← Тафсир

Тафсир · id 281

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (383 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال/ ٢٦]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران/ ١٢٣]، فإن زمان الحال هو زمان عاملها، فزمان النصر هو زمان كونهم أذلة. فظهر أن وصف الذلة باعتبار، ووصف النصر والعزة باعتبار آخر، فانفكت الجهة. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ الآية [آل عمران/ ١٢٤]. هذه الآية تدل على أن المدد من الملائكة يوم بدر من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف. وقد ذكر تعالى في سورة الأنفال أن هذا المدد ألفٌ بقوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ الآية [الأنفال/ ٩]. والجواب عن هذا من وجهين: الأول: أنه وعدهم بألف أولًا، ثم صارت ثلاثة آلاف، ثم صارت خمسة، كما في هذه الآية. الوجه الثاني: أن آية الأنفال لم تقتصر على الألف بل أشارت إلى الزيادة المذكورة في آل عمران، ولا سيما في قراءة نافع ﴿من الملائكة مُرْدِفِينَ﴾ بفتح الدال على صيغة المفعول، لأن معنى (مُرْدَفِينَ): متبوعين بغيرهم. وهذا هو الحق. وأما على قول من قال: إن المدد المذكور في آل عمران في يوم

стр. 72

أُحد، والمذكور في الأنفال في يوم بدر، فلا إشكال على قوله إلا في أن غزوة أحد لم يأت فيها مدد من الملائكة. والجواب: أن إتيان المدد فيها -على القول به- مشروط بالصبر والتقوى في قوله: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾ الآية [آل عمران/ ١٢٥]، ولما لم يصبروا ويتقوا لم يأت المدد. وهذا قول مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم. قاله ابن كثير. قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ الآية [آل عمران/ ١٥٣]. قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: غمًّا على غم. يعني: حزنًا على حزن. أو أثابكم غمًّا بسبب غمكم رسول اللَّه ﷺ بعصيان أمره. والمناسب لهذا الغم -بحسب ما يسبق إلى الذهن- أن يقول: لكي تحزنوا. أما قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ فهو مشكل؛ لأن الغم سبب للحزن لا لعدمه. والجواب عن هذا من أوجه: الأول: أن قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ متعلق بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران/ ١٥٢]. وعليه، فالمعنى: أنه تعالى عفا عنكم؛ لتكون حلاوة عفوه تزيل عنكم ما نالكم من غم القتل والجراح، وفوت الغنيمة والظفر، والجزع من إشاعة أن النبي ﷺ قتله المشركون.

стр. 73

الوجه الثاني: أن معنى الآية: أنه تعالى غمكم هذا الغم لكي تتمرنوا على نوائب الدهر، فلا يحصل لكم الحزن في المستقبل؛ لأن من اعتاد الحوادث لا تؤثر عليه. الوجه الثالث: أن "لا" صلةٌ، وسيأتي الكلام على زيادتها بشواهده العربية -إن شاء اللَّه تعالى- في الجمع بين قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد/ ١]، وقوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين/ ٣].

стр. 74

سورة النساء قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ الآية [النساء/ ٣]. هذه الآية الكريمة تدل على أن العدل بين الزوجات ممكن. وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أنه غير ممكن، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ الآية [النساء/ ٨]. والجواب عن هذا: أن العدل بينهن الذي ذكر اللَّه أنه ممكن هو: العدل في توفية الحقوق الشرعية. والعدل الذي ذكر أنه غير ممكن هو: المساواة في المحبة والميل الطبيعي؛ لأن هذا انفعال لا فعل، فليس تحت قدرة البشر. والمقصود: أن من كان أَمْيَلَ بالطبع إلى إحدى الزوجات فليتق اللَّه وليعدل في الحقوق الشرعية، كما يدل عليه قوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ الآية [النساء/ ١٢٩]. وهذا الجمع رُوي معناه عن ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم. نقله عنهم ابن كثير في تفسير قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. وروى ابن أبي حاتم عن ابن أبي مليكة أن آية: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ نزلت في عائشة؛ لأن النبي ﷺ كان يميل إليها بالطبع أكثر من غيرها.

стр. 75

وروى الإمام أحمد وأهل السنن عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك". يعني: القلب. انتهى من ابن كثير. قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ الآية [النساء/ ١٥]. هذه الآية تدل على أن الزانية لا تجلد، بل تحبس إلى الموت أو إلى جَعْلِ اللَّهِ لها سبيلًا. وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أنها لا تحبس، بل تجلد مائة إن كانت بكرًا. وجاء في آية منسوخة التلاوة باقية الحكم أنها إن كانت محصنة ترجم. والجواب ظاهر، وهو: أن حبس الزواني في البيوت منسوخ بالجلد والرجم، أو أنه كانت له غاية ينتهي إليها هي جَعْلُ اللَّهِ لهن السبيل، فجعل اللَّه السبيل بالحد، كما يدل عليه قوله ﷺ : "خذوا عني قد جعل اللَّه لهن سبيلًا" الحديث. قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ الآية [النساء/ ٢٣]. هذه الآية تدل بعمومها على منع الجمع بين كل أختين سواء كانتا بعقد أم بملك يمين. وقد جاءت آية تدل بعمومها على جواز جمع الأختين بملك

стр. 76

أليمين، وهي قوله تعالى في سورة "قد أفلح" وسورة "سأل سائل": ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾. فقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ اسم مثنى محلَّى بـ "أل"، والمحلى بها من صيغ العموم، كما تقرر في علم الأصول (١). وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ اسم موصول، وهو -أيضًا- من صيغ العموم، كما تقرر في علم الأصول -أيضًا-. فبين هاتين الآيتين عموم وخصوص من وجه، يتعارضان -بحسب ما يظهر- في صورةٍ هي جمع الأختين بمللك اليمين، فيدل عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ على التحريم، وعموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ على الإباحة، كما قال عثمان بن عفان ﵁: أحلتهما آية وحرمتهما أخرى. وحاصل تحرير الجواب عن هاتين الآيتين: أنهما لابد أن يخصص عموم إحداهما بعموم الأخرى، فيلزم الترجيح بين العمومين، والراجح منهما يقدم ويخصص به عموم الآخر؛ لوجوب العمل بالراجح إجماعًا. وعليه، فعموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ أرجح من عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ من خمسة أوجه:

