← Тафсир

Тафсир · id 281

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (383 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة/ ١٧٨]. هذه الآية تدل بظاهرها على أن القصاص أمر حتم لابد منه، بدليل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾؛ لأن معناه: فرض وحتم عليكم. مع أنه تعالى ذكر -أيضًا- أن القصاص ليس بمتعين؛ لأن ولي الدم بالخيار، في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ الآية [البقرة/ ١٧٨]. والجواب ظاهر، وهو أن فرض القصاص وإلزامه فيما إذا لم يَعْفُ أولياءُ الدم أو بعضهم، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ الآية [الإسراء/ ٣٣]. قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ الآية [البقرة/ ١٨٠]. هذه الآية تعارض آيات المواريث بضميمة بيان النبي ﷺ ؛ لأن المقصود منها إبطال الوصية للوارثين منهم، وذلك قوله ﷺ : "إن اللَّه أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث". والجواب ظاهر، وهو أن آية الوصية هذه منسوخة بآيات المواريث، والحديث المذكور بيان للناسخ. وذهب بعض العلماء إلى أنها محكمة لا منسوخة، وانتصر لهذا القول ابن حزم غاية الانتصار. وعلى القول بأنها محكمة فهي من العام المخصوص، فالوالدان والأقربون الذين لا يرثون لا وصية لهم؛ بدليل آيات المواريث

стр. 37

والحديث، وأما الوالدان اللذان لا ميراث لهما كالرقيقين والأقارب الذين لا يرثون فتجب لهم الوصية على هذا القول، ولكن مذهب الجمهور خلافه. وحكى العبادي في "الآيات البينات" الإجماع على أنها منسوخة، مع أن جماعة من العلماء قالوا بعدم النسخ. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: التحقيق أن النسخ واقع فيها يقينًا في البعض؛ لأن الوصية للوالدين الوارثين والأقارب الوارثين رفع حكمها بعد تقرره إجماعًا، وذلك نسخ في البعض لا تخصيص؛ لأن التخصيص قصر العام على بعض أفراده بالدليل، أما رفع حكم معين بعد تقرره فهو نسخ لا تخصيص كما هو ظاهر. وقد تقرر في علم الأصول أن التخصيص بعد العمل (١) بالعام نسخ، وإليه الإشارة بقول صاحب "مراقي السعود": وإني أتى ما خَصَّ بعد العمل ... نَسَخَ والغيرُ مخصِّصا جلي واللَّه تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة/ ١٨٤]. هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن القادر على صوم رمضان مخير بين الصوم والإطعام.

стр. 38

وقد جاء في آية أخرى ما يدل على تعيين وجوب الصوم، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية [البقرة/ ١٨٥]. والجواب عن هذا بأمرين: أحدهما -وهو الحق-: أن قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ منسوخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. الثاني: أن معنى ﴿يُطِيقُونَهُ﴾: لا يطيقونه، بتقدير "لا" النافية، وعليه فتكون الآية محكمة، ويكون وجوب الإطعام على العاجز عن الصوم كالهَرِم والزَّمِن. واستدل لهذا القول بقراءة بعض الصحابة (يَطَّوَّقونه) بفتح الياء وتشديد الطاء والواو المفتوحتين، بمعنى: يتكلفونه مع عجزهم عنه. وعلى هذا القول فيجب على الهَرِم ونحوه الفدية، وهو اختيار البخاري، مستدلًا بفعل أنس بن مالك ﵁. قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ الآية [البقرة/ ١٩٠]. هذه الآية تدل بظاهرها على أنهم لم يؤمروا بقتال الكفار إلا إذا قاتلوهم. وقد جاءت آيات أُخر تدل على وجوب قتال الكفار مطلقًا قاتلوا أم لا، كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة/ ١٩٣]، وقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة/ ٥]، وكقوله تعالى:

стр. 39

﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح/ ١٦]. والجواب عن هذا بأمور: الأول -وهو أحسنها وأقربها-: أن المراد بقوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ تهييج المسلمين وتحريضهم على قتال الكفار، فكأنه يقول لهم: هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم وأعداؤكم الذين يقاتلونكم. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة/ ٣٦]، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. الوجه الثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة/ ٥]، وهذا من جهة النظر ظاهر حسن جدًا. وإيضاح ذلك: أن من حكمة اللَّه البالغة في التشريع أنه إذا أراد تشريع أمر عظيم على النفوس ربما يشرعه تدريجيًا لتخف صعوبته بالتدريج، فالخمر -مثلًا- لما كان تركها شاقًّا على النفوس التي اعتادتها، ذكر أولًا بعض معائبها بقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِير﴾ [البقرة/ ٢١٩]، ثم بعد ذلك حرمها في وقت دون وقت، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية [النساء/ ٤٣]، ثم لما استأنست النفوس بتحريمها في الجملة حرَّمها تحريمًا باتًا بقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة/ ٩٠]. وكذلك الصوم لما كان شاقًّا على النفوس شرعه أولًا على سبيل

стр. 40

التخيير بينه وبين الإطعام، ثم رغب في الصوم مع التخيير بقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة/ ١٨٤]، ثم لما استأنست به النفوس أوجبه إيجابًا حتمًا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وكذلك القتال على هذا القول، لمَّا كان شاقًّا على النفوس أَذنَ فيه أولًا من غير إيجاب بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية [الحج/ ٣٩]، ثم أوجب عليهم قتال من قاتلهم دون من لم يقاتلهم بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة/ ١٩٠]، ثم لمَّا استأنست نفوسهم بالقتال أوجبه عليهم إيجابًا عامًّا بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ الآية [التوبة/ ٥]. الوجه الثالث -وهو اختيار ابن جرير، ويظهر لي أن الصواب-: أن الآية محكمة، وأن معناها: قاتلوا الذين يقاتلونكم، أي: من شأنهم أن يقاتلوكم. أما الكافر الذي ليس من شأنه القتال، كالنساء والذراري والشيوخ الفانية والرهبان وأصحاب الصوامع ومن ألقى إليكم السَّلَم فلا تعتدوا بقتالهم؛ لأنهم لا يقاتلونكم، ويدل لهذا الأحاديثُ المصرحة بالنهي عن قتل الصبي وأصحاب الصوامع والمرأة والشيخ الهرم إذا لم يستعن برأيه، أما صاحب الرأي فيقتل، كدريد بن الصِّمَّة. وقد فسر هذه الآية بهذا المعنى عمر بن عبد العزيز ﵁ وابن عباس والحسن البصري. قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة/ ١٩٤].

