وقال ابن عباس: شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون ردءًا له، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه سؤله، فحل عقدة من لسانه.
وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن عمر بن عثمان، حدثنا بقية، عن أرطاة بن المنذر، حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب عنه، قال: أتاه ذو قرابة له، فقال له: ما بك بأس، لولا أنك تلحن في كلامك، ولست تعرب في قراءتك. فقال القرظي: يا ابن أخي، ألستُ أُفْهِمُكَ إذا حدثتك؟ قال: نعم. قال: فإن موسى ﵇ إنما سأل ربه أن يحل عقدة من لسانه كي يفقه بنو إسرائيل قوله، ولم يزد عليها. انتهى كلام ابن كثير بلفظه.
وقد نقل فيه عن الحسن البصري وابن عباس ومحمد بن كعب القرظي ما ذكرناه من الجواب.
ويمكن أن يجاب -أيضًا- بأن فرعون كذب عليه؛ فإنَّ قوله (١): ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص/ ٣٤] يدل على اشتراكه مع هارون في الفصاحة، فكلاهما فصيح، إلا أن هارون أفصح. وعليه فلا إشكال.
والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ الآية [طه/ ٤٧].
يدل على أنهما رسولان، وهما موسى وهارون.
стр. 212
وقوله تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ [الشعراء/ ١٦] يوهم كون الرسول واحدًا.
الجواب من وجهين:
الأول: أن معنى قوله: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ أي: كل واحد منا رسول رب العالمين. كقول البرجمي:
* فإني وقيارًا بها لغريب *
وإنما ساغ هذا لظهور المراد من سياق الكلام.
الوجه الثاني: أن أصل الرسول مصدر، كالقبول والولوع، فاستعمل في الاسم، فجاز جمعه وتثنيته نظرًا إلى كونه بمعنى الوصف، وساغ إفراد مع إرادة المثنى أو الجمع نظرًا إلى أن الأصل من كونه مصدرًا.
ومن إطلاق الرسول على غير المفرد قولُ الشاعر:
أَليكْنِي إليها وخيرُ الرسو ... لِ أعلمُهم بنواحي الخبر
يعني: وخير الرسل.
وإطلاقُ الرسول مرادًا به المصدر كثيرٌ، ومنه قوله:
لقد كذب الواشون ما فُهْتُ عندهم ... بقولٍ ولا أرسلتهم برسولِ
يعني: برسالة.
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩)﴾ [طه/ ٤٩].
стр. 213
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا﴾ يقتضي أن المخاطَب اثنان. وقوله: ﴿يَامُوسَى (٤٩)﴾ يقتضي أن المخاطَب واحد.
والجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن فرعون أراد خطاب موسى وحده. والمخاطَب إن اشترك معه في الكلام غير مخاطَبِ غلب المخاطَب على غيره، كما لو خاطبت رجلًا اشترك معه آخر في شأنٍ والثاني غائبٌ فإنك تقول للحاضر منهما: ما بالكما فعلتما كذا؟ والمخاطبَ واحد. وهذا ظاهر.
الوجه الثاني: أنه خاطبهما معًا، وخَصَّ موسى بالنداء لكونه الأصل في الرسالة.
الثالث: أنه خاطبهما معًا، وخُصَّ موسى بالنداء لمطابقة رؤوس الآي، مع ظهور المراد.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه/ ١١٧]. ويجاب عنه: بأن المرأة تبعٌ لزوجها، وبأن شقاء الكد والعمل يتولاه الرجال أكثر من النساء، وبأن الخطاب لآدم وحده، والمرأة ذكرت فيما خوطب به آدم، بدليل قوله: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه/ ١١٧]، فِهي ذُكِرَتْ فيما خوطب به آدم والمخاطب هو وحده، ولذا قال: ﴿فَتَشْقَى (١١٧)﴾ لأن الخطاب لم يتوجه إليها هي.
والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه/ ١١٥].
стр. 214
ظاهر هذه الآية أن آدم ناسٍ للعهد بالنهي عن أكل الشجرة؛ لأن الشيطان قاسمه باللَّه أنه له ناصحٌ حتى دلَّاه بغرورٍ وأنساه العهد. وعليه فهو معذورٌ لا عاصٍ.
وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه/ ١٢١].
والجواب عن هذا من وجهين:
الأول: هو ما قدمنا من عدم العذر بالنسيان لغير هذه الأمة.
الثاني: أن "نسي" بمعنى ترك، والعرب ربما أطلقت النسيان بمعنى الترك، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ الآية [الأعراف/ ٥١].
والعلم عند اللَّه تعالى.
стр. 215
سورة الأنبياء
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء/ ٩٨].
هذه الآية تدل على أن جميع المعبودات مع عابديها في النار.
وقد أشارت آيات أخر إلى أن بعض المعبودين كعيسى والملائكة ليسوا من أهل النار، كقوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ الآية [الزخرف/ ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)﴾ [سبأ/ ٤٠]، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية [الإسراء/ ٥٧].
والجواب من وجهين:
الأول: أن هذه الآية لم تتناول الملائكة ولا عيسى، لتعبيره بـ "ما" الدالة على غير العاقل.
وقد أشار تعالى إلى هذا الجواب بقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف/ ٥٨] لأنهم لو أنصفوا لما ادعوا دخول العقلاء في لفظٍ لا يتناولهم لغة.
