Полный текст (1 990 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فنقول: الفرق عظيم بين ما يتصف به المخلوق وبين ما يتصف به الخالق ، فإن حياة الله هي من لوازم ذاته، فهو الحي بذاته ، أما ما في الجنة من الملائكة وغيرهم إنما هم أحياء بإحياء الله لهم، فالله هو الذي أحياهم وهو الذي وهبهم الحياة، وإن كانت هذه الحياة هي فعلاً أكمل من الحياة الدنيا، وهي حياة حقيقية بالنسبة للحياة الدنيا العارضة الزائلة العابرة.
فالله الحي بذاته، وأما غيره فإنما هو حي بإحياء الإله له، وليس الأحياء في الجنة ذاتهم من لوازم ذواتهم أن يكونوا أحياءً، ولكن الله هو الذي يمنحهم الحياة، ولو شاء لأهلكهم جميعاً ﵎، فما يليق بالخالق له شأن، وما يليق بالمخلوق له شأن آخر.
والقيوم: يدل عَلَى معنى الأزلية والأبدية، يعني: عَلَى معنى: ما لا أول له ولا بداية له في الأزل، وعلى معنى: ما لا نهاية له في الأبد، فهو أعظم دلالة من اسم القديم، فإن اسم القديم وإن دل في الاصطلاح -لا في أصل اللغة- عَلَى ما لا أول له، فإنه لا يدل عَلَى ما لا آخر له.
وقد سبق أن الاسم الذي جَاءَ في القُرْآن ويدل عَلَى معنى القديم عند المتكلمين هو اسم الله "الأول"، والأول والآخر فسرها النبي ﷺ بقوله: " (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء) فالقيوم: يدل عَلَى معنى الأزلية والأبدية بما لا يدل عليه أي اسم.
ومنها: القديم، ويدل عَلَى كونه قائماً بنفسه، موجود بذاته ، فهو يدل عَلَى معنى كونه واجب الوجود -أي في اصطلاح الفلاسفة - والقيوم أبلغ من القيام؛ لأن الواو أقوى من الألف، فالقيوم بما أنه ورد في القُرْآن فلا شك أنه أبلغ من القيام؛ وإن كَانَ معناها واحداً.
وهل ورد القيام في شيء من الكتاب أو من السنة؟
стр. 212
نعم ورد القيام في حديث دعاء النبي ﷺ المشهور: كَانَ إذا قام إِلَى الصلاة في جوف الليل قَالَ: (اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيام السموات والأرض وما فيهن، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن ... ) إِلَى آخر الحديث.
والمعنى واحد، لكن الأبلغ هو القيوم، وهو أيضاً يفيد قيامه بنفسه باتفاق المفسرين، وأهل اللغة، وذلك معلوم بالضرورة.
لكن هل كونه قيوماً يفيد أن غيره لا يقوم إلا به؟
في المسألة قولان، وأصحهما أنه يفيد ذلك، أن غيره لا يقوم إلا به، فهو قريب من اسمه الصمد في قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَمَدُ [الإخلاص:١-٢] والصمد: هوالذي تعتمد عليه الخلائق في حوائجها، والذي لا يستغني عنه أي مخلوق، وهو غني عن جميع المخلوقات.
وكذلك القيوم الغني الغنى المطلق عن كل من عداه، ومع ذلك فإن ما عداه لا يقوم إلا به ، فهو يفيد دوام قيامه وكمال قيامه -كما قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- لما فيه من المبالغة، فهو سبحانه لا يزول ولا يأفل.
وأخذ المُصنِّفُ ذلك من نظر إبراهيم ﵇ لما أراه الله ملكوت السموات والأرض، وناظر قومه فجادلهم، فرأى كوكباً. فقَالَ: هذا ربي.
стр. 213
فلما أفل قَالَ: لا أحب الآفلين، ثُمَّ رأى القمر، ثُمَّ رأى الشمس -كما في سورة الأنعام-، فالآفل لا يمكن أن يكون رباً معبوداً من دون الله، فالقيوم ينفي الأفول وينفي الزوال عن الله ، فهو قيوم قائم بذاته ، ولا قوام لغيره إلا به، وهو الذي قامت له السموات والأرض بإقامته لها، فالله هو ربها، وهو الصمد الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، والذي لولاه لما كانت هذه المخلوقات جميعها، فهو الدائم الباقي الذي لم يزل ، ولا يفنى ولا يعدم ولا يزال موصوفاً بصفات الكمال.
فالحي: يدل عَلَى كمال الحياة، والقيوم يدل عَلَى كمال الغنى، ومن هذين الاسمين معاً نفهم أن جميع صفات الكمال ونعوت الجلال ترجع إليهما، ولهذا كانت آية: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:٢٥٥] أعظم آية في القرآن، كما ثبت ذلك في حديث أبي بن كعب لما سأله النبي ﷺ : (يا أبا المنذر! أي آية أعظم في كتاب الله ؟ فَقَالَ له: آية الكرسي. فَقَالَ له: ليهنك العلم أبا المنذر) وهذا دليل عَلَى علم أبي بن كعب ﵁ حيث عرف أعظم آية في كتاب الله .
فعلى هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها، وإليها ترجع معانيها.
فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال، فلا يتخلف عنها صفة من الصفات إلا لضعف الحياة، فمثلاً: ضعيف القدرة دليل عَلَى أن حياته غير كاملة، وكذلك ضعيف الإرادة، فهذا يدل عَلَى أن حياته غير كاملة، وهكذا كل صفة.
لكن الذي يتحقق فيه كمال الحياة يستلزم أن يكون لديه كمال القدرة، وكمال الإرادة، وكمال الحكمة، فترجع هذه الصفات جميعاً إليه ، ويكفي غير الله أنه فانٍ وهالكٌ وميتٌ، والله هو الحي.
стр. 214
فغير الله لا يمكن أن يكون قيوماً، ولا يمكن أن يكون قَيَاماً؛ لأن غير الله محتاج مفتقر بذاته إِلَى الله لأنه لولا الله لما وجد، فهو مفتقر إِلَى الله في إيجاده وفي كل أمر من أموره.
