← Тараджим

Тараджим · id 28182

نكث الهميان في نكت العميان

الصفدي

Полный текст (298 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ولايتي متقدمة لاستعفيت منها وأنشد. إذا المرء أعيته السيادة ناشئاً ... فمطلبها كهلاً عليه شديد وكان يحفظ المجمل لابن فارس، وغريب الحديث لأبي عبيدة ولم يعرف أنه اغتاب أحداً قط. وسمع من عبد الله بن عبدان وعبد الرحمن ابن أحمد الروياني. ومنها ذكاته، تكره ذكاة الأعمى بالاتفاق، لاحتمال أنه يخطئ المذبح، فإن ذبح حل. ومنها حل صيده بالكلب والرمي قياساً على ذبحه. ومن منع احتج بأنه ليس له قصد صحيح، فصار كما لو استرسل الكلب بنفسه، وهذا المنع محكي عن أبي إسحاق: وقد أطلق الوجهين مطلقون والأشبه أن الخلاف مخصوص بما إذا دله بصير على أنه بحذائه صيد فرمى أو أرسل الكلب عليه بدلالته، ووجه الحل بأنه فعل ما فعل بدلالة بصير، فأشبه ما لو دله على القبلة، والمذهب المنع، والأصح التحريم، بخلاف القبلة لأن التوجه يسقط بالأعذار، وتجويز بناء الأمر فيه على الاجتهاد، وذلك بخلاف الصيد. ومنها الإمام لا يجوز أن يكون أعمى. قال الرافعي رحمه الله تعالى: وينعزل بالعمى والصمم والخرس، ولا ينعزل بتمتمة اللسان ولا ثقل السمع. وقال الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى في شروط الإمامة: وهي كونه مكلفاً مسلماً عدلاً حراً ذكراً عالماً مجتهداً شجاعاً ذا رأي وكفاية سميعاً بصيراً ناطقاً قرشياً. وقال قال الماوردي: عشا العين لا يمنع انعقاد الإمامة لأنه مرض في زمن الاستراحة ويرجى زواله وضعف البصر إن كان يمنع معرفة الأشخاص منع انعقاد الإمامة واستدامتها وإلا فلا. قلت: ولهذا كان بنو بويه وغيرهم، إذا خلعوا الخليفة سملوه حتى لا يعود ترجى له الخلافة ولا انعقاد الإمامة كما فعل بأمير المؤمنين المتقي إبراهيم بن جعفر، وبأمير المؤمنين المستكفي بالله عبد الله بن علي، وبأمير المؤمنين الطائع عبد الكريم بن الفضل، وبأمير المؤمنين القاهر محمد بن أحمد. وكما فعل الإمام الناصر بابنه الإمام الظاهر محمد بن أحمد وحاول من فساد بصره ولم يقدره الله تعالى على ما سيمر بك في تراجم المذكورين. ومنها لا يقتض من العين السليمة بالحدقة العمياء قطعاً لعدم المكافأة والتساوي،

стр. 37

فإن كل جارحة لها منفعة ومنفعة العين إدراك المرئيات، ولا إحساس بها للأعمى، فسقطت المكافأة. ألا ترى أن الفقهاء أوجبوا قطع جفن البصير بجفن الأعمى لأنهما تساويا في الجرمين. ومنها الحدقة القائمة كاليد الشلاء لترددها بين البصيرة والعمياء، فلا تؤخذ الصحيحة بها وإن رضي الجاني، كما أنه لا يقتل المسلم بالكافر وإن رضي الجاني. وهل تؤخذ القائمة بالصحيحة؟ فيه وجهان، أحدهما لا، لعدم المكافأة والأصح أنه يراجح أهل الخبرة. ومنها إذا جنى عليه جناية فأعماه كما إذا ضربه على رأسه فحدث له عمى. المذهب أنه يقتص منه، فإن تعذر وقال أهل الخبرة إنه يمكن القصاص اقتص منه. وإن قالوا يتعذر وجبت الدية، كما إذا جرحه موضحة فذهب بصره وشعر رأسه فاقتص المجني عليه في الموضحة فذهب بصر الجاني وشعر رأسه فاقتص المجني عليه في الموضحة فذهب بصر الجاني وشعر رأسه، نص في المختصر أنه استوفى حقه، ولو لم يذهب بصر الجاني ونبت شعره فعليه دية البصر وحكومة الشعر. ومنها إذا جرى بصير وراء أعمى بسيف ووقع الأعمى في طريقه في بئر ضمن البصير، إذا كان الضرير لم يعلم أن هناك بئراً. ومنها استماع الأعمى من خصاص الباب حيث يسوغ رمي البصير في عينه إذا اطلع. قال ابن عقيل من أصحاب الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه في فنونه: هل يجوز ضربه في أذنه كما يضرب البصير في أذنه. ومنها إذا قيل للأعمى: أترك الصلاة أياماً فإنك تبصر مع العلاج، أو قيل له صل مستلقياً إذا كان قادراً على القيام وقال له ذلك طبيب موثوق بدينه وبعلمه جاز له الاضطجاع والاستلقاء على الأصح. ولو قال له: إن صليت قاعداً مكنت مداواتك، قال إمام الحرمين: يجوز القعود قطعاً، ومفهوم كلام غيره أنه على وجهين. ومنها الأعمى إذا تردى من مكان فوقع على غيره أو جذب أحد بيده، روى علي بن رباح اللخمي أن رجلاً كان يقود أعمى فوقعا في بئر ووقع الأعمى فوق البصير فقتله، فقضى عمر رضي الله تعالى عنه بعقل البصير على الأعمى، فكان الأعمى ينشد في الموسم

стр. 38

يا أيها الناس لقيت منكراً ... هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا خرا معاً كلاهما تكسرا قال الشيخ موفق الدين الحنبلي رحمه الله تعالى، وبهذا الحكم قال أصحابنا وهو قول ابن الزبير وشريح والنخعي والشافعي وإسحاق قال: ولو قال قائل ليس على الأعمى ضمان البصير لأن البصير الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه وكان سبب وقوعه عليه. وكذلك لو فعله قصداً لم يضمنه بغير خلاف وكان عليه ضمان الأعمى لكان له وجه. إلا أن يكون لم يضمنه بغير خلاف وكان عليه ضمان الأعمى لكان له وجه. إلا أن يكون مجمعاً عليه فلا يجوز مخالفة الإجماع، ويحتمل إنما لم يجب الضمان على القائد لوجهين. أحدهما أنه ماذون فيه من جهة الأعمى فلم يضمن ما تلف له، كما لو حفر بئراً في داره بإذنه فتلف بها. الثاني أنه فعل مندوب إليه مأمور به، قياسه ما لو حفر بئراً في سابلة ينتفع بها المسلمون فإنه لا يضمن بما تلف فيها. مسألة في حكم العمى في الأضحية، هذه المسألة لا تعلق لها بمسائل الأعمى، ولكن لها علاقة بالعمى من حيث هو. لا تجزئ الضحية بالعمياء ولا العوراء التي ذهبت حدقتها وإن بقيت فوجهان، الصحيح أنها لا تجزئ، وتجزئ العشواء على الصحيح لأنها تبصر نهاراً وهو وقت الحاجة إلى المرعى. ومنها سقوط الجهاد عنه. لا جهاد على الأعمى وذلك بنص القرآن العظيم فيسقط الجهاد بالصبا والأنوثة والمرض والعرج والعمى والفقر. ومنها لو نقب زمن وأعمى فأدخل الأعمى الزمن فأخذ الزمن المتاع وخرج به الأعمى يجب القطع على الزمن، وفي الأعمى وجهان، إذا حمل الزمن وأدخله الحرز فدل الزمن الأعمى على المال وأخذه وخرج به يجب القطع عليهما أولا يجب إلا على الأعمى فيه وجهان، أصحهما الثاني. وقال أبو حنيفة ﵁: لا قطع على واحد منهما لأنه خرج ولا شيء معه. ومنها اصح الوجهين عند الأكثرين أن من نذر عتق رقبة وأطلق أجزأه عتق الأعمى. وصحح الداركي أنه لا يجزئ وهما مبنيان على أن النذر هل يسلك به

стр. 39

مسلك واجب الشرع أو جائزه. ومنها القاضي الأعمى، الصحيح من المذهب أنه لا يجوز أن يكون القاضي أعمى. وفيه وجه في جمع الجوامع للروياني اختاره القاضي شرف الدين بن أبي عصرون رحمه الله تعالى وصنف فيه جزأ واستمر على القضاء لما عمي. حجة الجمهور أنه لا يعرف الخصوم ولا الشهود. وحجة من جوز أن شعيباً ﵇ كان أعمى فالقاضي بطريق أولى لأن النبي اشرف من القاضي. وقيل إن شعيباً ﵇ لم يثبت عماه ولئن سلمنا عماه فإن الذين آمنوا معه كانوا قليلين. فربما أنهم كانوا لا يحتاجون إلى التحاكم بينهم، سلمنا أنهم احتاجوا إلى التحاكم لكن الوحي ينزل عليه بالحق في فصل القضايا، ولا كذلك القاضي. فلو عمي القاضي بعد سماع البينة وتعديلها، هل ينفذ قضاؤه في تلك الواقعة؟ فيه وجهان أحدهما لا، لأنه انعزل بالعمى. ومنها المذهب أنه لا تقبل شهادة الأعمى إلا في موضعين. أحدهما أن يقول له إنسان في أذنه شيئاً فيعلقه ويحمله إلى القاضي فيشهد بما قاله، وقيل لا تقبل في هذه الحالة أيضاً. قال القاضي: ومحل الخلاف ما إذا جمعهما مكان خال وألصق فمه بخرق أذنه وضبطه فلو كان هناك جماعة وأقر في أذنه لم تقبل. والثاني فيما يشهد فيه بالاستفاضة كالموت والنسب لأن الشهادة إذا كانت على ذلك لم يؤثر فيها فقد البصر. وقال المحاملي: في قبول شهادته والحالة هذه نظر، من جهة أن المخبرين لا بد وأن يكونوا عدولاً، والأعمى لا يشاهدهم، فلا يعرف عدالتهم. وقال القاضي أبو الطيب كلام الأصحاب محمول على ما إذا سمع ذلك في دفعات مختلفة مع قول مختلفين في أزمان مختلفة حتى يصير لا شك فيه لكثرة تكراره على سمعه ويصير بمنزلة التواتر عنده. ولا يجوز التحمل إلا على هذا الوجه. وقال الشيخ أبو علي كلامهم في شهادته بالنسب يتصور فيما إذا كان الشخص معروف النسب من جهة أبيه وأجداده وليس تعرف نسبته إلى قبيلة معينة فيشهد أن فلان بن فلان من بني فلان فتثبت هذه الشهادة من الأعمى فإنه نسب لا يحتاج إلى الإشارة دون ما إذا نسب شخصاً إلى شخص فإنه لا يجد إلى ذلك سبيلاً. وقد أضاف الأصحاب رحمهم الله تعالى إلى الصورتين صورة ثالثة وهي سماع شهادته في الترجمة