стр. 41

هذه الآية تدل على طلب الانتقام، وقد أذن اللَّه في الانتقام في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ الآية [الشورى/ ٤١، ٤٢]، وكقوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء/ ١٤٨]، وكقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ الآية [الحج/ ٦٠]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ [الشورى/ ٣٩]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى/ ٤٠]. وقد جاءت آيات أخر تدل على العفو وترك الانتقام، كقوله: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر/ ٨٥]، وقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران/ ١٣٤]، وكقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون/ ٩٦]، وقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى/ ٤٣]، وقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف/ ١٩٩]، وكقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان/ ٦٣]. والجواب عن هذا بأمرين: أحدهما: أن اللَّه بيَّن مشروعية الانتقام، ثم أرشد إلى أفضلية العفو، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل/ ١٢٦]، وقوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء/ ١٤٨]، فأذن في الانتقام بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ ثم أرشد إلى العفو بقوله: ﴿إِنْ

стр. 42

تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ [النساء/ ١٤٩]. الوجه الثاني: أن الانتقام له موضع يحسن فيه، والعفو له موضع كذلك؛ وإيضاحه: أن من المظالم ما يكون في الصبر عليه انتهاك حرمة اللَّه، ألا ترى أن من غصبت منه جاريته -مثلًا- إذا كان الغاصب يزني بها فسكوته وعفوه عن هذه المظلمة قبيح وضعفٌ وخَوَرٌ تنتهك به حرمات اللَّه، فالانتقام في مثل هذا واجب، وعليه يحمل الأمر في قوله ﴿فَاعْتَدُوا﴾ هو الآية. أي: كما إذا بدأ الكفار بالقتال فقتالهم واجب، بخلاف من أساء إليه بعض إخوانه المسلمين بكلام قبيح ونحو ذلك، فعفوه أحسن وأفضل، وقد قال أبو الطيب المتنبي: إذا قيل حِلْمًا قال للحِلْم موضعٌ ... وحِلْمُ الفتى في غير موضعه جهلُ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]. هذه الآية الكريمة تدل على أن الردة لا تحبط العمل إلا بقيد الموت على الكفر، بدليل قوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة/ ٢١٧]. وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الردة تحبط العمل مطلقًا ولو رجع إلى الإسلام، فكل ما عمل قبل الردة أحبطته الردة، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ الآية [المائدة/ ٥]،

стр. 43

وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآية [الزمر/ ٦٥]، وقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام/ ٨٨]. والجواب عن هذا: أن هذه من مسائل تعارض المطلق والمقيد، فيحمل المطلق على المقيد، فتقيد الآيات المطلقة بالموت على الكفر، وهذا مقتضى الأصول، وعليه الإمام الشافعي ومن وافقه، وخالف مالك في هذه المسألة وقدم آيات الإطلاق. وقول الشافعي في هذه المسألة أجرى على الأصول. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ الآية [البقرة/ ٢٢١]. هذه الآية تدل بظاهرها على تحريم نكاح كل كافرة، ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ الآية [الممتحنة/ ١٠]. وقد جاءت آية أخرى تدل على جواز نكاح بعض الكافرات، وهن الحرائر الكتابيات (١)، وهي قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة/ ٥]. والجواب: أن هذه الآية الكريمة تخصص قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ أي: ما لم يكن كتابيات، بدليل قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. وحكى ابن جرير الإجماع على هذا.

стр. 44

وأما ما روي عن عمر من إنكاره على طلحة تزوُّج يهودية، وعلى حذيفة تزوُّج نصرانية، فإنه إنما كره نكاح الكتابيات لئلا يزهد الناس في المسلمات أو لغير ذلك من المعاني. قاله ابن جرير. قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الآية [البقرة/ ٢٢٨]. هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن كل مطلقة تعتد بالأقراء. وقد جاء في آيات أخر أن بعض المطلقات يعتد بغير الأقراء، كالعجائز والصغائر المنصوص عليها بقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾، وكالحوامل المنصوص عليها بقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق/ ٤]. مع أنه جاء في آية أُخرى أن بعض المطلقات لا عدة عليهن أصلًا، وهن المطلقات قبل الدخول، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ الآية [الأحزاب/ ٤٩]. والجواب عن هذا ظاهر، وهو أن آية: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ [البقرة/ ٢٢٨] عامة، وهذه الآيات المذكورة أخص منها، فهي مخصصة لها، فهي إذن من العام المخصوص. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة/ ٢٣٤]. هذه الآية يظهر تعارضها مع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ

стр. 45

مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة/ ٢٤٠]. والجواب ظاهر، وهو: أن الأولى ناسخة لهذه، وإن كانت قبلها في المصحف؛ لأنها متأخرة عنها في النزول، وليس في القرآن آية هي الأولى في المصحف وهي ناسخة لآية بعدها فيه إلا في موضعين: أحدهما هذا الموضع، والثاني: آية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب/ ٥٠] هي الأولى في المصحف وهي ناسخة لقوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية [الأحزاب/ ٥٢]؛ لأنها وإن تقدمت في المصحف فهي متأخرة في النزول. وهذا على القول بالنسخ، ويأتي إن شاء اللَّه تحرير المقام في سورة الأحزاب. قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة/ ٢٥٦]. هذه الآية تدل بظاهرها على أنه لا يكره أحد على الدخول في الدين. ونظيرها قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾ [يونس/ ٩٩]، وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى/ ٤٨]. وقد جاء في آيات كثيرة ما يدل على إكراه الكفار على الدخول في الإسلام بالسيف، كقوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح/ ١٦]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة/ ١٩٣] أي: شرك، ويدل لهذا التفسير الحديثُ الصحيح: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه" الحديث.