فينبغي للمؤمن أن يتأمل في معاني هذه الاسمين، وأن يدعو الله بهما، وأن يتقرب إِلَى الله بمعرفة أسمائه وصفاته، ومنها هذان الاسمين: "الحي القيوم "، وهذه المعرفة هي التأمل والتفكر في عظمة الله المستلزمة للإخبات والخشوع والتذلل والرهبة والرغبة إِلَى الله.
وقال بعض الضُّلال: مادام أن هذا الاسم فيه خصائص عظيمة فنحن نجعله الاسم الذي يردد في غالب الأذكار عَلَى طريقتهم البدعية التي ورثوها عن قدماءالمجوس والهنود وأمم الشرك والضلال.
فتجدهم يقولون: الله حي، الله حي، الله حي، ويرددونها آلاف ومئات المرات، ويرقصون رقصاً شديداً، ويقولون: هذا من خواص هذا الاسم "الحي"، كما يروى عن يحي بن معاذ الرازي كما في ترجمته في الحلية أنه أنشد يقول:
دققنا الأرض بالرقص على غيب معانيك
ولا عيب عَلَى الرقص لعبد هائم فيك
وهذا دقنا الأرض إذا طفنا بواديك
١
إن حقائق اسم الله تَعَالَى ليست لمثل هذه التعبدات الضالة، وليس استخدامها أيضاً فيما يسمى بالرقى أو الحجب، وهو أن يكتب: يا حي يا قيوم، أو الحي عدة مرات، ويظن صاحبه أنه يتحقق بذلك الشفاء أو نحو ذلك، وإنما هي في استشعار عظمة الله تَعَالَى والخضوع والتذلل له وطاعته، ولهذا نجد أن أبا العلاء المعري - الشاعر الزنديق الذي اعترض حتى عَلَى أحكام الله يقول:
يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار
وأمثال ذلك من الضلالات أو الشركيات الموجودة في ديوانه.
стр. 215
وقال لما سمع أن هَؤُلاءِ القوم يجلسون ويجتمعون في المساجد، وتحضر لهم الموائد -تهدى لهم من الأمراء والملوك- فإذا أكلوا وشبعوا قاموا يرقصون ويقولون: حي حي، هو هو، إِلَى آخره لما بلغه هذا قال:
أرى جيل التصوف شر جيل فقل لهم وأهون بالحلول
أقال الله حين عشقتموه كلوا أكل البهائم وارقصوا لي
وأبو العلاء هذا الزنديق يطعن في الدين؛ لأنه يظن أن هَؤُلاءِ هم أهل الدين.
فأولى بهَؤُلاءِ أن يتأملوا ويتفكروا إذا كَانَ الزنادقة عرفوا أن محبة الله ليست بأن يملؤا بطونهم ويرقصوا له، فكيف بمن يدعون الولاية العظمى، أو القطبية، أو الدرجات العلى ومرتبة الإحسان كما يسمونها؟!
قال الإمام الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[خالق بلا حاجة، رازق بلا مُؤنة] .
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
стр. 216
[قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:٥٦-٥٨] وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:١٥] وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاء [محمد:٣٨] قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الأنعام:١٤] وقال ﷺ : من حديث أبي ذر ﵁: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا عَلَى أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا عَلَى أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) الحديث رواه مسلم. وقوله: بلا مؤنة: بلا ثقل وكلفة] اهـ.
الشرح:
إن الله تَعَالَى خالق بلا حاجة، وهو الذي خلق الخلق ولم يخلقهم لحاجة منه إليهم، لا لحاجة أن يعبدوه، ولا أن يرزقوه، ولا أن يطعموه ، فهو الغني الغنى المطلق عنهم، كما سبق في قوله: القيوم، فقيوميته تستلزم غناه المطلق عن أن يخلق الخلق لحاجة، وإنما خلقهم لحكمة عظيمة -ليبتليهم، وليعبدوه- ثُمَّ جعل منهم فريقاً في الجنة، وفريقاً في السعير، وليصطفي منهم من يشاء ، ويتخذهم أولياء وأحباباً، ويرفعهم في الدرجات العلى، وليذل ويهين من شاء منهم في معصيته، فيسكنهم في جهنم وساءت مصيراً.
стр. 217
فلله حِكم عظيمة في إيجاد الخلق، ليس منها أنه تَعَالَى محتاج أو مفتقر إِلَى وجود هذا الخلق، أو إِلَى أي مخلوق كائن من كان، كما بين ذلك في الحديث العظيم الذي رواه أبو ذر -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ-، وقال الإمام أَحْمَد: هذا أشرف حديث حدثه أهل الشام: (يا عبادي إني حرمت الظلم عَلَى نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا ... إلى أن قَالَ: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا عَلَى أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً) سُبْحانَ اللَّه تعالى! هو الغني سبحانه ونحن الفقراء إليه، فهو في غنى عن عبادتنا وتقوانا.
وفي المقابل: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا عَلَى أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا) سُبْحانَ اللَّه! فهو في غنى عن طاعتنا وعبادتنا ولا يضيره في شيء معصيتُنا أو كفرنا يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر:١٥-١٦] فنحن الذين في وجودنا وحياتنا وكل أمورنا وفي كل طرفة عين فقراء إِلَى الله .
стр. 218
أما هو جل شأنه، فهو الغني الغنى المطلق التام، قال الله في سورة الأنعام: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الأنعام:١٤] سُبْحانَ اللَّه! هو يطعم المخلوقات جميعاً، وهو الذي يربيهم بالنعم ولا يُطعم ، فهل يعبد المطعوم ويترك من يطعمه ؟! ولهذا كما جَاءَ في الحديث القدسي (أن الله يقول: إني والإنس والجن لفي أمر عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إليهم نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إلي بالمعاصي) هذا هو حال العالمين مع رَبِّ الْعَالَمِينَ يخلق ويعبد سواه سُبْحانَ اللَّه وهذا من جهل الإِنسَان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:٧٢] هكذا طبع الإِنسَان قُتِلَ الإِنسَانسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس:١٧] فمن جهل الجنس البشري وظلمه وكفره: أن الله هو الذي يرزقه، ومع ذلك فإنه يشكر ما سواه، ينظر إِلَى الأسباب التي أعطته الرزق وينسى الذي خلق الأسباب وهيئها وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:٦] .
فمن اقتران الخالق مع الرازق أيضاً نفهم كمال الغنى لله وكمال افتقار المخلوقين إليه؛ فإنهم مخلوقون والله هو الذي خلقهمأَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:٣٥] .
