آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي (٦)
مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥ هـ - ١٣٩٣ هـ)
إشراف
بكر بن عبد الله أبو زيد
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حقيقة الحكم وأقسامه
اعلم أنَّه ﵀ ترجم هذه الترجمة التي لفظها (حقيقة الحكم وأقسامه) ولم يبين حقيقة الحكم ولا أقسامه، وإنَّما ذكر منها الأقسام الشرعية فقط، ونحن نبين كل ذلك إن شاء اللَّه تعالى.
اعلم أنَّ الحكم في اللغة: هو المنع. ومنه قيل للقضاء: حكم؛ لأنه يمنع من غير المَقْضِيِّ.
تقول: حَكَمَه كنَصَرَه، وأحكمه كأكرمه، وحكَّمه بالتضعيف بمعنى منعه. ومنه قول جرير:
أَبَنِي حنيفة أَحْكِمُوا سفهاءكم ... إني أخافُ عليكمُ أن أغضبا
وقول حسان بن ثابت ﵁:
لنا في كل يومٍ مِن مَعَدٍّ ... سبابٌ أو قتالٌ أو هجاءُ
فنحكم بالقوافي مَنْ هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماءُ
ومن الحكم بمعنى المنع: حَكَمَةُ اللجام، وهي ما أحاط بحنكي الدابة، سُمِّيَتْ بذلك لأنَّها تمنَعها من الجري الشديد.
والحَكَمةُ أيضًا: حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحنكه، تمنعه من مخالفة راكبه، وكانت العرب تتخذها من القِدِّ والأبق وهو القنب. ومنه قول زهير:
стр. 3
القائد الخيل منكوبًا دوابرها ... قد أحكمت حكمات القِدِّ والأبقا
والحكم في الاصطلاح هو: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. نحو: زيد قائم وعمرو ليس بقائم.
وهو ينقسم بدليل الاستقراء إلى ثلاثة أقسام:
١ - حكم عقلي: وهو ما يعرف فيه العقلُ النسبةَ إيجابًا أو سلبًا. نحو: الكل أكبر من الجزء إيجابًا. الجزء ليس أكبر من الكل سلبًا.
٢ - حكم عادي: وهو ما عرفت فيه النسبة بالعادة. نحو: السيقمونيا مسهل للصفراء، والسكنجبين مسكن لها.
٣ - حكم شرعي: وهو المقصود، وحَدَّه جماعة من أهل الأصول بأنه: خطاب اللَّه المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف به.
فخرج بقوله: "خطاب اللَّه" خطاب غيره؛ لأنه لا حكم شرعيًّا إلا لله وحده جلَّ وعلا، فكل تشريع من غيره باطل، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام/ ٥٧]، ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى/ ١٠]، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء/ ٥٩].
وخرج بقوله: "المتعلق بفعل المكلف" ما تعلق بذات اللَّه تعالى، نحو: "لا إله إلا اللَّه"، وما تعلق بفعله نحو قوله تعالى: ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام/ ١٠٢]، وما يتعلق بذوات المكلفين نحو: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ الآية [الأعراف/ ١١]، وما تعلق بالجمادات نحو: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف/ ٤٧].
стр. 4
وخرج بقوله "من حيث أنه مكلف به" خطاب اللَّه تعالى المتعلق بفعل المكلَّف لا من حيث أنه مكلَّف به، كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار/ ١٢]، فإنه خطاب من اللَّه متعلق بفعل المكلف من حيث إن الحفظة يعلمونه، لا من حيث إنه مكلف به.
واعلم أنَّ عبارات الأصوليين اضطربت في تعريف الحكم الشرعي، وسبب اضطرابها أمران:
أحدهما: أنَّ بعضَ المكلفين غير موجود وقتَ الخطاب، والمعدوم ليس بشيء حتى يخاطب.
ثانيهما: زعمهم أنَّ الخطاب هو نفس المعنى الأزلي القائم بالذات المجردِ عن الصيغة.
وسنبين إن شاء اللَّه تعالى غلطهم الذي سبَّب لهم تلك الإشكالات في مبحث الأمر.
واعلم أنَّ الحكم الشرعيَّ قسمان:
أولهما: تكليفي، وهو خمسة أقسام: الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام.
والثاني: خطاب الوضع، وهو أربعة أقسام: العلل والأسباب والشروط والموانع.
وأدخل بعضُهم فيه الصحةَ والفساد، والرخصةَ والعزيمة، وبعضُهم يجعل الصحة والفساد من خطاب التكليف.
стр. 5
إذا علمت ذلك فهذه تفاصيل الأحكام الشرعية.
قال المؤلف (١) ﵀:
(أقسامُ أحكام التكليف خمسة: واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحظور).
التكليف لغة: هو إلزام ما فيه كلفة، أي مشقة.
ومنه قول الخنساء:
يُكَلِّفُه القومُ ما نابهم ... وإنْ كان أصغرهم مولدًا
وقول علقمة بن عبدة التميمي:
تكلِّفني ليلى وقد شَطَّ وَلْيُها ... وعادت عوادٍ بيننا وخطوبُ
وحده في الاصطلاخ: قيل: "إلزام ما فيه مشقة".
وقيل: "طلب ما فيه مشقة".
فعلى الأول لا يدخل في حده إلا الواجب والحرام؛ إذْ لا إلزام بغيرهما، وعلى الثاني يدخل معهما المندوب والمكروه؛ لأنَّ الأربعة مطلوبة.
وأما الجائز فلا يدخل في تعريف من تعاريف التكليف؛ إذْ لا طلب به أصلاً، فعلا ولا تركًا، وإنَّما أدخلوه في أقسام التكليف مسامحةً
стр. 6
وتكميلًا للقسمة المشار إليها بقول المؤلف (١): (وجه هذه القسمة أن خطاب الشرع إمَّا أنْ يَرِدَ باقتضاءِ الفعلِ أو التركِ أو التخيير بينهما، فالذي يَرِدُ باقتضاءِ الفعل أمرٌ، فإن اقترن به إشعارٌ بعدم العقاب على الترك فهو ندب، وإلا فيكون إيجابًا، والذي يَرِدُ باقتضاء التركِ نهيٌ، فإن أشعر بعدم العقاب على الفعل فكراهةٌ، وإلا فحظرٌ).
كلامه واضح.
الواجب
ثم قال (٢): (وحد الواجب: "ما تُوُعِّدَ بالعقاب على تركه".
وقيل: "ما يعاقب تاركه".
وقيل: "ما يلزم تاركه شرعًا العقاب").
اعلم أولًا: أنَّ الوجوب في اللغة هو سقوط الشيء لازمًا محلَّه، كسقوط الشخص ميتًا، فإنه يسقط لازمًا محلَّه لانقطاع حركته بالموت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج/ ٣٦] أي سقطت ميتة لازمة محلَّها، وقوله ﷺ في الميت: "فإذا وجب فلا تبكين باكية".
وقول قيس بن الخطيم:
أطاعت بنو عوفٍ أميرًا نهاهمُ ... عن السِّلْمِ حتى كان أول واجبِ
ويطلق الوجوب على اللزوم.