стр. 46

والجواب عن هذا بأمرين: الأول -وهو الأصح-: أن هذه الآية في خصوص أهل الكتاب. والمعنى: أنهم قبل نزول قتالهم لا يكرهون على الدين مطلقًا، وبعد نزول قتالهم لا يكرهون عليه إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. والدليل على خصوصها بهم: ما رواه أبو داود وابن أبي حاتم والنسائي وابن حبان وابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال: كانت المرأة تكون مِقْلاتًا؛ فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوِّده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا. فأنزل اللَّه ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة/ ٢٥٦] المِقْلات: التي لا يعيش لها ولد. وفي المثل: أحرُّ من دمع المِقْلات. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحصين، كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلمًا، فقال للنبي ﷺ : ألا أستكرههما؛ فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل اللَّه الآية. وروى ابن جرير أن سعيد بن جبير سأله أبو بشر عن هذه الآية، فقال: نزلت في الأنصار، فقال: خاصة؟ قال: خاصة. وأخرج ابن جرير عن قتادة بإسنادين في قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، قال: أكره عليه هذا الحي من العرب؛ لأنهم كانوا أمة أمية ليس لهم كتاب يعرفونه، فلم يقبل منهم غير الإسلام. ولا يكره عليه

стр. 47

أهل الكتاب إذا أقروا بالجزية أو بالخراج، ولم يفتنوا عن دينهم، فيخلى سبيلهم. وأخرج ابن جرير -أيضًا- عن الضحاك في قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ و، قال: أُمِرَ رسولُ اللَّه ﷺ أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان، فلم يقبل منهم إلا لا إله إلا اللَّه أو السيف، ثم أُمِرَ في من سواهم أن يقبل منهم الجزية، فقال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة/ ٢٥٦]. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس -أيضًا- في قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: وذلك لما دخل الناس في الإسلام وأعطى أهل الكتاب الجزية. فهذه النقول تدل على خصوصها بأهل الكتاب المعطين الجزية ومن في حكمهم. ولا يرد على هذا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن التخصيص فيها عرف بالنقل عن علماء التفسير لا بمطلق خصوص السبب. ومما يدل للخصوص: أنه ثبت في الصحيح: "عَجِبَ ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل". الأمر الثاني: أنها منسوخة بآيات القتال، كقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة/ ٥]. ومعلوم أن سورة البقرة من أول ما نزل بالمدينة، وسورة براءة من آخر ما نزل بها، والقول بالنسخ مروي عن ابن مسعود وزيد بن أسلم. وعلى كل حالٍ فآيات السيف نزلت بعد نزول السورة التي فيها

стр. 48

﴿لَا إِكْرَاهَ﴾ الآية. والمتأخر أولى من المتقدم. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية [البقرة/ ٢٨٤]. هذه الآية تدل بظاهرها على أن الوسوسة وخواطر القلوب يؤاخذ بها الانسان مع أنه لا قدرة له على دفعها. وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الانسان لا يكلف إلا بما يطيق، كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦]، وقوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن/ ١٦]. والجواب: أن آية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ منسوخة بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.

стр. 49

سورة آل عمران قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية [آل عمران/ ٧]. هذه الآية الكريمة تدل على أن من القرآن محكمًا ومنه متشابهًا. وقد جاءت آية أخرى تدل على أن كله محكم، وآية تدل على أن كله متشابه. أما التي تدل على إحكامه كله فهي قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود/ ١]، وأما التي تدل على أن كله متشابه فهي قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر/ ٢٣]. ووجه الجمع بين هذه الآيات: أن معنى كون كله محكمًا: أنه في غاية الإحكام، أي: الإتقان في ألفاظه ومعانيه وإعجازه، أخباره صدقٌ وأحكامه عدل، لا يعتريه وصمة ولا عيب، لا في الألفاظ ولا في المعاني. ومعنى كونه متشابهًا: أن آياته يشبه بعضها بعضا في الحسن والصدق والإعجاز، والسلامة من جميع العيوب. ومعنى كون بعضه محكمًا وبعضه متشابهًا: أن المحكم منه: هو واضح المعنى لكل الناس، كقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الاسراء/ ٣٢]، ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء/ ٣٩]، والمتشابه: هو ما خفي علمه على غير الراسخين في العلم، بناء على أن الواو في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران/ ٧] عاطفة. أو هو: ما استأثر

стр. 50

اللَّه بعلمه، كمعاني الحروف المقطعة في أوائل السور، بناء على أن الواو في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ استئنافية لا عاطفة. قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران/ ٢٨]. هذه الآية الكريمة توهم أن اتخاذ الكفار أولياء إذا لم يكن من دون المؤمنين لا بأس به، بدليل قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقد جاءت آيات أخر تدل على منع اتخاذهم أولياء مطلقًا، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾ [النساء/ ٨٩]، وكقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الآية [المائدة/ ٥٧]. والجواب عن هذا: أن قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لا مفهوم له. وقد تقرر في علم الأصول: أن دليل الخطاب -الذي هو مفهوم المخالفة- له موانع تمنع اعتباره، منها: كون تخصيص المنطوق بالذِّكْر لأجل موافقته للواقع، كما في هذه الآية، لأنها نزلت في قوم والوا اليهود دون المؤمنين، فنزلت ناهية عن الصورة الواقعة من غير قصد التخصيص بها، بل موالاة الكفار حرام مطلقًا. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً. . .﴾ الآية [آل عمران/ ٣٨]. هذه الآية تدل على أن زكريا -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-

стр. 51

ليس عنده شكُّ في قدرة اللَّه على أن يرزقه الولد، على ما كان منه من كِبَر السِّنّ. وقد جاء في آية أخرى ما يُوهِم خلاف ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران/ ٤٠] الآية. والجواب عن هذا بأمور: الأول: ما أخرجه ابن جرير عن عكرمة والسدي: من أن زكريا لما نادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران/ ٣٩]، قال له الشيطان: ليس هذا نداء الملائكة، وإنما هو نداء الشيطان. فداخل زكريا الشك في أن النداء من الشيطان، فقال عند ذلك الشك الناشئ عن وسوسة الشيطان قبل أن يتيقن أنه من اللَّه: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ [آل عمران/ ٤٠]. ولذا طلب الآية من اللَّه على ذلك بقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ الآية [آل عمران/ ٤١]. الثاني: أنَّ استفهامه استفهام استعلام واستخبار؛ لأنه لا يدري هل اللَّه يأتيه بالولد من زوجه العجوز، أو يأمره بأن يتزوج شابة، أو يردهما شابين. الثالث: أنه استفهام استعظام وتعجب من كمال قدرة اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [آل عمران/ ٤٩].