стр. 219
وقوله: " بلا مؤنة " يدل عليه ما جَاءَ في حديثأبي ذر هذا، من قوله سبحانه: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط -يعني الإبرة- إذا غمس في البحر) فهذا دليل عَلَى كمال غنى الله مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:٩٦] وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ [الحجر:٢١] .
قال الإمام الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة] .
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[الموت صفة وجودية، خلافاً للفلاسفة ومن وافقهم، قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:٢] والعدم لا يوصف بكونه مخلوقاً.
وفي الحديث: (إنه يؤتى بالموت يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنَّار) وهو وإن كَانَ عرضاً، فالله تَعَالَى يقلبه عيناً، كما ورد في العمل الصالح: (أنه يأتي صاحبه في صورة الشاب الحسن، والعمل القبيح عَلَى أقبح صورة) .
وورد في القرآن: (أنه يأتي عَلَى صورة الشاب الشاحب اللون) الحديث، أي: قراءة القارئ.
وورد في الأعمال: (أنها توضع في الميزان) ، والأعيان هي التي تقبل الوزن دون الأعراض، وورد في سورة البقرة وآل عمران: (أنهما يَوْمَ القِيَامَةِ يظلان صاحبهما كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف) .
وفي الصحيح: (أن أعمال العباد تصعد إِلَى السماء) . وسيأتي الكلام عَلَى البعث والنشور إن شاء الله تعالى] اهـ.
الشرح:
стр. 220
قوله ﵀: [مميت بلا مخافة باعث بلا مشقة] ، هذا استمرار للنعوت والصفات في حق الله ﵎، فهو يحي ويميت من يشاء بلا مخافة، ولا يبالي متى أهلكه، وإنما جَاءَ في حق العبد الصالح المؤمن المتقرب إِلَى الله ، أن الله تَعَالَى يقول كما في الحديث القدسي: (وما ترددت في شيء كترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، هو يكره الموت وأنا أكره مساءته) أما غير ذلك فالله لا يبالي بأن يهلك أياً كَانَ من المخلوقين، وهو كذلك "باعث بلا مشقة" يبعثهم سبحانه تَعَالَى بلا مشقة.
قَالَ المُصنِّفُ ﵀: إن الموت صفة وجودية، خلافاً للفلاسفة ومن وافقهم من متكلمي الْمُسْلِمِينَ؛ فإنهم يقولون: الموت ليس شيئاً وجودياً، إنما هو شيء عدمي لا وجود له، فعدم الموت عندهم هو عدم الحياة.
لأن الله تَعَالَى يقول: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:٢] خلق الموت وخلق الحياة يعني: أن هذا أمر وجودي مخلوق؛ لأن العدم لا يوصف بكونه مخلوقاً، (أنه يؤتي بالموت يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنَّار) فيذبح الموت بهذا الشكل، حتى يستيقن كلٌ من هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ بالخلود، ويعلم أهل الجنة أنهم في نعيم ولا فناء ولا موت ولا خروج، ويعلم أهل النَّار أنهم في شقاء وعذاب أبدي؛ إلا من ورد في حقه الخروج من العصاة في شفاعة النبيين والصالحين، أو بتحنن الله عليهم من بعد ذلك.
فالموت إذن أمر وجودي، ولهذا يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون، فَيَقُولُ: هل تعرفون هذا الكبش؟ فيقولون: نعم.
هذا الموت وكلهم قد رآه، فيذبح.
стр. 221
ثُمَّ يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النَّار خلود فلا موت، ثُمَّ قرأ: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [مريم:٣٩] هذه رواية الإمام البُخَارِيّ ﵀ للحديث، وله روايات أخرى.
وقد يُقَالُ: ولكن الموت عرض فكيف يوصف بأنه جسم؟
والجوهر عندهم: ما قام بذاته، والعرض: ما قام بغيره، فالإِنسَانُ جوهر، واللون لا يقوم بذاته فهو عرض، وهكذا الحياة والموت.
والجواب: أن الله يقلب هذه الأعراض فتصير أعياناً، فمن ذلك: أن العمل الصالح يأتي صاحبه بصورة الشاب الحسن، والعمل القبيح يأتي في صورة الشاب القبيح، وذلك ضمن الحديث الطويل الذي رواه الإمام أَحْمَد فيالمسند في صفة موت المؤمن والكافر أو المنافق.
فمن صفات المؤمن: (أنه إذا وضع في قبره يأتيه شاب حسن فَيَقُولُ: من أنت؟ فوجهك الوجه يبشر بالخير، أو وجهك الوجه الحسن، ويستبشر بوجوده، فَيَقُولُ: أنا عملك الصالح، وأما المنافق أو الكافر -والعياذ بالله- فإنه يأتيه في أقبح صورة، فَيَقُولُ: من أنت؟ قبحك الله أو قاتلك الله فوجهك الوجه ينذر بالسوء، فَيَقُولُ: أنا عملك القبيح) فصور الله الأعمال التي كَانَ يعملها هَؤُلاءِ في صور محسوسة.
стр. 222
ومن ذلك أيضاً: ما ورد في القُرْآن أنه يأتي عَلَى صورة الشاب الشاحب اللون. ويقول ﷺ : ((تعلموا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة) والبطلة: هم السحرة؛ ولذلك من يقرأ سورة البقرة فإنه يعصم -بإذن الله وينجو من شر السحرة وأعمالهم، ثُمَّ قال ﷺ : (تعلموا سورة البقرة وآل عمران، فإنهما الزهراوان يظلان صاحبهما يَوْمَ القِيَامَةِ، كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف) و (إن القُرْآن يلقى صاحبه يَوْمَ القِيَامَةِ حتى ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فَيَقُولُ: ما أعرفك.
فَيَقُولُ: أنا صاحبك الذي أسهرت ليلك وإن كل تاجر وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة ... إلى آخر الحديث) ، الشاهد في هذا، هو قوله: "إن القُرْآن يأتي في صوره الشاب الشاحب"، وفي الحديث الآخر: (إن البقرة وآل عمران يظلان صاحبهما كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف) .