стр. 77

الأول: أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ نص في محل المدرك المقصود بالذات؛ لأن السورة سورة النساء، وهي التي بين اللَّه فيها من تحل منهن ومن تحرم وآية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ لم تذكر من أجل تحريم النساء ولا تحليلهن، بل ذكر اللَّه صفات المتقين، فذكر من جملتها حفظ الفرج، فاستطرد أنه لا يلزم حفظه عن الزوجة والسرية. وقد تقرر في الأصول أن أخذ الأحكام من مظانها أولى من أخذها لا من مظانها. الثاني: أن آية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ليست باقية على عمومها بإجماع المسلمين؛ لأن الأخت من الرضاع لا تحل بملك اليمين إجماعًا؛ للإجماع على أن عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يخصصه عموم ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، وموطوءة الأب لا تحل بملك اليمين إجماعًا؛ للإجماع على أن عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يخصصه عموم ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء/ ٢٢]. والأصح عند الأصوليين في تعارض العام الذي دخله التخصيص مع العام الذي لم يدخله التخصيص هو: تقديم الذي لم يدخله التخصيص. ووجهه ظاهر. الثالث: أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ غير وارد في معرض مدح ولاذم، وعموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وارد في معرض مدح المتقين.

стр. 78

والعام الوارد في معرض المدح أو الذم اختلف العلماء في اعتبار عمومه، فأكثر العلماء على أن عمومه معتبر، كقوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الإنفطار/ ١٣ - ١٤] فإنه يعم كلَّ بَرٍّ مع أنه للمدح، وكلَّ فاجر مع أنه للذم. وخالف في ذلك بعض العلماء، منهم: الإمام الشافعي ﵀ قائلًا: إن العام الوارد في معرض المدح أو الذم لا عموم له؛ لأن المقصود منه الحث في المدح والزجر في الذم. ولذا لم يأخذ الإمام الشافعي بعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة/ ٣٤] في الحلي المباح؛ لأن الآية سيقت للذم فلا تعم عنده الحلي المباح. فإذا حققت ذلك، فاعلم أن العام الذي لم يقترن بما يمنع اعتبار عمومه أولى من المقترن بما يمنع اعتبار عمومه عند بعض العلماء. الرابع: أنا لو سلمنا المعارضة بين الآيتين، فالأصل في الفروج التحريم، حتى يدل دليل لا معارض له على الإباحة. الخامس: أن العموم المقتضي للتحريم أولى من المقتضي للإباحة؛ لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام، كما سيأتي تحقيقه -إن شاء اللَّه- في سورة المائدة. والعلم عند اللَّه تعالى. فهذه الأوجه الخمسة التي بيَّنا يُرَدُّ بها استدلال داود الظاهري بهذه الآية الكريمة على جمع الأختين في الوطء بملك اليمين. ولكنه يحتج بآية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ

стр. 79

أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء/ ٢٤]، فإنه يقول: الاستثناء راجع -أيضًا- إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، فيكون المعنى على قوله: وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ملكت أيمانكم فإنه لا يحرم فيه الجمع بين الأختين. ورجوع الاستثناء لكل ما قبله من المتعاطفات جملًا كانت أو مفردات هو الجاري على أصول مالك والشافعي وأحمد، وإليه الإشارة بقول صاحب "مراقي السعود": وكل ما يكون فيه العطف ... من قبل الاستثنا فكلا يقفو دون دليل العقل أو ذي السمع ... . . . . . . . . خلافًا لأبي حنيفة القائل برجوع الاستثناء للجملة الأخيرة فقط. ولذلك لا يرى قبول شهادة القاذف ولو تاب وأصلح؛ لأن قوله تعالى ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور/ ٥] يرجع عنده لقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور/ ٤] فقط، أي: إلا الذين تابوا فقد زال فسقهم بالتوبة، ولا يقول برجوعه لقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ أي: إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم، بل يقول: لا تقبلوها لهم مطلقًا؛ لاختصاص الاستثناء بالأخيرة عنده. ولم يخالف أبو حنيفة أصله في قوله برجوع الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان/ ٧٠] لجميع الجمل قبله، أعني قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان/ ٦٨]؛ لأن

стр. 80

جميع هذه الجمل معناها في الجملة الأخيرة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾؛ لأن الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ شاملة لكل من الشرك والقتل والزنى، فبرجوعه للأخيرة رجع للكل. فظهر أن أبا حنيفة لم يخالف فيها أصله. ولأجل هذا الأصل المقرر في الأصول، لو قال رجل: "هذه الدار حبس على الفقراء والمساكين وبني زهرة وبني تميم، إلا الفاسق منهم" فإنه يخرج فاسق الكل عند المالكية والشافعية والحنابلة، خلافًا للحنفية القائلين: يخرج فاسق الأخيرة فقط. وعلى هذا، فاحتجاج داود الظاهري بهذه الآية الأخيرة جارٍ على أصول المالكية والشافعية والحنابلة. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: التحقيق في هذه المسألة هو ما حققه بعض المتأخرين، كابن الحاجب من المالكية، والغزالي من الشافعية، والآمدي من الحنابلة، من أن الحكم في الاستثناء الآتي بعد متعاطفاتٍ هو الوقفُ وأن لا يحكم برجوعه إلى الجميع ولا إلى الأخيرة. وإنما قلنا إن هذا هو التحقيق لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء/ ٥٩]، وإذا رددنا هذا النزاع إلى اللَّه وجدنا القرآن دالًّا على قول هؤلاء -الذي ذكرنا أنه هو التحقيق- في آيات كثيرة: منها: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ

стр. 81

إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء/ ٩٢]، فالاستثناء راجع للدية، فهي تسقط بتصدق مستحقها بها، ولا يرجع لتحرير الرقبة قولًا واحدًا؛ لأن تصدق مستحق الدية بها لا يسقط كفارة القتل الخطأ. ومنها: قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور/ ٤ - ٥]، فالاستثناء لا يرجع لقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾؛ لأن القاذف إذا تاب لا تُسْقِطُ توبتُه حدَّ القذف. ومنها -أيضًا-: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء/ ٨٩ - ٩٥]، فالاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ لا يرجع قولًا واحدًا إلى الجملة الأخيرة التي هي أقرب الجمل إليه، أعني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾؛ إذ لا يجوز اتخاذ ولي ولا نصير من الكفار ولو وصلوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، بل الاستثناء راجع للأخذ والقتل في قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾. والمعنى: فخذوهم بالأسر واقتلوهم، إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق فليس لكم أخذهم بأسر ولاقتلهم؛ لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم وقتلهم، كما اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه مع النبي ﷺ ؛ لأن هذه الآية نزلت فيه وفي سراقة بن مالك المدلجي وفي بني جذيمة بن عامر. وإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع لأقرب الجمل إليه في القرآن

