه. والعمار الريحان تزيّن به مجالس الشراب. قيل فيه ذلك لمّا كان يستر به ما بدا من الأنماط أو غيرها، أو يستر بريحه الطّيبة ريح غيره الكريهة.
ومن ذلك: عمس العماس بالفتح الحرب الشديدة. ولا تكون شديدة إلا وقد عمي الأمر فيها وذهب الصواب على الفوارس. وكذلك داهية عماس أي شديدة. وليل عماس أي مظلم يعني سائر الأشخاص، وأمر عموس أي مظلم، وعماس أيضاً: لا يدري من أين يؤتى له. ومنه: جاءنا بأمور معمسّات أي مظلمة ملوّية عن جهتها. ورجل عموس إذا كان متعسفّاً لا يهتدي لصواب. وتعامس عن الشيء إذا تغافل عنه. وعمس الكتاب إذا درس، فلا يدرك منه حرف.
ومن ذلك: عمرّس مشدد الراء. هو السديد الرأي، القويّ من الرجال: قيل فيه ذلك كأنه يأخذ الأشياء قوة واعتسافاً، لا يفكّر في صوابها ولا خطائها.
ومن ذلك: عملّس مثل العمرّس. هو القويّ على السير: قال الشاعر
عملّس أسفار إذا استقبلت له ... سموم كحرّ النار لم يتلثّم
يعني يركب الأهوال، لا يهتدي فيها إلى صواب راحة.
ومن ذلك: عمش العمش في العين رؤيتها مع سيلان الدمعة منها. كأنّ المرئيات تستتر عنها بستور الدموع.
ومن ذلك: عملّص سير عمليص إذا كان سريعاً. قيل فيه ذلك لأنه لا يبالي فيه أين وضع القدم أو الخف أو الحافر.
стр. 6
ومن ذلك: عمط عمط النعمة عمطا بالسكون وعمطها بالكسر عمطاً بالفتح، إذا كفرها. قيل فيه ذلك لمّا سترها وغطّاها ولم يتحدث بها.
والكفر السّتر.
ومن ذلك: عمرط العمروط اللصّ والجمع العماريط. قيل فيه ذلك لأنه لا يجيء إلا مختفياً مستوراً في الليل. والعمرّط بتشديد الراء الخفيف.
وهو الذي لا يذهب على استقامة ولا استواء. والعملط بتشديد اللام الشديد وهو الذي لا يبالي على أي حاليه كان من صواب ومن خطأ.
ومن ذلك: عمق العمق بفتح العين وضمها قعر البئر والفج والوادي. قيل فيه ذلك لما واستتر عن العين. وتعمق في كلامه إذا مال عن جادة الفصيح من الكلام والتوى. والعمق أيضاً ما بعد من أطراف المفاوز. ومنه قول رؤبة:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
ومن ذلك: عملق العمالقة قوم كانوا في قديم الزمان. يذكر أنهم كانوا في غاية من الطول. منسوبون إلى عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح.
وقد تقدم أن كل من طال لابد أن يميل إلى اعوجاج. هذا إن قلنا بأن ذلك عربي، وإلا فلا مدخل لهذا الحرف في هذا الباب.
ومن ذلك: عمل اعتمل الرجل إذا اضطرب في العمل. قال الشاعر:
إن الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوماً على من يتكل
قيل فيه ذلك لأن الاضطراب حركة على غير استواء. ورجل عمل بالكسر إذا كان مطبوعاً على العمل. ورجل عمول أيضاً. قيل ذلك فيه: أي لا يبالي بما يلقى فيه من العمل. كأنه غير متبصر لرشده. وطريق معمل: أي لحب مسلوك. قيل فيه ذلك لما كثر ركوبه من كل أحد على غير تبصر لمواضع الأقدام. واليعملة الناقة النجيبة الصبورة على المشي.
стр. 7
ومن ذلك: عمم العمامة ما يوضع على الرأس، وهي تستره. واعتم النبت إذا اكتهل أي ستر الأرض. ويقال للشاب إذا طال: قد اعتم. وشيء عميم أي تام. ونخلة عميمة ونخل عم، يقال ذلك للطويل منه. قيل فيه ذلك لأنه لا يطول إلا وفيه خروج عن الاستقامة. والعامة خلاف الخاصة. قيل ذلك لما كانوا كثيرين لا يحيط بهم البصر، فهم في ستر عنه. وعم اللبن إذا علته الرغوة كالعمامة فسترته.
ومن ذلك: عمن عمن بالمكان إذا أقام به. كأنه استتر فيه عن غيره.
ومن ذلك: عمه العمه التحير والتردد. كأن الإنسان لا يرى دليلاً فيأخذ به. وأرض عمها، لا أعلام بها، أي لا يهتدي فيها إلى سبيل. وذهبت، إبله العمهى بتشديد الميم، إذا كانت لا يدرى مكانها. كأنها في ستر عن راعيها.
ومن ذلك: عمي هذه المادة عمود هذا الباب وقاعدته، وهي المطلوبة بالذات لما يتعلق بهذا الكتاب.
العمى ذهاب البصر وعدم الرؤية واستتار المرئيات عن الناظر. وقد عمي فهو أعمى وقوم عمي. وأعماه الله تعالى. وتعامى الرجل أرى من نفسه ذلك. وعمي عليه الأمر إذا التبس. ورجل عمي القلب أي جاهل، وامرأة عمية القلب بتخفيف الياء على وزن فعلة بفتح الفاء وكسر العين وفتح اللام. وقوم عمون، وفيهم عميهم بتشدي الياء، والأعميان السيل والجمل الهائج. وعمي الموج بالفتح يعمى عمى، رمى القذى والزبد. وعميت معنى البيت تعمية. ومنه المعمى من الشعر. وقرئ فعميت بضم العين وكسر الميم وتشديدها وفتح الياء. وتركناهم في عمى بضم العين وتشديد الميم وبعدها ألف مقصورة، إذا أشرفوا على الموت. والعماء ممدود السحاب. ويقال هو الذي يشبه الدخان ويركب رؤوس الجبال.
والمعامي من الأرضين الأغفال التي لا أعلام لها وليس بها اثر عمارة. وهي الأعماء أيضاً. ويقال أتيته صكة عمي بضم العين وفتح الميم وتشديد الياء أي وقت الهاجرة. وهو تصغير أعمى، مرخماً. وقيل هو اسم رجل من العمالقة أغار على قوم ظهراً فاستأصلهم فنسب الوقت إليه.
وقيل المراد به الظبي لأنه يسدر في الهواجر فيصطك بما يستقبله كاصطكاك الأعمى، ثم إنه صغر تصغير الترخيم، كما صغر وأسود وأزهر. فقالوا سويد وزهير.
فأنت ترى ما ورد في هذه المادة كيف يدور جميعه على الاستتار والاختفاء والله تعالى أعلم.
стр. 8
المقدمة الثانية
فيما يتعلق بذلك
من جهة التصريف والأعراب
أعمى. لا ينصرف لما فيه من العلتين الفرعيتين: وهما الصفة ووزن الفعل. ويكتب بالياء لان مؤنثه عمياء.
والقاعدة عند أهل العربية أن لا يبنى أفعل تعجب ولا أفعل تفضيل من الألوان والعاهات. فلا يقال: هذا اسود من هذا، ولا هذا احمر من هذا في الألوان. ولا يقال: هذا أعور من هذا، ولا هذا أعرج من هذا. بل الصواب أن يقال فيه ذها أشد سواداً وأشد حمرةً، وهذا اشد عرجاً واشد عوراً.
وأورد على هذه القاعدة قوله تعالى ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً. والجواب: أن هذا ليس من العاهات الظاهرة، بل هو من عمى البصيرة. قال الله تعالى فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور. وقرأ أبو عمرو: ومن كان في هذه أعمى بالإمالة فهو في الآخرة أعمى بالتفخيم. طلباً للفرق بين ما هو اسم وبين ما هو أفعل منه: بالإمالة.
وعيب على أبي الطيب قوله في الشيب
إبعد بعدت بياضاً لا بياض له ... لأنت اسود في عيني من الظلم
وقال الناصر له: إن أسود هنا من قبيل الوصف المحض الذي تأنيثه سوداء وأخرجه عن حيز أفعل التفضيل. ويكون على هذا التأويل قد تم الكلام عند قوله لأنت اسود في عيني وتكون من التي في قوله من الظلم لبيان جنس السواد لا أنها صلة أسود.
مسألة لو قلت ما أسود زيداً، وما أسمر عمراً، وما أصفر هذا الطائر، وما أبيض هذه الحمامة، وما أحمر هذا الفرس. فسدت كل مسألة من وجه وصحت من وجه. ففساد جميعها، إذا أردت التعجب من الألوان. وتصحيح جميعها، إذا أردت التعجب من سودد، زيد ومن سمر عمرو. ومن صفير الطائر، ومن كثرة بيض الحمامة، ومن حمر الفرس، وهو نتن فيه من البشم وقول الشاعر:
стр. 9
جارية في درعها الفضفاض ... ابيض من أخت بني بياض
قالوا فيه أن ابيض هنا ليس للتفضيل، بل صفة لموصوف محذوف تقديره: في درعها جسم أبيض أو شخص أبيض ومن في محل الرفع صفة لأبيض. على أن الكوفيين جوزوا: ما أسوده وما أبيضه في هذين اللونين خاصةً. قالوا لأنهما أصل الألوان. وهو ضعيف. لأن غالب أفعال اللوان لا تأتي إلا على أفعل وأفعال بتشديد اللام فيهما نحو أحمر وأحمار. وهما زائدان على الثلاثي. ولا تبنى أفعل التعجب وأفعل التفضيل إلا من الثلاثي المجرد من الزيادة. لأن أفعل في مثل ما أحسن زيداً الهمزة فيه زائدة ودخلت عليه لتنقل اللازم إلى التعدي، فيصير الفاعل مفعولاً. إذ أصله حسن زيد. فلما دخلت الهمزة على الفعل، صار الكلام تقديره شيء. حسن زيداً.
وشذ قولهم: ما أعطاه للدينار والدرهم! فتعجبوا بالرباعي. وأجازه سيبويه. وكذا: ما أولاه للمعروف وما أفقره! حمله على أنه ثلاثي والصحيح أنه رباعي فلذلك حكم بشذوذه.
مسأله وإنما قالوا في السكران: ما أشد سكره! ولم يقولوا: ما أسكره! وهو ثلاثي لأن فعله سكر وليس بخلق ولا لون ولا عيب ظاهر، فرقا بينه وبين قولهم: ما أسكره للنهر. وكذلك لم يقولوا: ما أقعده في الكان، فرقا بينه وبين ما أقعده في النسب. ولا يتعجب من الخلق أيضاً والمراد بالخلق الأعضاء كاليد والوجه والرجل. فلا تقل: ما أيداه! وما أرجله! وما أوجهه! فإن أردت ما أوجهه من الوجاهة وما أرجله من الشؤم على غيره جاز.
