← Тафсир

Тафсир · id 281

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (383 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

والجواب: أن هذه الآية (١) هي الأخيرة، بينت أنه لا يغفر لهم على كل حال؛ لأنهم كفار في الباطن.

стр. 317

سورة التغابن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن/ ١٦]. تقدم رفع الإشكال بينه وبين قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران/ ١٠٢] في سورة آل عمران.

стр. 318

سورة الطلاق قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الآية [الطلاق/ ١] ظاهرٌ في خصوص الخطاب به ﷺ . وقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية يقتضي خلاف ذلك. والجواب هو ما تقدم محررًا في سورة الروم من أن الخطاب الخاص بالنبي ﷺ حكمه عام لجميع الأمة. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾ [الطلاق/ ١١]. أفرد الضمير في هذه الآية في قوله: ﴿يُؤْمِنْ﴾ وقوله: ﴿وَيَعْمَلْ﴾ وقوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ وقوله: ﴿لَهُ﴾، وجمع في قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾. والجواب: أن الإفراد باعتبار لفظ "من"، والجمع باعتبار معناه، وهو كثير في القرآن. وفي هذه الآية الكريمة رد على من زعم أن مراعاة المعنى لا تجوز بعدها مراعاة اللفظ؛ لأنه في هذه الآية راعى المعنى في قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾، ثم راعى اللفظ في قوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾.

стр. 319

سورة التحريم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [التحريم/ ١] مع قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم/ ٢] يجري فيه من الإشكال (١). والجواب ما تقدم في سورة الطلاق. قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم/ ١٢]. لا يخفى ما يسبق إلى الذهن من أن المرأة ليست من الرجال، وهو تعالى لم يقل: من القانتات. والجواب هو: إطباق أهل اللسان العربي على تغليب الذكر على الأنثى في الجمع، فلما أراد أن يبين أن مريم من عباد اللَّه القانتين وكان منهم ذكور وإناث = غلَّب الذكور، كما هو الواجب في اللغة العربية، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ [يوسف/ ٢٩]، وقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ [النمل/ ٤٣].

стр. 320

سورة الملك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك/ ١٠]. ظاهر هذه الآية الكريم يدل على أنهم ما كانوا يسمعون في الدنيا ولا يعقلون. وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا﴾ [الأحقاف/ ٢٦]، وقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)﴾ [العنكبوت/ ٣٨]. وقد قدمنا الجواب عن هذا محررًا في الكلام على قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾، وعلى قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ الآية [البقرة/ ١٧٠].

стр. 321

سورة القلم قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ الآية [القلم/ ٤٩]. تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ الآية [الصافات/ ١٤٥].

стр. 322

سورة الحاقة قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة/ ٢٠]. تقدم رفع الإشكال بينه وبين الآيات الدالة على أن الظن لا يكفي، كقوله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس/ ٣٦] في الكلام على قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة/ ٤٦] في سورة البقرة. قوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾ [الحاقة/ ٣٦]. ظاهر هذا الحصر أنه لا طعام لأهل النار إلا الغسلين، وهو ما يسيل من صديد أهل النار على أصح التفسيرات، كأنه "فِعْلِين" من الغسل؛ لأن الصديد كأنه غسالة قروح أهل النار، أعاذنا اللَّه والمسلمين منها. وقد جاءت آية أخرى تدل على حصر طعامهم في غير الغسلين، وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾ [الغاشية/ ٦]، وهو الشبرق اليابس على أصح التفسيرات، ويدل لهذا قول أبي ذؤيب: رعى الشّبْرِقَ الريان حتى إذا ذوى ... وصار ضريعًا بان عنه النحائصُ وللعلماء عن هذا أجوبة كثيرة، أحسنها عندي اثنان منها، ولذلك اقتصرت عليهما. الأول: أن العذاب ألوان، والمعذبون طبقات، فمنهم من لا طعام له إلا من غسلين، ومنهم من لا طعام له إلا من ضريع، ومنهم