стр. 52

هذه الآية يوهم ظاهرها أن بعض المخلوقين ربما خلق بعضهم. ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ الآية [العنكبوت/ ١٧]. وقد جاءت آيات أخر تدل على أن اللَّه هو خالق كل شيء، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر/ ٤٩]، وقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر/ ٦٢]، إلى غير ذلك من الآيات. والجواب ظاهر، وهو أن معنى خلق عيسى كهيئة الطير من الطين هو: أخذه شيئًا من الطين وجعله إياه على هيئة -أي صورة- الطير، وليس المراد الخلق الحقيقي؛ لأن اللَّه متفرد به جلَّ وعلا. وقو له: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت/ ١٧] معناه: تكذبون. فلا منافاة بين الآيات كما هو ظاهر. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ الآية [آل عمران/ ٥٥]. هذه الآية الكريمة يتوهم من ظاهرها وفاة عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على خلاف ذلك: كقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء/ ١٥٧]، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية [النساء/ ١٥٩] على ما فسرها به ابن عباس -في إحدى الروايتين- وأبو مالك والحسن وقتادة وابن زيد وأبو هريرة، ودلت على صدقه الأحاديث المتواترة، واختاره ابن

стр. 53

جرير، وجزم ابن كثير بانه الحق، من أن قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي موت عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه: الأول: أن قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران/ ٥٥] لا يدل على تعيين الوقت، ولا يدل على كونه قد مضى. وهو متوفيه قطعًا يومًا ما. ولكن لا دليل على أن ذلك اليوم قد مضى. وأما عطفه ﴿وَرَافِعُكَ﴾ إلى قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ فلا دليل فيه؛ لإطباق جمهور أهل اللسان العربي على أن الواو لا تقتضي الترتيب ولا الجمع، وإنما تقتضي مطلق التشريك. وقد ادعى السيرافي والسهيلي إجماع النحاة على ذلك، وعزاه الأكثرُ للمحققين، وهو الحق، خلافًا لما قاله قطرب والفراء وثعلب وأبو عمرو الزاهد وهشام والشافعي من أنها تفيد الترتيب لكثرة استعمالها فيه. وقد أنكر السيرافي ثبوت هذا القول عن الفراء، وقال: لم أجده في كتابه. وقال ولي الدين: أنكر أصحابنا نسبة هذا القول إلى الشافعي. حكاه عنه صاحب "الضياء اللامع". وقوله ﷺ : "ابدأ بما بدأ اللَّه به" يعني: الصفا، لا دليل فيه على اقتضائها الترتيب. وبيان ذلك هو ما قاله الفهري -كما ذكر عنه صاحب "الضياء اللامع"- وهو أنها لا تقتضي الترتيب ولا المعية، فكذلك لا تقتضي المنع منهما، فقد يكون العطف بها مع قصد

стр. 54

الاهتمام بالأول، كقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة/ ١٥٨]، بدليل الحديث المتقدم. وقد يكون المعطوف بها مرتبًا كقول حسان: * هجوتَ محمدًا وأجبتُ عنه * على رواية الواو. وقد يراد بها المعية كقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت/ ١٥]، وقوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة/ ٩] ولكن لا تحمل على الترتيب ولا على المعية إلا بدليل منفصل. الوجه الثاني: إن معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: منيمك ورافعك إليَّ، أي في تلك النومة. وقد جاء في القرآن إطلاق الوفاة على النوم في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام/ ٦٠]، وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر/ ٤٢]. وعزا ابن كثير هذا القول للأكثرين، واستدل بالآيتين المذكورتين، وقوله ﷺ : "الحمد للَّه الذي أحيانا بعدما أماتنا. . . " الحديث. الوجه الثالث: إن ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ اسم فاعل "توفاه" إذا قبضه وحازه إليه. ومنه قولهم: "توفى فلان دينه" إذا قبضه إليه. فيكون معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ على هذا: قابضك منهم إليَّ حيًا. وهذا القول هو اختيار ابن جرير. وأما الجمع بأنه توفاه ساعات أو أيامًا ثم أحياه، فالظاهر أنه من

стр. 55

الإسرائيليات، وقد نهى ﷺ عن تصديقها وتكذيبها. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ الآية [آل عمران/ ٦٧]. هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن تدل على أن إبراهيم -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- لم يكن مشركًا يومًا ما؛ لأن نفي الكون الماضي في قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ يدل على استغراق النفي لجميع الزمن الماضي، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [الأنبياء/ ٥١]. وقد جاء في موضع آخر ما يوهم خلاف ذلك، وهو قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾، ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾، ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام/ ٧٦، ٧٧، ٧٨]. ومن ظن ربوبية غير اللَّه فهو مشرك باللَّه، كما دل عليه قوله تعالى عن الكفار: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦)﴾ [يونس/ ٦٦]. والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أنه مناظر لا ناظر، ومقصوده التسليم الجدلي، أي: هذا ربي على زعمكم الباطل. والمناظر قد يسلِّم المقدمة الباطلة تسليمًا جدليًّا ليفحم بذلك خصمه. فلو قال لهم إبراهيم في أول الأمر: الكوكب مخلوق لا يمكن أن

