← Тафсир

Тафсир · id 281

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (383 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فيها: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾. وقد تقرر في الأصول: أن الموصولات من صيغ العموم، فقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾ يعم كل خائف مقام ربه. ثم صرح بشمول ذلك للجن والإنس معًا بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾، فبين أن الوعد بالجنتين لمن خاف مقام ربه من آلائه، أي نعمه على الإنس والجن. فلا تعارض بين الآيتين؛ لأن إحداهما بينت ما لم تتعرض له الأخرى. ولو سلَّمنا أن قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ يفهم منه عدم دخولهم الجنة؛ فإنه إنما يدل عليه بالمفهوم، وقولُه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ يدل على دخولهم الجنة بعموم المنطوق، والمنطوق مقدم على المفهوم، كما تقرر في الأصول. ولا يخفى أنَّا إذا أردنا تحقيق هذا المفهوم المدَّعى، وجدناه معدومًا من أصله؛ للاجماع على أن قسمة المفهوم ثنائية: إما أن يكون مفهوم موافقة، أو مخالفة، ولا ثالث. ولا يَدْخُل هذا المفهوم المدَّعى في شيء من أقسام المفهومَيْن. أما عدم دخوله في مفهوم الموافقة بقسميه، فواضح. وأما عدم دخوله في شيء من أنواع مفهوم المخالفة؛ فلأن عدم

стр. 282

دخوله في مفهوم الحصر أو العلة أو الغاية أو العدد أو الصفة أو الظرف واضحٌ. فلم يبق من أنواع مفهوم المخالفة يتوهم دخوله فيه إلا مفهوم الشرط أو اللقب، وليس داخلًا في واحد منهما؛ فظهر عدم دخوله فيه أصلًا. أما وجه توهم دخوله في مفهوم الشرط؛ فلأن قوله: ﴿يَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ فعل مضارع مجزوم بكونه جزاء الطلب، وجمهور علماء العربية على أن الفعل إذا كان كذلك فهو مجزوم بشرط مقدر لا بالجملة قبله، كما قيل به. وعلى الصحيح -الذي هو مذهب الجمهور- فتقرير المعنى: أجيبوا داعي اللَّه وآمنوا به، إن تفعلوا ذلك يغفر لكم. فيتوهم في الآية مفهوم هذا الشرط المقدر. والجواب عن هذا: أن مفهوم الشرط عند القائل به، إنما هو في فعل الشرط لا في جزائه، وهو معتبر هنا في فعل الشرط على عادته، فمفهوم: إن تجيبوا داعي اللَّه وتؤمنوا به يغفر لكم، أنهم إن لم يجيبوا داعي اللَّه ولم يؤمنوا به لم يغفر لهم. وهو كذلك. أما جزاء الشرط فلا مفهوم له؛ لاحتمال أن تترتب على الشرط الواحد مشروطات كثيرة، فيذكر بعضها جزاء له، فلا يدل على نفي غيره. كما لو قلت لشخص -مثلًا-: إن تسرق يجب عليك غرم ما سرقت. فهذا الكلام حق ولا يدل على نفي غير الغرم كالقطع؛ لأن قطع اليد مرتب -أيضًا- على السرقة كالغرم.

стр. 283

فكذلك الغفران والإجارة من العذاب ودخول الجنة كلها مرتبة على إجابة داعي اللَّه والإيمان به، فذكر في الآية بعضها وسكت فيها عن بعض، ثم بيّن في موضع آخر. وهذا لا إشكال فيه. وأما وجه توهم دخوله في مفهوم اللقب؛ فلأن اللقب في اصطلاح الأصوليين هو: ما لم يمكن انتظام الكلام العربي دونه، أعني المسند إليه، سواء كان لقبًا أو كنية أو اسمًا أو اسم جنس أو غير ذلك. وقد أوضحنا اللقب غايةً في المائدة. والجواب عن عدم دخوله في مفهوم اللقب: أن الغفران والإجارة من العذاب، المدَّعى بالفرض أنهما لقبان لجنس مصدريهما، وأن تخصيصهما بالذِّكْر يدل على نفي غيرهما في الآية = مسندان لا مسند إليهما؛ بدليل أن المصدر فيهما كامن في الفعل، ولا يسند إلى الفعل إجماعًا ما لم يرد مجرد لفظه على سبيل الحكاية. ومفهوم اللقب عند القائل به إنما هو فيما إذا كان اللقب مسندًا إليه؛ لأن تخصيصه بالذكر عند القائل به يدل على اختصاص الحكم به دون غيره، وإلا لما كان للتخصيص بالذكر فائدة، كما عللوا به مفهوم الصفة. وأجيب من جهة الجمهور بأن اللقب ذُكِرَ لِيُمْكِنَ الحكمُ لا لتخصيصه بالحكم، إذ لا يمكن الإسناد بدون مسند إليه. ومما يوضح ذلك: أن مفهوم الصفة الذي حمل عليه اللقب عند