стр. 323

من لا طعام له إلا الزقوم. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر/ ٤٤]. الثاني: أن المعنى في جميع الآيات: أنهم لا طعام لهم أصلًا؛ لأن الضريع لا يصدق عليه اسم الطعام، ولا تأكله البهائم، فأحرى الآدميون. وكذلك الغسلين ليس من الطعام، فمَنْ طعامُه الضريع لا طعام له، ومَنْ طعامُه الغسلين كذلك. ومنه قولهم: فلان لا ظل له إلا الشمس، ولا دابة له إلا دابة ثوبه، يعنون القمل. ومرادهم: لا ظل له أصلًا، ولا دابة له أصلًا. وعليه فلا إشكال. والعلم عند اللَّه تعالى.

стр. 324

سورة سأل سائل قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج/ ٤]. تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة/ ٥]، وقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ [الحج/ ٤٧] في سورة الحج. وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج/ ٣٠] تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء/ ٢٣] في سورة النساء.

стр. 325

سورة نوح قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ [نوح/ ٢٧]. هذه الآية الكريم تدل على أن نوحًا -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- عالم بما يصير إليه الأولاد من الفجور والكفر قبل ولادتهم. وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الغيب لا يعلمه إلا اللَّه، كقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل/ ٦٥]، وكقول نوح نفسه فيما ذكره اللَّه عنه في سورة هود: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ الآية [هود/ ٣١]. والجواب عن هذا ظاهر، وهو أنه علم بوحي من اللَّه أن قومه لا يؤمن منهم أحد إلا من آمن، كما بينه بقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ الآية [هود/ ٣٦].

стр. 326

سورة الجن قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن/ ١٥] لا يعارض قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة/ ٨]؛ لأن القاسط هو الجائر، والمقسط هو العادل، فهما ضدان. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ﴾ الآية [الجن/ ٢٣]. أفرد الضمير في قوله: ﴿لَهُ﴾، وجمع في قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾. والجواب هو ما تقدم من أن الإفراد باعتبار لفظ: "من"، والجمع باعتبار معناها، وهو ظاهر.

стр. 327

سورة المزمل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل/ ١ - ٢]، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ إلى قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ الآية [المزمل/ ٢٠] يدل على وجوب قيام الليل على الأمة؛ لأن أمر القدوة أمر لأتباعه. وقوله: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ دليل على عدم الخصوص به ﷺ . وقد ذكر اللَّه ما يدل على خلاف ذلك في قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، وقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل/ ٢٠]. والجواب ظاهر، وهو: أن الأخير ناسخ للأول، ثم نُسِخَ الأخير -أيضًا- بالصلوات الخمس. قوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ [المزمل/ ١٤] لا يعارض قوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [القارعة/ ٥]؛ لأن قوله: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ تشبيه بليغ، والجبال بعد طحنها المنصوص عليه بقوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ [الواقعة/ ٥] تشبه الرمل المتهايل، وتشبه أيضًا الصوف المنفوش.

стр. 328

سورة المدثر قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ الآية [المدثر/ ٣٨]. تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ الآية [الطور/ ٢١].

стр. 329

سورة القيامة قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة/ ١] لا يعارض إقسامه به في قوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢)﴾ [البروج/ ٢]. والجواب من وجهين: أحدهما: أن "لا" نافية لكلام الكفار. الثاني: أنها صلة كما تقدم، وسيأتي له زيادة إيضاح إن شاء اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة/ ٢٢ - ٢٣]. تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام/ ١٠٣].

стр. 330

سورة الإنسان قوله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان/ ٢١] لا يعارضه قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ الآية [الكهف/ ٣١]. ووجه الجمع ظاهر، وهو أنهما جنتان أوانيهما وجميع ما فيهما من فضة، وأخريان أوانيهما وجميع ما فيهما من ذهب. والعلم عند اللَّه تعالى.