стр. 40

على أحد الوجهين. وقال. وأحمد ﵄ للأعمى التحمل والشهادة إعتماداً على الصوت، كماله أن يطا زوجته ويميز بينها وبين غيرها بالصوت ونحوه. وهو مشكل فإن الأصوات تتشابه ويتطرق إليها التلبيس والتحيل. وأجاب الأصحاب رحمهم الله تعالى بأن الشهادة مبنية على العلم ما أمكن، والوطء يجوز بالظن. وأيضاً فالضرورة تدعو إلى تجويز الوطء ولا تدعو إلى الشهادة، لأن البصراء غنية عنه ولا تقبل شهادة الأعمى على الأجانب ولا على زوجته التي يطؤها لما سبق من تشابه الأصوات. وعن القفال أن مالكياً سئل ببخارى عن شهادة الأعمى وقصدوا بذلك التشنيع عليه. فقال ما قولكم في أعمى يطأ زوجته وأقرت تحته بدرهم فشهد عليها أتصدقونه في انه عرفها حتى استباح بضعها وتقولون إنه لم يعرفها للإقرار بدرهم فانعكس التشنيع. وقال أبو حنيفة ﵁ لا تقبل شهادة الأعمى بحال مع تسليمه أن النكاح ينعقد بشهادة أعميين. وأما رواية الأعمى: ففيها وجهان: أحدهما المنع لأنه قد يلبس عليه وقت السماع. والثاني أنها مقبولة إذا حصل الظن الغالب. واحتج له بأن عائشة وسائر أمهات المؤمنين ﵅ كن يروين من وراء الستر ثم يروي السامعون عنهن. ومعلوم أن البصراء والحالة هذه كالعميان، والأول أظهر عند الإمام وبالثاني أجاب الجمهور، وهذا الخلاف فيما سمعه بعد العمى أما ما سمعه قبل العمى فله أن يرويه بلا خلاف.

стр. 41

المقدمة الثامنة فيما يعتقده المنجمون في سبب عمى المولود يزعم المنجمون أن المولود إذا ولد وأحد النيرين في الكسوف أو الخسوف فإنه يولد أعمى. ونقلت من كتاب المواليد لأبي معشر جعفر بن محمد البلخي من أماكن متفرقة. قال: إذا ولد مولود والطالع الجوزاء وعطارد فيه: كان أعمى أو في عينه بياض وهو مع ذلك أحمر اللون: وإذا ولد مولود والطالع الحوت وزحل والمريخ فيه كان أعمى ناتئ العينين. قال: والمريخ إذا كان مشرفاً جيد وإذا كان مغرباً كان المولود أعمى فقيراً. والزهرة مغربة تعطي الحياة والحسن والسعة والنصر. وفي التشريق يقع الماء في العين. وقال: في مكان آخر وإذا كانت الزهرة في الطالع في بيت المرض كان المولود بأحد عينيه عيب. وقال: في موضع آخر ومن يولد بين الجوزاء والسرطان يكون أعمى ولا يلبث أن يعمى بعد مولده بقليل وربما ولد في وجهه خراج حتى تسترخي جلدة وجهه كله على عينيه وفمه وأنفه حتى تقع على صدره ويعيش عيش سوء حتى يموت. ونقلت من كتاب درج تنكلوشا تعريب ابن وحشية. قال: في الدرجة الثالثة من برج السرطان من يولد بها يكون في عينيه أو في إحداهما عيب كثير الشرور والنحوس في معاشه مسعوداً في بدنه ونفسه. وقال: في الدرجة العشرين من برج الأسد من يولد بها يكون أديباً غنياً كريماً: فإن كانت امرأة افتقرت آخر عمرها وذهبت عينها. وقال: في الدرجة العشرين من برج السنبلة من يولد بها تكون عيناه لونين ويكون من الحيلة والخبث والدهاء على حالة ليس وراءها غاية وتمر به شدائد ينجو منها إلا أن عمره قصير ويموت فجاءةً. وقال: في الدرجة الرابعة من برج الميزان من يولد بها يكون مشوه الخلق عيناه مقلوبتان وآذانه كآذان الفيل محباً لأكل الحرام ولا يريد الحلال وهو نكد عسر شرش مشؤم شكال كسلان لا خير فيه.

стр. 42

وقال: في الدرجة الخامسة عشرة من برج الدلو من يولد بها يكون ناقص الأعضاء مثل ضعف البصر أو يكون أشل ولكنه عظيم الهمة واسع القدرة والحيلة مختال فخور. وقال: في الدرجة الرابعة عشرة من برج الحوت من يولد بها يكون ملكاً رفيعاً عظيماً رحيماً صالحاً إلا إنه رديء السياسة ضعيف العقل تكون أيامه مضطربة ولا يستوسق له أمر ثم إنه تسمل عيناه بيد عدو له فيظفر به بالحيلة والمكر ويعيش دهراً صالحاً بالمكر ضريراً. قلت هكا يعتقد المنجمون. وليس لهم على ذلك دليل قطعي يذكرونه ولكنهم يزعمون أن ذلك مبني على التجربة والإلهام. والذي يدل، من حيث النظر والبحث، على أن هذه الأشياء التي يقولون إن المولود إذا ولد في الدرجة الفلانية من البرج الفلاني دل على أن يكون كذا وكذا، باطلة لا اصل لها يرجع إليه أولو العقول السليمة. والدليل عليه أنهم يذكرون لكل درجة من درج كل برج حكماً يخالف الدرجة الأخرى. وهذا أمر يقضي أن ماهية كل درجة تخالف ماهية الدرجة الأخرى. وكل برج يخالف البرج الآخر باختلاف ماهيات درجاته، وهذا يؤدي إلى أن الفلك مركباً، وقد أقام أرباب المجسطي الدلائل المبرهنة على أنه بسيط. والبسيط ما أشبه جزؤه كله وأرباب المجسطي هم أصحاب الأصول في علم الفلك. ومتى ادعى مدع في أن الفلك مركب فسدت عليه أصول كثيرة ليس هنا موضع ذكرها. فثبت أن القول بأن كل درجة لها خصاة تمتاز بها في الحكم عن غيرها، باطل بهذا البرهان والله أعلم. وأيضاً فإن الصورة في الخارج تكذب هذه الدعاوي لأن الفلك مقسوم بثلاثمائة وستين درجة. وهذا تنكلوشا قد ذكر فيما تقدم أن هذه الست درج التي نص عليها يختص كل منها بعمى من يولد بها، وهي طالعة. فإذا فرضنا أن كل درجة يولد فيها مولود، يجب أن يوجد في كل ثلاثمائة وستين إنساناً ستة عميان. ونحن لا نشاهد الأعمى إلا في الآلاف. فما بقي غير الاعتراف والرجوع إلى الحق، والقول بأن الله تعالى اختار أن يكون هذا المولود أعمى دون غيره، لا أن ولد في الدرجة الثالثة من السرطان ولا أن ولد في العشرين من برج الأسد ولا في غير ذلك مما ادعوه أنه من خواص الدرجات المذكورة فسبحان الفاعل المختار القادر على ما يشاء.

стр. 43

المقدمة التاسعة نوادر العميان قال بعضهم لبشار بن برد: ما أذهب الله كريمتي مؤمن إلا عوضه الله خيراً منهما. فبم عوضك؟ قال: بعدم رؤية الثقلاء مثلك. وقال بعضهم: يقال إن أهل هيت يكون أكثرهم عوراً. فرأيت رجلاً منهم صحيح العينين. فقلت له: إن هذا لغريب! فقال يا سيدي إن لي أخاً أعمى قد أخذ نصيبه ونصيبي. يقال: إن رجلاً أعمى تزوج امرأة قبيحة: فقالت له: رزقت أحسن الناس وأنت لا تدري. فقال لها: يا بظراء! أين كان البصراء عنك قبلي؟ قال بعضهم: نزلت في بعض القرى وخرجت في الليل لحاجة فإذا أنا بأعمى على عاتقه جرة ومعه سراج. فقلت له: يا هذا؟ أنت والليل والنهار عندك سواء! فما معنى السراج؟ فقال: يا فضولي! حملته معي لأعمى البصيرة مثلك، يستضيء به. فلا يعثر بي فأقع أنا وتنكسر الجرة. قيل إن الأعمش كان يقوده النخعي، وهو أعور. فيصيح بهما الصبيان: عين بين اثنين. فكان النخعي إذا انتهى إلى مجامعهم خلى عنه: فقال له الأعمش: ما عليك؟ يأثمون وتؤجر. فقال النخعي أن يسلموا ونسلم. قالت لأبي العيناء قينة يوماً: يا أعمى! فقال لها: ما استعين على وجهك بشيء أصلح من العمى. وسمع محمد بن مكرم رجلاً يقول: من ذهب بصره، قلت حيلته. فقال له: ما أغفلك عن أبي العيناء؟ وقال المتوكل يوماً: لولا ذهاب بصر أبي العيناء لنادمته؟ فبلغه ذلك. فقال: قولوا له إن أعفيتني من قراءة نقوش الخواتيم ورؤية الأهلة صلحت لغير ذلك. فبلغ المتوكل ذلك فضحك ونادمه.

