← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 282

مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر- ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (528 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

حال، وهي محل النزاع هنا. ومن المسائل التي تنبني على الاختلاف في هذه المسألة قولُ الرجل لامرأته: إنْ خالفت نهيي فأنت طالق، ثم قال: قومي، فقعدت. فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فقوله: "قومي" هو عين النهي عن القعود، فيكون قعودها مخالفةً لنهيه المعبَّر عنه بصيغة الأمر، فتطلق. وعلى أنه مستلزم له، فيتفرع على الخلاف المشهور في لازم القول هل هو قول أو لا؟ وعلى أنه ليس عين النهي عن الضد، ولا مستلزمًا له، فإنَّها لا تطلق. ومن المسائل المبنيَّة عليها -أيضًا- ما لو سرق المصلِّي في صلاته، أو لبس حريرًا، أو نظر محرَّمًا، فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده فيكون الأمر بالصلاة هو عين النهي عن السرقة -مثلًا-، فتبطل الصلاة بناءً على أن النهي يستلزم الفساد، فعين السرقة منهي عنها في الصلاة بنفس الأمر بالصلاة؛ فعلى أنَّ النهي يقتضي الفساد فالصلاة باطلة. وسيأتي لهذا زيادةُ إيضاح -إن شاء اللَّه تعالى-، وخلافُ العلماء في مثل هذه الفروع مشهور.

стр. 37

تنبيه: تكلم المؤلفُ ﵀ على الأمر بالشيء الذي له ضدٌّ، ولم يذكر حكم الشيء الذي له أضداد متعددة، وحكمهما واحد، فالأمرُ بالشيء نهي عن الضد الواحد أو مستلزم له. . إلى آخره، ونهي عن جميع الأضداد المتعددة أو مستلزم لها. . إلى آخره. مثال الواحد: ضد السكون، وهو الحركة. ومثال المتعددة: النهي عن القيام، فضده القعود والاضطجاع. فصل قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (التكليف في اللغة: إلزام ما فيه كلفةٌ، أي مشقة. قالت الخنساء: يكلِّفه القومُ ما نابهم ... وإنْ كان أصغرهم مولدًا) فقد عرفنا التكليف لغة واصطلاحًا فيما تقدم. وقوله: (وهو في الشريعة الخطابُ بأمر أو نهي). قد بينَّا فيما تقدم وجه إدخال الجائز في أقسام التكليف مع أنَّه ليس مكلَّفًا به فعلًا ولا تركًا. قال المؤلف (٢) ﵀: (وله شروط بعضُها يرجعُ إلى المكلَّف، وبعضُها يرجعُ إلى نفس

стр. 38

الفعل المكلَّف به. . .) إلى آخره. أما شروط التكليف الراجعة إلى المكلف فذكر منها: العقل، والبلوغ، وعدم النسيان، وعدم النوم، فجعل السكران الذي لا يعقل غير مكلَّف، ولم يجعل عدم الإكراه شرطًا، فالمكره عنده مكلَّفٌ، وذكر الخلاف في اشتراط عدم الكفر بالنسبة إلى فروع الإسلام، ولذا ذكر أن الكفار اختلف في خطابهم بفروع الإسلام. وذكر ثلاثة شروط راجعة إلى نفس الفعل المكلف به، وهي: علم المكلَّف المأمور به، فلا يصح تكليفه بما لا يعلمه. الثاني: كون الفعل المأمور به معدومًا، لأنَّ التكليف بتحصيل الموجود تحصيل حاصل. وهو محال. الثالث: كونه ممكنًا، فلا يصح التكليف بالمحال. هذا حاصلُ ما ذكره من شروط التكليف، ودونك تحقيق المقام في الشروط المذكورة. أمَّا اشتراط العقل في التكليف فلا خلاف فيه بين العلماء، إذ لا معنى لتكليف من لا يفهم الخطاب، وأمَّا لزوم قيم المتلفات وأروش الجنايات لمن لا عقل له، كالصبي الصغير والمجنون، فهو من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف. وأمَّا الصبيُّ المميز: فجمهور العلماء على أنه غير مكلَّف بشيء مطلقًا، لأنَّ القلم مرفوع عنه حتى يبلغ، وعن أحمد رواية مرجوحة بتكليف الصبي المميز، ومذهب مالك وأصحابه تكليف الصبي

стр. 39

بالمكروه والمندوب فقط دون الواجب والحرام، قالوا: للإجماع على أنه لا إثم عليه بترك واجب، ولا بارتكاب حرام؛ لرفع القلم عنه، وأما المكروه والمندوب فاستدلوا لتكليفه بهما بحديث الخثعمية التي أخذت بضبعي صبي، وقالت: يا رسول اللَّه ألهذا حج؛ قال: "نعم ولك أجر". وأما النائم والناسي: فاختُلف في تكليفهما، فقيل: غير مكلفين، كما درج عليه المؤلف؛ للإجماع على سقوط الإثم عنهما، ولو كانا مكلفين كانا آثمين بترك العبادة حتى فات وقتها لأجل النوم والنسيان. وقيل: هما مكلفان؛ بدليل الإجماع على وجوب القضاء عليهما، إذ لو كانت الصلاة غير واجبة عليهما في وقت النوم أو النسيان لما وجب قضاؤها عند اليقظة والذكر؛ لأن ما لم يجب لا يجب قضاؤه. وجمع بعض محققي الأصوليين من المالكية بين القولين بأنْ قال: إنَّ عدم النوم والنسيان شرطٌ في الأداء لا في الوجوب، فالصلاة واجبة عليهما مع أنهما غير مكلفين بنفس أدائها، فالتمكن من الأداء بعد النوم والنسيانِ شرطٌ في الأداء فقط لا في الوجوب، ومرادُهم بشرط الإيجاب أنَّه شرط في الإيجاب الإعلامي الذي المقصود منه اعتقادُ وجوب إيجاد الفعل، ومرادهم بشرط الأداء الإيجاب الإلزامي الذي المقصود منه الامتثال الذي لا يحصل إلا بالاعتقاد والإيجاد معًا. واعلم أنَّ ما جزم به المؤلف ﵀ من كون الناسي والنائم غير مكلَّفين، يشكل عليه وجوب قضاء الصلاة، والإجماع على أنَّها قضاء، وقد يُجاب عنه بأنَّ القضاء وجب بانعقاد سبب الوجوب، وإن منع منه تمامه مانع النوم أو النسيان. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 40

وأما السكران الذي لا يعقل: فجزم المؤلف بأنه غير مكلَّف، وبين أن لزوم الطلاق للسكران، ولزوم قيم المتلفات للنائم والناسي، أنَّ ذلك من خطاب الوضع، وذلك هو مراده بقوله (١): (من قبيل ربط الأحكام بالأسباب)؛ لأنَّ ذلك بعينه من خطاب الوضع. واعلم أنَّ العلماء اختلفوا فيما يلزمُ السكران، ومما قيل في ذلك: التفصيل؛ لأنَّ السكر قد يذهب جميع عقله حتى يكون لا يعقل شيئًا، وهو المعروف بالسكران الطافح، وقد يذهب بعض عقله، ويبقى معه بعضه. فالأظهر في الطافح أنه لا يلزمه شيء من العقود ولا العتق ولا الطلاق ولا الجنايات إلا ما كان من خطاب الوضع كغرم قيمة المتلف، وأمَّا الذي لم يفقد جميع عقله فهو الذي فيه قول من قال: لا يلزم السكران إقرار عقود ... بل ما جنى عتق طلاق وحدود (٢) فإنْ قيل: قد دلَّ القرآن على تكليف السكران في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء/ ٤٣]؛ لأنَّ قوله: ﴿وَأَنْتُمْ