стр. 331

سورة المرسلات قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات/ ٣٥ - ٣٦]. هذه الآية الكريمة تدل على أن أهل النار لا ينطقون ولا يعتذرون. وقد جاءت آيات تدل على أنهم ينطقون ويعتذرون، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام/ ٢٣]، وقوله: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل/ ٢٨]، وقوله: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر/ ٧٤]، وقوله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩)﴾ [الشعراء/ ٩٧ - ٩٩]، وقوله: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف/ ٣٨]، إلى غير ذلك من الآيات. والجواب عن هذا من أوجه: الأول: أن القيامة مواطن، ففي بعضها ينطقون وفي بعضها لا ينطقون. الثاني: أنهم لا ينطقون بما لهم فيه فائدة. وما لا فائدة فيه كالعدم. الثالث: أنهم بعد أن يقول اللَّه لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ [المؤمنون/ ١٠٨] ينقطع نطقهم، ولم يبق إلا الزفير والشهيق. قال

стр. 332

تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾ [النمل/ ٨٥]. وهذا الوجه الثالث راجع للوجه الأول.

стр. 333

سورة النبأ قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ/ ٢٣]. تقدم وجه الجمع بينه هو والآيات المشابهة له، كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود/ ١٠٧]، مع الآيات المقتضية لدوام عذاب أهل النار بلا انقطاع، كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الأنعام/ ١٢٨]، فقد بينا هناك أن العذاب لا ينقطع عنهم، وبينا وجه الاستثناء بالمشيئة. وأما وجه الجمع بين الأحقاب المذكورة هنا مع الدوام الأبدي الذي قدمنا الآيات الدالة عليه، فمن ثلاثة أوجه: الأول -وهو الذي مال إليه ابن جرير، وهو الأظهر عندي؛ لدلالة ظاهر القرآن عليه- هو: أن قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ متعلق بما بعده؛ أي: لابثين فيها أحقابًا في حال كونهم ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾، فإذا انقضت تلك الأحقاب عذبوا بأنواع أخر من أنواع العذاب غير الحميم والغساق. ويدل لهذا تصريحه تعالى بأنهم يعذبون بأنواع أخر من أنواع العذاب غير الحميم والغساق في قوله: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ [ص/ ٥٧ - ٥٨]. وغاية ما يلزم على هذا القول تداخل الحال، وهو جائز حتى عند من منع ترادف الحال كابن عصفور ومن وافقه.

стр. 334

وإيضاحه: أن جملة: ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾ حال من ضمير اسم الفاعل المستكن، ونعني باسم الفاعل قوله: ﴿لَابِثِينَ﴾ الذي هو حال. ونظيره من إتيان جملة فعل مضارع منفي بـ "لا" حالًا في القرآن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل/ ٧٨] أي: في حال كونكم لا تعلمون. الثاني: أن هذه الأحقاب لا تنقضي أبدًا. رواه ابن جرير عن قتادة والربيع بن أنس، وقال: إنه أصح مِنْ جعلِ الآية في عصاة المسلمين، كما ذهب إليه خالد بن معدان. الثالث: أنا لو سلمنا دلالة قوله: ﴿أَحْقَابًا (٢٣)﴾ على التناهي والانقضاء، فإن ذلك إنما فُهِمَ من مفهوم الظرف، والتأبيد مُصَرَّحٌ به منطوقًا، والمنطوق مقدم على المفهوم، كما تقرر في الأصول. وقول خالد بن معدان: إن هذه الآية في عصاة المسلمين يرده ظاهر القرآن؛ لأن اللَّه قال: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨)﴾ وهؤلاء الكفار.

стр. 335

سورة النازعات قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات/ ٣٠]. تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت/ ٩ - ١١]، في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ [النازعات/ ٤٥]. تقدم وجه الجمع بينه وبين الآيات الدالة على عموم الإنذار، كقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان/ ١] في سورة يس وغيرها.