стр. 44

كان بحرم سيدنا الخليل، ﵊: شخصان أعميان! أحدهما ناظر الحرم والآخر شيخه. فرام الناظر عزل الخطيب فعارضه الشيخ ومنعه. فقال له الناظر كأنك قد شاركتني في النظر. فقال له: لا بل في العمى. فاستحي واستمر الخطيب. ودخل يزيد بن منصور الحميري على بشار وهو واقف بين يدي المهدي ينشد شعراً. فلما فرغ من إنشاده، أقبل يزيد بن منصور على بشار وقال له: ما صناعتك، يا شيخ، فقال له: أثقب اللؤلؤ. فضحك المهدي وقال لبشار: أغرب ويلك! اتتنادر على خالي؟ قال: وما أصنع به؟ يرى شيخاً أعمى قائماً ينشد الخليفة مديحاً، يقول له: ما صناعتك؟ قال بعضهم: رأيت ببغداد مكفوفاً يقول: من أعطاني حبة، سقاه الله من الحوض على يدي معاوية فتبعته حتى خلوت به ولطمته وقلت له يا كذا! عزلت أمير المؤمنين عن الحوض؟ فقال أردت أن اسقيهم بحبة على يد أمير المؤمنين؟ لا ولا كرامة! وقال الشافعي ﵁: رأيت باليمن أعميين يتقاتلان، وأبكم يصلح بينهما. قلت والأبكم الأخرس. قال حماد بن إسحاق: غنى علوية يوماً بحضرة أبي: فلا تبعد وكل فتىً سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي فقال أبي: مه! إن هذا البيت لمعرق في العمى. الشعر لبشار بن برد الأعمى، والغناء فيه لأبي زكار الأعمى، وأول الشعر: عميت أمري. قلت: حكى مسرور الخادم: قال لما أمرني الرشيد بضرب عنق جعفر البرمكي، دخلت عليه وأبو زكار عنده يغنيه: فلا تبعد البيت. فقلت في هذا والله أتيتك! وأخذت بيد جعفر وضربت عنقه. فقل أبو زكار: نشدتك بالله إلا ألحقتني به! فقلت له: وما رغبتك؟ قال: إنه أغناني عمن سواه بإحسانه، فما أحب أن أبقى بعده. فقلت: استأمر أمير المؤمنين. ولما أتيت الرشيد برأس جعفر، ذكرت له أمر أبي زكار. فقال: هذا رجل فيه مصطنع. فانظر إلى ما كان يجريه عليه جعفر، فأقره عليه. وقيل إن العمى شائع في بني عوف. إذا أسن الرجل منهم عمي. وقل من يفلت

стр. 45

عن ذلك. ولذلك قال أرطاة بن سهية يهجو شبيب بن البرصاء، من جملة أبيات: فلو كنت عوفياً عميت وأسهلت ... كذاك ولكن المريب مريب فقيل إن أرطاة لما قال هذا الهجو، كان كل شيخ من بني عوف يتمنى أن يعمى. ثم إن أرطأة لما قال هذا الهجو عمر ولم يعم. وكان شبيب يعيره بذلك. ثم إنه مات وعمي أرطاة. وكان يقول ليت شبيباً عاش فرآني أعمى فقال إن أبا العيناء لقي جده الأكبر علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فأساء مخاطبته فدعا عليه وعلى ولده بالعمى. وكل من كان منهم أعمى، فهو صحيح النسب. قال بعضهم: رأيت أعمى يجلد عميرة ويقول: فديتك يا سكينة! قال: فتناولت خشبة ولطختها بالخ ... ومسحتها بسباله. فلما شمها، جعل يقول: فسيت يا سكينة. كان الجنيد بن عبد الرحمن، يلي خراسان في أيام هشام. وظفر بصبيح الخارجي وبعدة من أصحابه. فقتلهم جميعاً، غير رجل أعمى، كان فيهم. فقال له الأعمى: أنا أدلك على أصحاب صبيح وأجازيك بما فعلت فكتب، له قوما، وكان الجنيد يقتلهم، حتى قتل مائة. فقال له الأعمى بعد ذلك، لعنكم الله! أتزعم أنه يحل لك دمي وأنا ضال ثم تقبل قولي في مائة قتلتهم. لا والله! ما كتبت لك من أصحاب صبيح رجلاً واحداً. وما هم إلا منكم. فقدمه الجنيد فقتله.

стр. 46

المقدمة العاشرة شعر العميان وما قيل فيهم من الغزل وغيره أنشد الجاحظ لابن عباس: إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وسمعي منهما نور قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور وقال الخريمي: أسعى إلى قائدي ليخبرني ... إذا التقينا عمن يحييني يريد أن أعدل السلام وأن ... أفصل بين الشريف والدون اسمع ما لا أرى فأكره أن ... أخطئ والسمع غير مأمون لله عيني التي فجعت بها ... لو أن دهراً بها يواتيني لو كنت خيرت ما أخذت بها ... تعمير نوح في ملك قارون وقال صالح بن عبد القدوس: عزاءك أيها العين السكوب ... ودمعك إنها نوب تنوب وكنت كريمتي وسراج وجهي ... وكانت لي بك الدنيا تطيب فإن أك قد ثكلتك في حياتي ... وفارقني بك الإلف الحبيب فكل قرينة لا بد يوماً ... سيشعب إلفها عنها شعوب على الدنيا السلام فما لشيخ ... ضرير العين في الدنيا نصيب يموت المرء وهو يعد حياً ... ويخلف ظنه الأمل الكذوب يمنيني الطبيب شفاء عيني ... وما غير الإله لها طبيب إذا ما مات بعضك فابك بعضاً ... فإن البعض من بعض قريب وقال الخريمي: فإن يك عيني خبا نورها ... فكم قبلها نور عين خبا فلم يعم قلبي ولكنما ... أرى نور عيني لقلبي سعى

стр. 47

وقال المعري: سواد العين زاد سواد قلبي ... ليتفقا على فهم الأمور قلت كلاهما أخذ المعنى من قول ابن عباس وقد تقدم. وقال بشار بن برد: يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم ... الأذن كالعين توفي القلب ما كانا وقال أيضاً: قالت عقيل بن كعب إذ تعلقها ... قلبي فأضحى به من حبها أثر أنى ولم ترها تهذي فقلت لهم ... إن الفؤاد يرى ما لا يرى البصر وقال أيضاً: يزهدني في حب عبدة معشر ... قلوبهم فيها مخالفة قلبي فقلت دعوا قلبي وما اختاروا رتضى ... فبالقلب لا بالعين يبصر ذو اللب وقال أبو العز مظفر بن إبراهيم الضرير: قالوا عشقت وأنت أعمى ... ظبياً كحيل الطرف ألمى وحلاه ما عاينتها ... فنقول قد شغلتك وهما وخياله بك في المنا ... م فما أطاف ولا ألما من أين أرسل للفؤا ... د وأنت لم تنظره سهما فأجبت إني موسو ... ي العشق إنصاتاً وفهما أهوى بحارحة السما ... ع ولا أرى ذات المسمى ومن شعر علي بن عبد الغني الكفيف الحصري: قالت وهبتك مهجتي فخذ ... ودع الفراش ونم على فخذي وثنت إلى مثل الكثيب يدي ... فأجبتها نعم الأريكة ذي وهممت لكن قال لي أدبي ... بالله من سيطانك استعذ قالت عففت فعفت قلت لها ... مذ شبت باللذات لم ألذ

стр. 48

قال علي بن ظافر وهذا الشهر مما يعرف أنه من أشعار العميان من غير أن يذكر قائله. قلت: وقد امتحنت بذلك جماعة من الأدباء: فقلت. بأي شيء يستدل من هذه الأبيات على أنها شعر أعمى؟ فلم يتفطن أحد منهم لما فطن له علي بن ظافر ﵀. وقال يستدل به على أنه شعر أعمى قوله: نم على فخذي، وثنت إلى مثل الكثيب يدي. لأنه ما اهتدى لي أن ينام على فخذها حتى أخذت بيده وضعتها على فخذها. ألا ترى أنه لما لمسها قال: نعم الأريكة ذي. ولم يشكرها قبل لمسها. وهذه نكتة أدبية. وقال علاء الدين علي بن مظفر الوداعي في أعمى يرمي بابنة. موسوي الغرام يهوى بسمعي ... هـ ويشكو من رؤية العين ضرا يتوكاً على قضيب رطيب ... وله عنده مآرب أخرى لما تولى السقطي قضاء قوص سنه إحدى عشرة وسبعمائة وكان بصره ضعيفاً جداً حتى قيل إنه لا يبصر به جملة. وكان القاضي فخر الدين ناظر الجيوش قد قام في ولايته حد القيام، قال علاء الدين علي ابن أحمد بن الحسي الأصفوني: قالوا تولى الصعيد أعمى ... فقلت لا بل بألف عين ولما تولى ابن الأصبهاني وهو أعمى دار الزكاة، قال ابن المنجم المصري الشاعر: إن يكن ابن الأصبهاني من ... بعد العمى في الخدمة استنهضا فالثور في الدولاب لا يحسن اس ... تعماله إلا إذا غمضا وقال إبراهيم بن محمد التطيلي: شمس الظهيرة أعشت كوكبي بصري ... كذا سنا النجم في ضوء الضحى خمدا إن نازع الدهر في ثنتين من عددي ... فواحد في ضلوعي يبهر العددا تغنى عن الشهب في أجفانه مقلاً ... من كانت الشمس في أضلاعه خلدا من طال خلقاً نفى عن خلقه قصراً ... لا تقدر الجلد منه واقدر الجلدا لا يدرك الرمح شأ والسهم في غرض ... ولو تسلسل فيه متنه مددا لم يكف أني غريب الشخص في بلدي ... حتى غدوت غريب الطبع متحدا

стр. 49

ومن المنحول لأبي العلاء المعري: أبا العلاء يا ابن سليمانا ... إن العمى أولاك إحسانا لو عاينت عيناك هذا الورى ... لم ير إنسانك إنسانا ومنه أيضاً: قالوا العمى منظر قبيح ... قلت بفقدانكم يهون والله ما في الوجود شيء ... تأسى على فقده العيون ومن شعر بشار بن برد: عميت جنيناً والذكاء من العمى ... فجئت عجيب الظن للعلم موئلا وغاض ضياء العين للعلم رافداً ... لقلب إذا ما ضيع الناس حصلا وشعر كنور الروض لاءمت بينه ... بقول إذا ما الشعر أحزن أسهلا وقال أبو بكر بن العلاف، وقد وقع في حفرة: قالت كأنك في الموتى فقلت لها ... قد مات من ذهبت والله عيناه عيناي كفاي لا طرف ألذ به ... وكيف يفرح من عيناه كفاه العز الضرير الإربلي، وقيل هي لغيره: وكاعب قالت لأترابها ... يا قوم ما أعجب هذا الضرير هل تعشق العينان ما لا ترى ... فقلت والدمع بعيني غزير إن كان في طرفي لا يرى شخصها ... فإنها قد صورت في الضمير أنشدني ناصر الدين شافع من لفظه لنفسه: أضحى وجودي برغمي في الورى عدماً ... إذ ليس لي فيهم ورد ولا صدر عدمت عيني وما لي فيهم أثر ... فهل وجود ولا عين ولا اثر وقال علي بن عبد الغني الحصري: وقالوا قد عميت فقلت كلا ... وإني اليوم أبصر من بصير سواد العين زاد سواد قلبي ... ليجتمعا على فهم الأمور