стр. 41

سُكَارَى﴾ جملة حالية، العامل فيها ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾، وصاحبها الضمير الذي هو الواو، والمعروف في علم العربية أنَّ الحال إن كانت غير مقدرة، فوقتها هو بعينه وقت عاملها، فيلزم من ذلك أن وقت النهي عن قربان الصلاة هو وقتُ السُّكر بعينه، ونهي السكران في وقت سكره يدل على أنَّه مكلَّف. فالجواب عن هذا الإشكال من الجهتين اللتين ذكرهما المؤلف: الأولى: أن المراد بالنهي النهيُ عن شرب الخمر في أول الإسلام قبل تحريمها قرب أوقات الصَلاة بحيث يغلب على الظن أنها يدخل وقتها وهو سكران، لأن من شرب المسكر في وقت يظن فيه أنه يأتي وقت الصلاة وهو سكران فكأنه عالم بأنَّ صلاته تكون في وقت سكره. ودليل هذا الوجه: أنَّ الآية لما نزلت كانوا لا يشربونها إلا في وقتين: بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح؛ لأنه يغلب على الظن أن السكران يصحو فيما بين العشاء والصبح، وفيما بين الصبح والظهر، وأما في غير ذينك الوقتين فلا يشربونها؛ لأن وقت الصلاة في غيرهما يدخل قبل صحو السكران، وهو واضح. الثانية: أن المراد بالنهي خطابُ مَنْ وَجدَ مبادئ النشاط والطرب قبل زوال عقله؛ فإنَّه إن ابتدأ الصلاة في ذلك الوقت قد يتمكن منه السكر في أثنائها. تنبيه: قد أشار تعالى إلى ما يُعرف به زوال السكر، وهو أن يكون فاهمًا

стр. 42

لما يتكلم به غير طائش عنه، وذلك في قوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ الآية [النساء/ ٤٣]. وأمَّا المُكْرَه: فجزم المؤلفُ ﵀ بأنَّه مكلَّف، وإطلاقه تكليفه من غير تفصيل لا يخلو من نظر، إذ الإكراه قسمان: ١ - قسمٌ لا يكون فيه المكره مكلفًا بالإجماع، كمن حلف لا يدخل دار زيد مثلًا، فقهره من هو أقوى منه، وكبَّله بالحديد، وحمله قهرًا حتى أدخله فيها، فهذا النوع من الإكراه صاحبه غير مكلَّف كما لا يخفى، إذ لا قدرة له على خلاف ما أكره عليه. ٢ - وقسمٌ هو محلُّ الخلاف الذي ذكره المؤلف، وهو ما إذا قيل له: افعل كذا مثلًا وإلا قتلتك، وجزم المؤلف بأنَّ المكره هذا النوع من الإكراه مكلَّف، وظاهر كلامه أنه لو فعل المحرَّم الذي أكره عليه هذا النوع من الإكراه لكان آثمًا، والظاهر أنَّ في ذلك تفصيلًا. فالمكره على القتل بأن قيل: "اقتله وإلا قتلتك أنت"، لا يجوز له قتل غيره، وإن أدَّى ذلك إلى قتله هو، وأمَّا في غير حق الغير فالظاهر أنَّ الإكراه عذر يسقط التكليف، بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل/ ١٠٦]. وفي الحديث: "إن اللَّه تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". والحديث وإنْ أعلَّه أحمد وابن أبي حاتم، فقد تلقاه العلماء بالقبول، وله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة.

стр. 43

وأما خطابُ الكفَّار بفروع الإسلام: فاختلف فيه، فقيل: غير مخاطبين بها. واحتجَّ من قال بأنَّهم غير مخاطبين بها بأنَّهم لو فعلوها في حال كفرهم لم تقبل منهم، ولا يجب قضاؤها عليهم بعد الإسلام، وما لم يُقبل منهم فلا يُخاطبون به. وهذا الاحتجاجُ مردودٌ؛ لأنَّهم مخاطبون بها وبما لا تصحُّ إلَّا به وهو الإسلام، كالمحدث يخاطب بالصلاة وبما لا تصح الصلاة إلا به كالطهارة، كما قدَّمنا من أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب، والحقُّ أنَّهم مكلفون بها لدلالة النصوص على ذلك. فمن الأدلة عليه قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر/ ٤٢ - ٤٤]. ففي الآية التصريح بأن من الأسباب التي سلكتهم في سقر عدم إطعام المسكين، وهو فرع من الفروع. ونظيره قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾ ثم بين السبب بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ [الحاقة/ ٣٣ - ٣٤]. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ [الفرقان/ ٦٩ - ٦٨]؛ لأن الآية نص في مضاعفة العذاب في حق من جَمَعَ بين المحظورات.

стр. 44

واعلم أنَّ المسألة فيها ثلاثة أقوال: الأول: أنهم مخاطبون بها. وهو الحق. الثاني: أنهم غير مخاطبين بها مطلقًا. الثالث: أنهم مخاطبون بالنواهي لصحة الكفِّ عن الذنب منهم دون الأوامر. وحجة من قال بالإطلاق أن الكفِّ عن المنهيِّ عنه وإن صدر منهم فلا أجر لهم فيه؛ لأنَّ الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة. وأمَّا الجوابُ عن كونها لا تقضى بعد الإسلام، فهو أنَّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله. قال المؤلف (١) ﵀: (فأماَّ الشروط المعتبرةُ لفعل المكلَّف به فثلاثة: أحدها: أن يكون معلومًا للمأمور به حتى يتصور قصده إليه، وأن يكون معلومًا كونه مأمورًا به من جهة اللَّه تعالى، حتى يتصور فيه قصد الطاعة والامتثال، وهذا يختص بما يجب به قصد الطاعة والتقرب). إيضاحُ معنى هذا الشرط الأول أنَّ الفعل المكلف به يشترط في صحة التكليف به شرعًا أن يكون المكلف يعلمه، فيشترط لتكليفه بالصلاة علمه بحقيقة كيفية الصلاة؛ لأن التكليف بالمجهول من

стр. 45

تكليف ما لا يطاق، إذ لو قيل للمكلف: "افعل ما أُضْمِرُ في نفسي أنك تفعلُه وإلَّا عاقبتُك" فقد كلف بفعل ما لا طاقة له به؛ لأنَّ اهتداءه إلى الفعل المطلوب من غير علمٍ ليس في طاقته، كما هو واضح. واعلم أنَّ الأحكام الشرعية قسمان: قسم منها تعبدي محض، وقسم معقول المعنى. فالتعبدي كالصلاة والزكاة والصوم، فيشترط في التكليف به العلم بحقيقة الفعل المكلَّف به كما بينا، ويزاد على ذلك العلم بأنه مأمور به من اللَّه تعالى، إذْ لابد له من نية التقرب به إلى اللَّه تعالى، ونية التقرب إليه لاتمكن إلا بعد معرفة أنَّ الأمر المتقرب به إليه أمر منه جل وعلا. وأمَّا معقول المعنى فلا يشترط في صحة فعله نية التقرب، ولكن لا أجر له فيه البتة إلا بنية التقرب إلى اللَّه تعالى. ومثالُ ذلك ردُّ الأمانة والمغصوب، وقضاءُ الدَّين، والإنفاق على الزوجة، فمن قضى دينه، وأدَّى الأمانة، وردَّ المغصوب مثلًا لا يقصد بشيء من ذلك وجه اللَّه، بل لخوفه من عقوبة السلطان مثلًا، ففعلُه صحيح دون النية، وتسقطُ به المطالبة، فلا يلزمُه الحقُّ في الآخرة بدعوى أنَّ قضاءه في الدنيا غير صحيح لعدم نية التقرب، بل القضاء صحيح، والمطالبة ساقطة على كل حال، ولكن لا أجر له إلا بنية التقرب، وهذا هو مراد المؤلف بقوله: (وهذا يختصُّ بما يجب به قصد الطاعة والتقرب).

