← Тафсир

Тафсир · id 281

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (383 стр.). Показаны 351–383 · переход к 356.

стр. 351

سورة البلد قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ [البلد/ ١]. هذه الآية الكريمة يتبادر من ظاهرها أنه تعالى أخبر بأنه لا يقسم بهذا البلد -الذي هو مكة المكرمة-، مع أنه تعالى أقسم به في قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين/ ٣]. والجواب من أربعة وجوه: الأول -وعليه الجمهور-: أن "لا" هنا صلةٌ، على عادة العرب؛ فإنها ربما لفظت بلفظة "لا" من غير قصد معناها الأصلي، بل لمجرد تقوية الكلام وتوكيده، كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ [طه/ ٩٢ - ٩٣] يعني: أن تتبعني، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف/ ١٢] أي: تسجد -على أحد القولين-، ويدل له قوله في سورة "ص": ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ﴾ الآية [ص/ ٧٥]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد/ ٢٩] أي: ليعلم أهل الكتاب، وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء/ ٦٥] أي: فوربك، وقوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت/ ٣٤] أي: والسيئة، وقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ [الأنبياء/ ٩٥] على أحد القولين، وقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام/ ١٠٩] على أحد القولين، وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ [الأنعام/ ١٥١] على أحد الأقوال الماضية.

стр. 352

وكقول أبي النجم: فما ألومُ البِيض ألّا تسخرا ... لما رأينَ الشَّمَطَ القَفندَرا يعني: أن تسخر. وكقول الشاعر: ويَلْحِينَنِي في اللهو أن لا أحبه ... ولِلَّهْوِ داعٍ دائبٌ غيرُ غافلِ يعني: أن أحبه. و"لا" زائدة. وقول الآخر: أبى جودُه لا البخلَ واستعجلَتْ به ... نَعَمْ مِنْ فتًى لا يمنع الجودَ قاتلُه يعني: أبى جودُه البخلَ. و"لا" زائدة، على خلافٍ في زيادتها في هذا البيت الأخير، ولاسيما على رواية "البخلِ" بالجر؛ لأن "لا" عليها مضاف بمعى لفظة "لا"، فليست زائدة على رواية الجر. وقول امرئ القيس: فلا وأبيك ابنةَ العامريِّ ... لا يدعي القومُ أني أَفِرّ يعني: وأبيك. وأنشد الفراء لزيادة "لا" في الكلام الذي فيه معنى الجحد قول الشاعر: ما كان يرضى رسولُ اللَّه دينهم ... والأطيبانِ أبو بكرٍ ولا عمرُ

стр. 353

يعني: وعمر. و"لا" صلة. وأنشد الجوهري لزيادتها قول العجاج: في بئرِ لا حُورَ سرى وما شَعَر ... بإفكه حتى رأى الصبحَ جَشَر فالحُور: الهلكة. يعني: في بئرٍ هلكة. و"لا" صلة. قاله أبو عبيدة وغيره. وأنشد الأصمعي لزيادتها قول ساعدة الهذلي: أفعَنْكَ لا برقٌ كأنَّ وميضَه ... غابٌ تسنَّمه ضرامٌ مُثقبُ ويروي: "أفمنك" و"تشيمه" بدل: "أفعنك" و"تسنمه". يعني: أعنك برقٌ. و"لا" صلة. ومن شواهد زيادتها قول الشاعر: تذكرتُ ليلى فاعترتني صبابةٌ ... وكاد صميم القلب لا يتقطع يعني: كاد يتقطع. وأما استدلال أبي عبيدة لزيادتها بقول الشماخ: أعائشُ ما لقومك لا أراهم ... يُضِيعون الهِجانَ مع الضيع فغلطٌ منه؛ لأن "لا" في بيت الشماخ هذا نافية لا زائدة، ومقصوده: أنها تنهاه عن حفظ ماله مع أن أهلها يحفظون مالهم، أى: لا أرى قومك يضيعيون مالهم وأنتِ تعاتبينني في حفظ مالي.

