وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾، لا يشكل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١)﴾ [الفرقان/ ٥١]؛ لأن المعنى: أرسلنا إلى جميع القرى، بل إلى الأسود والأحمر، رسولًا واحدًا هو محمد ﷺ ، مع أنَّا لو شئنا أرسلنا إلى كل قرية بانفرادها رسولًا، ولكن لم نفعل ذلك؛ ليكون الإرسال إلى الناس كلهم فيه الإظهار لفضله ﷺ على غيره من الرسل، بإعطائه ما لم يُعطَه أحدٌ قبله من الرسل عليه وعليهم الصلاة والسلام.
كما ثبت عنه ﷺ في "الصحيح" من أن عموم رسالته إلى الأسود والأحمر مما خصَّه اللَّه به دون غيره من الرسل.
وأقرب الأوجه المذكورة عندنا هو ما يدل عليه القرآن العظيم، وهو الوجه الرابع، وهو أن معنى الآية: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ أي: لكل أمة نبي، فلستَ يا نبي اللَّه بدعًا من الرسل.
ووجه دلالة القرآن على هذا: كثرة إتيان مثله في الآيات، كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل/ ٣٦]، وقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾.
وعليه، فالحكمة في الإخبار بأن لكل أمة نبيًا أن المشركين عجبوا من إرساله ﷺ إليهم، كما بينه تعالى بقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس/ ٢]، وقوله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ [الإسراء/ ٩٤]، فأخبرهم أن إنذاره لهم ليس بعجب ولا غريب؛ لأن
стр. 177
لكل أمة منذرًا.
فالآية كقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف/ ٩]، وقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء/ ١٦٣].
والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ. . .﴾ الآية [الرعد/ ٣٦].
هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على إيمان أهل الكتاب؛ لأن الفرح بما أنزل على النبي ﷺ دليل الإيمان.
ونظيرها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة/ ١٢١]، وقوله: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ الآية [الإسراء/ ١٠٧].
وقد جاءت آيات تدل على خلاف ذلك، كقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [البينة/ ١ - ٦].
وبيَّن في موضع آخر أن الكافرين من أهل الكتاب أكثر، وهو قوله: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران/ ١١٠].
والجواب: أن الآية من العام المخصوص، فهي في خصوص المؤمنين من أهل الكتاب، كعبد اللَّه بن سلام ومن أسلم من اليهود،
стр. 178
وكالثمانين الذين أسلموا من النصارى المشهورين، كما قاله الماوردي وغيره، وهو ظاهر.
ويدل عليه التبعيض في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية [آل عمران/ ١٩٩].
стр. 179
سورة إبراهيم
قوله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [إبراهيم/ ١٧].
يفهم من ظاهره موت الكافر في النار. وقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ يصرح بنفي ذلك.
والجواب: أن معنى ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ﴾ أي: أسبابه المقتضية له عادة، إلا أن اللَّه يمسك روحه في بدنه مع وجود ما يقتضي موته عادة.
وأوضح هذا المعنى بعض المتأخرين ممن لا حجة في قوله بقوله:
ولقد قتلتك بالهجاء فلم تمت ... إن الكلاب طويلة الأعمار
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ الآية [إبراهيم/ ٤٨].
هذه الآية الكريمة فيها التصريح بتبديل الأرض يوم القيامة.
وقد جاء في آية أخرى ما يتوهم منه أنها تبقى ولا تتغير، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ [الكهف/ ٧ - ٨]، فإنه تعالى في هذه الآية صرح بأنه جعل ما على الأرض زينة لها؛ لابتلاء الخلق، ثم بين أنه يجعل ما على الأرض صعيدًا جرزًا، ولم يذكر أنه يغير نفس الأرض، فيتوهم منه أن التغيير حاصل في ما عليها دون نفسها.
стр. 180
والجواب: هو أن حكمة ذكر ما عليها دونها؛ لأن ما على الأرض من الزينة والزخارف ومتاع الدنيا، هو سبب الفتنة والطغيان ومعصية اللَّه تعالى. فالإخبار عنه بأنه فانٍ زائل فيه أكبر واعظ وأعظم زاجر عن الإفتتان به، ولهذه الحكمة خص بالذكر. فلا ينافي تبديل الأرض المصرح به في الآية الأخرى، كما هو ظاهر.
مع أن مفهوم قوله: ﴿مَا عَلَيْهَا﴾ مفهوم لقب؛ لأن الموصول الذي هو "ما" واقع على جميع الأجناس الكائنة على الأرض زينة لها. ومفهوم اللقب لا يعتبر عند الجمهور، وإذا كان لا اعتبار به لم تظهر منافاة أصلًا. والعلم عند اللَّه تعالى.
стр. 181
سورة الحجر
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ الآية [الحجر/ ٢٦].
ظاهر هذه الآية أن آدم خلق من صلصال؛ أي طين يابس.
وقد جاء في آيات أخر ما يدل على خلاف ذلك، كقوله تعالى: ﴿طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾ [الصافات/ ١١]، وكقوله: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران/ ٥٩].
والجواب: أنه ذكر أطوار ذلك التراب، فذكر طوره الأول بقوله: ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾، ثم بُلَّ فصار طينًا لازبًا، ثم خُمِّرَ فصار حمأً مسنونًا، ثم يبس فصار صلصالًا كالفخار. وهذا واضح. والعلم عند اللَّه تعالى.
стр. 182
سورة النحل
قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ الآية [النحل/ ٢٥].
هذه الآية الكريمة تدل على أن هؤلاء الضالين يحملون أوزارهم كاملة، ويحملون -أيضًا- من أوزار الأتباع الذي أضلوهم.