стр. 50

وقال أبو علي البصير الأعمى: لئن كان يهديني الغلام لوجهتي ... ويقتادني في السير إذ أنا راكب فقد يستضيء القوم بي في أمورهم ... ويخبو ضياء العين والرأي ثاقب وقال أيضاً: إذا ما غدت طلابة العلم مالها ... من العلم إلا ما يخلد في الكتب غدوت بتشمير وجد عليهم ... ومحبرتي سمعي ودفترها قلبي وقال عز الدين أحمد بن عبد الدائم: إن يذهب الله من عيني نورهما ... فإن قلبي بصير ما به ضرر أرى بقلبي دنياي وآخرتي ... والقلب يدرك ما لا يدرك البصر وقال ابن التعاويذي من قصيدة: حتى رمتني رميت بالأذى ... بنكبة قاصمة الظهر وأوترت في مقلة قلما ... علمتها باتت على وتر أصبتني فيها على غرة ... بعائر من حيث لا أدري جوهرة كنت ضنيناً بها ... نفيسة القيمة والقدر إن أنا لم أبك عليها دماً ... فضلاً عن الدمع فما عذري مالي لا أبكي على فقدها ... بكاء خنساء على صخر وقال أيضاً: أظل حبيساً في قرارة منزلي ... رهين أسىً أمسي عليه وأصبح مقامي منه مظلم الجو قاتم ... ومسعاي ضنك وهو ضحيان أفيح أقاد به قود الجنيبة مسمحاً ... وما كنت لولا غدرة الدهر أسمح كأني ميت لا ضريح لجنبه ... وما كل ميت لا أبالك يضرح وقال أيضاً: فها أنا كالمقبور في كسر منزلي ... سواء صباحي عنده ومسائي يرق ويبكي حاسدي لي رحمةً ... وبعداً لها من رقة وبكاء

стр. 51

وقال أيضاً: وأصبت في عيني التي ... كانت هي الدنيا بعين عين جنيت بنورها ... نور العلوم وأي عين حالان مستني الحوا ... دث منهما بفجيعتين إظلام عين في ضيا ... ء من مشيب سرمدين صبح وإمساء معاً ... لا خلفةً فأعجب لذين أو رحت في الدنيا من ال ... سراء صفر الراحتين في برزخ منها أخاً ... كمد حليف كآبتين أسوان لا حي ولا ... ميت كهمزة بين بين وكأنني لم أسع من ... ها في طريق مرتين وكأنني متعت من ... ها نظرةً أو نظرتين وقال أيضاً: يا لك من ليل حجا ... ب جنحه معتكر ظلامه لا ينجلي ... وصبحه لا يسفر ليس له إلى المم ... ات آخر ينتظر ما في حياة معه ... لذي حصاة وطر غادرني كأنني ... في كسر بيتي حجر لا اهتدي لحاجتي ... وفي الليالي عبر أين الشباب والمرا ... ح والهوى والاشر لم يبق لي إلا الأسى ... منهن والتذكر وقال أيضاً: ألا كم لمسجون بغير جناية ... يعد من الموتى وما حان يومه يروعه عند الصباح انتباهه ... فطوبى له لو طال وامتد نومه جفاه بلا ذنب أتاه صديقه ... وأسلمه للحزن والهم قومه وأرخص منه الدهر ما كان غالياً ... على مشترى الإخوان في الناس سومه

стр. 52

وقال النور الإسعردي: لما اضر. قد كنت من قبل في أمن وفي دعة ... طرفي يرود لقلبي روضة الأدب حتى تلقبت نور الدين فانعمشت ... عيني وحول ذاك النور للقب وقال، وقد أخذ الكحال منه ذهباً ولم يبرأ: عجب لذا الكحال كيف أضلني ... ولكم أضل بميله وبمينه ذهب اللئيم بناظري وما رثى ... لأخي الأسى إذراح منه بعينه أأصاب منه في ثلاثة أعين ... هذا لعمركم الصغار بعينه وقال: يا سائلي لما رأى حالتي ... والطرف مني ليس بالمبصر لست أحاشيك ولكنني ... سمحت للعينين للأعور وقال: لله في هذا الورى حكمة ... وأنعم أعيت على الحاضر عوضني والله ذو رحمة ... عن ناظري الباصر بالناصر ابن قزل يتغزل في عمياء: قالوا تعشقها عمياء قلت لهم ... ما شأنها ذاك في عيني ولا قدحا بل زاد وجدي فيها أنها أبداً ... لا تعرف الشيب في فودي إذا وضحا إن يجرح السيف مسلولاً فلا عجب ... وإنما أعجب لسيف مغمد جرحا كأنما هي بستان خلوت به ... ونام ناطوره سكران قد طفحا تفتح الورد فيه من كمائمه ... والنرجس الغض فيه بعد ما افتتحا وقال أيضاً: علقتها عمياء مثل المها ... فخان فيها الزمن الغادر أذهب عينيها فأنسانها ... في ظلمة لا يهتدي حائر تجرح قلبي وهي مكفوفة ... وهكذا قد يفعل الباتر ونرجس اللحظ غداذا بلاً ... واحسرتا لو أنه ناظر

стр. 53

أبن سنا الملك في عمياء: شمس بغير الليل لم تحتجب ... وفي سوى العينين لم تكسف مغمدة المرهف لكنها ... تفتك بالغمد بلا مرهف رأيت منها الخلد في جؤذر ... وناظري يعقوب في يوسف وقال أيضاً: فتنتي مكفوفة ناظراها ... كتبا لي من الجراح أمانا فهي لم تسلل الجفون حساماً ... لا ولم تحمل الفتور سنانا وهي بكر العينين محصنه آل ... أجفان ما افتض ميلها الأجفانا قصرت عشقها علي فلم تعشق ... فلاناً غذ لم تعاين فلانا عميت من هواي وارتحل الإنسان ... من عينها وأخلى المكانا علمت غيرتي عليها فخافت ... أن يسمى غيري لها إنسانا وقال أيضاً: إن الكمال أصاب في محبوبتي ... لما أصاب بعينه عينيها زادت حلاوتها فصرت تخالها ... وسنى وقد أسر الكرى جفنيها وكما علمت وللدبيب حلاوة ... فكأنني أبداً أدب عليها وقلت أنا في مليح أعمى: أيا حسن أعمى لم يجد حد طرفه ... محب غدا سكران فيه وما صحا إذا طار قلب بات يرعى خدوده ... غدا آمناً من مقلتيه الجوارحا وقلت فيه أيضاً: ورب أعمى وجهه روضةً ... تنزهي فيها كثير الديون في خده ورد غنينا به ... عن نرجس ما فتحته العيون

стр. 54

خاتمة لهذه المقدمات قل أن وجد أعمى بليداً، ولا يرى أعمى إلا وهو ذكي: منهم الترمذي الكبير الحافظ. والفقيه منصور المصري الشاعر. وأبو العيناء. والشاطبي المقري. وأبو العلاء المعري. والسهيلي صاحب الروض الأنف. وابن سيدة اللغوي. وأبو البقاء العكبري. وابن الخباز النحوي. والنيلي شارح الحاجبية. وغيرهم على ما يمر بك فيما بعد. والسبب الذي أراه في ذلك، أن ذهن الأعمى وفكره يجتمع عليه، ولا يعود متشعباً بما يراه، ونحن نرى الإنسان إذا أراد أن يتذكر شيئاً نسيه، أغمض عينيه وفكر، فيقع على ما شرد من حافظته. وفي المثل: أحفظ من العميان، أورده الميداني في أمثاله. وأورد الجاحظ في كتاب البيان والتبيين، قول ذي الرمة: حوراء في دعج صفراء في نعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب قالوا: لأن المرأة الرقيقة اللون، يكون بياضها بالغداة يضرب إلى الحمرة، وبالعشي يضرب إلى الصفرة. ولذلك قال الأعشى: بيضاء ضحوتها وصفراء العشية كالعرارة وقال بشار: فإن دخلت تقنعي بالح ... حسن إن الحسن أحمر ثم قال الجاحظ: وهذان أعميان قد اهتديا من حقائق الأمور إلى ما لا يبلغه تمييز البصراء. ولبشار خاصة في هذا الباب ما ليس لأحد. قلت: تعجب الجاحظ من قول الأعشى وبشار. وكيف به لو سمع قول أبي العلاء المعري: رب ليل كأنه الصبح في الحسن ... وإن كان أسود الطيلسان قد ركضنا فيه إلى اللهو حتى ... وقف النجم وقفة الحيران

стр. 55

فكأني ما قلت والبدر طفل ... وشباب الظلماء في العنفوان ليلتي هذه عروس من الز ... نج عليها قلائد من جمان وكان الهلال يهوى الثريا ... فهما للوداع معتنقان وسهيل كوجنة الحب في اللو ... ن وقلب المحب في الخفقان يسرع اللمح في احمرار كما ... تسرع في اللمح مقلة الغضبان ثم شاب الدجى فخاف من الهجر ... فغطى المشيب بالزعفران وقوله: ولاح هلال مثل نون أجادها ... بجارى النضارا لكاتب ابن هلال وأخبرني الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري المعروف بابن الأكفاني، قال: كان بالديار المصرية ضرير سماه لي وأنسيته وأظنه يقرئ الطلبة كتاب أقليدس ويضع أشكاله لهم بالشمع، وهذا من أغرب ما يكون. وأخبرني من لفظه أيضاً الشيخ الإمام أقضى القضاة شرف الدين أبو العباس أحمد بن القاضي الإمام المقرئ الشيخ شهاب الدين الحسين ابن سليمان الكفري الحنفي، قال: ذكر لي والدي أنه كان في القليجية بواب يعرف بممدود أعمى، وانه كان يخيط القماش ويضع الخيط في الإبرة في فمه، وينجم جيداً، ويضع الجاخ على الجاخ عند الخياطة. قلت: أما إدخال الخيط في الإبرة، فقد رأيت أنا أعمى وعمياء كانا في صفد وكانا يضعان الإبرة في فمهما ويدخلان الخيط في خرت الإبرة. وأما التنجيم فأمر يهون لأنه مغدوق بالحساب، فيمكن ضبطه. وأما وضع الجاخ على الجاخ فهذا أمر يبهر العقل. وحكى لي الشيخ يحيى بن محمد الخباز الحموي، قال: كان عندنا في حماة أعمى يعرف بنجم. يلعب بالحمام ويصيد الطير الغريب، فاستبعدت صيد الطائر الغريب، فقال لي؟ سألته عن ذلك، فقال إن طيوري أبخرها ببخور أعرفه وأطيرها، فإذا طارت ونزلت ومعها الطير الغريب هدرت حوله فاعرف أن معها غريباً، فأرمي السب على

стр. 56

الجميع، وآخذها واحداً بعد واحد فأشمه. فالذي فيه شيء من بخوري أعرف أنه غريب فأصطاده. وأما أنا فقد رأيت في الديار المصرية إنساناً بعلاء الدين بن قيدان أعمى. وهو عالية في الشطرنج يلعب ويتحدث وينشد الشعر ويتوجه إلى بيت الخلاء ويعود إلى اللعب ولا يتغير عليه نقل شيء من القطع. وهذا معروف يعرفه أصحابنا في القاهرة. وكان عندنا في صفد شخص أعمى، يعرف بشمس كان يستقى من البئر ويملا بحق كبير ويتوجه بذلك إلى بيوت الناس وزبوناته وهو مع كل ذلك بغير عصاً: ورأيته يوماً هو وزوجةً له متوجهين إلى حمام عين الزيتون، وفي الطريق عقبة تعرف بعقبة عين الورد: وتحتها واد وقد أخذ بيد زوجته، وهو يقول لها تعالي إلى هنا لا تتطر في تقعي في الوادي، والله تعالى أعلم.

