Полный текст (1 990 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
بل المقصود أنك إذا رأيت عبداً في طاعة وتقوى وإخلاص وعلم وجهاد وأمر بمعروف ونهي عن المنكر، وكل أعمال الجنة التي جعلها الله أسباباً توصل إِلَى رضاه وإلى جنته، فإنك تحبه وتواليه وترجو له الجنة ولا تقطع؛ لأنك لا تدري عن الحقيقة، فعدم علمك بالحقيقة لا يجعلك تيأس أو تسيئ الظن به، بل يجعلك لا تجزم له فقط، وترجو له الثواب. .
فإذا مات نرجو أن يكون من أهل الجنة فنقول: ما علمناه إلا صالحاً، وما علمنا عليه إلا الخير، هكذا نحسبه والله حسيبه، ولا نزكي عَلَى الله أحداً، كما علمنا النبي ﷺ ، وأما الآخر صاحب الفجور والظلم والمعاصي والقبائح والموبقات، فإنك تخاف عليه من النار؛ لأنه يعمل بعمل أهل النَّار هذا الذي يظهر لك، وتخاف عليه منها، ولكن هل تجزم له بذلك، لا؛ لأنك لا تدري، ربما يكون له حسنة لا تعلمها، وإلا فإن شهادة المؤمنين معتبرة، كما في الحديث الصحيح (أنه مر عَلَى النبي ﷺ بجنازة فسأل الصحابة فأثنوا خيراً، فقال: وجبت، ثُمَّ مُر عليه ﷺ بجنازة أخرى فسألهم فأثنوا شراً، فقال: وجبت، ثُمَّ قال النبي ﷺ : أنتم شهداء الله في الأرض) والصحابة الكرام لم يقولوا: هذا من أهل النَّار يا رَسُول الله! ولا قالوا: هذا من أهل الجنة يا رَسُول الله، وإنما أثنوا عَلَى صاحب الخير خيراً، وذكروا صاحب الشر أيضاً بالشر.
стр. 1437
إذاً: إذا رأيت إنساناً مات ووجدت أهل الخير يثنون عليه خيراً، فإنك ترجو له الجنة وتزكيه، ولا تزكي عَلَى الله أحداً، ولكن ترجو له الخير والثواب؛ لأن هَؤُلاءِ هم شهداء الله في الأرض، لكنك لا تجزم؛ لأنك لا تعلم الغيب، وعكسه لو ذكر إنسان بالشر، وسمعت أهل الخير والإيمان والصلاح يذمونه، فإنك أيضاً تظن فيه الشر والسوء، وتخاف عليه من العذاب، تتوقع له ذلك لكن لا تجزم؛ لأنك حينئذ تقع في الخطأ والخلل، ويجب أن نوفق بين كون المؤمنين شهداء الله في الأرض، وبناءً عَلَى شهادتهم تجري الأحكام الظاهرة، أما علم الغيب الأحكام الباطنة فهي عند الله ، وبين إيماننا بأن الله عدل، بأنه حكم قسط، وأنه حكيم، وبين إيماننا أيضاً بأن مشيئته تنفذ، وأن من كتبت له الشقاوة فهو من أهلها، وأيضاً من كتبت له السعادة فهو من أهلها، هذا الذي يجب وينبغي لعباد الله حيال ذلك.
أما حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين قَالَ: (حدثنا رَسُول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق) .
عبد الله بن مسعود ﵁ يروى عن النبي ﷺ كثيراً من الأحاديث، وهذا الحديث بالذات يقول فيه: وهو الصادق المصدوق؛ لأن هذا الحديث يتضمن أموراً عجيبة، لا تُعلم إلا من طريق الوحي، وربما زلت فيها الأفهام، وضلت فيها العقول، وهو أمر القدر.
فيقول رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (وهو الصادق المصدوق) يوطئ لما سيخبرك عنه، فكأنه يقول: أيها العبد المؤمن صدق رَسُول الله ﷺ ، فهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ويقول: اسمعوا ما أقوله لكم من الصادق المصدوق وطنوا أنفسكم عَلَى قبوله، وهيؤها لتلقيه بالإيقان، وبالإعتقاد الجازم وعدم الشك أو التردد، لأنه صادق مصدوق ﷺ .
стр. 1438
قَالَ: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثُمَّ يكون علقة مثل ذلك، ثُمَّ يكون مضغة مثل ذلك، ثُمَّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النَّار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النَّار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) .
فمضمون هذا الحديث هو نفس رواية حديثسهل المتقدم بزيادة البُخَارِيّ رضى الله تَعَالَى عنه وهي قوله: (إنما الأعمال بالخواتيم) .
أنواع الكتابة
والمصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يريد أن يثبت لنا في هذا الحديث مرتبة العلم والكتابة، ولهذا ذكر ذلك فقَالَ: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ... ) إِلَى أن قال: (ثُمَّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله..) .
فالمقصود إذاً هو الكتابة، وهي كتابة فردية لنفس الفرد، والكتابة الكونية: هي أول ما خلق الله القلم فَقَالَ له: اكتب، فكتب مقادير كل شيء وعرشه عَلَى الماء، فالكتابة الكونية كتابة تتعلق بالكون كله، وأما الكتابة في هذا الحديث فهي الفردية، والكتابة الكونية تتضمن الفردية لا العكس، ففي ذلك اللوح كتب شأن كل إنسان.
ولهذا قال من قال من السلف في قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون [الجاثية:٢٩] قَالَ: [وهل يكون النسخ إلا من أصل] أي: الملائكة تطابق عَلَى ما في اللوح المحفوظ، فتستنسخ ذلك، وما تنسخه من اللوح المحفوظ هو ما يفعله العباد تماماً، وما محي من ذلك فليس في الأصل، وهو أم الكتاب يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩] .
стр. 1439
فالكتابة الكونية هي الكتابة التي كتبها الله ﵎ أول ما خلق القلم، ولم يكن حينئذ من المخلوقات المعروفة لنا إلا العرش والماء -كما سيأتي- ثُمَّ خلق القلم قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وأمره أن يكتب كل ما هو كائن هذا نوع من الكتابة.
والنوع الثاني: الكتابة النوعية: أي التي تشمل النوع الإِنسَاني كله، وهي ما أخذه الله من الميثاق لما استخرجهم من ظهر آدم، وكتب أن هَؤُلاءِ في الجنة وهَؤُلاءِ في النَّار، ثُمَّ الكتابة الفردية التي تتعلق بكل فرد في ذاته، وذلك عندما يأتيه الملك لينفخ فيه الروح ويكتب ما يتعلق بهذا الفرد في ذاته، من رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.
ثُمَّ الكتابة الحولية: وهي ما يكون في ليلة القدر، أي: التقدير الحولي الذي يقدره الله ﵎ في ليلة القدر من هذه الليلة إِلَى مثلها من العام القادم، ثُمَّ بعد ذلك التقدير اليومي وهو: الإيجاد والخلق والتدبير، يدبر الله ﵎ هذا الكون، ويخلق ويوجد فيه ما قدره كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:٢٩] ، وقوله ﷺ : (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثُمَّ يكون علقة مثل ذلك، ثُمَّ يكون مضغة مثل ذلك، ثُمَّ يرسل إليه الملك) .
النطفة: تطلق في لغة العرب عَلَى القليل من الماء، والمقصود بذلك هو الماء الذي يخلقه الله ليقذف في الأرحام، ثُمَّ يكون علقة، والعلقة: هي الدم المتختر المتجمع، وهذه العلقة هي الحيوان المعروف في المياه، والمضغة هي القطعة من اللحم بقدر ما يمضغ الإِنسَان.
والمقصود أن هذه الثلاث المراحل معروفة وجاءت في الكتاب الحكيم، ثُمَّ جاءت في هذا الحديث تصديقاً لذلك (ثُمَّ يرسل إليه الملك) ثُمَّ هذه الأخيرة متى؟ بعد الثلاث المراحل أو بعد مرحلة منها.
стр. 1440
الخلاف في تحديد زمن نفخ الروح
يرى بعض العلماء أن هذه المراحل عَلَى ظاهرها في الترتيب، أي أن الملك ينفخ فيه الروح بعد مائة وعشرين ليلة، فهذا وجه فهمته طائفة من العلماء، وطائفة أخرى قالوا: إن نفخ الروح يكون بعد الأربعين الأولى: وفي بداية الطور الثاني وهو طور العلقة، ويستدلون عليه بأحاديث صحيحة منها حديث حذيفة: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثُمَّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح) وقوله: (ثُمَّ يكون علقة مثل ذلك، ثُمَّ يكون مضغة مثل ذلك) استطراد فاصل لبيان أن هذه المراحل كل مرحلة منها مدته أربعون ليلة، ولا يكون المقصود أن النفخ مترتب عَلَى المراحل، هكذا فهم بعض العلماء، وتعارضت بذلك الأحاديث والله ﵎ أعلم، وهذا الأمر اختلف فيه أيضاً الأطباء واختلفت أنظارهم فيه، وإن كَانَ الطب الحديث كما سمعنا ونقرأ -وعلمنا بذلك محدود- يميل إِلَى القول إِلَى أنه يكون نفخ الروح في الطور الثاني، إلا أن هناك قولاً لابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ربما يحل الإشكال لو تأملناه، أو لو ثبت لدينا بطريق القطع يقول ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هنالك ملكان: أحدهما: ملك موكل بالنطفة، وهذا يأتي علي رأس الأربعين أو بعد اثنتين وأربعين ليلة لحديث حذيفة، وأما الملك الذي يكتب الأربع كلمات فهو: ملك آخر وهو يأتي عَلَى رأس المائة والعشرين ليلة، فكأن النطفة تمر بها حالتان: الحالة الأولى: يأتيها الملك الموكل بها يغيرها ويقلبها من طور إِلَى طور، وقد تنفخ فيها الروح وتكون ذات حياة، لكن هذه الحياة حياة خاصة حياة جنينية، وأما الحياة التي هي الحياة الحقيقية التي يكون بها الإِنسَان بشراً فهي بعد المائة والعشرين والله تَعَالَى أعلم.