стр. 56

يكون ربًا. لقالوا له: كذبت، بل الكوكب رب. ومما يدل لكونه مناظرًا لا ناظرًا قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ الآية [الأنعام/ ٨٠]. وهذا الوجه هو الأظهر. وما استدل به ابن جرير على أنه غير مناظر من قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾ [الأنعام/ ٧٧] لا دليل فيه على التحقيق؛ لأن الرسل يقولون مثل ذلك تواضعًا وإظهارًا لالتجائهم إلى اللَّه، كقول إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم/ ٣٥]، وقوله هو وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ الآية [البقرة/ ١٢٨]. الوجه الثاني: أن الكلام على حذف همزة الاستفهام؛ أي: أهذا ربي؛ وقد تقرر في علم النحو: أن حذف همزة الاستفهام إذا دل المقام عليها جائز. وهو قياسي عند الأخفش مع "أم" ودونها، ذكر الجواب أم لا. فمن أمثلته دون "أم" ودون ذكر الجواب قول الكميت: طربت وما شوقًا إلى البيض أطْرَبُ ... ولا لعبًا مني وذو الشيب يلعب يعني: أو ذو الشيب يلعب؟ وقول أبي خراش الهذلي واسمه خويلد: رَفَوني وقالوا يا خويلد لم تُرَعْ ... فقلتُ وأنكرتُ الوجوه همُ همُ

стр. 57

يعني: أهم هم؟ كما هو الصحيح، وجزم به الألوسي في "تفسيره"، وذكره ابن جرير عن جماعة، ويدل له قوله: وأنكرت الوجوه. ومن أمثلته دون "أم" مع ذكر الجواب، قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: ثمَّ قالوا: تحبها؟ قلت: بَهْرًا ... عدد النجم والحصى والتراب يعني: أتحبها؟ على القول الصحيح. وهو مع "أم" كثير جدًّا، ومن أمثلته قول الأسود بن يعفر التميمي، وأنشده سيبويه لذلك: لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا ... شعيثُ بن سهمٍ أم شعيثُ بن مِنْقَرِ يعني: أشعيث بن سهم؟ وقول ابن أبي ربيعة المخزومي: بدا لي منها معصمٌ يوم جَمَّرَتْ ... وكفٌّ خضيبٌ زُيِّنَتْ ببنان فواللَّه ما أدري وإني لحاسبٌ ... بسبعٍ رميت الجمر أم بثمان يعني: أبسبع؟ وقول الأخطل: كَذَبَتْكَ عينُك أم رأيت بواسطٍ ... غَلَسَ الظلام من الرباب خَيالا يعني: أكذبتك عينك؟ كما نص سيبويه على جواز ذلك في بيت

стр. 58

الأخطل هذا، وإن خالف الخليل زاعمًا أن "كذبتك" صيغة خبرية، وأن "أم" بمعنى "بل"، ففي البيت على قول الخليل نوع من أنواع البديع المعنوي يسمى بالرجوع عند البلاغيين. وقول الخنساء: قذًى بعينيك أم بالعين عُوَّارُ ... أم أَقْفَرتْ إذ خَلَتْ من أهلها الدار تعني: أقذًى بعينيك؟ وقول أُحيحة بن الجلاح الأنصاري: وما تدري وإن ذمَّرت سقبًا ... لغيرك أم يكون لك الفَصِيلُ يعني: ألغيرك؟ وقول امري القيس: تَروحُ من الحيِّ أم تَبتكِرُ ... وماذا عليك بأن تَنْتظِر يعني: أتروح؟ وعلى هذا القول فقرينة الاستفهام المحذوف علوُّ مقام إبراهيم عن ظن ربوبية غير اللَّه، وشهادة القرآن له بالبراءة من ذلك. والآية على هذا القول تشبه قراءة ابن محيصن: "سواء عليهم أنذرتهم". ونظيرها على هذا القول قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء/ ٣٤] يعني: أفهم الخالدون؟ ، وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا﴾ [الشعراء/ ٢٢] على أحد القولين، وقوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ

стр. 59

الْعَقَبَةَ (١١)﴾ [البلد/ ١١] على أحد القولين. وما ذكره بعض العلماء غير هذين الوجهين فهو راجع إليهما، كالقول بإضمار القول، أي: يقول الكفار: هذا ربي. فإنه راجع إلى الوجه الأول. وأما ما ذكره ابن إسحاق واختاره ابن جرير الطبري ونقله عن ابن عباس من أن إبراهيم كان ناظرًا يظن ربوبية الكوكب، فهو ظاهر الضعف؛ لأن نصوص القرآن ترده، كقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ [آل عمران/ ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل/ ١٢٣]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء/ ٥١]. وقد بيَّن المحقق ابن كثير في "تفسيره" رد ما ذكره ابن جرير بهذه النصوص القرآنية وأمثالها، والأحاديث الدالة على مقتضاها، كقوله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة" الحديث. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)﴾ [آل عمران/ ٩٠]. هذه الآية الكريمة تدل على أن المرتدين بعد إيمانهم، المزدادين كفرًا، لا يقبل اللَّه توبتهم إذا تابوا؛ لأنه عبر بـ "لن" الدالة على نفي الفعل في المستقبل. مع أنه جاءت آيات أخر دالة على أن اللَّه يقبل توبة كل تائب قبل حضور الموت، وقبل طلوع الشمس من مغربها، كقوله تعالى:

стр. 60

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال/ ٣٨]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى/ ٢٥]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام/ ١٥٨]، فإنه يدل بمفهومه على أن التوبة قبل إتيان بعض الآيات مقبولة من كل تائب. وصرح تعالى بدخول المرتدين في قبول التوبة قبل هذه الآية مباشرة في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾ [آل عمران/ ٨٦ - ٨٩]، فالاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ راجع إلى المرتدين بعد الإيمان، المستحقين للعذاب واللعنة إن لم يتوبوا. ويدل له -أيضًا- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ الآية [البقرة/ ٢١٧]؛ لأن مفهومه أنه إنْ تاب قبل الموت قبلت توبته مطلقًا. والجواب من أربعة أوجه: الأول -وهو اختيار ابن جرير ونقله عن رفيع أبي العالية-: أن المعنى: أن الذين كفروا من اليهود بمحمد ﷺ بعد إيمانهم به قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفرًا بما أصابوا من الذنوب في كفرهم، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم حتى يتوبوا من كفرهم. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾؛ لأنه يدل على أن توبتهم مع بقائهم على ارتكاب الضلال، وعدمُ قبولها حينئذ