стр. 284

القائل به، إنما هو فيم المسند إليه لا في المسند؛ لأن المسند إليه هو الذي تراعى أفراده وصفاتها، فيقصد بعضها بالذكر دون بعض، فيختص الحكم بالمذكور. أما المسند فإنه لا يراعى فيه شيء من الأفراد ولا الأوصاف أصلًا، وإنما يراعى فيه مجرد الماهية التي هي الحقيقة الذهنية. فلو حكمت -مثلًا- على الإنسان بأنه حيوان، فإن المسند إليه -الذي هو الإنسان في هذا المثال- يقصد به جميع أفراده؛ لأن كل فرد منها حيوان، بخلاف المسند -الذي هو الحيوان في هذا المثال- فلا يقصد به إلا مطلق ماهيته وحقيقته الذهنية من غير مراعاة الأفراد؛ لأنه لو روعيت أفراده لاستلزم الحكم على الإنسان بأنه فرد آخر من أفراد الحيوان، كالفرس مثلًا. والحكم بالمباين على المباين باطلٌ إذا كان إيجابيًّا باتفاق العقلاء. وعامة النظار على أن موضوع القضية إذا كانت غير طبيعية يراعى فيه ما يصدق عليه عنوانها من الأفراد، باعتبار الوجود الخارجي إن كانت خارجية، أو الذهني إن كانت حقيقية. وأما المحمول من حيث هو، فلا تراعى فيه الأفراد البتة، وإنما يراعى فيه مطلق الماهية. ولو سلمنا تسليمًا جدليًا أن مثل هذه الآية يدخل في مفهوم اللقب، فجماهير العلماء على أن مفهوم اللقب لا عبرة به، وربما

стр. 285

كان اعتباره كفرًا؛ كما لو اعتبر معتبرٌ مفهوم اللقب في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح/ ٢٩] فقال: يفهم من مفهوم لقبه أن غير محمد ﷺ لم يكن رسول اللَّه. فهذا كفر بإجماع المسلمين. فالتحقيق: أن اعتبار مفهوم اللقب لا دليل عليه شرعًا ولا لغة ولا عقلًا، سواءً كان اسم جنس أو اسم عين أو اسم جمع، أو غير ذلك. فقولك: جاء زيد، لا يفهم منه عدم مجيء عمرو. وقولك: رأيت أسدًا، لا يفهم منه عدم رؤيتك غير الأسد. والقول بالفرق بين اسم الجنس فيعتبر، واسم العين فلا يعتبر، لا يظهر. فلا عبرة بقول الصيرفي وأبي بكر الدقاق وغيرهما من الشافعية، ولا بقول ابن خويز منداد وابن القصار من المالكية، ولا بقول بعض الحنابلة، باعتبار مفهوم اللقب؛ لأنه لا دليل على اعتباره عند القائل به، إلا أنه يقول: لو لم يكن اللقب مختصًا بالحكم لما كان لتخصيصه بالذكر فائدة، كما علل به مفهوم الصفة = لأن الجمهور يقولون: ذُكِرَ اللقبُ ليسنَد إليه. وهو واضح لا إشكال فيه. وأشار صاحب "مراقي السعود" إلى تعريف اللقب بالاصطلاح الأصولي، وأنه أضعف المفاهيم، بقوله: أضعفها اللقب وهو ما أُبِي ... مِنْ دونه نظمُ الكلام العربي وحاصل فقه هذه المسألة:

стр. 286

* أن الجن مكلفون على لسان نبينا محمد ﷺ بدلالة الكتاب والسنة وإجماع المسلمين. * وأن كافرهم في النار بإجماع المسلمين، وهو صريح قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ [السجدة/ ١٣]، وقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤)﴾ [الشعراء/ ٩٤ - ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف/ ٣٨]، إلى غير ذلك من الآيات. * وأن مؤمنيهم اختلف في دخولهم الجنة، ومنشأ الخلاف: الاختلاف في فهم الآيتين المذكورتين، والظاهر دخولهم الجنة كما بينَّا. والعلم عند اللَّه تعالى.

стр. 287

سورة القتال قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد/ ١٥]. هذه الآية الكريمة تدل على تعدد الأنهار مع تعدد أنواعها. وقد جاءت آية أخرى يوهم ظاهرها أنه نهر واحد، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ [القمر/ ٥٤]. وقد تقدم الجمع واضحًا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ الآية، وبينا أن قوله: ﴿وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ يعني: وأنهار.