стр. 1441
وأنا أقول: لا نقطع بهذا مع أنه قول تبدو عليه الوجاهة لأن الأحاديث متعارضة، وقد حاولت أن أوفق وأجمع الأحاديث عَلَى هذا القول فلم تجتمع لدي تماماً، والأمر بحاجة إِلَى مزيد تتبع، ولعل الله أن يفتح لنا فيه، ويراجع شرح الحديث في جامع العلوم والحكم لابن رجب، وشفاء العليل لابن القيم.
الكتابة العمرية
وقال ﷺ : (ويؤمر بأربع كلمات) هذا الملك يأتي إِلَى هذا الجنين فيكتب أربع كلمات (رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) فقوله: "رزقه" يكتب كل ما سيرزق هذا الإِنسَان في حياته، ويوضح ذلك ما قاله النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إن روح القدس نفث في روعي) أي: ألقي في نفسي وألقي في قلبي (أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب) .
فيكون الطلب كما وصفه الله طلب الذين لا يسألون النَّاس إلحافاً، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وليس رزقه بكثرة الحرص ولا بالإلحاح ولا بكثرة الجهد والعمل، صحيح أنه يعمل ويجتهد ويطلب ويسأل النَّاس فيما هو جائز شرعاً أن يسألهم فيه، لكن كل ذلك مع التعفف عدم الإلحاح، بل مع الطلب الجميل، لأنه لن تموت نفس إلا إذا استكملت ما كتب لها من الرزق، ولو بقي لإنسان أن يأكل شيئاً ما لن يموت حتى يأكله.
ولهذا يعطى للإنسان الشربة من الماء أو التمرة فيشرب النصف أو يأكل النصف ثُمَّ تقبض روحه، ويترك النصف الآخر لأنه أخذ النصف المكتوب، وترك النصف الذي لم يكتب، فلا يمكن أبداً أن يموت إنسان وقد بقي مما كتب له شيء، فهذا الرزق أما الأجل فقد قال تعالى: إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس:٤٩] .
стр. 1442
فكل نفس تتنفسه معدود، وعمر كل إنسان محسوب، فإذا جَاءَ الأجل فقد يستنشق الإِنسَان النفس ثُمَّ لا يخرجه، أو يخرجه ثُمَّ لا يدخله، عندئذ ينقطع عن هذه الدنيا فيستكمل ما كتب له نَفَساً نَفَساً، لأن الله قد قدر ذلك وكتبه لا محالة، فهذا يكتب عند أول ما تنفخ الروح.
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد:٢٣] فلو أنا آمنا بالقدر بهذه الحقيقة، لما كَانَ هذا الأسى والجزع والقنوط إذا أصابنا الشر وأصابنا ما نكره، ولما كَانَ الهلع والفرح والعُجب إذا جاءنا ما نريد، فإن المسألة مكتوبة لا زيادة في أحدهما ولا نقصان منه،
قوله: [وعمله] فكل ما يعمل من أعمال الخير أو الشر فإنه مكتوب مسطر، فالعمل مكتوب وقد يقول قائل مثلما قال سراقة رضى الله تَعَالَى عنه: (فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: لا؛ بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير) فيكتب العمل، ومع العمل يأتي الأمر الرابع وهو شقي أو سعيد.
إذاً: عندنا أمران: الأول: عمل، والثاني: نهاية وخاتمة، فالعمل: عام قد يكون عمل خير أو عمل شر، والخاتمة هنا فَصَّلت (شقي أو سعيد) . فقد يكون العمل عملاً فيه خير لكن النهاية شقاوة، أو العكس.
إذاً: هنا أمران كل منهما منفصل عن الآخر: العمل والخاتمة: إما الشقاوة وإما السعادة، ولهذا قَالَ: (فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النَّار فيدخلها) فهذا الكلام شرح لمسألة الشقاوة والسعادة ولهذا كَانَ عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يقول: "السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه ".
خطأ من فسر حديث ابن مسعود بحديث سهل
стр. 1443
فالذين فسروا حديث عبد الله بن مسعود بحديث سهل في كلامهم شيء من الإخلال والتقصير، وذلك لأن حديثسهل بن سعد فيه: (يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس) لكن هو في الحقيقة عامل بعمل أهل النَّار، وعكسه (يعمل بعمل أهل النَّار فيما يبدو للناس) لكنه في الحقيقة يعمل بعمل أهل الجنة هذه حالة، والذي تكلمنا عنه حالة أخرى، وهي حالة إنسان يعمل بعمل أهل الجنة لحظات أو أيام أو فترات، ثُمَّ يعمل بعمل أهل النَّار فترات، والاحتمال الثاني هنا أعم في الدلالة، فحديث عبد الله بن مسعود فيه زيادة وهي أن تتهم نفسك، وتحرص عَلَى الخير، وتجتهد عَلَى أن تقوي إيمانك كل ما ضعف، ولهذا يقول ﷺ : (إن الإيمان ليَخْلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب) يعني يبلي، فإن خَلق يخلق: بلي يبلي مثلها وزنا ومعنى، فالإيمان يبلى كما يبلى الثوب، فجدد إيمانك كما تجدد ثيابك تغسلها أو تغيرها، فلو جَاءَ الأجل والإِنسَان قد بلي إيمانه ولم يجدده فإن هذا هو الخطر، وإذا جاءه وقد جدد إيمانه يكون الخير، فيفهم من حديث عبد الله بن مسعود رضى الله تَعَالَى عنه أن الأعمال بالخواتيم، وأن الإِنسَان يجتهد في أن يزداد إيمانه، وأن يتهم نفسه، والإِنسَان في الحقيقة قد يكون ممن لديه إيمان، لكن هذا الإيمان بلي مع الزمن، كما طال الأمد عَلَى أهل الكتاب فقست قلوبهم، ثُمَّ عوتب أصحاب النبي ﷺ لذلك أيضاً قال تعالى: وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الحديد:١٦] فقد كَانَ إيمانهم حقيقياً صادقاً ولكن مع طول الأمد بغير تجديد، يقسو القلب ويصبح الإيمان أمراً عادياً لديه، فلو أدركت العبد منيته في حال قسوة القلب، لكان من أهل الشقاوة -عياذاً بالله- ليس لأنه كَانَ يعمل الطاعة فيما يبدو للناس، وإنما لأنه كَانَ يعملها، ثُمَّ فترت وضعفت همته، ولم
стр. 1444
يواصلها، أو لم يجدد إيمانه.
فهذا الفرق بين الحديثين وفي كل منهما عبرة لنا وعظة، وهي أنه يمكن أن تغير الكتابة الفردية العمرية التي يكتبها الملك للإنسان في الرحم وهو جنين في بطن أمه، تغير بناءً عَلَى ما سيعمله الإِنسَان من أعمال، وهذا التغيير يكون موافقاً لما في أم الكتاب، كما في حديث: (من أراد أن يُنسأ له في أثره فليصل رحمه) وحديث (لا يرد القضاء إلا الدعاء) فمن وصل رحمه، وأكثر من الدعاء، فقد يصرف عنه ما قد كتب عليه وهو في بطن أمه، لكن ما وقع يكون مطابقاً للكتابة الأزلية الكونية المطابقة لعلم الله . يقول: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النَّار فيدخلها) نسأل الله العفو والعافية.
إذاً فدخول النَّار مترتب عَلَى العمل، وأما سبق الكتاب فهو في علم الله ؛ لأن السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه، والعبرة بالخواتيم، فقد يعمل الإِنسَان بعمل أهل النَّار، ولكن يختم له بخاتمة خير، ومن النَّاس من أسلم وجاهد كما في الحديث الصحيح عن (الرجل الذي جَاءَ إِلَى النبي ﷺ فأسلم فدخل الصف فجاهد فقاتل فقتل، ولم يسجد لله سجدة واحدة) أسلم ودخل المعركة، فهذا ختم له بخاتمة خير رغم أن كل ماضيه كَانَ غير ذلك، والحال أيضاً أن الإِنسَان قد يعمل بعمل أهل الجنة، ويظن المؤمنون أنه منهم.
فلما جَاءَ الموت تكشفت الحقائق ونطق بما في قلبه، وأظهر الكفر الذي كَانَ يكتمه في قلبه، فيكون هذا حاله، لكن لا يشغلنا ذلك عن العبرة العظمى وهي: أن الأعمال بالخواتيم، لهذا جَاءَ في وصية النبي ﷺ : (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق النَّاس بخلق حسن) .
стр. 1445
فلو أن العبد المؤمن كلما غلبته نفسه وغفلت فارتكب سيئة أتبعها بحسنة لمحتها وكفرتها، ولو لم تكن تلك الحسنة إلا أن يقول: استغفر الله ويتوب، فهذه حسنة من أعظم الحسنات، والاستغفار يمحو الله تَعَالَى به الخطايا.
يقول: [والأحاديث في هذا الباب] أي: في باب إثبات الكتابة والعلم السابق [كثيرة وكذلك الآثار عن السلف] من أكثر من جمع ذلك الحافظ اللالكائي ﵀ في كتابه شرح أصول اعتقاد أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ والإمام الآجري ﵀ في كتابه الشريعة والإمام ابن بطة العكبري في الإبانة والحافظ أبو عمر ابن عبد البر أيضاً في التمهيد الذي أشار إليه هنا.