فهذا من أعمال الإِنسَان التي توضع في الميزان، وتصعد إِلَى الله مع أنها أعراض، لكي يُعرف أنه لا استدلال للجهمية القائلين بأن القُرْآن مخلوق بأمثال هَؤُلاءِ الآيات؛ لأن قرآتي مخلوقة وقرآتك مخلوقة، وأما القُرْآن الذي هو كلام الله فهو ليس بمخلوق، فالذي يأتي كل إنسان منا هو قرآته لا القُرْآن الذي هو كلام الله ، وهذا مما أبطل به الإمام أَحْمَد رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى استدلالالجهمية الذين قالوا: إن القُرْآن مخلوق.
стр. 223
وهذه الأعمال توزن يَوْمَ القِيَامَةِ في الموازين، كما ثبت ذلك وورد في أحاديث كثيرة صحيحة منها: حديث المفلس لما قال النبي ﷺ : (أتدرون من المفلس؟ قالوا: يا رَسُول الله! المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار -هذا العرف المادي البشري- فَقَالَ النبي ﷺ : لكن المفلس من يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ بحسنات كالجبال، أو قال بصلاة وصيام وجهاد وحج ثُمَّ يأتي وقد ظلم هذا وسرق هذا وأخذ مال هذا -حين تنصب الموازين- فيؤخذ من حسناته فيعطى هَؤُلاءِ الذين ظلمهم وضربهم من حسناته، فإذا نفذت أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، فيلقى في النَّار) .
وكما في حديث الرجل الذي يقول الله له يَوْمَ القِيَامَةِ بعد أن توزن جميع أعماله، وإذا بحسناته طائشة، وإذا بسيئاته عظيمة وثقيلة، فتجعل سيئاته في تسعة وتسعين سجلاً، فيقول له الرب ﵎: (هل بقي لك من شيء) ، فَيَقُولُ: لا يا رب ما بقي شيء، فيقول الله: (ولكن لا يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد، بقي لك هذه البطاقة) ، فيرى بطاقة مكتوب فيها: "لا إله إلا الله" فَيَقُولُ: يا رب! وما تصنع هذه البطاقة بتسعة وتسعين سجلاً؟! فتوضع البطاقة فترجح عَلَى هذه السجلات جميعاً) التوحيد يرجح بجميع السجلات، فهذا كانت عنده حقيقة التوحيد، ولكنه كَانَ يرتكب ويفعل من الآثام ما الله به عليم، وقد أحصاه عليه وعده، ثُمَّ أراه إياه، ثُمَّ تجاوز عليه بفضل تحقيقه للتوحيد.
وسنتحدث عن الميزان في آخر الكتاب -إن شاء الله- ضمن الحديث عن البعث، وهناك نبين الرد عَلَى مثل هذه الشبه، وهي قول الفلاسفة والمعتزلة ومن وافقهم بأن الأعمال أعراض، والأعراض لا توزن، وانكروا لذلك الميزان، مع أن الله قَالَ: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً [الكهف:١٠٥] .
стр. 224
من المشكلات التاريخية التي أثيرت عَلَى مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ بشكل عام وعلى شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رحمة الله بشكل خاص هذه المسألة: حتى أن كثيراً من النَّاس لا يزالون يعادون شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ويطعنون فيه، ويسيئون الظن فيه لا لذاته، وإنما للعقيدة التي يدعو إليها، والمبدأ الذي أحياه.
ومن أعظم المسائل التي يذكرونها -كمثال عَلَى أن شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ خارج عن مذهب السلف وغيره، وأنه مبتدع، ويأتي بأفكار لم يسبقه إليها أحد، ويخرق الإجماع- مسألة: القول " بجواز حوادث لا أول لها " حتى الشيخ شعيب مع أنه مهتم بالسنة والحديث؛ إلا أنه في هذا الموضوع -في مكان غير محتاج إِلَى التعليق نهائياً- أقحم هذه المسألة، وأخذ يتكلم في شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ بالكلام الذي نرده ونبين بطلانه وخطأه -بإذن الله تعالى- فالقضية أصبحت كأنها مسألة تشفي عَلَى شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ، مع أن ما كتبه شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ في هذه القضية تعجز عنه جميع العقول الفلسفية، فمن استطاع أن يفهمه فقد حاز عَلَى فضل كبير أما نقضه فإنه من المُحال.
وقد ذكر الفخر الرازي أنه استقصى أعظم الأدلة في هذه المسألة في كتاب له اسمه المباحث المشرقية ذكر فيه عشرة براهين، ويقول: هذه هذه البراهين العشرة ليس بعدهها أي برهان ولا دليل عَلَى بطلان حوادث لا أول لها، وأن الحوادث كانت مسبوقة بالعدم المحض الكلي.
وقد نقض شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في منهاج السنة هذه البراهين العشرة برهاناً برهاناً، وبيّن بطلانها وخطأها، وأضاف عليها، فنقض كلام الرافضي وغيره.
стр. 225
واستطرد في ذكركل ما في هذه المسألة من الفلاسفة المتقدمين أمثال أرسطو ومن شايعه وابن سينا، ومن كَانَ عَلَى منهجهم، ومن خالفهم في هذه المسألة، كابن رشد وغيره، فجاء عَلَى جميع أقوالهم في هذه المسألة وفندها جميعاً.
فقضية بهذا العمق والطول، ليس من البساطة أن يأتي الإِنسَان فيجازف بالطعن في شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ أو يتهمه وينتقده، فلا نرضى لمن كَانَ سنياً أن يجازف بالطعن والرد عَلَى أي مبتدع مجازفة بدون علم، مع أن هذا سني يرد عَلَى مبتدع، فكيف بإمام من أئمة السنة؟! ثُمَّ نقول بأنه خارج عن الإجماع في هذه المسألة، أو أنه موافق للكرامية، أو أنه موافق للصائبة الحرانية.
وهذا مما يدل عَلَى أن المسألة ينبغي لنا أن نفهمها بما يقدره الله من الفهم، ونحاول أن نستوضح ونعرف الخلفية التي وراءها، وما الذي يمكن أن يجر من لوازم؟
قَالَ الطّّحاويُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته، وكما كَانَ بصفاته أزلياً، كذلك لا يزال عليها أبدياً] .
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[أي: أن الله لم يزل متصفاً بصفات الكمال: صفات الذات، وصفات الفعل، ولا يجوز أن يعتقد أن الله وصف بصفة بعد أن لم يكن متصفاً بها، لأن صفاته سبحانه صفات كمال، وفقدها صفة نقص، ولا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كَانَ متصفاً بضده.