стр. 354

وما ذكره الفراء من أن لفظة "لا" لا تكون صلة إلا في الكلام الذي فيه معنى الجحد، فهو أغلبيٌّ لا يصح على الإطلاق؛ بدليل بعض الأمثلة المتقدمة التي لا جحد فيها، كهذه الآية على القول بأن "لا" فيها صلة، وكبيت ساعدة الهذلي. وما ذكره الزمخشري من زيادة "لا" في أول الكلام دون غيره، فلا دليل عليه. الوجه الثاني: أن "لا" نفي لكلام المشركين المكذبين للنبي ﷺ ، وقوله: ﴿أُقْسِمُ﴾ إثبات مستأنف. وهذا القول وإن قال به كثير من العلماء، فليس بوجيه عندي؛ لقوله تعالى في سورة القيامة: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ يدل على أنه لم يرد الإثبات المؤتنف بعد النفي بقوله: ﴿أُقْسِمُ﴾، واللَّه تعالى أعلم. الوجه الثالث: أنها حرف نفي أيضًا. ووجهه: أن إنشاء القسم يتضمن الإخبار عن تعظيم المُقْسَم به، فهو نفي لذلك الخبر الضمني على سبيل الكناية، والمراد: أنه لا يَعْظُمُ بالقسم، بل هو في نفسه عظيمٌ أُقْسِمَ به أولًا. وهذا القول ذكره صاحب "الكشاف" وصاحب "روح المعاني"، ولا يخلو عندي مِنْ بُعْدٍ. الوجه الرابع: أن اللام لام الابتداء أُشْبِعَتْ فتحتُها، والعرب ربما أشبعت الفتحة بألف والكسرة بياء والضمة بواو.

стр. 355

فمثاله في الفتحة قول عبد يغوث بن وقاص الحارثي: وتضحكُ مني شيخةٌ عبشميةٌ ... كان لم ترى قبلي أسيرًا يمانيا فالأصل: كأن لم تر. ولكن الفتحة أشبعت. وقول الراجز: إذا العجوزُ غضبَتْ فطلِّقِ ... ولا تَرَضاها ولا تَمَلَّقِ فالأصل: تَرَضَّها؛ لأن الفعل مجزوم بـ "بلا" الناهية. وقول عنترة في معلقته: يَنْباعُ مِنْ ذِفْرى غَضُوبٍ جَسْرةٍ ... زَيافةٍ مثل الفَنِيق المُكدَمِ فالأصل: ينبع. يعني: أن العرق ينبع من عظم الذِّفرى من ناقته، فأشبع الفتحة فصار ينباع، على الصحيح. وقول الراجز: قلتُ وقد خَرَّتْ على الكلكال ... يا ناقتي ما جُلْتِ من مَجالي فقوله: "الكلكال" يعني: الكلكل. وليس إشباع الفتحة في هذه الشواهد من ضرورة الشعر؛ لتصريح علماء العربية بأن إشباع الحركة بحرفٍ يناسبها أسلوبٌ من أساليب اللغة العربية؛ ولأنه مسموع في النثر، كقولهم: كلكال، وخاتام، وداناق. يعنون: كلكلًا وخاتمًا ودانقًا. ومثاله في إشباع الضمة بالواو: قولهم: برقوع ومعلوق.

стр. 356

يعنون: برقعًا ومعلقًا. ومثال إشباع الكسرة بالياء قول قيس بن زهير: ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد فالأصل: يأتك؛ لمكان الجازم. وأنشد له الفراء: لا عهد لي بنيضال ... أصبحت كالشن البال ومنه قول امرئ القيس: كأني بفتخاء الجناحين لَقوَةٍ ... على عجلٍ مني أطأطئُ شيمالي ويروى: صَيُودٌ من العقبان طأطأتُ شيمالي. ويروى: دفوف من العقبان. . . الخ. ويروى: "شملال" بدل "شيمال". وعليه فلا شاهد في البيت، إلا أن رواية الياء مشهورة. ومثال إشباع الضمة بالواو قول الشاعر: هجوت زبان ثم جئتَ معتذرًا ... من هجوِ زبان لم تهجو ولم تدع وقول الآخر: اللَّه أعلم أنَّا في تلفُّتِنا ... يوم الفراق إلى إخواننا صُوْرُ وأنني حيثما يثني الهوى بصري ... من حيثما سلكوا أدنو فأنظور

стр. 357

يعني: فأنظر. وقول الراجز: لو أن عمرًا هَمَّ أن يرقودا ... فانهض فشدَّ المئزر المعقودا يعني: يرقد. ويدل لهذا الوجه قراءة قنبل: (لأقسم بهذا البلد) بلام الابتداء، وهو مروي عن البزي والحسن. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد/ ١٦]. يدل ظاهره على أن المسكين لاصق بالتراب ليس عنده شيء، فهو أشد فقرًا من مطلق الفقير، كما ذهب إليه مالك وكثير من العلماء. وقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ﴾ الآية [الكهف/ ٧٩] يدل على خلاف ذلك؛ لأنه سماهم مساكين مع أن لهم سفينة عاملة للإيجار (١). والجواب عن هذا محتاج إليه على كلا القولين: أما على قول من قال: إن المسكين مَن عنده ما لا يكفيه، كالشافعي؛ فالذي يظهر لي أن الجواب أنه يقول: المسكين عنده