وأيضاً كتب السنة أفردت أبواباً للقدر ذكرت فيه هذه الأحاديث وزيادة عليها، فغالب كتب الحديث والسنة ذكرت ذلك يقول: [قَالَ: أبو عمر ابن عبد البر ﵀ في التمهيد قد أكثر النَّاس من تخريج الآثار في هذا الباب، وأكثر المتكلمون من الكلام فيه، وأهل السنة مجتمعون عَلَى الإيمان بهذه الآثار واعتقادها وترك المجادلة فيها، وبالله العصمة والتوفيق] وأكثرشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتابه درء تعارض العقل والنقل (ج ٨،٩) فيما يتعلق بمسألة القدر ومسألة الفطرة وذكر كلام ابن عبد البر وعلق عليه، واستدرك وأضاف رضى الله تَعَالَى عنهما.
ما هو سر الله في خلقه؟
قال الطّّحاويّ ﵀:
[وأصل القدر سر الله تَعَالَى في خلقه، لم يطلع عَلَى ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله تَعَالَى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تَعَالَى في كتابه: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣] فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب، كَانَ من الكافرين]
стр. 1446
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
[أصل القدر سر الله في خلقه، وهو كونه أوجد وأفنى وأفقر وأغنى، وأمات وأحيى، وأضل وهدى. قال علي ﵁:القدر سر الله، فلا تكشفه. والنزاع بين النَّاس في مسألة القدر مشهور، والذي عليه أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ: أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله تَعَالَى خالق أفعال العباد، قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:٤٩] وقال تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [الفرقان:٢] . وأن الله تَعَالَى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، ولا يرضاه ولا يحبه، فيشاؤه كوناً، ولا يرضاه ديناً.
وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة، وزعموا أن الله شاء الإيمان من الكافر، ولكن الكافر شاء الكفر، فروا إِلَى هذا لئلا يقولوا: شاء الكفر من الكافر، وعذبه عليه! ولكن صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنَّار! فإنهم هربوا من شيء، فوقعوا فيما هو شر منه، فإنه يلزمهم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله تعالى، فإن الله قد شاء الإيمان منه -على قولهم- والكافر شاء الكفر، فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى! وهذا من أقبح الاعتقاد، وهو قول لا دليل عليه، بل هو مخالف للدليل.
روى اللالكائي من حديث بقية، عن الأوزاعي، حدثنا: العلاء بن الحجاج، عن مُحَمَّد بن عبيد المكي قال: قيل لابن عباس: إن رجلاً قدم علينا يكذب بالقدر، فقَالَ: دلوني عليه، وهو يومئذ أعمى، فقالوا له: ما تصنع به؟ فقَالَ: والذي نفسي بيده، لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته بيدي لأدقنها، فإني سمعت رَسُول الله ﷺ يقول: (كأني بنساء بني فهم يطفن بالخزرج تصطك إلياتهن مشركات، وهذا أول شرك في الإسلام والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يقدر الخير، كما أخرجوه من أن يقدر الشر) .
стр. 1447
قوله: وهذا أول شرك في الإسلام، إِلَى آخره، من كلام ابن عباس. وهذا يوافق قوله: القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله، وكذب بالقدر، نقض تكذيبه توحيده.
وروى عمر بن الهيثم قَالَ: خرجنا في سفينة، وصحبنا فيها قدري ومجوسي، فَقَالَ القدري للمجوسي: أسلم، فَقَالَ المجوسي: حتى يريد الله، فَقَالَ القدري: إن الله يريد ولكن الشيطان لا يريد، قال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان، فكان ما أراد الشيطان! هذا شيطان قوي!! وفي رواية أنه قَالَ: فأنا مع أقواهما!!
ووقف أعرابي عَلَى حلقة فيها عمرو بن عبيد، فقَالَ: ياهَؤُلاءِ إن ناقتي سرقت فادعوا الله أن يردها علي، فَقَالَ عمرو بن عبيد: اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقته فسرقت، فارددها عليه، فَقَالَ الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك، قَالَ: ولم؟ قَالَ: أخاف كما أراد أن لا تسرق فسرقت أن يريد ردها فلا ترد!!
وقال رجل لأبي عصام القسطلاني: أرأيت إن منعني الهدى وأوردني الضلال، ثُمَّ عذبني، أيكون منصفاً؟ فَقَالَ له أبو عصام: إن يكن الهدى شيئاً هو له، فله أن يعطيه من يشاء، ويمنعه ممن يشاء] اهـ.
الشرح:
يقول الإمام الطّّحاويّ [وأصل القدر سر الله تَعَالَى في خلقه، لم يطلع عَلَى ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل] ويشرح المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هذه العبارة فَيَقُولُ: [أصل القدر سر الله في خلقه وهو كونه أوجد، وأفنى، وأفقر، وأغنى، وأمات، وأحيى، وأضل، وهدى] أي: ليس القدر كله سراً، وإنما أصله هو الذي سر.
стр. 1448
ومعنى ذلك: أن الذين ينهون عن الخوض في القدر مطلقاً؛ لأن البحث يبعث الشك والريب، هذا خطأ منهم؛ لأن الصحابة -رضوان الله تعالى- عليهم سألوا النبي ﷺ عن أدق الأمور في القدر، أي: في القدر الذي يستطيع العقل أن يجول وينظر فيه كما سألوه في حديث عَلِيّ وجابر ﵄ وغيرهما عندما قالوا له: يا رَسُول الله! هذه الأعمال التي نعملها أهي فيما نستقبل من أمرنا، أم فيما جفت به الأقلام، وجرت فيه المقادير؟ .
وحديثسراقة وغيره.
وكذلك حديثعمران بن حصين -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- لما أن سأل أبا الأسود الدؤلي عن مسألة القدر فقَالَ: أفلا يكون ذلك ظلماً، فقال: أبو الأسود ففزعت لذلك فزعاً شديداً، وقلت: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فَقَالَ له عمران بن حصين -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ-: "إنما سألتك لأحزر عقلك" لأرى هل عندك عقل، هل أنت قوي الحجة؟.
إذاً: الصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم سألوا النبي ﷺ في مسائل من القدر، ولم تزل الأمة تتسائل، والعلماء تجيب بأمور من القدر، فليس صحيحاً أن مبحث القدر لا يخاض فيه مطلقاً ومثل ذلك ما يقوله بعض النَّاس في مسائل الصفات يقولون: لا نبحث في مسائل الصفات مطلقاً، وإذا سألته أو حاولت أن تستفصل منه قال لك: نؤمن ونسلم، ولا نبحث في شيء.
نعم لا بد أن نسلم وأن نؤمن هذا حق، لكن هذا المذهب إن لم يكن هو مذهب التفويض فإنه يفضي إليه، والمفوضة هم: الذين يؤمنون بأن هذه العبارات وهذا الكلام أنزله الله؛ لكن لا يبحثون عن معناه، ولا يعتقدونه، ولا يؤمنون به، وهذا المذهب من شر المذاهب، وهذه البدعة حاربها السلف رضوان الله تَعَالَى عليهم وقاوموها. ففي مبحث الصفات لا نبحث عن الكيفية، ولكن نبحث عن معنى الصفة وثبوتها، ودلالتها إذا كَانَ لها دلالة أو آثار، لكن لا نبحث عن الكيفية؛ لأننا نهينا عن ذلك.
стр. 1449
وكذلك في مسألة القدر نبحث -مثلاً- في مراتب القدر، وهل للعبد مشيئة أم لا؟ وما حدود هذه المشيئة؟ ونبحث عن المعاصي، ونقول: هل المعاصي داخلة في المشيئة، في خلق الله أم غير مخلوقة لله وما أشبه ذلك من الموضوعات عَلَى ما فيها من دقة، وعلى ما فيها من أمور وعلى أنه ليس كل أحد يستطيع أن يجيب فيها، لكن هناك من يعلمها، وقد علمها السلف وعلموها أصحابهم وتلاميذهم، ومازال العلم يتناقل فيها إِلَى اليوم.
أما الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل والذي لا يخاض فيه فهو أصل القدر، وهو أن يقَالَ: لماذا خلق الله تَعَالَى فلاناً؟ ولماذا قدر هداية فلان ومعصية فلان وكفر فلان؟ كما إذا قيل: لماذا جعل الله تَعَالَى الإِنسَان مكلفاً، وجعل الملائكة خيراً محضاً، وجعل الشياطين شراً محضاً؟ وهذا السؤال يكون كفراً إذا كَانَ عَلَى جهة الاعتراض والرد.
أما لو سأل وهو جاهل، أو سأل وهو يظن أن في ذلك حكمة تخفى عليه ويعلمها غيره فمثل هذا يوجه إِلَى الصواب في هذه المسألة، لكن من سأل عَلَى سبيل الاعتراض - وهذا هو الحاصل - ليردوا ما ثبت من القدر. فيقولون: لماذا أضل الشيطان وهدى آدم؟ على سبيل القول بأن ذلك -عياذاً بالله- من الظلم ومن التحكم، ومما لا نعلم له حكمة، هَؤُلاءِ الذين يسألون هذا السؤال هم المعترضون عَلَى الله ﵎، وهَؤُلاءِ كفار، كما ذكر المُصْنِّف ﵀.
يقول: [فمن سأل لِمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كَانَ من الكافرين] أي من سأل سؤال المعترض المحاجج المخاصم لربه، ولهذا فإنالسلف الصالح -رضوان الله تَعَالَى عليهم- سموا القدرية خصوم ربهم، ومن أنت حتى تعترض عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ! وما لك من الأمر حتى تحاجه، وتقول له: لم فعلت؟! ليس لأحد من الأمر شيء.