стр. 226
ولا يرد عَلَى هذا، صفات الفعل، والصفات الاختيارية، ونحوها، كالخلق والتصوير، والإحياء، والإماتة، والقبض، والبسط، والطي، والاستواء، والإتيان، والمجيء، والنزول، والغضب، والرضا ونحو ذلك مما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، وإن كنا لا ندرك كنهه وحقيقته التي هي تأويله، ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، ولكن أصل معناه معلوم لنا، كما قال الإمام مالك ﵁ لما سئل عن قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:٥٤] .
كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.
وإن كانت هذه الأحوال تحدث في وقت دون وقت، كما في حديث الشَّفَاعَةِ: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله) .
لأن هذا الحدوث بهذا الاعتبار غير ممتنع، ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن. ألا ترى أن من تكلم اليوم وكان متكلماً بالأمس، لا يقَالَ: إنه حدث له الكلام، ولو كَانَ غير متكلم، لآفة كالصغر والخرس، ثُمَّ تكلم يقَالَ: حدث له الكلام، فالساكت لغير آفة يسمى متكلماً بالقوة، بمعنى أنه يتكلم إذا شاء، وفي حال تكلمه يسمى متكلماً بالفعل، وكذلك الكاتب في حالة الكتابة هو كاتب بالفعل، ولا يخرج عن كونه كاتباً في حال عدم مباشرته الكتابة] اهـ.
الشرح:
إن الله ﵎ متصف بصفات الكمال قبل أن يخلق الخلق، وكذلك لا تزال هذه الصفات له بعد خلق الخلق، وهي أزلية وأبدية؛ لأن له الكمال المطلق ، وهذا الكمال لا يجوز أن يقَالَ: إنه حدث له بعد أن لم يكن لديه؛ لأن عدم الكمال نقص، فلا يقَالَ: إنه موصوفٌ بالنقص، ثُمَّ حدث له الكمال، فالله لم يزل متصفاً بصفات الكمال -سواء صفات الذات أو صفات الفعل- ولا يجوز أن يُعتقد أن الله وُصف بصفة بعد أن لم يكن متصفاً بها.
ولا ترد عَلَى هذه القاعدة صفات الفعل والاختيار.
٢-أنواع الصفات:
والصفات عَلَى نوعين:
стр. 227
١ـ صفات ذاتية.
٢ـ صفات فعلية.
فالصفات الذاتية
هي الصفات الملازمة لذاته ، التي لا تنفك عنه مثل: الحياة، والقيومية، والقدرة، والسمع، والبصر وأمثال ذلك.
وأما الصفات الفعلية
فهي الصفات المتعلقة بالإرادة، فهو يتكلم متى يشاء -مثلاً- ويغضب ويرضى، فهذه صفات فعل يفعلها متى شاء بإرادته، لكنها ليست ملازمة لذاته، ولا يعني هذا أنه تحصل له هذه الصفة بعد أن خلق الكون، ولم يكن متصفاً بها من قبل.
لكن قد يقال -مثلاً- نزوله إِلَى السماء الدنيا، كَانَ بعد أن خلق السماء الدنيا، أو إتيانه لفصل القضاء يَوْمَ القِيَامَةِ؛ فإنه كَانَ بعد أن خلق المخلوقين وكذلك بعد أن تقوم الساعة، فكأن هذه الصفات وُصف بها الله بعد، واستفاد هذه الصفة من وجود المخلوقات.
والجواب أن نقول: إن هذه الصفات الاختيارية وإن كنا لا ندرك حقيقتها -كما هو معلوم، كما قال الإمام مالك في ذلك- لكنها تحدث في وقت دون وقت، ولا ينفي ذلك أن الله متصف بالفعل وبالقوة.
والفرق بين القوة والفعل: أن الإِنسَان منا إذا كَانَ يجيد القرءاة أو الكتابة نقول: هذا الإِنسَان كاتب، ونصفه بأنه كاتب، فهذا يسمى: "كاتب بالقوة"، يعني: أن هذه الصفة والملكة موجودة فيه، فيستطيع أن يكتب، فإذا أمسك القلم وكتب سُمي كاتباً بالفعل.
стр. 228
فلا شك عندنا أن صفات الله الاختيارية يتصف بها الله بعد أن لم يكن متصفاً بها من حيث وقوعها في الفعل، لا من حيث أصل الاتصاف بها، والدليل عَلَى أن هذه الصفات الاختيارية أو الفعلية تكون في وقت دون وقت قول النبي ﷺ : ﴿إن ربي قد غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله﴾ ، وحديث النزول نفسه؛ ﴿ينزل ربنا ﵎ كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر﴾ ، بخلاف غيره من الأوقات، وهذه الأمور تحدث في وقت دون وقت.
وكذلك رضا الله عن الإِنسَان حال الطاعة، ثُمَّ غضبه عليه حال المعصية، فهذا الشيء يحدث في وقت دون وقت، والقول بأن هذا يستلزم حلول الحوادث بالله كَانَ مدخل نفاة الصفات حين قالوا: إن -الله يتنزه عن الزمان، والمكان، والانتقال، والتغير، وفي الحقيقة كل كلمة من هذه الكلمات تحتوى في ضمنها هدم لصفة من صفات الله أو أكثر، فقولهم: "يتنزه عن المكان " معناه: لا تقل أين الله؟
لأنهم يظنون أنك تثبت له مكاناً يحويه ويحيط به، وقولهم:"يتنزه عن الانتقال" معناه: إبطال حديث النزول، والإتيان يَوْمَ القِيَامَةِ.
وقولهم:"يتنزه عن التغير" معناه: لا يغضب ولا يرضى؛ لأن الغضب والرضا فيه تغير وأمثال ذلك من الصفات، كالخلق، والتصوير، والإماتة، والقبض، والبسط، والاستواء، والإتيان، والمجيء، والنزول، والغضب، والرضا. ويقولون: القواطع العقلية أو البراهين العقلية التي تدل عَلَى نفي التغير عن الله أقوى في الاستدلال من ظواهر بعض الآيات، أو من الأحاديث التي هي آحادية وإن كانت صحيحة.