стр. 7
وفي الاصطلاح عرَّفه المؤلف بأنه: "ما تُوُعِّدَ بالعقاب على تركه". والوعيد بالعقاب على تركه لا ينافي المغفرة، كما بيَّنه تعالى بقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء/ ٤٨].
وإن شئت قلت في حد الواجب: "ما أُمر به أمرًا جازمًا".
وضابطه: أن فاعله موعود بالثواب، وتاركه متوعد بالعقاب، كالصلاة والزكاة والصوم.
قال المؤلف (١) ﵀:
(والفرض هو الواجب على إحدى الروايتين).
فحاصل كلامه أنَّ الفرض هو الواجب على إحدى الروايتين، وهو قول الشافعي ومالك، وعلى الرواية الأخرى فالفرض آكدُ من الواجب، فالفرضُ ما ثبت بدليل قطعيٍّ كالصلاة، والواجب ما ثبت بدليل ظنيٍّ كالعمرة عند من أوجبها، وهو قول أبي حنيفة.
وقيل: الفرضُ ما لا يسامَحُ بتركه عمدًا ولا سهوًا كأركان الصلاة، والواجب ما يسامَحُ فيه إن وقع من غير عمدٍ كالصلاة بالنجاسة عند من يقول بالمسامحة في ذلك.
واصطلح كثير من العلماء من مالكية وشافعية وحنابلة على إطلاق الواجب على السنة المؤكدة تأكيدًا قويًّا.
стр. 8
فصل
قال المؤلف (١) ﵀:
(والواجب ينقسم إلى معيَّن وإلى مبهم في أقسام محصورة. . .).
اعلم أن الواجب ينقسمُ ثلاثة تقسيمات:
١ - ينقسم باعتبار ذاته إلى واجب معيَّن لا يقومُ غيرُه مقامه، كالصوم والصلاة.
وإلى مبهم في أقسام محصورة، فهو واجبٌ لا بعينه، كواحدةٍ من خصال الكفارة في قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة/ ٨٩]، فالواجب واحد منها لا بعينه، فأي واحد فعله الحانث أجزأه.
وزَعْمُ المعتزلة أنَّ التخيير مطلقًا ينافي ذلك الوجوب باطلٌ؛ لأنَّه لم يخير بين الفعل والترك تخييرًا مطلقًا حتى ينافي ذلك الوجوب، بل لا يجوز ترك بعضها إلا مشروطًا بفعل بعضٍ آخر منها، فلو ترك جميعها لكان آثمًا، ولا خيار له في ترك الجميع، ولا يجب عليه فعل جميعها إجماعًا.
فتبين أن الواجب واحدٌ منها لا بعينه؛ لأن كل واحد منها يفي بالمقصود الشرعي، ولا يحصل دون واحد منها.
стр. 9
وكذلك غير المحصورة، كإعتاق رقبة في الظهار أو اليمين، فإن الواجب في ذلك رقبة لا بعينها من غير حصر لما تجب منه.
ونظير ذلك تزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد الكفأين الخاطبين، وعقد الإمامة لأحد الرجلين الصالحين؛ فإن كل ذلك يجب في واحد لا بعينه، ولا يمكن أن يقال فيه بإيجاب الجميع ولا بسقوط إيجاب الجميع كما ترى.
٢ - وينقسمُ الواجبُ -أيضًا- باعتبار وقته إلى مضيَّقٍ وموسَّع.
فالواجبُ المضيَّقٌ: هو ما وقتُه مضيَّق.
وضابطُ ما وقتُه مضيَّقٌ واجبًا كان أو غيره: هو ما لا يسع وقتُه أكثر من فعله، كصومِ رمضانَ في الواجب، وستة من شوال عند من يقول بأنَّها لابد أَن تكون متتابعة تلي يوم الفطر، وهو ظاهر حديث أبي أيوب، وحديث ثوبان، والأيام البيضِ في غير الواجب.
والواجبُ الموسَّعُ هو ما يسعُ وقتُه أكثر من فعله، كالصلوات الخمس. ومثالُه في غير الواجب: الوتر، وركعتا الفجر، والعيدان، والضحى.
والوقت في الاصطلاح: هو الزمن الذي قدَّره الشارع للعبادة.
وما زعمه بعضهم من أنَّ الواجب الموسع مستحيل، زاعمًا أنَّ التخيير في فعل العبادة ذات الوقت الموسع في أول الوقت ووسطه ينافي الوجوب، إذ الواجب حتمٌ، لا تخييرَ فيه، ولا يجوز تركه = فهو باطل -أي الزعم بأنَّ الواجب الموسع مستحيل-؛ لأن الواجب
стр. 10
الموسع من قبيل الواجب المبهم في واحد لا بعينه، كالصلاة يجب أن تؤدى في حصةٍ من حصص الوقت لا بعينها، كوجوب واحدةٍ من خصال الكفارة لا بعينها، فأي حصة من حصص الوقت من أوله أو وسطه أو آخره فعل فيها الصلاة أجزأته، كما أن أي واحدة من خصال الكفارة فعلها أجزأته.
وقد أجمع العلماءُ على أنَّ من أدى الصلاة في أول وقتها أنه يثاب ثواب الفرض، وتلزمه نية الفرض -محلُّ الاستدلال لزومُ نية الفرض مع جواز التأخير-؛ فدلَّ ذلك على بطلان قول من قال: إنه لو وجبت في أول الوقت لما جاز ترك أدائها إلى وسط الوقت أو آخره، وتبين أنها غير واجبة في أول الوقت، لأن التخيير في تركها في ذلك الوقت إلى ما بعده ينافي الوجوب، ولا شك أن ذلك كله باطل كما بينا.
٣ - وينقسم الواجبُ -أيضًا- باعتبار فاعله إلى واجب عينيٍّ وواجب على الكفاية.
فالواجب العيني: هو ما يَنْظُرُ فيه الشارع إلى ذات الفاعل، كالصلاة والزكاة والصوم؛ لأن كل شخص تلزمه بعينه طاعة اللَّه ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات/ ٥٦].
وأمَّا الواجب على الكفاية فضابطه أنه ما يَنْظُرُ فيه الشارعُ إلى نفس الفعل، بقطع النظر عن فاعله، كدفن الميت، وإنقاذ الغريق، ونحو ذلك؛ فإنَّ الشارع لم ينظر إلى عين الشخص الذي يدفن الميت أو ينقذ الغريق، إذ لا فرق عنده في ذلك بين زيد وعمرو، وإنما ينظر إلى نفس
стр. 11
الفعل الذي هو الدفن والإنقاذ مثلًا، وستأتي مسألة فرضِ الكفاية في مباحث الأمر -إن شاء اللَّه تعالى-.
فصل
قال المؤلف (١):
(إذا أخرَّ الواجب الموسَّع فمات في أثناء وقته قبل ضيقه لم يمت عاصيًا. . .) الخ.
خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الفصل أنَّ المكلف إذا مات في أول الوقت أو وسطه والحال أنه لم يؤدِّ الصلاة لم يمت عاصيًا؛ لأن الوقت موسع، والوقت الموسع يجوزُ للإنسان أن يأتي بالصلاة في أية حصة شاءها من حصصه، سواءً كانت من أوله أو وسطه أو آخره.