ويتعجب من العيوب الباطنة، كالحمق والرعونة فيقال: ما أحمقه! وما أرعنه! ومنه ما تقدم في قوله تعالى فهو في الآخرة أعمى. لأنه من عمى البصيرة.
تقول رجل أعمى وأعميان وأعمون بفتح الميم، في ذلك كله. وأعمون جمع سلامة. وأجاز الكوفيون ضم الميم في الجميع. وتقول في جمع التكسير: عميان. تقول عمي عمىً فهو عم من عمى القلب، وعمي يعمى فهو أعمى من عمى البصر. وجمع عم عمون. قال الله تعالى: بل هم منها عمون. وجمع أعمى عميان وعمي. قال الله تعالى لم يخروا عليها صماً وعمياناً.
وقال
стр. 10
تعالى: صم بكم عمي. والنسبة إلى أعمى أعموي بفتح الهمزة وسكون العين وفتح الميم وكسر الواو. والنسبة إلى عم عموي بفتح العين والميم كما يقال في شج شجوي.
وفي المثل: ربما أصاب الأعمى رشده، وربما قيل فيه: بما أصاب: الأعمى رشدة فحذفوا الراء من ربما. قال حسان:
إن يكن غث من رقاش حديث ... فبما تأكل الحديث السمينا
قالوا: أراد ربما.
وقد يجوز أن تكون الباء للبدل. كما يقال: هذا بذاك.
وفي المثل: أعمى يقود شجعةً بالشين المعجمة المفتوحة والجيم المفتوحة والعين المهملة والشجعة الزمني. وقيل: الشجعة بسكون الجيم الضعيف.
وقولهم: صكة عمي بضم العين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء: هو اشد ما يكون من الحر أي حين كاد الحر يعمي. وقيل: حين يقوم قائم الظهيرة. وقيل: إن عميا هو الحر بعينه. وأنشدوا:
وردت عميا والغزالة برنس ... بفتيان صدق فوق خوص عياهم
وقيل: عمي رجل من عدوان كان يفتي في الحج. فأقبل معتمراً ومعه ركب، حتى نزلوا بعض المنازل في يوم شديد الحر، فقال عمي: من جاءت عليه هذه الساعة من غدو هو حرام لم يقض عمرته وهو حرام إلى قابل. فوثب الناس في الظهيرة يضربون حتى وافوا البيت. وبينهم وبينه ليلتان، فضرب مثلاً يقال أتانا صكة عمي، إذا جاء في الهاجرة الحارة.
وفي المثل: تطرق أعمى والبصير جاهل. الطرق هو الضرب بالحصى. يضرب لمن يتصرف في أمر ولا يعلم مصالحه، فيخبره بالمصلحة غيره من خارج.
وفي المثل: إحذر الأعميين، الجمل الهائج والسيل: وفي أمثال العوام الأعمى يجري على السطح ويقول ما رآني أحد.
وفي المثل: أيضاً قد ضل من كانت العميان تهديه.
стр. 11
المقدمة الثالثة
حد العمى
قيل في تعريفه: إنه عبارة عن عدم البصر عما من شأنه أن يبصر. وكذا الصمم عبارة عن عدم السمع عما من شأنه أن يسمع. فالعمى والصمم حينئذ معنيان وجوديان متضادان. وقد نازع الفلاسفة في هذا للمتكلمين نزاعاً شديداً. وقالوا إن تقابل السمع والصمم وتقابل العمى والبصر، تقابل العدم والملكة لا تقابل الضدين.
فصل من الناس من قال إن السمع أفضل من البصر. لأن الله تعالى حيث ذكرهما في كتابه العزيز، قدم السمع على البصر: حتى في قوله تعالى صم بكم عمي. فقدم متعلق السمع على متعلق العين، والتقدم دليل الفضيلة. ولأن السمع شرط في النبوة، بخلاف البصر. ولذلك لم يأت في الأنبياء صلى الله عليهم من كان أصم. وجاء فيهم من طرأ عليه العمى. وسيأتي الكلام على منع جواز العمى على الأنبياء صلى الله عليهم. قالوا وبالسمع تصل نتائج العقول. فالسمع كأنه سبب لاستكمال العقل بالمعارف والعلوم. وهو متصرف في الجهات الست، والبصر لا يتصرف إلا فيما يقابله من المرئيات. ولأن السمع أصل للنطق. ولهذا لا ترى الأخرس إلا أصم.
وقيل سبب خرسه أنه لم يسمع شيئاً ليحكيه. والبصر إذا بطل لم يبطل النطق. ومن قال إن البصر أفضل استدل بان قال: متعلق القوة الباصرة هو النور ومتعلق القوة السامعة هو الريح. والنور أفضل من الريح. قال صاحب الكشاف: البصر نور العين، كما أن البصيرة هي نور القلب. قلت: ولا شك أن أدلة فضيلة السمع أقوى من دليل فضيلة البصر.
وللشيخ تقي الدين أبي عباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى كراسة في ذلك والله أعلم.
خاتمة الأعمى هل له حظ في الرؤيا أولاً.
بعض الناس قال: الأعمى يرى المنامات وبعضهم قال: لا يرى.
والصحيح أن المسألة ذات تفصيل. وهو أن الأعمى، إن كان قد طرأ عليه العمى بعد ما ميز الأشياء فهذا يرى. لأن القوة المتخيلة منه ارتسم فيها صور الأشياء من المرئيات، على اختلاف
стр. 12
أجناسها وأنواعها. والقوة المخيلة قادرة على أفعالها في جميع الأحوال، إلا أنها لا تتصور الأشياء باختيارها، لأنها ليست قوة إرادية. وإن كان الأعمى قد ولد أكمة ولم ير الوجود ولا ما فيه من المرئيات فهذا يرى الأحوال التي يقابلها ويباشرها. كما أنه يرى أنه يأكل أو أنه يشرب أو أنه راكب على فرس أو حمار أو أنه يخاصم آخر، إلى غير ذلك من الأحوال التي يباشرها. وقد قال الرئيس ابن سينا: إن المولود يضحك بعد الأربعين يوماً، ويرى الرؤيا بعد أربعة اشهر.
قلت: الظاهر أنه ما يرى إلا انه يرضع ثدي أمه. فإنا نشاهد كثيراً من الأطفال يكون نائماً وهو يرضع، ولا ثدي في فمه. وكذلك نرى كثيراً من الخيل وهو واقف نائماً، ثم إنه في أثناء ذلك يصهل وهو نائم، كأنه يرى أنه بين خيل يألفها أو ما أشبه ذلك. وقال أرسطو في كتاب الحيوان: إن الكلاب ترى الأحلام في منامها. وأما أن الأعمى الذي ولد أكمة ولم ير العالم فإنه لا يرى في نومه شمساً ولا قمراً ولا نجوماً ولا سماءً ولا أشجاراً ولا بحاراً ولا غير ذلك مما لم ترسمه المخيلة منه فهذا هو وجه الصواب في هذه المسالة على ما فصلته والله أعلم.
علاوة قال العابرون: من رأى في منامه أنه عمي دلت رؤياه على الغنى وإن حلف يميناً لم يحنث، لقوله تعالى: ليس على الأعمى حرج.
ومن رأى أنه أعمى فإنه ينسى القرآن، لقوله تعالى: قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى.
ومن رأى أن إنساناً أعماه فإنه يضله. وغن كان كافراً فرأى أن إنساناً أعماه فإنه يزيله عن رأيه.
قالوا: والأعمى رجل فقير يعمل أعمالاً لا تضر به في دينه لسبب فقره. فإن رأى كافراً أنه أعمى فإنه يصيب خسراناً أو غرماً أو هماً.
فإن رأى أنه أعمى ملفوف في ثياب جدد فإنه يموت.
قالوا: ومن رأى أنه أعمى فإن عليه غزوة أو حجة، لقوله تعالى: ولله على الناس حج البيت. فإن رأى أعمى أن ساقياً سقاه شراباً فإن الساقي يرشده إلى منافع تنزل به ويتوب ويتمول.
стр. 13
قالوا: وإن رأى صحيح أنه أعمى فإنه يخمل ذكره ولا يؤبه له في قوله. وربما كان تأويله أنه ينال حكماً وعلماً لقصة إسحاق ويعقوب عليهما الصلاة والسلام.
فإن رأى أعمى أنه استدبر القبلة فهو في ضلالة.
وقالت النصارى: من رأى كأن عينه قد عميت، فإنه حل يهتك الستر بينه وبين الله تعالى.
وأما فقء العين. فمن رأى أن عينه فقئت فإنه يتقاضى أو يجازى بشيء كان منه، لقوله تعالى: العين بالعين. فإن فقئت كلتاهما فإنه ينقطع عنه ولد قرة عين، أو يرى فيما تقر به عينه من مال أو ولد أو دار أو شيء مما يملكه ما يكره من عنف وشدة.
قالوا: وأما العمى فهو ضلالة عن الدين، وهو أيضاً ميراث كبير من عصبة قد كان له في أجداده مكفوف. وقد كان يعطى كل مكفوف سهماً من ميراث من يموت من عصبته. وقال أرطاميذورس: رأى إنسان كأن آخر يقول له لا تخف، فإنك لا تموت ولا تقدر أن تعيش، فصار أعمى وكان ذلك بالواجب. فإنه لم يمت ولكن عدم ضوء بصره.
وقال العابرون أيضاً: من رأى أن عينيه ذهبتا، مات أولاده أو إخوته أو أقاربه. رأى الحجاج بن يوسف الثقفي كأن عينيه سقطتا في حجره فلما أصبح نعي أخيه محمد وولده محمد. فإن كان الرائي فقيراً أو محبوساً، فإنه يدل على أنه لا يعود يرى شيئاً مما هو فيه من الشر. فإن رأى ذلك من يريد السفر فإنه يدل على أنه لا يرجع إلى الوطن. لأن المكفوف لا يمكنه أن يرى الغربة ولا أن يرى وطنه.
ومن رأى كأن عينيه عيناً إنسان آخر، فإن ذلك يدل على ذهاب بصره وعلى أن غيره يهديه الطريق. فإن عرف الرائي ذلك الغريب، فإنه يتزوج ابنة ذلك الرجل أو قريبته أو يناله منه خير.
تتمة هل يبصر الأعمى ملك الموت بعينيه أولاً ذكر ابن أبي الدنيا ﵀ عن بعض السلف أنه قال فيه: إن الأعمى يرى ملائكة ربه عند قبض روحه.