стр. 82

العظيم -الذي هو في الطرف الأعلى من الإعجاز- تبين أنه ليس نصًا في الرجوع إلى غيرها. ومنها -أيضًا-: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء/ ٨٣]، فالاستثناء ليس راجعًا للجملة الأخيرة التي يليها، أعني: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾؛ لأنه لولا فضل اللَّه عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان كُلًّا ولم ينج من ذلك قليلٌ ولا كثيرٌ حتى يخرج بالاستثناء. واختلف العلماء في مرجع هذا الاستثناء: فقيل: راجع لقوله: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾. وقيل: راجع لقوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وإذا لم يرجع للجملة التي يليها فلا يكون نصًا في رجوعه لغيرها. وقيل: إن هذا الاستثناء راجع للجملة التي يليها. وعليه، فالمعنى: ولولا فضل اللَّه عليكم ورحمته بإرسال محمد ﷺ لاتبعتم الشيطان في ملة آبائكم من الكفر وعبادة الأوثان إلا قليلًا ممَّن كان على ملة إبراهيم، كورقة بن نوفل وزيد بن نفيل وقس بن ساعدة وأضرابهم. وذكر ابن كثير أن عبد الرازق روى عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ أن معناه: لاتبعتم الشيطان كلًّا.

стр. 83

قال: والعرب تطلق القلة وتريد بها العدم. واستدل قائل هذا القول بقول الطرماح بن حكيم يمدح يزيد بن المهلَّب: أشم ندى كثير النوادي (١) ... قليل المثالب والقادحة يعني: لا مثلبة ولا قادحة. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: إطلاق القلة وإرادة العدم كثيرة في كلام العرب، ومنه قول الشاعر: أُنِيخَتْ فألقت بلدةً فوق بلدةٍ ... قليلٍ بها الأصواتُ إلا بُغامُها يعني: أنه لا صوت في تلك الفلاة غير بغام راحلته. وقول الآخر: فما بأس لو ردت علينا تحية ... قليلًا لدى من يعرف الحق عابُها يعني: لا عاب فيها عند من يعرف الحق. وعلى هذين القولين الأخيرين فلا شاهد في الآية.

стр. 84

وبهذا التحقيق الذي حررنا يُرَدُّ استدلال داود الظاهري بهذه الآية الأخيرة أيضًا. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء/ ٢٥]. هذه الآية تدل على أن الإماء إذا زنين جلدن خمسين جلدة. وقد جاءت آية أخرى تدل بعمومها على أن كل زانية تجلد مائة جلدة، وهي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور/ ٢]. والجواب ظاهر، وهو: أن هذه الآية مخصصة لآية النور، لأنه لا يتعارض عام وخاص. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء/ ٢٦]. هذه الآية تدل بظاهرها على أن شرع من قبلنا شرع لنا. ونظيرها قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام/ ٩٠]. وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك، هي قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة/ ٤٨]. ووجه الجمع بين ذلك مختلَفٌ فيه اختلافًا مبنيًّا على الاختلاف في حكم هذه المسألة. فجمهور العلماء على أن شرعَ من قبلنا إن ثبتَ بشرعنا فهو شرع

стр. 85

لنا، ما لم يدل دليل من شرعنا على نسخه؛ لأنه ما ذُكر لنا في شرعنا إلا لأجل الاعتبار والعمل. وعلى هذا القول فوجه الجمع بين الآيتين: أن معنى قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: أنَّ شرائع الرسل ربما يُنْسَخُ في بعضها حكمٌ كان في غيرها، أو يزاد في بعضها حكم لم يكن في غيرها. فالشِّرعة إذن إما بزيادة أحكام لم تكن مشروعة قبل، وإما بنسخ شيء كان مشروعًا قبل. فتكون الآية لا دليل فيها على أن ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا ولم ينسخ أنه ليس من شرعنا؛ لأن زيادةَ ما لم يكن قبل أو نَسْخَ ما كان من قبل كلاهما ليس من محل النزاع. وأما على قول الشافعي ومن وافقه: أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا إلا بنص من شرعنا أنه مشروع لنا، فوجه الجمع: أن المراد بسنن من قبلنا وبالهدى في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أصول الدين التي هي التوحيد، لا الفروع العملية، بدليل قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ الآية. ولكن هذا الجمع الذي ذهبت إليه الشافعية يرد عليه ما رواه البخاري في صحيحه في تفسير سورة (ص) عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في (ص)؟ فقال ابن عباس: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ. . . أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فسجدها داود فسجدها رسول اللَّه ﷺ . ومعلوم أن سجود التلاوة من الفروع لا من الأصول، وقد بين ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ -

стр. 86

سجدها اقتداءً بداود. وقد بينت هذه المسألة بيانًا شافيًا في رحلتي، فلذلك اختصرتها هنا. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ الآية [النساء/ ٣٣]. هذه الآية تدل على إرث الحلفاء من حلفائهم. وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب/ ٦]. والجواب: أن هذه الآية ناسخة لقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية. ونسخها لها هو الحق، خلافًا لأبي حنيفة ومن وافقه في القول بإرث الحلفاء اليوم إن لم يكن له وارث. وقد أجاب بعضهم بأن معنى ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: من الموالاة والنصرة. وعليه فلا تعارض بينهما. والعلم عند اللَّه تعالى. قو له تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النساء/ ٤٢]. هذه الآية تدل على أن الكفار لا يكتمون من خبرهم شيئًا يوم القيامة. وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام/ ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل/ ٢٨]،

стр. 87

وقوله: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر/ ٧٤]. ووجه الجمع في ذلك هو مابيَّنه ابن عباس ﵄ لما سئل عن قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ مع قوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾، وهو أن ألسنتهم تقول: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ فيختم اللَّه على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فكَتْمُ الحق باعتبار اللسان، وعدمُه باعتبار الأيدي والأرجل. وهذا الجمع يشير إليه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس/ ٦٥]. وأجاب بعض العلماء بتعدد الأماكن؛ فيكتمون في وقت ولا يكتمون في وقت آخر. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء/ ٧٨]. لا تعارض بينه وبين قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء/ ٧٩]. والجواب ظاهر، وهو: أن معنى قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي: مطر وخصب وأرزاق وعافية، يقولوا: هذا أكرمنا اللَّه به، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: جدب وقحط وفقر وأمراض، يقولوا: هذا من عندك، أي: من شؤمك يا محمد، وشؤم ما جئت به. قل لهم: كل ذلك من اللَّه.