الثاني: أن الملائكة وعيسى نَصَّ اللَّه على إخراجهم من هذا، دفعًا للتوهم ولهذه الحجة الباطلة، بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ الآية [الأنبياء/ ١٠١].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ
стр. 216
فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ [الأنبياء/ ١٠٨].
عبر في هذه الآية الكريمة بلفظة "إنما"، وهي تدل على الحصر عند الجمهور. وعليه، فهي تدل على حصو الوحي في توحيد الألوهية.
وقد جاءت آيات أخر تدل على أنه أوحي إليه غير ذلك، كقوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ الآية [الجن/ ١]، وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران/ ٤٤]، وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية [يوسف/ ٣].
والجواب: أن حصر الوحي في توحيد الألوهية حصرٌ له في أصله الأعظم الذي يرجع إليه جميع الفروع؛ لأن شرائع كل الأنبياء داخلة في ضمن: (لا إله إلا اللَّه)؛ لأن معناها: خلع كل الأنداد سوى اللَّه في جميع أنواع العبادات، وإفراد اللَّه بجميع أنواع العبادات، فيدخل في ذلك جميع الأوامر والنواهي القولية والفعلية والاعتقادية.
стр. 217
سورة الحج
قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج/ ٣٩].
هذه الآية الكريمة تدل على أن قتال الكفار مأذون فيه لا واجب.
وقد جاءت آيات تدل على وجوبه، كقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة/ ٥]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ الآية [التوبة/ ٣٦]، إلى غير ذلك من الآيات.
والجواب ظاهر، وهو: أنه أذن فيه أولًا من غير إيجاب، ثم أوجب بعد ذلك كما تقدم في سورة البفرة.
ويدل لهذا ما قاله ابن عباس وعروة بن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد -كما نقله عنهم ابن كثير وغيره- من أن آية: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ هي أول آية نزلت في الجهاد.
والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾ [الحج/ ٤٦].
ظاهر هذه الآية أن الأبصار لا تعمى.
وقد جاءت آيات أخر تدل على عمى الأبصار، كقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ [محمد/ ٢٣]، وكقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور/ ٦١].
стр. 218
والجواب: أن التمييز بين الحق والباطل، وبين الضار والنافع، وبين القبيح والحسن، لمَّا كان كله بالبصائر لا بالأبصار، صار العمى الحقيقي هو عمى البصائر لا عمى الأبصار. ألا ترى أن صحة العينين لا تفيد مع عدم العقل، كما هو ضروري؟
وقوله: ﴿فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ يعني: بصائرهم، أو أعمى أبصارهم عن الحق وإن رأت غيره.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ [الحج/ ٤٧].
هذه الآية الكريمة تدل علىِ أن مقدار اليوم عند اللَّه ألف سنة. وكذلك قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ [السجدة/ ٥].
وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك، هي قوله تعالى في سورة سأل سائل: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ الآية [المعارج/ ٤].
اعلم أولًا أن أبا عبيدة روى عن إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن أبي مليكة أنه حضر كلًّا من ابن عباس وسعيد بن المسيب سئل عن هذه الآيات، فلم يدر ما يقول فيها، ويقول: لا أدري.
وللجمع بينهما وجهان:
الأول: هو ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباسٍ من أن يوم الألف في سورة الحج هو أحد الأيام الستة
стр. 219
التي خلق اللَّه فيها السموات والأرض، ويومُ الألف في سورة السجدة هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه تعالى، ويومُ الخمسين ألفًا هو يوم القيامة.
الوجه الثاني: أن المراد بجميعها يوم القيامة، وأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن والكافر.
ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر/ ٩ - ١٠].
ذكر هذين الوجهين صاحب "الإتقان". والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية [الحج/ ٥٢].
هذه الآية الكريمة تدل على أن كل رسول وكل نبي يُلْقِي الشيطانُ في أمنيته؛ أي: تلاوته إذا تلا.
ومنه قول الشاعر في عثمان ﵁:
تمنَّى كتابَ اللَّه أول ليلة ... وآخرها لاقى حِمام المقادر
وقول الآخر:
تمنى كتاب اللَّه آخر ليله ... تمنى داود الزبور على رسل
ومعنى "تمنى" في البيتين: قرأ وتلا.
وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس أنه قال: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى
стр. 220
الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج/ ٥٢]: إذا حَدَّثَ ألقى الشيطانُ في حديثه.
وقال بعض العلماء: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾: أَحَبَّ شيئًا وأراده. فكل نبي يتمنى إيمان أمته، والشيطان يلقي عليهم الوساوس والشبه، ليصدهم عن سبيل اللَّه.
وعلى أن ﴿تَمَنَّى﴾ بمعنى قرأ وتلا، كما عليه الجمهور، فمعنى إلقاء الشيطان في تلاوته: إِلقاؤه الشبه والوساوس فيما يتلوه النبي؛ ليصد الناس عن الإيمان به، أو إلقاؤه في المتلو ما ليس منه؛ ليظن الكفار أنه منه.