стр. 288

سورة الفتح قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ الآية [الفتح/ ١ - ٢]. لا يخفى ما يسبق إلى الذهن من تنافي هذه العلة ومعلولها؛ لأن فتح اللَّه لنبيه لا يظهر كونه علة لغفرانه له. والجواب عن هذا من وجهين: الأول -وهو اختيار ابن جرير، لدلالة الكتاب والسنة عليه (١) -: أن المعنى: إن فتح اللَّه لنبيه ﷺ يدل بدلالة الالتزام على شكر النبي لنعمة الفتح، فيغفر اللَّه له ما تقدم وما تأخر بسبب شكره بأنواع العبادة على تلك النعمة، فكأن شكر النبي ﷺ لازم لنعمة الفتح، والغفران مرتب على ذلك اللازم. وأما دلالة الكتاب على هذا: ففي قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر/ ١ - ٣]. فصح في هذه السورة الكريمة بأن تسبيحه بحمد ربه واستغفاره لربه -شكرًا على نعمة الفتح- سبب لغفران ذنوبه، لأنه رَتَّبَ تسبيحه بحمده واستغفاره بالفاء على مجيء الفتح والنصر ترتيبَ المعلول

стр. 289

على علته، ثم بين أن ذلك الشكر سبب الغفران بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾. وأما دلالة السنة: ففي قوله ﷺ لما قال له بعض أصحابه: لا تجهد نفسك بالعمل، فإن اللَّه كفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر-: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ ! "، فبيَّن ﷺ أن اجتهاده في العمل لشكر تلك النعمة. وترتُّبُ الغفران على الاجتهاد في العمل لا خفاء به. الوجه الثاني: أن قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ يفهم منه بدلالة الالتزام الجهاد في سبيل اللَّه؛ لأنه السبب الأعظم في الفتح، والجهاد سبب لغفران الذنوب. فيكون المعنى: ليغفر لك اللَّه بسبب جهادك المفهومِ من ذكر الفتح. والعلم عند اللَّه تعالى.

стр. 290

سورة الحجرات قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات/ ١٣]. هذه الآية الكريمة تدل على أن خلق الناس ابتداؤه من ذكر وأنثى. وقد دلت آيات أخر على خلقهم من غير ذلك، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [غافر/ ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج/ ٥]. والجواب واضح، وهو أن التراب هو الطور الأول، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ [نوح/ ١٤]. وقد بين اللَّه أطوار خلق الإنسان من مبدئه إلى منتهاه بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ [المؤمنون/ ١٢ - ١٣] إلى آخره.

стр. 291

سورة ق قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ [ق/ ٤٥]. هذه الآية تدل على خصوص التذكير بالقرآن بمن يخاف وعيد اللَّه. وقد جاءت آيات أخر تدل على عمومه، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ [الغاشية/ ٢١] وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾ [طه/ ١١٣]. والجواب: أن التذكير بالقرآن عام، إلا أنه لما كان المنتفع به هو من يخاف وعيد اللَّه، صار كأنه مختص به، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات/ ٥٥]، كما تقدم نظيره مرارًا.

стр. 292

سورة الذاريات قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ [الذاريات/ ٢٤]. لا يخفى ما بين هذا النعت ومنعوته من التنافي في الظاهر؛ لأن النعت صيغة جمع والمنعوت لفظ مفرد. والجواب: أن لفظة "الضيف" تطلق على الواحد والجمع؛ لأن أصلها مصدر ضَافَ، فنقلت من المصدرية إلى الاسمية، كما تقدم في سورة البقرة.

стр. 293

سورة الطور قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور/ ٢١]. هذه الآية تقتضي عموم رهن كل إنسان بعمله، ولو كان من أصحاب اليمين، نظرًا للشمول المدلول عليه بلفظة: "كل". وقد جاءت آية أخرى تدل على عدم شمولها لأصحاب اليمين، وهي قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ [المدثر/ ٣٨ - ٣٩]. والجواب ظاهر، وهو أن آية الطور هذه تخصصها آية المدثر.

стр. 294

سورة النجم قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم/ ٤ - ٣]. هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن النبي ﷺ لا يجتهد في شيء. وقد جاءت آيات أخر تدل على أنه ﷺ ربما اجتهد في بعض الأمور، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة/ ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾ الآية [الأنفال/ ٦٧]. والجواب من هذا من وجهين: الأول -وهو الذي اقتصر عليه ابن جرير، وصَدَّرَ به ابن الحاجب في "مختصره" الأصولي-: أن معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم/ ٣] أي في كل ما يبلغه عن اللَّه، ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي كل ما يبلغه عن اللَّه ﴿إِلَّا وَحْيٌ﴾ من اللَّه؛ لأنه لا يقول على اللَّه شيئًا إلا بوحي منه. فالآية رد على الكفار حيث قالوا: إن النبي ﷺ افترى هذا القرآن. كما قال ابن الحاجب. الوجه الثاني: أنه إن اجتهد فانه إنما يجتهد بوحي من اللَّه يأذن له به في ذلك الاجتهاد، وعليه فاجتهاده بوحي، فلا منافاة.