قلت: ما لهذا خصوصية بالأعمى فإنا رأينا جماعة ممن كانوا في
стр. 14
السياق وهم يقولون السلام عليكم ويشيرون لمن يرونه ويخاطبونهم، ونحن لا نراهم. وهذا كثير مستفاض بين الناس.
فصل العميان أكثر الناس نكاحاً. وفي المثل: أنكح من أعمى. أورده الميداني في أمثاله. حكى ابن المرزبان في تاريخه عن الأصمعي أنه قال: هما طرفان ما ذهب من أحدهما زاد في الآخر.
قلت: ولهذا نرى الخدام وهم الخصيان يعمر الإنسان منهم وبصره قوي. والخادم إذا جب من أسفل لم تنبت له لحية. وكذا الإنسان إذا حصل له صداع في رأسه تحك رجلاه فيسكن الألم.
قيل إن بعض الخدام كان واقفاً على رأس سيده وهو في الفراش يشكو من وجع رأسه. فحضر الطبيب إليه فشكا ألمه. فقال: حك رجليلك يسكن الألم. فضحك الخادم وقال: سيدي يشكو أعلاه وأنت تداوي أسافله! فقال: أنت شاهدي على ذلك لأن خصيتك لما قطعت لم تنبت لك لحية.
فضل قال إبراهيم بن هانئ: من تمام آلة القصص أن يكون القاص أعمى، ويكون شيخاً بعيد مدى الصوت.
قلت: ومن شرط الأعمى، إذا كان سائلاً أن يكون يحفظ سورة يوسف ﵇.
قال أرسطو في كتاب الحيوان: الخطاطيف إذا عمين أكلن من شجرة يقال لها عين شمس، فيبصرن بعد العمى. وهذه الشجرة لها منفعة في العين التي لا تبصر والتي يخاف عليها من اجتماع الماء. قال: والحيات إذا ساخت في الأرض اظلم بصرها. فإذا خرجت إلى الأرض طلبت الرازيانج فمرت بعينها عليه فعند ذلك ينقى بصرها من الظلمة.
قلت: الرازيانج هو السمر وينبغي أن يغسل قبل أكله في أول دخوله لهذه العلة قال: والضب إذا خرج من جحره لا يبصر شيئاً إلى أن يستقبل الشمس ساعة، فحينئذ يرى.
وقال الرئيس أبو علي ابن سينا: وكل حيوان يلد حيواناً فله عينان إلا الخلد. ويشبه أن يكون له عينان لكنهما مغشيتان بجلد رقيق لضعفهما، وإنما يدركان الأظلال دون الألوان والأشكال والله أعلم.
стр. 15
المقدمة الرابعة
قوله تعالى عبس وتولى
أن جاءه الأعمى. هذا الأعمى هو ابن أم مكتوم. وسيأتي الخلاف في اسمه عند ذكر اسمه. ويأتي ذكر أمه وهو الذي صار مؤذناً للنبي ﷺ . وكان قد جاء إلى رسول الله ﷺ وعنده صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل ابن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة. ورسول الله ﷺ يدعوهم إلى الإسلام. فقال ابن أم مكتوم أقرئني وعلمني مما علمك الله. وكرر ذلك. فكره رسول الله ﷺ قطع كلامه وأعرض عنه. فنزلت هذه الآيات. وكان رسول الله ﷺ يكرمه بعد ذلك ويقول إذا رآه مرحباً بمن عاتبني فيه ربي ويقول: هل لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين. وأورد الإمام فخر الدين رحمه الله تعالى هنا سؤالات.
الأول إبن أم مكتوم كان يستحق التأديب والزجر، فكيف عاتب الله تعالى رسول الله ﷺ فيه؟ واستحقاقه لوجوه: الأول: إنه وإن كان أعمى لا يرى القوم لكنه يسمع كلامهم وخطاب النبي ﷺ لهم. وكان يعرف بواسطة كلامه لهم شدة اهتمامه بشأنهم وكان اعتراضه وإلقاء كلامه في الناس قبل تمام عرض النبي ﷺ معصية.
قلت: يحتمل أن ابن أم مكتوم طلع عليهم دفعة واحدة ولم يسمع كلام النبي ﷺ لهم ولا أحس بمن عنده من الصناديد. لأنه كان يعلم محل المذكورين فلا يقطع عليهم كلامه ﷺ .
قال: والوجه الثاني. أن الأهم مقدم على المهم. وهو كان قد أسلم ويعلم ما يحتاج إليه من أمر الدين، وأولئك كانوا كفاراً وما أسلموا. وكان إسلامهم سبباً لإسلام جمع عظيم. فالقاء ابن أم مكتوم كلامه بين الناس سبب في قطع ذلك الخير العظيم.
стр. 16
قلت: هذا أيضاً مفرع على أن ابن أم مكتوم كان يعلم أن صناديد قريش كانوا عند رسول الله ﷺ . وقد أبدينا الاحتمال فاندفع.
قال: الوجه الثالث. أنه تعالى قال: إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون. فهذا النداء الذي صار كالصارف للكفار عن قبول الإيمان، وكالقاطع على الرسول أعظم وكان أولى أن يكون ذنباً ومعصيةً وأن الذي فعله الرسول كان واجباً.
قلت: ليس قول ابن أم مكتوم: يا رسول الله علمني مما علمك الله كالذي ينادونه من وراء الحجرات: يا محمد! أخرج إلينا. فإن الرسول لو ألقى إليه ذلك الوقت شيئاً مما علمه الله لكان خيراً لمن يسمعه.
قال: السؤال الثاني انه تعالى عاتبه على مجرد كونه عبس في وجهه، ويكون ذلك تعظيماً عظيماً لابن أم مكتوم وكيف يليق بمثل هذا التعظيم أن يذكر باسم الأعمى. وإذا ذكر الإنسان بهذا الوصف اقتضى ذلك تحقيره.
قال السؤال الثالث الظاهر أنه كان ﷺ مأذوناً له أن يعامل أصحابه على حسب ما يراه مصلحة. وكان كثيراً ما يؤدب أصحابه ويزجرهم عن أشياء. وكيف لا يكون ذلك، وهو إنما بعث ليؤدبهم ويعلمهم محاسن الآداب، وإذا كان كذلك كان التعبيس داخلاً في تأديب أصحابه. فكيف وقعت المعاتبة؟ قال رحمه الله تعالى: والجواب عن السؤال الأول من وجهين.
الأول أن الأمر وإن كان على انه تكريم إلا أن ظاهر الواقعة يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء وانكسار قلوب الفقراء. فلهذا خلصت المعاتبة. ونظيره قوله تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي.
قلت: ما هو من ظاهر الواقعة، بل هو من صريح القرآن، لقوله تعالى: أما من استغنى فأنت له تصدى.
قال: الوجه الثاني لعل هذا العتاب ما وقع على ما صدر من الرسول من الفعل الظاهر، بل على ما كان منه في قلبه. وهو أنه ﷺ كان قد مال قلبه إليهم بسبب قرابتهم، وكان ينفر طبعه عن الأعمى بسبب عماه وعدم قرابته وقلة شرفه فلما وقع
стр. 17
ذلك حصلت المعاتبة لا على التأديب بل على التأدب لهذا المعنى.
قلت: سبحان العليم بما كان في ذلك الوقت وهو خلاف ظاهر الواقعة.
قال والجواب عن السؤال الثاني أن ذكره بلفظ الأعمى ليس بتحقير له بل كأنه قيل: بسبب عماه استحق مزية الرفق له والرأفة فكيف يليق بك يا محمد أن تخصه بالغلظة؟ والجواب عن السؤال الثالث أنه ﷺ كان مأذوناً له في تأديب أصحابه: لكن ههنا لما أوهم تقديم الأغنياء على الفقراء وكان ذلك ما يوهم ترجيح الدنيا على الدين، فلهذا السبب جاءت هذه المعاتبة.
قلت: ليس هذا مما فيه إيهام تقديم الدنيا على الدين لأن أولئك الكفار لو أسلموا لأسلم بإسلامهم جمع عظيم من أتباعهم وألزامهم وأزواجهم ومن يقول بقولهم. ولهذا المعنى رغب ﷺ في إسلامهم وطمع فيه. وذلك غاية في الدين.
قال: المسئلة الثانية القائلون بصدور الذنب عن الأنبياء تمسكوا بهذه الآية. وقالوا: لما عاتبه في ذلك الفعل. دل على أن ذلك الفعل كان معصية، وهذا بعيد. فإنا قد بينا أن ذلك كان هو الواجب المتعين وهذا جار مجرى ترك الأفضل وترك الاحتياط. فلم يكن هذا ذنباً ألبتة.
وقوله تعالى: " وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن اله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور ". هذه أمثال ضربها الله تعالى في حق المؤمنين والكفار فقوله: الأعمى والبصير، أي العالم والجاهل والمؤمن والكافر، ولا الظلمات ولا النور، أي الكفر والإيمان، ولا الظل ولا الحرور، أي الجنة والنار أو ظل الليل وسموم النهار أو الحرور بمنزلة السموم وهي الريح الحارة ويكون ليلاً ونهاراً والسموم لا يكون إلا نهاراً. قال أبو عبيدة الحرور يكون في النهار مع الشمس. وما يستوي الأحياء ولا الأموات العلماء والجهال أو المؤمنون والكافرون.
فإن قلت ما فائدة تكثير الأمثلة ههنا وتكريرها. قلت: البصير وإن كان سليم العين بخلاف الأعمى فإنه لا يرى شيئاً ما لم يكن في
стр. 18
نور وضياء. فأتى بذكر النور لأجل البصير وهو الإيمان. فاستعان البصير وهو المؤمن بنور الإيمان على رؤية الهدى. وأتى بذكر الظلمات وهي الكفر لأجل الأعمى فكان الكافر في ظلمة البصر وظلمة الضلال. ثم قال: ولا الظل ولا الحرور فنبه على أن حالتي المؤمن والكافر متباينتان. لأن المؤمن بإيمانه في ظل وراحة والكافر في حرور وتعب.
ثم قال: وما يستوي الأحياء ولا الأموات. نبه على أن الأعمى يشارك البصير في بعض الادراكات فيكون في قرب ما من مساواته. لأن كلاً منهما حي متحرك حساس مدرك، وإن كان الأعمى أنقص إدراكاً من البصير. أما الحي والميت، فليس بينهما مساواة ولا مداناة بوجه ما في الإدراكات. فقال تعالى إن المؤمن لا يستوي مع الكافر، لأن المؤمن حي والكافر ميت فالبون بينهما بعيد، والفرق بينهما مبين. لأن الحي متحرك حساس مدرك والميت جماد عديم الحياة والحس الإدراك. فنافاه من كل وجه، وباينه في كل صفة.