стр. 336

سورة عبس قوله تعالى: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ [عبس/ ٢]. عبر اللَّه تعالى عن هذا الصحابي الجليل -الذي هو عبد اللَّه بن أم مكتوم- بلقب يكرهه الناس، مع أنه قال: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات/ ١١]. والجواب: هو ما نبه عليه بعض العلماء، من أن السر في التعبير عنه بلفظ "الأعمى" الإشعارُ بعذره في الإقدام على قطع كلام الرسول ﷺ ؛ لأنه لو كان يرى ما هو مشتغل به مع صناديد الكفار لما قطع كلامه.

стр. 337

سورة التكوير قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾ [التكوير/ ١٩]. ظاهر هذه الآية يتوهم منه الجاهل أن القرآن كلام جبريل. مع أن الآيات القرآنية مصرحة بكثرة بأنه كلام اللَّه، كقوله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة/ ٦]، وكقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود/ ١]. والجواب واضح من نفس الآية؛ لأن الإيهام الحاصل من قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ﴾ يدفعه ذكر الرسول؛ لأنه يدل على أن الكلام لغيره، لكنه أُرْسِلَ بتبليغه، فمعنى قوله: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ أي: تبليغه عمن أرسله من غير زيادة ولا نقص.

стр. 338

سورة الانفطار قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ [الانفطار/ ٥]. هذه الآية الكريمة يوهم ظاهرها أن الذي يَعْلَمُ يوم القيامة ما قَدَّمَ وما أَخَّر نفسٌ واحدة. وقد جاءت آيات أخر تدل على أن كل نفس تعلم ما قدمت وأخرت، كقوله: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس/ ٣٠]، وقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾ [الإسراء/ ١٣]، إلى غير ذلك من الآيات. والجواب: أن المراد بقوله: ﴿نَفْسٌ﴾ كل نفس، والنكرة وإن كانت لا تعم إلا في سياق النفي أو الشرط أو الامتنان -كما تقرر في الأصول- فإن التحقيق أنها ربما أفادت العموم بقرينة السياق من غير نفي أو شرط أو امتنان، كقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ في التكوير والانفطار، وقوله: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ [الأنعام/ ٧٠]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا﴾ [الزمر/ ٥٦]. والعلم عند اللَّه تعالى.

стр. 339

سورة التطفيف قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين/ ١٥]. يفهم منه أن المؤمنين ليسوا محجوبين عن ربهم يوم القيامة. وقد قدمنا وجه الجمع بين هذا المفهوم وبين قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام/ ١٠٣].

стр. 340

سورة الانشقاق قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ الآية [الانشقاق/ ١٠]. هذه الآية الكريمة تدل على أن من لم يُعْطَ كتابه بيمينه أنه يُعْطَاه وراء ظهره. وقد جاءت آية يفهم منها أنه يؤتاه بشماله، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي﴾ الآية [الحاقة/ ٢٥]. والجواب ظاهر، وهو: أنه لا منافاة بين أخذه بشماله وإيتائه وراء ظهره؛ لأن الكافر تُغَلُّ يمناه إلى عنقه، وتُجْعَلُ يسراه وراء ظهره فيأخذ بها كتابه.

стр. 341

سورة البرج قوله تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢)﴾ [البروج/ ٢]. تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة/ ١]. قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨)﴾ [البروج/ ١٧ - ١٨]. لا يخفى ما يسبق إلى الذهن من توهم المنافاة بين لفظة: ﴿الْجُنُودِ (١٧)﴾ مع لفظة ﴿فِرْعَوْنَ﴾، لأن فرعون ليس جندًا، وإنما هو رجل بعينه. والجواب ظاهر، وهو: أن المراد بفرعون هو وقومه، فاكتفى بذكره لأنهم تبع له وتحت طاعته.

стр. 342

سورة الطارق قوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق/ ١٧]. هذا الإمهال المذكور هنا ينافيه قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [التوبة/ ٥]. والجواب: أن الإمهال منسوخ بآيات السيف. والعلم عند اللَّه تعالى.