стр. 295

ويدل لهذا الوجه: أن اجتهاده في الإذن للمتخلفين عن غزوة تبوك أذن اللَّه له فيه حيث قال: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور/ ٦٢]، فلما أذن للمنافقين عاتبه بقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة/ ٤٣]، فالاجتهاد في الحقيقة إنما هو الإذن قبل التبيُّن، لا في مطلق الإذن، للنص عليه. ومسألة اجتهاد النبي ﷺ وعدمه من مسائل الخلاف المشهورة عند علماء الأصول، وسبب اختلافهم هو تعارض هذه الآيات في ظاهر الأمر. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: الذي يظهر أن التحقيق في هذه المسألة: أنه ﷺ ربما فعل بعض المسائل من غير وحي في خصوصه، كإذنه للمتخلفين عن غزوة تبوك قبل أن يتبين صادقهم من كاذبهم، وكأسره لأسارى بدر، وكأمره بترك تأبير النخل، وكقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت. . . " الحديث، إلى غير ذلك. وأن معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ لا إشكال فيه؛ لأن النبي ﷺ لا ينطق بشيء من أجل الهوى ولا يتكلم بالهوى. وقولُه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ يعني أن كل ما يبلغه عن اللَّه فهو وحي من اللَّه لا بهوى ولا بكذب ولا افتراء. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم/ ٣٩].

стр. 296

هذه الآية الكريمة تدل على أنه لا ينتفع أحد بعمل غيره. وقد جاءت آية أخرى تدل على أن بعض الناس ربما انتفع بعمل غيره، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ الآية [الطور/ ٢١]، فرفع درجات الأولاد -سواء قلنا: إنهم الكبار أو الصغار- نفع حاصل لهم، وإنما حصل لهم بعمل آبائهم لا بعمل أنفسهم. اعلم أولًا: أن ما روي عن ابن عباس من أن هذا كان شرعًا لمن قبلنا، فنسخ في شرعنا = غيرُ صحيح، بل آية: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ محكمة. كما أن القول بأن المراد بالإنسان خصوص الكافر غير صحيح أيضًا. والجواب من ثلاثة أوجه: الأول؛ أن الآية إنما دلت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه، ولم تدل على نفي انتفاعه بسعي غيره، لأنه لم يقل: وأن لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى. وإنما قال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ﴾، وبين الأمرين فرق ظاهر؛ لأن سعي الغير ملكٌ لساعيه إن شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير، وإن شاء أبقاه لنفسه. وقد أجمع العلماء على انتفاع الميت بالصلاة عليه والدعاء له والحج عنه، ونحو ذلك مما ثبت الانتفاع بعمل الغير فيه. الثاني: أن إيمان الذرية هو السبب الأكبر في رفع درجاتهم، إذ لو كانوا كفارًا لما حصل لهم ذلك، فإيمان العبد وطاعته سعي منه في

стр. 297

انتفاعه بعمل غيره من المسلمين، كما وقع في الصلاة في الجماعة، فإن صلاة بعضهم مع بعض يتضاعف بها الأجر زيادة على صلاته منفردًا، وتلك المضاعفة انتفاع بعمل الغير سعى فيه المصلي بإيمانه وصلاته في الجماعة. وهذا الوجه يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾. الثالث: أن السعي الذي حصل به رفع درجات الأولاد ليس للأولاد، كما هو نص قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾، ولكنه من سعي الآباء، فهو سعي للآباء أقر اللَّه عيونهم بسببه بأنْ رفع إليهم أولادهم ليتمتعوا في الجنة برؤيتهم. فالآية تصدق الأخرى ولا تنافيها؛ لأن المقصود بالرفع إكرام الآباء لا الأولاد، فانتفاع الأولاد تبع، فهو بالنسبة إليهم تفضُّلٌ من اللَّه عليهم بما ليس لهم، كما تفضل بذلك على الولدان والحور العين والخلق الذي يُنْشِئهم للجنة. والعلم عند اللَّه تعالى.

стр. 298

سورة القمر قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ [القمر/ ٢٩]. يدل على أن عاقر الناقة واحد. وقد جاءت آيات أخر تدل على كونه غير واحد، كقوله: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ الآية [الأعراف/ ٧٧]، وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس/ ١٤]. والجواب من وجهين: الأول: أنهم تمالئوا كلهم على عَقْرِها، فانبعث أشقاهم لمباشرة الفعل، فأسند العقر إليهم؛ لأنه برضاهم وممالأتهم. الوجه الثاني: هو ما قدمنا في سورة الأنفال مِنْ إسنادِ الفعل إلى المجموع مرادًا به بعضه، وذكرنا في الأنفال نظائره في القرآن العظيم. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ [القمر/ ٥٤]. تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية [محمد/ ١٥].

