← Акыда

Акыда · id 2827

شرح العقيدة الطحاوية - سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (1 990 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

فقد ورد ذلك في أحاديث لا يصح رفع شيء منها كما بين ذلك الحافظ ابن الجوزي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وغيره، أما ما في كلام السلف فقد ورد ذلك أنهم سموا القدرية مجوس هذه الأمة، وسموا بذلك لأن المجوس يقولون: إن الشر إله وهو الظلام، والخير إله وهو النور، فجعلوا خالقين، وهَؤُلاءِ القدرية جعلوا لأفعال العبد خالقين، فالطاعات والقربات خالقها الله، والشر والمعاصي خالقها الإِنسَان. إذاً: هَؤُلاءِ هم مجوس هذه الأمة؛ لأنهم شابهوا المجوس في ذلك، حيث أثبتوا خالقين، والله هو الخالق لكل شيء وحده، وقد أجمعأهل السنة عَلَى أن الله هو خالق أفعال العباد خيرها وشرها كما سيأتي بيانه إن شاء الله فيما بعد. وانتقلت هذه المسألة إلى قضية الجبر إلى معنى أبعد وأعمق وأعظم بكثير، فأتوا بقول المعتزلة القدرية الذين ينكرون القدر وهَؤُلاءِ أثبتوا الجبر، وغلوا فيه، حتى سلبوا العبد إرادته وقدرته ومشيئة الإرادية التي جعلها الله فيه، فقالت الجبرية: إن الإِنسَان مثل الريشة في مهب الريح، وإن الحركات لا إرادية سواء فعل الخير أو فعل الشر فهي مثل حركات المرتعش؛ لأنها ليست إرادية ولا اختيارية. ورأس هَؤُلاءِ الجبرية وزعيمهم الجهم بن صفوان الذي اشتهر إلحاده وعم شره في العالم الإسلامي ابتدع هذه المقالة التي أخذها من كلام الفلاسفة الصابئين فأثبت أن كل ما يجري في هذا الكون من أفعال أن الله تَعَالَى هو الفاعل لها، وليس لغير الله مشيئة ولا إرادة، فقابل الغلو بالغلو، وأخذ الفريقان يتصارعان.

стр. 1402

فأصبحت الفرقتان متميزتين فرقة تغلو في نفى القدر وهم المعتزلة الغلاة والفلاسفة حتى أنكروا العلم الذي لا ينكره إلا كافر، وَقَالُوا: إن الله تَعَالَى لا يعلم إلا الكليات -تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيرا- ولا يعلم الجزئيات، وقد أجمع الْمُسْلِمُونَ بجميع طوائفهم عَلَى تكفير الفلاسفة سواءً كَانَ الكندي أو الفاربي أو ابن سينا أو أمثالهم. وقد أثبت الله تَعَالَى علمه بالجزئيات فأثبت علمه بالحبة والورقة التي تسقط قال تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:١٩] . بدعة الصوفية وعلاقتها بالقدر جاءت الصوفية في القرن الثالث الهجري فَقَالُوا: إن الإِنسَان إذا وصل إِلَى مرحلة التوحيد الحقيقي بأن لا يرى في هذا الكون شيئاً سوى الله، أو يقول: لا موجود إلا الله، فلا يرى إلا الله، وأن حركات النَّاس وسكناتهم كلها من فعل الله؛ فلا تقل هذه طاعة ولا تقل هذه معصية ولا هذا كفر، فكله من الله، وهذا غاية التوحيد عندهم نسأل الله العفو والعافية فقد قال قائلهم: أصبحت منفعلاً لما تختاره مني ففعلي كله طاعات

стр. 1403

وأنا لا أختار شيئاً إن شاء الله فعلت المعصية، وإن شاء فعلت الطاعة، فهذه حقيقة التوحيد التي يزعمون، يقولون: ما دمت أيها العبد تؤمن بوجود ذاتيين منفصلتين عبد ومعبود، خالق ومخلوق؛ فأنت لم تصل بعد إِلَى قمة التوحيد والعياذ بالله ويجعلون توحيد الأَنْبِيَاء من توحيد العامة، وتوحيدهم: توحيد الخاصة، أو خاصة الخاصة، الذين إن ذكروا فبالضمير هو هو هو، لا يقولون: الله، لأن عندهم "لا إله إلا الله" للعامة و"الله" للخاصة، و"هو" لخاصة الخاصة، هذا ذكرهم وعبادتهم وعقيدتهم في الأفعال من طاعات أو معاصي أو فجور كلها من الله يسأل سائلهم يوسف الجنيد يقول: ما الخيرة؟ قال ترك الخيرة. قَالَ: فما الإرادة؟ ألا تريد. قَالَ: فما الحيلة؟ قَالَ: ترك الحيلة. هل هذا معقول؟ الخيرة: أن لا تختار، والإرادة: أن لا تريد، والحيلة: ألا تحتال؛ فهذا تناقض؛ فإما أن تريد الخير وإما أن تريد الشر، لكنهم قالوا: العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبدٌ فذاك رب أو قلت رب أنّى يكلف تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا، هذا هو الكفر الصريح بعينه وهو تطور لمسألة القدر، ووصل بهم إِلَى أن قالوا: إن الله هو الذي يفعل كل شيء . وانتشر التصوف في العالم الإسلامي شرقاً وغرباً وانتشرت معه هذه العقائد الضالة في باب القدر، وأمسى الاعتزال وقد خفت شأنه؛ لأن الاعتزال انحصر في الطبقة المثقفة الذين يطلعون عَلَى كلام اليونان وكلام الهنود فليس كل أحد من النَّاس يفعل ذلك، وقد تحول الاعتزال إِلَى عقيدة شعبية عن طريق الرفض، فالروافض اعتنقوا مذهب المعتزلة في القرن الرابع، بعد أن كانوا في الأصل جبرية، وبعد أن كانوا مشبهه وممثلة.

стр. 1404

فأصبحت هناك فئة من الْمُسْلِمِينَ -الروافض وهم فئة محدودة- عَلَى مذهب المعتزلة، وأغلب الْمُسْلِمِينَ الذين انتشر فيهم التصوف اعتنقوا مذهباً آخر في العقيدة وفي الكلام وفي القدر والإيمان وهو منهج الأشعرية والماتريدية. الكسب عند الأشاعرة والأشعرية: أثبتوا شيئاً جديداً في مسألة القدر، وهو الكسب، والكسب في الحقيقة ليس من ابتداع أبي الحسن الأشعري وإنما نقله عن المعتزلة وعندما رجع عن الاعتزال إِلَى الكلابية وهي المرحلة الثانية من مراحله قبل أن يرجع إِلَى مذهب السلف، أخذ بهذه النظرية وهي الكسب، فقال: الله فاعل، والعبد: نافذ، فجاء بنظرية يرى أنها وسط بين الجبرية والقدرية. وهي في الحقيقة وسط بين قول الجبرية وبين مذهب أهل السنة، وتمثل الأشعرية على ذلك بالمصباح الكهربائي: إذا أراد الأب أن يمتحن ابنه فَقَالَ له: لا تنفخ هذا المصباح فإذا نفخته وانطفأ عاقبتك، والمصباح الكهربائي لا ينطفئ بالنفخ، وإنما ينطفئ بالزر، والأب عنده الزر، فإذا نفخ الابن المصباح أطفأ الأب المصباح، ثُمَّ يضرب الابن فَيَقُولُ: أضربك لأنك خالفت أمري فأطفأت المصباح.

стр. 1405

ويضرب البغدادي صاحب الفرق بين الفرق مثالاً آخر فَيَقُولُ: في كتاب أصول الدين لو أن رجلين حملا حجراً واحداً وأحد الرجلين كبير والآخر صغير، فلو حمل الكبير الحجر وحده لاستطاع، لكن جَاءَ الصغير وحمل الحجر معه، فجاء المعاقب الذي يعاقب عَلَى حمل الحجر، فعاقب الصغير وضربه، فإنه لا يكون ظالماً، لأنه حمل مع الكبير، وإن كَانَ الكبير هو الذي يستقل بحملها وحده، يقول: هذا مثال عَلَى أن الله هو الفاعل الحقيقي، ولكن العبد يشارك فقط، وإلا لو ترك العبد الفعل لوقع الفعل من غيره، لكن يعاقب عَلَى هذه المشاركة وإن كانت مشاركة غير مؤثرة -تَعَالَى الله عما يصفون- فكل هذا مخالف للإيمان بالله، وللإيمان بقدره عَلَى حقيقته، فمثلاً لو قيل لهم: ماذا تقولون في رجل زنى أتنسبون هذا الفعل إِلَى الله، وهذا لازم كلامكم أنه لا فاعل إلا الله؟ وفي عقيدة الأشعرية المسماة جوهرة التوحيد منظمومة شعر يحفظونها ويدرسونها في أكثر أنحاء العالم الإسلامي مع الأسف يقال فيها: والفعل في التأثير ليس إلا للواحد القهار جلا وعلا فلا تثبت الفعل إلا لله جلا وعلا، فلا يؤثر إلا الله: ولا يفعل إلا الله: فيقال لهم: لو أن أحداً زنى من الفاعل في هذه الحالة؟ فإن قالوا: "الله" فهذا هو الكفر، وإن قالوا: فعل العبد فالعبد هو الفاعل، والله هو الخالق.