فإن قلت كيف كرر حرف النفي في موضع دون موضع. قلت: التكرار إنما يؤتى به للتوكيد. وقد تقرر فيما تقدم أن الأعمى يشارك البصير في صفات كثيرة، وإنما باينه في الإحساس بالمرئيات. فما بينهما من التضاد والمنافاة كما بين النور والظلمة. وكما بين الظل والحرور، فالمنافاة في هذين الموضعين للذات، بخلاف الأعمى والبصير. لا سيما والمراد بهما المؤمن والكافر. فالكافر ليس بأعمى حقيقةً، وإنما استعير له ذلك لأنه لم ير الحق والصواب. ولذلك أتى بحرف النفي أيضاً بين الأحياء والأموات. لأن المنافاة متحققة هنا أيضاً.
فإن قلت: كيف أخر الأشرف في قوله تعالى والبصير وقوله تعالى ولا النور وقدم الأخس في قوله تعالى: الأعمى والظلمات. قلت: جاء به على أصل الواقع. لأن الكافر أعمى والكفار كانوا قبل البعثة. فلما بعث النبي ﷺ آمن به من آمن. فانتقل من العمى إلى البصر. فكان الكفر متقدماً على الإيمان. فقدم ذكر الأعمى لذلك وعطف الظلمات على الأعمى وعطف النور على البصير.
فإن قلت: وهذا ينقض عليك بقية الآية وهو تقديم الأشرف على الأخس في مكانين وهو الظل والأحياء قدما على الحرور وعلى الأموات.
стр. 19
قلت: قد تقدم أنه لما ضرب المثل للمؤمن والكافر بالأعمى والبصير وأكد ذلك بالظلمات والنور، لأنهما أمس بالأعمى والبصير من الظل والحرور، ومن الحياة ومن الموت، انتقل بعد ذلك إلى بيان حاليهما. فقال إن حاليهما متباينان، فأتى به على القاعدة في تقديم الأشرف على الأخس. فقدم الظل على الحر، والحياة على الموت. ومن قال: إنما أتى بذلك طلباً للمناسبة بين رؤوس الآي، ليناسب بين البصير والنور والحرور فليس في شيء. والذي ذكرته أدخل في أقسام البلاغة وأثبت على محل الإعجاز.
فإن قلت: كيف أفرد لفظ الأعمى والبصير والنور والظل وجمع لفظ الظلمات والحرور والأحياء والأموات؟ قلت: أما إفراد الأعمى فيلزم منه على مقتضى الفصاحة إفراد البصير، وهكذا جمع الأحياء يلزم منه جمع الأموات، عملاً بمقتضى الفصاحة. وأما إفراد الأولين وجمع الثانيين فإن الإفراد معناه القلة والجمع معناه الكثرة. فأتى بذلك على الأصل الواقع لأن المؤمنين كانوا قليلين. ولما نشر الله الدعوة ودخل الناس في دين الله أفواجاً حسن أن يضرب المثل لهم بالكثرة. ويؤيد ما قلته أن السورة مكية. وفي ذلك بشارة للنبي ﷺ وأن أمر الإيمان والمؤمنين يؤول إلى الكثرة. وفي ذلك طمأنينة له ﷺ وتثبيت ليعلم العاقبة من أمره. وأما إفراد النور، وجمع الظلمات. فقد تقرر أن هذه أمثلة ضربها الله تعالى للمؤمن والكافر. والمؤمن من اتبع الحق وآمن به. والحق هو شيء واحد وهو الإيمان بالله تعالى. وأما الكفر، فإنه جنس تحته أنواع متعددة الأباطيل: من عبادة الكواكب والإشراك بالله وعبادة الأصنام واعتقاد الدهريين إلى غير ذلك من المقالات الفاسدة التي يجمعها الكفر. فلذلك قال تعالى: ولا الظلمات ولا النور. أي لا يستوي أنواع الضلالات ونوع الهدى. هيهات! وقيل: النور لا يكون إلا باجتماع ثلاثة أشياء وهي المنور والنور نفسه والمستنير وهو الجسم الذي يقبل الاستنارة وعدم الحائل وكذلك الظلمة. فقد قابل الظلمات بشيء هو مجموع من هذه الأمور.
وهذا بعيد. والأول أولى.
وأما إفراد الظل وكون الحرور أتى بهذه الصيغة وهي فعول مثل قبول وطهور
стр. 20
للمبالغة. ولم يقل الظل ولا الحر لأن الظل هو شيء واحد يضاد أنواع الحر: من السموم، ومن حر النار، ومن تصاعد الأبخرة من الأرض الكبريتيه إلى غير ذلك مما يتوهج به الجو ويسخن به الهواء. فلذلك حسن إفراد الصيغة وتخصيص الحرور بهذه الصيغة.
فإن قلت: فقد قال تعالى تتفيأ ظلاله، فقد جمع الظل. قلت: إنما أراد هناك الجمع لأن الشمس إذا أشرقت ضرب ظل الشخص إلى جهة الغرب فكلما أخذت الشمس في الارتفاع أخذ الظل في التقلص شيئاً فشيئاً فصار كل قدر من الظل فرداً، ومجموع الأفراد من غاية الطول وهلم جراً إلى غاية القصر ظلال. وكذلك إذا جنحت الشمس ومالت عن الاستواء إلى جهة الغرب، برز الظل أقصر ما يكون، ثم تزايد شيئاً فشيئاً وتطاول إلى أن يبلغ الغاية في جهة المشرق. فثبت أن ظل الشرق وظل الغرب ظلال. والله الموفق للصواب.
وقوله تعالى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً. قال مجاهد والضحاك ومقاتل أعمى عن الحجة. وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقيل إن هذا القول ضعيف لأنهم في يوم القيامة لا بد وإن يعلمهم الله تعالى ببطلان ما كانوا عليه حتى يتميز الحق عن الباطل. ومن تكون هذه حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً. يراد أنه كان من قبل كذلك. وحينئذ لا يليق بهذا قوله وقد كنت بصيراً ولم يكن كذلك في الدنيا. قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى: ومما يؤيد هذا الاعتراض أنه تعالى علل ذلك العمى بأن المكلف نسى الدلائل. فلو كان العمى الحاصل في الآخرة عين ذلك النسيان، لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر في الآخرة، كما انه لم يكن به ضرر في الدنيا. قال: الأرواح الحاصلة في الدنيا التي تفارق أبدانها جاهلة بكون جهلها سبباً لأعظم الآلام الروحانية.
стр. 21
قلت: قد أغرب الإمام في هذا الجواب. ومال في هذا إلى القول بالمعاد الروحاني وأعرض عن المعاد الجسماني. والصواب أن يقال فيه: إن من اعرض عن ذكر الله تعالى في الدنيا وقد كان بصيراً يحشره الله تعالى وهو في حيرة لا يهتدي إلى طريق يسلكها إلى الخلاص من العذاب. كالأعمى الذي يقف متحيراً بلا قائد يرشده ويقوده إلى النجاة. ولهذا قال الله تعالى وكذلك أتتك آياتنا فنسيتها. أي فلم تعمل بها ولم يقل فلم ترها.
стр. 22
المقدمة الخامسة
فيما جاء في ذلك من الأخبار والآثار
من ذلك قصة الأقرع والأبرص والأعمى. وهي في صحيحي البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى. أخبرني الإمام الحافظ الرحلة الشيخ فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري، قراءة عليه وعلى أخيه الشيخ الغمام أبي القاسم محمد وأنا اسمع بالمدرسة الظاهرية بين القصرين من القاهرة المعزية في شهر رمضان المعظم سنة ثمان وعشرين وسبعمائة قالا: أخبرنا الشيخ المسند عز الدين عبد العزيز بن علي ابن نصر بن منصور الحراني المعروف بابن الصيقل أنا الحافظ أبو العباس أحمد بن يحيى بن هبة الله بن البيع ببغداد سنة ستمائة سماعاً، وأنبانا أبو علي الحسن بن إسحاق بن موهب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي رحمه الله تعالى، وأبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى بن الزبيدي، وأبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الله بن روزبة قالوا ثلاثتهم: أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق السجزي الصوفي قراءةً عليه ونحن نسمع قال: أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود بن معاذ بن سهل الداودي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حموية ابن أحمد ابن يوسف بن أعين السرخسي الحموي، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري البخاري، قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسمعيل بن إبراهيم بن بردزبه البخاري رحمه الله تعالى قراءة عليه وأنا اسمع، عوداً على بدء، قال حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا عمرو بن عاصم قال: حدثنا همام ح وأخبرني الشيخ الإمام المسند شمس الدين أبو الحسن علي بن الشيخ محب الدين محمد بن ممدود ابن جامع البندينجي رحمه الله تعالى قراءة عليه وعلى الشيخ الإمام الحافظ الرحلة الناقد فرد الزمان جمال الدين أبي الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي رحمه الله تعالى بدار الحديث الأشرفية تحت قلعة دمشق المحروسة في شهر رجب الفرد سنة خمس وثلاثين وسبعمائة.