стр. 299

سورة الرحمن قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ [الرحمن/ ٣٥]. لا يخفى ما يسبق إلى الذهن من أن إرسال شواظ النار الذي هو لهبها، والنحاس الذي هو دخانها، أو النحاس المذاب، وعدم الانتصار = ليس في شيء منه إنعامٌ على الثقلين. وقوله لهم: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦)﴾ يفهم منه أنَّ إرسال الشواظ والنحاس وعدم الانتصار من آلاء اللَّه، أي نعمه على الجن والإنس. والجواب من وجهين: الأول: أن تكرير ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ للتوكيد. ولم يكرره متواليًا؛ لأن تكريره بعد كل آية أحسن من تكريره متواليًا. وإذا كان للتوكيد فلا إشكال؛ لأن المذكور منه بعد ما ليس من الآلاء مؤكدٌ للمذكور بعد ما هو من الآلاء. الوجه الثاني: أن ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ لم تذكر إلا بعد ذكر نعمة أو موعظة أو إنذار وتخويف، وكلها من آلاء اللَّه التي لا يكذب بها إلا كافر جاحد. أما في ذكر النعمة، فواضح. وأما في الموعظة، فلأن الوعظ تلين له القلوب فتخشع وتنيب،

стр. 300

فالسبب الموصل إلى ذلك من أعظم النعم، فظهر أن الوعظ من أكبر الآلاء. وأما في الإنذار والتخويف -كهذه الآية-، ففيه -أيضًا- أعظم نعمة على العبد؛ لأن إنذاره في دار الدنيا من أهوال يوم القيامة من أعظم نعم اللَّه عليه. ألا ترى أنه لو كان أمام إنسان مسافر مهلكة كبرى، وهو مشرف على الوقوع فيها من غير أن يعلم بها، فجاءه إنسان فأخبره بها وحذره عن الوقوع فيها، أن هذا يكون يدًا له عنده وإحسانًا يجازيه عليه جزاءً أكبر الإنعام؟ وهذا الوجه الأخير هو مقتضى الأصول؛ لأنه قد تقرر في علم الأصول: أن النص إذا احتمل التوكيد والتأسيس، فالأصل حمله على التأسيس لا على التوكيد؛ لأن في التأسيس زيادة معنى ليس في التوكيد. وعلى هذا القول، فتكرير ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إنما هو باعتبار أنواع النعم المذكورة قبلها من إنعام أو موعظة أو إنذار، وقد عرفت أن كلها من آلاء اللَّه. فالمذكورة بعد نعمة كالمذكورة بعد قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ﴾ الآية [الرحمن/ ٢٤]، وبعد قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ الآية [الرحمن/ ٢٢]؛ لأن السفن واللؤلؤ والمرجان من آلاء اللَّه كما هو ضروري.

стр. 301

والمذكورة بعد موعظة كالمذكورة بعد قوله: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ الآية [الرحمن/ ٣٧]. والمذكورة بعد إنذار أو تخويف كالمذكورة بعد قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ﴾ الآية [الرحمن/ ٣٥]. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن/ ٣٩]. تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر/ ٩٢ - ٩٣]، وقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [الأعراف/ ٦] في سورة الأعراف.

стр. 302

سورة الواقعة قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ [الواقعة/ ٧٥]. يقتضي أنه لم يُقْسِمْ بهذا القسم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ [الواقعة/ ٧٦] يدلُّ على خلاف ذلك. والجواب من وجهين: الأول: أن "لا" النافية يتعلَّق نفيها بكلام الكفار، فمعناها إذًا ليس الأمر كما يزعمه المُكذِّبون للرسول. وعليه، فقوله: ﴿أُقْسِمُ﴾ إثباتٌ مُؤْتَنف (١). الثاني: أن لفظة "لا" صلة، وقد وعدنا ببيان ذلك بشواهده في الجمع بين قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ [البلد/ ١] مع قوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين/ ٣].

стр. 303

سورة الحديد قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد/ ٤]. يدل على أنه تعالى مستوٍ على عرشه عالٍ على جميع خلقه. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ يوهم خلاف ذلك. والجواب: أنه تعالى مستو على عرشه كما قال، بلا كيف ولا تشبيه، استواء لائقًا بكماله وجلاله، وجميع الخلائق في يده أصغر من حبة خردل، فهو مع جميعهم بالإحاطة الكاملة والعلم التام ونفوذ القدرة علوًا كبيرًا، فلا منافاة بين علوه على عرشه ومعيته لجميع الخلائق. ألا ترى -وللَّه المثل الأعلى- أنَّ أحدنا لو جعل في يده حبة من خردل، أنه ليس داخلًا في شيء من أجزاء تلك الحبة، مع أنه محيط بجميع أجزائها، ومع جميع أجزائها؟ والسموات والأرض ومن فيهما في يده تعالى أصغر من حبة خردل في يد أحدنا, وله المثل الأعلى علوًا كبيرًا. فهو أقرب إلى الواحد منا من عنق راحلته، بل من حبل وريده، مع أنه مستوٍ على عرشه، لا يخفى عليه شيء من عمل خلقه، جل وعلا.