وهذه الآية لا تعارض بينها وبين الآية المصرحة بأن الشيطان لا سلطان له على عباد اللَّه المؤمنين المتوكلين، ومعلوم أن خيارهم الأنبياء، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل/ ٩٩ - ١٠٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر/ ٤٢]، وقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص/ ٨٢، ٨٣]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم/ ٢٢].
ووجه كون الآيات لا تعارض بينها: أن سلطان الشيطان المنفي عن المؤمنين المتوكلين في معناه وجهان للعلماء:
الأول: أن معنى السلطان: الحجة الواضحة. وعليه فلا
стр. 221
إشكال؛ إذ لا حجة مع الشيطان البتة، كما اعترف به فيما ذكر اللَّه عنه في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾
الثاني: أن معناه: أنه لا تَسَلُّطَ له عليهم بإيقاعهم في ذنب يهلكون به ولا يتوبون منه. فلا ينافي هذا ما وقع من آدم وحواء وغيرهما، فإنه ذنب مغفور لوقوع التوبة منه. فإلقاء الشيطان في أمنية النبي -سواء فسرناها بالقراءة أو التمني لإيمان أمته- لا يتضمن سلطانًا للشيطان على النبي، بل من جنس الوسوسة وإلقاء الشبه لصد الناس عن الحق، كقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الآية [النمل/ ٢٤].
فإن قيل: ذكر كثير من المفسرين أن سبب نزول هذه الآية الكريمة أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم بمكة، فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإنَّ شفاعتهن لترتجى، فلما بلغ آخر السورة سجد وسجد معه المشركون والمسلمون، وقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم. وشاع في الناس أنَّ أهل مكة أسلموا، بسبب سجودهم مع النبي ﷺ ، حتى رجع المهاجرون من الحبشة ظنًا منهم أن قومهم أسلموا، فوجدوهم على كفرهم.
وعلى هذا الذي ذكره كثير من المفسرين، فسلطان الشيطان بلغ إلى حَدٍّ أَدْخَلَ به في القرآن على لسان النبي ﷺ الكفرَ البواح، حسبما يقتضيه ظاهر القصة المزعومة.
فالجواب: أن قصة الغرانيق -مع استحالتها شرعًا- لم تثبت من
стр. 222
طريق صالح للاحتجاج، وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من العلماء، كما بيناه بيانًا شافيًا في رحلتنا.
والمفسرون يروون هذه القصة عن ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄. ومعلوم أن الكلبي متروك.
وقد بيَّن البزار أنها لا تُعْرَفُ من طريقٍ يجوز ذكره، إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع في وصله.
وقد اعترف الحافظ ابن حجر -مع انتصاره لثبوت هذه القصة- بأن طرقها كلها إما منقطعة أو ضعيفة، إلا طريق سعيد بن جبير.
وإذا علمت ذلك، فاعلم أن طريق سعيد بن جبير لم يروها بها أحد متصلة إلا أمية بن خالد، وهو وإن كان ثقة فقد شك في وصلها. فقد أخرج البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب، ثم ساق حديث القصة المذكورة. وقال البزار: لا يروى متصلًا إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور.
وقال البزار -أيضًا-: وإنما يروى من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والكلبي متروك.
فتحصل أن قصة الغرانيق لم ترد متصلة إلا من هذا الطريق الذي شك راويه في الوصل، وما كان كذلك فضعفه ظاهر.
ولذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: إنه لم يرها مسندة من
стр. 223
وجه صحيح.
وقال العلامة الشوكاني في هذه القصة: ولم يصح شيء من هذا ولا ثبت بوجه من الوجوه. ومع عدمِ صحته -بل بطلانه- فقد دفعه المحققون بكتاب اللَّه، كقوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ الآية [الحاقة/ ٤٤]، وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم/ ٣]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [الإسراء/ ٧٤]، فنفى المقاربة للركون فضلًا عن الركون.
ثم ذكر الشوكاني عن البزار أنها لا تروى بإسناد متصل، وعن البيهقي أنه قال: هي غير ثابتة من جهة النقل. وذكر عن إمام الأئمة ابن خزيمة أن هذه القصة من وضع الزنادقة.
وأبطلها عياض، وابن العربي المالكي، والفخر الرازي، وجماعات كثيرة.
ومن أصرح الأدلة القرآنية في بطلانها: أن النبي ﷺ قرأ بعد ذلك في سورة النجم قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم/ ٢٣].
فلو فرضنا أنه قال: تلك الغرانيق العلى، ثم أبطل ذلك بقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾، فكيف يفرح المشركون بعد هذا الإبطال والذم التام لأصنامهم بأنها أسماء بلا مسميات، وهذا هو الأخير؟ !
وقراءتُه ﷺ سورة النجم بمكة وسجود المشركين ثابت في الصحيح، ولم يذكر فيه شيء من قصة الغرانيق.
стр. 224
وعلى القول ببطلانها فلا إشكال.
وأما على القول بثبوت القصة، كما هو رأي الحافظ ابن حجر، فإنه قال في "فتح الباري": "إن هذه القصة ثبتت بثلاثة أسانيد كلها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به؛ لاعتضاد بعضها ببعض؛ لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلًا" = فللعلماء عن ذلك أجوبة كثيرة، من أحسنها وأقربها: أن النبي ﷺ كان يرتل السورة ترتيلًا تتخلله سكتات، فلما قرأ: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم/ ٢٠] قال الشيطان -لعنه اللَّه- محاكيًا لصوته ﷺ : تلك الغرانيق العلى. . . الخ، فظن المشركون أن الصوت صوته ﷺ ، وهو بريء من ذلك براءة الشمس من اللمس.