стр. 343

سورة الأعلى قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الأعلى/ ٦ - ٧]. هذه الآية الكريمة تدل على أن النبي ﷺ ينسى من القرآن ما شاء اللَّه أن ينساه. وقد جاءت آيات كثيرة تدل على حفظ القرآن من الضياع، كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة/ ١٦ - ١٧]، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر/ ٩]. والجواب: أن القرآن وإن كان محفوظًا من الضياع، فإن بعضه ينسخ بعضًا، وإنساء اللَّه نبيَّه ﷺ بعض القرآن في حكم النسخ، فإذا أنساه آية فكأنه نَسَخَها, ولا بد أن يأتي بخيرٍ منها أو مثلها، كما صرح به تعالى في قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة/ ١٠٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ الآية [النحل/ ١٠١]. وأشار هنا لعلمه بحكمة النسخ بقوله: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾ [الأعلى/ ٧]. وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ [الأعلى/ ٩]. هذه الآية الكريمة يفهم منها أن التذكير لا يطلب إلا عند مظنة نفعه؛ بدليل "إن" الشرطية.

стр. 344

وقد جاءت آيات كثيرة تدل على الأمر بالتذكير مطلقًا، كقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ [الغاشية/ ٢١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر/ الآيات: ١٧]. وأجيب عن هذا بأجوبة كثيرة: منها: أن في الكلام حذفًا؛ أي: إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل/ ٨١] أي: والبرد. وهو قول الفراء والنحاس والجرجاني وغيرهم. ومنها: أنها بمعنى: "إذ". وإتيانُ "إنْ" بمعنى "إذ" مذهب الكوفيين خلافًا للبصريين. وجعل منه الكوفيون قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [المائدة/ ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران/ ١٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة/ ٢٣]، وقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح/ ٢٧]. وقوله ﷺ : "وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون". وقول الفرزدق: أتغضبُ إنْ أُذْنَا قتيبة حُزَّتَا ... جهارًا ولم تغضب لقتل ابن خازم وأجاب البصريون عن آيات: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ بأن فيها معنى الشرط، جيء به للتهييج. وعن آية: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ والحديث

стр. 345

بأنهما تعليم للعباد كيف يتكلمون إذا أخبروا عن المستقبل. وعن البيت بجوابين: أحدهما: أنه من إقامة السبب مقام المسبب. والأصل: أتغضب إن افتخر مفتخر بحزِّ أُذُنَيْ قتيبة. إذ الافتخار بذلك يكون سببًا للغضب، ومسبّبًا عن الحَزِّ. الثاني: تغضب إن تبين في المستقبل أن أُذُنَيْ قتيبة حُزَّتا. ومنها: أن معنى ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ الإرشاد إلى التذكير بالأهم، أي: ذَكِّرْ بالمهم الذي فيه النفع دون ما لا نفع فيه. فيكون المعنى: ذَكِّرْ الكفار -مثلًا- بالأصول التي هي التوحيد، لا بالفروع؛ لأنها لا تنفع دون الأصول، وذَكِّرْ المؤمن التارك لفرضٍ -مثلًا- بذلك الفرض المتروك، لا بالعقائد ونحو ذلك؛ لأنه أنفع. ومنها: أن "إن" بمعنى "قد". وهو قول قطرب. ومنها: أنها صيغة شرط أريد بها ذم الكفار واستبعاد تذكرهم. كما قال الشاعر: لقد أسمعت لو ناديت حيًا ... ولكن لا حياة لمن تنادي ومنها غير ذلك. والذي يظهر لمقيد هذه الحروف -عفا اللَّه عنه- هو بقاء الآية الكريمة على ظاهرها، وأنه ﷺ بعد أن يكرر الذكرى تكريرًا تقوم به