стр. 304

سورة المجادلة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة/ ٣]. لا يخفى أن ترتيبه تعالى الكفارة بالعتق على الظهار والعَوْدِ معًا يُفْهَمُ منه أن الكفارة لا تلزم إلا بالظهار والعَوْدِ معًا. وقولُه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ صريح في أن التكفير يلزم كونه قبل العَوْدِ إلى المسيس. اعلم أولًا: أن ما رجحه ابن حزم من قول داود -وحكاه ابن عبد البر عن بكير بن الأشج والفراء وفرقة من أهل الكلام، وقال به شعبة- من أن معنى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ هو عودهم إلى لفظ الظهار، فيكررونه مرة أخرى = قول باطل؛ بدليل أن النبي ﷺ لم يستفصل المرأة التي نزلت فيها آية الظهار، هل كرر زوجها صيغة الظهار أم لا؟ وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال، كما تقدم مرارًا. والتحقيق: أن الكفارة ومنع الجماع قبلها لا يشترط فيهما تكرير صيغة الظهار. وما زعمه البعض -أيضًا- من أن الكلام فيه تقديم وتأخير، وتقديره: والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، ثم يعودون لما قالوا سالمين من الإثم بسبب الكفارة = غير صحيح أيضًا؛ لما تقرر في الأصول من وجوب العمل على بقاء

стр. 305

الترتيب إلا لدليل، وإليه الإشارة بقول صاحب "مراقي السعود": كذاك ترتيب لإيجاب العمل ... بما له الرجحان مما يحتمل وسنذكر -إن شاء اللَّه- الجواب عن هذا الإشكال على مذاهب الأئمة الأربعة ﵃ وأرضاهم أجمعين، فنقول وباللَّه نستعين: معنى العَوْد عند مالك فيه قولان، تُؤُوِّلَتْ "المدونة" على كل واحد منهما، وكلاهما مرجَّح: الأول: أنه العزم على الجماع فقط. الثاني: أنه العزم على الجماع وإمساك الزوجة معًا. وعلى كلا القولين فلا إشكال في الآية؛ لأن المعنى حينئذ: والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعزمون على الجماع، أو عليه مع الإمساك، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا. فلا منافاة بين العزم على الجماع، أو عليه مع الإمساك، وبين الإعتاق قبل المسيس. وغاية ما يلزم على هذا القول حذف الإرادة، وهو واقع في القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة/ ٦] أي أردتم القيام إليها، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ أي: أردت قراءته ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية [النحل/ ٩٨]. ومعنى العَوْد عند الشافعي: أن يمسكها بعد المظاهرة زمانًا

стр. 306

يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق. وعليه فلا إشكال في الآية أيضًا؛ لأن إمساكه إياها الزمن المذكور لا ينافي التكفير قبل المسيس، كما هو واضح. ومعنى العَوْد عند أحمد: هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه. أما العزم فقد بينا أنه لا إشكال في الآية على القول به. وأما على القول بأنه الجماع، فالجواب: أنه إن ظاهر وجامع قبل التكفير يلزمه الكف عن المسيس مرة أخرى حتى يكفِّر، ولا يلزم من هذا جواز الجماع الأول قبل التكفير؛ لأن الآية على هذا القول إنما بينت حكم ما إذا وقع الجماع قبل التكفير، وأنه وجوب التكفير قبل مسيس آخر، أما الإقدام على المسيس الأول فحرمته معلومة من عموم قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. ومعنى العَوْد عند أبي حنيفة رحمه اللَّه تعالى: هو العزم على الوطء. وعليه فلا إشكال، كما تقدم. وما حكاه الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره عن مالك من أنه حُكِيَ عنه أن العَوْدَ الجماعُ، فهو خلاف المعروف من مذهبه. وكذلك ما حكاه عن أبي حنيفة من أن العَوْدَ هو العودُ إلى الظهار بعد تحريمه ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية، فهو خلاف المقرر في فروع الحنفية من أنه العزم على الوطء، كما ذكرنا.