стр. 229
وهذه الصفات وإن كانت تحدث في وقت دون وقت، فإن الحدوث بهذا الاعتبار غير ممتنع، فالله كلم موسى، وتكلم بالقرآن، وليس هذا من حدوث شيء بعد أن لم يكن مطلقاً، وإنما يقَالَ: هذا في الذي كَانَ أخرساً مريضاً، ثُمَّ عولج فتكلم، أو طفل بلغ مرحلة من العمر لم يكن ينطق ثُمَّ تكلم، فهذا الذي حدث له الكلام بعد أن لم يكن؛ لكن من كَانَ ساكتاً ثُمَّ تكلم فلا نقول: حدث له الكلام، وإنما نقول في حقه: تكلم فقط.
فالله لم يزل متكلماً كما يشاء بما يشاء ، ومن كلامه: ما خاطب به موسى وآدم، وما أنزله من الكتب.
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[وحلول الحوادث بالرب تعالى، المنفي في علم الكلام المذموم، لم يرد نفيه ولا إثباته في كتاب ولا سنة، وفيه إجمال، فإن أريد بالنفي أنه سبحانه لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن، فهذا نفي صحيح، وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية من أنه لا يفعل ما يريد، ولا يتكلم بما شاء إذا شاء، ولا أنه يغضب ويرضي لا كأحد من الورى، ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته فهذا نفي باطل.
وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث، فيسلم السني للمتكلم ذلك، عَلَى ظن أنه نفى عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله، فإذا سلم له هذا النفي، ألزمه نفي الصفات الاختيارية وصفات الفعل، وهو غير لازم له، وإنما أتي السني من تسليم هذا النفي المجمل، وإلا فلو استفسر واستفصل، لم ينقطع معه] اهـ.
الشرح:
المثال الأول: حلول الحوادث بالله.
стр. 230
لا شك أن استخدام واستعمال الألفاظ الشرعية الصحيحة مثل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] يغنينا في التنزيه عن كل ما يقولون، فإذا أريد بنفي الحوادث بالله أنه لا يحل به شيء من مخلوقاته؛ لأن الحوادث تطلق عَلَى المخلوقات، فالله تَعَالَى يتنزه أن يحل به شيء من مخلوقاته، فنوافقكم عليه، وهو كلام صحيح؛ لكن لا نجعله من لوازم صفات الله التي نصفه بها، بل عندما نقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] ونعلم أن ذاته ليست كالذوات، وأنه بائن من خلقه، يغنينا هذا عن القول المجمل الذي فيه احتمال حق وباطل.
وإن كنتم تريدون بنفي حلول الحوادث فيه نفي الصفات الاختيارية فهذا باطل، فلا نسلم لهم، وإنما نفصل القول، فننفي من جهة ونثبت من جهة. .
وهناك معركة تاريخية قديمة بدأها أعداء شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ في حياته منهم: الإمام السبكي ﵀، الذي رد عَلَى شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في رده عَلَى الرافضي بالأبيات المعروفة -التي ذكرها طابع كتاب منهاج السنة - ومن جملتها أن ابْن تَيْمِيَّةَ يقول: بحوادث لا أول لها، وأن هذا الكلام يدل عَلَى أنه يقول: إن الحوادث تحل بالله .
والشيخ الأرنؤوط لم يفهم الفصل بين القضيتين، وكأنه كَانَ في النفس شيء، فمجرد أن جاءت فرصة انتهزها، فأخذ يعلق هذا التعليق، وسنقرأ هذا التعليق، وسنبين ما فيه من الخطأ، وليس هو بياناً لخطأ رجل، وإنما هو بيان لأخطاء كثير من النَّاس الذين يشنعون عَلَى شَيْخ الإِسْلامِ زوراً وظلماً.
يقول الشيخ الأرنؤوط: "جمهور المتكلمين من أشاعرة وماتريدية ومعتزلة وفلاسفة، اتفقوا عَلَى منع قيام الحوادث بذاته تعالى، وجوز قيامها بذاته تَعَالَى الكرامية، ففرقوا بين الحادث والمحدث.
فالأول عندهم: هو ما يقوم بذاته تَعَالَى من الأمور المتعلقة بمشيئته واختياره.
стр. 231
وأما الثاني: فهو ما يخلقه منفصلاً عنه، وقد تبعهم شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في تجويز قيام الحوادث بالذات، والمؤلف هنا يختصر كلامه المذكور في منهاج السنة وقد غلا ﵀ في مناصرة هذا المذهب والدفاع عنه ضد مخالفيه من المتكلمين والفلاسفة، وادعى أنه هو مذهب السلف مستدلاً بقول الإمام أَحْمَد ﵀ وغيره: [لم يزل الله متكلماً إذا شاء] ، لأنه إذا كَانَ كلامه تَعَالَى -وهو صفه قائمة به- متعلقاً بمشيئته واختياره، دل ذلك عَلَى جواز قيام الحوادث بذاته؛ لأن ما يتعلق بالمشيئة والاختيار لا يكون إلا حادثاً، ثُمَّ يقول: وقد انتهى به القول إِلَى أن كلام الله تَعَالَى قديم الجنس حادث الأفراد، وكذلك فعله وإرادته ونحو ذلك من الصفات غير اللازمة للذات، وبما أن القول بذلك يستلزم التسلسل، فقد جوزه في الماضي والمستقبل جميعاً، وادعى أن مثل هذا التسلسل ليس ممتنعاً.
ثُمَّ أخذ يرد عليه، يقول: وغير واحد من العلماء -ولم يذكر أسماء- يعدون هذا الذي انتهى إليه شَيْخ الإِسْلامِ من جملة ما ندَّ فيه عن الصواب، وينكرون عليه، ويقولون: كيف يقول بقدم جنس الصفات والأفعال مع حدوث آحادها؟ وهل الجنس شيء آخر غير الأفراد المجتمعة؟ وهل يتركب الكلي إلا من جزئياته؟ فإذا كَانَ كل جزئي من جزئياته حادثاً، فكيف يكون الكلي قديماً؟
وكان عَلَى المُصنِّفُ ﵀ -كما يقولالأرنؤوط - أن يتجنب الخوض في هذه المسألة، ويكف عنها ويكتفي بما قاله الإمام أَحْمَد وغيره من السلف ﵏ في ذلك".