стр. 346

حجة اللَّه على خلقه مأمورٌ بالتذكير عند ظن الفائدة، أما إذا علم عدم الفائدة فلا يؤمر بشيء هو عالم أنه لا فائدة فيه؛ لأن العاقل لا يسعى إلى ما لا فائدة فيه. وقد قال الشاعر: لِمَا نافعٍ يسعى اللبيبُ فلا تكن ... لشيء بعيدٍ نفعُه الدهرَ ساعيا وهذا ظاهر، ولكن الخفاء في تحقيق المناط. وإيضاحه: أن يقال: بأي وجه يتَيقَّنُ عدم إفادة الذكرى، حتى يباح تركُها؟ وبيان ذلك: أنه تارة يعلمه بإعلام اللَّه به، كما وقع في أبي لهب، حيث قال تعالى فيه: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ﴾ الآية [المسد/ ٣ - ٤]. فأبو لهب هذا وامرأته لا تنفع فيهما الذكرى؛ لأن القرآن نزل بأنهما من أهل النار، بعد تكرار التذكير لهما تكرارًا تقوم عليهما به الحجة، فلا يلزم النبي ﷺ بعد علمه بذلك أن يذكرهما بشيء؛ لقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾. وتارة يعلم ذلك بقرينة الحال، بحيث يبلِّغ على أكمل وجه، ويأتي بالمعجزات الواضحة، فيعلم أن بعض الأشخاص عالمٌ بصحة نبوته، وأنه مصر على الكفر عنادًا ولجاجًا. فمثل هذا لا يجب تكرير الذكرى له دائمًا، بعد أن تكرر عليه تكريرًا تلزمه به الحجة. وحاصل إيضاح هذا الجواب: أن الذكرى تشتمل على ثلاث حِكَم:

стр. 347

الأولى: خروج فاعلها من عهدة الأمر بها. الثانية: رجاء النفع لمن يوعظ بها. وبيَّن اللَّه تعالى هاتين الحكمتين بقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾ [الأعراف/ ١٦٤]. وبيَّن الأولى منهما بقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾ [الذاريات/ ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى/ ٤٨]، ونحوها من الآيات. وبيَّن الثانية بقوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات/ ٥٥]. الثالثة: إقامة الحجة على الخلق. وبيَّنها تعالى بقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء/ ١٦٥]، وبقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ الآية [طه/ ١٣٤]. فالنبي ﷺ إذا كرر الذكرى حصلت الحكمة الأولى والثالثة، فإن كان في الثانية طمعٌ استمر على التذكير، وإلا لم يكلف بالدوام. والعلم عند اللَّه تعالى. وإنما اخترنا بقاء الآية على ظاهرها -مع أن أكثر المفسرين على صرفها عن ظاهرها المتبادر منها، وأن معناها: فذَكِّرْ مطلقًا إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع-؛ لأننا نرى أنه لا يجوز صرف كتاب اللَّه عن

стр. 348

ظواهره المتبادرة منه إلا لدليل يجب الرجوع له. وإلى بقاء هذه الآية على ظاهرها جنح ابن كثير حيث قال في تفسيرها: أي ذَكِّر حيث تنفع التذكرة. ومن هنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه في غير أهله، كما قال علي ﵁: ما أنت بمحدث قومًا حديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم. وقال: حدثوا اللَّه الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب اللَّه ورسوله. تنبيه هذا الإشكال الذي في هذه الآية، إنما هو على قول من يقول باعتبار دليل الخطاب -الذي هو مفهوم المخالفة-، وأما على قول من لا يعتبر مفهوم المخالفة شرطًا كان أو غيره -كأبي حنيفة- فلا إشكال في الآية. وكذلك لا إشكال فيها على قول من لا يعتبر مفهوم الشرط -كالباقلاني-، فتكون الآية نصت على الأمر بالتذكير عند مظنة النفع، وسكتت عن حكمه عند عدم مظنة النفع، فيطلب من دليل آخر، فلا تعارض الآية الآيات الدالة على التذكير مطلقًا.