стр. 88

ومعلومٌ أن اللَّه هو الذي يأتي بالمطر والرزق والعافية، كما أنه يأتي بالجدب والقحط والفقر والأمراض والبلايا. ونظير هذه الآية قول اللَّه في فرعون وقومه مع موسى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف/ ١٣١]، وقوله تعالى في قوم صالح مع صالح: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ الآية [النمل/ ٤٧]، وقول أصحاب القرية للرسل الذين أرسلوا إليهم: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ الآية [يس/ ١٨]. وأما قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي: لأنه هو المتفضل بكل نعمة، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: منْ قِبَلك، ومِنْ قِبَلِ عملك أنت، إذ لا تصيب الإنسان سيئة إلا بما كسبت يداه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى/ ٣٠]. وسيأتي -إن شاء اللَّه- تحرير المقام في قضية أفعال العباد بما يرفع الإشكال في سورة الشمس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس/ ٨]. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء/ ٩٢]. قيد في هذه الآية الرقبة المعتقة في كفارة القتل خطأً بالإيمان، وأطلق الرقبة التي في كفارة الظهار واليمين عن قيد الإيمان، حيث قال في كل منها: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة/ ٣، المائدة/ ٨٩] ولم يقل: "مؤمنة".

стр. 89

وهذه المسألة من مسائل تعارض المطلق والمقيد، وحاصل تحرير المقام فيها أن المطلق والمقيد لهما أربع حالات: الأولى: أن يتفق حكمهما وسببهما، كآية الدم التي تقدم الكلام عليها، فجمهور العلماء يحملون المطلق على المقيد في هذه الحالة التي هي اتحاد السبب والحكم معًا، وهو أسلوب من أساليب اللغة العربية؛ لأنهم يثبتون ثم يحذفون اتكالًا على المثبت، كقول الشاعر وهو قيس بن الخطيم: نحن بما عندنا وأنت بما عنـ ... ـدك راضٍ والرأي مختلف فحذف "راضون" لدلالة "راض" عليها. ونظيره -أيضًا- قول ضابئ بن الحارث البرجمي: فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيارًا بها لغريب وقول عمرو بن أحمر الباهلي: رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئًا ومن أجل الطويِّ رماني وقال بعض العلماء: إن حمل المطلق على المقيد بالقياس. وقيل: بالعقل. وهو أضعفها. واللَّه تعالى أعلم. الحالة الثانية: أن يتحد الحكم ويختلف السبب، كما في هذه الآية؛ فإن الحكم متحد وهو عتق رقبة، والسبب مختلف وهو قتل خطأٍ وظهارٌ مثلًا، ومثل هذا المطلق يحمل على المقيد عند الشافعية والحنابلة وكثير من المالكية، ولذا أوجبوا الإيمان في كفارة الظهار

стр. 90

حملًا للمطلق على المقيد خلافًا لأبي حنيفة. ويدل لحمل هذا المطلق على المقيد قوله ﷺ في قصة معاوية بن الحكم السلمي: "أعتقها فإنها مؤمنة"، ولم يستفصله عنها هل هي كفارة أو لا؟ وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال. قال في "مراقي السعود": ونزلنَّ ترك الاستفصال ... منزلة العموم في الأقوال الحالة الثالثة: عكس هذه، وهي الاتحاد في السبب مع الاختلاف في الحكم. فقيل: يحمل فيها المطلق على المقيد. وقيل: لا. وهو أكثر العلماء. ومثاله: صوم الظهار وإطعامه، فسببهما واحد وهو الظهار، وحكمهما مختلف؛ لأن هذا صوم وهذا إطعام، وأحدهما مقيد بالتتابع وهو الصوم، والثاني مطلق عن قيد التتابع وهو الإطعام، فلا يحمل هذا المطلق على هذا المقيد. والقائلون بحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة مثلوا له بإطعام الظهار، فإنه لم يقيد بكونه قبل أن يتماسَّا، مع أن عتقه وصومه قيِّدا بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، فيحمل هذا المطلق على المقيد، فيجب كون الإطعام قبل المسيس. ومثَّل له اللخمي بالإطعام في كفارة اليمين، حيث قُيِّدَ بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة/ ٨٩]، وأطلق الكسوة عن القيد بذلك حيث قال: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾، فيحمل المطلق على المقيد،

стр. 91

فيشترط في الكسوة أن تكون من أوسط ما تكسون أهليكم. الحالة الرابعة: أن يختلفا في الحكم والسبب معًا. ولا حَمْلَ فيها إجماعًا، وهو واضح. وهذا فيما إذا كان المقيد واحدًا. أما إذا ورد مقيدان بقيدين مختلفين فلا يمكن حمل المطلق على كليهما؛ لتنافي قيديهما، ولكنه ينظر فيهما، فإن كان أحدهما أقرب للمطلق من الآخر حُمِلَ المطلق على الأقرب له منهما عند جماعة من العلماء، فيقيد بقيده، وإن لم يكن أحدهما أقرب له فلا يقيد بقيد واحد منهما، ويبقى على إطلاقه؛ لاستحالة الترجيح بلا مرجح. مثال كون أحدهما أقرب للمطلق من الآخر: صوم كفارة اليمين، فإنه مطلق عن قيد التتابع والتفريق، مع أن صوم الظهار مقيد بالتتابع، وصومٍ التمتع مقيد بالتفريق، واليمين أقرب إلى الظهار من التمتع؛ لأن كلًّا من اليمين والظهار صوم كفارة بخلاف صوم التمتع، فيقيد صوم كفارة اليمين بالتتابع عند من يقول بذلك، ولا يقيد بالتفريق الذي في صوم التمتع. وقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" لم تثبت؛ لإجماع الصحابة على عدم كتب "متتابعات" في المصحف. ومثال كونها ليس أحدهما أقرب للمطلق من الآخر: صوم قضاء رمضان، فإن اللَّه قال فيه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة/ ١٨٤]، ولم يقيده بتتابع ولا تفريق، مع أنه قيد صوم الظهار بالتتابع وصوم التمتع بالتفريق، وليس أحدهما أقرب إلى قضاء رمضان من الآخر، فلا يقيد