стр. 23
قال البندينجي المذكور: أنا الشيخ المسند أبو العباس احمد بن عمر بن عبد الكريم بن عبد العزيز الباذبيني المقري ببغداد سنة خمسين وستمائة. وقال الشيخ جمال الدين المزي: أنا الشيخ أمين الدين أبو محمد القاسم بن أبي بكر بن القاسم بن غنيمة الأربلي والباذبيني معاً. قالا أخبرنا الشيخ أبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي الطوسي، قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الصاعدي الفراوي قراءة عليه وأنا أسمع، قال: أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي، قال: أخبرنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الزاهد، قال: حدثنا الحافظ الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري رحمه الله تعالى. قال حدثنا شيبان بن فروخ. قال حدثنا همام، وعند همام اجتمع سند البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى. قال همام حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. قال حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة أن أبا هريرة ﵁ حدثه، أنه سمع رسول الله ﷺ قال: إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص، قال أي شيء أحب إليك؟ قال لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، فقال أي المال احب إليك، قال الإبل، فأعطي ناقة عشراء وقال: بارك الله لك فيها. ثم أتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك، قال شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس، فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعراً حسناً، قال فأي المال أحب إليك، قال البقر، فأعطي بقرة حاملاً وقال: بارك الله لك فيها، ثم أتى الأعمى، فقال أي شيء أحب إليك، قال أن يرد الله علي بصري فمسحه: فرد الله بصره، قال فأي المال احب إليك قال: الغنم فأعطي شاة ولوداً. فكان للأبرص واد من إبل، وللأقرع واد من البقر، وللأعمى واد من الغنم، ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت به الحبال في سفره فلا بلاغ له اليوم إلا بالله ثم بك. أسألك بالله الذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلغ به سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأني أعرفك. ألم تكن أبرص
يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك الله؟ قال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر. قال: إن كنت كاذباً صيرك الله كما كنت. وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال. ورد عليه مثل ما رد الأول. فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله كما كنت. ثم أتى الأعمى في صورته وهيئته فقال. له مثل ما قال. فقال: كنت أعمى فرد الله علي بصري. فخذ ما شئت ودع ما شئت. فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك. قال الوزير عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة رحمه الله تعالى، بعد ما أورد هذا الحديث في كتاب الإفصاح: البلاء إلى السلامة أقرب من العافية إليها. ألا ترى كيف هلك مع السلامة اثنان ونجا واحد. وقد دل هذا الحديث على أن الصبر على البلاء قد يكون خيراً للمبتلى فإنه بان بمعافاة الأقرع والأبرص أن المرض كان أصلح لهما، لأن العافية كانت سبباً لهلاكهما. وقد خذر هذا الحديث من كان في ضر فسأل زواله فلم ير الإجابة أن يتهم القدر فإن الله ينظر للعبد في الأصلح والعبد لا يعلم للعواقب. انتهى. الناس، فقيراً فأعطاك الله؟ قال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر. قال: إن كنت كاذباً صيرك الله كما كنت. وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال. ورد عليه مثل ما رد الأول. فقال: إن
стр. 24
كنت كاذباً فصيرك الله كما كنت. ثم أتى الأعمى في صورته وهيئته فقال. له مثل ما قال. فقال: كنت أعمى فرد الله علي بصري. فخذ ما شئت ودع ما شئت. فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك. قال الوزير عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة رحمه الله تعالى، بعد ما أورد هذا الحديث في كتاب الإفصاح: البلاء إلى السلامة أقرب من العافية إليها. ألا ترى كيف هلك مع السلامة اثنان ونجا واحد. وقد دل هذا الحديث على أن الصبر على البلاء قد يكون خيراً للمبتلى فإنه بان بمعافاة الأقرع والأبرص أن المرض كان أصلح لهما، لأن العافية كانت سبباً لهلاكهما. وقد خذر هذا الحديث من كان في ضر فسأل زواله فلم ير الإجابة أن يتهم القدر فإن الله ينظر للعبد في الأصلح والعبد لا يعلم للعواقب. انتهى.
قلت: ليس هذا الكلام بمستقيم، لأنه لم يطابق الواقع. لأن الثلاثة كانوا في بلاء وسألوا بأجمعهم العافية وخار الله لأحدهم ولم يخر للباقيين. ولكن الصواب أن يسأل الله في العافية من البلاء والتوفيق إلى رضاه.
وأما كون الله تعالى نجى الأعمى وأهلك الأقرع والأبرص، فهذا أمر لا يعلل ولا يعقل. وهو من أسرار القدر، فسبحان الفاعل المختار، لا يعلم أسرار القضاء والقدر إلا هو. لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون.
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه عمن حدثه: أن حبيب بن فورك خرج به أبوه إلى رسول الله صلى عليه وسلم وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئاً. فسأله رسول الله ﷺ عما أصابه. فقال: إني كنت أمون جملاً لي فوضعت رجلي على بيض حية فابيضت عيناي. فنفث رسول الله ﷺ في عينيه فأبصر. فلقد رأيته يدخل الخيط في الإبرة، وهو ابن ثمانين.
ويؤيد هذا الحديث الحديث المشهور في عين قتادة. أخبرنا الحافظ الرحلة الشيخ فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس اليعمري رحمه الله
стр. 25
تعالى قراءة عليه وهو يسمع بالقاهرة المعزية في سنة تسع وعشرين وسبعمائة قلت له: قرأت على أبي عبد الله محمد بن علي بن ساعد، أخبركم ابن خليل، أنا ابن أبي زيد، أنا محمود الصيرفي، أنا أبو الحسين بن قاذشاه، أنا الطبراني، ثنا الوليد بن حماد الرملي، ثنا عبد الله بن الفضل، حدثني أبي عن أبيه عاصم عن أبيه عمر عن أبيه قتادة بن النعمان، قال: أهدي إلى رسول الله صلى اله عليه وسلم قوس. فدفعها رسول الله ﷺ إلي يوم أحد. فرميت بها بين يدي رسول الله ﷺ حتى اندقت عن سيتها ولم أزل عن مقامي نصب وجه رسول الله ﷺ ألقى السهام. وكلما مال سهم منها إلى وجه رسول الله ﷺ ، بلا رمي أرميه. فكان آخرها سهماً ندرت منه حدقتي على خدي. وافترق الجمع فأخذت حدقتي بكفي. فسعيت بها في كفي إلى رسول الله ﷺ ، فلما رآها رسول الله ﷺ في كفي دمعت عيناه، فقال: اللهم إن قتادة فدى وجه نبيك بوجهه! فاجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظراً! فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظراً.
قلت: ولا شك أن هذا أبلغ معجزاً من الحديث الأول. فإن الأول فيه أن عينين كانتا قد ابيضتا. فتفل فيهما رسول الله ﷺ فأبصرتا. وهما أخف أمراً من عين سالت وصارت في كف صاحبها وبانت عن مستقرها. فيعيدها ﷺ أحسن من أختها وأحد منها نظراً. لا شك أن هذا أبلغ. وقال الخرنق الأوسي:
ومنا الذي سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لأحسن حالها ... فيا طيب ما عين ويا طيب ما يد
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: لا تكرهوا الرمد، فإنه يقطع عروق العمى. أي أسبابه.
وقال إبراهيم التيمي: كفى بالمرء حسرة أن يفسح الله في بصره في الدنيا وله جار أعمى، فيأتي يوم القيامة أعمى وجاره بصيراً.
وسمعت عفيرة بنت الوليد البصرية العابدة رجلاً يقول: ما أشد العمى على من كان بصيراً! فقالت: يا عبد الله عمى القلب عن الله اشد من عمى العين عن
стр. 26
الدنيا. والله لوددت أن الله وهب لي كنه محبته ولم يبق مني جارحة لا أخذها! قال رجل للقاسم بن محمد، وقد ذهب بصره: لقد سلبت أحسن وجهك. قال: صدقت غير أني منعت النظر إلى ما يلهى، وعوضت الفكرة في العمل فيما يجدي.
قال حكيم: إياك أن تحك بثرة وإن زعزعتك، واحفظ أسنانك من القار بعد الحار والحار بعد القار، وأن تطيل النظر في عين رمدة وبئر عادية، واحذر السجود على خصفة جديدة حتى تمسحها بيدك. فرب شظية حقيرة فقأت عيناً خطيرة.
أنس ﵁ رفعه: من قاد أعمى أربعين خطوة لم تمسه النار.
كتب مبارك أخو سفيان الثوري إليه يشكو ذهاب بصره. فكتب إليه سفيان: أما بعد. فقد فهمت كتابك فيه شكاية ربك. فاذكر الموت يهن عليك ذهاب بصرك. والسلام.
ذكر الإمام فخر الدين رحمه الله تعالى في كتاب أسرار التنزيل عند ما ذكر الفتوة أن رجلاً تزوج امرأة. وقبل الدخول بها، ظهر بالمرأة جدري أذهب عينها. فقال: الرجل ظهر في عيني نوع ضعف وظلمه.
ثم قال: عميت. فزفت إليه المرأة. ثم إنها ماتت بعد عشرين سنة. ففتح الرجل عينيه. فقيل له في ذلك. فقال: ما عميت ولكن تعاميت حذراً أن تحزن المرأة. فقيل له سبقت الفتيان.
وقال حكي عن الشبلي أنه قال: خطر ببالي أني بخيل ولئيم فقلت أجرب نفسي: فنويت أن كلّ ما آخذه اليوم أهبه لأي شخص أراه أولاً. ثم إنه جاء خادم في الحال من دار الخلافة ووضع عندي صرة فيها خمسون ديناراً فأخذتها وخرجت فرأيت حجاماً يحلق رأس أعمى. فدفعتها إلى الأعمى. فقال الأعمى: ادفعها إلى هذا الحجام: فقال الحجام أنا نويت حلق رأس هذا الأعمى لله. فقلت: إنها ذهب. فقال الأعمى ما هذا البخل؟ ثم أخذها ودفعها إلى الحجام. فقال الحجام أنا نويت حلق رأس هذا الأعمى لله: ولا آخذ الذهب. والحاصل إن ذلك الذهب ما قبله الأعمى ولا الحجام.
ونقلت من بعض المجاميع: قال بعض السادة: كنا في جنازة وحضرها معنا الشيخ أبو بكر الضرير. وبين يدي الجنازة صبيان يبكون ويقولون: من لنا بعدك يا أبة فلما سمعهم أبو بكر يقولون ذلك قال الذي كان لأبي بكر الضرير. فسألته عن سبب ذلك. فقال: كان أبي من فقراء المسلمين وكان يبيع الخزف. وكانت لي أخت أسن مني
стр. 27
وكنت قد أتي علي في بصري. فانتبهت ليلة فسمعت أبي يقول لأمي: أنا شيخ كبير وأنت أيضاً قد كبرت وضعفت. وقد قرب منا ما بعد. ثم أنشد:
وإن أمراً قد سار خمسين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب
وهذه الصبية تعيش بصحة جسمها وتخدم الناس. وهذا الصبي ضرير قطعة لحم. ليت شعري! ما يكون منه؟ ثم بكيا وداما على ذلك وقتاً طويلاً من الليل. فاحزنا قلبي. فأصبحت ومضيت إلى المكتب، على عادتي. فما لبثت إلا يسيراً إذ جاء غلام للخليفة، فقال للمعلم: السيدة تسلم عليك وتقول لك قد أقبل شهر رمضان وأريد منك صبياً دون البلوغ، حسن القراءة طيب الصوت يصلي بنا التراويح. فقال: عندي من هذه صفته. وهو مكفوف البصر، ثم أمرني بالقيام معه. فأخذ الرسول بيدي وسرنا حتى وصلنا الدار. فاستأذن علي. فأذنت السيدة لي بالدخول، فدخلت وسلمت. واستفتحت وقرأت، بسم الله الرحمن الرحيم. فبكت. واسترسلت في القراءة، فزاد بكاؤها. وقالت: ما سمعت قط مثل هذه التلاوة فرق قلبي، فبكيت. فسألتني عن سبب ذلك فأخبرتها بما سمعت من أبي. فقالت: يا بني! يكون ذلك من لم يكن في حساب أبيك. ثم أمرت لي بألف دينار. فقالت: هذه يتجر بها أبوك ويجهز أختك. وقد أمرت لك بإجراء ثلاثين ديناراً في كل شهر، إدراراً. وأمرت لي بكسوة وبغلة مسرجة ملجمة وسرج محلي. فهو سبب قولي جواباً للصبيان عند ما قالوا: من لنا بعدك يا أبه.