стр. 307

وغالب ما قيل في معنى العَوْدِ راجع إلى ما ذكرنا من أقوال الأئمة ﵏. وقال بعض العلماء: المراد بالعَوْد: الرجوع إلى الاستمتاع بغير الجماع، والمراد بالمسيس في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ خصوص الجماع. وعليه فلا إشكال، ولكن لا يخفى عدم ظهور هذا القول. والتحقيق: عدم جواز الاستمتاع بوطء أو غيره قبل التكفير؛ لعموم قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. وأجاز بعضهم الاستمتاع بغير الوطء قائلًا: إن المراد بالمسيس في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ نفس الجماع لا مقدماته. وممن قال بذلك الحسن البصري والثوري. وروي عن الشافعي أحد القولين. وقال بعض العلماء: اللام في قوله: ﴿لِمَا قَالُوا﴾ بمعنى "في"، أي: يعودون فيما قالوا، بمعنى: يرجعون عنه، كقوله ﷺ : "الواهب العائد في هبته" الحديث. وقيل: اللام بمعنى "عن"، أي: يعودون عما قالوا، أي: يرجعون عنه. وهو قريب مما قبله. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: الذي يظهر -واللَّه تعالى أعلم- أن العَوْدَ له مبدأ ومنتهى، فمبدؤه العزم على الوطء، ومنتهاه الوطء

стр. 308

بالفعل. فمن عزم على الوطء فقد عاد بالنية، فتلزمه الكفارة لإباحة الوطء. ومن وطئ بالفعل تحتم في حقه اللزوم، وخالف بالإقدام على الوطء قبل التكفير. ويدل لهذا أنه ﷺ لما قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"، وقالوا: يا رسول اللَّه، قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه". فبيَّن أن العزم على الفعل عملٌ يؤاخذ به الإنسان. فإن قيل: ظاهر الآية المتبادر منها يوافق قول الظاهرية الذي قدمنا بطلانه؛ لأن الظاهر المتبادر من قوله: ﴿لِمَا قَالُوا﴾ أنه صيغة الظهار، فيكون العَوْدُ لها تكريرها مرة أخرى. فالجواب: أن المعنى: ﴿لِمَا قَالُوا﴾ أنه حرام عليهم، وهو الجماع. ويدل لذلك وجود نظيره في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم/ ٨٠] أي: ما يقول أنه يؤتاه من مال وولد في قوله: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ [مريم/ ٧٧]. وما ذكرنا من أن مَنْ جامع قبل التكفير يلزمه الكف عن المسيس مرة أخرى حتى يكفِّر = هو التحقيق، خلافًا لمن قال: تسقط الكفارة بالجماع قبل المسيس، كما روي عن الزهري وسعيد بن جبير وأبي يوسف، ولمن قال تلزم به كفارتان، كما روي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص وعبد الرحمن بن مهدي، ولمن قال: تلزم به ثلاث

стр. 309

كفارات، كما رواه سعيد بن منصور عن الحسن وإبراهيم. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة/ ١٢]. هذه الآية تدل على طلب تقديم الصدقة أمام المناجاة. وقوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [المجادلة/ ١٣] يدل على خلاف ذلك. والجواب ظاهر، وهو أن الأخير ناسخ للأول. والعلم عند اللَّه تعالى.

стр. 310

سورة الحشر قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية [الحشر/ ٧]. تقدم وجه الجمع بين الإطلاق الذي في هذه الآية، والتقييد الذي في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال/ ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة/ ١٢] = في سورة الأنفال.

стр. 311

سورة الممتحنة قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ الآية [الممتحنة/ ٨]. هذه الآية الكريمة تدل على أن الكافر إذا لم يقاتل المؤمن في الدين ولم يخرجه من داره لا يَحْرُمُ بِرُّه والإقساط إليه. وقد جاءت آية أخرى تدل على منع موالاة الكفار وموادتهم مطلقًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة/ ٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ [الممتحنة/ ٩]، وقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [المجادلة/ ٢٢]. والجواب: هو أن من يقول بنسخ هذه الآية فلا إشكال فيها على قوله. وعلى القول بأنها محكمة، فوجه الجمع مفهوم منها؛ لأن الكافر الذي لم يُنْهَ عن بره والإقساط إليه مشروط فيه عدم القتال في الدين، وعدم إخراج المؤمنين من ديارهم، والكافر المنهي عن ذلك فيه هو المقاتل في الدين المخرج للمؤمنين من ديارهم، المظاهر للعدو على إخراجهم. والعلم عند اللَّه تعالى.

стр. 312

سورة الصف قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الصف/ ٥]. هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن الخارج عن طاعة اللَّه لا يهديه اللَّه. وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ الآية [الأنفال/ ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء/ ٩٤]. والجواب: أن الآية من العام المخصوص، فهي في خصوص الأشقياء الذين أزاغ اللَّه قلوبهم عن الهدى لشقاوتهم الأزلية. وقيل: المعنى: لا يهديهم ما داموا على فسقهم، فإن تابوا منه هداهم.