وقد جاءت آيات أخر تدل على أنه لا يحمل أحد وزر غيره، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر/ ١٨]، وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر/ ١٨].
والجواب: أن هؤلاء الضالين ما حملوا إلا أوزار أنفسهم؛ لأنهم تحملوا وزر الضلال ووزر الإضلال.
فمن سنَّ سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها؛ لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا؛ لأن تشريعه لها لغيره ذنب من ذنوبه فأخذ به.
وبهذا يزول الإشكال -أيضًا- في قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ الآية [العنكبوت/ ١٣].
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ الآية [النحل/ ٦٧].
هذه الآية الكريمة يفهم منها أن السَّكَرَ المتخذ من ثمرات النخيل والأعناب لا بأس به؛ لأن اللَّه امتنَّ به على عباده في سورة الامتنان
стр. 183
التي هي سورة النحل.
وقد حرَّم اللَّه تعالى الخمر بقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ الآية [المائدة/ ٩٠]؛ لأنه وصفها بأنها رجس، وأنها من عمل الشيطان، وأمر باجتنابها، ورتب عليه رجاء الفلاح. ويفهم منه أن من لم يجتنبها لم يفلح، وهو كذلك. وقد بيَّن ﷺ أن كل ما خامر العقل فهو خمر، وأن كل مسكر حرام، وأن ما أسكر كثيره فقليله حرام.
والجواب ظاهر، وهو: أن آية تحريم الخمر ناسخة لقوله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ الآية. ونسخها له هو التحقيق، خلافًا لما يزعمه كثير من الأصوليين أن تحريم الخمر ليس نسخًا لإباحتها الأولى؛ لأن إباحتها الأولى إباحة عقلية، وهي المعروفة عند الأصوليين بالبراءة الأصلية، وتسمى استصحاب العلم الأصلي، والإباحة العقلية ليست من الأحكام الشرعية حتى يكون رفعها نسخًا، ولو كان رفعها نسخًا لكان كل تكليف في الشرع ناسخًا للبراءة الأصلية من التكليف به.
وإلى كون الإباحة العقلية ليست من الأحكام الشرعية أشار في "مراقي السعود" بقوله:
وما من الإباحة العقلية ... قد أخذت فليست الشرعية
كما أشار إلى أن تحريم الخمر ليس نسخًا لإباحتها؛ لأنها إباحة عقلية، وليست من الأحكام الشرعية حتى يكون رفعها نسخًا، بقوله:
стр. 184
أباحها في أول الإِسلام ... براءة ليست من الأحكام
وإنما قلنا: إن التحقيق هو كون تحريم الخمر ناسخًا لإباحتها؛ لأن قوله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ يدل على إباحة الخمر شرعًا، فرفع هذه الإباحة المدلول عليها بالقرآن رفع حكم شرعي؛ فهو نسخ بلا شك، ولا يمكن أن تكون إباحتها عقلية إلا قبل نزول هذه الآية كما هو ظاهر.
ومعلوم عند العلماء أن الخمر نزلت في شأنها أربع آيات من كتاب اللَّه:
الأولى: هذه الآية الدالة على إباحتها.
الثانية: الآية التي ذكر فيها بعض معائبها، وأن فيها منافع، وصرحت بأن إثمها أكبر من نفعها، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة/ ٢١٩]، فشربها بعد نزولها قومٌ للمنافع المذكورة، وتركها آخرون للإثم الذي هو أكبر من المنافع.
الثالثة: الآية التي دلت على تحريمها في أوقات الصلاة دون غيرها، وهي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ الآية [النساء/ ٤٣].
الرابعة: الآية التي حرمتها تحريمًا باتًا مطلقًا، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة/ ٩٠ - ٩١].
стр. 185
والعلم عند اللَّه تعالى.
وأما على قول من زعم أن السَّكَر الطعمُ -كما اختاره ابن جرير وأبو عبيدة- أو أنه النحل، فلا إشكال في الآية.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ الآية [النحل/ ١٠٠].
هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأن الشيطان له سلطان على أوليائه. ونظيرها الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر/ ٤٢].
وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على نفي سلطانه عليهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ الآية [سبأ/ ٢٠ - ٢١] وقوله تعالى حاكيًا عنه مقررًا له: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ الآية [إبراهيم/ ٢٢].
والجواب: هو أن السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان الذي نفاه؛ وذلك من وجهين:
الأول: أن السلطان المثبت له هو سلطان إضلاله لهم بتزيينه، والسلطان المنفي هو سلطان الحجة، فلم يكن لإبليس عليهم من حجة يتسلط بها غير أنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان. وإطلاق السلطان على البرهان كثير في القرآن.
стр. 186
الثاني: أن اللَّه لم يجعل له عليهم سلطانًا ابتداء البتة، ولكنهم هم الذين سلطوه على أنفسهم بطاعته ودخولهم في حزبه، فلم يتسلط عليهم بقوة؛ لأن اللَّه يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء/ ٧٦]، وإنما تسلط عليهم بإرادتهم واختيارهم.
ذكر هذا الجواب بوجهيه العلامة ابن القيم -رحمه اللَّه تعالى-.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل/ ١٢٨].
هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن معية اللَّه خاصة بالمتقين المحسنين.
وقد جاء في آيات أخر ما يدل على عمومها، وهي قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة/ ٧]، وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد/ ٤]، وقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ [الأعراف/ ٧]، وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ الآية [يونس/ ٦١].
والجواب: أن للَّه معية خاصة ومعية عامة.
فالمعية الخاصة: بالنصر والتوفيق والإعانة، وهذه لخصوص المتقين المحسنين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الآية [النحل/ ١٢٨] وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال/ ١٢] الآية، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه/ ٤٦]، وقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة/ ٤٠].