стр. 57

النتيجة تراجم العميان هي الغرض المطلوب من هذا الكتاب. فأنا أذكر كل من وقع لي ذكره وهو أعمى. سواء ولد أعمى أو طرأ عليه العمى بمرض أو غيره. فأسردهم على حروف المعجم ليسهل كشفه. حرف الهمزة إبراهيم بن إسحاق الأديب اللغوي الشاعر أبو إسحاق الضرير البارع. قال ياقوت: سمع الحديث بالبصرة والأهواز وبغداد بعد الأربعين وثلاثمائة. وكان من الشعراء المجودين. طاف بعض الدنيا واستوطن نيسابور، إلى أن مات بها في سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. وتعلم الفقه والكلام. قال ذلك كله الحاكم، ولقيه وروى عنه. إبراهيم بن جعفر أمير المؤمنين أبو إسحاق المتقي لله بن المقتدر بن المعتضد. ولد سنة سبع وتسعين ومائتين، واستخلف سنة تسع وعشرين وثلاثمائة بعد أخيه الراضي بالله. فوليها إلى سنة ثلاث وثلاثين. ثم إنهم خلعوه وسملوا عينيه، وبقي في قيد الحياة. وكان حسن الجسم أبيض أشقر الشعر مشرباً حمرةً أشهل العينين. وكان فيد دين وصلاح وكثرة صلاة وصيام. لا يشرب الخمر: توفي رحمه الله تعالى في

стр. 58

السجن سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. فكانت خلافته ثلاث سنين وأحد عشر شهراً. وكانت وفاته بعد خمس وعشرين سنة من خلعه. وكانت أيامه منغصة عليه، لاضطراب الأتراك حتى أنه فر إلى الرقة فلقيه الأخشيد صاحب مصر، وأهدى له تحفاً كثيرة، وتوجع لما ناله من الأتراك، ورغبه في أن يسير معه إلى مصر. فقال: كيف أقيم في زاوية من الدنيا، وأترك العراق متوسطة الدنيا وسرتها، ومقر الخلافة وينبوعها. ولما خلا بخواصه قالوا له: الرأي أن تسير معه إلى مصر لتستريح من هؤلاء. فقال: كيف يحسن في رأيكم أنا نتمكن مع حاشية غريبة منا، عرية من إحساننا الوافر إليها، وقد رأيتم أن خواصنا الذين هم برأي العين منا، ومستغرقون في إحساننا لما تحكموا في دولتنا، ووجدوا لهم علينا مقدرة، كيف عاملونا. فكيف يكون حالنا في ديار قوم إنما يرون أنهم خلصونا مما نزل بنا، ثم إنه سار حتى قدم بغداد بعد أن خاطبه توزون أمير الأتراك، وحلف له أن لا يغدر به. وزينت له بغداد دزينة ضرب بها المثل، وضربت له القباب العجيبة في طريقه. فلما وصل إلى السندية على نهر عيسى، قبض عليه توزون وسمله، وبايع المستكفي من ساعته، ودخل بغداد في تلك الزينة، فكثر تعجب الناس من ذلك. وقال المتقي في ذلك: كحلونا وما شكو ... نا إليهم من الرمد ثم عاثوا بنا ونح ... ن أسود وهم نقد كيف يغتر من أقم ... نا وفي دستنا قعد قلت: ما اغتر المستكفي بالله بعده بتوزون ولم يزل إلى أن سمه وقتله، ولكنه دخل إليه معز الدولة بن بويه، فخلعه وسمله على ما سيأتي في ترجمة المستكفي بالله، واسمه عبد الله بن علي. إبراهيم بن سعيد بن الطيب أبو إسحاق الرفاعي الضرير. قدم واسط صبياً فدخل الجامع وهو ذو فاقة، فآتى حلقة عبد الغفار الحصيني، فتلقن القرآن. وكان معاشه من أهل الحلقة، ثم أصعد إلى بغداد فصحب أبا سعيد السيرافي، وقرأ عليه شرحه لكتاب سيبويه، وسمع منه كتب اللغة والدواوين، وعاد إلى واسط وقد مات عبد الغفار. فجلس يقرئ الناس في الجامع، ونزل في الزيدية من واسط؟ وهناك تكون

стр. 59

الرافضة والعلويون، فنسب إلى مذهبهم، ومقت وجفاه الناس وكان شاعراً، ومن شعره: وأحبه ما كنت أحسب أنني ... أبلى بينهم فبنت وبانوا نأت المسافة فالتذكر حظهم ... مني وحظي منهم النسيان وتوفي سنة إحدى عشرة وأربعمائة. ودفن مع غروب الشمس، ولم يكن معه إلا اثنان، وكادا يقتلان: وكان غاية في العلم. ومن غد ذلك النهار. توفي رجل من حشو العامة فأغلقت البلدة من أجله. قال ذلك ياقوت والله أعلم. إبراهيم بن سليمان بن رزق الله بن سليمان بن عبد الله الورديسي أبو الفرج الضرير. ولد بورديس وهي قرية عند إسكاف. ودخل بغداد في صباه. وسمع أبا الخطاب بن البطر، ورزق الله بن عبد الوهاب التميمي، وأحمد بن خيرون، وأحمد بن الحسن الكرجي وأحمد بن عبد القادر بن يوسف، وأبا الفوارس طراد بن محمد الزينبي، وغيرهم. قال ابن النجار: كان فهماً حافظاً لأسماء الرجال، روى عنه شيخنا ابن بوش. وقال أخبرني الحريمي قال اخبرنا ابن السمعاني. قال: أبو الفرج الودريسي، شيخ ثقة حسن السيرة يفهم الحديث سمع الكثير بنفسه، وله أصول. وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وثلاثين وخمسمائة. ودفن بباب حرب والله أعلم. إبراهيم بن محاسن بن حسان القضاعي أبو إسحاق الضرير. من أهل قصر قضاعة من نواحي شهرابان. خدم في بغداد في صباه، وحفظ بها القرآن، وصار من قراء دار الخلافة، واجتدى الناس بالشعر، ومن شعره وفيه لزوم: بسمت وهناً فأومض البرق ... ومشت زهواً فغنت الورق قدك والغصن ليس بينهما ... إذا تثنيت وانثنى فرق والوجه والفرع يا معذبتي ... ذا مغرب وذا شرق

стр. 60

إبراهيم بن محمد بن محمد بن أحمد أبو إسحاق برهان الدين الواني. بواو مفتوحة وألف بعدها نون، رئيس المؤذنين بجامع بني أمية. سمع من إبراهيم بن عمر بن مضر الواسطي، وأيوب بن أبي بكر الفقاعي، وابن عبد الدائم: توفي رحمه الله تعالى ليلة الخميس سادس صفر سنة خمس وثلاثين وسبعمائة. وصلى عليه ظهر الخميس، بالجامع الأموي، ودفن بمقابر الباب الصغير. وكان قد أضر قبل موته بسنين، ويطلع في مأذنة العورس ويؤذن، والناس يقولون هو يودع الأذان، وأقام على ذلك سنين. وكان صيتاً طيب النغمة، جهوري الصوت. أجاز لي سنة ثلاثين وسبعمائة وكتب عنه ولده. إبراهيم بن محمد بن موسى بن أبي القاسم، أبو إسحاق الكردي الضرير الهذباني، ولد سنة أربع وسبعين وخمسمائة. وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وستين وستمائة، وهو من شيوخ الدمياطي. سمع من عبد الخالق فيروز الجوهري، وحدث بالقاهرة ودمشق والله أعلم. إبراهيم بن محمد التطيلي بضم التاء ثالثة الحروف وفتح الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها لام وياء النسب. أبو إسحاق الضرير، قال ابن الابار: نشا بقرطبة وسكن إشبيلية، وكان يعرف بالتطيلي الأصغر، رقا بينه وبين أبي العباس أحمد التطيلي، وكان بعده بزمان يسير، ومن شعره: أتاك العذار على غرة ... وقد كنت في غفلة فانتبه وقد كنت تأبى زكاة الجمال ... فصار شجاعاً وطوقت به ومنه: ومعذر رقت له حمر الصبا ... حيث العذار حبابها المترقرق ديباج حسن كان غفلاً ناقصاً ... فأتمه علم الشباب المونق

стр. 61

وشكا الجمال مقيله في ورده ... فأظله آس العذار المشرق هامت بماء الفضل شامة خده ... فغدا العذار زويرقاً لا يغرق إبراهيم بن مسعود بن حسان المعروف بالوجيه الصغير النحوي. ويعرف جده بالشاعر؟ وإنما سمى بالوجيه الصغير لأنه كان ببغداد نحوي يعرف بالوجيه الكبير، واسمه المبارك: وسيأتي ذكره في مكانه، وكلاهما ضرير: وكان إبراهيم هذا من أهل الرصافة ببغداد. وكان عجباً في الذكاء وسرعة الحفظ. كان يحفظ كتاب سيبويه أو أكثره. ويحفظ غير ذلك من كتب الأدب. وأخذ النحو عن مصدق بن شبيب، وكان أعلم منه وأصفى ذهناً. واعتبط شاباً في جمادى الأولى سنة تسعين وخمسمائة. قال ياقوت: ولو قدر الله أن يعيش كان آية من الآيات، والله أعلم. أحمد بن إبراهيم ! بن حسن بن إبراهيم بن جعفر بن أحمد بن هشام بن يوسف ابن توهيت القرشي الأموي البهنسي، علم الدين القمني الضرير المقتي الفقيه. ولد سنة عشرين وستمائة. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وثمانين وستمائة. روى عن ابن الجميزي وغيره، وأعاد بالظاهرية بالقاهرة. وكانوا يكتبون عنه في الفتوى. أخبرني من لفظه الإمام العلامة أثير الدين أبو حيان رحمه الله تعالى. قال: كان فقيهاً فاضلاً، له مشاركة في نحو وأصول، وكان في الحفظ آية يحفظ السطور الكثيرة والأبيات من سمعة واحدة، وكان يقعد يوم الجمعة تحت الخطيب فيحفظ الخطبة من إنشاء الخطيب في مرة واحدة، ويمليها بعد ذلك؟ إلا أنه كان لا يثبت له الحفظ. وكان فيه صلاح وديانة، وله أدب ونظم ونثر. قال: كنت في درس قاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن العلامي، فنعى لي شيخنا اللغوي الإمام رضي الدين الشاطبي، فنظمت في الدرس أرثيه رضي الله تعالى عنه. نعى لي الرضى فقلت لقد ... نعى لي شيخ العلا والأدب