وقد بينا هذه المسألة بيانًا شافيًا في رحلتنا، فلذلك اختصرناها هنا.
فظهر أنه لا تعارض بين الآيات. والعلم عند اللَّه تعالى.
стр. 225
سورة قد أفلح المؤمنون
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)﴾ [المؤمنون/ ٩٩].
لا يخفى ما يسبق إلى الذهن فيه من رجوع الضمير إلى الرب، والضمير بصيغة الحمع، والرب جل وعلا وأحد.
والجواب من ثلاثة أوجه:
الأول -وهو أظهرها-: أن الواو لتعظيم المخاطَب وهو اللَّه تعالى، كما في قول الساعر:
ألا فارحموني يا إله محمدٍ ... فإن لم أكن أهلًا فأنت له أهلُ
وقول الآخر:
وإن شئتُ حرمتُ النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بَرْدًا
الوجه الثاني: أن قوله: ﴿رَبِّ﴾ استغاثة به تعالى، وقوله: ﴿ارْجِعُونِ (٩٩)﴾ خطاب للملائكة.
ويستأنس لهذا الوجه بما ذكره ابن جرير عن ابن جريج قال: قال رسول اللَّه ﷺ لعائشة: "إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك إلى دار الدنيا؟ فيقول: إلى دار الهموم والأحزان؟ فيقول: بل قدموني إلى اللَّه. وأما الكافر فيقولون له: نرجعك؟ فيقول: رب ارجعون".
الوجه الثالث -وهو قول المازني-: أنه جمع الضمير ليدل على التكرار، فكأنه قال: رب ارجعني، ارجعني، ارجعني
стр. 226
ولا يخلو هذا القول عندي مِنْ بُعْد.
والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون/ ١٠١].
هذه الآية الكريمة تدل على أنهم لا أنساب بينهم يومئذ، وأنهم لا يتساءلون يوم القيامة.
وقد جاءت آيات أخر تدل على ثبوت الأنساب بينهم، كقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ الآية [عبس/ ٣٤]. وآيات أخرى تدل على أنهم يتساءلون، كقوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور/ ٢٥].
والجواب عن الأول: أن المراد بنفي الأنساب انقطاعُ فوائدها وآثارها التي كانت مترتبة عليها في الدنيا، من العواطف والنفع والصِّلات والتفاخر بالآباء، لا نفيُ حقيقتها.
والجواب عن الثاني من ثلاثة أوجه:
الأول: أن نفي السؤال بعد النفخة الأولى وقبل الثانية، وإثباته بعدهما معًا.
الثاني: أن نفيَ السؤال عند اشتغالهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط، وإثباتَه فيما عدا ذلك.
وهو عن السدِّي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (١).
стр. 227
الثالث: أن السؤال المنفي سؤالٌ خاص، وهو سؤال بعضهم العفو من بعض فيما بينهم من الحقوق؛ لقنوطهم من الإعطاء، ولو كان المسؤول أبًا أو ابنًا أو أمًّا أو زوجة.
ذكر هذه الأوجه الثلاثة -أيضًا- صاحب "الإتقان".
قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾ [المؤمنون/ ١١٣].
هذه الآية الكريمة تدل على أن الكفار يزعمون يوم القيامة أنهم ما لبثوا إلا يومًا أو بعض يوم.
وقد جاءت آيات أخر يفهم منها خلاف ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)﴾ [طه/ ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم/ ٥٥].
والجواب عن هذا بما دل عليه القرآن، وذلك أن بعضهم يقول: لبثنا يومًا أو بعض يوم. وبعضهم يقول: لبثنا ساعة. وبعضهم يقول: لبثنا عشرًا.
ووجه دلالة القرآن على هذا: أنه بيَّن أن أقواهم إدراكًا وأرجحهم عقلًا وأمثلهم طريقةً هو من يقول: إن مدة لبثهم يومًا،
стр. 228
وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾ [طه/ ١٠٤]، فدل ذلك على اختلاف أقوالهم في مدة لبثهم. والعلم عند اللَّه تعالى.
стр. 229
سورة النور
قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور/ ٣].
هذه الآية الكريمة تدل على تحريم نكاح الزواني والزناة على الأعفَّاءِ والعفائف، ويدل لذلك قوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء/ ٢٥]، وقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ الآية [النساء/ ٢٤].
وقد جاءت آيات أخر تدل بعمومها على خلاف ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية [النور/ ٣٢]، وقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء/ ٢٤].
والجواب عن هذا مختلفٌ فيه اختلافًا مبنيًا على الاختلاف في حكم تزوج العفيف للزانية أو العفيفة للزاني.
فمن يقول: هو حرام. يقول: هذه الآية مخصصة لعموم ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، وعموم ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
والذين يقولون بعدم المنع -وهم الأكثر- أجابوا بأجوبة:
منها: أنها منسوخة بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾.
واقتصر صاحب "الإتقان" على النسخ. وممن قال بالنسخ: سعيد بن المسيب والشافعي.