стр. 187
ومعية عامة: بالإحاطة والعلم؛ لأنه تعالى أعظم وأكبر من كل شيء، محيط بكل شيء، فجميع الخلائق في يده أصغر من حبَّة خردل في يد أحدنا, وله المثل الأعلى. وسيأتي له زيادة إيضاح في سورة الحديد إن شاء اللَّه. وهي عامة لكل الخلائق، كما دلت عليه الآيات المتقدمة.
стр. 188
سورة بني إسرائيل
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء/ ١٥].
هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأن اللَّه تعالى لا يعذب أحدًا حتى ينذره على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام.
ونظيرها قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء/ ١٦٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ الآية [طه/ ١٣٤] وقوله: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾ [الأنعام/ ١٣١]، إلى غير ذلك من الآيات.
ويؤيده تصريحه تعالى بأن كل أفواج أهل النار جاءتهم الرسل في دار الدنيا، في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾ الآية [الملك/ ٨ - ٩] ومعلوم أن "كلما" صيغة عموم.
ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ [الزمر/ ٧١]، فقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعم كل كافر؛ لما تقرر في الأصول من أنَّ الموصولات من صيغ العموم؛ لعمومها كل ما تشمله صِلاتها، كما أشار له في "مراقي السعود" بقوله:
صيغُه كلٌّ أو الجميع ... وقد تلا الذي التي الفروع
стр. 189
ومعنى قوله: "وقد تلا الذي. . . " الخ: أن "الذي" و"التي" وفروعها صيغ عموم، ككل وجميع.
ونظيره -أيضًا- قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِير﴾ [فاطر/ ٣٧]، فإنه عام أيضًا؛ لأن أول الكلام ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر/ ٣٦].
وأمثال هذا كثيرة في القرآن.
مع أنه جاء في بعض الآيات ما يفهم منه أن أهل الفترة في النار، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة/ ١١٣]، فإن عمومها يدل على دخول من لم يدرك النبي ﷺ ، وكذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء/ ١٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾ [البقرة/ ١٦١]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ الآية [آل عمران/ ٩١]، إلى غير ذلك من الآيات.
اعلم -أولًا- أن من لم يأته نذير في دار الدنيا وكان كافرًا حتى مات، اختلف العلماء فيه: هل هو من أهل النار لكفره، أو هو معذور لأنه لم يأته نذير؟ كما أشار له في "مراقي السعود" بقوله:
ذو فترة بالفرع لا يراع ... وفي الأصول بينهم نزاع
стр. 190
وسنذكر -إن شاء اللَّه- جواب أهل كل واحد من القولين، ونذكر ما يقتضي الدليل رجحانه. فنقول وباللَّه نستعين:
قد قال قوم: إن الكافر في النار، ولو مات في زمن الفترة. وممن جزم بهذا القول: النووي في "شرح مسلم"؛ لدلالة الأحاديث على تعذيب بعض أهل الفترة.
وحكى القرافي في "شرح التنقيح" الإجماع على أن موتى أهل الجاهلية في النار؛ لكفرهم، كما حكاه عنه صاحب "نشر البنود".
وأجاب أهل هذا القول عن آية ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ وأمثالها من ثلاثة أوجه:
الأول: أن التعذيب المنفي في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ وأمثالها هو التعذيب الدنيوي، فلا ينافي ثبوت التعذيب في الآخرة.
وذكر الشوكاني في تفسيره أن اختصاص هذ التعذيب المنفي بالدنيا دون الآخرة ذهب إليه الجمهور. واستظهر هو خلافه، ورَدَّ التخصيص بعذاب الدنيا بأنه خلاف الظاهر من الآيات، وبأن الآيات المتقدمة -الدالة على اعتراف أهل النار جميعًا بأن الرسل أنذروهم في دار الدنيا- صريح في نفيه.
الثاني: أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ الآية وأمثالها = في غير الواضح الذي لا يلتبس على عاقل.
أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل، كعبادة الأوثان، فلا يعذر فيه أحد؛ لأن جميع الكفار يقرون بأن اللَّه هو ربهم وهو
стр. 191
خالقهم ورازقهم، ويتحققون أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر، لكنهم غالطوا أنفسهم، فزعموا أنها تقربهم إلى اللَّه زلفى، وأنها شفعاؤهم عند اللَّه، مع أن العقل يقطع بنفي ذلك.
الثالث: أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبله ﷺ تقوم عليهم بها الحجة. ومال إليه بعض الميل ابن قاسم في "الآيات البينات".
وقد قدمنا في سورة آل عمران أن هذا القول يرده القرآن في آيات كثيرة مصرحة بنفي أصل النذير عنهم، كقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس/ ٦]، وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة/ ٣]، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص/ ٤٦]، وقوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)﴾ [سبأ/ ٤٤]، إلى غير ذلك من الآيات.
وأجاب القائلون بأن أهل الفترة معذورون عن مثل قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ من الآيات المتقدمة = بأنهم لا يتبين لهم أنهم من أصحاب الجحيم ولا يُحْكَمُ لهم بالنار ولو ماتوا كفارًا إلا بعد إنذارهم وامتناعهم من الإيمان, كأبي طالب. وحملوا الآيات المذكورة على هذا المعنى.
واعترض هذا الجواب بما ثبت في "الصحيح" من دخول بعض
стр. 192
أهل الفترة النار، كحديث: "إن أبي وأباك في النار" الثابت في "صحيح مسلم" وأمثاله من الأحاديث.
واعترض هذا الاعتراض بأن الأحاديث وإن صحت فهي أخبار آحاد، يُقَدَّمُ عليها القاطع، كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾.