стр. 1406

وقد نسب الله تَعَالَى في القُرْآن الكريم الأفعال إِلَى العبد فقَالَ: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة:١٠٥] تَعْقِلُونَ [البقرة:٤٤] وكذلك الصلاة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [الحج:٧٧] وقَالَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى [الليل:٦،٧] وفي المقابل وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى [الليل:٨،٩] فهذه الأفعال فعلها العبد، والله تَعَالَى خلق الإِنسَان، وخلق أفعاله، وخلق القدرة التي بها يفعل الأفعال، لكن الفاعل هو الإِنسَان، والإِنسَان له إرادة وله مشيئة. قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإِنسَان:٣٠] وقَالَ: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير:٢٨] وقَالَ: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر [الكهف:٢٩] فالله أثبت لنا المشيئة، وبين لنا الصراط المستقيم فَقَالَ: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإِنسَان:٣] إما أن يختار الكفر وإما إن يختار الإيمان، فكيف يقَالَ: إنه لا مشيئة له في الحقيقة والفاعل هو الله، فالعبد فاعل عَلَى الحقيقة، ولكن الخالق هو الله، ولهذا يجازي العبد ويحاسبه لا عَلَى مشاركة صورية، أو كسب أو تأثير لا قيمة له، إنما يحاسب العبد ويجازيه لأنه فعل ذلك حقيقة. أما دعاة الرفض فهم ينكرون القدر، وقد رد عليهم شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابه العظيم النادر المثال الذي لم يكتب مثله وهو كتاب منهاج السنة النبوية.

стр. 1407

أما منهج أهل السنة والجماعة فهو من أوضح وأيسر ما يكون والحمد لله فهم يثبتون لله القدر، ويؤمنون بهذه المراتب الأربع، ثم يثبتون للعبد فعلا وإرادة ومشيئة، ولا يخرج ذلك عن إرادة الله ومشيئته، وكما أن فعل العبد لا يخرج عن خلق الله : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:٩٦] من أعظم المميزات لعقيدة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أنها عقيدة فطرية ميسرة وواضحة يفهمها ويعقلها كل إنسان إذا ترك الجدال والتقليد. يقول صاحب الجوهرة تبعاً لما سبق: والفعل في التأثير ليس إلا للواحد القهار جل وعلا فمن يقول بالطبع أو بالعلة فذاك كفر عند أهل الملة ومن يقل بالقوة المودعة فذاك بدعيٌ فلا تلفت أي: لو أن الإِنسَان قَالَ: إن هذه الأشياء تفعل بطبعها أو أنها علة بذاتها فهو كفر مخرج من الملة، وكذلك من قَالَ: إن العباد يفعلون الأفعال بقوة أودعها فيهم، فالنَّار مثلاً تحرق لأن الله أودع فيها الإحراق وجعل الإحراق من خصائصها فهذا الكلام بدعي، فالذي يحرق هو الله، والنَّار ليس لها أي تأثير. فهذا التقليد والجمود المنافي للعقل والفطرة هو الذي أضل عوام الْمُسْلِمِينَ، أما إذا بقي الإِنسَان عَلَى فطرته فإنه لا يختار إلا منهج وعقيدة السلف الصالح لأنها واضحة.

стр. 1408

فعندما يسمع العامة قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير:٢٩] يقولون: إن الله يقول: (تريد يا عبدي وأنا أريد ولا يكون إلا ما أريد) نسمع هذه من آبائنا، والله لم يقل هذه المقالة لكنها حق في ذاتها. فالفطرة موجودة لكنهم عبروا عنها بكلمة غير صحيحة عندما نسبوها إِلَى الله ؛ لأن الله تَعَالَى يقول: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فنقول: إن مشيئة العبد هي بعد مشيئة الله، فإن شاء العبد الخير وأراده وأحبه وفعله فكل ذلك بمشيئة الله سبحانه، وإذا شاء الشر واختاره وفعله وأراده فبمشيئة الله فعل ذلك، والله يحاسب العبد لأنه هو الذي فعل واختار وأراد، فلو أن رجلاً مجنوناً ترك فريضة من الفرائض أو فعل محرما من المحرمات لم يحاسب، بل يحاسب الإِنسَان العاقل العالم؛ لأن الله حكيم. إذاً: فهذا يحاسب لأنه فعل ذلك بإرادته واختياره، أما المجنون فمناط التكليف والإرادة مفقود عنده فلا يحاسبه الله تَعَالَى عَلَى ذلك، لكن عند هَؤُلاءِ لا فرق بين الفعلين: بين فعل المجنون وبين فعل العاقل، وإنما سبب ذلك كما أشرنا هو الجهل والتقليد الذي عمَّ بلاد الْمُسْلِمِينَ، حتى أصبحت كلياتهم العلمية وجامعاتهم ومعاهدهم تدرس هذه العقائد المنافية للفطرة وهم لا يشعرون، ولذا يجب علينا وجوباً أن ندعو ونسأل الله أن يرد الْمُسْلِمِينَ إِلَى عقيدتهم عقيدة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لئلا يموت أحدهم وهو عَلَى ضلال في القدر وفي معرفة الله .

стр. 1409

لقد ذكر الله تَعَالَى في سورة البقرة أعظم آية في كتاب الله وهي آية الكرسي التي اشتملت عَلَى أصول الصفات العظيمة فقال: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [البقرة:٢٥٥] فأول صفة ذكرها الله أنه لا إله إلا هو، يجب أن يوحده الخلق جميعاً الْحَيُّ الْقَيُّومُ. فالسمع والبصر والكلام وسائر هذه الصفات مبنية عَلَى صفة الحياة، ومعنى "القيوم" أي: المستغني القائم بنفسه تعالى، فله كمال الغنى فكل ما ينفى عن الله من النقص فهو لكمال حياته وكمال قيوميته، لا تأخذه سنة ولا نوم لكمال حياته، ثُمَّ قَالَ: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ. الشاهد قوله: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ. فهذه المرتبة الأولى من مراتب القدر: أن نؤمن بأن الله يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وإذا علمنا بأن الله عليم فقد آمنا بصفة عظيمة يترتب وينبني عليها صفات وأبواب أخرى من أبواب الإيمان والعقيدة في باب القدر، أما حال بني البشر فكما قال الله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ كما في قصة الخضر مع موسى لما رأى الطير ينقر في البحر نقرة قال: أرأيت ما أخذ هذا الطائر من البحر فإن ما عندي وعندك من علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر من الماء؛ كم أخذ هذا الطائر من البحر؟ هذا هو العلم الذي أطلع الله به خواص خلقه وأنبيائه، لأن الله لا يطلع عليه كل أحد وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:٢٥٥] . أدلة إثبات العلم قال الإمام الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [وقد علم الله تَعَالَى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار، جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه]

стр. 1410

[وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه] . قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [قال الله تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:٧٥] وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [الأحزاب:٤٠] فالله تَعَالَى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلا وأبداً، لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً [مريم:٦٤] وعن عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رَسُول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس رأسه فجعل ينكت بمخصرته ثُمَّ قَالَ: ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنَّار وإلا قد كُتبت شقية أو سعيدة، قَالَ: فَقَالَ رجل: يا رَسُول الله أفلا نمكث عَلَى كتابنا وندع العمل؟ فقَالَ: من كَانَ من أهل السعادة فسيصير إِلَى عمل أهل السعادة، ومن كَانَ من أهل الشقاوة فسيصير إِلَى عمل أهل الشقاوة، ثُمَّ قَالَ: اعملوا فكل ميسَّر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثُمَّ قرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:٥-١٠] خرجاه في الصحيحين] اهـ. الشرح: استدل المُصْنِّف ﵀ عَلَى إثبات العلم لله ﵎ ببعض الآيات التي تدل عَلَى أن الله ﵎ عليم بكل شيء أزلاً وأبداً، فقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:٧٥] وقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [الأحزاب:٤٠] .