стр. 46

قال المؤلف (١): (الثاني: أن يكون معدومًا، أما الموجود فلا يمكن إيجاده فيستحيل الأمر به). إيضاح معنى هذا الشرط أنه يشترط في المطلوب المكلَّف به أن يكون الفعل المطلوب معدومًا، فالصلاة والصوم المأمور بهما وقت الطلب لابد أن يكونا غير موجودين، والمكلف ملزم بإيجادهما على الوجه المطلوب، أما الموجود الحاصل فلا يصح التكليف به، كما لو كان صلى ظهر هذا اليوم بعينه صلاة تامةً من كلِّ جهاتها، فلا يمكن أمرُه بإيجاد تلك الصلاة بعينها التي أدَّاها على أكمل وجه؛ لأنَّ الأمر بتحصيلها معناه أنَّها غير حاصلة، والفرضُ أنَّها حاصلة، فيكون تناقضًا. ومن هنا قالوا: تحصيل الحاصل محال، لأنَّ السعي في تحصيله معناه أنَّه غير حاصلٍ بالفعل، وكونه حاصلًا بالفعل ينافي ذلك، فصار المعنى هو غير حاصل هو حاصل. وهذا تناقض، واجتماع النقيضين محال. تنبيه: مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ الآية [الأحزاب/ ١] صريح في الأمر بما هو حاصلٌ وقت الطلب؛ لأنه ﷺ مُتَّقٍ وقت أمره بالتقى.

стр. 47

والجواب: أنَّ أمره بالتقوى يرادُ به الدوام على ذلك أو أمر أمته بأمره لأنه قدوةٌ لهم. قال المؤلف (١) ﵀: (الثالث: أن يكون ممكنًا، فإنْ كان محالًا كالجمع بين الضدَّين ونحوه، لم يجز الأمر به، وقال قوم: يجوز ذلك، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة/ ٢٨٦] والمحالُ لا يسأل دفعه؛ لأنَّ اللَّه تعالى علم أنَّ أبا جهل لا يؤمن وقد أمره بالإيمان، وكلفه إياه. . .) إلى آخره. اعلم أن هذه المسألة هي المعروفة عند أهل الأصول بمسألة التكليف بما لا يطاق، وبعضهم يقول: التكليف بالمحال، وفيها تفصيل لا بدَّ منه، ولم يذكره المؤلف رحمه اللَّه تعالى، ولكنه أشار إليه إشارة خفيفة في آخر كلامه. اعلم أنَّ حاصل تحقيق المقام في هذه المسألة عند أهل الأصول أن البحث فيها من جهتين: الأولى: من جهة الجواز العقلي، أي هل يجوز عقلًا أن يكلف اللَّه عبده بما لا يطيقه أو يمتنع ذلك عقلًا؟ الثانية: هل يمكن ذلك شرعًا أو لا؟ اعلم أنَّ أكثر الأصوليين على جواز التكليف عقلًا بما لا يُطاق.

стр. 48

قالوا: وحكمته ابتلاء الإنسان، هل يتوجَّه إلى الامتثال، ويتأسف على عدم القدرة، ويضمر أنه لو قدر لفعل، فيكون مطيعًا للَّه بقدر طاقته، أو لا يفعل ذلك فيكون في حكم العاصي. ومنهم من يقول: لا يلزم ظهور الحكمة في أفعال اللَّه؛ لأنهم يزعمون أن أفعاله لا تعلل بالأغراض والحكم، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى إيضاح إبطال ذلك في الكلام على علة القياس. وأكثر المعتزلة وبعض أهل السنة منعوا التكليف بما لا يطاق عقلًا. قالوا: لأنَّ اللَّه يشرع الأحكام لحكم ومصالح، والتكليف بما لا يطاق لا فائدة فيه، فهو محال عقلًا. أمَّا بالنسبة إلى الإمكان الشرعي ففي المسألة التفصيل المشارُ إليه آنفًا، وهو أن المستحيل أقسام، فالمستحيل عقلًا قسمان: قسم مستحيل لذاته، كوجود شريك للَّه عن ذلك علوا كبيرًا، وكاجتماع النقيضين والضدَّين في شيءٍ واحدٍ في وقتٍ واحد من جهةٍ واحدة، ويسمى هذا القسم: المستحيل الذاتي. وإيضاحه: أنَّ العقل إما أن يقبل وجود الشيء فقط، أي ولا يقبل عدمه، أو يقبل عدمه فقط ولا يقبل وجوده، أو يقبلهما معًا، فإن قبل وجوده فقط ولم يقبل عدمه بحال فهو الواجب الذاتي المعروف بواجب الوجود، كذات اللَّه جل وعلا، متصفًا بصفات الكمال والجلال، وإن قبل عدمه فقط دون وجوده فهو المستحيل المعروف بالمستحيل عقلًا، كوجود شريك للَّه عن ذلك علوًا كبيرًا، وإنْ قبل العقل

стр. 49

وجوده وعدمه فهو المعروف بالجائز عقلًا، وهو الجائز الذاتيُّ، كقدوم زيد يوم الجمعة وعدمه. فالمستحيل الذاتيُّ أجمع العلماء على أن التكليف به لا يصحُّ شرعًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة / ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن/ ١٦]، ونحو ذلك من أدلة الكتاب والسنة. القسم الثاني من قسمي المستحيل عقلًا: هو ما كان مستحيلًا لا لذاته، بل لتعلق علم اللَّه بأنه لا يوجد؛ لأنَّ ما سبق في علم اللَّه أنه لا يوجد مستحيل عقلًا أن يوجد؛ لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلي. وهذا النوع يسمونه المستحيل العرضي، ونحن نرى أنَّ هذه العبارة لا تنبغي، لأنَّ وصف استحالته بالعرض من أجل كونها بسبب تعلق العلم الأزلي لا يليق بصفة اللَّه، فالذي ينبغي أن يقال: إنَّه مستحيل لأجل ما سبق في علم اللَّه من أنه لا يوجد. ومثال هذا النوع: إيمان أبي لهب، فإن إيمانه بالنظر إلى مجرد ذاته جائزٌ عقلًا الجواز الذاتي؛ لأن العقل يقبل وجوده وعدمه، ولو كان إيمانه مستحيلًا عقلًا لذاته لاستحال شرعًا تكليفه بالإيمان مع أنه مكلف به قطعًا إجماعًا، ولكن هذا الجائز عقلًا الذاتي مستحيل من جهة أخرى، وهي من حيث تعلق علم اللَّه فيما سبق أنَّه لا يؤمن؛ لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزليُّ. والتكليف بهذا النوع من المستحيل واقع شرعًا وجائز عقلًا وشرعًا