واعترض هذ الاعتراض -أيضًا- بأنه لا يتعارض عام وخاص، فما أخرجه حديث صحيح خرج من العموم، وما لم يخرجه نص صحيح بقي داخلًا في العموم.
واعترض هذا الاعتراض -أيضًا- بأن هذا التخصيص يبطل علة العام؛ لأن اللَّه تعالى تمدح بكمال الإنصاف، وصرح بأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذَّب بإنذار الرسل في دار الدنيا، وبيَّن أن ذلك الإنصاف التام علةٌ لعدم التعذيب، فلو عذب إنسانًا واحدًا من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة، ولثبتت لذلك المعذَّب الحجةُ التي بعث اللَّه الرسل لقطعها، كما صرح به في قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء/ ١٦٥].
وهذه الحجة بينها في سورة طه بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ الآية [طه/ ١٣٤]، وأشار لهادي سورة القصص بقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [القصص/ ٤٧].
وهذا الاعتراض الأخير يجري على الخلاف في النقض: هل هو
стр. 193
قادح في العلة أو تخصيص لها؟ وهو اختلاف كثير معروف في الأصول، عقده في "مراقي السعود" بقوله -في تعداد القوادح في الدليل-:
منها وجود الوصف دون الحكم ... سماه بالنقض وُعَاةُ العلم
والأكثرون عندهم لا يقدح ... بل هو تخصيص وذا مصحح
وقد روي عن مالك تخصيص ... إن يك الاستنباط لا التنصيص
وعكس هذا قد رآه البعض ... ومنتقى ذي الاختصار النقضُ
إن لم تكن منصوصة بظاهر ... وليس فيما استنبطت بضائر
إن جا لفقد الشرط أو لما منع ... والوفق في مثل العرايا قد وقع
والمحققون من أهل الأصول على أن عدم تأثير العلة إن كان لوجود مانع من التأثير أو انتفاء شرط التأثير فوجودها مع تخلف الحكم (١) لا ينقضها ولا يقدح فيها، وخروج بعض أفراد الحكم حينئذ تخصيص للعلة لا نقض لها، كالقتل عمدًا عدوانًا، فإنه علهَ القصاص إجماعًا, ولا يقدح في هذه العلة تخلف الحكم عنها في قتل الوالد لولده؛ لأن تأثيرها منع منه مانع هو الأبوة.
وأما إن كان عدم تأثيرها لا لوجود مانع أو انتفاء شرط، فإنه يكون نقضا لها وقدحًا فيها.
стр. 194
ولكن يَرِدُ على هذا التحقيق ما ذكره بعض العلماء من أن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ﴾ [الحشر/ ٤] علة منصوصة لقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ﴾ الآية [الحشر/ ٣]، مع أن هذه العلة قد توجد ولا يوجد ما عُذبَ به بنو النضير من جلاء أو تعذيب دنيوي، وهو يؤيد كون النقض تخصيصًا مطلقًا لا قدحًا.
ويجاب عن هذا بأن بعض المحققين من الأصوليين قال: إن التحقيق المذكور محله في العلة المستنبطة دون المنصوصة، وهذه منصوصة، كما قدمنا ذلك في أبيات "مراقي السعود" في قوله:
. . . . . . . . . . . . . ... وليس فيما استُنبطت بضائر
إن جا لِفَقْدِ الشرط أو لما منع ... . . . . . . . . . . . .
هذا ملخص كلام العلماء وحججهم في المسألة.
والذي يظهر رجحانه بالدليل هو الجمع بين الأدلة؛ لأن الجمع واجب إذا أمكن بلا خلاف، كما أشار له في "المراقي" بقوله:
والجمع واجب متى ما أمكنا ... . . . . . . . . . . . .
ووجه الجمع بين هذه الأدلة هو عذرهم بالفترة، وامتحانهم يوم القيامة بالأمر باقتحام نار؛ فمن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا، ومن امتنع عُذّبَ بالنار, وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأن اللَّه يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل.
стр. 195
وبهذا الجمع تتفق الأدلة، فيكون أهل الفترة معذورين، وقوم منهم من أهل النار بعد الامتحان، وقوم منهم من أهل الجنة بعده أيضًا، ويحمل كل واحد من القولين على بعضٍ منهم عَلِمَ اللَّه مصيرهم، وأعلم به نبيه ﷺ ، فيزول التعارض.
والدليل على هذا الجمع: ورود الأخبار به عنه ﷺ .
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ -بعد أن ساق الأحاديث الدالة على عذرهم وامتحانهم يوم القيامة، رادًّا على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم وامتحانهم- ما نصُّه: والجواب عما قال: إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح، كما نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوي بالصحيح والحسن، وإذا كان أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها. انتهى محل الغرض بلفظه.
ثم قال: إن هذا قال به جماعة من محققي العلماء والحفاظ والنقاد.
وما احتج به البعض لرد هذه الأحاديث من أن الآخرة دار جزاء لا دار عمل وابتلاء، فهو مردود من وجهين:
الأول: أن ذلك لا تُرَدُّ به النصوص الصحيحة عنه ﷺ ، ولو سلمنا عموم ما قال من أن الآخرة ليست دار عمل، لكانت الأحاديث المذكورة مخصصة لذلك العموم.
стр. 196
الثاني: أنا لا نسلم انتفاء الامتحان في عرصات المحشر، بل نقول: دل القاطع عليه؛ لأن اللَّه تعالى صرح في سورة القلم بأنهم يدعون إلى السجود في قوله جلَّ وعلا: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ الآية [القلم/ ٤٢] ومعلومٌ أن أمرهم بالسجود تكليفٌ في عرصات المحشر.