стр. 1411

فكلمة "كل" وكذلك "شيء" من ألفاظ العموم، بل قيل: إن كلمة "شيء" هي أعم كلمة؛ لأنها تشتمل أدق وأدنى ما يسمى أو ما يرى أو ما يكون في حيز الوجود وكذلك أعظم ما في الوجود يسمى "شيء" كما في قوله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الأنعام:١٩] ، فكلمة "شيء" عامة تطلق عَلَى الكبير والصغير فإذا قلنا: "أي شيء"، فهم منه أن الكلمة هي أعم الكلمات، فالله تعالى يطلق عليه شيء، والله ﵎ يقول: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ويقول: وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فهو لا يخفى عَلَى علمه أدنى ما يمكن أن يوجد في حيز الوجود. الفرق بين الأزل والأبد يقول المُصْنِّف ﵀: [فالله تَعَالَى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلاً وأبداً] الأزل والأبد كلمتان متقابلتان تطلقان عَلَى أمرين متقابلين، فالأزل يطلق عَلَى ما ليس له ماضي ولا بداية له، والأبد يطلق عَلَى ما لا نهاية له بالنسبة لنا. فلا بداية لعلم الله ، فلم يكن الله في وقت من الأوقات جاهلاً بأي شيء كَانَ أو سيكون، ثُمَّ تجدد أو حصل أو بدا له علم في هذا الشيء، وكذلك لا يأتي عليه جل وعلا وقت يكون فيه لا يعلم بعض الأشياء، أو ينسى بعض الأشياء، ثُمَّ يقول المصنف: [لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة] وكلمة "علمه" هنا مفعول و"جهالة" فاعل، فالجهالة لم تتقدم علم الله ﵎، بل هو عليم منذ الأزل وإلى ما لا نهاية كما قال تعالى: وَمَا كَانَ َ رَبُّكَ نَسِيّاً [مريم:٦٤] أي: لم ينسَ الله تَعَالَى فيما مضى أمراً أو شيئاً قد علمه، وكذلك لا ينسى الله في المستقبل أمراً يعلمه الآن، أو فيما مضى الجهمية تنفي صفة العلم

стр. 1412

الذين أنكروا صفة العلم لله تَعَالَى هم الجهمية الذي أنكروا جميع الأسماء والصفات، وهَؤُلاءِ أخرجهم بعض السلف ﵏ كعبد الله بن المبارك والفضيل بن عياض وأمثالهما من أجلة السلف من فرق الأمة، وَقَالُوا: هذه ليست من الاثنتين والسبعين فرقة، بل تلحق بفرق اليهود والنَّصَارَى والْمُشْرِكِينَ، لأنهم لم يثبتوا لله تَعَالَى اسماً ولا صفة. وكذلك لم يمار في هذه المسألة ممن ينتسب إِلَى الإسلام إلا الفلاسفة الذين تفلسفوا في مسألة العلم وَقَالُوا: إن الله تَعَالَى يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عما يصفون- بل هو بكل شيء عليم، وأما من أنكر جميع الصفات كالجهمية ومنها صفة العلم فهَؤُلاءِ خارجون عن جميع الملل، وهناك من هو شر منهم وهم غلاة الباطنية. درجات المنكرين للصفات تقدم في أول هذا الكتاب بيان درجات المنكرين للصفات، ولو رتبناهم بحسب قربهم منأهل السنة فنقول: الأشعرية يثبتون الأسماء وبعض الصفات، ثُمَّ أبعد منهم المعتزلة يثبتون الأسماء دون الصفات، ثُمَّ درجة ثالثة الجهمية ينفون الأسماء والصفات إلا أنهم يثبتون الوجود المطلق، ويلحق بهم الباطنية وهم أتباع للفلاسفة وجزء منهم في الحقيقة، فهَؤُلاءِ لا يثبتون حتَّى الوجود، وإنما يثبتون لله المتناقضين، فيقولون: لا نقول إنه موجود، ولا غير موجود، والتعبير الصحيح عنهم أن نقول: إنهم يصفون الله برفع النقيضين، ولا نقول إنهم يثبتون النقيضين، وهَؤُلاءِ لا شك في كفرهم عند جميع الملل.

стр. 1413

ثبت في الحديث المتفق عليه عن أمير المؤمنينعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب ﵁ قَالَ: (كنا في جنازة في بقيع الغرقد) وهذا الموقف -موقف الموت- من أبلغ المواقف في قلوب البشر، وكثير من النَّاس لا يرِق قلبه ولا يلين لا في مسجد ولا في حلقة علم ولا ذكر؛ لكنه عند مشهد الموت وحين يدفن يقر الميت في قلبه الإيمان ويخشع ويعترف بتقصيره وذنبه، وربما كَانَ ذلك بداية لأن يلين قلبه لله ﵎ فيما بعد. ولهذا كَانَ من السنة أن تزار المقابر، وأن تشيع الجنائز، فالنَّاس يعتبرون ويتعظون بمن سبقهم إِلَى الدار الآخرة. ثُمَّ يقول: ﴿فأتانا رَسُول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله﴾ فقعد رَسُول الله ﷺ ليُفهِّم ويُعلِّم ويذكر النَّاس في الموقف المهيب، وتحلق الصحابة الكرام حوله ﷺ ، وجلسوا جلسة مهيبة كَانَ عَلَى رؤوسهم الطير من الخشوع ومن استحضار هيبة هذا الموقف، وهيبة السؤال، وجلوسهم بين يد المعلم الأكبر ﷺ ، والواعظ البليغ ليعظهم ويرقق قلوبهم في هذا الموقف. ثُمَّ قَالَ: ﴿ومعه مخصرة﴾ أي: عصاً صغيرة ينكت بها الأرض ﴿فنكس رأسه، فجعل ينكت بمخصرته﴾ هذه الرواية تقول: (فنكس رأسه) أي: النبي ﷺ أيضاً أطرق رأسه وأخذ ينكت بمخصرته الأرض ويبحث بها، وهذا دليل عَلَى أن الإِنسَان يكون مشغولاً بأمر عظيم، فلو دخلت عَلَى إنسان ورأيته جالساً عَلَى هذه الهيئة لاستشعرت أنه يفكر في أمر عظيم، وأنه يريد أن يقول شيئاً عظيماً.

стр. 1414

ثُمَّ رفع ﷺ رأسه وخاطب أصحابه بهذه الموعظة البليغة فقَالَ: ﴿ما من نفس منفوسة -وفي رواية: ما منكم من أحد- إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النَّار﴾ ، والصحابة الكرام رضوان الله تَعَالَى عليهم في هذا الموقف، وقد دفنوا أخاً لهم، كل منهم يفكر في هذا الإِنسَان هل هو من أهل الجنة، أو من أهل النار؟ كل إنسان منهم مشغول، وكيف لو كَانَ أحدنا مكانه ماذا يكون جوابنا، وهل نثبت أو لا نثبت؟ وكانت قلوب أصحاب النبي ﷺ حية بذكر الله، وكانت الآخرة حاضرة أمام أعينهم كأنهم يرونها دائماً، وذلك لحياة قلوبهم. فكأنهم يرونها بأبصارهم، ففي هذا الوقت جاءتهم هذه الموعظة من النبي ﷺ ، فيخبرهم النبي ﷺ بأمر عظيم لو تفطن له الإِنسَان لأخذه العجب العجاب فَيَقُولُ: ﴿ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النَّار﴾ والآن نَحْنُ الأحياء ما منا أحد إلا وقد كتب الله مكانه إما في الجنة أو النار، والعجيب أننا نتفكر في هذا الميت أهو شقي أم سعيد؟ أما نَحْنُ الأحياء فلا يخطر ببالنا أن كل واحد منا مكتوب أنه شقي أو سعيد. الأعمال مكتوبة والنهاية معروفة فهم الصحابة الكرام رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم أن الأعمال مكتوبة، ونهاية هذه الأعمال معروفة، إما الجنة أو النار، فهي مكتوبة عند الله، فسأله الصحابة، حتى تعرفوا أن الصحابة الكرام هم أعلم وأذكى وأفطن وأبلغ النَّاس وأفقههم، ولم يأت بعدهم من هو قريب منهم في هذه الصفات فضلاً عن أن يكون مثلهم. جاء هذا السؤال الذي يتساءل النَّاس به دائماً والذي كثيراً ما يخطر عَلَى لسان، أو عَلَى قلب كل أحد، ويسأل بعضهم بعضاً، ما دام أنه مكتوب كل ما أعمل والنهاية معروفة ومحددة ففيم العمل؟ قال رجل منهم: أفلا نمكث عَلَى ما كتب لنا وندع العمل؟

стр. 1415

والحقيقة أن هذا السؤال له أجوبة كثيرة، وقد يبسط جواب النبي ﷺ ويتفرع منه أجوبة، لكن النبي ﷺ دائماً يجيب بالجواب العملي المقنع السريع، فلو أن إنساناً قَالَ: أنا لا أريد أن أعمل خيراً ولا شراً، وإنما أكتفي بكتابي، وأدع العمل، فهذا مستحيل أن يحصل، ومستحيل أن يبقى جماد لا يتحرك، فمثلاً المؤذن: إن ذهب إِلَى المسجد عمل خيراً، وإن لم يذهب عمل شراً، ومن رأى منكراً أمامه إن نهى عن المنكر عمل خيراً، وإن لم ينه عنه عمل شراً، ومن أكل من حلال عمل خيراً، وإن أكل من حرام عمل شراً. الإنسان حارث وهمام انظر إِلَى النبي ﷺ حين قَالَ: (وأحب الأسماء إِلَى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام) ، فلا بد فيه من حكمة، لأن الرجل قد يسميه أبوه ظالماً، وهو رجل عادل، فاسمه هذا غير صادق، كما أنك عندما تسمي ذلك البخيل اللئيم كريم فاسمه غير صادق، لكن التسمية بحارث وهمام أسماء صادقة. فمن النَّاس من يكدح ليلاً ونهاراً في المعاصي والذنوب فهو حارث، وكذلك آخر أعماله كلها خير فهو حارث، فيكون هذا الاسم أصدق الأسماء، وأصدق الأسماء أيضاً همام، لأن الإِنسَان أياً كَانَ ذا خير أو شر يمدح أو يذم فهو حارث وهمام، فإنه يحرث -لا بد له من عمل- وهمام لأنه يهم بخير أو شر، وهذا بمعنى الإرادة. فسواء حرث خيراً أو شراً فهذا أصدق الأسماء، وهو حقيقة الإِنسَان النفسية وهي أنه لا يخلو فكره عن العمل قط. وبالمثال يتضح المقال