стр. 50

بإجماع المسلمين لأنَّه جائز ذاتيٌّ، لا مستحيل ذاتي. والأقسام بالنظر إلى تعلق العلم قسمان: واجب ومستحيل فقط؛ لأن العلم إما أن يتعلق بالوجود فهو واجب، أو بالعدم فهو مستحيل، ولا واسطة، والمستحيل العادي كتكليف الإنسان بالطيران إلى السماء بالنسبة إلى الحكم الشرعي كالمستحيل العقلي. هذا هو حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة، والآيةُ لا دليل فيها على جواز التكليف شرعًا بما لا يطاق؛ لأنَّ المراد بما لا طاقة به هي الآصار والأثقال التي كانت على من قبلنا؛ لأن شدة مشقتها وثقلها تنزلها منزلة ما لا طاقة به. فصل قال المؤلف (١): (و المقتضى بالتكليف فعلٌ وكفٌّ ، فالفعل كالصلاة، والكفُّ كالصومِ وتركِ الزنا وشرب الخمر. . .) إلى آخره. اعلم أنَّ اللَّه جلَّ وعلا إنَّما يُكلِّفُ بالأفعال الاختيارية، وهي باستقراء الشرع أربعة أقسامٍ: الأول: الفعل الصريح، كالصلاة. الثاني: فعلُ اللسان وهو القول، والدليلُ على أن القول فعلٌ قوله

стр. 51

تعالى: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام/ ١١٢]. الثالث: الترك، والتحقيقُ أنَّه فعلٌ، وهو كفُّ النفس وصرفُها عن المنهي عنه، خلافًا لمن زعم أن الترك أمر عدميٌّ لا وجود له، والعدم عبارة عن لا شيء. والدليلُ على أن الترك فعلٌ الكتاب والسنة واللغة: أما دلالةُ الكتاب على أن الترك فعل ففي آيات من القرآن العظيم، كقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة/ ٦٣]. فسمى اللَّه جل وعلا عدم نهي الربانيين والأحبار لهم صنعًا، والصنع أخصُّ مطلقًا من الفعل، فدلَّ على أنَّ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعلٌ، بدليل تسمية اللَّه له صنعًا. وكقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة/ ٧٩]. فسمَّى عدم تناهيهم عن المنكر فعلًا، وهو واضح، ولم أر من الأصوليين من انتبه لدلالة هذه الآيات على أن الترك فعل. وقال السبكي في طبقاته: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان/ ٣٠] يدلُّ على أنَّ الترك فعل. قال: لأن الأخذَ التناولُ، والمهجور المتروك، فصار المعنى: تناولوه متروكًا، أي فعلوا تركه.

стр. 52

هكذا قال. وأما دلالة السنة ففي أحاديث، كقوله ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده". فسمى ترك الأذى إسلامًا، وهو يدل على أن الترك فعل. وأمَّا اللغة فكقول الراجز: لئن قعدنا والنبيُّ يعملُ ... لذاك منا العمل المضلَّلُ فمعنى "قعدنا" تركنا الاشتغال ببناء المسجد، وقد سمَّى هذا الترك عملًا في قوله: "لذاك منا العمل المضلل". وينبني على الخلاف في الترك هل هو فعل أو لا؟ فروعٌ كثيرةٌ في المذاهب، كمن منع مضطرًّا فضل طعام أو شراب حتى مات، فعلى أن الترك فعل فإنه يضمن ديته، وعلى أنه ليس بفعل فلا ضمان عليه. وكمن منع خيطًا ممَّن به جائفة حتى مات، ومن منع جاره فضل مائه حتى هلك زرعه، ومن منع صاحب جدار خاف سقوطه عُمُدًا عنه حتى سقط، ومن أمسك وثيقة حق حتى تلف الحقُّ. وأمثال هذا كثيرة جدًّا في الفروع. فعلى أنَّ الترك فعل فإنَّه يضمن في الجميع، وعلى أنه ليس بفعل فلا ضمان عليه. وأشار إلى هذا صاحب مراقي السعود بقوله:

стр. 53

ولا يكلف بغير الفعل ... باعث الأنبيا ورب الفضل فكفُّنا بالنهي مطلوب النبي ... والكفُّ فعل في صحيح المذهب له فروع ذكرت في المنهج ... وسردها من بعد ذا البيت يجي من شرب أو خيط ذكاة فضل ما ... وعمد رسم وشهادة وما عطل ناظر وذو الرهن كذا ... مفرط في العلف فادر المأخذا الرابع: العزم المصمم على الفعل، والدليل على أنه فعلٌ قوله ﷺ في حديث أبي بكرة الثابت في الصحيح: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قالوا: يا رسول اللَّه قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنَّه كان حريصًا على قتل صاحبه". فالحديث يدلُّ دلالة لا لبس فيها على أنَّ عزم هذا المقتول المصمم على قتل صاحبه فعل دخل بسببه النار، لأنهم قالوا له: قد عرفنا القاتل، أي عرفنا الموجب الذي دخل بسببه النار وهو قتل المسلم، فما بال المقتول، أي ما تشخيص الذنب الذي دخل بسببه النار؛ لأنه لم يحصل منه قتل بالفعل؟ فأجابهم ﷺ بأن سبب دخوله النار هو حرصُه على قتل صاحبه. فدلَّ ذلك بدلالة الإيماء والتنبيه على أنَّ حرصه على قتل صاحبه، هو الفعلُ الذي دخل بسببه النار، كما هو واضح. وقولُ المؤلف ﵀ في هذه المسألة: (والمقتضَى بالتكليف) هو بفتح الضاد بصيغة اسم المفعول، أي الشيء المقتضى بالتكليف

стр. 54

فعلٌ وكفٌّ، كما أوضحناه. قال المؤلف (١) ﵀: (الضرب الثاني من الأحكام: ما يتلقى من خطاب الوضع والأخبار. وهو أقسامٌ أيضًا). اعلم أنَّ ما ذكر من أقسام خطاب الوضع ستة أقسام: القسم الأول: ما يظهر به الحكم، وهو نوعان: العلل والأسباب. الثالث: الشروط. الرابع: الموانع. الخامس: الصحة. السادس: الفساد. وانجرَّ الكلامُ إلى الرخصة والعزيمة والقضاء والأداء والإعادة، وهذه تفاصيل ذلك كله: اعلم أولًا أنَّ خطاب الوضع إنَّما سُمي خطاب الوضع لأنَّ الشرعَ وضع الخطاب بالأسباب والشروط والموانع مثلًا، بمعنى أنه يقول: إذا زالت الشمس مثلًا فقد وضعتُ وجوب الصلاة، وإذا تم النصاب والحول فقد وضعتُ وجوب الزكاة، وإذا حصل الحيض فقد وضعتُ سقوط الصلاة والصوم. وقس على هذا.

стр. 55

واعلم أنه يُفَرَّقُ بين خطاب التكليف وخطاب الوضع بفارقين ظاهرين، وهما: أنَّ خطاب الوضع علامته أنه إما أن لا يكون في قدرة المكلف أصلًا، كزوال الشمس والنقاء من الحيض، أو يكون في قدرته ولا يؤمرُ به، كالنصاب للزكاة، والاستطاعة للحج، وعدم السفر للصوم. وبهذا تعرف أنَّ خطاب التكليف علامتهُ أمران: أن يكون في قدرة المكلف، ويؤمر به فعلًا، كالوضوء للصلاة، أوْ تركًا كسائر المنهيات. وخطاب الوضع أعمُّ من خطاب التكليف؛ لأنَّ كلَّ تكليف معه خطابُ وضعٍ، إذ لا يخلو من شرط أو مانع مثلًا، وقد يوجد خطاب الوضع حيث لا تكليف، كلزوم غرم المتلفات وأروش الجنايات لغير المكلَّف كالصبي، وقيل: بينهما عموم وخصوص من وجه، واعتمده القرافي في الفروق. أمَّا العلة فهي في اللغة: عبارةٌ عما اقتضى تغييرًا، ومنه سُميَّت علةُ المريض؛ لأنَّها اقتضت تغير الحال، ومنه قول زهير: إن تلق يومًا على علاته هَرِمًا ... تلق السماحة منه والندى خُلُقا أي إن تلقه على علاته -أي حالاته المقتضية تغيير الجود، كالفقر والجدب- تلقه متصفًا بالجود والسماحة على كل حال. والعلة العقلية عبارة عما يوجب الحكم لا محالة، كتأثير حركة الأصبع في حركة الخاتم، وتأثير الكسر في الانكسار والتسويد في السواد.