وأمَّا إن مات والحالُ أنه لم يبق من الوقت قدر ما يسع الصلاة، فإنه إذًا يموت غير عاصٍ فيما إذا لم يغلبْ على ظنه أنه يموت في أول الوقت أو وسطه، كالمحكوم عليه بالقتل مع تعيين وقت التنفيذ؛ لأن الوقت يضيق في حقِّه بسبب ظن الموت.
فلو تخلف الظن وسلم من الموت، وأدى الصلاة في آخر الوقت، فهل تكون صلاته أداء -وهو الظاهر؛ لوقوعها في الوقت- أو تكون قضاءً ولو وقعت في آخر الوقت، بناءً على أن الوقت ضاق في حقه بسبب ظن الموت، بدليل أنه لو مات في الوقت مع ظن الموت
стр. 12
ولم يبادر بالصلاة مات عاصيًا؟
فصل
قال المؤلف (١):
(ما لا يتم الواجب إلا به ينقسم إلى ما ليس داخلًا تحت قدرة المكلف، كالقدرة واليد في الكتابة، وحضور الإمام والعدد في الجمعة، فلا يوصف بوجوب.
وإلى ما هو داخلٌ تحت قدرة العبد فيما يتعلقُ باختيار العبد، كالطهارة للصلاة، والسعي للجمعة، وغسل جزءٍ من الرأس، وإمساك جزءٍ من الليل مع النهار في الصوم، فهو واجب. . .) الخ.
حاصل معنى كلامه ﵀ أنَّ ما لا يتم الواجب إلَّا به قسمان:
١ - قسم ليس تحت قدرة العبد، كزوال الشمس لوجوب الظهر، وككون مَنْ تعينت عليه الكتابةُ مقطوع اليدين، وكحضور الإمام والعدد الذي لا تصح الجمعة بدونه، فلا قدرة للمكلَّف على قهر الإمام والجماعة على الحضور إلى المسجد، فهذا النوعُ لا يوصف بوجوبٍ إلَّا على قول من جوَّز التكليف بما لا يُطاق، وهو مذهبٌ باطلٌ مردود.
٢ - وقسمٌ تحت قدرة العبد، كالطهارة للصلاة، والسعي للجمعة، وغسل جزءٍ من الرأس، إذْ لا يتحققُ تعميمُ غسل الوجه إلا
стр. 13
بغسل جزءٍ يسير من الرأس، وإمساك جزءٍ من الليل مع النهار، إذ لا يتحقق الإمساك في جميع نهار رمضان إلا بإِمساك جزء يسير من الليل، بناءً على أنَّ الغاية في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ الآية [البقرة/ ١٨٧] خارجة، وهو الصحيح؛ لأنَّ من أخَّر الإمساك عن جميع أجزاء الليل بتمامها فهو متناولٌ للفطر قطعًا في نهار رمضان، إذ لا واسطة بين الليل والنهار، وما جاء من الأحاديث موهمًا جوازَ تناولِ المفطر بعد الصبح، فهو محمولٌ على أن المراد به أنَّه في آخر جزءٍ من الليل، لشدة قربه من النهار.
وهذا القسم الأخير أعني ما هو تحت قدرة المكلَّف، قال المؤلفُ: إنه واجب. هذا حاصلُ معنى كلامه ﵀.
قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-: وهذا التقسيمُ غيرُ جيد.
وحاصلُ تحرير المقام أن يقال: ما لا يتم الواجب إلَّا به ثلاثة أقسام:
١ - قسمٌ ليس تحت قدرة العبد، كما مثَّلنا له آنفًا.
٢ - وقسمٌ تحت قدرة العبد عادةً إلا أنَّه لم يؤمر بتحصيله، كالنصاب لوجوب الزكاة، والاستطاعة لوجوب الحج، والإقامة لوجوب الصوم.
وهذان القسمان لا يجبان إجماعًا.
٣ - القسمُ الثالث: ما هو تحت قدرة العبد مع أنَّه مأمورٌ به، كالطهارة للصلاة، والسعي للجمعة. . . الخ. وهذا واجب على
стр. 14
التحقيق.
وإن شئت قلت: ما لا يتم الواجبُ المطلقُ إلا به فهو واجبٌ، كالطهارة للصلاة، وما لايتمُّ الواجب المعلَّق -أي المعلَّق على شرطٍ، كالزكاةِ معلقة على ملك النصاب، والحج على الاستطاعة- إلَّا به فليس بواجبٍ، كالنصاب للزكاة، والاستطاعة للحج.
وأوضح من هذا كلَّه أن تقول: مالا يتم الواجبُ إلا به فهو واجب، كالطهارة للصلاة، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، كالنصاب للزكاة.
تنبيه:
اعلم أنَّ الطهارة للصلاة واجبةٌ إجماعًا كما لا يخفى، وحينئذ فعلى أنَّ ما لا يتم الواجب المطلق إلَّا به واجب، فجميع النصوص الموجبة للصلاة توجب الطهارة؛ لأنها لا تتم إلَّا بها، وما لا يتم الواجب إلَّا به واجب، وإن كانت الطهارة واجبةً بأدلةٍ أخرى، إذْ لا مانع من تعدد الأدلة، وعلى العكس فالطهارة واجبةٌ بالنصوص الأخرى فقط دون النصوصِ الموجبة للصلاة.
فصل
قال المؤلف (١) ﵀:
(وإذا اختلطت أختُه بأجنبيةٍ أو ميتةٌ بمذكاةٍ حرَّمنا الميتة بعلةِ
стр. 15
الموتِ والأخرى بعلة الاشتباه).
هذه المسألةُ يترجم لها علماءُ الأصول بقولهم: "ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب".
فإن اختلطت ميتةٌ بمذكاة، أو أختُه بأجنبيةٍ، فلا يتم تركُ الحرام الذي هو أكلُ الميتة في الأول ونكاحُ الأُخت في الثاني إلا بترك الجميع، فتركُ الجميع واجب.
وقول المؤلف ﵀: حرَّمنا الميتة بعلة الموت والأخرى بعلة الاشتباه، فيه نظرٌ؛ لأنَّ الميتة غيرُ معروفة بعينها، فالجميع محرَّم؛ لأنه لا يتم ترك الحرام إلا بترك الجميع، فكل واحدة أكل منها احتمل أن تكون هي الميتة.
وقول من قال: إنَّ المذكَّاة حلال، لكن يجب الكف عنها، ظاهر التناقض، كما بينه المؤلف.
فصل
قال المؤلف (١):
(الواجب الذي لا يتقيد بحدٍّ محدودٍ، كالطمأنينة في الركوع والسجود. . .) الخ.
اعلم أولًا أنَّ الزيادة على الواجب لها حالتان:
стр. 16
الأولى: أنْ تكون الزيادةُ على الواجب متميزةً عنه، كصلاة النافلة بالنسبة إلى الصلوات الخمس، وهذه الزيادة غيرُ واجبةٍ، كما هو واضح.
الثانية: أن تكون الزيادة غير متميزةٍ عن الواجب، كالزائد على قدر الفرض من الطمأنينة في الركوع والسجود ونحو ذلك، فقال قوم: الزيادة هنا واجبة؛ لأن الجميع امتثالٌ للأمر الواجب، ولم يتميزْ فيه واجب عن غيره، فالكلُّ واجب؛ لأنَّه امتثالٌ للواجب.