стр. 313

سورة الجمعة قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ [الجمعة/ ٥] فيه الإشكال (١). والجواب مثل ما ذكرنا آنفًا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الصف/ ٥]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ الآية [الجمعة/ ١١]. لا يخفى أن أصل مرجع الضمير هو الأحد الدائر بين التجارة واللهو؛ لدلالة لفظة: "أو" على ذلك، ولكن هذا الضمير راجع إلى التجارة وحدها دون اللهو، فبينه وبين مفسّره بعض منافاةٍ في الجملة. والجواب: أن التجارة أهم من اللهو، وأقوى سببًا في الانفضاض عن النبي ﷺ ؛ لأنهم انفضوا عنه من أجل العير. واللهو كان من أجل قدومها. مع أن اللغة العربية يجوز فيها رجوع الضمير لأحد المذكورين قبله: أما في العطف بـ "أو" فواضح؛ لأن الضمير في الحقيقة راجع إلى الأحد الدائر الذي هو واحد لا بعينه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ الآية [النساء/ ١١٢].

стр. 314

وأما الواو فهو فيها كثير؛ ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية [البقرة/ ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ الآية [التوبة/ ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ الآية [الأنفال/ ٢٠]. ونظيره من كلام العرب قول نابغة ذبيان: وقد أراني ونُعْمًا لاهيَيْن بها ... والدهرُ والعيشُ لم يَهْمُمْ بإمرارِ

стр. 315

سورة المنافقون قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ الآية [المنافقون/ ١]. هذا الذي شهدوا عليه حق؛ لأنَّ رسالة نبينا ﷺ حق لا شك فيها. وقد كذبهم اللَّه بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، مع أن قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون/ ١] كأنه تصديق لهم. والجواب: أن تكذيبه تعالى لهم منصبٌّ على إسنادهم الشهادة إلى أنفسهم في قولهم: ﴿نَشْهَدُ﴾، وهم في باطن الأمر لا يشهدون برسالته، بل يعتقدون عدمها، أو يشكون فيه، كما يدل للأول قوله تعالى عنهم: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ [البقرة/ ١٣]، ويدل للثاني قوله تعالى: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ [التوبة/ ٤٥]. قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية [المنافقون/ ٦]. ظاهر هذه الآية الكريمة أنه لا يغفر للمنافقين مطلقًا. وقد جاءت آية توهم الطمع في غفرانه لهم إذا استغفر لهم رسوله ﷺ سبعين مرة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة/ ٨٠].

стр. 316

والجواب: أن هذه الآية (١) هي الأخيرة، بينت أنه لا يغفر لهم على كل حال؛ لأنهم كفار في الباطن.

стр. 317

سورة التغابن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن/ ١٦]. تقدم رفع الإشكال بينه وبين قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران/ ١٠٢] في سورة آل عمران.

стр. 318

سورة الطلاق قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الآية [الطلاق/ ١] ظاهرٌ في خصوص الخطاب به ﷺ . وقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية يقتضي خلاف ذلك. والجواب هو ما تقدم محررًا في سورة الروم من أن الخطاب الخاص بالنبي ﷺ حكمه عام لجميع الأمة. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾ [الطلاق/ ١١]. أفرد الضمير في هذه الآية في قوله: ﴿يُؤْمِنْ﴾ وقوله: ﴿وَيَعْمَلْ﴾ وقوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ وقوله: ﴿لَهُ﴾، وجمع في قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾. والجواب: أن الإفراد باعتبار لفظ "من"، والجمع باعتبار معناه، وهو كثير في القرآن. وفي هذه الآية الكريمة رد على من زعم أن مراعاة المعنى لا تجوز بعدها مراعاة اللفظ؛ لأنه في هذه الآية راعى المعنى في قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾، ثم راعى اللفظ في قوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾.

стр. 319

سورة التحريم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [التحريم/ ١] مع قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم/ ٢] يجري فيه من الإشكال (١). والجواب ما تقدم في سورة الطلاق. قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم/ ١٢]. لا يخفى ما يسبق إلى الذهن من أن المرأة ليست من الرجال، وهو تعالى لم يقل: من القانتات. والجواب هو: إطباق أهل اللسان العربي على تغليب الذكر على الأنثى في الجمع، فلما أراد أن يبين أن مريم من عباد اللَّه القانتين وكان منهم ذكور وإناث = غلَّب الذكور، كما هو الواجب في اللغة العربية، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ [يوسف/ ٢٩]، وقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ [النمل/ ٤٣].

стр. 320

سورة الملك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك/ ١٠]. ظاهر هذه الآية الكريم يدل على أنهم ما كانوا يسمعون في الدنيا ولا يعقلون. وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا﴾ [الأحقاف/ ٢٦]، وقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)﴾ [العنكبوت/ ٣٨]. وقد قدمنا الجواب عن هذا محررًا في الكلام على قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾، وعلى قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ الآية [البقرة/ ١٧٠].
следующие страницы →