стр. 358

الإطلاق ينصرف إلى من عنده شيء لا يكفيه، فإذا قُيِّدَ بما يقتضي أنه لا شئ عنده فذلك يُعْلَمُ من القيد الزائد لا من مطلق لفظ المسكين. وعليه، فاللَّه -في هذه الآية- قيد المسكين بكونه ذا متربة، فلو لم يقيده لانصرف إلي من عنده ما لا يكفيه، فمدلول اللفظ حالة الإطلاق لا يعارض بمدلوله حالة التقييد. وأما على قول من قال بأن المسكين أحوج من مطلق الفقير، وأنه لا شيء عنده، فيجاب عن آية الكهف بأجوبة: منها: أن المراد بقوله: ﴿مَسَاكِينَ﴾ أنهم قوم ضعاف لا يقدرون على مدافعة الظلمة، ويزعمون أنهم عشرة، خمسةٌ منهم زَمْنَى. ومنها: أن السفينة لم تكن ملكًا لهم، بل كانوا أجراء فيها، أو أنها عارية، واللام للاختصاص. ومنها: أن اسم المساكين أطلق عليهم ترحمًا؛ لضعفهم. والذي يظهر لمقيده -عفا اللَّه عنه- أن هذه الأجوبة لا دليل على شئ منها؛ فليس فيها حجة يجب الرجوع إليها. وما احتج به بعضهم من قراءة عليٍّ ﵁ (لمسَّاكين) بتشديد السين، جمع تصحيح لـ "مسَّاك" بمعنى المَلَّاح، أو دابة المُسُوك التي هي الجلود = فلا يخفى سقوطه؛ لضعف هذه القراءة وشذوذها. والذي يتبادر إلى ذهن المنصف أن مجموع الآيتين دل على أن

стр. 359

لفظ "المسكين" مُشَكِّك؛ لتفاوت أفراده، فيصدق بمن عنده ما لا يكفيه بدليل آية الكهف، ومن هو لاصق بالتراب لا شيء عنده بدليل آية البلد، كاشتراك الشمس والسراج في النور مع تفاوتهما، واشتراك الثلج والعاج في البياض مع تفاوتهما. والمُشَكِّك إذا أطلق ولم يقيد بوصف الأشَدِّية انصرف إلى مطلقه. هذا ما ظَهَر، والعلم عند اللَّه تعالى. والفقير -أيضًا- قد تطلقه العرب على من عنده بعض المال، كقول مالك. ومن شواهده قول راعي نمير: أما الفقير الذي كانت حَلُوبَتُه ... وَفْقَ العيالِ فلم يُتْرَكْ له سَبَدُ فسماه فقيرًا مع أن عنده حلوبة قدر عياله.

стр. 360

سورة الشمس قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس/ ٨]. يدل على أن اللَّه هو الذي يجعل الفجور والتقوى في القلب وقد جاءت آيات تدل على أن فجور العبد وتقواه باختياره ومشيئته، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت/ ١٧]، وقوله تعالى: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة/ ١٧٥]، ونحو ذلك. وهذه المسألة هي التي ضل فيها القدرية والجبرية. أما القدرية، فضلوا بالتفريط؛ حيث زعموا أن العبد يخلق عمل نفسه استقلالًا، من غير تأثير لقدرة اللَّه فيه. وأما الجبرية، فضلوا بالإفراط؛ حيث زعموا أن العبد لا عمل له أصلًا حتى يؤاخذ به. وأما أهل السنة والجماعة، فلم يُفَرِّطُوا ولم يُفْرِطُوا، فأثبتوا للعبد أفعالًا اختيارية، ومن الضروري عند جميع العقلاء أن الحركة الارتعاشية ليست كالحركة الاختيارية، وأثبتوا أن اللَّه خالق كل شيء، فهو خالق العبد وخالق قدرته وإرادته، وتأثير قدرة العبد لا يكون إلا بمشيئة اللَّه تعالى، فالعبد وجميع أفعاله بمشيئة اللَّه تعالى، مع أن العبد يفعل اختيارًا بالقدرة والإرادة اللتين خلقهما اللَّه فيه، فعلا اختياريًا يثاب عليه ويعاقب. ولو فرضنا أن جبريًّا ناظر سنيًّا، فقال الجبري: حجتي لربي أن