стр. 62

فمن للنحاة ومن للغات ... ومن للتقاة ومن للنسب لقد كان للعلم بحراً فغار ... وإن غور البحار العجب فقدس من عالم عامل ... أثار شجوني لما ذهب ثم أنشدتها في الدرس لقاضي القضاة، فسمعها الشيخ علم الدين القمني فحفظها وأنشدنا مرتجلاً نظمت كلاماً يفوق اللجين ... جمالاً وينسى نضار الذهب فقمت بحق الرثاء الذي ... بشرع المودة فرض وجب وأنشدته بشجى موجد ... لكل القلوب شجون الطرب فأذكيت فينا لهيب الأسى ... وهيجت فينا جمار الحرب بنظم رقيق رشيق إلى ... جميع القلوب الرقاق اقترب فبلغك الله ما ترتضي ... وأعطاك أقصى المنى والأرب أحمد بن إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور ابن الشيخ العماد المقدسي الصالحي. ولد سنة ثمان وستمائة. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وثمانين وستمائة. سمع من ابن الحرستاني، وابن ملاعب، وأبيه، والشيخ الموفق، وطائفة. ورحل إلى بغداد متفرجاً. وسمع من عبد السلام الداهري، وعمر بن كرم. واشتغل ثم انخلع من ذلك وتجرد فقيراً. وكان سليم الصدر عديم التكلف والتصنع، وفيه تعبد وزهد، وله أتباع ومريدون، وللناس فيه عقيدة وكان الصاحب بهاء الدين يزوره. قال الشيخ شمس الدين الذهبي رحمه الله تعالى؟ إلا انه كان يأكل عشبة الفقراء فيما قيل، ويقول هي لقيمة الذكر والفكر، وربما صحب الحريري. وسمع منه الشيخ أبي جمال الدين المزي، والشيخ علم الدين البرزالي، والطلبة. وأقام مدة بزاوية له بسفح قاسيون. وكف بصره، ودفن يوم عرفة عند قبر والده رحمهما الله تعالى.

стр. 63

أحمد بن الحسن أمير المؤمنين الإمام الناصر لدين الله أبو العباس بن الإمام المستضيء بن الإمام المستنجد. ولد يوم الإثنين عاشر شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. وبويع له في أول ذي القعدة سنة خمس وسبعين. وتوفي رحمه الله تعالى سلخ شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وستمائة. فكانت خلافته سبعاً وأربعين سنة: وكان أبيض اللون تركي الوجه مليح العينين أنور الجبهة أقنى الأنف خفيف العارضين أشقر اللحية رقيق المحاسن نقش خاتمه رجائي من الله عفوه. أجاز له أبو الحسين عبد الحق اليوسفي، وأبو الحسن علي بن عساكر، والبطائحي، وشهدة، وجماعة. وأجاز هو لجماعة من الكبار، فكانوا يحدثون في حياته ويتنافسون في ذلك. وكان أبوه المستضيء قد تخوفه فاعتقله ومال إلى أخيه أبي منصور. وكان ابن العطار وأكثر الدولة بنفشا حظية المستضيء والمجد بن الصاحب، مع أبي منصور، ونفر يسير مع الناصر. فلما بويع قبض على ابن العطار، وسلمه إلى المماليك، فأخرج بعد سبعة أيام ميتاً، وسحب في الأسواق. وتمكن المجد بن الصاحب وزاد وطغى إلى أن قتل. قال الموفق عبد اللطيف: وكان الناصر شاباً مرحاً عنده ميعة الشباب، يشق الدروب والأسواق أكثر الليل، والناس يتهيبون لقاءه.

стр. 64

وظهر التشيع بسبب ابن الصاحب، ثم انطفئ بهلاكه، وظهر التسنن المفرط، ثم زال. وظهرت الفتوة والبندق والحمام الهادي، وتفنن الناس في ذلك. ودخل فيه الأجلاء ثم الملوك، فألبسوا الملك العادل وأولاده سراويل الفتوة، والبسوا شهاب الدين الغوري ملك غزنة والهند وصاحب كيش وأتابك سعد صاحب شيراز والظاهر صاحب حلب. وتخوفوا من السلطان طغريل وجرت بينهم حروب، وفي الآخر استدعوا تكش لحربه وهو خوارزم شاه فالتقى معه على الري واحتز رأسه وسيره إلى بغداد، وكان الناصر قد خطب لولده الأكبر أبي نصر بولاية العهد، ثم ضيق عليه لما استشعر منه وعين أخاه، وألزم أبا نصر بأن اشهد على نفسه أنه لا يصلح، وانه قد نزل عن الأمر. ولم يزل الناصر مدة حياته، في عز وجلالة، وقمع الأعداء، والاستظهار على الملوك، لم يجد ضيماً، ولا خرج عليه خارجي إلا قمعه، ولا مخالف إلا دمغه. وكان شديد الاهتمام بالملك ومصالحه، لا يكاد يخفى عليه شيء من أمور رعيته كبارهم وصغارهم. وأصحاب الأخبار في أقطار الأرض، يواصلون إليه أحوال الملوك الظاهرة والباطنة. وكانت له حيل لطيفة، ومكائد خفية، وخدع لا يفطن لها أحد. يوقع الصداقة بين ملوك متعادين ويوقع العداوة بين ملوك متصادقين، وهم لا يشعرون. ولما دخل رسول صاحب مازندران بغداد، كان يأتيه ورقة كل صباح بما فعله في الليل. وكان يبالغ في كتمان أمره والورقة تأتيه، فاختلى ليلة بامرأة دخلت إليه من باب السر، فصبحته الورقة بذلك. وكان فيها كان عليكم دواج فيه صورة الفيلة، فتحير وخرج من بغداد وهو لا يشك أن الغمام الناصر يعلم الغيب، لأن الإمامية يعتقدون أن الإمام المعصوم يعلم ما في بطن الحامل وما وراء الجدار. وأتى رسول خوارزم شاه برسالة مخفية، وكتاب مختوم، فقيل له ارجع، فقد عرفنا ما جئت به، فرجع وهو يظن أنهم يعلمون الغيب. ورفع إليه في المطالعات، أن رجلاً كان واقفاً والعسكر خارج إلى ششتر، في قوة الأمطار، وشدة البرد، فقال: كنت أريد من الله من يخبرني إلى أين يمضي هؤلاء المدابير. ويسفقني مائة خشبة، فلم تزل عين الرافع ترقب القائل، حتى وصل إلى مستقره خشية أن يطلب، فأمر الناصر في الحال، أن يطلبه

стр. 65

الوزير ويضربه مائة خشبة فإذا تمت يعلمه إلى أين يذهب العسكر؟ فلما ضربه وهو لا يعلم علام ضرب، نسي أن يعلمه إلى أين يذهب العسكر فما انفصل عن المكان قليلاً حتى تذكر الوزير ذلك. فقال ردوه فعاد مرعو بأخشية زيادة العقوبة، فلما وصل، قال له الوزير قد أمر مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه أن نعلمك بعد أن نؤدبك إلى أين يمضي العسكر، العسكر يمضي إلى ششتر، فقال: لا كتب الله عليهم سلامة. فضحك الحاضرون، ورفع الحبر إلى الناصر. فقال: يغفر له سوء أدبه، لحس نادرته، ولطف موقعها، ويدفع إليه مائة دينار، عدد الخشب الذي ضربه. ويحكى عنه نوادر من هذا وغرائب وعجائب. وكان يعطى في مواضع عطاء من لا يخشى الفقر. وجاءه رجل ومعه ببغا من الهند. تقرأ قل هو الله أحد، فأصبحت ميتة، فجاءه فراش يطلب الببغا؟ فبكى وقال الليلة ماتت. فقال: عرفنا بموتها، وكم كان في ظنك أن يعطيك. فقال: خمسمائة دينار. فقال: خذ هذه خمسمائة دينار، فإنه علم بحالك منذ خروجك من الهند. وقال الظهير الكازروني في تاريخه. قال الشيخ شمس الدين الذهبي وأجازه لي: إن الأنصار في وسط خلافته، هم بترك الخلافة والانقطاع للتعبد، وكتب عنه ابن الضحاك توقيعاً قرئ على الأعيان. وبنى رباطاً للفقراء، واتخذ إلى جانب الرباط داراً لنفسه، كان يتردد غليها، ويحاصر الصوفية، وعمل له ثياباً كثيرة بزي الصوفية. قال الشيخ شمس الدين: ثم ترك ذلك كله ومله سامحه الله. قال ابن النجار: وملك من المماليك ما لم يملكه سواه ممن تقدمه من الخلفاء. وخطب له بالأندلس والصين. وكان أسد بني العباس. وقيل له إن شخصاً يرى خلافة يزيد، فأحضره ليعاقبه، فقيل له أتقول بصحة خلافة يزيد. فقال: أنا أقول إن الغمام لا ينعزل بارتكاب الفسق، فأمر بإطلاقه وأعرض عنه وخاف المحاققة. وكتب له خادم اسمه يمن: ورقة عتب فوقع فيها. بمن يمن يمن ثمن يمن ثمن ثمن. فيقال إن الخادم