стр. 1450
بل الأمر كله لله، ولكنه كتب عَلَى نفسه الرحمة، وقد سبقت رحمته غضَبه، وهو حرم الظلم عَلَى نفسه. وجعله بيننا محرما، وهو لا يعامل العباد إلا بأمرين: إما بالفضل، وإما بالعدل، ولا يظلم ربك أحداً؛ فليس هنالك حكم ولا أمر من أوامر الله القدرية يخرج عن العدل بأي حال من الأحوال. فأصل القدر هذا الذي هو سر الله في خلقه، والذي لا يسأل عنه ولا يخاض فيه، ولا يتعمق فيه؛ وهو كونه تَعَالَى أوجد وأفنى.
لماذا أوجد؟ ولماذا أفنى؟ كل هذا لا يجوز أن يخاصم فيه بأية حال من الأحوال؛ لأن العقول تتقاصر عن معرفة ذلك، وهذا هو الذي أمرنا فيه أن نسلم لرَبِّ الْعَالَمِينَ فهو الذي خلق هذا الخلق، وهو الذي أعطى ومنع، وهو الذي أمات وأحيا، وهو الذي أضحك وأبكى، وهو الذي أغنى وأقنى، وهو الذي أضل وهدى لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
معنى مقولة علي " القدر سر الله ... "
[قال علي ﵁: " القدر سر الله فلا نكشفه "] هذا القول لعَلِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- يتناقل في بعض كتب الأدب وكتب التراجم، وأنا إِلَى الآن لم أعثر عليه مسنداً متصلاً بسند صحيح، ولكن إن كَانَ المقصود بالعبارة هو أن أصل القدر سر فلا نسأل عنه ولا نبحث عنه، فهذا يتفق مع ما ذكرنا ولا إشكال في ذلك.
وأما إن كَانَ المراد من ذكر ذلك أن أمير المؤمنينعَلِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- يعرف ويعلم سر القدر، ولكنه -كما ذكر بعض الروافض- أنه سُئل عن القدر فقَالَ: ذلك سر الله، فلا نكشفه أي: أنا أعرفه ولأنه سر الله فأنا لا أكشفه، فهذا يتناقض مع ما قرره الشيخ ﵀ حيث يقول: [لم يطلع عَلَى ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل] .
стр. 1451
فكيف يكون عَلِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- يعرفه ولكنه لم يبينه ولم يكشفه؛ لأن عقول النَّاس لا تحتمله، كما أشار إِلَى ذلك أبو حامد الغزالي وغيره ويقولون: إن علياً -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- عنده ألف باب من العلم، وفي كل باب إِلَى ألف مدينة.. إِلَى آخر ذلك، وأنه لا يمنعه من بث ذلك العلم إلا أن النَّاس لا تحتمله عقولهم -سُبْحانَ اللَّه- وأي علم لا تحتمله عقول خير البشر، وأفضل النَّاس علماً، وأكملهم عقلاً هم أصحاب النبي ﷺ أفلا كَانَ علم واحداً منهم هذا العلم، ولهذا عندما قال قائلهم الأبيات التي يتمثل بها الغزالي كثيراً.
يارُب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا
يقول: إن هناك جواهر من العلم لا يبوح بها، ولو أنه باح بها لقيل: إنه ممن يعبد الوثن. هذا الأبيات تنسب إِلَى بعض أهل البيت، وتمثل بها الغزالي وغيره، فلو أنه أباح به لقيل له: إنك تعبد الأوثان ولاستحلوا دمه، ولهذا يكتمه، ولهذا ألف كتابه المضنون به عَلَى غير أهله ويجعلون كلمة عَلِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- هذه من هذا الباب.
والباطنية الفرقة الخبيثة المرتدة التي هي أكفر من اليهود والنَّصَارَى يقولون: إن النبي ﷺ كَانَ لديه علم باطن، ويروون عن عُمَر -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- أنه قَالَ: " كان النبي ﷺ وأبي بكر كَانَ يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما " أي: لا يفهم شيئاً مما يقولان أي: في العلم الباطن، فإذا تكلما في العلم الظاهر فهم الكلام ونقله.
стр. 1452
يعني أن هذا العلم الباطن يخفى حتى عَلَى عمر ثُمَّ يقولون: إنه أورثه الوصي أي: عَلِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- فعنده العلم الباطن وعنده الأسرار ومنها أنه مطلع عَلَى سر القدر. وكل هذا الكلام من الكفر الصريح؛ لأنه يناقض معلوماً من الدين بالضرورة، وهو أن النبي ﷺ بلغ الدين كاملاً، فالنبي الذي أرسله الله رحمة للعالمين يبث وينشر العلم الظاهر (علم الرسوم) .
وأما الجواهر المكنونة والعلوم المضمونة التي هي أنفس وأغلى وأثمن يختص بها ابن عمه وزوج بنته -عياذاً بالله- حاشاه ﷺ ، وهو الذي كَانَ يسأله الصحابة وكل النَّاس فيبين لهم. وهو ﷺ الذي أمرنا أن ندعو إِلَى الله وأن نجاهد الكفار لنبلغ دعوة الله إِلَى آفاق الدنيا، يكتم هذا العلم ولا يطلع عليه حتى عُمَر؟ وإنما يختص به علياً أو غيره. وعَلِيّ أيضاً يكتمه ولا يعطيه إلا أبناءه ويبقى سراً يتناقلونه. ماهذه الأخلاق؟! هذه ليست بأخلاق الأَنْبِيَاء ولا بأخلاق الفضلاء.
والله قد أمر نبيه أن يبلغ دينه فَقَالَ له:يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:٦٧] ومع ذلك يقال: إنه لم يبلغ إلا العلم الظاهر، أما العلم الباطن فقد كتمه. ثُمَّ يأتي من يؤلف في العلم المضنون به عَلَى غير أهله، ما هو هذا العلم المضنون به؟ أي علم هو؟ أهو أفضل من القرآن، فالقرآن لم يُضَن به عَلَى أحد، بل يحفظه الأطفال في المساجد، وفي كل مكان، وإن كَانَ دونه، فكيف يظن بشيء أنه أعلى من القرآن؟ ولهذا يقول بعضهم: مما يضن به تفسير القرآن، وأن لكل حرف من حروف القُرْآن سر، ولهذا السر سر، ولهذا الباطن باطن، إِلَى سبعمائة باطن.
стр. 1453
ونعود إِلَى القضية الأولى وهو: أن النبي ﷺ إنما علمنا من هذا القُرْآن رسمه أي حروفه فقط. لكن الحقائق والجواهر والمعاني الباطنة العميقة اختص بها علياً أو غيره.
إذاً هذا النبي لم يبلغ، وحاشاه من ذلك ﷺ ، فمثل هذه العبارة ينبغي أن ينتبه إِلَى ما فيها من الاحتمال، حيث قد يفهمها بعض النَّاس بل قد فهموها عَلَى غير حقيقتها.
فأما إن كَانَ الجواب كما هو في بعض النسخ أنه قَالَ: سر الله فلا تكشفه. أي: لا تبحث عنه. فلا أنا أعلم ولا أنت تعلم ولا أحد يعلم، فهذا واضح، وسر الله لا يعلمه أحد، فهذا هو المعنى أو الاحتمال الذي يظن بعَلِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- إن صحت عنه الرواية.
النزاع بين أهل السنة والقدرية
قول المُصْنِّف -رحمة الله-: [النزاع بين النَّاس في مسألة القدر مشهور] قد ذكرنا فيما سبق أصل هذا النزاع، وكيف نشأ، أما الصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم فلم يكن فيهم قدري ولله الحمد.
بل روى اللالكائي عن طاووس قَالَ: أدركت أكثر من ثلاثمائة نفس من أصحاب النبي ﷺ كلهم يؤمن بأن الله خالق الشر والخير.وذكر اللالكائي روايات عنهم. فالصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- كانوا يؤمنون بالقدر كما نص عَلَى ذلك حديث جبريل وغيره، وكما هو صريح القُرْآن كما في هذه الآيات، فلم يكن فيهم مخالف.
стр. 1454
لكن وقع النزاع والاختلاف -كما ذكرنا- عندما ظهر معبد الجهني وغيلان الدمشقي، وكل منهما تلقى ذلك عن النَّصَارَىكما أشرنا إِلَى أنمعبداً كَانَ في البصرة، وهي قريبة من مذاهب البلاتشتية، ومذاهب وفلسفات الهند؛ فهنالك كانت لديهم هذه الأمور والفلسفات فوقعت في قلب معبد أو سمعها منهم، وأما غيلان فإنه كَانَ في دمشق وكان فيها النَّصَارَىوقد أعطوا العهد وبقوا في بلاد الشام من النَّصَارَى، ويقَالَ: إن سُوسَن النصراني أويوحنا هو الذي علم غيلان الدمشقي شبهة القدر.
المهم أن هذه الشبهة حصلت في عهد صغار الصحابة كابن عمر وابن عباس -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما- ومنذ ذلك الحين والخلاف مستمر، وقد ذكرنا كيف تطور الأمر من مسألة الكلام في معاصي العباد إِلَى الجبر المحض وآل إِلَى وحدة الوجود عند الصوفية، وكذلك آل الآمر بالذين ينكرون القدر إِلَى أن وجد فيهم من ينكر علم الله الذي لا ينكره ولا يجهله أحد.
وقد ذكر المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هنا العبارة الأخيرة التي هي أهم مادار فيه البحث وهي: [أن الله يريد الكفر من الكافر ويشاؤه] كما هو مذهبأهل السنة ويريد هنا بمعنى يشاؤه، وليست بمعنى يشرعه أو يطلبه.
فإن الإرادة تختلف عن المشيئة؛ لأن الإرادة تكون شرعية وتكون قدرية كونية؛ فإذا كانت الإرادة قدرية كونية؛ فهي بمعنى المشيئة، لكن إذا كانت الإرادة شرعية فهي بمعنى شرع وطلب. فيجب أن نفرق بين معنيي الإرادة.