стр. 361

أقول: إني لست مستقلًّا بعمل، وأني لا بدَّ أن تنفذ فيَّ مشيئته وإرادته على وفق العلم الأزلي، فأنا مجبور، فكيف يعاقبني على أمر لا قدرة لي أن أحيد عنه؟ فإن السني يقول له: كل الأسباب التي أعطاها للمهتدين أعطاها لك، جعل لك سمعًا تسمع به، وبصرًا تبصر به، وعقلًا تعقل به، وأرسل لك رسولًا، وجعل لك اختيارًا وقدرة، ولم يبق بعد ذلك إلا التوفيق وهو ملكه المحض، إن أعطاه فَفَضْلٌ، وان منعه فَعَدْلٌ. كما أشار له تعالى بقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام/ ١٤٩]، يعني أن ملكه للتوفيق حجة بالغة على الخلق، فمن أُعْطِيَه ففَضْلٌ، ومن مُنِعَه فعَدْلٌ. ولما تناظر أبو إسحاق الإسفرائيني مع عبد الجبار المعتزلي، قال عبد الجبار: سبحان من تنزه عن الفحشاء، وقصده أن المعاصي كالسرقة والزنى بمشيئة العبد دون مشيئة اللَّه؛ لأن اللَّه أعلى وأجل من أن يشاء القبائح في زعمهم. فقال أبو إسحاق: كلمة حق أُريد بها باطل. ثم قال: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء. فقال عبد الجبار: أتراه يخلقه ويعاقبني عليه؟ فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبرًا عليه؟ أأنت الرب وهو العبد؟

стр. 362

فقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني إلى الهدى وقضى عليَّ بالردى، أتراه أحسن إليَّ أم أساء؟ فقال أبو إسحاق: إن كان الذي منعك منه ملكًا لك فقد أساء، وإن كان له فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل. فبهت عبد الجبار، وقال الحاضرون: واللَّه ما لهذا جواب. وجاء أعرابي إلى عمرو بن عبيد وقال له: ادع اللَّه لي أن يرد عليَّ حمارة سرقت مني. فقال: اللهم إن حمارته سرقت ولم ترد سرقتها فارددها عليه. فقال له الأعرابي: يا هذا، كف عني دعائك الخبيث؛ إن كانت سرقت ولم يُرِدْ سرقتها فقد يريد ردها ولا تُرَدُّ. وقد رفع اللَّه إشكال هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان/ ٣٠]، فأثبت للعبد مشيئة، وصرح بأنه لا مشيئة العبد إلا بمشيئة اللَّه -جل وعلا-، فكل شيء صادر عن قدرته ومشيئته جل وعلا، وقولِه (١): ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام/ ١٤٩]. وأما على قول من فسر الآية الكريمة بأن معنى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾: أنه بين لها طريق الخير وطريق الشر، فلا إشكال فى الآية. وبهذا المعنى فسرها جماعة من العلماء. والعلم عند اللَّه تعالى.

стр. 363

سورة الليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢)﴾ [الليل/ ١٢]، يدل على أن اللَّه التزم على نفسه الهدى للخلق. مع أنه جاءت آيات كثيرة تدل على عدم هداه لبعض الناس، كقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ [المائدة/ ١٠٨]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ [البقرة/ ٢٥٨]، وقوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا﴾ الآية [آل عمران/ ٨٦]، إلى غير ذلك من الآيات. والجواب هو ما تقدم من أن الهدى يستعمل في القرآن خاصًا وعامًا، فالمثبت العام والمنفي الخاص، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. وأما على قول من قال: إن معنى الآية: أن الطريق الذي يدل علينا وعلى طاعتنا هو الهدى لا الضلال. وقول من قال: إن معنى الآية: أن من سلك طريق الهدى وصل إلى اللَّه = فلا إشكال في الآية أصلًا.

стр. 364

سورة الضحى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ [الضحى/ ٧]. هذه الآية الكريمة يوهم ظاهرها أنَّ النبي ﷺ كان ضالًا قبل الوحي، مع أن قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم/ ٣٥] يدل على أنه ﷺ فطر على هذا الدين الحنيف. ومعلوم أنه لم يهوده أبواه ولم ينصراه ولم يمجساه، بل لم يزل باقيًا علي الفطرة حتى بعثه اللَّه رسولًا. ويدل لذلك ما ثبت من أن أول نزول الوحي كان وهو يتعبد في غار حراء، فذلك التعبد قبل نزول الوحى دليل على البقاء على الفطرة. والجواب: أن معنى قوله: ﴿ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ أي: غافلًا عما تعلمه الآن من الشرائع وأسرار علوم الدين التي لا تعلم بالفطرة ولا بالعقل، وإنما تعلم بالوحي، فهداك إلى ذلك بما أوحى إليك. فمعنى الضلال -على هذا القول- الذهاب عن العلم. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة/ ٢٨٢]، وقوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه/ ٥٢]، وقوله ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ [يوسف/ ٩٥]، وقول الشاعر: وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلًا أراها في الضلال تهيم ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾

стр. 365

[الشورى/ ٥٢]؛ لأن المراد بالإيمان: شرائع دين الإسلام، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف/ ٣]، وقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء/ ١١٣]، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص/ ٨٦]. وقيل: المراد بقوله: ﴿ضَالًّا﴾ ذهابه وهو صغير في شعاب مكة. وقيل: ذهابه في سفره إلى الشام. والقول الأول (١) هو الصحيح. واللَّه تعالى أعلم. ونسبة العلم إلى اللَّه أسلم.

стр. 366

سورة التين قوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين/ ٣]. تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ [البلد/ ١]. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين/ ٤]. هذه الآية الكريمة توهم أن الإنسان ينكر أن ربه خلقه؛ لما تقرر في فن المعاني من أن خالي الذهن من التَّردُّد والإنكار لا يؤكَّد له الكلام، ويسمى ذلك ابتدائيًا. والمتردد يحسن التوكيد له بمؤكد واحد، ويسمى طلبيًا. والمنكر يجب التوكيد له بحسب إنكاره، ويسمى إنكاريًا. واللَّه تعالى في هذه الآية أكد إخباره بأنه خلق الإنسان في أحسن تقويم بأربعة أقسام، وباللام، وبـ "قد"، فهي ستة تأكيدات. وهذا التوكيد يوهم أن الإنسان مُنْكِرٌ لأنَّ ربه خلقه. وقد جاءت آيات أخرى صريحة في أن الكفار يقرون بأن اللَّه هو خالقهم، وهي قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف/ ٨٧]. والجواب من وجهين: الأول: هو ما حرره علماء البلاغة من أن المُقرَّ إذا ظهرت عليه أمارة الإنكار، جُعِلَ كالمُنْكِر، فأُكِّدَ له الخبر؛ كقول حجل بن

стр. 367

نضلة: جاء شقيقٌ عارضًا رمحَه ... إن بني عمِّك فيهم رماح فشقيق لا ينكر أن في بني عمه رماحًا، ولكن مجيئه عارضًا رمحه، أي جاعلًا عرضه جهتهم من غير التفات، أمارة أنه يعتقد أنْ لا رمح فيهم، فأكد له الخبر. فإذا حققت ذلك، فاعلم أن الكفار لما أنكروا البعث ظهرت عليهم أمارة إنكار الإيجاد الأول؛ لأن من أقر بالأول لزمه الإقرار بالثاني؛ لأن الإعادة أيسر من البدء، فأكد لهم الإيجاد الأول. ويوضح هذا: أن اللَّه بين أنه المقصود بقوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)﴾ [التين/ ٧]، أي: ما يحملك أيها الإنسان على التكذيب بالبعث والجزاء، بعد علمك أن اللَّه أوجدك أولًا؟ فمن أوجدك أولًا قادر على أن يوجدك ثانيًا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية [يس/ ٧٩]، وقال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ الآية [الأنبياء/ ١٠٤]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الآية [الروم/ ٢٧]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج/ ٥]، والآيات بمثل هذا كثيرة. ولذا ذكر تعالى أن من أنكر البعث فقد نسي إيجاده الأول، بقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ [يس/ ٧٨]، وبقوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ [مريم/ ٦٦ - ٦٧].

стр. 368

وقال البعض: معنى ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾: فمن يقدر على تكذيبك يا نبي اللَّه بالثواب والعقاب، بعد ما تبين له أنا خلقنا الإنسان على ما وصفنا، وهو في دلالته على ما ذكرنا كالأول؟ فظهرت النكتة في جعل الابتدائي كالإنكاري. الوجه الثاني: أن القَسَمَ شامل لقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾ أي: إلى النار. وهم لا يصدقون بالنار؛ بدليل قوله تعالى: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾ [الطور/ ١٤]. وهذا الوجه في معنى قوله: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾ أصح من القول بأن معناه الهَرَم والرد إلى أرذل العمر؛ لكون قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين/ ٦] أظهر في الأول من الثاني. وإذا كان القسم شاملًا للإنكاري فلا إشكال؛ لأن التوكيد منصبٌّ على ذلك الإنكاري. والعلم عند اللَّه تعالى.