والحقُّ أنَّ الزائد غير واجب، والدليلُ على ذلك جوازُ تركه والاقتصار على ما يحصل به الفرض فقط من الطمأنينة من غير شرطٍ ولا بدلٍ.
المندوب
قال المؤلف (١): (الثاني: المندوب).
خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أنَّ المندوب هو ما في فعله الثواب، وليس في تركه عقاب.
وهذا أجود التعريفين اللذين ذكرهما المؤلف.
وإن شئت قلت: ما أُمِرَ به أمرًا غير جازم.
والتحقيق أنَّ المندوب مأمورٌ به؛ لأنَّ الأمر قسمان:
١ - أمر جازم، أي في تركه العقاب، وهو الواجب.
стр. 17
٢ - وأمر غير جازم، أي لا عقاب في تركه، وهو المندوب.
والدليل على شمول الأمر للمندوب قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج/ ٧٧]. أي ومنه المندوب.
﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [لقمان/ ١٧] أي ومنه المندوب.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل/ ٩٠] أي ومن الإحسان وإيتاء ذي القربى ما هو مندوب.
واحتجَّ من قال: إنَّ الندب غير مأمور به بقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور/ ٦٣]، قالوا: في الآية التوعدُ على مخالفة الأمر بالفتنة والعذاب الأليم، والندبُ لا يستلزمُ تركه شيئًا من ذلك.
وبحديث: "لولا أنْ أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كلَّ صلاة" مع أنه ندبهم إلى السواك، قالوا: فدلَّ ذلك على أنَّ الندب غير مأمور به.
والجوابُ أنَّ الأمر في الآية والحديث المذكورين يراد به الأمرُ الواجب، فلا ينافي أن يطلق الأمر -أيضًا- على غير الواجب، وقد قدَّمنا أنَّ الأمر يطلق على هذا وهذا.
وزعمُ من قال إنَّ الندب تخييرٌ؛ بدليل جواز تركه، والأمر استدعاءٌ وطلب، والتخيير والطلب متنافيان = زعمٌ غير صحيح؛ لأن الندب ليس تخييرًا مطلقًا؛ بدليل أن الفعل فيه أرجحُ من الترك؛ للثواب في فعله وعدم الثواب في تركه، ولأنَّ المندوب -أيضًا- مطلوبٌ إلا أنَّ
стр. 18
طلبه غير جازم.
والندب في اللغة: الدعاءُ إلى الفعل. ومنه قوله:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانًا
والثواب في اللغة: الجزاء مطلقًا. ومنه قوله:
لكلِّ أخي مدحِ ثوابٌ علمته ... وليس لمدح الباهلي ثوابُ
أي جزاء.
وزَعْمُ أنَّ الثواب يختصُّ بجزاء الخير بالخير غيرُ صحيح، بل يطلق الثواب أيضًا على جزاء الشرِّ بالشرِّ في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ الآية [المائدة/ ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ [المطففين: ٣٦].
والعقابُ في اللفة التنكيل على المعصية. ومنه قولُ النابغة الذبياني:
ومن عصاكَ فعاقِبْهُ معاقبةً ... تنهى الظلومَ ولا تقعد على ضَمَدِ
المباح
قال المؤلف (١) ﵀:
стр. 19
(القسمُ الثالث: المباح. وحدُّه: ما أذن اللَّه في فعله وتركه غير مقترن بذم فاعله وتاركه ولا مدحه، وهو من الشرع. . .) الخ كلامه.
اعلم أن الإباحة عند أهل الأصول قسمان:
١ - الأولى: إباحةٌ شرعية، أي عُرِفَتْ من قِبَل الشرع، كإباحة الجماع في ليالي رمضان المنصوص عليها بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة/ ١٨٧]، وتسمى هذه الإباحة: الإباحة الشرعية.
٢ - الثانية: إباحةٌ عقلية، وهي تسمى في الاصطلاح: البراءة الأصلية، والإباحة العقلية، وهي بعينها استصحاب العدم الأصليِّ حتى يرد دليل ناقل عنه.
ومن فوائد الفرق بين الإباحتين المذكورتين أن رفع الإباحة الشرعية يُسمَّى نسخًا، كرفع إباحة الفطر في رمضان، وجعل الإطعام بدلًا عن الصوم المنصوص في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة/ ١٨٤]، فإنه منسوخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة/ ١٨٥].
وأما الإباحةُ العقليةُ فليس رفعُها نسخًا؛ لأنَّها ليست حكمًا شرعيًّا، بل عقليًّا، ولذا لم يكن تحريم الربا ناسخًا لإباحته في أول الإسلام؛ لأنها إباحةٌ عقلية، وأمثال ذلك كثيرة جدَّا.
والمباح في اللغة: هو ما ليس دونه مانع يمنعه. ومنه قولُ عبيد بن الأبرص:
стр. 20
ولقد أبحنا ما حَمَيْت ... ولا مبيح لما حَمَيْنَا
تنبيه:
قد دلَّت آيات من كتاب اللَّه على أنَّ استصحاب العدم الأصلي حجةٌ على عدم المؤاخذة بالفعل حتى يَرِدَ دليلٌ ناقل عن العدم الأصلي.
من ذلك أنهم كانوا يتعاملون بالربا، فلمَّا نزل تحريم الربا خافوا من أكل الأموال الحاصلة منه بأيديهم قبل تحريم الربا، فأنزل اللَّه في ذلك: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة/ ٢٧٥]، فقوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ يدلُّ على أن ما تعاملوا به من الرِّبا على حكم البراءة الأصلية قبل نزول التحريم لا مؤاخدة عليهم به.
ونظير ذلك قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء/ ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء/ ٢٣]، فإنَّ قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ في الموضعين استثناء منقطع، أي لكن ما سلف قبل التحريم على حكم البراءة الأصلية، فهو عفو.
ونظائر هذا في القرآن الكريم كثيرة، ومن أصرح الآيات في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة/ ١١٥] فإنهم لمَّا استغفروا لموتاهم المشركين، فنزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة/ ١١٣] ندموا على استغفارهم للمشركين،
стр. 21
فأنزل اللَّه الآية مبينة أن ما فعلوه من الاستغفار لهم على حكم البراءة الأصلية قبل نزول التحريم، لا مؤاخذة عليهم به حتى يحصل بيان ما ينهى عنه.
فصل
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(واختلف في الأفعال وفي الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها . . .) الخ.
اعلم أنَّ خلاصة ما ذكره المؤلف -رحمه اللَّه تعالى- في هذا المبحث: أنَّ حكم الأفعال والأعيان -أي الذوات المنتفع بها- قبل أن يرد فيها حكمٌ من الشرع فيها ثلاثة مذاهب:
الأول: أنها على الإباحة، وهو الذي يميلُ إليه المؤلف. واستدل بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة/ ٢٩]، فإنَّه تعالى امتنَّ على خلقه بما في الأرض جميعًا، ولا يمتن إلَّا بمباح، إذْ لا منَّة في محرَّم.
واستدلَّ لإباحتها أيضًا بصيغ الحصر في الآيات، كقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف/ ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ الآية [الأنعام/ ١٤٥]، ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ
стр. 22
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [الأنعام/ ١٥١].