وثبت في "الصحيح" أن المؤمنين يسجدون يوم القيامة، وأن المنافق لا يستطيع ذلك، ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة، طبقًا واحدًا كما أراد السجود خرَّ لقفاه.
وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها، أن اللَّه يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مرارًا، ويقول اللَّه تعالى: "يا ابن آدم، ما أغدرك! "، ثم يأذن له في دخول الجنة. ومعلوم أن تلك العهود والمواثيق تكليف في عرصات المحشر.
والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ [الإسراء/ ٩٤].
هذه الآية يظهر تعارضها مع قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥)﴾ [الكهف/ ٥٥].
ووجه الجمع أن الحصر في آية الإسراء حصرٌ في المانع العادي.
стр. 197
والحصر في آية الكهف [حصرٌ] في المانع الحقيقي.
وإيضاحه: هو ما ذكره ابن عبد السلام من أن معنى آية الكهف: وما منع الناس من أن يؤمنوا إلا أن اللَّه أراد أن تأتيهم سنة الأولين من أنواع الهلاك في الدنيا، أو يأتيهم العذاب قُبلًا في الآخرة، فأخبر أنه أراد أن يصيبهم أحد الأمرين، ولا شك أن إرادة اللَّه مانعة من وقوع ما ينافي مراده. فهذا حصر في المانع الحقيقي؛ لأن اللَّه هو المانع في الحقيقة.
ومعنى آية ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ أنه ما منع الناس من الإيمان إلا استغرابهم أن اللَّه يبعث رسولًا من البشر، واستغرابهم لذلك ليس مانعًا حقيقيًا بل عاديًا يجوز تخلفه فيوجد الإيمان معه، بخلاف الأول فهو حقيقي لا يمكن تخلفه، ولا وجود الإيمان معه.
ذكر هذا الجمع صاحب "الإتقان". والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ الآية [الإسراء/ ٩٧].
هذه الآية الكريمة يدل ظاهرها على أن الكفار يبعثون يوم القيامة عميًا وبكمًا وصمًا.
وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك، كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم/ ٣٨]، وكقوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف/ ٥٣]، وكقوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ الآية [السجدة/ ١٢].
стр. 198
والجواب عن هذا من أوجه:
الوجه الأول: هو ما استظهره أبو حيان، من كون المراد مما ذُكِرَ حقيقتُه، ويكون ذلك في مبدأ الأمر، ثم يرد اللَّه تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم، فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون بما حكى اللَّه تعالى عنهم في غير موضع.
الوجه الثاني: أنهم لا يرون شيئًا يسرهم، ولا يسمعون كذلك، ولا ينطقون بحجة، كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه.
وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وروي -أيضًا- عن الحسن، كما ذكره الألوسي في تفسيره.
فنُزِّلَ ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم، لعدم الانتفاع به، كما تقدم نظيره.
الوجه الثالث: أن اللَّه إذا قال لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ [المؤمنون/ ١٠٨] وقع بهم ذاك العمى والصم والبكم، من شدة الكرب واليأس من الفرج. قال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾ [النمل/ ٨٥].
وعلى هذا القول تكون الأحوال الثلاثة مقدرة.
стр. 199
سورة الكهف
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ [الكهف/ ٢٠].
هذه الآية تدل بظاهرها على أن المكره على الكفر لا يفلح أبدًا.
وقد جاءت آية أخرى تدل على أن المكره على الكفر معذور إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، وهي قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ الآية [النحل/ ١٠٦].
والجواب عن هذا من وجهين:
الأول: أن رفع المؤاخذة مع الإكراه من خصائص هذه الأمة، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف/ ١٥٧].
ويدل لهذا قوله ﷺ : "إن اللَّه تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، فهو يدل بمفهومه على خصوصه بأمته ﷺ ، وليس مفهوم لقب؛ لأن مناط التخصيص هو اتصافه ﷺ بالأفضلية على من قبله من الرسل، واتصاف أمته بها على من قبلها من الأمم. والحديث وإن أعله أحمد وابن أبي حاتم فقد تلقاه العلماء قديمًا وحديثًا بالقبول.
ومن أصرح الأدلة أن من قبلنا ليس لهم عذر بالإكراه: حديث طارق بن شهاب، في الذي دخل النار في ذباب قرَّبه لصنم، مع أنه
стр. 200
قرَّبه ليتخلص من شر عبدة الصنم، وصاحبه الذي امتنع من ذلك قتلوه. فعُلِمَ أنه لو لم يفعل لقتلوه كما قتلوا صاحبه، ولا إكراه أكبر من خوف القتل، ومع هذا دخل النار ولم ينفعه الإكراه.
وظواهر الآيات تدل على ذلك.
فقوله: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ [الكهف/ ٢٠] ظاهرٌ فى عدم فلاحهم مع الإكراه؛ لأن قوله: ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ صريحٌ في الإكراه.
وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦] مع أنه تعالى قال: قد فعلت -كما ثبت في "صحيح مسلم"- يدل بظاهره على أن التكليف بذلك كان معهودًا قبل.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه/ ١١٥]، مع قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه/ ١٢١]، فأسند إليه النسيان والعصيان معًا، يدل على ذلك أيضًا. وعلى القول بأن المراد بالنسيان الترك، فلا دليل في الآية.
وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ مع قوله: ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
ويستأنس لهذا بما ذكره البغوي في تفسيره عن الكلبي من أن المؤاخذة بالنسيان كانت من الإصر على من قبلنا، وكان عقابها يعجل لهم في الدنيا، فيحرم عليهم بعض الطيبات.