стр. 1416

يقول ابن القيم ﵀: فكر الإِنسَان كالطاحون يدور، ثُمَّ يدور، وهكذا الإِنسَان لا يتوقف عن الهمّ، فإن الإِنسَان في أي لحظة وهو مستيقظ يفكر في شيء، والفكر يدور ويجول ولا يتوقف، فإن شغل فكره بالتفكير في الله وفي آياته وخلقه وأمره ونهيه ووعده ووعيده، واجتهد في طاعة الله فنتيجة ذلك أنه سيعمل أعمالاً صالحة بإذن الله ، وإن لم يشغل وقته في التفكير في أعمال الخير، فإنه سيفكر في ضدها من أعمال الشر. وجاء عنه ﷺ (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله تَعَالَى فيه، ولم يصلوا عَلَى النبي ﷺ ؛ إلا كَانَ عليهم ترة يَوْمَ القِيَامَةِ) أي: نقصاً، وحسرة، وندامة يَوْمَ القِيَامَةِ، وذلك أنهم لم يذكروا الله في هذا المجلس فيمر هذا الوقت خسارة عليهم. ولهذا فالسؤال بأننا نتكل عَلَى ما كتب وندع العمل، قلنا: إنه غير وارد لأنك يا أيها الإِنسَان حارث وهمام قال تعالى: يَا أَيُّهَا الإِنسَانسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:٦] خيراً كَانَ أو شراً، تكدح فتلاقيه، ويقول الله ﵎: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِه [الإسراء:٨٤] قال ابن عباس وغيره: عَلَى طريقته. فكل إنسان بحسب إرادته ونيته يعمل، ولا يوجد إنسان لا يعمل أبداً، فلابد أن يعمل، فإما أن يكون الكدح والعمل عَلَى نهج، فيه خير وسنة وطاعة، فهذا مقبول، وإما أن يكون العمل عَلَى نهج وطريقة فيها فجور وضلال وشر، فيكون العمل والكدح شراً ضائعاً، ولهذا قال: فَمُلاقِيهِ.

стр. 1417

ثُمَّ فصل فقَالَ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الانشقاق:٧] وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق:١٠] أي: النَّاس الذين يعملون ويكدحون فإنهم لن يخرجوا عن هذا الأمر، إما أن يكونوا من أصحاب اليمين، وإما من أصحاب الشمال. فلابد من معرفة قيمة الزمن وقيمة العمر من قيمة الفكر نفسه، ولابد من محاسبة هذا القلب القاسي المتحجر كم مضى عليه من دهور لم يخشع لله ، ولم يلن له، ولابد من التفكير في أعمارنا، فالكل في لهو وفي لعب، والكل في الباطل والحرام إلا من رحم الله، والأحرى أن نبكي عَلَى فوات العمر الذي ضاع في غير طاعة، وأن نبادر بالتوبة إليه ، وأن نتدارك هذا العمر، ولهذا قال : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:٣٧] أي: أعطيناكم مهلة كافية حتى يتذكر كل ذي لب، ويرجع عن غيه، ويعرف طريق الهدى المستقيم وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ إن كَانَ النذير هو الرَّسُول ﷺ فقد جَاءَ إِلَى من بعث فيهم، وسنته جاءت إِلَى من بعده، وفسره بعض السلف بأنه الشيب، وهو نذير مفارقة هذه الحياة، فإذا عمر الإِنسَان وجاءه النذير فقد أعذر الله إِلَى من بلغ الستين ولم يتب.

стр. 1418

فالإِنسَان إما أن يعمل خيراً أو يعمل شراً، ولهذا جَاءَ النبي ﷺ بجواب يتضمن هذا، فَقَالَ ﷺ : (من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة فقال اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة) فالنبي ﷺ أجاب بجوابين متضمن لما ذكرنا وزيادة وهو أنه عندما سئل ألا نمكث عَلَى كتابنا وندع العمل قَالَ: (بل اعملوا فكل ميسر لما خلق الله..) . ففي الحالين الشيء الموجود الذي لا بد منه هو: العمل، وإنما الخلاف فيما يكون العمل، أهو عمل خير، أو عمل شر، ويتحدد هذا بالتيسير من الله . فمن كَانَ من أهل السعادة فإنه ميسر لعمل أهل السعادة، وهل في ذلك ظلم؟ جَاءَ في رواية أخرى للحديث لما قال عمران بن حصين رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: لأختبرن أبا الأسود الدؤلي قال: أفلا يكون ظلماً، يكتب عليهم ثُمَّ يدخلهم الجنة أو النَّار. قال: ففزعت فزعاً شديداً، قلت: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فقال: إنما سألتك لأحزر عقلك. فانظر إِلَى قوة فكره وعقله، أين الظلم من هذا التيسير الذي يسره الله ؟ أمر مشاهد محسوس، فإذا رأيت الإِنسَان يقرأ القُرْآن، ويحب مجالس الذكر، ويحب مخالطة أهل الخير، ويحرص عَلَى ما يقربه إِلَى الله ﵎، فنقول: إنه من أهل السعادة، مع أننا لا نقطع لمعين بأنه من أهل الجنة أو من أهل النَّار، لكن الذي نقطع به أننا نقول: إن الذي يعمل الطاعات ويكره المعاصي والمنكرات فهذا هو سبيل أهل السعادة، وأن الذي يعمل المعاصي ويحب أهل المعاصي.

стр. 1419

فنقول: إن هذا هو سبيل أهل الشقاوة والفجور، وإلا فلا يجعل الله أبا لهب وحمالة الحطب وأبيَّ بن خلف وأمية وأمثالهم الذين عذبوا المؤمنين مثل الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، وقاتلوا وقتلوا، فإن هَؤُلاءِ مشو في طريق آخر، وكل من الطريقين سيؤدي بصاحبه إِلَى النتيجة التي لا بد منها، لكن الله يسر لهَؤُلاءِ عمل أهل السعادة، ويسر لأولئك عمل أهل الشقاوة. هداية العبد للإيمان فضل ومِنّة من الله تعالى فأما من سلك سبيل السعادة ووفق في الثبات عليها فمن الله ﵎ فضلاً ومنةً وكرماً، ولهذا فإن الصحابة الكرام لما أنشدوا كانوا يقولون: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا) . وكما قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:١٧] فالمنِّة لله ولرسوله ﷺ ، وكذلك من يُسر لعمل أهل الشقاوة فهذا عدل، وليس في كلا الحالتين ظلم. ولهذا لما احتج المُشْرِكُونَ عَلَى الشرك بالمشيئة في قولهم: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:١٤٨] قلنا: إن الله رد عليهم بالحجة العظيمة وهي إرسال الرسل فقَالَ:

стр. 1420

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦] فليس هناك حجة وقد جاءتكم الرسل تنذركم كما قال الله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:٣٦] فالمجرمون حق عليهم الضلالة فلم يوفقهم الله للهداية، لأنهم أهلاً لئن يكونوا من أهل الشقاوة، فقد كانوا يرون أنفسهم عَلَى الشر بالسير في طريق الشقاوة، ولم يحاولوا أن ينصرفوا إِلَى الخير مع قيام الحجة عليهم، ووضوح البينة واستبانة الطريقة. ولهذا يقول ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) . يقول الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:٥-١٠] في هذه الآية أُسند الفعل أعطى واتقى، بخل واستغنى إِلَى العبد، فالعبد هو الفاعل، فهو إما أن يعطي ويتقي، وإما أن يبخل ويستغني، وعمله هذا وفعله مخلوق لله ، وفي هذا رد عَلَى المعتزلة القدرية مجوس هذه الأمة، الذين قالوا: إن العبد يخلف فعل نفسه، وفي هذا أيضاً رد عَلَى القدرية الجبرية، عندما قلنا: إن العبد هو الفاعل، لأنهم يرون أن الله هو الفاعل. علم الله السابق مرتبة العلم دل عليها الحديث السابق، ودل كذلك عَلَى مرتبة أخرى وهي مرتبة الكتابة، فإن الله قد كتب مصير كل نفس في الجنة أم النَّار، ولهذا قلنا: إن المراتب الأربع يمكن أن نختصرها إِلَى مرتبتين العلم والكتابة ومرتبة الخلق والمشيئة مرتبة ثانية، فالمصنف ﵀ أتى بالآيات الدالة عَلَى أنه لا حجة للخلق عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، بل لله الحجة البالغة عَلَى خلقه أجمعين.