стр. 56

والفقهاء يستعملون العلة في ثلاثة أشياء: الأول: ما يوجب الحكم لا محالة، أي إذا وجد وجد قطعًا، وهو المجموع المركب من مقتضى الحكم، وشرطه، ومحله، وأهله، كوجوب الصلاة؛ فإنه حكم شرعي، ومقتضيه أمرُ الشارع بالصلاة، وشرطه أهلية المصلي لتوجه الخطاب إليه بأن يكون بالغًا عاقلًا، ومحله الصلاة، وأهله المصلي، فإذا وجد هذا المجموع وجدت الصلاة، ويطلق على هذا المجموع اسم العلةِ تشبيهًا بالعلة العقلية. وقول المؤلف (١) في هذا البحث: (والأهل والمحل وصفان من أوصافها. . .) إلى آخره. صوابُه أن يقول: ركنان من أركانها؛ لأنَّ الأهل والمحل ركنان من أركانها على هذا التفسير لها. الثاني من الأشياء التي يطلقون عليها العلة: هو العلة التي تخلَّف شرطها أو وجد مانعها، كاليمين مع عدم الحنث بالنسبة لوجوب الكفَّارة، فاليمين علةُ الكفَّارة، وشرط وجوبها بها الحنثُ، فتسمى اليمين دون الحنث علةً وهي علةٌ تخلَّف شرطها، وهكذا في نحوه، وهذا أولى عند المؤلف. الثالث من الأشياء التي يطلقون عليها اسم العلة: هو الحكمة. وضابط الحكمة أنها هي المعنى الذي من أجله صارَ الوصف علة،

стр. 57

فعلةُ تحريم الخمر -مثلًا- الإسكار، وحكمتُه حفظُ العقل؛ لأنَّ حفظ العقل هو الذي صار من أجله الإسكار علة للتحريم في الخمر. قال صاحب مراقي السعود في تعريف الحكمة: وهي التي من أجلها الوصف جرى ... علة حكم عند كلِّ من درى وهذا هو معنى قول المؤلف (١) ﵀: (كقولهم: المسافر يترخص لعلة المشقة)؛ لأن علة الرخصة بالقصر وعدم الصوم هي السفر، والحكمة رفعُ المشقة؛ لأنَّها هي التي من أجلها صار السفر علة للرخصة. وأما السبب فهو كل ما توصَّلْتَ به إلى شيء. ومنه قول زهير: ومن هابَ أسبابَ المنية يلقها ... ولو رامَ أسبابَ السماءِ بسُلَّمِ ويروى: "أسباب المنايا ينلنه"، أي طرقها الموصلة إليها. والسببُ يطلق عند الفقهاء على أربعة أشياء: الأول: ما يُقابل المباشرة، كالحفر مع التردية، فالحافر يسمى صاحب سبب، والمُردِّي الذي هو المباشر صاحب علة، وكمن قدَّم طعام شخص إلى آخر فأكله، فالمُقدِّم متسبب، والآكل مباشر، والقاعدة عند الفقهاء تقديم المباشر في الضمان، فإن تعذَّر تضمينه لموت أو فلس ضمن المتسبب، ولا يخلو تضمينه من خلاف.

стр. 58

الثاني: علة العلة، يسمونها علة، كالرمي، فإنه علة لإصابة السهم بدن الشخص المرمي، وإصابته إياه علة لقتله، فالرمي علة لعلة القتل تسمى سببًا. الثالث: العلة التي تخلف شرطها، كنصاب الزكاة بدون الحول. الرابع: العلة الشرعية نفسها، وعليه أكثر أهل الأصول. قال في مراقي السعود: ومع علة ترادف السبب ... والفرق بعضهم إليه قد ذهب وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى زيادة إيضاح معنى العلة الشرعية في مبحث العلة من كتاب القياس. وأما الشرط في اللغة: فهو العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد/ ١٨]. وقول أبي الأسود الدؤلي: لئن كنت قدْ أزمعت بالصرم بيننا ... فقد جعلت أشراط أوَّله تبدو والشرط الشرعي في الاصطلاح عند أهل الأصول: هو ما لا يلزم من وجوده لذاته وجود ولا عدم، ولكنه يلزم من عدمه عدم المشروط، كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة، فإن وجود الطهارة لا يلزم منه وجود الصلاة ولا عدمها، لأن المتطهر قد يصلي وقد لا يصلي، بخلاف عدم الطهارة فإنه يلزم منه عدم الصلاة الشرعية. واعلم أنَّ الشرط قسمان: شرط وجوب، وشرط صحة.

стр. 59

فشرط الوجوب كالزوال لصلاة الظهر، وشرطُ الصحة كالوضوء للصلاة. وضابط الفرق بين شرط الوجوب وشرط الصحة هو عين الفرق المتقدم بين خطاب التكليف وخطاب الوضع؛ لأنَّ شرط الوجوب من خطاب الوضع، وشرط الصحة من خطاب التكليف، إلا أنَّ صحة الواجب قد تشترط لها شروط الوجوب من حيث هي شروط في الوجوب. وزاد بعض العلماء شرطًا ثالثًا، وهو شرط الأداء، وقد قدمنا الإشارة إليه في أقسام التكليف. واعلم أنَّ الشرط من حيث هو شرطٌ ثلاثة أقسام: الأول: الشرطُ الشرعي، وهو المذكور آنفًا، وهو المقصودُ في الأصل. الثاني: الشرطُ اللغوي، كـ "إنْ دخلت الدار فانتِ طالق"، وهو واضح. الثالث: الشرطُ العقليُّ، وهو مالا يمكن المشروط في العقل دونه، ومثَّل له المؤلف بالحياة للعلم، والعلم للإرادة. وأما المانع فهو في اللغة: اسمُ فاعل منعه. وفي اصطلاح أهل الأصول: هو ما لا يلزم من عدمه وجودٌ ولا عدمٌ، ولكنه يلزم من وجوده عدم الحكم، كالحيض بالنسبة للصلاة