وقال بعض العلماء: إن الإكراه عذر لمن قبلنا. وعليه فالجواب
стр. 201
هو:
الوجه الثاني: أن الإكراه على الكفر قد يكون سببًا لاستدراج الشيطان إلى استحسانه والاستمرار عليه، كما يفهم من مفهوم قوله تعالى: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾.
وإلى هذا الوجه جنح صاحب "روح المعاني"، والأول أظهر عندي وأوضح. واللَّه تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف/ ٧٩].
هذه الآية تدل على أن عيبها يكون سببًا لترك الملك الغاصب لها، ولذلك خرقها الخضر.
وعموم قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف/ ٧٩] يقتضي أخذ الملك للمعيبة والصحيحة معًا.
والجواب: أن في الكلام حذف الصفة. وتقديره: كلَّ سفينة صالحة صحيحة. وحذف النعت إذا دل المقام عليه جائز، كما أشار له ابن مالك فى "الخلاصة" بقوله:
وما من المنعوت والنعت عُقِل ... يجوز حذفه وفي النعت يَقِل
ومن شواهد حذف الصفة قول الشاعر:
ورُبِّ أسيلة الخَدَّين بِكْرٍ ... مهفهفةٍ لها فرغٌ وجِيدُ
أي: لها فرغٌ فاحم وجِيدٌ طويل.
سورة مريم
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ الآية [مريم/ ٧١].
هذه الآية الكريمة تدل على أن كل الناس لا بدَّ لهم من ورود النار، وأكد ذلك بقوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم/ ٧١].
وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أن بعض الناس مبعد عنها لا يسمع لها حسًّا، وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ الآية [الأنبياء/ ١٠١ - ١٠٢].
والجواب: هو ما ذكره الآلوسي وغيره، من أن معنى قوله: ﴿مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ أي: عن عذاب النار وألمها.
وقيل: المراد إبعادهم عنها بعد أن يكونوا قريبًا منها.
ويدل للوجه الأول ما أخرجه الإمام أحمد والحكيم الترمذي وابن المنذر والحاكم -وصححه- وجماعة، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال آخر: يدخلونها جميعًا ثم ينجي اللَّه الذين اتقوا. فلقيت جابر بن عبد اللَّه ﵁ فذكرت ذلك له. فقال -وأهوى بإصبعيه إلى أذنيه-: صُمَّتا إن لم أكن سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم ﵇، حتى إنَّ للنار ضجيجًا من بردهم، ثم ينجي اللَّه الذين اتقوا".
стр. 204
وروى جماعة عن ابن مسعودٍ أن ورود النار هو المرور عليها؛ لأن الناس تمر على الصراط، وهو جسر منصوب على متن جهنم.
وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري والبيهقي عن الحسن: الورود: المرور عليها من غير دخول. وروي ذلك -أيضًا- عن قتادة. قاله الآلوسي.
واستدل القائلون بأن الورود الدخول -كابن عباس- بقوله تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود/ ٩٨]، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء/ ٩٩]، وقوله: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء/ ٩٨]. فالورود في ذلك كله بمعنى الدخول.
واستدل القائلون بأن الورود القرب منها من غير دخول، بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص/ ٢٣]، وقول زهير:
فلما وردن الماء زُوْقًا جِمامُه ... وضعن عِصِيَّ الحاضرِ المتخيِّم
стр. 205
سورة طه
قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه/ ١٥].
هذه الآية الكريمة يتوهم منها أنه جل وعلا لم يُخْفِها بالفعل، ولكنه قارب أن يخفيها؛ لأن "كاد" فعل مقاربة.
وقد جاء في آيات أخر التصريح بأنه أخفاها، كقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام/ ٥٩]، وقد ثبت عنه ﷺ أن المراد بمفاتح الغيب: الخمسُ المذكورة في قوله ثعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآيات [لقمان/ ٣٤]، وكقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف/ ١٨٧]، وقوله: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣)﴾ [النازعات/ ٤٣]، إلى غير ذلك من الآيات.
والجواب من سبعة أوجه:
الأول -وهو الراجح-: أن معنى الآية: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ من نفسي، أي: لو كان ذلك يمكن. وهذا على عادة العرب؛ لأن القرآن نزل بلغتهم، والواحد منهم إذا أراد المبالغة في كتمان أمر قال: كتمته من نفسي، أى: لا أبوح لأحد. ومنه قول الشاعر:
أيام تصحبنى هندٌ وأخبرها ... ما كدت أكتمه عني من الخبر
ونظير هذا من المبالغة قوله ﷺ في حديث السبعة الذين يظلهم اللَّه-: "رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".
стр. 206
وهذا القول مروي عن أكثر المفسرين، وممن قال به: ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح، كما نقله عنهم ابن جرير، وجعفر الصادق، كما نقله عنه الألوسي في تفسيره.
ويؤيد هذا القول أن في مصحف أُبيٍّ (أكاد أخفيها من نفسي)، كما نقله الآلوسي وغيره. وروى ابن خالويه أنها في مصحف أُبيٍّ كذلك بزيادة: (فكيف أُظْهِرُكم عليها). وفي بعض القراءات بزيادة: (فكيف أظهرها لكم). وفي مصحف عبد اللَّه بن مسعود بزيادة: (فكيف يعلمها مخلوق). كما نقله الآلوسي وغيره.
الوجه الثاني: أن معنى الآية: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ أي: أخفي الإخبار بأنها آتية. والمعنى: أقرِّبُ أن أترك الإخبار عن إتيانها من أصله؛ لشدة إخفائي لتعيين وقت إتيانها.
الوجه الثالث: أن الهمزة في قوله: ﴿أُخْفِيهَا﴾ هي همزة السلب؛ لأن العرب كثيرًا ما تجعل الهمزة أداة لسلب الفعل، كقولهم: شكا إليَّ فلان فأشكيته، أي فأزلت شكايته، وقولهم: عقل البعير فأعقلته، أي أزلت عقاله.