стр. 1421

ولوضوح عبارة الطحاوي لم يتعرض المُصْنِّف ﵀ لها وهي قولالطّّحاويّ: [وقد علم الله تَعَالَى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل ... ] فالله ﵎ يعلم عدد أهل الجنة وأهل النَّار، فلن يزداد في هَؤُلاءِ، ولن ينقص من هَؤُلاءِ أحد، وهنالك دليل تقدم معنا يدل عَلَى ذلك وهو: لما استخرج الله سبحانه من ظهر آدم ذريته فقَالَ: (هَؤُلاءِ للجنة ولا أبالي، وهَؤُلاءِ للنار ولا أبالي) . إذاً: فالله لما استخرجهم منهم أصحاب اليمين، ومنهم أصحاب الشمال؛ فالأمر قد قضى وانتهى، وجفت به الأقلام، وجرت به المقادير، وكذلك أفعالهم علمها ، والحديث الذي أورده المُصْنِّف يدل عَلَى هذا في قوله: [ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها في الجنة أو النار] ثُمَّ عقب هذا الكلام بقوله: [وكل ميسر لما خلق له] . الأعمال بالخواتيم قال الإمام الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [وكلٌ ميسرُ لما خُلق له، والأعمال بالخواتم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله] الشرح:

стр. 1422

وقوله: (والأعمال بالخواتم) يوضح أهمية كون الأعمال بالخواتم ما جَاءَ في حديث ابن مسعود الآتي الذي فيه دلالة عَلَى أن أهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النَّار ميسرون لعمل أهل النار، ويكون حال الإِنسَان الثابت المؤكد لذلك بحسب ما ختم له من أعمال، فلا يحكم للعبد بمجرد ما يظهر للناس، ولهذا فإن من أصول أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أنه لا يقطع لمعين بالجنة أو بالنَّار، إلا من شهد له الله ورسوله، لخفاء الخاتمة والعاقبة للإنسان، ولا يعني ذلك إساءة الظن بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وأنه قد يوجد إنسان يجتهد في الطاعات، ويبذل من الخير والصلاة وقراءة القُرْآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا إِلَى الموت، والله قد كتب عليه أنه من أهل النَّار، فلا يليق هذا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وكذلك لو أن شخصاً مجرماً وظالماً فلن يموت مؤمناً، لأن الله كتب أنه من أهل الجنة فيدخل الجنة، ليس الأمر كذلك، ولا يمكن أن يأتي النبي ﷺ بما فيه إساءة الظن بِرَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 1423

لكن في هذا تنبيه لشيئين عظيمين، الأول: اتهام النفس والعمل، والثاني: عدم القطع لأحد بالجنة أو النَّار ورد الأمر إِلَى مشيئة الله ، أما اتهام النفس: لأنك مهما اجتهدت في الطاعات، فالأصل أن تبقى خائفاً من سوء الخاتمة، وتخاف أنها لم تُقْبل كما قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:٦٠] وليس هَؤُلاءِ الذين يزنون ويسرقون، بل هم الذين يتصدقون ويصلون ويعملون الطاعات، ولكن قلوبهم وجلة أنهم إِلَى ربهم راجعون، لايدرون أتُقبلت منهم أم لا -كما فسر ذلك النبي ﷺ فيدفعه ذلك إِلَى أن يجتهد، كما جَاءَ في حديث الشبهات (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه) فالذي يخاف من سوء الخاتمة عليه أن يزداد عمقاً في الخير والصدقة والإنفاق ومحاسبة النفس واتهامها فلا يأتيه العجب أو الغرور، فيكون ذلك أدعى إِلَى أن يلقى الله عَلَى خير وعلى خاتمة طيبة؛ ولكن لو أخذه الغرور والعجب ودخله الرياء، وأعجب بعمله -عجب بنفسه وأعجب النَّاس به- فهذا قد يكون سبب هلاكه وخسارته وضياعه. وأما الأمر الثاني فقد دل عليه حديث سهل بن سعد ﵁ (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النَّار -في الحقيقة وعند الله- وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النَّار فيما يبدو للناس وهو عند الله -في الحقيقة- من أهل الجنة) ، وأما الذي يعمل بعمل أهل الجنة وهو من أهل النَّار فكالمرائين والمنافقين يحجون، بل كانوا يجاهدون مع النبي ﷺ ، فهذا عمل أهل الجنة لكنهم في الحقيقة من المنافقين وأمرهم واضح.

стр. 1424

والأمر الخفي أو الأقل وضوحاً هو: أمر الذي يعمل بعمل أهل النَّار، وقد يكون في الحقيقة من أهل الجنة، وذلك لأننا لا نطلع عَلَى أحوال العباد جميعاً، فقد نرى شخصاً -مثلاً- مقصراً في بعض الصلوات فهذا عمل من أعمال أهل النار، ولكن لديه مثلاً مرض عضال لا يطلع عليه أحد، وهو صابر ويحتسب أجر هذا المرض عند الله وإذا رأيته تقول: هذا مقصر، وفي بعض الأوقات لا يأتي إِلَى المسجد لصلاة الصبح، لعل المرض يمنعه من الحضور، وإن كَانَ لا حرج أن نبني الحكم عَلَى الظاهر، لكن في الحقيقة يجب علينا أن نتهم علمنا، وأن نتهم أحكامنا، ونعرف أنها فقط عَلَى الظاهر، أما عند الله فلا ندري لعل هذا الرجل الذي نراه جلفاً غليظاً قاسياً ونقول: هذا من أهل النَّار ربما كَانَ براً بوالديه. نَحْنُ لا نرى ماذا يصنع مع أمه وأبيه، وربما كَانَ ممن يتصدق في السر، وإن كَانَ يفعل بعض المعاصي في العلن، وهكذا فقد يأتي الإِنسَان بعمل أهل الجنة في الظاهر وهو في الحقيقة عند الله من أهل النَّار، أو يعمل بعمل أهل النَّار في الظاهر، وهو في الحقيقة عند الله من أهل الجنة. جف القلم بما هو كائن قال الإمام الطّّحاويّ ﵀:- [وكل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله] قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: تقدم حديث عَلِيّ ﵁ وقوله ﷺ فيه: (اعملوا فكل ميسر لما خُلق له) .

стр. 1425

وعنزهير عنأبى الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄، قَالَ: ﴿جَاءَ سراقة بن مالك بن جعشم فقَالَ: يا رَسُول الله! بين لنا ديننا كأنا خُلقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟ قَالَ: لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، قَالَ: ففيم العمل؟ قال زهير: ثُمَّ تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه، فسألت ما قال؟ فقَالَ: اعملوا فكل ميسر﴾ رواه مسلم. وعن سهل بن سعد الساعدي رضى الله عنه، أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النَّار فيما يبدوا للناس، وهو من أهل الجنة) خرجاه في الصحيحين. وزاد البُخَارِيّ (وإنما الأعمال بالخواتيم) . وفي الصحيحين أيضاً عن عبد الله بن مسعود ﵁، قَالَ: حدثنا رَسُول الله ﷺ -وهو الصادق المصدوق- (إن أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثُمَّ يكون علقة مثل ذلك، ثُمَّ يكون مضغة مثل ذلك، ثُمَّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبقُ عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النَّار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النَّار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) . والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وكذلك الآثار عن السلف قال أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد قد أكثر النَّاس من تخريج الآثار في هذا الباب، وأكثر المتكلمون من الكلام فيه، وأهل السنة مجتمعون على الإيمان بهذه الآثار واعتقادها وترك المجادلة فيها، وبالله العصمة والتوفيق] اهـ. الشرح:

стр. 1426

قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [تقدم حديث عَلِيّ ﵁ وقوله ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) ] وهذا الحديث قد تقدم شرحه. ثُمَّ قال ﵀: [وعن زهير عنأبي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ قَالَ: (جَاءَ سراقة بن مالك بن جعشم فَقَالَ يا رَسُول الله! بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟) هذا الصحابي الجليل سراقة بن مالك بن جعشم يسأل عن هذا الموضوع المهم، موضوع القدر، الذي يرد كثيراً على أذهان جميع البشر مؤمنهم وكافرهم، لماذا جئنا؟ ولماذا نعمل الشر؟ ولماذا نعمل الخير؟ وهل ما نعمله مكتوب أم مستأنف جديد؟ وأمثال ذلك من الأسئلة الكثيرة التي تتعلق بموضوع القضاء والقدر. فرأى الصحابي الجليل ﵁ أن يسأل عن ذلك أعلم الخلق بالله وبأوامره وأقداره وهو رَسُول الله ﷺ ، الذي علَّم الإِنسَانية جميعا طريق الهدى والخير، فسأله سؤال المستفهم المُلِح يا رَسُول الله! بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن؟ وكأننا لا نفهم من قبل شيئاً، فكأنه يريد أن يقول: افترض أنه لا علم لنا بإطلاق، وأنك ستعلمنا هذه الحقيقة لنفهمها ونؤمن بها ونعتقدها منذ هذه اللحظة. فكان السؤال: فيم العمل اليوم؟ ثُمَّ فسر "ما " هذه بأحد احتمالين: قَالَ: (أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟) أي: هذا العمل الذي نعمله يومياً من الطاعات أو المعاصي، من الخير أو الشر، أهو فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أي: أمر كتب وقضي، وفرغ منه، أم هو فيما نستقبل؟ أي: نعمله دون أن يكون قد كتب وجرت به المقادير، وجفت به الأقلام.