стр. 1455
والمصنف هنا لما عطف عليها المشيئة قصده أن معنى الإرادة هي الكونية أي: أن الله تَعَالَى يريد الكفر كوناً ويشاؤه، ولذلك قَالَ: [ولا يرضاه ولا يحبه، فيشاؤه كوناً ولا يرضاه دينا] فكل ما يكون في الكون كله من خير أو شر، من محبوب أو مبغوض، فهو كله بمشيئة الله وإرادته، فأما ماكان من مشيئة الله فلا بد أن يتحقق، فما شاء الله كَانَ وما لم يشأ لم يكن؛ لكن ما أمر الله به وشرعه فقد يكون وقد لا يكون؛ لأن الله جعل حكمته في أن الابتلاء يكون في جانب الشرع هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:٢] فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:٣٦] فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الأعراف:٣٠] .
فالابتلاء في مسألة الأمر الشرعي الطلبي الذي أحبه الله ورضيه، وهذا يتحقق من قوم ولا يتحقق من آخرين؛ لكن كل ما يفعله هَؤُلاءِ النَّاس مما وافق شرع الله أو خالفه؛ فهو موافق للإرادة الكونية وللمشيئة العامة الشاملة. هذا هو موجز كلام أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة.
وقد ذكرنا أن القدرية أول ما نشأت عَلَى يد معبد وغيلان ولم يكونا معتزليين، لكن لما جَاءَ زعيم المعتزلة عمرو بن عبيد ورث القدر عن معبد ونشره، وأصبح إذا قيل: القدرية تطلق على المعتزلة.
стр. 1456
وقد دخلت الروافض في مذهب الاعتزال في الصفات والقدر، واعتنقوه ابتداءً من القرن الرابع فما بعده، وأخذت الرافضة دين المعتزلة في جوانب الاعتقاد، وبقيت لها المسألة التي اختصت بها وهي الإمامة، وما أشبه ذلك، فأصبحت عقيدة المعتزلة الآن في القدر موجودة عند الروافض. فلما قال المصنف: "القدرية والمعتزلة " كأنه يشير إِلَى الترتيب التأريخي؛ لأن القدرية ظهرت أول الأمر في زمن الصحابة، ثُمَّ ظهرت المعتزلة وورثوا ذلك، ثُمَّ بعد ذلك ورث المعتزلة الرافضة.
شبهة القدرية وردها.
قول المُصْنِّف ﵀: [وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة، وزعموا أن الله شاء الإيمان من الكافر، ولكن الكافر شاء الكفر] . أي: أن المشيئتين تعارضتا، ويلزمهم أن مشيئة العبد غلبت مشيئة الله -والعياذ بالله- وَقَالُوا: لأن الله تَعَالَى لم يشأ الكفر، لكن العبد فعل ما لم يشأه ربه، فوقع في الكفر هذا موجز الشبهة. [فروا إِلَى هذا؛ لئلا يقولوا: شاء الكفر من الكافر، وعذبه عليه] ، هذا أصل الشبهة، وأصل السؤال أنه قيل: آلله شاء الكفر من الكفار، وشاء المعصية من العاصي؟ قيل لهم: نعم قالوا: كيف يشاؤه ثُمَّ يعذبهم عليه، أليس هذا ظلماً؟! وهذا هو السؤال الذي سأله عمران بن حصين لأبي الأسود الدؤلي؛ لكن هَؤُلاءِ القوم لم يأخذوا الجواب من الصحابة، وإنما أخذوه -كما أسلفنا- من فلاسفة اليهود والنَّصَارَىوالصابئين فَقَالُوا: إذاً لا مخرج من هذا إلا أن نقول: أن الله يتنزه عن الظلم، ولهذا نقول: إن الله لم يشأ الكفر ولم يشأ المعاصي، وإنما وقعت بمحض مشيئة العبد. ولما قال غيلان ذلك في زمن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- جَاءَ به. وسأله عن العلم، قال: يا غيلان: أتؤمن أن الله عَلِمَ وكَتَب أفعال العباد خيرها وشرها؟ قَالَ: نعم، فقَالَ: أنت محجوج ولو جحدت لكفرت.
стр. 1457
ولهذا أفضى القول بغلاتهم إِلَى إنكار العلم، فَقَالُوا: إن الله لم يعلم ذلك ولم يكتبه، وأن الأمر أُنف. والذين أنكروا العلم كفار، أفتى بذلك الإمام مالك والشَّافِعِيّ وأَحْمَد وغيرهم تبعاً لفتوى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز؛ لأن صريح القُرْآن دال عَلَى كفرهم، ومعلوم من الدين بالضرورة عند الْمُسْلِمِينَ عامتهم وخاصتهم أن الله يعلم ما كَانَ وما سيكون، فمن أنكر علم الله بمعاصي العباد وبكفرهم، وأنه لا يعلم بها إلا بعد أن يفعلوها فهو كافر.
إذاً: هذا القول هو قول غلاة القدرية، أما غير الغلاة: فأنكروا المرتبة الأخيرة وهي: أن الله تَعَالَى خلق أفعال العباد من الشر، وَقَالُوا: كيف يكون الله هو الذي خلق الكفر أو الفجور أو الخمر أو الزنى في العباد؟ فظنوا أنهم بذلك ينزهون الله تَعَالَى عن الظلم وعن الشر، ولهذا يقول المُصْنِّف ﵀: [فروا إِلَى هذا؛ لئلا يقولوا شاء الكفر من الكافر وعذبه عليه؛ ولكن صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ فإنهم هربوا من شيء فوقعوا فيما هو شر منه] هربوا من نسبة مشيئة الشر إِلَى الله، ووقعوا في القول بأن مشيئة العبد غلبت مشيئة الرب، والغلاة وقعوا في شر من ذلك وهو أنهم أرادوا أن ينزهوا الله عن الظلم، وينزهوا الله عن نسبة الشر إليه ووقعوا في أقبح من ذلك وهو القول بأنه يجهل ذلك -تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيرا- هذا أضل وأخبث مما فروا منه، وَقَالُوا: إن الله لم يشأ من الكافر إلا الإيمان، ولكن الكافر خرج عن مشيئة الله وفعل الكفر.
стр. 1458
إذاً هم بهذه الحالة يجعلون المشيئة هي الرضى والشرع. نعم إن الله تَعَالَى لم يرض ولن يرض من الكافر ولا من أحد من الخلق إلا الإيمان ولم يشرع الله للخلق إلا الإيمان، لكن رضاه وشرعه شيء، ومشيئته شيء آخر. وهم لم يفرقوا بينهما فيقولون: [فإن الله قد شاء الإيمان منه] عَلَى قولهم [والكافر شاء الكفر، فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى! وهذا من أقبح الاعتقاد، وهو قول لا دليل عليه] أي: ليس لديهم دليل من النصوص وإنما هو قول مخالف للدليل، وهذه الشبهة وقعت عندهم بقصد أنهم يعظمون الله ويجلونه، ولغرض آخر وهو: أنهم قالوا: لا نفتح المجال لأهل المعاصي أن يحتجوا ويعتذروا بالقدر، وهذا يدل عَلَى ما أشرنا إليه -سابقاً- ونعيد الإشارة إليه وهو أننا لا نحكم عَلَى الأمور بمجرد مقاصد أصحابها.
لا نقول فلان قصده طيب إذاً كلامه حق؛ بل يقَالَ: إن فلاناً قصده طيب ونيته حسنة ولكن كلامه باطل، فلا يعني صدق النية أحقية القول، فإن عمرو بن عبيد مثلاً كَانَ من العباد الزهاد ومعبد كَانَ فيه عبادة وعلم ولكن لما قالوا: ننزه الله ولا ننسب إليه الشر ولا الظلم ولا نفتح الباب للعصاة والمجرمين، فيذنبون ويجرمون ويقولون هذا بقدر الله، وإن كَانَ قولهم لحسن النية فقد يكون الإِنسَان عَلَى نية حسنة ولكن يكون فعله مردوداً، ولهذا لما قال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) لم يجعل عليه شرطاً أن تكون نيته سيئة أوقصده بهذا أن يهدم الدين.
الأدلة على بطلان مذهب القدرية
стр. 1459
ذكر المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- ما يدل عَلَى قِدم الخلاف في القدر وعلى موقف الصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- من القدرية، وهو ما رواه اللالكائي بالسند المذكور أنه قيل لابن عباس: إن رجلاً قدم علينا يكذب بالقدر فقَالَ: دلوني عليه وهو يومئذ قد عمي فقالوا له: ما تصنع به فقَالَ: "والذي نفسي بيده لأن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعها ".
وهذا الرجل هومعبد الجهني لما جَاءَ إِلَى مكة جاء بعض التابعين وقالوا لابن عباس: إن هاهنا رجلاً ويشيرون إلىمعبد الجهني يكذب بالقدر، وفي رواية أخرى أوردها اللالكائي أشار إِلَى أن معبد قَالَ: إنما يُكذَبُ عليَّ، فلم يستطع أن يقر. يقول ابن عباس: ولئن وقعت رقبته بيدي لأدقنها.
انظروا إِلَى شدة الصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- في معاملة أهل البدع ومقاومتهم، ولو كَانَ أهل السنة قلة قليلة وأهل البدعة هم الغالبون، فحينئذ يكون الحال أن أهل السنة يكفوا أيديهم ويدعو أهل البدعة قليلاً قليلاً؛ لكن إذا كَانَ النَّاس في سنة وخير، ثُمَّ يأتي رجل مبتدع ليفسد ماهم عليه من الحق؛ فإنه يقاوم أشد المقاومة. وقوله: [فإني سمعت رَسُول الله ﷺ يقول: (كأني بنساء بني فهم يطفن بالخزرج تصطك إلياتهن مشركات) ] . هذا الحديث -كما ذكرالأرنؤوط - أنه ضعيف من هذه الطريق؛ لأن فيه العلاء بن الحجاج، ولا يهمنا إلا كلام ابن عباس ﵁ وموقفه من ذلك الرجل القدري.