стр. 369

سورة العلق قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ الآية [العلق/ ١٦]. أسند الكذب في هذه الآية الكريمة إلى ناصية هذا الكافر، وهي مقدم شعر رأسه. مع أنه أسنده في آيات كثيرة إلى غير الناصية، كقوله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾ [النحل/ ١٠٥]. والجواب ظاهر، وهو: أنه هنا أطلق الناصية وأراد صاحبها، على عادة العرب في إطلاق البعض وإرادة الكل. وهو كثير في كلام العرب، وفي القرآن. فمن أمثلته في القرآن هذه الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد/ ١]، يعني: أبا لهب، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران/ ١٨] يعني: بما قدمتم. ومن ذلك تسمية العربِ الرقيبَ عينًا. وقوله: ﴿خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ لا يعارضه قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب/ ٥]؛ لأن الخاطئ هو فاعل الخطيئة أو الخِطْء -بكسر الخاء- وكلاهما الذنب، كما بينه قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح/ ٢٥]، وقوله: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ [الإسراء/ ٣١]. فالخاطئ: المذنب عمدًا، والمخطئ: من صدر منه الفعل من غير قصد، فهو معذور.

стр. 370

سورة القدر قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر/ ١]. لا تعارض بينه وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان/ ٣]؛ لأن الليلة المباركة هي ليلة القدر، وهي من رمضان بنص قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة/ ١٨٥]. فما يزعمه كثير من العلماء من أن الليلة المباركة ليلة النصف من شعبان ترده هذه النصوص القرآنية. والعلم عند اللَّه تعالى.

стр. 371

سورة الزلزلة قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة/ ٧ - ٨]. هذه الآية الكريمة تقتضي أن كل إنسان -كافرًا كان أو مسلمًا- يجازى بالقليل من الخير والشر. وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف هذا العموم: أما ما فعله الكافر من الخير، فالآيات تصرح بإحباطه، كقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود/ ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان/ ٢٣]، وكقوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ الآية [إبراهيم/ ١٨]، وقوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ الآية [النور/ ٣٩]، إلى غير ذلك من الآيات. وأما ما عمله المسلم من الشر، فقد صرحت الآيات بعدم لزوم مؤاخذته به، لاحتمال المغفرة أو لوعد اللَّه بها، كقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء/ ٤٨]، وقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء/ ٣١]، إلى غير ذلك من الآيات. والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه: الأول: أن الآية من العام المخصوص. والمعنى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره إن لم يحبطه الكفر؛ بدليل آيات إحباط الكفر

стр. 372

عمل الكفار. ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره إن لم يغفره اللَّه له؛ بدليل آيات احتمال الغفران والوعد به. الثاني: أن الآية على عمومها، وأن الكافر يرى جزاء كل عمله الحسن في الدنيا، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الآية [هود/ ١٥]، وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ الآية [الشورى/ ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور/ ٣٩]، والمؤمن يرى جزاء عمله السيئ في الدنيا بالمصائب والأمراض والآلام. ويدل لهذا ما أخرجه الطبرانى في "الأوسط"، والبيهقي في "الشعب"، وابن أبي حاتم، وجماعة، عن أنس قال: بينا أبو بكر ﵁ يأكل مع رسول اللَّه ﷺ إذ نزلت عليه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية، فرفع أبو بكر يده وقال: يا رسول اللَّه -صلي اللَّه عليه وسلم-، إني لراءٍ ما عملتُ من مثقال ذرة من شر؟ فقال رسول اللَّه -صلي اللَّه عليه وسلم-: "يا أبا بكر، أرأيت ما ترى في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر" الحديث. الوجه الثالث: أن الآية -أيضًا- على عمومها، وأن معناها: أن المؤمن يرى كل ما قَدَّمَ من خير وشر، فيغفر اللَّه له الشر ويثيبه بالخير. والكافر يرى كل ما قَدَّمَ من خير وشر، فيحبط ما قدم من خير ويجازيه بما فعل من الشر.

стр. 373

سورة العاديات قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ الآية [العاديات/ ٦ - ٧]. هذه الآية تدل على أن الإنسان شاهد على كنود نفسه، أي: مبالغته في الكفر. وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك، كقوله ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف/ ١٠٤]، وقوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف/ ٣٧]، وقوله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر/ ٤٧]. والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه: الأول: أن شهادة الإنسان بأنه كنود هي شهادةُ حالِه بظهور كنوده، والحال ربما تكفي عن المقال. الثاني: أن شهادته على نفسه بذلك يوم القيامة، كما يدل له قوله: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾ [الأنعام/ ١٣٠]، وقوله: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ [الملك/ ١١]، وقوله: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر/ ٧١]. الوجه الثالث: أن الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ راجع إلى رب الإنسان، المذكور في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾.