ومنها: أن النكاحَ في هذه الآية الوطءُ. وعليه فالمراد بالآية: أن
стр. 230
الزاني لا يطاوعه على فعله ويشاركه في مراده إلا زانية مثله، أو مشركة لا ترى حرمة الزنا.
ومنها: أن هذا خاص؛ لأنه كان في نسوة بغايا كان الرجل يتزوج إحداهن على أن تنفق عليه مما كسبته من الزنا؛ لأن ذلك هو سبب نزول الآية. فزعم بعضهم: أنها مختصة بذلك السبب، بدليل قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية.
وهذا أضعفها. واللَّه تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور/ ٢٦].
هذه الآية الكريمة نزلت في براءة أم المؤمنين عائشة ﵂ مما رميت به. وذلك يؤيد ما قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، من أن معناها: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء. أي: فلو كانت عائشة ﵂ غير طيبة لما جعلها اللَّه زوجة لأطيب الطيبين صلوات اللَّه عليه وسلامه.
وعلى هذا، فالآية الكريمة يظهر لمعارضها مع قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ [التحريم/ ١٠]، وقوله أيضًا: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ الآية [التحريم/ ١١].
стр. 231
إذ الآية الأولى دلت على خبث الزوجتين الكافرتين مع أن زوجيهما من أطيب الطيبين، وهما نوح ولوط عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. والآية الثانية دلت على طيب امرأة فرعون مع خبث زوجها.
والجواب: أن في معنى الآية وجهين للعلماء:
الأول -وبه قال ابن عباس، وروي عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وحبيب بن أبي ثابت والضحاك، كما نقله عنهم ابن كثير، واختاره ابن جرير-: أن معناه: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول.
أي: فما نسبه أهل النفاف إلى عائشة من كلامٍ خبيثٍ هم أولى به، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم، ولذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور/ ٢٦].
وعلى هذا الوجه فلا تعارض أصلًا بين الآيات.
الوجه الثاني: هو ما قدمنا عن عبد الرحمن بن زيد. وعليه فالإشكال ظاهر بين الآيات.
والذي يظهر لمقيده -عفا اللَّه عنه- أن قوله: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ إلى آخره -على هدا القول- من العام المخصوص، بدليل
стр. 232
امرأة نوح ولوط وامرأة فرعون.
وعليه، فالغالب تقييض كل من الطيبات والطيبين والخبيثات والخبيثين لجنسه وشكله الملائم له في الخبث أو الطيب، مع أنه تعالى ربما قيض خبيثة لطيِّب كامرأة نوح ولوط، أو طيبة لخبيث كامرأة فرعون؛ لحكمة بالغة، كما دل عليه قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُو﴾، وقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ مع قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت/ ٤٣].
فدل ذلك على أن تقييض الخبيثة للطيب أو الطيبة للخبيث فيه حكمة لا يعقلها إلا العلماء؛ وهي في تقييض الخبيثة للطيب: أن يبين للناس أن القرابة من الصالحين لا تنفع الإنسان، وإنما ينفعه عمله. ألا ترى أن أعظم ما يدافع عنه الإنسان زوجته، وأكرم الخلق على اللَّه رسله، فدخول امرأة نوح وامرأة لوط النار، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ [التحريم/ ١٠] فيه أكبرُ واعظٍ وأعظمُ زاجرٍ عن الاغترار بالقرابة من الصالحين، والإعلامُ بأن الإنسان إنما ينفعه عمله، ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآية [النساء/ ١٢٣].
كما أن دخول امرأة فرعون الجنة يُعْلَمُ منه أن الإنسان إذا دعته الضرورة لمخالطة الكفار من غير اختياره، وأحسن عمله وصبر على القيام بدينه، أنه يدخل الجنة ولا يضره خبث الذين يخالطهم ويعاشرهم، فالخبيث خبيث وإن خالط الصالحين، كامرأة نوح
стр. 233
ولوط، والطيب طيب وإن خالط الأشرار، كامرأة فرعون. ولكن مخالطة الأشرار لا تجوز اختيارًا، كما دلت عليه أدلة أخر.
قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور/ ٣٩].
لا يخفى ما يسبق إلى الذهن فيه من أن الضمير في قوله: ﴿جَاءَهُ﴾ يدل على شيء موجود واقع عليه المجيء؛ لأن وقوع المجيء على العدم لا يُعْقَل. ومعلومٌ أن الصفة الإضافية لا تتقوم إلا بين متضائفين، فلا تدرك إلا بإدراكهما، فلا يعقل وقوع المجيء بالفعل إلا بإدراك فاعل وقع منه المجيء، وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ يدل على عدم وجود شيء يقع عليه المجيء في قوله تعالى: ﴿جَاءَهُ﴾.
والجواب عن هذا من وجهين ذكرهما ابن جرير في تفسير هذه الآية، قال: فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، فإن لم يكن السراب شيئًا، فعلام دخلت الهاء في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾؟
قيل: إنه شيء يرى من بعيد، كالضباب الذي يرى كثيفًا من بعيد، والهباء، فإذا قرب منه دَقَّ (١) وصار كالهواء.
وقد يحتمل أن يكون معناه: حتى إذا جاء موضعَ السراب لم يجد السراب شيئًا. فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه. انتهى منه بلفظه.