قيل إنه مكتوب في التوراة: إن الزاني لا يموت حتى يفتقر، والقواد لا يموت حتى يعمى.
ويقال في التجارب: الأعمى مكابر والأعور ظلوم والأحول تياه.
стр. 28
المقدمة السادسة
قال حذاق الأصوليين إن العمى لا يجوز على الأنبياء
لأن مقام النبوة اشرف من ذلك. ومنعوا من عمى شعيب وإسحاق. وقالوا لم يرد بذلك نص في القرآن العظيم، ليكون العلم بذلك قطعياً. وأورد عليهم قصة يعقوب ﵇. وابيضت عيناه من الحزن فهذا صريح. وقوله تعالى: فارتد بصيراً. وبياض العين لا يكون إلا بذهاب السواد. ومتى فقد السواد حصل العمى. والارتداد لا يكون إلا عوداً إلى الحالة الأولى. والحالة الأولى كان فيها بصيراً. فدل على أن الحالة التي ارتد عنها كان فيها أعمى. وأجاب المانعون بأن قوله ابيضت عيناه كناية عن غلبة البكاء وامتلاء العين بالدموع، كما قال الشاعر
وقفت كأني من وراء زجاجة ... إلى الدار من فرط الصبابة أنظر
فعيناي طوراً تغرقان من البكا ... فأغشى وطوراً يحسران فأبصر
فهذا الشاعر ادعى أن عينيه إذا غر قتامن البكاء صار أغشى فلا يرى بهما شيئاً وإذا غدرت الدموع عاد إلى الإبصار. وقوله: من وراء زجاجة كناية عن غلبة الدموع. لأن الدموع تكون بجمودها في عينه كالزجاجة التي تغطي بصره وهي متى كانت كذلك كانت بيضاء. فهذا مثل قوله تعالى: وابيضت عيناه من الحزن. فلا يدل ذلك على العمى قطعاً. وقوله تعالى: فارتد بصيراً، ذهب جماعة من المفسرين إلى أنه كان قد عمي بالكلية. وقالت جماعة: بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء وكثرة الأحزان، فلما ألقوا القميص وبشروه بحياة يوسف ﵇، عظم فرحه وانشرح صدره وزالت أحزانه، فعند ذلك قوي ضوء بصره وزال النقصان عنه.
وهذا الذي يليق بجناب النبوة المعظمة. وهو أن يكون النبي سليم الأعضاء، صحيح الجوارح، كامل الخلق، برياً من العاهات، معتدل المزاج. ومن هنا قال الفقهاء: لا يجوز أن يكون الإمام أعمى. والصحيح من مذهب الشافعي ﵁ أن القاضي لا يكون أعمى. وفي المذهب وجه في جوازه، مبني على أن عمى شعيب وغيره من الأنبياء صحيح قيل ومقام النبوة أشرف من مقام القضاء.
فصل.
стр. 29
المقدمة السابعة
فيما يتعلق بالأعمى من الأحكام
في الفروغ مما يخالف فيها البصراء
وهي عدة أحكام على مذهب الإمام محمد بن إدريس الشافعي قدس الله روحه منها
الاجتهاد في الأواني
أصح القولين وجوبه عليه، لأنه يعرف باللمس اعوجاج الإناء واضطراب الغطاء وسائر العلامات. والأول لا يجب كما انه لا يجتهد في القبلة، بل يتقلد فيها. فلو اجتهد ولم يتبين له شيء، فالصحيح أنه يقلد لعدم قدرته على العلامات المقتضية لذلك. وإذا قلنا يقلد ولم يجد من يقلده. فالأصح أنه يتيم ويصلي ويعيد. والخلاف في الأواني جار في الثياب
مسألة من مفردات الإمام أحمد
رضي الله تعالى عنه
وهي إذا دخلت المرأة بالماء لا يجوز للرجل أن يتوضأ منه، لحديث عبد الله بن سرجس أن النبي ﷺ نهى أن يغتسل بفضل وضوء المرأة. وبعد هذا فقد روى في مسنده عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة. وقد رواه مسلم أيضاً. وروى أحمد ﵁ في مسنده أيضاً عن ابن عباس عن ميمونة أن رسول الله ﷺ توضأ بفضل غسلها من الجنابة. ورواه ابن ماجه أيضاً. وروى أحمد رضي الله تعالى عنه في مسنده أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: اغتسل بعض أزواج رسول الله صلى اله عليه وسلم في جفنة. فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها ويغتسل فقالت له: يا رسول الله: إني كنت جنباً. قال: إن الماء لا يجنب ورواه
стр. 30
أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
قال الشيخ مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن تيمية: وأكثر أهل العلم على الرخصة للرجل في فضل طهور المرأة. والأخبار بذلك أصح.
وكرهه أحمد وإسحاق إذا دخلت به. وهو قول عبد الله بن سرجس. وحملوا حديث ميمونة على أنها لم تخل به، جمعاً بينه وبين حديث الحكم بن عمرو الغفاري.
قلت: وحديث الحكم، أن رسول الله ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. رواه الخمسة، إلا أن ابن ماجه والنسائي قالا: وضوء المرأة: وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال ابن ماجه وقد روى بعده حديثاً آخر الصحيح الأول. يعني حديث الحكم: ولعل الإمام أحمد ﵁ كان يرى أن حديث ميمونة من خواص النبي ﷺ ، فلا يجوز ذلك لغيره من الأمة. فعلى مذهب الإمام أحمد هل يحصل خلو المرأة بالماء مع حضور الأعمى أولاً في المذهب وجهان.
ومنها
الاجتهاد في القبلة
قال الأصحاب: لا يجوز له ذلك لأن امارتها البصر بخلاف أوقات الصلوات حيث يجوز له إذ التوصل إليها ممكن إما بورد أو ذكر أو خطاً يمشيها.
ومنها كراهية أذانه إذا كان راتباً إلا أن يكون معه بصير كما كان بلال مع ابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنهما.
كذا قال النووي رحمه الله تعالى. وفيه نظر. لأن بلالاً لم يكن أذانه مع ابن أم مكتوم. وإنما كان كل منهما مستقبلاً بوقت دون غيره، يؤذن فيه. قال رسول الله ﷺ : إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم:
стр. 31
وكان أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت! أصبحت! فقد رتب رسول الله ﷺ تحريم السحور على أذان ابن أم مكتوم، دون بلال.
قلت: إلا أن القاسم بن محمد بن أبي بكر ﵃ روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا أذن بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. قالت: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا. وهذا يؤيد ما ذهب إليه الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى.
ومنها إمامته هل هي وإمامة البصير سواء، أو هي أولى بالعكس. وجوه.
والقول بأنهما سواء قول الجمهور. فحكي عن أبي إسحاق المروزي أن الأعمى أولى، لأنه لا ينظر إلى ما يلهيه ويشغله. فيكون أبعد عن تفرق القلب وأخشع.
واختار الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أن البصير أولى. وبه قال الإمام أبو حنيفة ﵁: لأنه أحفظ لبدنه وثيابه عن النجاسات، ولأنه مستقل بنفسه في الاستقبال.
وقد كره ابن سيرين إمامة الأعمى لقول ابن عباس ﵁ تعالى عنهما: كيف أؤمهم وهم يعدلوني إلى القبلة، وعن أنس قال: وما حاجتهم إليه.
وعند عامة الأصحاب أنهما سواء، لتعارض المعنيين. وهو المنقول عن نص الشافعي ﵁ في الأم. ولم يورد الصيدلاني. والإمام وصاحب التهذيب شيئاً سواه.
ومنها هل يجب عليه الجمعة.
قال جمهور الأصحاب: إن وجد قائداً متبرعاً أو باجرة، وله مال، وجبت عليه. وإن لم يجد قائداً، لم يلزمه الحضور هكذا أطلق الأكثرون.
وعن القاضي حسين أنه إن كان يحسن المشي بالعصا من غير قائد، لزمه ذلك.
وعن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه لأنه لا تجب الجمعة على الأعمى بحال. وإذا حضر الأعمى الجامع ينبغي أن يجري الخلاف فيه كما في المريض إذا حضر فأقيمت الصلاة.
стр. 32
هل يحرم عليه الانصراف وفيه قولان.
فرع ومن شرط الأعمى في القدوة إذا كان مأموماً سماع صوت الإمام أو المترجم أو بهداية غيره وكذا حال البصير الذي لا يشاهد بظلمة أو غيرها.
ومنها هل تسقط الجماعة عنه.
وقد روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أتى رسول الله ﷺ رجل أعمى. فقال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد. وسأل رسول الله ﷺ فرخص له. فلما ولى دعاه رسول الله ﷺ فقال: هل تسمع النداء، قال: نعم، قال: فأجب.
ومن فروع صلاة الأعمى، ما كتبه إلى الشيخ الإمام بهاء الدين أبي حامد أحمد ابن العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين أبي الحسن علي السبكي الأنصاري الشافعي ﵁
أبا حامد إني بشكرك مطرب ... كأن ثنائي في المسامع سيز
لقد حزت فضل الفقه والأدب الذي ... يفوت الغنى من لا بذاك يفوز
وفت المدى مهلاً إلى الغاية التي ... لها عن لحاق السابقين بروز
فأصبحت في حل الغوامض آيةً ... تميل إلى طرق الهدى وتميز
كأن حروف المشكلات إذا أتت ... لديك على حل العويص رموز
ملكت فأخرج للمساكين فضلة ... فعندك من در البيان كنوز
تجيد القوافي والقوى في بيانها ... فبيتك للمعنى الشرود حريز
سلت فخبر عن صلاة امرئ غدت ... يحار بسيط عندها ووجيز
تجوز إذا صلى إماماً ومفرداً ... وإن كان مأموماً فليس تجوز
فأوف لنا كيل الهدى متصدقاً ... فأنت بمصر والشآم عزيز
فمن ذا الذي يرجى وأنت كما نرى ... مجيد مجيب للسؤال مجيز
فكتب الجواب إلي عن ذلك.