وقد ذكراللالكائي أيضاً هذه القصة في موضع آخر، وكذاابن بطة والآجري ذكروها بطرق أخرى، فمجموع الطرق تؤيد أن الأمر قد وقع، وأن ابن عباس ﵄ قد توعد ذلك الرجل الذي جَاءَ في إحدى روايات اللالكائي أنه معبد.
стр. 1460
أما مسألة عودة الشرك وهو المرفوع إِلَى النبي ﷺ : (أن إليات نساء دوس ستضطرب عَلَى ذي الخلصة) فهذا معلوم أنه صحيح ثابت مرفوع إِلَى النبي ﷺ ، لكن ابن عباس ﵄ توعد معبداً بما تقدم، ثُمَّ استدل بأن الشرك سيقع في هذه الأمة عَلَى أن هذا من الشرك، ومادام أن النَّاس سيعودون كما نص النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تلحق فئام من أمتي بالْمُشْرِكِينَ، وحتى تضطرب إليات نساء دوس عَلَى ذي الخلصة) وهو صنم خثعم في الجاهلية. أي: مادام أن الشرك سيقع وهذه الأمة هي أمة الإيمان، وأمة التوحيد والسنة، يعقب ابن عباس ﵁ فَيَقُولُ: هذا أول شرك في الإسلام.
إذاً قد ابتُدئ، ولهذا جَاءَ في رواية أخرى: (أوقد فعلوها) . ولهذا قلنا: إن السلف سموا القدرية مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس أثبتوا إلهين خالقين إله الخير وإله الشر، وهَؤُلاءِ أيضاً أثبتوا أن العبد يخلق الشر، أن الله تَعَالَى يخلق الخير.
إذاً: هذا أول شرك وقع في هذه الأمة. [قَالَ: والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يُقدر الخير كما أخرجوه من أن يُقدر الشر] ؛ لأن باب الشر إذا فتح لا ينغلق، ولهذا قال بعض السلف: "إياكم ومحدثات الأمور فإنها تبدو صغارا ثُمَّ تؤول كبارا". فأول ما بدأوا ينزهون الله -بزعمهم- عن الشر فلا يثبتون أنه خالق الشر، ثُمَّ انتهى بهم الحال إِلَى أن وجد من ينكر العلم. إذاً من أنكر علم الله أسوأ ممن أنكر نسبة الشر إِلَى الله .
стр. 1461
يقول المصنف-﵀: [قوله وهذا أول شرك في الإسلام..إلى آخره من كلام ابن عباس، وهذا يوافق قوله: القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وكذَّب بالقدر نقض تكذيبه توحيده] معنى نظامه أي: الذي به ينتظم، فلا ينتظم التوحيد إلا بالقدر، لأن من أنكر القدر فقد أثبت خالقاً غير الله- وهذا الذي وقعت فيه القدرية المجوسية.
هذه الروايات موقوفة عَلَى ابن عباس ﵁ وليست مرفوعة إِلَى النبي ﷺ ، ولكن العلماء كابن بطة فيالإبانة والآجري في الشريعة واللالكائي وغيره ذكروها، يقول: [وروى عمرو بن الهيثم قال: خرجنا في سفينة -والمصنف يروي هذه الواقعة ليبين أنهم هربوا من شيء فوقعوا فيما هو شر منه - وصحبنا فيها قدري ومجوسي، فَقَالَ القدري للمجوسي: أسلم] فالقدري داعية، ولا نستغرب هذا فإنه يوجد دعاة وهم عَلَى بدعة وضلالة، وقد يبذلون جهدهم في الدعوة إِلَى الله، ويكون قصدهم الدعوة إِلَى الحق لكنهم عَلَى باطل. فهذا القدري حريص عَلَى أن يسلم المجوسي، لكن انظروا إِلَى سوء بدعته وبطلانها كيف حالت بين هذا الرجل وبين الإسلام. [قال المجوسي: حتى يريد الله] ألا تذكرنا عبارة هذا المجوسي بمن نقول له: صلِّ فَيَقُولُ: إذا شاء الله؛ فالشيطان الذي يلقن المجوس، يلقن تارك الصلاة أيضاً، فعندما ذكر المجوسي لفظة الإرادة جاءت البدعة عند القدري [فقَالَ: إن الله يريد ولكن الشيطان لا يريد] . هذه هي العقيدة التي يريد القدري أن يعلمها إياه، [فأجاب المجوسي وقَالَ: أراد الله وأراد الشيطان فكان ما أراد الشيطان فأنا مع أقواهما!] عياذاً بالله.
стр. 1462
فنتبين بهذا بطلان مذهب القدرية ولو كَانَ المناظر سنياً، لأجابه ببساطة: إن الله شاء منك المجوسية، ولكنه أمرك بالإسلام. ولا تعارض بين الأمر الكوني والأمر القدري الذي هو المشيئة، لكن الغالب في هذه المناظرة هو المجوسي؛ لأنه هو الذي قطع حجة القدري. ومما يدل أيضاً عَلَى بطلان هذه العقيدة الضالة قصة الأعرابي مع شيخ الاعتزال عمرو بن عبيد.
واللالكائي ﵀ الذي ذكر هذه الوقائع، أفرد لعمرو بن عبيد ورؤساء المعتزلة باباً بيَّن فيه ما نقله العلماء من سوء عقيدتهم، وقد كَانَ السلف يحذرون من عمرو بن عبيد، ويحذرون من الجلوس معه، عَلَى ما كَانَ فيه من العبادة والزهد والتقشف، حتى كَانَ ضامراً من شدة العبادة، وكان لا يأكل إلا أقل القليل من متاع الدنيا، فجاء الأعرابي عَلَى حلقة فيها عمرو بن عبيد وخُدع الأعرابي بمظهرعمرو، وبما يُقال عنه من العبادة، ورأى عَلَى ظاهره علامات التعبد الطويل.
فَقَالَ له: يا هَؤُلاءِ: إن ناقتي سرقت فادعوا الله أن يردها عليّ، فتقدم عمرو ليدعو الله عَلَى أساس أنه أصلح الموجودين وأتقاهم، الذي لو دعا لأُجيب من ولايته وصلاحه فقَالَ: اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقته فسرقت فارددها عليه. نزه الله عن الشر وإرادة المعاصي، ولكن الأعراب فيهم الذكاء السريع والبديهة الحاضرة فبدون أن يتكلف، وبدون أن يفكر قَالَ: لا حاجة لي في دعائك، قَالَ: لماذا؟ قَالَ: أخاف كما أراد أن لا تسرق فسرقت، أن يريد أن يردها فلا ترد، وذهب الأعرابي وتركه، فلو كَانَ لدى عمرو بن عبيد إيمان حق وصدق ويريد الحق لكفاه كلام هذا الأعرابي.
стр. 1463
وثعلب اللغوي والنحوي المشهور، سئل هل في الأعراب قدري؟ قال معاذ الله، ما في الأعراب قدري، بل هم في جاهليتهم وإسلامهم تنضح أشعارهم بإثبات القدر، والمصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أورد هذا ليشير وليثبت أن هَؤُلاءِ فروا من شر توهموه فوقعوا في شر محقق، وقال رجل لأبي عصام القسطلاني: أرأيت إن منعني الهدى، وأوردني الضلال، ثُمَّ عذبني أيكون منصفا؟! يسأله عن الله، وعبارته توحي أن هناك اعتراضاً عَلَى الله ؛ لأنه قال منعني وأوردني!.
فقالأبو عصام: إن يكن الهدى شيئاً هو له، فله أن يعطيه من يشاء ويمنعه ممن يشاء؛ ولكن نقف مع عبارة السائل هذا " أرأيت إن منعني الهدى " هل الله منع النَّاس الهدى؟ ليس بهذا الإطلاق، فإن الله أوضح الهدى وبينه للناس، وأنزل عليهم كتاباً يتلى ورسولاً يدعوهم إِلَى الله فقد بين الهدى ولم يمنعه، كما قال:إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيل) أي: بينا له ووضحنا لهإِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإِنسَان:٣] أي: يختار هو ما يشاءوَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإِنسَان:٣٠] .
وقد أجابه أبو عصام: بجواب بسيط مقنع سهل جداً، ومفهومه: إن منعك شيء هو له فهو حقه، وإن منعك شيئاً هو لك فقد ظلمك، والحال أن كل ما في السموات والأرض هو ملك لله لا يشركه فيه أحد من العالمين؛ فالله لم يمنع أحداً من النَّاس حقه حتى يقال: لِمَ لم يعطه، أو أنه قد ظلمه، فليس لأحد عَلَى الله حق بإطلاق.
قال المصنف:
стр. 1464
[وأما الأدلة من الكتاب والسنة، فقد قال تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة:١٣] وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس:٩٩] وقال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:٢٩] وقال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً [الإِنسَان:٣٠] وقال تعالى: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:٣٩] وقال تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:١٢٥] .
ومنشأ الضلال: من التسوية بين المشيئة والإرادة، وبين المحبة، والرضا فسوى بينهما الجبرية والقدرية ثُمَّ اختلفوا:
فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه، وقدره فيكون محبوباً مرضياً.
وقالت القدرية النفاه: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضيةله، فليست مقدرة ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه] اهـ.