وعلى هذا، فالمعنى: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ أي: أزيل خفاءها بأنْ أظهرها؛ لقرب وقتها، كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ الآية [القمر/ ١].
وهذا القول مروي عن أبي علي، كما نقله عنه الآلوسي في تفسيره، ونقله النيسابوري في تفسيره عن أبي الفتح الموصلي.
стр. 207
ومنه قول امرئ القيس بن عابس الكندي:
فإن تدفنوا الداء لا نُخْفِهِ ... وإن تبعثوا الحرب لا نَقْعُدِ
على رواية ضم النون من "لا نخفه". وقد نقل ابن جرير في تفسيره هذه الآية عن معمر بن المثنى أنه قال: أنشدنيه أبو الخطاب عن أهله في بلده بضم النون من "لا نخفه"، ومعناه: لا نُظْهِرْه.
أما على الرواية المشهورة بفتح النون من "لا نخفه"، فلا شاهد في البيت، إلا على قراءة من قرأ (أكاد أَخفيها) بفتح الهمزة. وممن قرأ بذلك: أبو الدرداء وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وحميد، وروي مثل ذلك عن ابن كثير وعاصم. وإطلاق "خفاه يَخفيه" بفتح الياء، بمعنى أظهره، إطلاقٌ مشهور صحيح، إلا أن القراءة به لا تخلو من شذوذ، ومنه البيت المذكور على رواية فتح النون، وقولُ كعب بن زهير أو غيره:
دابَ شهرين ثم شهرًا دميكًا ... بأريكين يخفيان غميرا
أي: يُظْهِرانه.
وقولُ امرئ القيس:
خَفاهنَّ من أنفاقهنَّ كأنما ... خَفاهنَّ ودقٌ من عَشِيٍّ مجلَّب
الوجه الرابع: أن خبر "كاد" محذوف. والمعنى على هذا القول: أن الساعة آتية أكاد أظهرها. فحذف الخبر ثم ابتدأ الكلام بقوله: ﴿أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾. ونظير ذلك من كلام
стр. 208
العرب قول ضابيء بن الحارث البرجمي:
هممتُ ولم أفعل وكدتُ وليتني ... تركتُ على عثمان تبكي حلائلُه
يعني: وكدت افعل.
الوجه الخامس: أن "كاد" تأتي بمعنى أراد، وعليه فمعنى ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾: أريد أن أخفيها.
وإلى هذا القول ذهب الأخفش وابن الأنباري وأبو مسلم، كما نقله عنهم الآلوسي وغيره.
قال ابن جني في "المحتسب": ومن مجيء "كاد" بمعنى أراد قولُ الشاعر:
كادت وكدتُ وتلك خير إرادة ... لو عاد من لهو الصبابة ما مضى
كما نقله الآلوسي.
وقال بعض العلماء: إن من مجيء "كاد" بمعنى أراد قولَه تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف/ ٧٦] أي: أردنا له. كما ذكره النيسابوري وغيره.
ومنه قول العرب: لا أفعل كذا ولا أكاد، أي: لا أريد. كما نقله بعضهم.
الوجه السادس: أن "كاد" من اللَّه تدل على الوجوب، كما دلت عليه "عسى" في كلامه تعالى، نحو: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)﴾ [الإسراء/ ٥١] أي: هو قريب.
стр. 209
وعلى هذا فمعنى ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾: أنا أخفيها.
الوجه السابع: أنَّ "كاد" صلة. وعليه، فالمعنى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ ﴿أُخْفِيهَا لِتُجْزَى. .﴾ (١) الآية.
واستدل قائل هذا القول بقول زيد الخيل:
سريع إلى الهيجاء شاكٍ سلاحه ... فما أن يكاد قِرْنُه يتنفسُ
أي: فما يتنفس قِرْنُه.
قالوا: ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور/ ٤٠] أي: لم يرها.
وقولُ ذي الرمة:
إذا غَيَّر النأْيُ المحبِّين لم يكد ... رسيسُ الهوى من حُبِّ مَيَّةَ يبرحُ
أي: لم يبرح، على قول هذا القائل.
قالوا: ومن هذا المعنى قول أبي النجم:
وإن أتاك نَعِيِّي فاندبنَّ أبًا ... قد كاد يضطلع الأعداء والخُطَبا
أي: قد أطلع الأعداء.
وقد قدمنا أن أرجح الأقوال الأول. والعلم عند اللَّه تعالى.
стр. 210
قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه/ ٢٧ - ٢٨].
لا يخفى أنه من سؤل موسى الذي قال له ربه إنه آتاه إياه بقوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦)﴾ [طه/ ٣٦]، وذلك صريح في حَلِّ العقدة من لسانه.
وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على بقاء شيء من الذي كان بلسانه، كقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ [الزخرف/ ٥٢]، وقوله تعالى عن موسى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ الآية [القصص/ ٣٤].
والجواب: أن موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- لم يسأل زوال ما كان بلسانه بالكلية، وإنما سأل زوال القدر المانع من أن يفقهوا قوله، كما يدل عليه قوله: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ [طه/ ٢٨].
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧)﴾ [طه/ ٢٧] ما نصه: وما سأل أن يزول ذلك بالكلية، بل بحيث يزول العِيُّ ويحصل لهم فهم ما يريد منه، وهو قدر الحاجة، ولو سأل الجميع لزال، ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بحسب الحاجة، ولهذا بقيت بقية.
قال تعالى إخبارًا عن فرعون أنه قال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ أي يفصح بالكلام.