أيامن لشأو العلم بات يحوز ... ومن لسواه المدح ليس يجوز
ومن حاز في الآداب اقتسم الورى ... فليس لشيء منه عنه نشوز
ومن ضاع عرف الفضل منه ولم يضع ... بجدواه عرف الجود فهو حريز
سألت وما المسؤل أعلم بالذي ... أردت ولا منه عليك بروز
стр. 33
وقلت امرؤ لا يقتدي غير أنه ... إماماً وفرداً بالجواز يفوز
وذاك امرؤ أعمى نأى عنه سمعه ... وليس لأفعال الإمام يميز
فهاك جواباً واضحاً قد أبنته ... ومثلي عن حل الصعاب ضموز
فإن كان هذا ما أردت فإنما ... بفضلك في الدنيا تفك رموز
وإن لم يكنه فالذي هو لازم ... جواب لمضمون السؤال يحوز
فلا زلت تبدي من فضائلك التي ... تزيد مع الإنفاق وهي كنوز
فأنت صلاح الدين والناس والدنا ... وأنت خليل والخليل عزيز
ومنها أنه لا يجب عليه الحج إذا لم يجد قائداً متبرعاً، أو كان عاجزاً عن أجرته.
لأن ذلك من عدم الاستطاعة. ولا يجوز له الاستنابة عنه. وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه في أصح القولين عنه: الاستنابة فيه.
قال الرافعي رحمه الله تعالى: إذا وجد مع الزاد والراحلة قائداً، يلزمه الحج بنفسه، لأنه مستطيع. والقائد في حقه كالمحرم مع المرأة.
ومنها بيع الأعمى بنفسه وشراؤه.
إن قلنا بالمذهب الصحيح على القول الجديد: إنه لا يجوز بيع الغائب ولا شراؤه، فلا يجوز بيع والأعمى لا شراؤه. فإن جوزناه فوجهان. الأظهر منهما أنه لا يجوز. والفرق أنا إذا جوزنا الغائب، ثبت فيه خيار الرؤية. وفي حق الأعمى لا سبيل له إلى خيار الرؤية، إذ لا رؤية ألبتة. فيكون كبيع الغائب، على شرط أن لا خيار.
والثاني: يجوز ويقام وصف غيره له مقام رؤيته، كما تقام الإشارة مقام النطق في حق الأخرس.
وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأحمد رضي الله تعالى عنهم.
وإذا قلنا لا يصح بيع الأعمى ولا شراؤه، فلا تصح منه الإجارة، ولا يصح منه الرهن، ولا تصح منه الهبة.
فهذه الثلاث مسائل، مقيسة على عدم صحة بيعه وشرائه.
وهل للأعمى أن يكاتب عبده.
قال في التهذيب: لا. وقال في التتمة، المذهب أن له ذلك. تغليباً للعتق، وصححه النووي رحمه الله تعالى.
ويجوز للأعمى أن يؤجر نفسه، وأن يشتري نفسه، وأن يقبل الكتابة على نفسه: لأنه لا يجهل نفسه في هذه الأحوال.
стр. 34
ومنها سلمه إذا اسلم في شيء أو باع سلماً.
فينظر إن كان قد عمي بعد ما بلغ سن التمييز، فهو صحيح. لأن السلم يعتمد الأوصاف. وهو، والحالة هذه يميز بين الألوان ويعرف الأوصاف. ثم يوكل من يقبض عنه. على الوصف المشروط. وهل يصح قبضه بنفسه؟.
فيه وجهان. أصحهما لا. لأنه لا تمييز عنده بين المستحق وغيره. وإن كان أكمه، أو عمي قبل بلوغ سن التمييز، فوجهان. أحدهما أنه لا يصح سلمه، لأنه لا يعرف الألوان ولا تمييز بينها عنده. وبهذا قال المزني. ويحكى عن ابن سريج وابن خيران وابن أبي هريرة أيضاً. واختاره صاحب التهذيب. وأصحهما عند العراقيين وغيرهم. ويحكى عن أبي إسحاق المروزي. وبه أجاب في الكتاب انه يصح لأنه يعرف الصفات والألوان بالسماع ويتخيل فرق بينهما. فعلى هذا إنما يصح سلم الأعمى إذا كان راس المال موصوفاً فعين في المجلس، أما إذا كان معيناً فهو كبيع العين، وكل ما لا نصححه من الأعمى في التصرفات، فسبيله أن يوكل ويحتمل ذلك للضرورة.
ومنها
المساقاة
وهي كالبيع فيجري فيها ما يجري في بيعه.
ومنها
جواز كونه وصياً
في المسألة وجهان، وجه المنع أنه لا يقدر على التصرف في البيع والشراء لنفسه. فلا يجوز أن يفوض إليه أمر غيره. ووجه الجواز أنه يوكل في كلما يتعذر مباشرته له بنفسه. وبه قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه.
ومنها
إذا اشترى البصير شيئاً ثم عمي
قبل قبضه وقلنا لا يصح قبض الأعمى فهل ينفسخ فيه وجهان. كالوجهين فيما إذا اشترى الكافر عبداً كافراً ثم أسلم العبد، وصحح النووي رحمه الله تعالى أنه لا ينفسخ العقد لأنه وقع صحيحاً وله التوكيل في قبضه.
ومنها
جواز كونه ولياً في النكاح
في أصح الوجهين، فوجه المنع أن العمى نقص يؤثر في الشهادة فأشبه الصغير الذي لا يكون ولي النكاح، ووجه الجواب أن المقصود من الولاية هنا يحصل بالبحث عن الغير والسماع، وإنما لم يقبل شهادته لتعذر التحمل ولهذا قبلت شهادته فيما تحمله قبل العمى، وقيل أيضاً إن شعيباً ﵇ زوج وهو مكفوف.
ومنها
أنه يصح خلعه المرأة
اتفاقاً، لكنه إن خالع على عين معينة بطل فيها على
стр. 35
المذهب كما قلنا في بطلان بيعه وشرائه ويجب مهر المثل.
ومنها إذا اجتمع بالزوجة هل يعتد بذلك خلوة ويكمل الصداق؟ الظاهر أن الشافعي رضي الله تعالى عنه لا فرق عنده في ذاك بين البصير والأعمى. وأما مذهب الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه فقال أصحابه على القول بتكميل الصداق. فإن كانت صغيرة لا يمكن وطؤها أو الزوج صغيراً أو أعمى لم يعلم دخولها عليه لم يكمل الصداق لأنه لم يحصل التمكن.
ومنها العمى في النكاح هل هو عيب أو لا؟ مذهب الشافعي ﵁ أنه ليس بعيب، لا في النكاح ولا في الكفاءة في أحد الجانبين، أما إذا اشترط أحد الزوجين البصر فبان خلافه هل يصح النكاح أو يبطل؟ فيه قولان أظهرهما الصحة، وهما جاريان في كل وصف شرط فبان خلافه، سواء كان المشروط وصف كمال كالجمال والشباب والنسب واليسار والبكارة أم صفة نقص كأضداد هذه.
ومنها
هل يجوز أن تكون الحاضنة عمياء
هذه من المسائل الغريبة إلا أن ابن الرفعة رحمه الله تعالى قال: في كلام الإمام ما يستنبط منه أن العمى مانع، فإنه يعني الغمام قال إن حفظ الأم للولد الذي لا يستقل ليس مما يقبل الفترات، فإن المولود في حركاته وسكناته لو لم يكن ملحوظاً من مراقب لا يسهو ولا يغفل لأوشك أن يهلك. ومقتضى هذا أن يكون العمى مانعاً، فإن الملاحظة معه كما وصف لا تتأتى. وقد يقال: فيه ما في الفالج إذا كان لا يلهي عن الحضانة وإنما يمنع الحركة. وأخبرني المولى الإمام الفقيه الفاضل القاضي تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب ابن العلامة أوحد المجتهدين قاضي القضاة تقي الدين أبي الحسن علي الأنصاري السبكي الشافعي ﵁ قال قد رأيت فيها نقلا في فتاوى عبد الملك بن إبراهيم المقدسي من أصحابنا وقال: إنه لا حضانة للعمياء، وهو نقل غريب جداً، لم ينقله أحد. قال: وعبد الملك هذا فقيه كبير زاهد ورع فرضي سمع بهمذان أبا نصر بن هبيرة وبغيرها من البلاد. وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وثمانين وأربعمائة وببغداد رحمه الله تعالى.
قلت: كان إماماً في الفرائض والحساب وقسمة التركات وإليه مرجع الناس في ذلك. طلبه الوزير أبو شجاع للقضاء فاعتذر بالعجز وعلو السن. وقال: لو كانت
стр. 36
ولايتي متقدمة لاستعفيت منها وأنشد.
إذا المرء أعيته السيادة ناشئاً ... فمطلبها كهلاً عليه شديد
وكان يحفظ المجمل لابن فارس، وغريب الحديث لأبي عبيدة ولم يعرف أنه اغتاب أحداً قط. وسمع من عبد الله بن عبدان وعبد الرحمن ابن أحمد الروياني.
ومنها ذكاته، تكره ذكاة الأعمى بالاتفاق، لاحتمال أنه يخطئ المذبح، فإن ذبح حل.
ومنها حل صيده بالكلب والرمي قياساً على ذبحه. ومن منع احتج بأنه ليس له قصد صحيح، فصار كما لو استرسل الكلب بنفسه، وهذا المنع محكي عن أبي إسحاق: وقد أطلق الوجهين مطلقون والأشبه أن الخلاف مخصوص بما إذا دله بصير على أنه بحذائه صيد فرمى أو أرسل الكلب عليه بدلالته، ووجه الحل بأنه فعل ما فعل بدلالة بصير، فأشبه ما لو دله على القبلة، والمذهب المنع، والأصح التحريم، بخلاف القبلة لأن التوجه يسقط بالأعذار، وتجويز بناء الأمر فيه على الاجتهاد، وذلك بخلاف الصيد.
ومنها الإمام لا يجوز أن يكون أعمى. قال الرافعي رحمه الله تعالى: وينعزل بالعمى والصمم والخرس، ولا ينعزل بتمتمة اللسان ولا ثقل السمع. وقال الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى في شروط الإمامة: وهي كونه مكلفاً مسلماً عدلاً حراً ذكراً عالماً مجتهداً شجاعاً ذا رأي وكفاية سميعاً بصيراً ناطقاً قرشياً. وقال قال الماوردي: عشا العين لا يمنع انعقاد الإمامة لأنه مرض في زمن الاستراحة ويرجى زواله وضعف البصر إن كان يمنع معرفة الأشخاص منع انعقاد الإمامة واستدامتها وإلا فلا.