стр. 234
والوجه الأول أظهر عندي وعنده؛ بدليل قوله: وقد يحتمل أن يكون معناه. . . إلخ.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور/ ٦٢].
هذه الآية الكريمة تدل على أنه ﷺ له الإذن لمن شاء.
وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة/ ٤٣] يوهم خلاف ذلك.
والجواب ظاهر، وهو أنه ﷺ له الإذن لمن شاء من أصحابه الذين كانوا معه على أمرٍ جامع، كصلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو اجتماع في مشورة ونحو ذلك، كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور/ ٦٢].
وأما الإذن في خصوص التخلف عن الجهاد، فهو الذي بيَّن اللَّه لرسوله أن الأولى فيه ألا يبادر بالإذن حتى يتبين له الصادق في عذره من الكاذب، وذلك في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة/ ٤٣].
فظهر أن لا منافاة بين الآيات. والعلم عند اللَّه تعالى.
стр. 235
سورة الفرقان
قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان/ ٢٤]
هذه الآية الكريمة تدل على انقضاء الحساب فى نصف نهار؛ لأن المقيل: القيلولة أو مكانها، وهي الاستراحة نصف النهار في الحَرِّ.
وممن قال بانقضاء الحساب في نصف نهار: ابن عباس وابن مسعود وعكرمة وابن جبير؛ لدلالة هذه الآية على ذلك، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره.
وفي "تفسير الجلالين" ما نصه: "وأُخِذَ من ذلك انقضاء الحساب في نصف نهار، كما ورد في حديثٍ" انتهى منه.
مع أنه تعالى ذكر أن مقدار يوم القيامة خمسون ألف سنة في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج/ ٤].
والظاهر في الجواب: أن يوم القيامة يطول على الكفار ويقصر على المؤمنين.
ويشير لهذا قوله تعالى بعد هذا بقليل: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان/ ٢٦]، فتخصصه عسر ذلك اليوم بالكافرين يدل على أن المؤمنين ليسوا كذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر/ ٩ - ١٠] يدل بمفهومه -أيضًا- على أنه يسير على المؤمنين
стр. 236
غير عسير، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر/ ٨].
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث، أن سعيدًا الصواف حدثه أنه بلغه أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وأنهم يتقلبون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس، وذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾. ونقله عنه ابن كثير في تفسيره.
ومن المعلوم أن السرور يَقْصُرُ به الزمن، والكروب والهموم سبب لطوله، كما قال أبو سفيان بن الحارث يرثي النبي ﷺ :
أَرِقْتث فبات ليلي لا يزولُ ... وليلُ أخي المصيبةِ فيه طولُ
وقال الآخر:
فقِصارهنَّ مع الهموم طويلةٌ ... وطوالُهنَّ مع السرور قِصارُ
ولقد أجاد من فال:
ليلي وليلى نفى نومي اختلافُهما ... في الطُّول والطَّول، طوبى لي لو اعتدلا
يجود بالطُّول ليلي كلما بَخِلَتْ ... بالطَّول ليلى وإن جادت به بَخِلَا
ومثل هذا كثير في كلام العرب جدًّا.
стр. 237
وأما على قول من فسر المَقِيل بأنه المأوى والمنزل -كقتادة ﵀ فلا تعارض بين الآيتين أصلا؛ لأن المعنى على هذا القول: أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًّا وأحسن مأوى ومنزلًا.
والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ الآية [الفرقان/ ٧٥].
هذه الآية الكريمة تدل على أنهم يجزون غرفة واحدة.
وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك، كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر/ ٢٠]، وكقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ/ ٣٧].
والجواب: أن الغرفة هنا بمعنى الغرف، كما تقدم مستوفى بشواهده في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ الآية [البقرة/ ٢٩].
وقيل: إن المراد بالغرفة: الدرجة العليا في الجنة. وعليه فلا إشكال.
وقيل: الغرفة الجنة، سميت غرفةً لارتفاعها.
стр. 238
سورة الشعراء
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء/ ١٠٥].
هذه الآية تدل على أن قوم نوح كذبوا جماعة من المرسلين، بدليل صيغة الجمع في قوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾، ثم بين ذلك بما يدل على خلاف ذلك، وأنهم إنما كذبوا رسولًا واحدًا وهو نوح -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- بقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧)﴾ [الشعراء/ ١٠٦ - ١١٧].
والجواب عن هذا: أن الرسل عليهم صلوات اللَّه وسلامه، لما كانت دعوتهم واحدة وهي: لا إله إلا اللَّه، صار مكذب واحد منهم مكذبًا لجميعهم، كما يدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء/ ٢٥]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل/ ٣٦]. وقد بين تعالى أن مكذب بعضهم مكذب للجميع بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء/ ١٥٠ - ١٥١].
ويأتي مثل هذا الإشكال والجواب في قوله: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ﴾ إلى آخره [الشعراء/ ١٢٣ - ١٢٤]، وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ﴾ [الشعراء/ ١٤١ - ١٤٢]، وكذلك في قصة لوط وشعيب، على الجميع وعلى نبينا الصلاة والسلام.
стр. 239
سورة النمل
قوله تعالى إخبارًا عن بلقيس: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ [النمل/ ٣٥].
يدل على تعدد رسلها إلى سليمان.