стр. 232
وهذه النصيحة ليت الشيخ الأرنؤوط لم يذكرها، بل كَانَ عليه هو أن يتجنب الخوض في هذه المسألة؛ لأن كلام المُصنِّفُ هنا ليس فيه اعتراض ولا إشكال، فالمصنف يشرح متناً معيناً؛ فإن كَانَ في هذا المتن خطأ فإنه لا بد أن يشرحه، ولا يكون هذا خوضاً؛ لأن هذا لابد منه سواء كَانَ مقراً أو غير مقرٍ، فمن لوازم كونه شارحاً أن يشرح هذا الكلام ويبين ما فيه، لكن المخرِّج والمعلق عَلَى الأحاديث لماذا يأتي بهذه المسألة، ثُمَّ يتمنى من غيره عدم الخوض؟
فقول الشيخ شعيب: إن الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة. والفلاسفة اتفقوا عَلَى منع قيام الحوادث بذاته تَعَالَى] لا حجة فيه؛ لأنه مهما اجتمع هَؤُلاءِ عَلَى أي شيء فليس اجتماعهم بحجة في دين الله ، إنما الحجة هي فيما كَانَ من كتاب الله أو سنة رَسُول الله ﷺ أو مذهب السلف، ومن الفخر لشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ أن يقَالَ: إنه خالف ما اتفق عليه الأشاعرة والماتريدية والفلاسفة والمعتزلة.
стр. 233
ثُمَّ يقول: [وجوز قيامها بذاته تَعَالَى الكرامية] ، وهي فرقة من الفرق المبتدعة وأكبر ما تظهر بدعتها في مسألة الإيمان، وشَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ قد رد عَلَى الكرامية في مواضع كثيرة جداً فهو -ولله الحمد- متبع لمذهب السلف، وقد توجد مسائل عند الكرامية والمعتزلة والأشاعرة وافقوا فيها أهل السنة، حتى الرافضة والفلاسفة في بعض القضايا يوافقون شيئاً مما جاء به دين الإسلام، فهل يعني هذا أننا أخذنا منهم؟ لكن يريد بعض النَّاس تشويه ما يدعو إليه شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ فقَالَ: إن شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في عقيدته إنما ينقلها عن الكرامية والصائبة الحرانية، والذي تولى كبر هذا القول من المعاصرين هو الكوثري، ثُمَّ تبعه الدكتور علي سامي النشار ﵀، وفي آخر أمره تبين له الحق -إن شاء الله- وجمع مجموعة رسائل وسماها عقائد السلف، فنرجو أن تكون هذه توبة له من كلام خطير وقع في كتابه: نشأه الفكر الفلسفي في الإسلام وقد كَانَ أكبر أستاذ للعقيدة فيمصر، وتتلمذ عليه مجموعة كبيرة من الأساتذة في العقيدة مثل الدكتور مصطفى حلمي، والدكتور عمار طالبي، والدكتور نصار، والدكتورة فوقية حسين، والدكتور سهير مختار، سلسة كبيرة جداً من المؤلفين في العقيدة تتلمذوا عَلَى الدكتور علي سامي النشار، وهذا الدكتور اعتمد عَلَى الكوثري كثيراً، وكان من هَؤُلاءِ: الشيخ مُحَمَّد خليل هراس ﵀ وكان عَلَى هذا القول حتى جَاءَ إِلَى المملكة، واتصل بأهل السنة وتبين له خلاف ذلك، وكتب كتابه ابْن تَيْمِيَّةَ السلفي ورد عليهم في هذه المسألة.
стр. 234
فالقضية إذاً ليست منقولة عن الكرامية، وللعلم؛ فإن الكرامية فرقة منقرضة، بل حتى على أيام شيخ الإسلام ابن تيمية لم يكن لها ذلك الوجود، وإنما كَانَ لها وجود أيام الفخر الرازي في جهة بلاد ما وراء النهر، والفخر الرازي هو الإمام المتأخر للمذهب الأشعري الذي يعتبرونه أعظم فلاسفة هذا المذهب، عَلَى ما فيهم من تناقضات، وله ردود كثيرة جداً عَلَى الكرامية، وابْن تَيْمِيَّةَ ما هو إلا كرامياً، -على حد زعمه- فهو من الفرقة التي سبقللرازي أن هزمها وانتصر عليها.
فكأنهم يقولون: ابْن تَيْمِيَّةَ ما زاد عَلَى أن ابتدع بدعة جديدة أخذها من مذهب الكرامية، والكرامية قد كفينا أمرها بالإمام الفخر الرازي الذي من كلامه ومن قواعده استنبط كتاب المواقف، الذي لا يزال هو إِلَى الآن عمدة مذهب الأشاعرة، والمقرر الذي يدرس في الكليات المعتبرة الآن في معظم العالم الإسلامي تقريباً.
وأما قوله: "إنه غلا ﵀ في مناصرة هذا المذهب والدفاع عنه ضد مخالفيه من المتكلمين والفلاسفة، فنعم الموقف موقف الرجل الذي يناصر السنة ضد شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ في هذا، وإنما ذكر ما يراه هو مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، بل لم يقل هذا مذهب مجمع عليه، بل قَالَ: هذا مذهب أكثر أهل الحديث.
ثُمَّ أخذ يبين الرد ويتفلسف ويقول: "إنه انتهى به القول إِلَى أن كلام الله تَعَالَى قديم الجنس حادث الأفراد وكذلك فعله وإرادته، وبما أن القول بذلك يستلزم التسلسل، فقد جوزه في الماضي والمستقبل جميعاً ... إِلَى آخر كلامه".
نقول: ذكر شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀ في منهاج السنة: أن التسلسل والدور عَلَى نوعين:
باطل، وصحيح، فإما أن يكون في العلل والمعلولات -يعني في الفاعلين والمفعولات، وإما أن يكون في اسم الآثار والحادثات.
стр. 235
والتسلسل الباطل: هو ما كَانَ في العلل وفي المعولات- أي: في الفاعلين والمفعولات، مثل ما جَاءَ في ذلك الحديث الصحيح: ﴿يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا، من خلق كذا حتى يقول: من خلق الله؟) يعني أنت تقول: هذا خلقه مخلوق، والمخلوق خلقه مخلوق، هذا تسلسل باطل؛ فلا بد أن ينتهي إِلَى أنه خلقه خالق.