قلت: ولهذا كان بنو بويه وغيرهم، إذا خلعوا الخليفة سملوه حتى لا يعود ترجى له الخلافة ولا انعقاد الإمامة كما فعل بأمير المؤمنين المتقي إبراهيم بن جعفر، وبأمير المؤمنين المستكفي بالله عبد الله بن علي، وبأمير المؤمنين الطائع عبد الكريم بن الفضل، وبأمير المؤمنين القاهر محمد بن أحمد. وكما فعل الإمام الناصر بابنه الإمام الظاهر محمد بن أحمد وحاول من فساد بصره ولم يقدره الله تعالى على ما سيمر بك في تراجم المذكورين.
ومنها لا يقتض من العين السليمة بالحدقة العمياء قطعاً لعدم المكافأة والتساوي،
стр. 37
فإن كل جارحة لها منفعة ومنفعة العين إدراك المرئيات، ولا إحساس بها للأعمى، فسقطت المكافأة. ألا ترى أن الفقهاء أوجبوا قطع جفن البصير بجفن الأعمى لأنهما تساويا في الجرمين.
ومنها الحدقة القائمة كاليد الشلاء لترددها بين البصيرة والعمياء، فلا تؤخذ الصحيحة بها وإن رضي الجاني، كما أنه لا يقتل المسلم بالكافر وإن رضي الجاني. وهل تؤخذ القائمة بالصحيحة؟ فيه وجهان، أحدهما لا، لعدم المكافأة والأصح أنه يراجح أهل الخبرة.
ومنها إذا جنى عليه جناية فأعماه كما إذا ضربه على رأسه فحدث له عمى. المذهب أنه يقتص منه، فإن تعذر وقال أهل الخبرة إنه يمكن القصاص اقتص منه. وإن قالوا يتعذر وجبت الدية، كما إذا جرحه موضحة فذهب بصره وشعر رأسه فاقتص المجني عليه في الموضحة فذهب بصر الجاني وشعر رأسه فاقتص المجني عليه في الموضحة فذهب بصر الجاني وشعر رأسه، نص في المختصر أنه استوفى حقه، ولو لم يذهب بصر الجاني ونبت شعره فعليه دية البصر وحكومة الشعر.
ومنها إذا جرى بصير وراء أعمى بسيف ووقع الأعمى في طريقه في بئر ضمن البصير، إذا كان الضرير لم يعلم أن هناك بئراً.
ومنها استماع الأعمى من خصاص الباب حيث يسوغ رمي البصير في عينه إذا اطلع. قال ابن عقيل من أصحاب الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه في فنونه: هل يجوز ضربه في أذنه كما يضرب البصير في أذنه.
ومنها إذا قيل للأعمى: أترك الصلاة أياماً فإنك تبصر مع العلاج، أو قيل له صل مستلقياً إذا كان قادراً على القيام وقال له ذلك طبيب موثوق بدينه وبعلمه جاز له الاضطجاع والاستلقاء على الأصح. ولو قال له: إن صليت قاعداً مكنت مداواتك، قال إمام الحرمين: يجوز القعود قطعاً، ومفهوم كلام غيره أنه على وجهين.
ومنها الأعمى إذا تردى من مكان فوقع على غيره أو جذب أحد بيده، روى علي بن رباح اللخمي أن رجلاً كان يقود أعمى فوقعا في بئر ووقع الأعمى فوق البصير فقتله، فقضى عمر رضي الله تعالى عنه بعقل البصير على الأعمى، فكان الأعمى ينشد في الموسم
стр. 38
يا أيها الناس لقيت منكراً ... هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا
خرا معاً كلاهما تكسرا قال الشيخ موفق الدين الحنبلي رحمه الله تعالى، وبهذا الحكم قال أصحابنا وهو قول ابن الزبير وشريح والنخعي والشافعي وإسحاق قال: ولو قال قائل ليس على الأعمى ضمان البصير لأن البصير الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه وكان سبب وقوعه عليه. وكذلك لو فعله قصداً لم يضمنه بغير خلاف وكان عليه ضمان الأعمى لكان له وجه. إلا أن يكون لم يضمنه بغير خلاف وكان عليه ضمان الأعمى لكان له وجه. إلا أن يكون مجمعاً عليه فلا يجوز مخالفة الإجماع، ويحتمل إنما لم يجب الضمان على القائد لوجهين. أحدهما أنه ماذون فيه من جهة الأعمى فلم يضمن ما تلف له، كما لو حفر بئراً في داره بإذنه فتلف بها. الثاني أنه فعل مندوب إليه مأمور به، قياسه ما لو حفر بئراً في سابلة ينتفع بها المسلمون فإنه لا يضمن بما تلف فيها.
مسألة في حكم العمى في الأضحية، هذه المسألة لا تعلق لها بمسائل الأعمى، ولكن لها علاقة بالعمى من حيث هو. لا تجزئ الضحية بالعمياء ولا العوراء التي ذهبت حدقتها وإن بقيت فوجهان، الصحيح أنها لا تجزئ، وتجزئ العشواء على الصحيح لأنها تبصر نهاراً وهو وقت الحاجة إلى المرعى.
ومنها سقوط الجهاد عنه. لا جهاد على الأعمى وذلك بنص القرآن العظيم فيسقط الجهاد بالصبا والأنوثة والمرض والعرج والعمى والفقر.
ومنها لو نقب زمن وأعمى فأدخل الأعمى الزمن فأخذ الزمن المتاع وخرج به الأعمى يجب القطع على الزمن، وفي الأعمى وجهان، إذا حمل الزمن وأدخله الحرز فدل الزمن الأعمى على المال وأخذه وخرج به يجب القطع عليهما أولا يجب إلا على الأعمى فيه وجهان، أصحهما الثاني. وقال أبو حنيفة ﵁: لا قطع على واحد منهما لأنه خرج ولا شيء معه.
ومنها اصح الوجهين عند الأكثرين أن من نذر عتق رقبة وأطلق أجزأه عتق الأعمى. وصحح الداركي أنه لا يجزئ وهما مبنيان على أن النذر هل يسلك به
стр. 39
مسلك واجب الشرع أو جائزه.
ومنها القاضي الأعمى، الصحيح من المذهب أنه لا يجوز أن يكون القاضي أعمى. وفيه وجه في جمع الجوامع للروياني اختاره القاضي شرف الدين بن أبي عصرون رحمه الله تعالى وصنف فيه جزأ واستمر على القضاء لما عمي. حجة الجمهور أنه لا يعرف الخصوم ولا الشهود. وحجة من جوز أن شعيباً ﵇ كان أعمى فالقاضي بطريق أولى لأن النبي اشرف من القاضي. وقيل إن شعيباً ﵇ لم يثبت عماه ولئن سلمنا عماه فإن الذين آمنوا معه كانوا قليلين. فربما أنهم كانوا لا يحتاجون إلى التحاكم بينهم، سلمنا أنهم احتاجوا إلى التحاكم لكن الوحي ينزل عليه بالحق في فصل القضايا، ولا كذلك القاضي. فلو عمي القاضي بعد سماع البينة وتعديلها، هل ينفذ قضاؤه في تلك الواقعة؟ فيه وجهان أحدهما لا، لأنه انعزل بالعمى.
ومنها المذهب أنه لا تقبل شهادة الأعمى إلا في موضعين. أحدهما أن يقول له إنسان في أذنه شيئاً فيعلقه ويحمله إلى القاضي فيشهد بما قاله، وقيل لا تقبل في هذه الحالة أيضاً. قال القاضي: ومحل الخلاف ما إذا جمعهما مكان خال وألصق فمه بخرق أذنه وضبطه فلو كان هناك جماعة وأقر في أذنه لم تقبل. والثاني فيما يشهد فيه بالاستفاضة كالموت والنسب لأن الشهادة إذا كانت على ذلك لم يؤثر فيها فقد البصر. وقال المحاملي: في قبول شهادته والحالة هذه نظر، من جهة أن المخبرين لا بد وأن يكونوا عدولاً، والأعمى لا يشاهدهم، فلا يعرف عدالتهم. وقال القاضي أبو الطيب كلام الأصحاب محمول على ما إذا سمع ذلك في دفعات مختلفة مع قول مختلفين في أزمان مختلفة حتى يصير لا شك فيه لكثرة تكراره على سمعه ويصير بمنزلة التواتر عنده. ولا يجوز التحمل إلا على هذا الوجه.
وقال الشيخ أبو علي كلامهم في شهادته بالنسب يتصور فيما إذا كان الشخص معروف النسب من جهة أبيه وأجداده وليس تعرف نسبته إلى قبيلة معينة فيشهد أن فلان بن فلان من بني فلان فتثبت هذه الشهادة من الأعمى فإنه نسب لا يحتاج إلى الإشارة دون ما إذا نسب شخصاً إلى شخص فإنه لا يجد إلى ذلك سبيلاً. وقد أضاف الأصحاب رحمهم الله تعالى إلى الصورتين صورة ثالثة وهي سماع شهادته في الترجمة
стр. 40
على أحد الوجهين.
وقال. وأحمد ﵄ للأعمى التحمل والشهادة إعتماداً على الصوت، كماله أن يطا زوجته ويميز بينها وبين غيرها بالصوت ونحوه. وهو مشكل فإن الأصوات تتشابه ويتطرق إليها التلبيس والتحيل. وأجاب الأصحاب رحمهم الله تعالى بأن الشهادة مبنية على العلم ما أمكن، والوطء يجوز بالظن. وأيضاً فالضرورة تدعو إلى تجويز الوطء ولا تدعو إلى الشهادة، لأن البصراء غنية عنه ولا تقبل شهادة الأعمى على الأجانب ولا على زوجته التي يطؤها لما سبق من تشابه الأصوات. وعن القفال أن مالكياً سئل ببخارى عن شهادة الأعمى وقصدوا بذلك التشنيع عليه. فقال ما قولكم في أعمى يطأ زوجته وأقرت تحته بدرهم فشهد عليها أتصدقونه في انه عرفها حتى استباح بضعها وتقولون إنه لم يعرفها للإقرار بدرهم فانعكس التشنيع. وقال أبو حنيفة ﵁ لا تقبل شهادة الأعمى بحال مع تسليمه أن النكاح ينعقد بشهادة أعميين.
وأما رواية الأعمى: ففيها وجهان: أحدهما المنع لأنه قد يلبس عليه وقت السماع. والثاني أنها مقبولة إذا حصل الظن الغالب. واحتج له بأن عائشة وسائر أمهات المؤمنين ﵅ كن يروين من وراء الستر ثم يروي السامعون عنهن. ومعلوم أن البصراء والحالة هذه كالعميان، والأول أظهر عند الإمام وبالثاني أجاب الجمهور، وهذا الخلاف فيما سمعه بعد العمى أما ما سمعه قبل العمى فله أن يرويه بلا خلاف.
следующие страницы →