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل/ ٣٦] بإفراد فاعل "جاء"، وقوله تعالى إخبارًا عن سليمان أنه قال: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ﴾ الآية [النمل/ ٣٧] يدل على أن الرسول واحد.
والظاهر في الجواب هو ما ذكره غير واحد من أن الرسل جماعة، وعليهم رئيس منهم، فالجمع نظرًا إلى الكل، والإفراد نظرًا إلى الرئيس؛ لأن من معه تبع له. والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ الآية [النمل/ ٨٣].
هذه الآية يدل ظاهرها على أن الحشر خاص بهؤلاء الأفواج المكذبة.
وقوله بعد هذا بقليل: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ [النمل/ ٨٧] يدل على أن الحشر عام، كما صرحت به الآيات القرآنية عن كثرة.
والجواب عن هذا: هو ما بينه الآلوسي في تفسيره من أن قوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ يراد به الحشر العام، وقوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ أي: بعد الحشر العام يجمع اللَّه المكذبين للرسل من
стр. 240
كل أمة لأجل التوبيخ المنصوص عليه بقوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ [النمل/ ٨٤]، فالمراد بالفوج من كل أمة: الفوج المكذِّب للرسل يُحْشَرُ للتوبيخ حشرًا خاصًّا. فلا ينافي حَشرَ الكلِّ لفصل القضاء.
وهذا الوجه أحسن من تخصيص الفوج بالرؤساء، كما ذهب إليه بعضهم.
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ الآية [النمل/ ٨٨].
هذه الآية تدل بظاهرها على أن الجبال يظنها الرائي ساكنة، وهي تسير.
وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الجبال راسية، والراسي هو الثابت في محل، كقوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ [النازعات/ ٣٢]، وقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل/ ١٥]، وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [الحجر/ ١٩]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات/ ٢٧].
ووجه الجمع ظاهر، وهو أن قوله ﴿أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ ونحوه يعني: في الدنيا. وقوله: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ يعني: في الآخرة، بدليل قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [النمل/ ٨٧] ثم عطف على ذلك قله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ الآية.
ومما يدل على ذلك: النصوص القرآنية على أن سير الجبال في
سورة القصص
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾ الآية [القصص/ ٩].
الخطاب في قوله: ﴿وَلَكَ﴾ يدل على أن المخاطب واحد. وفي قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ يدل على أنه جماعة.
والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:
الأول: أن صيغة الجمع للتعظيم.
الثاني: أنها تعني فرعون وأعوانه الذين همُّوا معه بقتل موسى. فأَفْردَتْ الضمير في قولها: ﴿وَلَكَ﴾ لأن كونه قرة عين في زعمها يختص بفرعون دونهم، وجَمَعَتْهُ في قولها: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ لأنهم شركاء معه في الهمِّ بقتله.
الثالث: أنها لما استعطفت فرعون على موسى التفتت أنى المأمورين بقتل الصبيان قائلة لهم: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾، معللة ذلك بقولها: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ الآية [القصص/ ٢٩].
أهله زوجته؛ بدليل قوله: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ لأن المعروف أنه سار من عند شعيب بزوجته ابنة شعيب أو غير شعيب على القول بذلك.
وقوله: ﴿امْكُثُوا﴾ خطاب جماعة الذكور، فما وجه خطاب
стр. 243
المرأة بخطاب الذكور؟
والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:
الأول: أن الإنسان يخاطب المرأة بخطاب الجماعة، تعظيمًا لها، ونظيره قول الشاعر:
فإن شئتُ حرمتُ النساءَ سواكم ... وإن شئتُ لم أطعم نقاخًا ولا بَرْدًا
الثاني: أن معها خادمًا، والعرب ربما خاطبت الاثنين خطاب الجماعة.
الثالث: أنه كان له مع زوجته ولدان له، اسم الأكبر منهما: جيرشوم، واسم الأصغر: اليعازر.
والجواب الأول ظاهر، والثاني والثالث محتملان؛ لأنهما من الإسرائيليات. والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص/ ٥٦].
قد قدمنا أن وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى/ ٥٢] أن الهدى المنفي عنه ﷺ هو مَنْحُ التوفيق، والهدى المثبت له هو إبانة الطريق.
стр. 244
سورة العنكبوت
قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [العنكبوت/ ١٢].
لا يعارضه قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت/ ١٣]، كما تقدم بيانه مستوفى في سورة النحل.
فأثقالهم: أوزار ضلالهم، والأثقال التي معها: أوزار إضلالهم، ولا ينقص ذلك شيئًا من أوزار أتباعهم الضالين.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت/ ٢٧].
هذه الآية الكريمة تدل على أن النبوة والكتاب في خصوص ذرية إبراهيم.
وقد ذكر في سورة الحديد ما يدل على اشتراك نوح معه في ذلك، في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد/ ٢٦].
والجواب: أن وجه الاقتصار على إبراهيم أن جميع الرسل بعده من ذريته، وذُكِرَ نوح معه لأمرين:
أحدهما: أن كل من كان من ذرية إبراهيم فهو من ذرية نوح.
والثاني: أن بعض الأنبياء من ذرية نوح، ولم يكن من ذرية إبراهيم، كهود وصالح ولوط ويونس -على خلافٍ فيه-. ولا ينافي
стр. 245
ذلك الاقتصار على إبراهيم؛ لأن المراد مَنْ كان بعد إبراهيم لا مَنْ كان قبله أو في عصره، كلوطٍ، عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام.