وقال الحسن البصري: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧)﴾، قال: حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك أُعْطِيَ.
стр. 211
وقال ابن عباس: شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون ردءًا له، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه سؤله، فحل عقدة من لسانه.
وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن عمر بن عثمان، حدثنا بقية، عن أرطاة بن المنذر، حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب عنه، قال: أتاه ذو قرابة له، فقال له: ما بك بأس، لولا أنك تلحن في كلامك، ولست تعرب في قراءتك. فقال القرظي: يا ابن أخي، ألستُ أُفْهِمُكَ إذا حدثتك؟ قال: نعم. قال: فإن موسى ﵇ إنما سأل ربه أن يحل عقدة من لسانه كي يفقه بنو إسرائيل قوله، ولم يزد عليها. انتهى كلام ابن كثير بلفظه.
وقد نقل فيه عن الحسن البصري وابن عباس ومحمد بن كعب القرظي ما ذكرناه من الجواب.
ويمكن أن يجاب -أيضًا- بأن فرعون كذب عليه؛ فإنَّ قوله (١): ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص/ ٣٤] يدل على اشتراكه مع هارون في الفصاحة، فكلاهما فصيح، إلا أن هارون أفصح. وعليه فلا إشكال.
والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ الآية [طه/ ٤٧].
يدل على أنهما رسولان، وهما موسى وهارون.
стр. 212
وقوله تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ [الشعراء/ ١٦] يوهم كون الرسول واحدًا.
الجواب من وجهين:
الأول: أن معنى قوله: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ أي: كل واحد منا رسول رب العالمين. كقول البرجمي:
* فإني وقيارًا بها لغريب *
وإنما ساغ هذا لظهور المراد من سياق الكلام.
الوجه الثاني: أن أصل الرسول مصدر، كالقبول والولوع، فاستعمل في الاسم، فجاز جمعه وتثنيته نظرًا إلى كونه بمعنى الوصف، وساغ إفراد مع إرادة المثنى أو الجمع نظرًا إلى أن الأصل من كونه مصدرًا.
ومن إطلاق الرسول على غير المفرد قولُ الشاعر:
أَليكْنِي إليها وخيرُ الرسو ... لِ أعلمُهم بنواحي الخبر
يعني: وخير الرسل.
وإطلاقُ الرسول مرادًا به المصدر كثيرٌ، ومنه قوله:
لقد كذب الواشون ما فُهْتُ عندهم ... بقولٍ ولا أرسلتهم برسولِ
يعني: برسالة.
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩)﴾ [طه/ ٤٩].
стр. 213
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا﴾ يقتضي أن المخاطَب اثنان. وقوله: ﴿يَامُوسَى (٤٩)﴾ يقتضي أن المخاطَب واحد.
والجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن فرعون أراد خطاب موسى وحده. والمخاطَب إن اشترك معه في الكلام غير مخاطَبِ غلب المخاطَب على غيره، كما لو خاطبت رجلًا اشترك معه آخر في شأنٍ والثاني غائبٌ فإنك تقول للحاضر منهما: ما بالكما فعلتما كذا؟ والمخاطبَ واحد. وهذا ظاهر.
الوجه الثاني: أنه خاطبهما معًا، وخَصَّ موسى بالنداء لكونه الأصل في الرسالة.
الثالث: أنه خاطبهما معًا، وخُصَّ موسى بالنداء لمطابقة رؤوس الآي، مع ظهور المراد.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه/ ١١٧]. ويجاب عنه: بأن المرأة تبعٌ لزوجها، وبأن شقاء الكد والعمل يتولاه الرجال أكثر من النساء، وبأن الخطاب لآدم وحده، والمرأة ذكرت فيما خوطب به آدم، بدليل قوله: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه/ ١١٧]، فِهي ذُكِرَتْ فيما خوطب به آدم والمخاطب هو وحده، ولذا قال: ﴿فَتَشْقَى (١١٧)﴾ لأن الخطاب لم يتوجه إليها هي.
والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه/ ١١٥].
стр. 214
ظاهر هذه الآية أن آدم ناسٍ للعهد بالنهي عن أكل الشجرة؛ لأن الشيطان قاسمه باللَّه أنه له ناصحٌ حتى دلَّاه بغرورٍ وأنساه العهد. وعليه فهو معذورٌ لا عاصٍ.
وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه/ ١٢١].
والجواب عن هذا من وجهين:
الأول: هو ما قدمنا من عدم العذر بالنسيان لغير هذه الأمة.
الثاني: أن "نسي" بمعنى ترك، والعرب ربما أطلقت النسيان بمعنى الترك، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ الآية [الأعراف/ ٥١].
والعلم عند اللَّه تعالى.
стр. 215
سورة الأنبياء
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء/ ٩٨].
هذه الآية تدل على أن جميع المعبودات مع عابديها في النار.
وقد أشارت آيات أخر إلى أن بعض المعبودين كعيسى والملائكة ليسوا من أهل النار، كقوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ الآية [الزخرف/ ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)﴾ [سبأ/ ٤٠]، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية [الإسراء/ ٥٧].
والجواب من وجهين:
الأول: أن هذه الآية لم تتناول الملائكة ولا عيسى، لتعبيره بـ "ما" الدالة على غير العاقل.
وقد أشار تعالى إلى هذا الجواب بقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف/ ٥٨] لأنهم لو أنصفوا لما ادعوا دخول العقلاء في لفظٍ لا يتناولهم لغة.
الثاني: أن الملائكة وعيسى نَصَّ اللَّه على إخراجهم من هذا، دفعًا للتوهم ولهذه الحجة الباطلة، بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ الآية [الأنبياء/ ١٠١].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