стр. 60

والصوم مثلًا، فإنَّ عدم الحيض لا يلزم منه وجودهما ولا عدمهما؛ لأنَّ المرأة الطاهرة قد تصلي وتصوم، وقد لا تفعل ذلك؛ بخلاف وجود الحيض فإنه مانعٌ من الصلاة والصوم. تنبيه: المانع ثلاثة أقسام: ١ - مانع للدوام والابتداء معًا، كالرضاع بالنسبة إلى النكاحِ، فإنه مانع منه ابتداء ودوامًا، ومعنى منعه ابتداء أنه يمنع من ابتداء عقد النكاح، إذ لا يجوزُ عقد النكاحِ ابتداءً على امرأة هي أخته من الرضاعة، ومعنى منعه الدوام أنه لو تزوج رضيعةً ليست له بمحرم، ثم بعد عقد النكاح أرضعتها أمُّه أو أختُه مثلًا، فإنَّ هذا الرضاع الطارئ على العقدِ يمنع من الدوام على العقد، بل يجب فسخه حالًا. ٢ - مانع للابتداء فقط دون الدوام، كالإحرام بالنسبة إلى النكاح، فإنَّ الإحرام يمنع ابتداء عقد النكاح ما دام مُحْرِمًا، ولا يمنع من الدوام على نكاح قبله. ٣ - مانع للدوام دون الابتداء، كالطلاق، فإنه مانع من الدوام على النكاح الأول ولا يمنع ابتداء نكاح ثان. وأمَّا الصحة فهي في اللغة: السلامة وعدم الاختلال، ومنه قوله: وليل يقول المرء من ظلماته ... سواء صحيحاتُ العيون وعورها والصحة في اصطلاح الفقهاء تطلق في العبادات وفي المعاملات،

стр. 61

فالصحة عندهم في العبادات: هي الإجزاء وإسقاط القضاء، فكلُّ عبادة فُعلت على وجهٍ يجزئ ويسقط القضاء فهي صحيحة. والصحةُ عندهم في المعاملات: هي ترتبُ الأثر المقصود من العقد على العقد، فكلُّ نكاح أباح التلذذ بالمنكوحة فهو صحيحٌ، وكلُّ بيع أباح التصرف في المبيع فهو صحيح. وهكذا. وأمَّا عند المتكلمين فضابطُ الصحة مطلقًا في العبادات وغيرها هي موافقةُ ذي الوجهين الشرعي منهما. وإيضاحه: أنَّ كلَّ فعل -عبادة كان أو معاملة- لا يخلو من أحد أمرين: إمَّا أن يكون موافقًا للوجه الشرعي، أو مخالفًا له، فإنْ وقع موافقًا له فهو الصحيح. والقائلون بهذا القول منهم من قال: إنَّ الموافقة للوجه الشرعي لابدَّ أن تكون واقعة في نفس الأمر، ولا يكفي فيها ظنُّ المكلف الموافقة، إنْ كانت غير حاصلة في نفس الأمر. ومنهم من قال: تكفي الموافقة في اعتقاد المكلَّف وإن لم تحصلْ في نفس الأمر، كمن صلى يظنُّ أنَّه متطهر وهو محدث، فالموافقة للوجه الشرعي حاصلة في ظنِّه لا في نفس الأمر، فمن قال: يكفي في ذلك اعتقاده، قال: صلاتُه صحيحة، وهو قولُ بعض المتكلمين، وبعضهم يقول: هي صحيحة، ولكن يجب قضاؤها، وبعضهم يقول: هي صحيحة لا يجب قضاؤها، وعامةُ الفقهاء على أنها باطلةٌ؛ لاختلال شرط الصحة وهو الطهارة.

стр. 62

وقولُ المؤلف (١) في هذا المبحث: (وهذا يبطل بالحج الفاسد، فإنَّه يؤمر بإتمامه وهو فاسد). إيضاحُ مراده: أنَّ قول المتكلمين إن الصحة موافقةُ ذي الوجهين الشرعي منهما يقدح فيه بأن إتمام الحج الفاسد بعد فساده مأمور به، فتتميمه موافق للوجه الشرعي، ولو كانت الصحة موافقته لكان صحيحًا، مع أنَّه فاسد. ويجاب عن هذا بأن الحج إنَّما فسد لأنَّه وقع مخالفًا للوجه الشرعي بارتكاب ما يفسده أولًا. وهو واضح. وأمَّا الفساد فهو في اللغة: ضد الصلاح. وهو في اصطلاح الفقهاء يُعْرَفُ من تعريف الصحة المتقدم. فالفساد في اصطلاح الفقهاء في العبادات: هو عدم الإجزاء وعدم إسقاط القضاء، وكلُّ عبادةِ فُعِلَتْ على وجهِ لم يجزئ ولم يسقط القضاء فهي فاسدة. وفي المعاملات: عدمُ ترتبِ الأثر المقصود من العقد على العقد، فكلُّ نكاح لم يفد إباحة التلذذ بالمنكوحةِ فهو فاسد، وكلَّ شراءٍ لم يفد إباحة التصرف في المشترى فهو فاسد. وعند المتكلمين، فالفساد: هو مخالفة ذي الوجهين الشرعي منهما.

стр. 63

والفاسد والباطل مترادفان، فمعناهما واحد عند الجمهور، وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، فجعل الباطل هو ما منع بوصفه وأصله، كبيع الخنزير بالدم، وجعل الفاسد هو ما شرع بأصله ومنع بوصفه، كبيع الدرهم بالدرهمين، فهو مشروع بأصله وهو بيع درهم بدرهم، ممنوعٌ بوصفه الذي هو الزيادة التي سببت الربا، ولذا لو حذف الدرهم الزائد عنده صح البيع في الدرهم الباقي بالدرهم، على أصل بيع الدرهم بالدرهم يدًا بيد. قال في مراقي السعود: وقابل الصحة بالبطلان ... وهو الفساد عند أهل الشان وخالف النعمانُ فالفسادُ ... ما نهيُه بالوصف يستفاد وأمَّا الإعادة فهي في اللغة: تكرير الفعل مرة أخرى. ومنه قول توبة بن الحمير: من الخفرات البيض ودَّ جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها وهي في اصطلاحهم: فعل العبادة مرة أخرى؛ إمَّا لبطلانها -مثلًا- فتعاد في الوقت وبعده، وإمَّا لغير ذلك، كإعادتها لفضل الجماعة في الوقت. وأمَّا القضاء في اللغة، فيأتي لمعان كثيرة، ومنها: فعل العبادة كيف ما كان في وقتها أم لا، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء/ ١٠٣]، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ الآية [البقرة/ ٢٠٠]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ الآية [الجمعة/ ١٠].

стр. 64

وهو في اصطلاح أهل الأصول: فعلُ جميع العبادة المؤقتة خارج الوقت المقدَّر لها. وقولنا: "جميع العبادة" لأنَّها إن فعل بعضها في الوقت كانت أداء على الأصح. وأمَّا الأداء في اللغة: فهو إعطاء الحق لصاحب الحق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء/ ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران/ ٧٥]: والأداء في الاصطلاح: هو إيقاع العبادة في وقتها المعيَّن لها شرعًا لمصلحة تشتمل عليها في الوقت. وعرفه صاحب مراقي السعود بقوله: فعلُ العبادة بوقت عُيِّنا ... شرعًا لها باسم الأداء قُرِنا وكونه بفعل بعض يحصل ... لعاضد النصِّ هو المعولُ وقيل ما في وقته أداء ... وما يكون خارجًا قضاء وعرَّف القضاءَ بقوله: وضدُّه القضا تداركًا لما ... سبق الذي أوجبه قد علما وعرَّف الوقت بقوله: والوقتُ ما قدره من شرعا ... من زمن مضيقًا موسعًا

стр. 65

وعرَّف الإعادة بقوله: وانتفيا في النفل والعبادة ... تكريرُها لو خارجًا إعادة تنبيه: قد يجتمع الأداء والقضاء في العبادة، كالصلوات الخمس، فإنَّها تؤدَّى في وقتها وتُقضى بعد خروجه. وقد ينفرد الأداء دون القضاء، كصلاة الجمعة، فإنها تُؤدَّى في وقتها ولا تقضى بعد خروج الوقت بل يجب قضاؤها ظهرًا. وقد ينفرد القضاء دون الأداء، كما في صوم الحائض، فإنَّ أداءه حرام، وقضاءه واجب. وقد ينتفيان معًا في النوافل التي ليس لها أوقات معينة. ولا يخفى أن القضاء في الاصطلاح إنَّما هو فيما فات وقته المعين له، وقد سبق له وجوب في وقته، فما لم يعين له وقت لا يُسمى قضاءً، كالزكاة إذا أخرَّها عن وقتها، وكمن لزمه قضاء صلاة على الفور فأخرها، فلا يقال: إنَّ صلاته بعد التأخير قضاء القضاء. وهنا سؤالٌ معروفٌ، وهو أن يقال: الحائض في بعض أيام رمضان يجبُ عليها القضاء إجماعًا مع أن الوقت فات، والصوم عليها حرام، فكيف يجب قضاء ما فات وقته وهو حرام؟ وكذلك يُقال في الناسي والنائم؛ لأنَّهما فات عليهما وقت الصلاة وهي غير واجبة عليهما، بدليل الإجماع على سقوط الإثم عنهما.