стр. 92

بقيد واحد منهما، بل يبقى على الاختيار، إن شاء تابعه وإن شاء فرقه. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ الآية [النساء/ ٩٣]. هذه الآية تدل على أن القاتل عمدًا لا توبة له، وأنه مخلد في النار. وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء/ ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ الآية [الفرقان/ ٦٨ - ٧٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر/ ٥٣]، وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ الآية [طه/ ٨٢]. وللجمع بين ذلك أوجه: منها: أن قوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ أي: إذا كان مستحلًا لقتل المؤمن عمدًا؛ لأن مستحل ذلك كافر. قاله عكرمة وغيره. ويدل له ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن جبير، وابن جرير عن ابن جريج: من أنها نزلت في مِقْيَس بن صبابة، فإنه أسلم هو وأخوه

стр. 93

هشام وكانا بالمدينة، فوجد مقيس أخاه قتيلًا في بني النجار ولم يعرف قاتله، فأمر له النبي ﷺ بالدية، فأعطتها له الأنصار مائة من الإبل، وقد أرسل معه النبي ﷺ رجلًا من قريش من بني فهر، فعمد مقيس إلى الفهري رسولِ رسول اللَّه ﷺ فقتله، وارتد عن الإسلام، وركب جملًا من الدية وساق معه البقية، ولحق بمكة مرتدًّا، وهو يقول في شعر له: قتلت به فهرًا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع وأدركت ثأري واضطجعتُ موسًدا ... وكنت إلى الأوثان أول راجع ومقيس هذا هو الذي قال فيه ﷺ : "لا أؤمنه في حلٍّ ولا حرم". وقُتِلَ متعلقًا بأستار الكعبة يوم الفتح. فالقاتل الذي هو كمقيس بن صبابة، المستحل للقتل، المرتد عن الإسلام، لا إشكال في خلوده في النار. وعلى هذا فالآية مختصة بما يماثل سبب نزولها، بدليل النصوص المصرحة بأن جميع المؤمنين لا يخلد أحد منهم في النار. الوجه الثاني: أن المعنى: فجزاؤه إن جوزي، مع إمكان ألَّا يُجازى إذا تاب أو كان له عمل صالح يرجح بعمله السيء. وهذا قول أبي هريرة وأبي مجلز وأبي صالح وجماعة من السلف. الوجه الثالث: أن الآية للتغليظ في الزجر.

стр. 94

ذكر هذا الوجه الخطيب (١) والآلوسي في تفسيريهما، وعزاه الآلوسي لبعض المحققين. واستدلَّا عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران/ ٩٧]، على القول بأن معناه: ومن لم يحج. وبقوله ﷺ الثابت في "الصحيحين" -للمقداد حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب: "لا تقتله؛ فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال". وهذا الوجه من قبيل: كفرٌ دون كفر، وخلودٌ دون خلود، فالظاهر أن المراد به عند القائل به أن معنى الخلود: المكث الطويل. والعرب ربما تطلق اسم الخلود على المكث، ومنه قول لبيد: فوقفت أسالها وكيف سؤالنا ... صمًّا خوالد ما يبين كلامها إلا أن الصحيح في معنى الآية: الوجه الثاني والأول. وعلى التغليظ في الزجر حمل بعض العلماء كلام ابن عباسٍ أن هذه الآية ناسخةٌ لكل ما سواها. والعلم عند اللَّه تعالى. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: الذي يظهر أن القاتل عمدًا مؤمنٌ عاصٍ له توبة، كما عليه جمهور علماء الأمة، وهو صريح قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ الآية [الفرقان/ ٧٠]، وادعاء تخصيصها بالكفار لا دليل عليه، ويدل على ذلك -أيضًا- قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء/ ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ

стр. 95

جَمِيعًا﴾ [الزمر/ ٥٣]. وقد توافرت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثال ذرة من إيمان. وصرح تعالى بأن القاتل أخو المقتول في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ الآية [البقرة/ ١٧٨]، وليس أخو المؤمن إلا المؤمن، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات/ ٩] فسماهم مؤمنين مع أن بعضهم يقتل بعضًا. ومما يدل على ذلك: ما ثبت في "الصحيحين" في قصة الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس؛ لأن هذه الأمة أولى بالتخفيف من بني إسرائيل؛ لأن اللَّه رفع عنها الآصار والأغلال التي كانت عليهم.

стр. 96

سورة المائدة قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة/ ٥]. هذه الآية الكريمة تدل بعمومها على إباحة ذبائح أهل الكتاب مطلقًا، ولو سموا عليها غير اللَّه أو سكتوا ولم يسموا اللَّه ولا غيره؛ لأن الكل داخل في طعامهم. وقد قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وإبراهيم النخعي والسدي ومقاتل بن حيان: إنَّ المراد بطعامهم ذبائحهم. كما نقله عنهم ابن كثير، ونقله البخاري عن ابن عباس. ودخول ذبائحهم في طعامهم أجمع عليه المسلمون. مع أنه جاءت آيات أخر تدل على أن ما سمي عليه غير اللَّه لا يجوز أكله، وعلى أن ما لم يذكر اسم اللَّه عليه لا يجوز أكله أيضًا. أما التي دلت على منع أكل ما ذكر عليه اسم غير اللَّه، فكقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ في سورة البقرة [البقرة/ ١٧٣]، وقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ في المائدة والنحل [المائدة/ ٣، النحل/ ١١٥]، وقوله ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ في الأنعام [الأنعام/ ١٤٥]. والمراد بالإهلال: رفع الصوت باسم غير اللَّه عند الذبح. وأما التي دلت على منع أكل ما لم يذكر اسم اللَّه عليه، فكقوله:

стр. 97

﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام/ ١٢١]، وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام/ ١١٨ - ١١٩]، فإنه يفهم منه عدم الأكل مما لم يذكر اسم اللَّه عليه. والجواب عن مثل هذا مشتمل على مبحثين: المبحث الأول: في وجه الجمع بين عموم آية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، مع عموم الآيات المحرمة لما أهل به لغير اللَّه، فيما إذا سمى الكتابي على ذبيحته غير اللَّه، بأن أَهَلَّ بها للصليب أو عيسى أو نحو ذلك. المبحث الثاني: في وجه الجمع بين آية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ أيضًا مع قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، فيما إذا لم يسم الكتابي اللَّه ولا غيره على ذبيحته. أما المبحث الأول، فحاصله أن بين قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وبين قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ عمومًا وخصوصًا من وجهِ، تنفرد آية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ في الخبز والجبن من طعامهم مثلًا، وتنفرد آية ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ في ذبح الوثني لوثنه، ويجتمعان في ذبيحة الكتابي التي أهل بها لغير اللَّه، كالصليب أو عيسى، فعموم قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ يقتضي تحريمها، وعموم قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ يقتضي حلِّيتها.