стр. 1427

فنحن نعمل أعمالاً بإرادتنا واختيارنا نعرف الخير منها ونعرف الشر، ففي أي الحالتين هذه الأعمال يا رَسُول الله؟ أهي فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ إذ نَحْنُ نفكر ونهم ثُمَّ نعزم ثُمَّ نختار ثُمَّ نفعل الأمر فحينئذ يكون أمراً جديداً حدثاً لم يكن قد قضي وقدّر من قبل. فأجاب النبي ﷺ فقَالَ: (لا؛ بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير) وهذا إثبات لمرتبتي العلم والكتابة، وإن قلنا: مرتبة الكتابة فصحيح، لأن مرتبة الكتابة تتضمن العلم. (قَالَ: ففيم العمل؟) وقد ورد هذا السؤال من قبل في حديث عَلِيّ ﵁ المخّرج في الصحيحين لما كَانَ رَسُول الله ﷺ في بقيع الغرقد عند دفن تلك الجنازة فقيل له: (يا رَسُول الله! أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟) وهنا في هذا الحديث يقول سراقة: (يا رَسُول الله -مادام أن الأمر قد قضي وقدر، وجفت به الأقلام، وجرت به المقادير- ففيمّ العمل؟ قال زهير: ثُمَّ تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه، فسألت ما قال؟ فقَالَ: (اعملوا فكل ميسر) . أي أن النبي ﷺ أعاد لسراقة نفس القول الذي ذكره في حديث عَلِيّ وهو في حديث عَلِيّ أطول، إذ فيه يقول الرَّسُول ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثُمَّ قرأ رَسُول الله ﷺ الآيات من سورة الليل وهي: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل:٥-٧] . أي: هذا الذي هو من أهل السعادة ميسر لعمل أهل السعادة، وهو أن يعطي ويتقي ويصدق، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى -وهذه صفات أهل الشقاوة- فميسر له عمل أهل الشقاوة.

стр. 1428

فهذا الحديث هو تأكيد وتحقيق لما سبق في حديث عَلِيّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فلا مجال إذاً أن يقال: فيم العمل؟ أو أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ لأن الإِنسَان لا يخلو عن العمل فهو عامل إما أن يعمل بالطاعة أو يعمل بضدها فلا بد من العمل، والحل هو كما قال الصحابة رضى الله تَعَالَى عنهم في الرواية الأخرى (قالوا: إذاً نجتهد) فما دام الأمر متروكاً لنا (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) . فالواجب علينا أن نجتهد، وأن نعمل الطاعات، ونجتهد في اجتناب المحرمات، وبذلك نكون قد سلكنا طريق أهل السعادة وابتعدنا عن طريق أهل الشقاوة، فهذا من فضل الله ومن حكمته ورحمته أن جعل الأمر بيد المخلوقين ولذلك يجازيهم عليه، لأنه جعل المسؤولية عليهم، فهم يسألون عن أمر قد علموا أنهم مسئولون عنه. ثُمَّ يؤكد ويؤيد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هذين الحديثين بحديث ثالث وهو حديث سهل بن سعد الساعدي رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النَّار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة) هذا الحديث المتفق عليه وزاد البُخَارِيّ جملة مهمة وهي (وإنما الأعمال بالخواتيم) . والغرض من إيراد هذا الجزء هو إثبات الكتابة وإثبات العلم، ونأخذ ذلك من قوله ﷺ : (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس) هذا في العلم البشري (وهو من أهل النَّار) في علم الله وفي كتاب الله أنه مكتوب من أهل النار، وعكسه الرجل يعمل بعمل أهل النَّار فيما يبدو للناس في العلم البشري، لكنه في علم الله من أهل الجنة، فمكتوب عند الله في ديوان أهل الجنة.

стр. 1429

وسبب الحديث هو الرجل الذي كَانَ في جيش النبي ﷺ يقاتل مع الصحابة الكرام، وكان لا يدع للمشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه فَقَالَ الصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم: (ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان) فيما يظهر لهم لأنه يبلي بلاءً شديدا ويقاتل، ويميل على الْمُشْرِكِينَ يمنة ويسرة يضربهم بالسيف حتى قال الراوي: (لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه) . فكان الصحابة الكرام يثنون عليه -هذا العلم البشري الظاهر- يثنون على بلائه وجهاده وشجاعته، وإذا بالنبي ﷺ يقول: (أما إنه من أهل النَّار) فَكُبر ذلك على أصحاب النبي ﷺ وشق عليهم حتى قال بعضهم: (كدت أن أفتتن) فالأمر إذاً خطير، كيف نرى إنساناً يعمل هذه الأعمال من الطاعات والقربات والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب العلم وأمثال ذلك، ويكون من أهل النار؟ هذا شيء عجيب!

стр. 1430

ولو أن النَّاس اطلعوا على الغيب لربما ذهلوا من كثرة ما يقع من هذه الحالات، ولو أن الله يطلعنا على الغيب لوجدت أن فلاناً الذي تحبه وتثق فيه وتظن فيه الدين والخير والإيمان من أهل النار، وفلاناً الشرير الذي لا تطمع فيه بخير ولا تنظر إليه بعين من أهل الجنة، فتستغرب ذلك، وربما ضلت وزاغت عقول، ولروبما فتنت قلوب، والمخرج من هذا وحتى لا يزعزع القلوب ولا يزلزلها أبداً هو عندما يؤمن الإِنسَان حقيقة بأن علمه قاصر، وأن نظرته محدودة، وأن الله هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأن الأمر ليس منه ظلماً، أي: لا يجوز لنا أن نسيئ الظن بربنا، فنرى إنساناً عابداً تقياً زاهداً ثُمَّ يختم له بخاتمة سوء فنقول: ما دام أن هذا الرجل ختم له بالسوء فمن يأمن ربه تَعَالَى الله عن ذلك، لا نأمن أن يدخل الأولياء الصالحين العبُّاد النَّار، أو أن يدخل الفجار الأشرار الجنة. إذاً: المسألة مجرد احتمال، فيرجع الأمر إِلَى محض المشيئة، وهذا خطأ عظيم وقع فيه كثير من أرباب السلوك، المربون الذين يسمون بأهل السلوك من المتصوفة وغيرهم، الذين ظنوا أن الأمر راجع إِلَى محض المشيئة، فشاء لهذا فأدخله النار، وإن عمل ما عمل من الطاعات، وشاء لهذا فأدخله الجنة وإن عمل ما عمل من المعاصي لأن الأمر مشيئة فقط، والحق أن الأمر ليس متعلقاً بالمشيئة وحدها بل متعلق بغيرها، نعم المشيئة متعلقة بكل شيء، فلا يقع من شيء في الكون طاعة كَانَ أو معصية إلا بالمشيئة، هذا أمر مفروغ منه، لكن زيادة على المشيئة هنالك عدل الله وحكمته وأنه تَعَالَى لا يظلم أحداً أبداً. وهنالك وجوب إحسان الظن بالله كما قال ﷺ : (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه) فكيف يسيء العبد ظنه بربه إِلَى هذا الحد، ويجعل الأمر أمر مشيئة.

стр. 1431

إذاً فلماذا شرع الدين، وأنزلت الكتب؟ ولماذا أرسل الرسل إذا كَانَ الأمر محض مشيئة؟ لا يمكن ذلك أبداً. فلما أثر الحديث على الصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم ولما شق عليهم الأمر وحال هذا الرجل: (قال أحدهم: أنا صاحبه) قَالَ: أنا سأتتبعه لأرى كيف يعمل بعمل أهل الجنة وهو من أهل النَّار قَالَ: (فخرج معه كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجرح الرجل جرحاً شديداً فاستعجل الموت) . أصابه جرح شديد بالغ فلم يتحمل الألم فاستعجل الموت (فوضع نصل سيفه من الأرض وذبابه بين ثدييه ثُمَّ تحامل عليه -واتكأ بنفسه على السيف- فقتل نفسه) . فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدوا للناس، وهو من أهل النَّار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النَّار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة) فأيقن الصحابة الكرام رضى الله تَعَالَى عنهم لما رأوا واطلعوا على ذلك الحدث، والذين لم يروا الرجل من الصحابة عندما وقعت له هذه النهاية السيئة والخاتمة السيئة -نعوذوا بالله من سوء الخاتمة- وإنما رأوا أفعاله الحسنة وجهاده، ثُمَّ سمعوا كلام رَسُول الله ﷺ فيه وقوله: (أما إنه من أهل النَّار) . فالواجب عليهم التسليم، ومع ذلك يجب عليهم حسن الظن بالله حتى لا يخطر على العقول أنني قد أعمل الطاعات وأجتهد فيها، ثُمَّ لا أدري إلا وقد قُذف بي إِلَى النار، ليس الأمر كذلك، هذا الرجل عمل الطاعة فيما يبدو للناس، لكن لما كَانَ قلبه منطوياً على غير ذلك، ظهر أثر ذلك عندما عجّل نفسه إِلَى ربه.