стр. 66

أعاد الجواب وقد كتب فيه. يمن يمن بمن ثمن يمن ثمن ثمن. ولما صرف ابن زيادة عن عمل كان يتولاه ولم يبن لابن زيادة سبب عزله، رفع إليه شعرا منه هذا البيت: هب أن ذلك عن رضاك فمن ترى ... يدري مع الإعراض أنك راض فوقع له على رقعته، الاختيار صرفك، والاختبار صرفك، وما عزلناك لخيانة، ولا لجناية، ولكن للملك أسرار، لا تطلع عليها العامة، ولتعلمن نبأه بعد حين. قال شمس الدين الجزري: حدثني والدي قال سمعت الوزير مؤيد الدين بن العلقمي لما كان على الأستاذ دارية يقول: إن الماء الذي يشربه الإمام الناصر، كانت تحبيبه الدواب من فوق بغداد بسبعة فراسخ، ويغلي سبع غلوات، كل يوم غلوة، ثم يجلس في الأوعية سبعة أيام، ثم يشرب منه؟ وبعد هذا مات حتى سقى المرقد ثلاث مرات، وشق ذكره، وأخرج منه الحصى. وقال الموفق أما مرض موته فسهو ونسيان، بقي ستة اشهر ولم يشعر بكنه حاله أحد من الرعية، حتى خفي على الوزير وعلى أهل الدار، وكان له جارية قد علمها الخط بنفسه، فكانت تكتب مثل خطه، فتكتب على التوقيع بمشورة قهرمانة الدار. ولما مات بويع لولده أبي نصر، ولقب الظاهر بأمر الله. وقال ابن الأثير: بقى الناصر عاطلاً من الحركة بالكلية ثلاث سنين، قد ذهبت إحدى عينيه وفي الآخر أصابه ذو سنطارياً عشرين يوماً، ولم يطلق في مرضه شيئاً مما كان أحدثه من الرسوم. وكان يسيء السيرة، خرب في أيامه العراق، وتفرق أهله في البلاد، وأخذ أموالهم وأملاكهم، وكان يفعل الشيء وضده. وقال أبو المظفر بن الجوزي: قل بصر الخليفة في الآخر، وقيل ذهب جملة، وكان خادمه رشيق قد استولى على الخلافة وأقام مدة يوقع عنه. [منه شدة، وشق ذكره مرارا، ومازال يعترية حتى قتله، وغسله خالى محيى الدين يوسف] .

стр. 67

أحمد بن الحسين: أبو مجالد الضرير، مولى المعتصم أمير المؤمنين. كان من الدعاة إلى مذهب الأعتزال. توفي سنة سبعين ومائتين رحمه الله تعالى. أحمد بن الحسين بن أحمد بن معالي بن منصور. العلامة شمس الدين أبو عبد الله الإربلي الموصلي النحوي الضرير. ابن الخباز صاحب التصانيف وشرح الألفية لابن معطي. وكان أستاذاً بارعاً في النحو واللغة والعروض والفرائض، وله شعر. توفي رحمه الله تعالى سنة تسع وثلاثين وستمائة، والله أعلم. أحمد بن خالد أبو سعيد الضرير. لقى أبا عمرو الشيباني، وابن الأعرابي، وكان يلقى الأعراب الفصحاء الذين استوردهم ابن طاهر نيسابور فيأخذ عنهم. مثل عرام، وأبى العميثل، وأبي العيسجور، وأبي العجيس، وعوسجة، وأبي العذافر، وغيرهم. وقال ابن الأعرابي لبعض من لقيه من الخراسانية: بلغني أن أبا سعيد الضرير يروى عنه أشياء كثيرة فلا تقبلوا منه من ذلك غير ما يرويه من أشعار العجاج ورؤبة، فإنه عرضهما علي وصححهما. وخرج أبو سعيد على أبي عبيد من غريب الحديث جملة مما غلط فيه، وأورد في تفسيره فوائد كثيرة، ثم عرضها على عبد الله بن عبد الغفار، وكان أحد الأدباء، فقال لأبي سعيد ناولني يدك، فناوله؟ فوضع الشيخ في كفه متاعه وقال له اكتحل بهذا يا أبا سعيد حتى تبصر، فكأنك لا تبصر. وكان يقول أبو سعيد؟ إذا أردت أن تعرف خطا أستاذك جالس غيره. وكان مثرياً ممسكاً لا يكسر رغيفاً إنما يأكل عند من يختلف إليهم؟ لكنه كان أديب النفس عاقلاً. حضر يوماً مجلس عبد الله بن طاهر فقدم إليه طبق عليه قصب السكر؟ وقد قشر، وقطع كاللقم فأمره عبد الله أن يتناول منه: فقال

стр. 68

إن لهذا لفاظة ترتجع من الأفواه وأنا أكره لك في مجلس الأمير، فقال عبد الله: ليس بصاحبك من احتشمك واحتشمته، أما إنه لو قسم عقلك على مائة رجل لصار كل رجل منهم عاقلاً. وكان أبو سعيد يوماً في مجلسه إذ هجم عليه مجنون من أهل قم فسقط على جماعة من أهل المجلس، فاضطرب الناس لسقطته ووثب أبو سعيد لا يشك أن ذلك آفة لحقتهم من سقوط جدار أو شرود بهيمة؟ فلما رآه المجنون على تلك الحالة قال: الحمد لله رب العالمين، على رسلك يا شيخ لا ترع. آذاني هؤلاء الصبيان فأخرجوني عن طيعي إلى ما لا أستحسنه من غيري، فقال: أبو سعيد منعوا منه عافاكم الله، فوثبوا وشردوا من كان يعبث به وسكت ساعة لا يتكلم، إلى أن عاد المجلس إلى ما كان عليه من المذاكرة، فابتدأ بعضهم يقرا قصيدة من شعر نهشل بن جرير التميمي رحمه الله تعالى حتى بلغ قوله: غلامان خاضا الموت من كل جانب ... فآبا ولم تعقد وراءهما يد متى يلقيا قرناً فلا بد أنه ... سيلقاه مكروه من الموت أسود فما استتم هذا البيت حتى قال المجنون. قف؟ يا أيها القارئ تتجاوز المعنى ولا تسأل عنه؟ ما معنى قوله ولم تعقد وراءهما يد فأمسك من حضر عن القول، فقال: قل يا شيخ. فإنك المنظور إليه والمقتدى به. فقال أبو سعيد: يقول إنهما رميا بنفسيهما في الحرب أقصى مرامها ورجعا موفورين لم يوسرا فتعقد أيديهما كتفاً. فقال: أترضى يا شيخ لنفسك بهذا الجواب. فأنكر ناذلك على المجنون. فقال أبو سعيد: هذا الذي عندنا فما عندك. فقال: المعنى يا شيخ. فأبا ولم تعقد يد بمثل فعلهما بعدهما، لأنهما فعلاً ما لم يفعله أحد كما قال الشاعر: قوم إذا عدت تميم معاً ... ساداتها عدوهم بالخنصر ألبسه الله ثياب الندى ... فلم تطل عنه ولم تقصر أي خلقت له. وقريب من الأول قوله: قومي بني مذحج من خير الأمم ... لا يصعدون قدماً على قدم يعني أنهم يتقدمون الناس ولا يطأون على عقب أحد، وهذان فعلاً ما لم يعطه أحد.

стр. 69

فاحمر وجه أبي سعيد واستحيي من أصحابه ثم غطى المجنون رأسه وخرج وهو يقول يتصدرون فيغرون الناس من أنفسهم. فقال أبو سعيد بعد خروجه: اطلبوه فإنني أظنه إبليس، فخرجوا فلم يظفروا به. أحمد بن سرور بن سليمان بن علي بن الرشيد أبو الحسين السمسطاري. بضم السين المهملة الأولى وسكون الثانية وبينهما ميم مضمومة وطاء مهملة وألف مقصورة وهي قرية بالصعيد من عمل البهنسا على غربي النيل؟ ذكره السلفي في معجم السفر، وقال: رايته بمكة سنة سبع وتسعين وأربعمائة، وسمع معنا على شيوخنا ثم رأيته بالإسكندرية ثم رأيته بمصر سنة خمس عشرة وكان آخر العهد به. سمع بمكة أبا معشر الطبري، وبمصر أبا إسحاق الجبان، وبالإسكندرية أبا العباس الرازي، وكف آخر عمره. وكان عارفاً بالكتب وأثمانها. وتوفي ﵀ سنة سبع عشرة وخمسمائة بالصعيد. أحمد بن سليمان بن زبان بالباء ثانية الحروف وقبلها زاي. أبو بكر الكندي الضرير، المعروف بابن أبي هريرة، توفي سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. أحمد بن شبيب: الحبطي الضرير البصري. نزيل مكة والحبطات من تميم. وثقة أبو حاتم. وتوفي سنة تسع وعشرين ومائتين والله تعالى أعلم.

стр. 70

أحمد بن صدقة أبو بكر الضرير النحوي. من أهل النهروان، حكى عن أبي عمر الزاهد اللغوي . وروى عنه محمد بن بكران والله تعالى أعلم. أحمد بن صدقة الما هنوسي الضرير، كان مقيماً بقوسان، وماهنوس من نواحي واسط. كان أديباً فاضلاً شاعراً ظريفاً، وكان طبقة في لعب الشطرنج مع كونه محجوب البصر. وأورد له العماد الكاتب قصيدة يخاطب فيها الربع: ألفتك للعين الأوانس جامعاً ... وللعان والآرام لست بجامع وها أنت للاطلاء مأوى ومربع ... أنيق سقيت الري بين المرابع علام تبدلت القراهب والمها ... وأقصيت ربات الحلى والبراقع أسح دموعي في طلولك ابتغي ... بذلك نفعاً والبكا غير نافع قلت: شعر ساقط. أحمد بن عبد الدائم بن نعمة بن أحمد بن نعمة بن محمد بن إبراهيم بن احمد ابن بكير المعمر العالم، مسند الوقت زين الدين أبو العباس المقدسي الفندقي الحنبلي الناسخ. ولد بفندق السوخ من جبل نابلس سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وتوفي