стр. 98

وقد تقرر في علم الأصول أن الأعمَّيْن من وجهٍ يتعارضان في الصورة التي يجتمعان فيها، فيجب الترجيح بينهما، والراجح منهما يقدَّم ويخصَّص به عموم الآخر، كما قدمنا في سورة النساء في الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء/ ٢٣] مع قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون/ ٦]، وكما أشار له صاحب "مراقي السعود" بقوله: وإن يك العموم من وجه ظهر ... فالحكم بالترجيح حتمًا معتبر فإذا حققت ذلك، فاعلم أن العلماء اختلفوا في هذين العمومين أيهما أرجح؟ فالجمهور على ترجيح الآيات المحرمة، وهو مذهب الشافعي ورواية عن مالك، ورواه إسماعيل بن سعيد عن الإمام أحمد، كما ذكره صاحب "المغني"، وهو قول ابن عمر وربيعة، كما نقله عنهما البغوي في "تفسيره"، وذكره النووي في "شرح المهذب" عن علي وعائشة. ورجح بعضهم عموم آية التحليل بأن اللَّه أحل ذبائحهم وهو أعلم بما يقولون. كما احتج به الشعبي وعطاء على إباحة ما أهلوا به لغير اللَّه. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: الذي يظهر -واللَّه تعالى أعلم- أن عموم آيات المنع أرجح وأحق بالاعتبار من طرق متعددة: منها: قوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، وقوله ﷺ : "والإثم

стр. 99

ما حاك في النفس" الحديث، وقوله ﷺ : "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه". ومنها: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، كما تقرر في الأصول. وينبني على ذلك أن النهي إذا تعارض مع الإباحة -كما هنا- فالنهي أولى بالتقديم والاعتبار؛ لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام. بل صرح جماهير من الأصوليين بأن النص الدال على الإباحة في المرتبة الثالثة من النص الدال على نهي التحريم؛ لأن نهي التحريم مقدم على الأمر الدال على الوجوب؛ لما ذكرنا من تقديم درء المفاسد على جلب المصالح، والدالُّ على الأمر مقدم على الدال على الإباحة؛ للاحتياط في البراءة من عهدة الطلب. وقد أشار إلى هذا صاحب "مراقي السعود" في مبحث الترجيح باعتبار المدلول بقوله: وناقل ومثبت والآمر بعد ... النواهي ثم هذا الآخر على الإباحةِ. . . . ... . . . . . . . . . . فإن معنى قوله: "والآمر بعد النواهي" أن ما دل على الأمر بعد ما دل على النهي، فالدال على النهي هو المقدم. وقوله: "ثم هذا الآخر على الإباحة" يعني: أن النص الدال على الأمر مقدم على الإباحة

стр. 100

كما ذكرنا. فتحصل أن الأول النهي، فالأمر، فالإباحة، فظهر تقديم النهي عما أهل به لغير اللَّه على إباحة طعام أهل الكتاب. واعلم أن العلماء اختلفوا فيما حرم على أهل الكتاب، كشحم الجوف من البقر والغنم المحرم على اليهود، هل يباح للمسلم مما ذبحه اليهودي؟ فالجمهور على إباحة ذلك للمسلم؛ لأن الذكاة لا تتجزأ. وكرهه مالك، ومنعه بعض أصحابه كابن القاسم وأشهب. واحتج عليهم الجمهور بحجج لا ينهض الاحتجاج بها عليهم فيما يظهر. وإيضاح ذلك: أن أصحاب مالك احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، قالوا: المحرَّم عليهم ليس من طعامهم حتى يدخل فيما أحلته الآية. فاحتج عليهم الجمهور بما ثبت في "صحيح البخاري" من تقرير النبي ﷺ لعبد اللَّه بن مغفل ﵁ على أخذه جرابًا من شحم اليهود يوم خيبر. وبما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أنس أن النبي ﷺ أضافه يهودى على خبز شعير وإهالةٍ سَنِخَةٍ، أى: وَدكٍ متغير الريح. وبقصة الشاة المسمومة التي سمتها اليهودية له ﷺ ونهش من ذراعها، ومات منها بشر بن البراء بن معرور، وهي مشهورة صحيحة، قالوا: إنه ﷺ عزم على أكلها هو ومن معه، ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أو لا؟ وقد تقرر في

стр. 101

الأصول أن ترك الاستفصال بمنزلة العموم في الأقوال، كما أشار له في "مراقي السعود" بقوله: ونزلنَّ ترك الاستفصال ... منزلة العموم في المقال والذي يظهر لمقيده -عفا اللَّه عنه- أن هذه الأدلة ليس فيها حجة على أصحاب مالك. أما حديث عبد اللَّه بن مغفل وحديث أنس ﵄ فليس في واحد منهما النص على خصوص الشحم المحرم عليهم، ومطلق الشحم ليس حرامًا عليهم؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام/ ١٤٦]، فما في الحديثين أعم من محل النزاع، والدليل على الأعم ليس دليلًا على الأخص؛ لأن وجود الأعم لا يقتضي وجود الأخص بإجماع العقلاء. ومثل رد هذا الاحتجاج بما ذكرنا هو القادح في الدليل المعروف عند الأصوليين بالقول بالموجَب، وأشار له صاحب "مراقي السعود" بقوله: والقول بالموجَب قدحه جلا ... وهو تسليم الدليل مُسْجَلا من مانع أن الدليل استلزما ... لما من الصور فيه اختصما أما القول بالموجَب عند البيانيين فهو من أقسام البديع المعنوي، وهو ضربان معروفان في علم البلاغة. وقصدنا هنا القول بالموجَب بالاصطلاح الأصولي لا البياني.