стр. 1432

فالمجاهد المخلص يصبر على القتال، ويصبر على الجرح والألم، بل الإِنسَان حتى في غير الجهاد لا يجوز له أن يقتل نفسه، بل يجب أن يصبر على أي بلاء يبتلى به، فلما أن فعل الرجل ذلك انكشفت الحقيقة التي لم نكن نعلمها لولا أن رَسُول الله ﷺ قد أخبر بها من قبل، ثُمَّ شوهدت بالعين، وهي: أن عمل ذلك الرجل إنما كَانَ عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، في ظاهر علمنا البشري فقط، وإلا فخاتمته خاتمة سوء، ونهايته نهاية سوء، نسأل الله العفو والعافية. من الخطأ الاقتصار على جانب الترهيب في الموعظة قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالخواتيم) ولا بد أن نفهم هذه الحقيقة التي ضل فيها كثير من النَّاس، فقد كَانَ من المشهورين بالوعظ والتذكير والتربية عَلَى هذا الأمر الحارث المحاسبي واشتهر بذلك لأنه كَانَ يُعلِّم مريديه وتلاميذه المحاسبة، فيأمرهم أن يحاسبوا أنفسهم، ويعلم النَّاس في المساجد دقائق الأمور فَيَقُولُ: حاسب نفسك عَلَى المعصية فلا تقع في معصية، وإذا اجتهد الإِنسَان وأخلص وعمل الطاعة عَلَى الوجه الصحيح، وهو مخلص وصادق، أيضاً جاءوا إليه وأخذوا يكلمونه ويقولون: لا تدري ما نهايتك عند الله ربما تكون من أهل النار، وعمقوا هذا الكلام وربوا النَّاس عليه وأكثروا منه كانت النتيجة: أن قنط الأتباع، ولم يثقوا في عدل الله ولا في حكمته.

стр. 1433

وأهُمِلَ الجانبُ الآخر جانب الرجاء والترغيب فيما عند الله، والتذكير بسعة رحمة الله، وأنها سبقت غضبه، وأن أمره متردد بين الفضل وبين العدل، ولا يخرج عن العدل بأي حال من الأحوال إلى الظلم، تُرك هذا الجانب بقصد أن يتزكى الناس، وأن يخلصوا أعمالهم، فلما سلك أُولَئِكَ الشيوخ هذا المسلك المخالف لهدي النبي ﷺ ، ولهدي القُرْآن الذى نراه بين أيدينا يأتي بأهل الجنة وبأوصافهم وأحوالهم، ثُمَّ يعرض لأهل النَّار وأوصافهم وأحوالهم، وإذا جاءت آيات في الترهيب جاءت آيات في الترغيب، فهذه هي التربية السليمة القويمة، لكن مجرد التركيز عَلَى جانب الترهيب فقط، فقد يؤدي إِلَى أن يقنط بعضهم وييأس. ولو أن التخويف كان عند أهل المعاصي، لكان أقرب، مع أنه حتى أهل المعاصي لا ينبغي ولا يصح أن نأخذهم بمجرد التخويف، أرأيتم لو أن أناساً ممن يشربون الخمر ويزنون ويفعلون، من المحرمات ما يفعلون وكان الواعظ يعظهم دائماً بالتخويف. فإنه سينتج عندهم -أو عند بعضهم- هذه الحالة، وهو أن ييأس فيقول له الشيطان: أنت إذاً من أهل النَّار فاستمر عَلَى عمل أهل النار، فيستمر ولا يتوب، لكن لو اقترن بعد الترهيب وبعد الوعظ الشديد والزجر والردع عن هذه المعاصي القول بأن الله غفور رحيم، وأن رحمته سبقت غضبه، وأنه تَعَالَى يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وأنه يبدل السيئات حسنات لمن تاب، وأنه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، ويقبل التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها.

стр. 1434

فأنت في هذه الحالة بعد أن خوفتهم تماماً، أصبحوا يريدون أن يبحثوا عن المخرج، وأنت قد أعطيتهم المخرج، وهذا هو المخرج في أن يتوبوا إِلَى الله ويعودوا إليه ولن يردهم أبداً، بل يكفر عنهم ما أسلفوا من الخطايا ويقبلهم ويظهرهم منها، ويبدل تلك الخطايا والموبقات حسنات عظيمة، وهذا الترغيب مما يجعل التائب يقبل عَلَى الطاعة ويقلع عن المعصية، فهذا هو هدي القُرْآن وعليه ربى النبي ﷺ أصحابه، فكان ﷺ يأخذ كبار الصحابة المتمسكين الأوابين المخبتين، بالحساب عَلَى الدقائق، ولكنه ﷺ كَانَ يعامل المذنبين والمخطئين والمقصرين المقبلين إليه بالرحمة، وبالقبول وبالسعة، ليؤوي أولئك، ويحتضنهم هَؤُلاءِ. أما أُولَئِكَ المقربون فليزدادوا رفعة، وليزدادوا في درجة الإحسان، فهذه التربية الحكيمة لا بد منها، أما ما يفهمه كثير من الناس، وكثير من الوعاظ من أمثال هذه الأحاديث أنها لمجرد التئييس والتقنيط الذي يصل بالنَّاس إِلَى أن يسيئوا ظنهم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ فهذا غير صحيح، وإن كَانَ لابد أن نتعظ ونعظ النَّاس بها لكن عَلَى الفهم الصحيح وقد وقع أهل الكلام في مثل هذا الفهم الخاطئ. فهذا مذهب الأشعرية القائلين بأن الأمر يرجع إِلَى المشيئة المحضة، فإن شاء جعل إبليس وجنوده في الجنة، وجعل أعظم الأولياء -ولا يقولون: محمداً ﷺ تورعوا عن الكلمة، وإلا فهذا مرادهم- وجعل أعظم الأولياء والصالحين في النار.

стр. 1435

وهذا ليس مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في الإيمان بالقدر، وإنما نؤمن بالقدر عَلَى أساس الإيمان معه بحكمة الله ، والإيمان معه بعدل الله : (يا عبادي إني حرمت الظلم عَلَى نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) . فهو الغني لم يظلمهم، وهو الغني عن طاعتهم، كما أنه لا تضره معصيتهم، إذاً فالأعمال بالخواتيم. العبرة المأخوذة من حديث الصادق المصدوق والحديث الآخر حديث الصادق المصدوق الذي نفهم منه العبرة التي أشرنا إليها فيما مضى وهي تتكون من أمرين: الأمر الأول: هو اتهام النفس، فلا يتهم ربه، وإنما يتهم الإِنسَان نفسه بالتقصير، ويعاملها بالاتهام ليدفع عنها الغرور والعجب، دون أن يخرجه ذلك إِلَى حد سوء الظن بالله، أو اليأس من رحمته؛ لأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، فلا ييأس الإِنسَان من روح الله ولا يقنط من رحمته، لكن ليجتهد في الطاعات، ومع ذلك يتهم نفسه وعمله ولا يدري أُقِبل عمله أم لم يُقبل؟ مع ثقته في أن الله لن يضيع عمل عامل من المؤمنين أبداً. الأمر الثاني: عدم القطع لمعين بجنة أو نار؛ لأننا لا ندري، فقد نرى الإِنسَان يعمل عمل أهل الجنة فيما يظهر لنا، أو نراه يعمل بعمل أهل النَّار فيما يظهر لنا، والحال أنه يكون بخلاف ذلك عند الله، وهل يعني هذا أن نشك في أهل الخير والصلاح ولا نثق بهم؛ لأنه يمكن أن يكونوا من أهل النار، وأن نتودد أو نحسن الظن بالمجرمين، لأنهم يمكن أن يكونوا من أهل الجنة كما يفهم بعض النَّاس وكما فهم ذلك المتكلمون والأشعرية وغيرهم.

стр. 1436

بل المقصود أنك إذا رأيت عبداً في طاعة وتقوى وإخلاص وعلم وجهاد وأمر بمعروف ونهي عن المنكر، وكل أعمال الجنة التي جعلها الله أسباباً توصل إِلَى رضاه وإلى جنته، فإنك تحبه وتواليه وترجو له الجنة ولا تقطع؛ لأنك لا تدري عن الحقيقة، فعدم علمك بالحقيقة لا يجعلك تيأس أو تسيئ الظن به، بل يجعلك لا تجزم له فقط، وترجو له الثواب. . فإذا مات نرجو أن يكون من أهل الجنة فنقول: ما علمناه إلا صالحاً، وما علمنا عليه إلا الخير، هكذا نحسبه والله حسيبه، ولا نزكي عَلَى الله أحداً، كما علمنا النبي ﷺ ، وأما الآخر صاحب الفجور والظلم والمعاصي والقبائح والموبقات، فإنك تخاف عليه من النار؛ لأنه يعمل بعمل أهل النَّار هذا الذي يظهر لك، وتخاف عليه منها، ولكن هل تجزم له بذلك، لا؛ لأنك لا تدري، ربما يكون له حسنة لا تعلمها، وإلا فإن شهادة المؤمنين معتبرة، كما في الحديث الصحيح (أنه مر عَلَى النبي ﷺ بجنازة فسأل الصحابة فأثنوا خيراً، فقال: وجبت، ثُمَّ مُر عليه ﷺ بجنازة أخرى فسألهم فأثنوا شراً، فقال: وجبت، ثُمَّ قال النبي ﷺ : أنتم شهداء الله في الأرض) والصحابة الكرام لم يقولوا: هذا من أهل النَّار يا رَسُول الله! ولا قالوا: هذا من أهل الجنة يا رَسُول الله، وإنما أثنوا عَلَى صاحب الخير خيراً، وذكروا صاحب الشر أيضاً بالشر.