واستدل لذلك أيضًا بحديث: "الحلال ما أحله اللَّه في كتابه، والحرام ما حرَّمه اللَّه في كتابه، وما سكت عنه فهو ممَّا عفا عنه".
المذهب الثاني: أنّ ذلك على التحريم حتى يرد دليل الإباحة. واستدل لهذا بأنَّ الأصل منع التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وجميع الأشياء ملك للَّه جلَّ وعلا فلا يجوز التصرف فيها إلا بعد إذنه.
ونوقش هذا الاستدلالُ بأنَّ منع التصرف في ملك الغير إنَّما يَقْبُحُ عادةً في حقِّ من يتضرر بالتصرف في ملكه، وأنه يقبح عادةً المنع ممَّا لا ضرر فيه، كالاستظلالِ بظلِّ حائطِ إنسانٍ، والانتفاع بضوءِ ناره، والله جلَّ وعلا لا يلحقه ضرر من انتفاع مخلوقاته بالتصرف في ملكه.
المذهب الثالث: التوقف عنه حتى يرد دليلٌ مبيِّن للحكم فيه.
واعلم أن لعلماء الأصول في هذا المبحث تفصيلًا لم يذكره المؤلف، ولكنه أشار إليه إشارة خفية، وهو أنهم يقولون: الأعيان -مثلًا- لها ثلاث حالات:
١ - إمَّا أن يكون فيها ضررٌ محضٌ ولا نفع فيها البتة، كأكل الأعشاب السامة القاتلة.
٢ - وإمَّا أن يكون فيها نفعٌ محض، ولا ضرر فيها أصلًا.
٣ - وإمَّا أن يكون فيها نفع من جهةٍ وضرر من جهةٍ.
فإن كان فيها الضرر وحده ولا نفع فيها، أو كان ضررها أرجح من
стр. 23
نفعها أو مساويًا له = فهي حرام؛ لقوله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار".
وإن كان نفعها خالصًا لا ضرر معه، أو معه ضرر خفيف والنفع أرجح منه = فأظهر الأقوال الجواز.
وقد أشار المؤلف إلى هذا التفصيل بقوله: (المنتفع بها)؛ فمفهومه أنَّ ما لا نفع فيه لا يدخلُ في كلامه.
قال المؤلف (١) ﵀: (المباح غير مأمور به. .) الخ.
من المعلومِ أنَّ المباحَ لم يُؤْمَرْ به، لا تركًا ولا فعلًا، وقد قدَّمنا أنه لا يدخلُ في تعريف التكليف بوجهٍ من الوجوه، وإنَّما عدوه من أقسام الحكم التكليفي مسامحةً وتكميلًا للقسمة، كما تقدَّم.
المكروه
قال المؤلف (٢) ﵀:
(القسم الرابع: المكروه، وهو ما تركُه خيرٌ من فعله، وقد يطلق ذلك على المحظور، وعلى ما نُهي عنه نهي تنزيه، فلا يتعلق بفعله عقاب. . .) الخ.
كلامه واضح.
والمكروه في اللغة: اسم مفعول كرهه، إذا أبغضه ولم يحبه، فكلُّ
стр. 24
بغيض إلى النفوس فهو مكروه في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ (١) عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ [الإسراء/ ٣٨].
وقولُ عمرو بن الإطْنابة:
وإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح
واعلم أن المكروه قد يطلق على الحرام؛ لأنه بغيض إلى النفوس العارفة، وذلك هو معنى قول المؤلف: (وقد يطلق ذلك على المحظور)، فالإشارة في قوله "ذلك" راجعة إلى المكروه والمحظور والحرام.
ومراده أن الكراهة قد تُطلق على كراهة التحريم وكراهة التنزيه، كما هو معروف في كلام العلماء.
وعرِّف المكروه في الاصطلاح بأنه: هو ما تركه خير من فعله.
وإن شئت قلت: هو ما نهي عنه نهيًا غير جازم.
فصل
قال المؤلف (٢) ﵀:
(و الأمرُ المطلقُ لا يتناول المكروه ؛ لأن الأمر استدعاء وطلب، والمكروه غير مستدعًى ولا مطلوب، ولأن الأمر ضد النهي، فيستحيل
стр. 25
أنْ يكون الشيء مأمورًا به ومنهيًّا عنه، وإذا قلنا: إنَّ المباح ليس بمأمور فالنهي عنه أولى).
إيضاحُ معنى كلامه ﵀:
أن المأمور به إذا كان بعض جزئياته منهيًّا عنه نهي تنزيه أو تحريم لا يدخلُ ذلك المنهيٌّ عنه منها في المأمور به؛ لأنَّ النهي ضدُّ الأمر، والشيء لا يدخل في ضدِّه، خلافًا لبعض الحنفية القائلين بدخوله فيه، فتحيَّةُ المسجد مثلًا مأمور بها، فإذا دخل المسجد وقت نهي، فتلك الصلاة المنهي عنها لوقت النهي لم تدخل في الأمر للمضادة التي بين الأمر والنهي، وهكذا.
وقال الشافعي ﵀: إنَّ الصلوات ذوات الأسباب الخاصة لم يتناولها النهي، فهي داخلة في الأمر؛ لأنَّها لم تدخل في النهي.
الحرام
قال المؤلف (١) ﵀:
(القسم الخامس: الحرام ضد الواجب).
اعلم أنَّ الحرام صفةٌ مشبهةٌ باسم الفاعل، لأنه الوصف مِنْ حَرُمَ الشيءُ فهو حرام.
стр. 26
والحرام في اللغة: هو الممنوع. ومنه قول امرئ القيس:
جالت لتصرعني فقلتُ لها اقصري ... إني امرؤ صرعي عليك حرام
وقول الآخر:
حرامٌ على عينيَّ أن تطعما الكرى ... وأن تَرْقآ حتى ألاقيك يا هند
وقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص/ ١٢]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة/ ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأنبياء/ ٩٥] الآيات.
وقوله: "ضد الواجب" يعني أنَّ الحرام في الاصطلاح: هو ما في تركه الثواب وفي فعله العقاب.
وإن شئت قلت: ما نهي عنه نهيًا جازمًا.
وقول المؤلف (١) ﵀:
(فيستحيل أنْ يكون الشيء الواحد واجبًا حرامًا، طاعة ومعصية، من وجهٍ واحد، إلا أن الواحد بالجنس ينقسم إلى واحد بالنوع، وإلى واحد بالعين، أي بالعدد. . .) الخ.
إيضاحُ معنى كلامه ﵀ أنَّ الوحدة ثلاثة أقسام:
١ - وحدة بالجنس.
стр. 27
٢ - وحدة بالنوع.
٣ - وحدة بالعين.
أما الوحدةُ بالجنس أو النوع فلا مانع من كون بعض أفراد الواحد بهما حرامًا وبعضها حلالًا، بخلاف الوحدة بالعين، فلا يمكن أن يكون فيها بعض الأفراد حرامًا وبعضُها حلالًا.
مثال الوحدة بالجنس: وحدة البعير والخنزير؛ لأنهما يشملُهما جنسٌ واحدٌ هو الحيوان، فكلاهما حيوان، فهما متحدان جنسًا، ولا إشكال في حرمة الخنزير وإباحة البعير.