стр. 71

رحمه الله لتسع خلون من شهر رجب الفرد سنة ثمان وستين وستمائة. وأدرك الإجازة من السلفي التي أجازها لمن أدرك حياته، وأدرك الإجازة الخاصة من خطيب الموصل أبي الفضل الطوسي وأبي الفتح ابن شاتيل، ونصر الله القزاز، وخلق سواهم. وسمع من يحيى الثقفي، وأبي الحسين الموازيني، ومحمد بن علي بن صدقة، وإسماعيل الجنذوي، والمكرم بن هبة الله الصوفي، وبركات الخشوعي، وابن طبرزد، والحافظ عبد الغني. ورحل إلى بغداد، وسمع ابن كليب بقراءته من عبد الخالق بن البندار، وابن سكينة، وعلي بن يعيش الأنباري، وغيرهم، وتفقه على الشيخ الموفق. وكتب بخطه المليح السريع ما لا يوصف لنفسه وبالأجرة؟ حتى كان يكتب إذا تفرغ في اليوم تسع كراريس أو أكثر. ويكتب الكراسين والثلاثة مع اشتغاله في يوم وليلة. وقيل إنه: كان يكتب القدوري في ليلة واحدة، وعندي؟ أن هذا مستحيل. وقيل إنه كان ينظر في الصفحة الواحدة نظرة واحدة ويكتبها؟ ولذلك يوجد له الغلط فيما كتبه كثيراً، ولازم النسخ خمسين سنة. وخطه لا نقط ولا ضبط. وكتب على ما قاله في شعره ألفي مجلدة. وكان تام القامة، حسن الأخلاق والشكل. ذكر ابن الخباز أنه سمع ابن عبد الدائم يقول: كتبت بخطي ألفي جزء. وذكر أنه كتب بخطه تاريخ دمشق مرتين. قال الشيخ شمس الدين الذهبي: الواحدة في وقف أبي المواهب ابن صصري. وكتب من التصانيف الكبار شيئاً كثيراً. وولى خطابة كفر بطنا. أنشأ خطباً عديدة، وحدث سنين كثيرة. وروى عنه الشيخ محيي الدين، والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، والشيخ شرف الدين الدمياطي، وابن الظاهري، وابن جعوان، وابن تيمية، ونجم الدين بن صصرى، وشرف الدين الخطيب، وأخوه تاج الدين، وولده برهان الدين، وشمس الدين إمام الكلاسة، وشرف الدين منيف قاضي القدس، وعلاء الدين بن العطار، وخلق كثير بمصر والشام. ورحل إليه غير واحد. وتفرد بالكثير، وكف بصره في آخر عمره. ومن نظمه فيما يكتبه في الإجازة: أجزت لهم عني رواية كل ما ... روايته لي مع توق وإتقان ولست مجيزاً للرواة زيادة ... برئت إليهم من مزيد ونقصان

стр. 72

ومنه: عجزت عن حمل قرطاس وعن قلم ... من بعد إلفي بالقرطاس والقلم كتبت ألفاً وألفاً من مجلدة ... فيها علوم الورى من غير ما ألم ما العلم فخر امرئ إلا لعامله ... إن لم يكن عمل فالعلم كالعدم العلم زين وتشريف لصاحبه ... فاعمل به فهو للطلاب كالعلم ما زلت أطلبه دهري وأكتبه ... حتى ابتليت بضعف الجسم والهرم أحمد بن عبد السلام بن تميم بن عكبر. الشيخ الإمام العالم العامل الخير الناسك الورع التقي المعمر، نصير الدين أبو العباس البغدادي الحنبلي، أحد المعيدين لطائفة مذهبه بالمدرسة البشيرية بالجانب الغربي من بغداد. ولد ليلة الجمعة عاشر جمادى الآخرة سنة أربعين وستمائة. وذلك قبيل وفاة الإمام المستنصر بالله. وتوفي ﵀ في غرة جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة. ودفن بتربتهم بالجانب الغربي في تربة معروف الكرخي رحمة الله تعالى عليه. كان فاضلاً في الفقه والعربية وله مشاركة في العلوم. وسمع الكثير. ومن أشياخه الإمام مجد الدين أبو أحمد عبد الصمد بن أبي الجيش المقري، وابن أبي الدينة، وابن الدباب، وابن الزجاج، وابن أبي زنبقة، ومجد الدين بن بلدحي، وخلق، وإجازاته عالية، وله نظم ونثر. وبنته معروف بلا فضل. أقعد قبل وفاته بسنين، واضر. والناس يترددون إليه، ويشتغلون عليه، وينتفعون به، ويسمعون منه ويستجيزونه. ولم يزل حريصاً على العلم والعبادة والاشغال والاشتغال إلى حين وفاته. ومن شعر نصير الدين. أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود

стр. 73

بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أرقم بن أنور بن أسحم بن النعمان ويقال له ساطع الجمال بن عدي بن عبد غطفان بن عمرو بن سريح بن خزيمة بن تيم الله بن أسد ابن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة. المعري التنوخي، أبو العلاء من أهل معرة النعمان المشهور صاحب التصانيف المشهورة. كان آية في الذكاء المفرط، عجباً في الحافظة. قال أبو سعد السمعاني في كتاب النسب: ذكر تلميذه أبو زكريا التبريزي، أنه كان قاعداً في مسجده بمعرة النعمان بين يدي أبي العلاء يقرا عليه شيئاً من تصانيفه. قال وكنت قد أقمت عنده سنين ولم أر أحداً من أهل بلدي؟ فدخل المسجد مغافصة بعض جيراننا للصلاة فرايته وعرفته فتغيرت من الفرح، فقال لي أبو العلاء: إيش أصابك، فحكيت له أني رأيت جاراً لي بعد أن لم ألق أحداً من أهل بلدي سنين. فقال لي: قم فكلمه، فقلت: حتى أتمم السبق، فقال لي: قم أنا انتظر لك. فقمت وكلمته بلسان الاذربية شيئاً كثيراً إلى أن سألت عن كل ما أردت؟ فلما رجعت وقعدت بين يديه قال لي أي لسان هذا قلت: هذا لسان أذربيجان. فقال لي: ما عرفت اللسان ولا فهمته غير أني حفظت ما قلتما، ثم أعاد علي اللفظ بعينه من غير أن ينقص منه أو يزيد عليه جميع ما قلت. وقال جاري: فتعجبت غاية التعجب كيف حفظ ما لم يفهمه. قلت: وهذا أمر معجز فإنه بلغنا عن جماعة من الحفاظ وما يحكى عن البديع الهمذاني وابن الأنباري وغيرهما، ما هو أمر قريب من الإمكان؟ لأن حفظ ما يفهمه الإنسان ويعرف تراكيبه أو مفرداته سهل. وأما إنه يحفظ ما لم يسمعه ولا يعلم مفرداته ولا مركباته وهو أقل ما يكون أربعمائة سطر من سؤال غائب عن أهل بلده سنين وجوابه. وكان إطلاعه على اللغة وشواهدها أمر باهر.

стр. 74

قال الحافظ السلفي أخبرني أبو محمد عبد الله بن الوليد بن غريب الأيادي أنه دخل مع عمه على أبي العلاء يزوره فرآه قاعداً على سجادة لبد وهو شيخ فان فدعا لي ومسح على رأسي. قال: وكأني أنظر إليه الساعة وإلى عينيه إحداهما نادرو والأخرى غائرة جداً، وهو مجدور الوجه نحيفه. وقال أبو منصور الثعالبي: وكان حدثني أبو الحسين الدلفي المصيصي الشاعر وهو ممن لقيته قديماً وحديثاً في مدة ثلاثين سنة. قال لقيت بمعرة النعمان عجباً من العجب؟ رأيت أعمى شاعراً ظريفاً يلعب بالشطرنج والنرد ويدخل في كل فن من الجد والهزل يكنى أبا العلاء، وسمعته يقول: أنا أحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر انتهى. وقال المعري الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة أو اثنتي عشرة سنة، ورحل إلى بغداد ثم رجع إلى المعرة. وكان رحيله إليها سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. وأقام ببغداد سنة وسبعة أشهر. وقصد أبا الحسن علي بن عيسى الربعي النحوي ليقرأ عليه فلما دخل عليه قال ليصعد الاسطبل والاسطبل في لغة أهل الشام الأعمى فخرج مغضباً ولم يعد إليه. ودخل على المرتضى أبى القاسم، فعثر برجل، فقال من هذا الكلب، فقال أبو العلاء: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسماً. فقربه المرتضى وأدناه واختبره فوجده عالماً مشبعاً بالفطنة والذكاء، فأقبل عليه إقبالاً كثيراً. وكان المعري يتعصب لأبي الطيب كثيراً ويفضله على بشار وأبي النواس وأبي تمام، والمرتضى يبغضه ويتعصب عليه فجرى يوماً ذكره فتنقصه المرتضى وجعل يتتبع عيوبه، فقال المعري. لو لم يكن للمتنبي من الشعر إلا قوله: لك يا منازل في القلوب منازل لكفاه فضلاً وشرفاً. فغضب المرتضى وأمر به فسحب برجله وأخرج من مجلسه. وقال لمن بحضرته: أتدرون أي شيء أراد الأعمى بذكر هذه القصيدة؟ فإن لأبي الطيب ما هو أجود منها لم يذكرها. فقيل السيد النقيب أعرف. فقال أراد قوله: وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي باني كامل

стр. 75

ولما رجع المعري لزم بيته، وسمى نفسه رهين المحبسين: يعني حبس نفسه في المنزل وحبس عينيه بالعمى. وكان قد رحل أولاً إلى طرابلس، وكانت بها خزائن كتب موقوفة فأخذ منها ما أخذ من العلم. واجتاز باللاذقية ونزل ديراً كان به راهب له علم بأقوال الفلاسفة سمع كلامه، فحصل له بذلك شكوك. والناس مختلفون في أمره، والأكثرون على إكفاره وإلحاده. وأورد له الإمام فخر الدين الرازي في كتاب الأربعين قوله: قلتم لنا صانع قديم ... قلنا صدقتم كذا نقول ثم زعمتم بلا زمان ... ولا مكن ألا فقولوا هذا كلام له خبئ ... معناه ليست لنا عقول ثم قال الإمام بعد ذلك: وقد هذى هذا في شعره. وأما ياقوت: فقال وكان متهماً في دينه، يرى رأي البراهمة، لا يرى إفساد الصورة، ولا يأكل لحماً، ولا يؤمن بالرسل، ولا بالبعث والنشور. قال القاضي أبو يوسف عبد السلام القزويني، قال المعري لم أهج أحداً قط. فقلت له صدقت إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فتغير لونه أو قال وجهه. ودخل عليه القاضي المنازي فذكر له ما يسمعه عن الناس من الطعن عليه. فقال: ما لي وللناس وقد تركت دنياهم فقال له القاضي وأخراهم فقال يا قاضي وأخراهم وجعل يكررها. قال ابن الجوزي: وحدثنا عن أبي زكرياء أنه قال لي المعري: ما الذي تعتقد، فقلت في نفسي: اليوم يتبين لي اعتقاده فقلت: له ما أنا إلا شاك. فقال: وهكذا شيخك. وأما الشيخ شمس الدين الذهبي فحكم بزندقته في ترجمة له طولها في تاريخ الإسلام له، وذكر فيها عنه قبائح. وأظن الحافظ السلفي قال إنه تاب وأناب. وأما الباخرزي فقال في حقه، ضرير ماله في أنواع الأدب ضريب، ومكفوف في قميص الفضل ملفوف، ومحجوب خصمه الألد محجوج، قد طال في ظلال الإسلام
следующие страницы →