стр. 374

وعليه فلا إشكال في الآية، ولكن رجوعه إلى الإنسان أظهر؛ بدليل قوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات/ ٨]. والعلم عند اللَّه تعالى.

стр. 375

سورة القارعة قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ [القارعة/ ٨ - ٩]. هذه الآية الكريمة تدل على أن الهاوية وصفٌ لا علمٌ للنار، إذ تنوينها ينافي كونها اسمًا من أسماء النار؛ لأنها على تقدير كونها من أسماء النار يلزم فيها المنع من الصرف للعلمية والتأنيث. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة/ ١٠ - ١١] يدل على أن الهاوية من أسماء النار. اعلم أولًا: أن في معنى قوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ ثلاثة أوجه للعلماء، اثنان منها لا إشكال في الآية عليهما، والثالث هو الذي فيه الإشكال المذكور. أما اللذان لا إشكال في الآية عليهما، فالأول منهما: أن المعنى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ أي: أم رأسه هاوية في قعر جهنم؛ لأنه يطرح فيها منكوسًا، رأسه أسفل ورجلاه أعلى. وروي هذا القول عن قتادة وأبي صالح وعكرمة والكلبي وغيرهم. وعلى هذا القول فالضمير في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠)﴾ عائد إلى محذوف دل عليه المقام، أي: أم رأسه هاوية في نار، وما أدراك ماهيه، نار حامية.

стр. 376

والثاني: أنه من قول العرب إذا دعوا على الرجل بالهلكة قالوا: هَوَتْ أمُّه؛ لأنه إذا هوى -أي: سقط وهلك- فقد هوت أمه ثكلًا وحزنًا. ومن هذا المعنى قول كعب بن سعد الغنوي: هَوَتْ أمُّه مايبعث الصبحُ غاديًا ... وماذا يَرَدُّ الليلُ حين يؤوب وهذا القول رواية أخرى عن قتادة. وعلى هذا القول فالضمير في قوله: ﴿هِيَهْ﴾ للداهية التي دل عليها الكلام. وذكر الآلوسي في تفسيره أن صاحب "الكشاف" قال: إن هذا القول أحسن. وأن الطيبي قال: إنه أظهر، وقال هو: وللبحث فيه مجال. الثالث الذي فيه الإشكال: أن المعنى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ أي: مأواه الذي يحيط به ويضمُّه هاوية، وهي النار؛ لأن الأم تؤوي ولدها وتضمه، والنار تضم هذا العاصي، وتكون مأواه. والجواب على هذا القول: هو ما أشار له الآلوسي في تفسيره من أنه نكَّرَ الهاوية في محل التعريف لأجل الإشعار بخروجهم عن المعهود؛ للتفخيم والتهويل، ثم بعد إبهامها لهذه النكتة قررها بوصفها الهائل بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: هذا الجواب الذي ذكره الآلوسي

стр. 377

يدخل في حد نوع من أنواع البديع المعنوي، يسميه علماء البلاغة: التجريد. فحد التجريد عندهم: هو أن يُنْتَزع من أمرٍ ذي صفةٍ آخرُ مثلُه فيها، مبالغةً في كمالها فيه. وأقسامه معروفة عند البيانيين. فمنه ما يكون التجريد فيه بحرف، نحو قولهم: لي من فلان صديقٌ حميم، أي: بلغ من الصداقة حدًّا صح معه أن يُستخلص منه آخرُ مثله فيها، مبالغة في كمالها فيه. وقولهم: "لئن سألته لتسألن به البحر" بالَغَ في اتصافه بالسماحة حتى انتزع منه بحرًا في السماحة. ومن التجريد بواسطة الحروف قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت/ ٢٨]، وهو أشبه شيء بالآية التي نحن بصددها؛ لأن النار هي دار الخلد بعينها، لكنه انتزع منها دارًا أخرى وجعلها مُعَدَّةً في جهنم للكفار؛ تهويلًا لأمرها، ومبالغة في اتصافها بالشدة. ومن التجريد ما يكون من غير توسط الحرف، نحو قول قتادة بن سلمة الحنفي: ولئن بقيت لأرحلن بغزوة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم يعني: نفسه؛ انتزعَ من نفسه كريمًا، مبالغة في كرمه. فإذا عرفت هذا، فالنار سميت الهاوية لغاية عمقها، وبعد مهواها؛ فقد روي أن داخلها يهوي فيها سبعين خريفًا.