стр. 102

وأما تركه ﷺ الاستفصال في شاة اليهودية فلا يخفى أنه لا دليل فيه؛ لأنه ﷺ ينظر بعينه ولا يخفى عليه شحم الجوف ولا شحم الحوايا ولا الشحم المختلط بعظم، كما هو ضروري، فلا حاجة إلى السؤال عن محسوس حاضر. وأجْرَى الأقوال على الأصول في مثل الشحم المذكور: الكراهة التنزيهية؛ لعدم دليل جازم على الحل أو التحريم؛ لأن ما يعتقد الشخص أنه حرام عليه ليس من طعامه، والذكاة لا يظهر تجزُّؤها، فحكم المسألة مشتبه، ومن ترك الشبهات استبرأ لدينه وعرضه. وأما المبحث الثاني: وهو الجمع بين قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ مع قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فيما إذا لم يذكر الكتابي على ذبيحته اسم اللَّه ولا اسم غيره. فحاصله: أن في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وجهين من التفسير: أحدهما -وإليه ذهب الشافعي، وذكر ابن كثير في تفسيره لها أنه قوي-: أن المراد بما لم يذكر اسم اللَّه عليه هو ما أهل به لغير اللَّه. وعلى هذا التفسير فمبحث هذه الآية هو المبحث الأول بعينه لا شيء آخر. الوجه الثاني: أنها على ظاهرها. وعليه فبين الآيتين -أيضًا- عموم وخصوص من وجه، تنفرد آية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فيما ذبحه الكتابي وذكر عليه اسم اللَّه، فهو

стр. 103

حلال بلا نزاع، وتنفرد آية ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فيما ذبحه وثني أو مسلم لم يذكر اسم اللَّه عليه، فما ذبحه الوثني حرام بلا نزاع، وما ذبحه المسلم من غير تسمية يأتي حكمه إن شاء اللَّه. ويجتمعان فيما ذبحه كتابي ولم يسم اللَّه عليه، فيتعارضان فيه، فيدل عموم ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ على الإباحة، ويدل عموم ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ على التحريم، فيصار إلى الترجيح كما قدمنا. واختلف في هذين العمومين -أيضًا- أيهما أرجح؟ فذهب الجمهور إلى ترجيح عموم ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية. وقال بعضهم بترجيح عموم ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. وقال النووي في "شرح المهذب": ذبيحة أهل الكتاب حلال، سواء ذكروا اسم اللَّه عليها أم لا؛ لظاهر القرآن العزيز. هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وحكاه ابن المنذر عن عليٍّ والنخعي وحماد بن سليمان وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق وغيرهم. فإن ذبحوا على صنم أو غيره لم يحل. انتهى محل الغرض منه بلفظه. وحكى النووي القول الآخر عن علي -أيضًا- وأبي ثور وعائشة وابن عمر. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: الذي يظهر -واللَّه تعالى أعلم- أن

стр. 104

لعموم كعل من الآيتين مرجحًا، وأن مرجح آية التحليل أقوى وأحق بالاعتبار. أما آية التحليل فيرجح عمومها بأمرين: الأول: أنها أقل تخصيصًا، وآية التحريم أكثر تخصيصًا؛ لأن الشافعي ومن وافقه خصَّصوها بما ذبح لغير اللَّه، وخصصها الجمهور بما تركت فيه التسمية عمدًا، قائلين: إن تركها نسيانًا لا أثر له، وآية التحليل ليس فيها من التخصيص غيرِ صورة النزاع إلا تخصيص واحد، وهو ما قدمنا من أنها مخصوصة بما لم يذكر عليه اسم غير اللَّه على القول الصحيح. وقد تقرر في الأصول أن الأقل تخصيصًا مقدم على الأكثر تخصيصًا، كما أن ما لم يدخله التخصيص أصلًا مقدم على ما دخله. وعلى هذا جمهور الأصوليين. وخالف فيه السبكي والصفي الهندي، وبين صاحب "نشر البنود في شرح مراقي السعود" في مبحث الترجيح باعتبار حال المروي في شرح قوله: تقديم ما خُصَّ على ما لم يُخَصّ ... عكسه كل أتى عليه نص أن الأقل تخصيصًا مقدم على الأكثر تخصيصًا، وأن ما لم يدخله التخصيص مقدم على ما دخله عند جماهير الأصوليين، وأنه لم يخالف فيه إلا السبكي وصفي الدين الهندي. والثاني -ما نقله ابن جرير- ونقله عنه ابن كثير -عن عكرمة والحسن البصري ومكحول-: أن آية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾

стр. 105

ناسخة لآية ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. وقال ابن جرير وابن كثير: إن مرادهم بالنسخ التخصيص. ولكنا قدمنا أن التخصيص بعد العمل بالعام نسخ، لأن التخصيص بيانٌ، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت العمل. ويدل لهذا أن آية ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ من سورة الأنعام، وهي مكية بالإجماع، وآية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ من المائدة، وهي من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة. وأما آية التحريم فيرجح عمومها بما قدمنا من مرجحات قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾؛ لأن كلتيهما دلت على نهي يظهر تعارضه مع إباحة. وحاصل هذه المسألة: أن ذبيحة الكتابي لها خمس حالات لا سادسة لها: الأولى: أن يُعلم أنه سمَّى اللَّه عليها. وفي هذه تؤكل بلا نزاع، ولا عبرة بخلاف الشيعة في ذلك، لأنهم لا يعتد بهم في الإجماع. الثانية: أنه يُعلم أنه أهلَّ بها لغير اللَّه. ففيها خلاف، وقد قدمنا أن التحقيق أنها لا تؤكل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. الثالثة: أن يُعلم أنه جمع بين اسم اللَّه واسم غيره. وظاهر النصوص أنها لا تؤكل أيضًا؛ لدخولها فيما أهل لغير اللَّه به. الرابعة: أن يُعلم أنه سكت ولم يسم اللَّه ولا غيره. فالجمهور

стр. 106

على الإباحة، وهو الحق، والبعض على التحريم، كما تقدم. الخامسة: أن يُجهل الأمر؛ لكونه ذبح حالة انفراده. فتؤكل على ما عليه جمهور العلماء، وهو الحق، إن لم يُعرف الكتابيُّ بأكل الميتة كالذي يسل عنق الدجاجة بيده، فإن عُرف بأكل الميتة لم يؤكل ما غاب عليه عند بعض العلماء، وهو مذهب مالك، ويجوز أكله عند البعض، بل قال ابن العربي المالكي: إذا عاينَّاه يَسُلُّ عنق الدجاجة بيده فلنا الأكل منها؛ لأنها من طعامه، واللَّه أباح لنا طعامه. واستبعده ابن عبد السلام. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: هو جدير بالاستبعاد؛ فكما أن نساءهم يجوز نكاحهن ولا تجوز مجامعتهن في الحيض، فكذلك طعامهم يجوز لنا من غير إباحة الميتة؛ لأن غاية الأمر أن ذكاة الكتابي تحل ذكاةً كذكاة المسلم. وما وعدنا به من ذكر حكم ما ذبحه المسلم ولم يسم عليه، فحاصله أن فيه ثلاثة أقوال: أرجحها -وهو مذهب الجمهور-: أنه إن ترك التسمية عمدًا لم تؤكل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وإن تركها نسيانًا أكلت؛ لأنه لو تذكر لسمى اللَّه. قال ابن جرير: مَنْ حرَّم ذبيحة الناسي فقد خرج من قول الحجة وخالف الخبر الثابت عن رسول اللَّه ﷺ . قال ابن كثير: إن ابن جرير يعني بذلك ما رواه البيهقي عن ابن