ومثال الوحدة بالنوع: السجود؛ فإنه نوع واحد، فالسجود للَّه والسجود للصنم يدخلان في نوع واحدٍ هو اسم السجود، ولا إشكال في أن السجود للصنم كفر، وللَّه قربة، كما قال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت/ ٣٧].
ومثال الوحدة بالعين عند المؤلف ﵀: الصلاة في الأرض المغصوبة، فلا يمكن عنده أن يكون بعض أفرادها حرامًا وبعضها مباحًا.
وإيضاحُ مراده: أن المصلي في الدار المغصوبة إذا قام إلى الصلاة شغل بجسمه الفراغ الذي هو كائن فيه، وشَغْلُه الفراغَ المملوك لغيره بجسمه تعدِّيًا غصبٌ، فهو حرامٌ، فهذا الركن الذي هو القيام غصبٌ، فهو حرامٌ، فإذا ركع شغل الفراغ الذي هو كائنٌ فيه في ركوعه، وإذا
стр. 28
سجد شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في سجوده، وهكذا، وشَغْلُ الفراغ المملوك لغيره تعدِّيًا غصبٌ، فلا يمكن أنْ يكون قربة؛ لامتناع كون الواحد بالعين واجبًا حرامًا، قربةً معصيةً، لاستحالة اجتماع الضدَّين في شيءٍ واحدٍ من جهةٍ واحدة؛ فيلزم بطلان الصلاة المذكورة.
ومنع هذا القائلون بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة، وهم الجمهور، قالوا: الصلاة في الأرض المغصوبة فعلٌ له جهتان، والواحد بالشخص يكون له جهتان هو طاعةٌ من إحداهما ومعصيةٌ من إحداهما، فالصلاة في الأرض المغصوبة من حيث هي صلاةٌ قربةٌ، ومن حيث هي غصبٌ معصيةٌ، فله صلاته وعليه غصبه.
فيقول من قال ببطلانها: الصلاة في المكان المغصوب ليست من أمرنا، فهي ردٌّ، للحديث الصحيح: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد".
فيقول خصمُه: الصلاةُ في نفسها من أمرنا، فليست بردٍّ، وإنَّما الغصبُ هو الذي ليس من أمرنا فهو ردٌّ.
واعلم أن حاصل أقوال العلماء في الصلاة في المكان المغصوب أربعة مذاهب:
الأول: أنها باطلة يجب قضاؤها، وهو أصح الروايتين عن الإمام أحمد ﵀.
الثاني: أنها باطلة ولا يجب قضاؤها؛ لأنَّ النهي يقتضي البطلان؛
стр. 29
ولأنَّ السلف لم يكونوا يأمرون بقضاء الصلاة في المكان المغصوب، وممن قال به الباقلاني، والرازي. ولا يخفى بُعْدُه.
الثالث: أنَّها صحيحة، وهي رواية أخرى عن أحمد، وعليه الجمهور منهم مالك والشافعي وأكثر أهل العلم، وأكثرهم على أنها صحيحة لا أجر فيها، كالزكاة إذا أخذت منه قهرًا.
والرابع: أنها صحيحة، وله أجر صلاته وعليه إثم غصبه. وهذا أقيس.
فصل
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(مصححوا الصلاة في الدار المغصوبة قسَّموا النهي ثلاثة أقسام. . .) إلى آخره.
اعلم أنَّ حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة أنَّ المنهي عنه إمَّا أن تكون جهة النهي فيه منفردةً، أعني أنه لم تكن له جهة أخرى مأمور به منها، كالشرك باللَّه والزنا، فإن النهي عنهما لم يخالطه أمر من جهة أخرى، وهذا النوع واضح لا إشكال في أنه باطل على كل حال.
وإمَّا أن يكون له جهتان: جهة مأمور به منها، وجهة منهي عنه منها. وهم يقولون في مثل هذا: إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي فالفعل صحيح، وإن لم تنفك عنها فالفعل باطل. لكنهم عند التطبيق
стр. 30
يختلفون:
فيقول الحنبليُّ: الصلاةُ في الأرض المغصوبة منهي عنها من جهة الغصب، مأمور بها من جهة الصلاة، إلا أنَّ الجهة هنا غير منفكة، لأن نفس الحركة في أركان الصلاة عين شغل الفراغ المملوك لغيره تعديًا، وذلك عين الغصب، فأفعال الصلاة لا تنفك عن كونها غصبًا، والصلاة يشترط فيها نية التقرب، وتلك الأفعال التي هي شغل الفراغ المملوك لغيره غصبٌ لا يمكن فيه نية التقرب، إذ لا يمكن أن يكون متقربًا بما هو عاصٍ به.
أما إذا انفكت الجهة فالفعل صحيح، كالصلاة بالحرير، فإنَّ الجهة منفكة؛ لأن لبس الحرير منهي عنه مطلقًا في الصلاة وغيرها، فالمصلي بالحرير صلاته صحيحة، وعليه إثم لبسه الحرير.
فيقول المالكي والشافعي مثلًا: لا فرق البتة بين الصلاة في المكان المغصوب وبين الصلاة بالحرير، فالغصب -أيضًا- حرامٌ في الصلاة وفي غيرها، فصلاته صحيحة، وعليه إثم غصبه.
ويقول المالكي -مثلًا-: مثال الجهة غير المنفكة صوم يوم العيد أو الفطر؛ لأن الصائم فيهما معرض عن ضيافة اللَّه، لأن الصوم إمساك، وهذا الإمساك هو بعينه الإعراض عن ضيافة اللَّه، لأن الإعراض عنهما هو الامتناعُ عن الأكل والشرب، فلا يمكن انفكاك الجهة.
فيقول الحنفي: الجهة منفكة -أيضًا-؛ لأن الصوم من حيث إنه
стр. 31
صومٌ قربةٌ، ومن حيث كونه في يوم العيد منهيٌّ عنه، فالجهة منفكة، ولذا لو نذر أحد أن يصوم يوم العيد فنذره عنده صحيح منعقد، ويلزمه صيام يوم آخر غير يوم العيد بناء على انفكاك الجهة عنده.
وقول المؤلف (١) ﵀ في هذا المبحث: (قسَّموا النهي إلى ثلاثة أقسام).
إيضاح معناه: أنَّ المنهيَّ عنه إمَّا أن يكون النهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو لخارج عنه، زاد بعض المحققين قسمًا رابعًا: وهو أن المنهيَّ عنه لخارج عنه قد تكون فيه جهة النهي غير منفكة عن جهة الأمر، وقد تكونُ منفكة عنها، فتكون الأقسام أربعة.
مثال المنهي عنه لذاته: الشرك والزنا، ومثال المنهي عنه لوصفه القائم به: الخمر بالنسبة إلى الإسكار، ومثَّل له المؤلف بالصلاة في حالة السُّكر؛ لأنَّها منهي عنها لوصف السُّكر القائم بالمصلي، ومثال المنهي عنه لخارج غير لازم: الصلاة بالحرير، ومثال المنهي عنه لخارج لازم عند المؤلف: الصلاة في المكان المغصوب.
والنهي يقتضي البطلان في ثلاثة منها، وهي: ما نهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو لخارج عنه لازمٍ له لزومًا غير منفك.