стр. 66

وقد تكلَّمنا فيما سبق على مسألة الناسي والنائم بما يُغني عن إعادة الكلام هنا. وأمَّا الحائض فقد اختلف في إطلاق وجوب الصوم عليها زمن الحيض وعدمه، فأكثر العلماء على أنَّ انعقاد السبب مع وجود المانع يكفي في إطلاق الوجوب على العبادة المنعقد سببها المانع منها مانع. وقال بعضهم: انعقاد سبب الوجوب مع وجود المانع لا أثر له، فلا يوصفُ بوجوب إلا ما توفرت شروطه وانتفت موانعه. وعلى قول الجمهور: إنَّه يكفي في إطلاق اسمِ الوجوب عليه انعقادُ سببه وإن منع منه مانع، فالفعل الثاني قضاء للأول، وعلى قول من قال: إنه لا يطلق عليه اسم الوجوب، فالفعل الثاني أداء بأمر جديد وليس قضاء للأول. وفرق بعض العلماء بين النائم والناسي والمسافر وبين الحائض، فقال: الفعل في غير زمن الحيض كزمن النوم والنسيان والسفر يوصف بالوجوب، ففعله الثاني قضاء لذلك الواجب، وأمَّا الحيض فالصوم فيه حرام، فلا يمكن وصفه بالوجوب، فصوم الحائض عدَّة من أيام أخر على هذا أداءٌ بأمر جديد لا قضاء. وذكر ابن رشد في "المقدمات" أنَّ هذا التفصيل هو الراجح عند المالكية. وعليه درج في المراقي بقوله: هل يجب الصوم على ذي العذر ... كحائضٍ ومُمْرَضٍ وسَفْرِ وجوبه في غير الأول رجح ... وضعفه فيه لديهمُ وَضَح

стр. 67

وهذا القول بأن صوم الحائض ما فاتها من رمضان إذا طهرت أداءٌ لا قضاءٌ هو الذي رده المؤلف بقوله (١): (وهذا فاسد؛ لوجوهٍ ثلاثة: ١ - ما روي عن عائشة ﵂: "كُنَّا نحيض على عهد رسول اللَّه ﷺ ثم نطهر، فيأمرنا بقضاء الصيام، ولا يأمرُنا بقضاء الصلاة". ٢ - أنَّه لا خلافَ بين أهلِ العلمِ في أنهم ينوون القضاء. ٣ - أنَّ العبادة متى أمر بها في وقت مخصوص فلم يجب فعلها فيه لا يجب بعده. . .) الخ. هذه الأوجه الثلاثة التي رد بها المؤلف ذلك: الوجه الأول منها لا دليل فيه؛ لأنَّ إطلاق عائشة ﵂ اسم القضاء على صوم الحائض ما فاتها من رمضان لا دليل فيه؛ لأن القضاء يطلق في اللغة على فعل العبادة مطلقًا في وقتها أم لا. وتخصيصه بفعلها بعد خروج الوقت اصطلاح خاص للأصوليين والفقهاء، فلا دليل قطعًا في لفظ عائشة المذكور؛ لأن الاصطلاح المذكور حادث بعدها. وأما الوجه الثاني، وهو الإجماع على أنهم ينوون القضاء، فهو الدليل الجيد المعتمد في محل النزاع، مع أن بعض أهل العلم ناقش

стр. 68

هذا الدليل قائلًا: إنه لم ينعقد فيه إجماع، وإنه لا مانع من قصد الحائض الأداء بأمر جديد. وعليه -أي الخلاف في ذلك- درج في المراقي بقوله: وهو في وجوب قصد للأدا ... أو ضده لقائل به بدا والاكتفاء بانعقاد سبب الصوم -مثلًا- في وجوب القضاء، وإن منع من تمام الوجوب مانع كالحيض، هو مراد المؤلف بقوله (١): (ولا يمتنع وجوب العبادة في الذمَّة بناء على وجود السبب مع تعذُّرِ فعلها، كما في النائم والناسي، وكما في المحدث تجب عليه الصلاة مع تعذر فعلها منه في الحال، وديون الآدميين تجب على المعسر مع عجزه عن أدائها) وهذا واضحٌ كما ترى. وأمَّا العزيمة فقد عرَّفها المؤلف ﵀ في اللغة بقوله (٢): (العزيمة في اللسان: القصدُ المؤكد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه/ ١١٥] ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران/ ١٥٩]). وعرفَّها -أيضًا- في عرف حملة الشرع بقوله (٣): (فالعزيمة الحكمُ الثابتُ من غير مخالفةِ دليلٍ شرعيٍّ. وقيل: ما لزم بإيجاب اللَّه تعالى). والتعريفُ الأولُ أكمل؛ لأنَّ العزيمة تشملُ الواجب والمندوب

стр. 69

والحرام والمكروه. وكثير من أهل الأصول يُطْلِقُ اسم العزيمة على كل ما ليس برخصةٍ كما سيأتي. وأما الرُّخصة فهي في اللغة: النعومة واللِّين، ومنه قول عمرو بن كلثوم: وثَدْيًا مثل حق العاج رخصًا ... حصانًا من أكف اللامسينا وعرَّفها المؤلف لغة بأنها السهولة واليسر، قال (١): (ومنه رخص السعر إذا تراجع وسهل الشراء). وعرَّفها في اصطلاح أهل الأصول بأنها: (استباحة المحظور مع قيام الحاظر. وقيل: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح) (٢). وهذا التعريف الأخير الذي حكاه بقيل أجود من الأول. ومثاله: إباحة الميتة للمضطر، ففيها استباحة المحظور الذي هو أكل الميتة مع قيام الحاظر أي المانع الذي هو خبث الميتة الذي حُرِّمت من أجله، وهو -أيضًا- ثابت على خلاف دليل شرعيِّ هو ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة/ ٣] لمعارضٍ راجح، كقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ الآية [المائدة/ ٣] ونحوها من الآيات.