стр. 107

عباس عن النبي ﷺ : "المسلم يكفيه اسمه؛ إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم اللَّه وليأكله". ثم قال ابن كثير: إن رفع هذا الحديث خطأ، أخطأ فيه معقل بن عبيد اللَّه الجزري، والصواب وقفه على ابن عباس، كما رواه بذلك سعيد بن منصور وعبد اللَّه بن الزبير الحميدي. ومما استدل به البعض على أكل ذبيحة الناسي للتسمية: دلالة الكتاب والسنة والإجماع على العذر بالنسيان. ومما استدل به البعض لذلك: حديث الحافظ أبو أحمد بن عدي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي؟ فقال النبي ﷺ : "اسم اللَّه على كل مسلم". ذكر ابن كثير هذا الحديث وضعَّفه بأن في إسناده مروان بن سالم أبا عبد اللَّه الشامي، وهو ضعيف. القول الثاني: أن ذبيحة المسلم تؤكل ولو ترك التسمية عمدًا. وهو مذهب الشافعي ﵀ كما تقدم؛ لأنه يرى أنه ما لم يذكر اسم اللَّه عليه يراد به ما أُهِلَّ به لغير اللَّه لا شيء آخر. وقد ادعى بعضهم انعقاد الإجماع قبل الشافعي على أن متروك التسمية عمدًا لا يؤكل. ولذلك قال أبو يوسف وغيره: لو حكم حاكم بجواز بيعه لم ينفذ؛ لمخالفته الإجماع. واستغرب ابن كثير حكاية الإجماع على ذلك قائلًا: إن الخلاف فيه قبل الشافعي معروف.

стр. 108

القول الثالث: أن المسلم إذا لم يسم على ذبيحته لا تؤكل مطلقًا، تركها عمدًا أو نسيانًا. وهو مذهب داود الظاهري. وقال ابن كثير: ثم نقل ابن جرير وغيره عن الشعبي ومحمد بن سيرين: أنهما كرها متروك التسمية نسيانًا. والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيرًا. ثم ذكر ابن كثير أن ابن جرير لا يعتبر مخالفة الواحد أو الاثنين للجمهور، فيعده إجماعًا مع مخالفة الواحد أو الاثنين، ولذلك حكى الإجماع على أكل متروك التسمية نسيانًا مع أنه نقل خلاف ذلك عن الشعبي وابن سيرين. مسائل مهمة تتعلق بهذه المباحث المسألة الأولى: اعلم أن كثيرًا من العلماء من المالكية والشافعية وغيرهم يفرقون بين ما ذبحه أهل الكتاب لصنم، وبين ما ذبحوه لعيسى أو جبريل أو لكنائسهم. قائلين: إن الأول مما أُهِلَّ به لغير اللَّه، دون الثاني فمكروهٌ عندهم كراهة تنزيه، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة/ ٣]. والذي يظهر لمقيده -عفا اللَّه عنه- أن هذا الفرق باطلٌ، بشهادة القرآن؛ لأن الذبح على وجه القربة عبادةٌ بالإجماع، وقد قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ الآية [الكوثر/ ٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام/ ١٦٢]. فمن صرف شيئًا من ذلك لغير اللَّه فقد جعله شريكًا مع اللَّه في

стр. 109

هذه العبادة التي هي الذبح، سواء كان نبيًا أو ملكًا أو بناءًا أو شجرًا أو حجرًا أو غير ذلك، لا فرق في ذلك بين صالح وطالح، كما نص عليه تعالى بقوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران/ ٨٠]، ثم بين أن فاعل ذلك كافر بقوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران/ ٧٩]، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران/ ٦٤]. فإن قيل: قد رَخَّصَ في أكل ما ذبحوه لكنائسهم أبو الدرداء وأبو أمامة الباهلي والعرباض بن سارية والقاسم بن مخيمرة وحمؤة بن حبيب وأبو سلمة الخولاني وعمر بن الأسود ومكحول والليث بن سعد وغيرهم. فالجواب: أن هذا قول جماعة من العلماء من الصحابة ومن بعدهم، وقد خالفهم فيه غيرهم، وممن خالفهم: أم المؤمنين عائشة ﵂ والإمام الشافعي ﵀، واللَّه تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [النساء/ ٥٩]، فنرد هذا النزاع إلى اللَّه فنجده حرَّم ما أُهِل به لغير اللَّه. وقوله: ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ يدخل فيه الملك والنبي، كما يدخل فيه الصنم والنصب والشيطان. وقد وافقونا في منع ما ذبحوه باسم

стр. 110

الصنم، وقد دل الدليل على أنه لا فرق في ذلك بين النبي والملك، وبين الصنم والنصب، فلزمهم القول بالمنع. وأما استدلالهم بقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة/ ٣] فلا دليل فيه؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ليس بمخصص لقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل/ ١١٥]؛ لأنه ذكر فيه بعض ما دل عليه عموم ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. وقد تقرر في علم الأصول أن ذكر بعض أفراد الحكم العام بحكم العام لا يخصِّصُه، على الصحيح، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لأبي ثور محتجًا بأنه لا فائدة لذكره إلا التخصيص. وأجيب من قبل الجمهور بأن مفهوم اللقب ليس بحجة، وفائدة ذكر البعض نفي احتمال إخراجه من العام. فإذا حققت ذلك، فاعلم أن ذكر البعض لا يخصِّص العام، سواء ذُكِرا في نص واحد، كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة/ ٢٣٨]، أو ذُكِر كل واحد منهما على حدة، كحديث الترمذي وغيره: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" وحديث مسلم أنه ﷺ مرَّ بشاة ميتة فقال: "هلا أخذتم إهابها" الحديث. فذِكْرُ الصلاة الوسطى في الأول لا يدل على عدم المحافظة على غيرها من الصلوات، وذِكْرُ إهاب الشاة في الأخير لا يدل على عدم الانتفاع بإهاب غير الشاة، لأن ذكر البعض لا يخصص العام. وكذلك رجوع ضمير البعض لا يخصِّص -أيضًا- على
следующие страницы →