стр. 61

ظاهرٌ. الثاني -وهو أقربها عندي-: أن قوله تعالى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ يعني: إذا تابوا عند حضور الموت. ويدل لهذا الوجه أمران: الأول: أنه تعالى بين في مواضع أخر أن الكافر الذي لا تقبل توبته هو الذي يصر على الكفر حتى يحضره الموت فيتوب في ذلك الوقت، كقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء/ ١٨]، فجعل التائب عند حضور الموت والميت على كفره سواء، وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية [غافر/ ٨٥]، وقوله في فرعون: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس/ ٩١]. فالإطلاق الذي في هذه الآية يقيَّد بقيدِ تأخير التوبة إلى حضور الموت؛ لوجوب حمل المطلق على المقيد، كما تقرر في الأصول. والثاني: أنه تعالى أشار إلى ذلك بقوله: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾، فإنه يدل على عدم توبتهم في وقت نفعها. ونقل ابن جرير هذا الوجه الثاني -الذي هو التقييد بحضور الموت- عن الحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدي. الثالث: أن معنى ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ أي: إيمانهم الأول؛ لبطلانه بالردة بعده.

стр. 62

ونقل ابن جرير (١) هذا القول عن ابن جريج. ولا يخفى ضعف هذا القول وبعده عن ظاهر القرآن. الرابع: أن المراد بقوله: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾: أنهم لم يوفقوا للتوبة النصوح حتى تقبل منهم. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ [النساء/ ١٣٧]، فإن قوله تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ يدل على أن عدم غفرانه لهم لعدم توفيقهم للتوبة والهدى، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء/ ١٦٨ - ١٦٩]، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦)﴾ الآية [يونس/ ٩٦]. ونظير الآية على هذا القول قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر/ ٤٨] أي: لا شفاعة لهم أصلًا حتى تنفعهم، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ الآية [المؤمنون/ ١١٧]؛ لأن الإله الآخر لا يمكن وجوده أصلًا، حتى يقوم عليه برهان أو لا يقوم عليه. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: مثل هذا الوجه الأخير هو المعروف عند النُّظَّار بقولهم: السالبة لا تقضي بوجود الموضوع.

стр. 63

وإيضاحه: أن القضية السالبة عندهم صادقة في صورتين؛ لأن المقصود منها عدم اتصاف الموضوع بالمحول، وعدم اتصافه به يتحقق في صورتين: الأولى: أن يكون الموضوع موجودًا، إلا أن المحمول منتفٍ عنه، كقولك: ليس الإنسان بحجر، فالإنسان موجود والحجرية منتفيةٌ عنه. والثانية: أن يكون الموضوع من أصله معدومًا؛ لأنه إذا عدم تحقق عدم اتصافه بالمحمول الوجودي، لأن العدم لا يتصف بالوجود، كقولك: لا نظير للَّه يستحق العبادة. فإن الموضوع -الذي هو النظير للَّه- مستحيل من أصله، وإذا تحقق عدمه تحقق انتفاء اتصافه باستحقاق العبادة ضرورةً. وهذا النوع من أساليب اللغة العربية، ومن شواهده قول امرئ القيس: على لاحبٍ لا يهتدى بمناره ... إذا سَافَهُ العَوْدُ النَّبَاطِيُّ جرجرا لأن المعنى: على لاحبٍ لا منار له أصلًا حتى يهتدى به. وقول الآخر: لا تُفْزِعُ الأرنبَ أهوالُها ... ولا ترى الضبَّ بها يَنْجَحِر لأنه يصف فلاةً بأنها ليس فيها أرانب ولا ضباب حتى تفزع أهوالُها الأرنبَ، أو ينجحر فيها الضب، أي: يدخل الجحر أو

стр. 64

يتخذه. وقد أوضحت مسألة أنَّ السالبة لا تقتضي وجود الموضوع في أرجوزتي في المنطق في مبحث انحراف السور، وأوضحت فيها -أيضًا- في مبحث التحصيل والعدول: أن من الموجبات ما لا يقتضي وجود الموضوع، نحو: بحر من زئبق ممكن، والمستحيل معدوم. فإنها موجبتان، وموضوع كل منهما معدوم. وحررنا هناك التفصيل فيما يقتضي وجود الموضوع وما لا يقتضيه. وهذا الذي قررنا من أن المرتد إذا تاب قبلت توبته، ولو بعد تكرر الردة ثلاث مرات أو أكثر = لا منافاة بينه وبين ما قاله جماعة من العلماء الأربعة وغيرهم، وهو مروي عن عليٍّ وابن عباس: من أن المرتد إذا تكرر منه ذلك يقتل ولا تقبل توبته، واستدل بعضهم على ذلك بهذه الآية؛ لأن هذا الخلاف في تحقيق المناط [لا في نفس المناط, والمتناظران قد يختلفان في تحقيق المناط] [*] مع اتفاقهما على أصل المناط. وإيضاحه: أن المناط مكان النوط، وهو التعليق. ومنه قول حسان ﵁: وأنت زنيمٌ نِيطَ في آل هاشمٍ ... كما نيط خلف الراكبِ القدحُ الفردُ والمراد به: مكان تعليق الحكم، وهو العلة، فالمناط والعلة مترادفان اصطلاحًا، إلا أنه غلب التعبير بلفظ المناط في المسلك الخامس من مسالك العلة، الذي هو المناسبة والاخالة، فإنه يسمى تخريج المناط، وكذلك في المسلك التاسع الذي هو تنقيح المناط.