стр. 70

ومن أجود تعاريف الرُّخصة، ما عرُّفها به بعضُ أهل الأصول من أنَّها: هي الحكم الشرعي الذي غُيِّر من صعوبة إلى سهولةٍ لعذرٍ اقتضى ذلك، مع قيام سبب الحكم الأصلي. فخرج بالتغيير ما كان باقيًا على حكمه الأصلي، كالصلوات الخمس، وخرج بالسهولة نحو حرمة الاصطياد بالإحرام بعد إباحته قبله، لأنه تغيير من سهولة إلى صعوبة، وكذلك الحدود والتعازير، مع تكريم (١) الآدمي المقتضي للمنع من ذلك قبل وروده. وخرج بالعذر ما تغيَّر من صعوبة إلى سهولة لا لعذر، كترك تجديد الوضوء لكل صلاة، فإنَّ التجديد لكل صلاة كان لازمًا ثم غير إلى سهولةٍ هي أنَّه يصلي بوضوء واحد كلَّ الصلوات ما لم يُحْدِث، إلا أن هذا التغيير لا يسمى رخصة اصطلاحًا، لأنه لم يكن لعذر جديد. وخرج بقيام سبب الحكم الأصلي النسخُ، كتغيير إيجاب مصابرة المسلم الواحد العشرة من الكفارِ بمصابرة اثنين منهم فقط المنصوص في أخريات الأنفال؛ لأنَّ الحكم الأصليَّ الذي هو مصابرة العشرة كان في أول الإسلام لقلة المسلمين وكثرة الكافرين، وفي وقت النسخ زال هذا السبب بكثرة المسلمين، وكذلك ما لو قطع من إنسان بعض أعضاء الوضوء فإن غسله يسقط عنه وجوبه ولا يسمى رخصة؛ لأن سبب الحكم الأصلي وجود محله وقد زال هنا بقطعه.

стр. 71

وعرَّف صاحب المراقي الرخصة والعزيمة بقوله: للعذر والرخصة حكمٌ غُيِّرا ... إلى سهولةٍ لعذر قُرِّرا مع بقاء علة الأصلي ... وغيرها عزيمة النبي وقد ذكر المؤلف ﵀ في هذا المبحث أنَّ إباحة التيمم إنْ كانت مع القدرة على استعمال الماء لمرضٍ أو لزيادة ثمنٍ سميت رخصة، وإن كانت مع العجز عنه كعدم الماء فلا تسمى رخصة؛ لأنّ سبب الحكم الأصلي وهو وجود الماء زائل هنا، فلا تكليف بمعجوز عنه. وهو ظاهر. والأكثرون على أنَّ إباحة الميتة للمضطر رخصة وإنْ وجب عليه الأكل لإحياء نفسه، لأنَّ الرخصة قد تجبُ كما هنا، وسميت رخصة لما فيها من التسهيل عليه بالإذن في أكل الميتة، ولم يضيق عليه بإلزامه ترك الأكل منها حتى يموت. وقيل: من جهة التوسيع رخصة، ومن جهة وجوب الأكل عزيمة، والواحد بالشخص له جهتان كما تقدم. وذكر المؤلف في هذا المبحث أيضًا ما خلاصتُه: أنَّ الصورة المخرجة من العموم بمخصص إن كانت توجد فيها علة الحكم العام تسمى رخصة، وإن كانت لا توجد فيها لا تسمى رخصة. مثال ما وجدت فيه علة الحكم العام من صور التخصيص: مسألة بيع العرايا؛ لأنَّ بيع الرطب بالتمر اليابس فيها داخل في عموم أدلة النهي عن المزابنة، وعلة تحريم المزابنة التي هي عدم تحقق المماثلة الواجب تحققها في التمر بالتمر إجماعًا موجودة في الصورة المخرجة

стр. 72

من حكم العام بدليل خاص، وهي إباحة بيع العرايا المذكور. ومثال ما لم توجد فيه علة العام: إباحة رجوع الأب فيما وهب لابنه، فإنه داخل في عموم المنع في حديث الواهب: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" ولكنه خرج بدليل خاص، وعلةُ المنع غيرُ موجودةٍ في الأب؛ لأنَّ الأبوة تجعل له من التسلط على ما تحت يد الولد ما لم يكن لغيره. وناقش بعضُ العلماء في الفرق بينهما، وقال: لا فرق بين المسألتين. * * *

стр. 73

باب أدلة الأحكام قال المؤلف (١): (الأدلةُ جمع دليل، وهو فعيل بمعنى فاعل، من الدَّلالة وهي فهم أمر من أمر، أو كون أمر بحيث يفهم منه أمرٌ فُهِمَ أو لم يُفْهَم، وهي مثلثة الدال والفتح أفصح، والدليل في اصطلاح أهل الأصول: هو ما يمكن التوصلُ بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري). وعرَّفه في المراقي بقوله: وما به للخبر الوصول ... بنظر صحَّ هو الدليل والنظر في الاصطلاح: الفكرُ الموصل إلى علمٍ أو غلبةِ ظن. وعرَّفه في المراقي بقوله: والنظرُ الموصل من فكرٍ إلى ... ظنٍّ بحكم أو لعلمٍ مسجلا والفكرُ في الاصطلاح: حركةُ النفس في المعقولات. أمَّا حركتُها في المحسوسات فتخييل. قال المؤلف (٢) -رحمه اللَّه تعالى-: (الأصول أربعة: كتابُ اللَّه، وسنة رسوله ﷺ ، والإجماع، ودليلُ العقلِ المبقي على النفي الأصلي.

стр. 74

واختلف في قول الصحابي، وشرع من قبلنا، وسنذكرُ ذلك إنْ شاء اللَّه). كلامُه واضح. واعلم أنَّ المؤلف ترك مسائل كثيرة يذكرها الأصوليون في كتاب الاستدلال، كتحكيم العرف، والقضاء بسد الذرائع إلى المحرَّمات، وفتحها إلى الواجبات، وغير ذلك. قال المؤلف (١) ﵀: (وأصل الأحكام كلها من اللَّه سبحانه، إذْ قولُ الرسول إخبارٌ عن اللَّه بكذا). معنى كلامه ظاهر، وهو الحق، فالحلالُ ما أحلَّه اللَّه، والحرامُ ما حرَّمه اللَّه، والدين ما شرعه اللَّه، فالحكم له وحده جلَّ وعلا، كما قال: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر/ ١٢]، وقال ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام/ ٥٧]، [يوسف/ ٤٠، ٦٧]، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى/ ١٠]، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [النساء/ ٥٩]، ونحو ذلك من الآيات. فكلُّ من يتبع تشريع غير اللَّه معتقدًا أن جَعْلَه عوضًا من تشريع اللَّه جائزٌ أو أفضل منه فهو كافر بإجماع المسلمين، وقد دلَّت على ذلك آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام/ ١٢١]

стр. 75

وقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس/ ٦٠]، ونحو ذلك من الآيات. وقد دلَّ القرآنُ على أنَّ من يحكم غير شرع اللَّه، يتعجب من دعواه الإيمان، وإذا كان زعمه أنَّه مؤمنٌ مع تحكيم غير الشرع أمرًا يتعجب منه، دلَّ ذلك على أنَّ دعواه الإيمان دعوى كاذبة وبعيدة وعجيبة، وذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء/ ٦٠]. وقول المؤلف (١): (الإجماعُ يدلُّ على السنة. . .) إلى آخره، يأتي إيضاحه في الإجماع. فصل قال المؤلف (٢) -رحمه اللَّه تعالى-: (و كتاب اللَّه سبحانه هو كلامه، وهو القرآن الذي نزل به جبريل ﵇ على النبي ﷺ . . .) إلى آخره. اعلم أنَّ هذا القرآن المكتوب في المصاحف الذي أوله سورة الفاتحة وآخره سورة الناس، هو كلام اللَّه تعالى بألفاظه ومعانيه، كما صرَّح تعالى بأن هذا المسموع هو كلام اللَّه في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ
следующие страницы →