أمَّا الرابع فلا يقتضي البطلان، وهو ما كان النهي عنه لخارج غير لازم.
стр. 32
وقد قدمنا اختلافهم في انفكاك الجهة.
وقد بين صاحب "مراقي السعود" بعض المسائل التي اختلفوا في انفكاك الجهة فيها وعدمه بقوله:
مثل الصلاة بالحرير والذهب ... أو في مكان الغصب والوضو انقلب
ومعطنٍ ومنهج ومقبرة ... كنيسةٍ وذي حميم (١) مجزرة
والمؤلف ﵀ يرى أنَّ الصلاة في الأمكنة المنهي عنها باطلة، والخلاف فيها مشهور.
فصل
قال المؤلف (٢) ﵀:
(الأمر بالشيء نهي عن ضدِّه من حيث المعنى، فأمَّا الصيغة فلا، فإنَّ قوله: (قم) غير قوله: (لا تقعد)، وإنَّما النظر في المعنى، وهو أن طلب القيام هل هو بعينه طلب ترك القعود. . .) إلى آخره.
اعلم أنَّ كون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده فيه ثلاثة مذاهب:
الأول: أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضدِّه. وهذا قول جمهور المتكلمين.
стр. 33
قالوا: اسكن -مثلًا-، السكونُ المأمورُ به فيه هو عين ترك الحركة، فهو إذن عين النهي عن الحركة -أيضًا-، فالأمرُ بالسكون هو النهي عن الحركة.
قالوا: وشغل الجسم فراغًا هو عين تفريغه للفراغ الذي انتقل عنه، والبعد من المغرب هو عين القرب من المشرق، وهو بالإضافة إلى المشرق قرب، وإلى المغرب بعد.
قالوا: ومثل ذلك طلب السكون، فهو بالنسبة إليه أمر وإلى الحركة نهي.
والذين قالوا بهذا القول اشترطوا في الأمر كون المأمور به معينًا، وكون وقته مضيقًا، ولم يذكر ذلك المؤلف، أمَّا إذا كان غير معين -كالأمر بواحد من خصال الكفارة- فلا يكون نهيًا عن ضده، فلا يكونُ في آية الكفارة نهي عن ضد الإعتاق -مثلًا-؛ لجواز ترك الإعتاق من أصله والتلبس بضده، والتكفير بالإطعام -مثلًا-، وذلك بالنظر إلى ما صِدْقِه أي فرده المعيَّن، كما مثلنا، لا بالنظر إلى مفهومه وهو الأحد الدائر بين تلك الأشياء؛ فإنَّ الأمر حينئذٍ نهيٌ عن ضد الأحد الدائر، وضده هو ما عدا تلك الأشياء المخير بينها.
وكذلك الوقت الموسع، فلا يكون الأمر بالصلاة في أول الوقت نهيًا عن التلبُّس بضدها في ذلك الوقت، بل يجوز التلبس بضدها في أول الوقت وتأخيرها إلى وسطه أو آخره بحكم توسيع الوقت.
стр. 34
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
الذي يظهر -واللَّه أعلم- أنَّ قول المتكلمين ومن وافقهم من الأصوليين أنَّ الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده، مبني على زعمهم الفاسد أنَّ الأمر قسمان: نفسي ولفظي، وأنَّ الأمر النفسي هو المعنى القائم بالذات المجرَّد عن الصيغة، وبقطعِهم النظر عن الصيغةِ واعتبارِهم الكلامَ النفسيَّ زعموا أنَّ الأمر هو عين النهي عن الضد مع أن متعلق الأمر طلب ومتعلق النهي ترك، والطلب استدعاء أمر موجود، والنهي استدعاء ترك فليس استدعاء شيء موجود.
وبهذا يظهر أن الأمر ليس عين النهي عن ضده، وأنه لا يمكن القول بذلك إلا على زعم أنَّ الأمر هو الخطاب النفسي القائم بالذات المجرَّد عن الصيغة.
ويوضح ذلك اشتراطُهم في كون الأمر نهيًا عن الضد أن يكون الأمر نفسيًا، يعنون الخطاب النفسي المجرد عن الصيغة، وجزم ببناء هذه المسألة على الكلام النفسي صاحبُ الضياء اللامع وغيره، وقد أشار المؤلف إلى هذا بقوله: (من حيث المعنى، وأمَّا الصيغة فلا)، ولم ينتبه لأنَّ هذا من المسائل التي فيها النارُ تحت الرماد؛ لأن أصل هذا الكلام مبنيٌّ على زعم باطل، وهو أنَّ كلام اللَّه مجرد المعنى القائم بالذات المجرد عن الحروف والألفاظ؛ لأنَّ هذا القول الباطل يقتضي أنَّ ألفاظ كلمات القرآن بحروفها لم يتكلم بها ربُّ السموات والأرض. وبطلان ذلك واضح، وسيأتي له إن شاء اللَّه زيادة إيضاح في مباحث القرآن ومباحث الأمر.
стр. 35
المذهب الثاني: أنَّ الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده، ولكنه يستلزمه. وهذا هو أظهر الأقوال؛ لأنَّ قولك: اسكن -مثلًا- يستلزم نهيك عن الحركة؛ لأن المأمور به لا يمكنُ وجوده مع التلبس بضده؛ لاستحالة اجتماع الضدين، وما لا يتم الواجب إلَّا به واجب كما تقدَّم، وعلى هذا القول أكثر أصحاب مالك، وإليه رجع الباقلاني في آخر مصنفاته، وكان يقولُ بالأول.
المذهب الثالث: أنه ليس عينه ولا يتضمنُه. وهو قول المعتزلة والأبياري من المالكية، وإمام الحرمين والغزالي من الشافعية، واستدلَّ من قال بهذا بأنَّ الآمر يجوز أن يكون وقت الأمر ذاهلًا عن ضدِّه، وإذا كان ذاهلًا عنه فليس ناهيًا عنه، إذْ لا يتصور النهي عن الشيء مع عدم خطوره بالبال أصلًا.
ويجابُ عن هذا بأنَّ الكفَّ عن الضد لازم لأمره لزومًا لا ينفك، إذ لا يصح امتثال الأمر بحال إلا مع الكف عن ضده، فالأمر مستلزم ضرورة للنهي عن ضده، لاستحالة اجتماع الضدين.
قالوا: ولا تشترط إرادة الأمر، كما ألثمار إليه المؤلف ﵀.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
قولهم هنا: "ولا تُشترط إرادة الأمر" في هذا المبحث غلطٌ؛ لأن المراد بعدم اشتراط الإرادة في الأمر إرادة الآمر وقوع المأمور به، أما إرادته لنفس اقتضاء الطلب المعبر عنه بالأمر، فلا بدَّ منها على كل
стр. 36
حال، وهي محل النزاع هنا.
ومن المسائل التي تنبني على الاختلاف في هذه المسألة قولُ الرجل لامرأته: إنْ خالفت نهيي فأنت طالق، ثم قال: قومي، فقعدت.
فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فقوله: "قومي" هو عين النهي عن القعود، فيكون قعودها مخالفةً لنهيه المعبَّر عنه بصيغة الأمر، فتطلق.