стр. 1437

إذاً: إذا رأيت إنساناً مات ووجدت أهل الخير يثنون عليه خيراً، فإنك ترجو له الجنة وتزكيه، ولا تزكي عَلَى الله أحداً، ولكن ترجو له الخير والثواب؛ لأن هَؤُلاءِ هم شهداء الله في الأرض، لكنك لا تجزم؛ لأنك لا تعلم الغيب، وعكسه لو ذكر إنسان بالشر، وسمعت أهل الخير والإيمان والصلاح يذمونه، فإنك أيضاً تظن فيه الشر والسوء، وتخاف عليه من العذاب، تتوقع له ذلك لكن لا تجزم؛ لأنك حينئذ تقع في الخطأ والخلل، ويجب أن نوفق بين كون المؤمنين شهداء الله في الأرض، وبناءً عَلَى شهادتهم تجري الأحكام الظاهرة، أما علم الغيب الأحكام الباطنة فهي عند الله ، وبين إيماننا بأن الله عدل، بأنه حكم قسط، وأنه حكيم، وبين إيماننا أيضاً بأن مشيئته تنفذ، وأن من كتبت له الشقاوة فهو من أهلها، وأيضاً من كتبت له السعادة فهو من أهلها، هذا الذي يجب وينبغي لعباد الله حيال ذلك. أما حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين قَالَ: (حدثنا رَسُول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق) . عبد الله بن مسعود ﵁ يروى عن النبي ﷺ كثيراً من الأحاديث، وهذا الحديث بالذات يقول فيه: وهو الصادق المصدوق؛ لأن هذا الحديث يتضمن أموراً عجيبة، لا تُعلم إلا من طريق الوحي، وربما زلت فيها الأفهام، وضلت فيها العقول، وهو أمر القدر. فيقول رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (وهو الصادق المصدوق) يوطئ لما سيخبرك عنه، فكأنه يقول: أيها العبد المؤمن صدق رَسُول الله ﷺ ، فهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ويقول: اسمعوا ما أقوله لكم من الصادق المصدوق وطنوا أنفسكم عَلَى قبوله، وهيؤها لتلقيه بالإيقان، وبالإعتقاد الجازم وعدم الشك أو التردد، لأنه صادق مصدوق ﷺ .

стр. 1438

قَالَ: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثُمَّ يكون علقة مثل ذلك، ثُمَّ يكون مضغة مثل ذلك، ثُمَّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النَّار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النَّار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) . فمضمون هذا الحديث هو نفس رواية حديثسهل المتقدم بزيادة البُخَارِيّ رضى الله تَعَالَى عنه وهي قوله: (إنما الأعمال بالخواتيم) . أنواع الكتابة والمصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يريد أن يثبت لنا في هذا الحديث مرتبة العلم والكتابة، ولهذا ذكر ذلك فقَالَ: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ... ) إِلَى أن قال: (ثُمَّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله..) . فالمقصود إذاً هو الكتابة، وهي كتابة فردية لنفس الفرد، والكتابة الكونية: هي أول ما خلق الله القلم فَقَالَ له: اكتب، فكتب مقادير كل شيء وعرشه عَلَى الماء، فالكتابة الكونية كتابة تتعلق بالكون كله، وأما الكتابة في هذا الحديث فهي الفردية، والكتابة الكونية تتضمن الفردية لا العكس، ففي ذلك اللوح كتب شأن كل إنسان. ولهذا قال من قال من السلف في قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون [الجاثية:٢٩] قَالَ: [وهل يكون النسخ إلا من أصل] أي: الملائكة تطابق عَلَى ما في اللوح المحفوظ، فتستنسخ ذلك، وما تنسخه من اللوح المحفوظ هو ما يفعله العباد تماماً، وما محي من ذلك فليس في الأصل، وهو أم الكتاب يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩] .

стр. 1439

فالكتابة الكونية هي الكتابة التي كتبها الله ﵎ أول ما خلق القلم، ولم يكن حينئذ من المخلوقات المعروفة لنا إلا العرش والماء -كما سيأتي- ثُمَّ خلق القلم قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وأمره أن يكتب كل ما هو كائن هذا نوع من الكتابة. والنوع الثاني: الكتابة النوعية: أي التي تشمل النوع الإِنسَاني كله، وهي ما أخذه الله من الميثاق لما استخرجهم من ظهر آدم، وكتب أن هَؤُلاءِ في الجنة وهَؤُلاءِ في النَّار، ثُمَّ الكتابة الفردية التي تتعلق بكل فرد في ذاته، وذلك عندما يأتيه الملك لينفخ فيه الروح ويكتب ما يتعلق بهذا الفرد في ذاته، من رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. ثُمَّ الكتابة الحولية: وهي ما يكون في ليلة القدر، أي: التقدير الحولي الذي يقدره الله ﵎ في ليلة القدر من هذه الليلة إِلَى مثلها من العام القادم، ثُمَّ بعد ذلك التقدير اليومي وهو: الإيجاد والخلق والتدبير، يدبر الله ﵎ هذا الكون، ويخلق ويوجد فيه ما قدره كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:٢٩] ، وقوله ﷺ : (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثُمَّ يكون علقة مثل ذلك، ثُمَّ يكون مضغة مثل ذلك، ثُمَّ يرسل إليه الملك) . النطفة: تطلق في لغة العرب عَلَى القليل من الماء، والمقصود بذلك هو الماء الذي يخلقه الله ليقذف في الأرحام، ثُمَّ يكون علقة، والعلقة: هي الدم المتختر المتجمع، وهذه العلقة هي الحيوان المعروف في المياه، والمضغة هي القطعة من اللحم بقدر ما يمضغ الإِنسَان. والمقصود أن هذه الثلاث المراحل معروفة وجاءت في الكتاب الحكيم، ثُمَّ جاءت في هذا الحديث تصديقاً لذلك (ثُمَّ يرسل إليه الملك) ثُمَّ هذه الأخيرة متى؟ بعد الثلاث المراحل أو بعد مرحلة منها.

стр. 1440

الخلاف في تحديد زمن نفخ الروح يرى بعض العلماء أن هذه المراحل عَلَى ظاهرها في الترتيب، أي أن الملك ينفخ فيه الروح بعد مائة وعشرين ليلة، فهذا وجه فهمته طائفة من العلماء، وطائفة أخرى قالوا: إن نفخ الروح يكون بعد الأربعين الأولى: وفي بداية الطور الثاني وهو طور العلقة، ويستدلون عليه بأحاديث صحيحة منها حديث حذيفة: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثُمَّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح) وقوله: (ثُمَّ يكون علقة مثل ذلك، ثُمَّ يكون مضغة مثل ذلك) استطراد فاصل لبيان أن هذه المراحل كل مرحلة منها مدته أربعون ليلة، ولا يكون المقصود أن النفخ مترتب عَلَى المراحل، هكذا فهم بعض العلماء، وتعارضت بذلك الأحاديث والله ﵎ أعلم، وهذا الأمر اختلف فيه أيضاً الأطباء واختلفت أنظارهم فيه، وإن كَانَ الطب الحديث كما سمعنا ونقرأ -وعلمنا بذلك محدود- يميل إِلَى القول إِلَى أنه يكون نفخ الروح في الطور الثاني، إلا أن هناك قولاً لابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ربما يحل الإشكال لو تأملناه، أو لو ثبت لدينا بطريق القطع يقول ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هنالك ملكان: أحدهما: ملك موكل بالنطفة، وهذا يأتي علي رأس الأربعين أو بعد اثنتين وأربعين ليلة لحديث حذيفة، وأما الملك الذي يكتب الأربع كلمات فهو: ملك آخر وهو يأتي عَلَى رأس المائة والعشرين ليلة، فكأن النطفة تمر بها حالتان: الحالة الأولى: يأتيها الملك الموكل بها يغيرها ويقلبها من طور إِلَى طور، وقد تنفخ فيها الروح وتكون ذات حياة، لكن هذه الحياة حياة خاصة حياة جنينية، وأما الحياة التي هي الحياة الحقيقية التي يكون بها الإِنسَان بشراً فهي بعد المائة والعشرين والله تَعَالَى أعلم.
следующие страницы →