стр. 65

فتخريج المناط هو: استخراج العلة بمسلك المناسبة والإخالة. وتنقيح المناط هو: تصفية العلة وتهذيبها حتى لا يخرج شيء صالح لها، ولا يدخل شيء غير صالح لها، كما هو معلوم في محله. وأما تحقيق المناط -وهو الغرض هنا- فهو: أن يكون مناط الحكم متفقًا عليه بين الخصمين، إلا أن أحدهما يقول: هو موجود في هذا الفرع، والثاني يقول: لا. ومثاله: الاختلاف في قطع النباش، فإن أبا حنيفة -رحمه اللَّه تعالى- يوافق الجمهور على أن السرقة هي مناط القطع، ولكنه يقول: لم يتحقق المناط في النباش؛ لأنه غير سارق، بل هو آخذ مال عارض للضياع كالملتقط من غير حرز. فإذا حققت ذلك، فاعلم أن مراد القائلين أنه لا تقبل توبته: أن أفعاله دالة على خبث نيته وفساد عقيدته، وأنه ليس تائبًا في الباطن (١) توبة نصوحًا، فهم موافقون على أنَّ التوبة النصوح مناط القبول كما ذكرنا، ولكن يقولون: أفعال هذا الخبيث دلت على عدم تحقيق المناط. ومن هنا اختلف العلماء في توبة الزنديق، أعني: المستسر بالكفر، فمن قائل: لا تقبل توبته، ومن قائل: تقبل، ومن مفرق بين إتيانه تائبًا قبل الاطلاع عليه وبين الاطلاع على نفاقه قبل التوبة، كما هو معروف في فروع مذاهب الأئمة الأربعة؛ لأن الذين يقولون:

стр. 66

"يقتل ولا تقبل توبته" يرون أن نفاقه الباطن دليل على أن توبته تَقِيَّةٌ لا حقيقة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ [البقرة/ ١٦٠]، فقالوا: الإصلاح شرط، والزنديق لا يُطَّلع على إصلاحه؛ لأن الفساد إنما أتى مما أسره، فإذا اطلع عليه وأظهر الإقلاع لم يزل في الباطن على ما كان عليه. والذي يظهر أن أدلة القائلين بقبول توبته مطلقًا أظهر وأقوى، كقوله ﷺ لأسامة ﵁: "هلا شققت عن قلبه"، وقوله للذي سارَّه في قتل رجل: "أليس يصلي؟ " قال: بلى. قال: "أولئك الذين نهيت عن قتلهم"، وقوله لخالد لما استأذنه في قتل الذي أنكر القسمة: "إني لم أومر بأن أنقب عن قلوب الناس". وهذه الأحاديث في الصحيح. ويدل لذلك -أيضًا- إجماعهم على أن أحكام الدنيا على الظاهر، واللَّه يتولى السرائر. وقد نص تعالى على أن الأيمان الكاذبة جُنَّةٌ للمنافقين في الأحكام الدنيوية بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة/ ١٦]، وقوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ [التوبة/ ٩٥]، وقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ الآية [التوبة/ ٥٦]، إلى غير ذلك من الآيات. وما استدل به بعضهم من قتل ابن مسعود لابن النواحة صاحب مسيلمة، فيجاب عنه بأنه قتله لقول النبي ﷺ حين جاءه رسولًا لمسيلمة: "لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك". فقتله ابن مسعود تحقيقًا لقوله ﷺ ، فقد روي أنه قتله لذلك.

стр. 67

فإن قيل: هذه الآية الدالة على عدم قبول توبتهم أخص من غيرها؛ لأن فيها القيد بالردة وازدياد الكفر، فالذي تكررت منه الردة أخص من مطلق المرتد، والدليل على الأعم ليس دليلًا على الأخص؛ لأن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص. فالجواب: أن القرآن دل على قبول توبة من تكرر منه الكفر إذا أخلص في الإنابة إلى اللَّه. ووجه دلالة القرآن على ذلك أنه تعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ [النساء/ ١٣٧]، ثم بين أن المنافقين داخلون فيهم بقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾ الآية [النساء/ ١٣٨]. ودلالة الاقتران وإن ضعفها الأصوليين (١) فقد صححتها جماعة من المحققين، ولا سيما إذا اعتضدت بدلالة القرينة عليها، كما هنا؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾ فيه الدلالة الواضحة على دخولهم في المراد بالآية، بل كونُها في خصوصهم قال به جماعةٌ من العلماء. فإذا حققت ذلك، فاعلم أن اللَّه تعالى نص على أن من أخلص التوبة من المنافقين تاب اللَّه عليه، بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا

стр. 68

وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء/ ١٤٥ - ١٤٧]. وقد كان مخشي بن حمير ﵁ من المنافقين الذين أنزل اللَّه فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة/ ٦٥ - ٦٦] فتاب إلى اللَّه بإخلاص، فتاب اللَّه عليه، وأنزل اللَّه فيه: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ الآية [التوبة/ ٦٦]. فتحصَّل أن القائلين بعدم قبول توبة من تكررت منه الردة، يعنون الأحكام الدنيوية، ولا يخالفون في أنه إذا أخلص التوبة إلى اللَّه قبلها منه؛ لأن اختلافهم في تحقيق المناط كما تقدم. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ الآية [آل عمران/ ١٠٢]. هذه الآية تدل على التشديد البالغ في تقوى اللَّه تعالى. وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن/ ١٦]. والجواب بأمرين: الأول: أن آية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ناسخة لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ

стр. 69

حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. وذهب إلى هذا القول سعيد بن جبير، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، والسدي، وغيرهم. قاله ابن كثير. الثاني: أنها مبينة للمقصود بها. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران/ ١٠٣]. هذه الآية الكريمة تدل على أن الأنصار ما كان بينهم وبين النار إلا أن يموتوا، مع أنهم كانوا أهل فترة، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء/ ١٥]، ويقول: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ الآية [النساء/ ١٦٥]. وقد بين تعالى هذه الحجة بقوله في سورة طه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ [طه/ ١٣٤]. والآيات بمثل هذا كثيرة. والذي يظهر في الجواب -واللَّه تعالى أعلم-: أنه برسالة محمد ﷺ لم يبق عذر لأحد، فكل من لم يؤمن به فليس بينه وبين النار إلا أن يموت، كما بيَّنه تعالى بقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ الآية [هود/ ١٧]. وما أجاب به بعضهم من أن عندهم بقية من إنذار الرسل الماضين تلزمهم بها الحجة، فهو جواب باطل؛ لأن نصوص القرآن مصرحة بانهم لم يأتهم نذير، كقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ

стр. 70

آبَاؤُهُمْ﴾ [يس/ ٦]، وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [السجدة/ ٣]، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص/ ٤٦]، وقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ الآية [المائدة/ ١٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)﴾ [سبأ/ ٤٤]. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران/ ١٢٣]. وصف اللَّه المؤمنين في هذه الآية بكونهم أذلة حال نصره لهم ببدر. وقد جاء في آية أخرى وصفه تعالى لهم بأن لهم العزة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون/ ٨]، ولا يخفى ما بين العزة والذلة من التنافي والتضاد. والجواب ظاهر، وهو: أن معنى وصفهم بالذلة هو قلة عَدَدهم وعُدَدهم يوم بدر، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ نزل في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق، وذلك بعد أن قويت شوكة المسلمين وكثر عَدَدهم وعُدَدهم. مع أن العزة والذلة يمكن الجمع بينهما باعتبار آخر، وهو: أن الذلة باعتبار حال المسلمين من قلة العَدَد والعُدَد، والعزة باعتبار نصر اللَّه وتأييده، كما يشير إلى هذا قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ

стр. 71

قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال/ ٢٦]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران/ ١٢٣]، فإن زمان الحال هو زمان عاملها، فزمان النصر هو زمان كونهم أذلة. فظهر أن وصف الذلة باعتبار، ووصف النصر والعزة باعتبار آخر، فانفكت الجهة. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ الآية [آل عمران/ ١٢٤]. هذه الآية تدل على أن المدد من الملائكة يوم بدر من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف. وقد ذكر تعالى في سورة الأنفال أن هذا المدد ألفٌ بقوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ الآية [الأنفال/ ٩]. والجواب عن هذا من وجهين: الأول: أنه وعدهم بألف أولًا، ثم صارت ثلاثة آلاف، ثم صارت خمسة، كما في هذه الآية. الوجه الثاني: أن آية الأنفال لم تقتصر على الألف بل أشارت إلى الزيادة المذكورة في آل عمران، ولا سيما في قراءة نافع ﴿من الملائكة مُرْدِفِينَ﴾ بفتح الدال على صيغة المفعول، لأن معنى (مُرْدَفِينَ): متبوعين بغيرهم. وهذا هو الحق. وأما على قول من قال: إن المدد المذكور في آل عمران في يوم

стр. 72

أُحد، والمذكور في الأنفال في يوم بدر، فلا إشكال على قوله إلا في أن غزوة أحد لم يأت فيها مدد من الملائكة. والجواب: أن إتيان المدد فيها -على القول به- مشروط بالصبر والتقوى في قوله: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾ الآية [آل عمران/ ١٢٥]، ولما لم يصبروا ويتقوا لم يأت المدد. وهذا قول مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم. قاله ابن كثير. قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ الآية [آل عمران/ ١٥٣]. قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: غمًّا على غم. يعني: حزنًا على حزن. أو أثابكم غمًّا بسبب غمكم رسول اللَّه ﷺ بعصيان أمره. والمناسب لهذا الغم -بحسب ما يسبق إلى الذهن- أن يقول: لكي تحزنوا. أما قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ فهو مشكل؛ لأن الغم سبب للحزن لا لعدمه. والجواب عن هذا من أوجه: الأول: أن قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ متعلق بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران/ ١٥٢]. وعليه، فالمعنى: أنه تعالى عفا عنكم؛ لتكون حلاوة عفوه تزيل عنكم ما نالكم من غم القتل والجراح، وفوت الغنيمة والظفر، والجزع من إشاعة أن النبي ﷺ قتله المشركون.

стр. 73

الوجه الثاني: أن معنى الآية: أنه تعالى غمكم هذا الغم لكي تتمرنوا على نوائب الدهر، فلا يحصل لكم الحزن في المستقبل؛ لأن من اعتاد الحوادث لا تؤثر عليه. الوجه الثالث: أن "لا" صلةٌ، وسيأتي الكلام على زيادتها بشواهده العربية -إن شاء اللَّه تعالى- في الجمع بين قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد/ ١]، وقوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين/ ٣].

стр. 74

سورة النساء قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ الآية [النساء/ ٣]. هذه الآية الكريمة تدل على أن العدل بين الزوجات ممكن. وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أنه غير ممكن، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ الآية [النساء/ ٨]. والجواب عن هذا: أن العدل بينهن الذي ذكر اللَّه أنه ممكن هو: العدل في توفية الحقوق الشرعية. والعدل الذي ذكر أنه غير ممكن هو: المساواة في المحبة والميل الطبيعي؛ لأن هذا انفعال لا فعل، فليس تحت قدرة البشر. والمقصود: أن من كان أَمْيَلَ بالطبع إلى إحدى الزوجات فليتق اللَّه وليعدل في الحقوق الشرعية، كما يدل عليه قوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ الآية [النساء/ ١٢٩]. وهذا الجمع رُوي معناه عن ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم. نقله عنهم ابن كثير في تفسير قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. وروى ابن أبي حاتم عن ابن أبي مليكة أن آية: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ نزلت في عائشة؛ لأن النبي ﷺ كان يميل إليها بالطبع أكثر من غيرها.

стр. 75

وروى الإمام أحمد وأهل السنن عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك". يعني: القلب. انتهى من ابن كثير. قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ الآية [النساء/ ١٥]. هذه الآية تدل على أن الزانية لا تجلد، بل تحبس إلى الموت أو إلى جَعْلِ اللَّهِ لها سبيلًا. وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أنها لا تحبس، بل تجلد مائة إن كانت بكرًا. وجاء في آية منسوخة التلاوة باقية الحكم أنها إن كانت محصنة ترجم. والجواب ظاهر، وهو: أن حبس الزواني في البيوت منسوخ بالجلد والرجم، أو أنه كانت له غاية ينتهي إليها هي جَعْلُ اللَّهِ لهن السبيل، فجعل اللَّه السبيل بالحد، كما يدل عليه قوله ﷺ : "خذوا عني قد جعل اللَّه لهن سبيلًا" الحديث. قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ الآية [النساء/ ٢٣]. هذه الآية تدل بعمومها على منع الجمع بين كل أختين سواء كانتا بعقد أم بملك يمين. وقد جاءت آية تدل بعمومها على جواز جمع الأختين بملك
следующие страницы →