الشرح:
شرع المُصنِّفُ ﵀ في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة بعد أن ذكر مذهب القدرية وأتى بالوقائع الدالة عَلَى تهافت مذهبهم وتناقضهم حينما أخرجوا المعاصي والكفر وما يكرهه الله ﵎ عن إرادة الله ومشيئته، وأن في ذلك تنزيهاً له -فيما زعموا- عن نسبة الشر إليه، أو أنه يريد المعاصي ثُمَّ يعاقب عليها فيكون ذلك ظلماً بزعمهم.
стр. 1465
والأدلة من الكتاب والسنة تدل عَلَى ما أشار إليه من مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وهو كما قَالَ: والذي عليه أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله خلق العباد وخلق أفعالهم.
الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات المشيئة
قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [أما الأدلة من الكتاب والسنة، فقد قال الله تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة:١٣] وقال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ َ عَلِيماً حَكِيماً [الإنسان:٣٠] هاتان الآيتان الأولى منهما في سورة السجدة والأخرى في سورة الإنسان، وقد كَانَ النبي ﷺ يقرأ بهما في فجر يوم الجمعة. ولقد قسم الله ﵎ الأمم عَلَى قسمين:
القسم الأول: أمم لا كتاب لها وهم المجوس والهندوس والبوذيون وكثير من أمم الشرك، فهذه الأمم لم تعرف يوم الجمعة العيد الأسبوعي، بل لا تعرف الأسابيع لأنها ليس لها أسبوع يبدأ ثُمَّ ينتهي، إنما تعلمت ذلك من الأمم الكتابية، فالمُشْرِكُونَ المنقطعون عن الاتصال بالأمم الكتابية -اليهود والنَّصَارَى والمسلمون- لا يعرفون ذلك.
والقسم الثاني: الأمم الكتابية التي لديها أسبوع ضلت في معرفة هذا اليوم، فوقع اليهود على يوم السبت، والنَّصَارَى عَلَى يوم الأحد، وفضل الله ﵎ هذه الأمة بأن وقعت عَلَى اليوم الذي هو حقاً أفضل أيام الأسبوع وهو يوم الجمعة. وهو مقدم عَلَى السبت والأحد فأصبحت الأمم تالية لهذه الأمة المباركة المصطفاة.
وقفات مع سورتي السجدة والإنسان
стр. 1466
في هذا اليوم -يوم الجمعة- يُسنُّ أن يقرأ الإمام في صلاة الفجر سورتي السجدة والإِنسَان، ولو تأملنا ما في هاتين السورتين لوجدنا أنهما تشتملان عَلَى بداية خلق الكون، وبداية خلق الإِنسَان، وتشتملان عَلَى أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار، وتشتملان عَلَى القدر، وعَلَى إثبات مشيئة الله ، وهذه من أهم أصول العقيدة الإسلامية.
فكأن العبد المسلم في كل أسبوع يأخذ من كلام ربه هذه الدروس والعبر في عقيدته، فيعلم أول ما يسمع سورة السجدة أن هذا القُرْآن حق غير مفترى كما يزعم الزاعمون، ويدعون ويتبجحون، وأن الله خلق هذا الكون وهو خالق كل شيء، وأنه استوى عَلَى العرش، وخلق كل شيء وأحسن خلقه، ثُمَّ يأتي بعد ذلك خلق الإِنسَان، ثُمَّ نهايته وإثبات البعث.
والحديث عن المشيئة في هذه الآية: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [السجدة:١٣] أما في سورة الإِنسَان فيبتدأ يقول: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [الإِنسَان:١] وهنالك في السجدة: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانسَانِ مِنْ طِينٍ [السجدة:٧] ففترة كونه طيناً هي التي لم يكن فيها شيئاً مذكورا، حتى سواه ونفخ فيه من روحه بعد أربعين سنة.
ويقول في سورة الإِنسَان: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإِنسَان:٣] ويقول في سورة السجدة: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا فالله خلق هذا الإِنسَان وجعله مكلفاً مختاراً، فإن شاء اختار طريق الحق وإن شاء اختار طريق الضلال.
стр. 1467
ولكن اقتضت حكمة الله تَعَالَى أن يكون في النَّاس أهل حق واستقامة وهدى، وأهل باطل وغواية وضلالة كما قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:١١٨-١١٩] وهذا أمر فوق السؤال، فلا يقال: لماذا؟ فكلمة الله تمت بذلك، وقضى به وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا أي: ولو شئنا لوفقناها وآمنت واستقامت عَلَى الحق، أما قوله: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ.
فالمقصود هنا: هداية الدلالة والإرشاد، أي: دللناه وأرشدناه وبينا له معالم الطريق، وعليه أن يختار بعد ذلك إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً وهذا راجع إِلَى إرادته، أما الذين أعطاهم الله ﵎ هداية التوفيق فهم المؤمنون الذين آمنوا بالله ، كما قال تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا أي: الأمر كله راجع إِلَى مشيئتنا، فلو شئنا لكان النَّاس أمة واحدة عَلَى الهدى والحق، ولكن حق القول مني، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً [الأنعام:١١٥] .
فهذه الكلمات هي الكلمات الكونية، وليست الكلمات الشرعية، فالقرآن كلام الله عزوجل هو كلماته الدينية الشرعية، أما كلماته الكونية فهي أوامره التي خلق بها الأشياء.
стр. 1468
ويقول الله تَعَالَى في سورة يونس: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس:٩٩] فمن كفر فإنما كفر بمشيئة الله، ومن آمن فإنما آمن بمشيئة الله هذا وجه الدلالة، ولا إشكال فيه، وقوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وموضع الآية هنا واضح إذا فهمنا مدلول الآية كلها.
نجد أن كثيراً من المهزومين أو المخدوعين يقولون: إن هذا الدين دين دعوة فقط لا جهاد ولا قتال فيه، وإنما يدعو النَّاس إِلَى أن يؤمنوا به بطواعيتهم وباختيارهم، ويستدلون بقوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ويقول: قال تَعَالَى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة:٢٥٦] .
إذاً: ليس في الإسلام قتال من أجل الدين ولا جهاد، فإن قلنا: فهذه الفتوحات الإسلامية، والغزوات النبوية قرابة ثلاثين غزوة وقرابة المائة سرية، والصحابة من بعده وصلوا إِلَى نهاية العالم من جهة الغرب إِلَى المحيط الأطلسي، ولم يكن معروفاً في ذلك الوقت أن وراء هذا المحيط عالماً آخر.
وتوغلوا من جهة الشرق حتى وقَّع لهم ملك الصين على دفع الجزية، ولم يبق شيء من العالم إلا أوروبا وهي قبائل همجية في الشمال وأجزاء قليلة في الجنوب، كيف يكون هذا المجد وهذا الكسب؟ قالوا: هذه حروب دفاعية فقط، فقريش أرادت أن تعتدي عَلَى النبي ﷺ فقاومها وحاربها ويستدلون بقوله تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:١٩٠] .
стр. 1469
فيأخذون هذه الآية مع الآيتين السابقتين ويشكلون منها قواعد وأحكام يقررونها، وهي أن هذا الدين لا جهاد فيه فيُقَالُ لهم: إن معنى قوله تعالى: لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أنه قد كتب أزلاً وقدراً أن أناساً سيموتون عَلَى الكفر، وستمتلئ منهم جهنم، أما قوله: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فمعناها: أنهم لن يؤمنوا مهما بذلت وحاولت، وقد اختاروا الكفر بإرادتهم واختيارهم، وهذا مطابق لما قد كتب عليهم كوناً وقدراً.
وليس المقصود من هذا أنك لا تجاهدهم، بل معناها: حتى وإن جاهدتهم فلن يؤمنوا، سواء دعوتهم سراً أو جهراً بالحكمة أو السيف؛ لأنك لا تستطيع أن تكره النَّاس حتى يكونوا مؤمنين، فقد اختاروا ذلك اختياراً، ولن يرجعوا عن ذلك، ولا يمكن واقعاً أن يتحول النَّاس إِلَى أمة واحدة، فاقتضت حكمة الله تعالى وتمت بذلك كلمته أن يكون النَّاس أمة خير وأمة ضلال، وقد جعل الله لكل نبي عدواً من المجرمين لحكمة.
إذاً: لا تستغرب أيها النبي لأن لك أعداءً، وأنت تحرص عَلَى هدايتهم ومع ذلك لن يهتدي أحد أبداً.
ولاعلاقة لهم في كونك تجاهدهم أو لا تجاهدهم، فأمر الآية يتحدث عن أوامر كونية أزلية، وليس عن أوامر أو أحكام شرعية تعبدية؛ فحتى مع الجهاد -وهو مشروع بلا ريب لكي يدخلوا في الدين- لن يؤمن إلا من كتب الله ﵎ له الإيمان، لكن يجب عليك أن تقاتل كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ [التوبة:٧٣] أي: جاهدهم، لكن ليس في حولك ولا في قوتك أن تدخل الإيمان إِلَى قلوبهم، ولم يكلفك الله به، ولكن كلفك أن تدعوهم وأن تجاهدهم، إذاً لا تعارض ولا تناقض بين هذا وذاك.
الفرق الضالة التي أنكرت الجهاد
стр. 1470
الذين أنكروا الجهاد كثير منهم الروافض ولهذا سموا الخشبية لأنهم صنعوا لهم سيوفاً من الخشب، وَقَالُوا: لا جهاد إلا مع الإمام، وما دام أن الإمام لم يتول الحكم وكان الأئمة غائبين أو مجهولين، فالسيوف تكون من الخشب، فلما أن أختفى -بزعمهم- الإمام الثاني عشر ودخل السرداب، قالوا: لا جهاد، ولا جمعة، ولا أي حكم من الأحكام التي تتعلق بالإمامة، ولو كانت عَلَى مذهبهم وفقههم، إلاّ إذا خرج الإمام من السرداب.