وعلى أنه مستلزم له، فيتفرع على الخلاف المشهور في لازم القول هل هو قول أو لا؟
وعلى أنه ليس عين النهي عن الضد، ولا مستلزمًا له، فإنَّها لا تطلق.
ومن المسائل المبنيَّة عليها -أيضًا- ما لو سرق المصلِّي في صلاته، أو لبس حريرًا، أو نظر محرَّمًا، فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده فيكون الأمر بالصلاة هو عين النهي عن السرقة -مثلًا-، فتبطل الصلاة بناءً على أن النهي يستلزم الفساد، فعين السرقة منهي عنها في الصلاة بنفس الأمر بالصلاة؛ فعلى أنَّ النهي يقتضي الفساد فالصلاة باطلة.
وسيأتي لهذا زيادةُ إيضاح -إن شاء اللَّه تعالى-، وخلافُ العلماء في مثل هذه الفروع مشهور.
стр. 37
تنبيه:
تكلم المؤلفُ ﵀ على الأمر بالشيء الذي له ضدٌّ، ولم يذكر حكم الشيء الذي له أضداد متعددة، وحكمهما واحد، فالأمرُ بالشيء نهي عن الضد الواحد أو مستلزم له. . إلى آخره، ونهي عن جميع الأضداد المتعددة أو مستلزم لها. . إلى آخره.
مثال الواحد: ضد السكون، وهو الحركة. ومثال المتعددة: النهي عن القيام، فضده القعود والاضطجاع.
فصل
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(التكليف في اللغة: إلزام ما فيه كلفةٌ، أي مشقة. قالت الخنساء:
يكلِّفه القومُ ما نابهم ... وإنْ كان أصغرهم مولدًا)
فقد عرفنا التكليف لغة واصطلاحًا فيما تقدم.
وقوله: (وهو في الشريعة الخطابُ بأمر أو نهي). قد بينَّا فيما تقدم وجه إدخال الجائز في أقسام التكليف مع أنَّه ليس مكلَّفًا به فعلًا ولا تركًا.
قال المؤلف (٢) ﵀:
(وله شروط بعضُها يرجعُ إلى المكلَّف، وبعضُها يرجعُ إلى نفس
стр. 38
الفعل المكلَّف به. . .) إلى آخره.
أما شروط التكليف الراجعة إلى المكلف فذكر منها: العقل، والبلوغ، وعدم النسيان، وعدم النوم، فجعل السكران الذي لا يعقل غير مكلَّف، ولم يجعل عدم الإكراه شرطًا، فالمكره عنده مكلَّفٌ، وذكر الخلاف في اشتراط عدم الكفر بالنسبة إلى فروع الإسلام، ولذا ذكر أن الكفار اختلف في خطابهم بفروع الإسلام.
وذكر ثلاثة شروط راجعة إلى نفس الفعل المكلف به، وهي: علم المكلَّف المأمور به، فلا يصح تكليفه بما لا يعلمه.
الثاني: كون الفعل المأمور به معدومًا، لأنَّ التكليف بتحصيل الموجود تحصيل حاصل. وهو محال.
الثالث: كونه ممكنًا، فلا يصح التكليف بالمحال.
هذا حاصلُ ما ذكره من شروط التكليف، ودونك تحقيق المقام في الشروط المذكورة.
أمَّا اشتراط العقل في التكليف فلا خلاف فيه بين العلماء، إذ لا معنى لتكليف من لا يفهم الخطاب، وأمَّا لزوم قيم المتلفات وأروش الجنايات لمن لا عقل له، كالصبي الصغير والمجنون، فهو من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف.
وأمَّا الصبيُّ المميز: فجمهور العلماء على أنه غير مكلَّف بشيء مطلقًا، لأنَّ القلم مرفوع عنه حتى يبلغ، وعن أحمد رواية مرجوحة بتكليف الصبي المميز، ومذهب مالك وأصحابه تكليف الصبي
стр. 39
بالمكروه والمندوب فقط دون الواجب والحرام، قالوا: للإجماع على أنه لا إثم عليه بترك واجب، ولا بارتكاب حرام؛ لرفع القلم عنه، وأما المكروه والمندوب فاستدلوا لتكليفه بهما بحديث الخثعمية التي أخذت بضبعي صبي، وقالت: يا رسول اللَّه ألهذا حج؛ قال: "نعم ولك أجر".
وأما النائم والناسي: فاختُلف في تكليفهما، فقيل: غير مكلفين، كما درج عليه المؤلف؛ للإجماع على سقوط الإثم عنهما، ولو كانا مكلفين كانا آثمين بترك العبادة حتى فات وقتها لأجل النوم والنسيان.
وقيل: هما مكلفان؛ بدليل الإجماع على وجوب القضاء عليهما، إذ لو كانت الصلاة غير واجبة عليهما في وقت النوم أو النسيان لما وجب قضاؤها عند اليقظة والذكر؛ لأن ما لم يجب لا يجب قضاؤه.
وجمع بعض محققي الأصوليين من المالكية بين القولين بأنْ قال: إنَّ عدم النوم والنسيان شرطٌ في الأداء لا في الوجوب، فالصلاة واجبة عليهما مع أنهما غير مكلفين بنفس أدائها، فالتمكن من الأداء بعد النوم والنسيانِ شرطٌ في الأداء فقط لا في الوجوب، ومرادُهم بشرط الإيجاب أنَّه شرط في الإيجاب الإعلامي الذي المقصود منه اعتقادُ وجوب إيجاد الفعل، ومرادهم بشرط الأداء الإيجاب الإلزامي الذي المقصود منه الامتثال الذي لا يحصل إلا بالاعتقاد والإيجاد معًا.
واعلم أنَّ ما جزم به المؤلف ﵀ من كون الناسي والنائم غير مكلَّفين، يشكل عليه وجوب قضاء الصلاة، والإجماع على أنَّها قضاء، وقد يُجاب عنه بأنَّ القضاء وجب بانعقاد سبب الوجوب، وإن منع منه تمامه مانع النوم أو النسيان. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 40
وأما السكران الذي لا يعقل: فجزم المؤلف بأنه غير مكلَّف، وبين أن لزوم الطلاق للسكران، ولزوم قيم المتلفات للنائم والناسي، أنَّ ذلك من خطاب الوضع، وذلك هو مراده بقوله (١): (من قبيل ربط الأحكام بالأسباب)؛ لأنَّ ذلك بعينه من خطاب الوضع.
واعلم أنَّ العلماء اختلفوا فيما يلزمُ السكران، ومما قيل في ذلك: التفصيل؛ لأنَّ السكر قد يذهب جميع عقله حتى يكون لا يعقل شيئًا، وهو المعروف بالسكران الطافح، وقد يذهب بعض عقله، ويبقى معه بعضه.
فالأظهر في الطافح أنه لا يلزمه شيء من العقود ولا العتق ولا الطلاق ولا الجنايات إلا ما كان من خطاب الوضع كغرم قيمة المتلف، وأمَّا الذي لم يفقد جميع عقله فهو الذي فيه قول من قال:
لا يلزم السكران إقرار عقود ... بل ما جنى عتق طلاق وحدود (٢)
فإنْ قيل: قد دلَّ القرآن على تكليف السكران في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء/ ٤٣]؛ لأنَّ قوله: ﴿وَأَنْتُمْ