стр. 378

وخصها البعض بالباب الأسفل من النار، فانتزع منها هاوية أخرى مثلها في شدة العمق، وبعد المهوى، مبالغةً في عمقها، وبعد مهواها. والعلم عند اللَّه تعالى.

стр. 379

سورة العصر قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر/ ١ - ٢]. هذه الآية الكريمة يدل ظاهرها على أن هذا المخبَر عنه أنه في خسرٍ إنسانٌ واحد؛ بدليل إفراد لفظة الإنسان. واستثناؤه من ذلك الإنسان الواحدِ لفظًا بقولِه (١): ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر/ ٣] يقتضي أنه ليس إنسانًا واحدًا. والجواب عن هذا: هو أن لفظ الإنسان وإن كان واحدًا فالألف واللام للاستغراق، يصير المفرد بسببهما صيغة عموم. وعليه، فمعنى ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ أي: إنَّ كل إنسان؛ لدلالة "أل" الاستغراقية على ذلك. والعلم عند اللَّه تعالى.

стр. 380

سورة الماعون قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾ الآية [الماعون/ ٤]. هذه الآية يتوهم منها الجاهل أن اللَّه توعد المصلين بالويل. وقد جاء في آية أخرى أن عدم الصلاة من أسباب دخول سقر، وهي قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ [المدثر/ ٤٢ - ٤٣]. والجواب عن هذا في غاية الظهور، وهو: أن التوعد بالويل منصبٌ على قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)﴾ الآية [الماعون/ ٥ - ٦]، وهم المنافقون، على التحقيق. وإنما ذكرنا هذا الجواب مع ضعف الإشكال، وظهور الجواب عنه؛ لأن الزنادقة الذين لا يصلون يحتجون لترك الصلاة بهذه الآية. وقد سمعنا من ثقات وغيرهم: أن رجلًا قال لظالمٍ تاركٍ للصلاة: ما لك لا تصلي؟ فقال: لأن اللَّه توعد على الصلاة بالويل في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾، فقال له: اقرأ ما بعدها، فقال: لا حاجة لي فيما بعدها، فيها كفاية في التحذير من الصلاة. ومن هذا القبيل قول الشاعر: دع المساجد للعباد تسكنها ... وسِرْ إلى حانة الخَمَّار يسقينا ما قال ربك ويلٌ للأولى سكروا ... وإنما قال ويلٌ للمصلينا

стр. 381

فإذا كان اللَّه تعالى توعد بالويل المصلي الذي هو ساهٍ عن صلاته ويرائي فيها، فكيف بالذي لا يصلي أصلًا، فالويل كل الويل له، وعليه لعائن اللَّه إلى يوم القيامة ما لم يتب.

стр. 382

سورة الكافرون قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾ [الكافرون/ ٥] يدل بظاهره على أن الكفار المخاطبين بها لا يعبدون اللَّه أبدًا، مع أنه دلت آيات أخر على أن منهم من يؤمن باللَّه تعالى، كقوله: ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآية [العنكبوت/ ٤٧]. والجواب من وجهين: الأول: أنه خطاب لجنس الكفار وإن أسلموا فيما بعد، فهو خطاب لهم ما داموا كفارًا، فإذا أسلموا لم يتناولهم ذلك؛ لأنهم حينئذ مؤمنون لا كافرون، وإن كانوا منافقين فهم كافرون في الباطن فيتناولهم الخطاب. واختار هذا الوجه أبو العباس ابن تيمية ﵀. الثاني: هو أن الآية من العام المخصوص. وعليه فهي في خصوص الأشقياء المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس/ ٩٦] الآية، كما تقدم نظيره مرارًا.

стр. 383

سورة الناس قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤)﴾ [الناس/ ٤]. لا يخفى ما بين هذين الوصفين -اللذين وصف بهما اللعين الخبيث- من التنافي؛ لأن الوسواس كثير الوسوسة ليضل بها الناس، والخناس في التأخر والرجوع عن إضلال الناس. والجواب: أن لكل مقام مقالا؛ فهو وسواس عند غفلة العبد عند ذكر ربه، خناس عند ذكر العبد ربه تعالى، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ الآية [الزخرف/ ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [النحل/ ٩٩]. وقد تم -بحمد اللَّه تعالى- ما أردنا جمعه بمدينة النبي ﷺ . ونرجو اللَّه تعالى أن يوفقنا وإخواننا المسلمين في الأقوال والأفعال، وأن يجعل سعينا خالصًا لوجهه الكريم، إنه قريب مجيب. آمين. وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.