ولهذا خالف منهم من خالف، وأصبح الذي يخالف منهم يعد مجدداً أو نائباً عن الإمام، لأنه غير هذا الحكم، الذي لا يقوم به إلا الإمام، ومع ذلك اتبعوه بزعم النيابة عن الإمام، وكذلك لما انتشر الاستعمار في دول العالم الإسلامي، أراد أن يقضي عَلَى فكرة الجهاد قضاءً مبرماً، وكذلك الأفكار الوافدة تأثر بها عدد كبير من الْمُسْلِمِينَ.
فالاستعمار أوجد القاديانية التي من أهم أركان دينها إنكار الجهاد، وكَتَبَ القادياني الذي ادَّعى النبوة يقول: إنه يجب إعطاء الولاء للحكومة البريطانية، لأنها حكومة هيأها الله واختارها وأورثها الأرض، فلا يجوز لأي مسلم أن يخرج عليها أو أن يجاهدها، ومن فعل ذلك فقد خالف أحكام الدين وأوامر الله، وكذلك البهائية وغيرها من الفرق التي أنكرت الجهاد.
الغزو الفكري ودوره في القضاء على الجهاد
أما بالنسبة للغزو الوافد الذي اصطنعه الاستعمار وتأثر به كثير من الْمُسْلِمِينَ، فقد خُيَّلَ إليهم أن الجهاد خاصٌ بعصور الهمجية والانحطاط.
يقولون: إن الإِنسَانية لما كانت في عصور الهمجية والانحطاط -في المرحلة التي أشار إليها المحللون والمفكرون الغربيون ومنهم كونت صاحب المدرسة الوضعية وغيرها- مرت بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة الخرافة، والسحر، والكهانة.
المرحلة الثانية: مرحلة الدين.
стр. 1471
والمرحلة الثالثة: مرحلة العلم، ومرحلة الدولة الحديثة التي ظهرت ابتداءً من الثورة الفرنسية التي أعلنت مساواة النَّاس في الحقوق والواجبات، ولذلك فليس هناك من مجال لأن يقتل الإِنسَان أخاه الإِنسَان وهكذا يصدرون هذا الكلام لنا.
ولم يشهد العالم حروباً دامية مدمرة مثل الحروب التي دارت في أوروبا منذ الثورة الفرنسية إِلَى الآن، مثل حرب السبعين وهي الحرب المشهورة بين الإنجليز والفرنسيين، والحروب بين ألمانيا وفرنسا، والحروب بين ألمانيا وانجلترا "الحربان العالميتان" حروب طاحنة، ويقولون: إن ميثاق الثورة الفرنسية -الذي أصبح بعد ذلك أكثر تطوراً بميثاق حقوق الإِنسَان- قد تكفل بأن يعيش العالم الإِنسَاني أسرة واحدة -يسمونها الأسرة الدولية- وكلهم إخوة وأحبة، وعلى ضوء مواثيق الأمم المتحدة لا يكون هناك قتال بين الناس، وعقدوا اتفاقيات تسمى اتفاقيات تحريم الحرب، منها اتفاقياتباريس، ثُمَّ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك اتفاقيات تحريم الرق، ويقولون: إن الإِنسَان أصبح إنساناً حراً متحضراً متطوراً.
وقد تسامى وترفع عن عصور الانحطاط والجاهلية، التي كَانَ الإِنسَان يهاجم فيها أخاه الإِنسَان ويغزوه، وهذا الكلام يصدر إِلَى العالم الإسلامي ويشاع ويكتب، بل حتى كتب عن الجهاد في الإسلام بما يؤيد هذه الفكرة الاستعمارية والخديعة الماكرة، في حين أن الغرب لم يتخلَّ قط عن الأخذ بأسباب القوة، فالذي يُدرس في أوروبا يقال علناً في كل مكان وهو: "إن الحياة صراع والبقاء للأقوى"، هذا قانون علمي يدرَّس كنظرية علمية في الأحياء وفي الجيلوجيا وفي غير ذلك.
стр. 1472
وكذلك في واقع الحياة، ولهذا لا مجال لرحمة ضعيف هزم، في حين أنهم يصدرون إلينا المعاني الإِنسَانية التي تتضمن ترك هذا الواجب العظيم من الواجبات التي فرضها الله عَلَى هذه الأمة، فتصبح الأمة الإسلامية ذليلة تابعة، وقد أسهمت الصوفية والمرجئة وغيرهم في إلغاء الجهاد، وفي كتابأهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية للدكتور علي العلياني تفصيل لهذه الأمور.
وأما الحديث عن القدر فإن الله قد قدَّر وقضى كوناً: أن النَّاس عَلَى طريق السعادة أو طريق الشقاوة، وقال تَعَالَى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:٢٩] فهنا يثبت الله المشيئة للعبد، فلا شك أن العبد ما دام أنه حي فهو بطبيعته فاعل متحرك، وهو عامل لأنه حارث وهمام.
فبطبيعته يعمل ويتحرك، وهذه الحركة لا تكون إلا عن اختيار ومشيئة، إذاً فمشيئة العبد لا شك فيها، وأنها ليست موضع نقاش ولا جدال، أما قول: الجبرية فهو أمر خارج عن العقل والفطرة والشرع، وليس لهم شبهة في الحقيقة.
أما نفي القدر فله شبهة التبست ووقع فيها بعض النَّاس، ولقد رد القُرْآن والأحاديث الصحيحة وأهل العلم عَلَى هذه الشبهة، فالله يقول: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فلستم مستقلين بأعمالكم ولا بإرادتكم، وإنما هي وفق مشيئة الله ، فما شاء كَانَ وما لم يشأ لم يكن، كما قال الشاعر:-
فما شئتَ كَانَ وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن
مشيئة العبد تابعة لمشيئة الخالق
стр. 1473
المشيئة المطلقة هي لله والعبد له مشيئة، لكن قد يشاء العبد أمراً فلا يكون إلا ما شاءه الله ، ولهذا فالقدرية الذين يجعلون العبد مستقلاً بمشيئته، وقد وقع لهم عدد من النماذج، وقد روى اللالكائي ﵀ من ذلك قصتين منها:
أن رجلاً من القدرية كان جالساً مع بعضأهل السنة وكان في يده بيضة فقَالَ: يقولون: إن الإِنسَان لا يفعل ما يشاء فها أنا أشاء أن آكل هذه البيضة من الذي يمنعني فوضعها في فمه، وكان موجوداً عنده بعض منأهل السنة فلما وضعها في فمه طرحوه عَلَى الأرض واستخرجوها من فمه وألقوها، وقالوا له: أين مشيئتك؟
стр. 1474
فالإِنسَان قد يشاء الأمر ويهيئ كل أسبابه وفي آخر لحظة تذهب تلك المشيئة وتلك الأسباب؛ لأن الله لم يشأ؛ ويقول ﵎ كما في سورة الإِنسَان: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً [الإِنسَان:٣٠] وهذه مثل التي قبلها، فبعد أن بين في أول السورة: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإِنسَان:٣] لئلا يقَالَ: أنا اخترت طريق الخير بنفسي، مستقلاً عن إرادة ربي ومشيئته، أو اخترت طريق الشر، مستقلاً عن مشيئة الله وإرادته، لذا قال في آخر السورة وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ففي أول الآية إثبات لمسئولية الإِنسَان وحريته في الاختيار، وآخرها فيه إثبات لمشيئة الله الشاملة العامة المطلقة التي لا يحدها ولا يقيدها شيء وقال تعالى: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:٣٩] هنا أيضاً هذه الآية والتي بعدها: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:١٢٥] .
هاتان الآيتان تدلان عَلَى أن الهداية والإضلال من الله وأنه هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء لكننا نجد في سورة النحل قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:٣٦] وقوله: فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الأعراف:٣٠] .
стр. 1475
فالضلالة منسوبة إِلَى الإِنسَان، وحقت عليه، فلم يقل: فمنهم من هدى ومنهم من أضل، ولا تعارض بين الآيات. بل في ذلك حكمة، لاسيما وأن آية النحل قد جاءت بعد أن ذكر الله احتجاج الْمُشْرِكِينَ بالقدر عَلَى نفي الشرع، لأنهم يقولون: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [النحل:٣٥] يحتجون بمشيئة الله، كأنهم يقولون: إن الله هو الذي شاء أن نضل، فلن نهتدي.
ولو كَانَ المقصود: أن الله شاء أن نضل، بمعنى أنه كتب الضلالة عَلَى من ضل، وهو أيضاً أمرنا وشرع لنا أن نهتدي؛ لأن مجرد إثبات أن الإضلال لا يقع إلا من الله، فليس في ذلك من بأس؛ لأن الله نسب ذلك إِلَى نفسه كما في هاتين الآيتين، لكنهم يريدون أن يجعلوا المشيئة بمعنى المحبة والرضى، فالله يقول: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّه.
إذاً: الهداية من الله وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فليس كما تزعمون أن الأمر جبر لا اختيار فيه ولا مشيئة لكم فالضلال جَاءَ استحقاقاً وعدلاً، والهداية جاءت توفيقاً وفضلاً من الله تعالى. كما قال تَعَالَى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:٢٩] لكن مشيئة الضلال والإضلال لا تعني أنه يحبه ويرضاه أو أنه شرعه وأمر به.
ولذلك عقب المُصْنِّف ﵀ عَلَى ذلك بقوله: [ومنشأ الضلال من التسوية بين المشيئة والإرادة، وبين المحبة والرضى فسوى بينهما الجبرية والقدرية أولاً ثُمَّ اختلفوا، فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره، فيكون محبوباً مرضياً، وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له، فليست مقدرة ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه] .
следующие страницы →