стр. 349

سورة الغاشية قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾ [الغاشية/ ٦]. تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾ [الحاقة/ ٣٦]. قوله تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢)﴾ [الغاشية/ ١٢]. ظاهر هذه الآية: أن الجنة فيها عين واحدة. وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك، كقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥)﴾ [الذاريات/ ١٥]. والجواب: هو ما تقدم في الجمع بين قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ [القمر/ ٥٤] مع قوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية [محمد/ ١٥]. فالمراد بالعين: العيون، كما تقدم نظيره في سورة البقرة وغيرها.

стр. 350

سورة الفجر قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر/ ٢٢] يوهم أنه ملك واحد، وقوله: ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ يقتضي أنه غير ملك واحد بل صفوف من جماعات الملائكة. والجواب: أن قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ﴾ معناه: والملائكة. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة/ ١٧]. وتقدم بيانه بشواهده العربية في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ الآية [البقرة/ ٢٩].

стр. 351

سورة البلد قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ [البلد/ ١]. هذه الآية الكريمة يتبادر من ظاهرها أنه تعالى أخبر بأنه لا يقسم بهذا البلد -الذي هو مكة المكرمة-، مع أنه تعالى أقسم به في قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين/ ٣]. والجواب من أربعة وجوه: الأول -وعليه الجمهور-: أن "لا" هنا صلةٌ، على عادة العرب؛ فإنها ربما لفظت بلفظة "لا" من غير قصد معناها الأصلي، بل لمجرد تقوية الكلام وتوكيده، كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ [طه/ ٩٢ - ٩٣] يعني: أن تتبعني، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف/ ١٢] أي: تسجد -على أحد القولين-، ويدل له قوله في سورة "ص": ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ﴾ الآية [ص/ ٧٥]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد/ ٢٩] أي: ليعلم أهل الكتاب، وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء/ ٦٥] أي: فوربك، وقوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت/ ٣٤] أي: والسيئة، وقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ [الأنبياء/ ٩٥] على أحد القولين، وقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام/ ١٠٩] على أحد القولين، وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ [الأنعام/ ١٥١] على أحد الأقوال الماضية.

стр. 352

وكقول أبي النجم: فما ألومُ البِيض ألّا تسخرا ... لما رأينَ الشَّمَطَ القَفندَرا يعني: أن تسخر. وكقول الشاعر: ويَلْحِينَنِي في اللهو أن لا أحبه ... ولِلَّهْوِ داعٍ دائبٌ غيرُ غافلِ يعني: أن أحبه. و"لا" زائدة. وقول الآخر: أبى جودُه لا البخلَ واستعجلَتْ به ... نَعَمْ مِنْ فتًى لا يمنع الجودَ قاتلُه يعني: أبى جودُه البخلَ. و"لا" زائدة، على خلافٍ في زيادتها في هذا البيت الأخير، ولاسيما على رواية "البخلِ" بالجر؛ لأن "لا" عليها مضاف بمعى لفظة "لا"، فليست زائدة على رواية الجر. وقول امرئ القيس: فلا وأبيك ابنةَ العامريِّ ... لا يدعي القومُ أني أَفِرّ يعني: وأبيك. وأنشد الفراء لزيادة "لا" في الكلام الذي فيه معنى الجحد قول الشاعر: ما كان يرضى رسولُ اللَّه دينهم ... والأطيبانِ أبو بكرٍ ولا عمرُ

стр. 353

يعني: وعمر. و"لا" صلة. وأنشد الجوهري لزيادتها قول العجاج: في بئرِ لا حُورَ سرى وما شَعَر ... بإفكه حتى رأى الصبحَ جَشَر فالحُور: الهلكة. يعني: في بئرٍ هلكة. و"لا" صلة. قاله أبو عبيدة وغيره. وأنشد الأصمعي لزيادتها قول ساعدة الهذلي: أفعَنْكَ لا برقٌ كأنَّ وميضَه ... غابٌ تسنَّمه ضرامٌ مُثقبُ ويروي: "أفمنك" و"تشيمه" بدل: "أفعنك" و"تسنمه". يعني: أعنك برقٌ. و"لا" صلة. ومن شواهد زيادتها قول الشاعر: تذكرتُ ليلى فاعترتني صبابةٌ ... وكاد صميم القلب لا يتقطع يعني: كاد يتقطع. وأما استدلال أبي عبيدة لزيادتها بقول الشماخ: أعائشُ ما لقومك لا أراهم ... يُضِيعون الهِجانَ مع الضيع فغلطٌ منه؛ لأن "لا" في بيت الشماخ هذا نافية لا زائدة، ومقصوده: أنها تنهاه عن حفظ ماله مع أن أهلها يحفظون مالهم، أى: لا أرى قومك يضيعيون مالهم وأنتِ تعاتبينني في حفظ مالي.