стр. 246
سورة الروم
قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ الآية [الروم/ ٣٠].
هذا خطاب خاص بالنبي ﷺ ، وقد قال تعالى بعده: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم/ ٣١]، فقوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ حال من ضمير الفاعل المستتر في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ الواقع على النبي ﷺ . فتقرير المعنى: فأقم وجهك يا نبي اللَّه ﷺ في حال كونكم منيبين إليه.
وقد تقرر عند علماء العربية: أن الحال إن لم تكن سببية لابد أن تكون مطابقة لصاحبها إفرادًا وتثنية وجمعًا وتذكيرًا وتأنيثًا، فما وجه الجمع بين هذه الحال وصاحبها؟ فالحال جمع وصاحبها مفرد.
والجواب: أن الخطاب الخاص بالنبي ﷺ يعم حكمه جميع الأمة، فالأمة تدخل تحت خطابه ﷺ ، فتكون الحال من الجميع الداخل تحت خطابه ﷺ .
ونظير هذه الآية -في دخول الأمة تحت الخطاب الخاص به ﷺ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية [الطلاق/ ١]، فقوله: ﴿طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ بعد ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ دليل على دخول الأمة تحت لفظ النبي.
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم/ ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾.
стр. 247
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب/ ١]، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)﴾ الآية.
وقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب/ ٣٧]، ثم قال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ [يونس/ ٦١]، ثم قال: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾.
ودخول الأمة في الخطاب الخاص بالنبي ﷺ هو مذهب الجمهور، وعليه مالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم اللَّه تعالى، خلافًا للشافعي ﵀.
стр. 248
سورة لقمان
قوله تعالى: (١) ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان/ ١٥].
هذه الآية الكريمة تدل على الأمر ببر الوالدين الكافرين.
وقد جاءت آية أخرى يفهم منها خلاف ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ الآية [المجادلة/ ٢٢]، ثم نص على دخول الآباء في هذا بقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾.
والذي يظهر لي -واللَّه تعالى أعلم- أنه لا معارضة بين الآيتين.
ووجه الجمع بينهما: أن المصاحبة بالمعروف أعم من المُوادَّة؛ لأن الإنسان يمكنه إسداء المعروف لمن يوده ومن لا يوده، والنهي عن الأخص لا يستلزم النهي عن الأعم، فكأن اللَّه حذر من المودةِ المشعرة بالمحبة، والموالاةِ بالباطن لجميع الكفار، يدخل في ذلك الآباء وغيرهم، وأَمَر الإنسان بأن لا يفعل لوالديه إلا المعروف، وفعلُ المعروف لا يستلزم المودة؛ لأن المودة من أفعال القلوب لا من أفعال الجوارح.
ومما يدل لذلك: إذنه ﷺ لأسماء بنت أبي بكر الصديق أن تَصِلَ أمها وهي كافرة، وقال بعض العلماء: إن قصتها سبب لنزول قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الآية [الممتحنة/ ٨].
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ
стр. 249
﴿وَلَدِهِ﴾ الآية [لقمان/ ٣٣].
هذه الآية تدل بظاهرها على أن يوم القيامة لا ينفع فيه والدٌ ولدَه.
وقد جاءت آية أخرى تدل على رفع درجات الأولاد بسبب صلاح آبائهم حتى يكونوا في درجة الآباء، مع أن عملهم -أي: الأولاد- لم يبلغهم تلك الدرجة، إقرارًا لعيون الآباء بوجود الأبناء معهم في منازلهم من الجنة وذلك نفع لهم، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الطور/ ٢١].
ووجه الجمع أشيرَ إليه بالقيد الذي في هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾، وعُيِّنَ فيها النفعُ بأنه ألحاقهم بهم في درجاتهم يقيد الايمان. فهي أخص من الآية الأخرى، والأخص لا يعارض الأعم.
وعلى قول من فسر الآية بأن معنى قوله: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ يقضي عنه حقًا لزمه، ولا يدفع عنه عذابًا حَقَّ عليه، فلا إشكال في الآية.
وسيأتي لهذا زيادة إيضاح في سورة النجم في الكلام على: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾، إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 250
سورة السجدة
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة/ ١١].
أسند في هذه الآية الكريمة التوفِّي إلى مَلَكٍ واحد.
وأسنده في آيات أخر إلى جماعة الملائكة، كقوله: ﴿تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ [النساء/ ٩٧]، وقوله: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام/ ٦١]، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ الآية [الأنفال/ ٥٠]، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ الآية [الأنعام/ ٩٣].
وأسنده في آية أخرى إلى نفسه جل وعلا، وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية [الزمر/ ٤٢].
والجواب عن هذا ظاهر، وهو أن إسناده التوفي إلى نفسه لأن ملك الموت لا يقدر أن يقبض روح أحد إلا بإذنه ومشيئته تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران/ ١٤٥]. وأسنده لملك الموت لأنه هو المأمور بقبض الأرواح. وأسنده للملائكة لأن ملك الموت له أعوان من الملائكة تحت رئاسته، يفعلون بأمره وينزعون الروح إلى الحلقوم، فيأخذها ملك الموت. والعلم عند اللَّه تعالى.