стр. 354

وما ذكره الفراء من أن لفظة "لا" لا تكون صلة إلا في الكلام الذي فيه معنى الجحد، فهو أغلبيٌّ لا يصح على الإطلاق؛ بدليل بعض الأمثلة المتقدمة التي لا جحد فيها، كهذه الآية على القول بأن "لا" فيها صلة، وكبيت ساعدة الهذلي. وما ذكره الزمخشري من زيادة "لا" في أول الكلام دون غيره، فلا دليل عليه. الوجه الثاني: أن "لا" نفي لكلام المشركين المكذبين للنبي ﷺ ، وقوله: ﴿أُقْسِمُ﴾ إثبات مستأنف. وهذا القول وإن قال به كثير من العلماء، فليس بوجيه عندي؛ لقوله تعالى في سورة القيامة: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ يدل على أنه لم يرد الإثبات المؤتنف بعد النفي بقوله: ﴿أُقْسِمُ﴾، واللَّه تعالى أعلم. الوجه الثالث: أنها حرف نفي أيضًا. ووجهه: أن إنشاء القسم يتضمن الإخبار عن تعظيم المُقْسَم به، فهو نفي لذلك الخبر الضمني على سبيل الكناية، والمراد: أنه لا يَعْظُمُ بالقسم، بل هو في نفسه عظيمٌ أُقْسِمَ به أولًا. وهذا القول ذكره صاحب "الكشاف" وصاحب "روح المعاني"، ولا يخلو عندي مِنْ بُعْدٍ. الوجه الرابع: أن اللام لام الابتداء أُشْبِعَتْ فتحتُها، والعرب ربما أشبعت الفتحة بألف والكسرة بياء والضمة بواو.

стр. 355

فمثاله في الفتحة قول عبد يغوث بن وقاص الحارثي: وتضحكُ مني شيخةٌ عبشميةٌ ... كان لم ترى قبلي أسيرًا يمانيا فالأصل: كأن لم تر. ولكن الفتحة أشبعت. وقول الراجز: إذا العجوزُ غضبَتْ فطلِّقِ ... ولا تَرَضاها ولا تَمَلَّقِ فالأصل: تَرَضَّها؛ لأن الفعل مجزوم بـ "بلا" الناهية. وقول عنترة في معلقته: يَنْباعُ مِنْ ذِفْرى غَضُوبٍ جَسْرةٍ ... زَيافةٍ مثل الفَنِيق المُكدَمِ فالأصل: ينبع. يعني: أن العرق ينبع من عظم الذِّفرى من ناقته، فأشبع الفتحة فصار ينباع، على الصحيح. وقول الراجز: قلتُ وقد خَرَّتْ على الكلكال ... يا ناقتي ما جُلْتِ من مَجالي فقوله: "الكلكال" يعني: الكلكل. وليس إشباع الفتحة في هذه الشواهد من ضرورة الشعر؛ لتصريح علماء العربية بأن إشباع الحركة بحرفٍ يناسبها أسلوبٌ من أساليب اللغة العربية؛ ولأنه مسموع في النثر، كقولهم: كلكال، وخاتام، وداناق. يعنون: كلكلًا وخاتمًا ودانقًا. ومثاله في إشباع الضمة بالواو: قولهم: برقوع ومعلوق.
следующие страницы →