وأما التسلسل بالآثار؛ فهذا غير باطل، فهو أن يكون حادث إثر حادث، وحادث إثر حادث؛ لأنها آثار من آثار الله ؛ ولأنه لم يزل خالقاً أزلاً وأبداً ، فهو يخلق شيئاً، ثُمَّ يخلق بعده شيئاً ثُمَّ يخلق بعده شيئاً إِلَى ما لا نهاية، لما لا بداية له، ولا نهاية له، فلا يمتنع ذلك ما دمنا أننا قلنا: إن صفة الله أزلية لا بداية لها، فإن آثارها ولوازمها التي تستلزمها أيضاً لا بداية لها.
لكن هل يعني هذا أن هناك مخلوقاً أزلياً لا أول لوجوده؟ يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ: لا، ليس هناك مخلوق أزلي لا أول لوجوده، لكن هناك مخلوق يحدث بعده مخلوق، ويحدث بعده مخلوق، أو مخلوق حدث قبله مخلوق، وهذا حدث قبله مخلوق. إِلَى آخره، فهذا تسلسل بالآثار، التي هي آثار الصفة التي يتصف بها الله فالحوادث لا أول لها من حيث النوع والجنس، لكن الأفراد حادثة، فكل مخلوق بذاته هو حادث، لكن الجنس قديم -بمعنى: أن الله هو خالق أزلاً، وكونه خالقاً ومريداً ومتكلماً، لأنه قد خلق أشياء وأراد أشياء، وهذه الأشياء ليست أزلية بذاتها، لكن لما كَانَ لا أول لصفة من صفاته، فإن آثارها ولوازمها مما لا أول له كذلك.
стр. 236
ولهذا يرد علينا كما سياتي إن شاء الله تَعَالَى حديث عمران بن حصين -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- المعروف في وفد اليمن، لما جاءوا إِلَى النبي ﷺ قالوا: يا رَسُول الله! جئناك نسألك عن أول هذا الأمر، أو عن هذا الأمر كيف كان؟ "فالله كما أخبر النبي ﷺ استأنف خلق المخلوقات بعد أن لم يكن معه شيء، وقد كفى ابْن تَيْمِيَّةَ الرد عَلَى هذه المسألة بأن شرح رسالة مستقلة طبعت في رسائل المسائل، وفي مجموع الفتاوى في حديث عمران بن حصين، وذكر فيه الروايات الثلاث:
(ولم يكن قبله شيء) .
(ولم يكن غيره شيء) .
(ولم يكن معه شيء) .
وذكر أن الذي ترجح من هذه الروايات هي رواية (قبله) !
لأنها تتفق مع قول الله: هُوَ الْأَوَّلُ..، وتتفق مع الحديث الصحيح أيضاً "أنت الأول فليس قبلك شيء".
وكذلك الدور نوعان:
١- دور قبلي.
٢- ودور اقتراني، أو معي من المعية والاقتران.
فالدور القبلي: مثل قولك: لا يكون زيد إلا بعد عمرو، ولا يكون عمرو إلا بعد زيد، بمعنى توقف كل واحد من الشيئين عَلَى الآخر، فهذا باطل. فمثلاً نقول: أنا لا أقدر أن آتيك إلا بسيارة، وما أقدر أن أحصل عَلَى سيارة إلا عندما آتيك.
وأما الدور الاقتراني: فهو صحيح، مثل قولك: أنا لا أقدر أن آتيك إلا مع محمد، ولا يقدر أن يأتيك مُحَمَّد إلا معي، فهذا صحيح؛ فإن اقتراني هذا يعني أن نجيء مع بعض أو نقعد مع بعض، ويُمثل هذا بالأبوة والبنوة، فلا تتصور الأبوة إلا بالنبوة، ولا بنوة إلا بالأبوة، فعندما نقول: هذا الشيء فوق، فإنه لا تتصور الفوقية إلا بالتحتية، ولا تحتية إلا بالفوقية، فكلمة فوق تستلزم بذاتها وجود تحت، وكذلك كلمة أب.
стр. 237
وأما التسلسل في المستقبل: فإنه متفق عليه عند أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ وأهل الملل، ما عدا الجهمية الذين قالوا: إن الجنة والنَّار تفنيان -كما سيأتي إن شاء الله- فمثلما قيل: إن التسلسل لا يمتنع في المستقبل فَلِمَ يمتنع في الماضي، وكلها متعلقة بإيجاد الله لها، وبإبقاء الله لها؟!
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[وكذلك مسألة الصفة: هل هي زائدة عَلَى الذات أم لا؟ لفظها مجمل، وكذلك لفظ الغير، فيه إجمال، فقد يراد به ما ليس هو إياه، وقد يراد به ما جاز مفارقته له.
ولهذا كَانَ أئمة السنة -رحمهم الله تعالى- لا يطلقون عَلَى صفات الله وكلامه أنه غيره ولا أنه ليس غيره، لأن إطلاق الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له، وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو هو، إذ كَانَ لفظ الغير فيه إجمال، فلا يطلق إلا مع البيان والتفصيل.
فإن أريد به أن هناك ذاتاً مجردة قائمة بنفسها، منفصلة عن الصفات الزائدة عليها فهذا غير صحيح.
وإن أريد به أن الصفات زائدة عَلَى الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة فهذا حق، ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها، وإنما يفرض الذهن ذاتاً وصفة، كلاً وحده، ولكن ليس في الخارج ذات غير موصوفة، فإن هذا محال. ولو لم يكن إلا صفة الوجود، فإنها لا تنفك عن الموجود، وإن كَانَ الذهن يفرض ذاتاً ووجوداً، ويتصور هذا وحده، وهذا وحده، لكن لا ينفك أحدهما عن الآخر في الخارج.
стр. 238
وقد يقول بعضهم: الصفة لا عين الموصوف ولا غيره، وهذا له معنى صحيح، وهو: أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة بل هي غيرها، وليست غير الموصوف، بل الموصوف بصفاته شيء واحد غير متعدد، والتحقيق أن يفرق بين قول القائل: الصفات غير الذات، وبين قوله: صفات الله غير الله فإن الثاني باطل لأن مسمى الله يدخل فيه صفاته بخلاف مسمى الذات، فإنه لا يدخل فيه الصفات، لأن المراد أن الصفات زائدة عَلَى ما أثبته المثبتون من الذات والله تَعَالَى هو الذات الموصوفه بصفاته اللازمة ولهذا قال الشيخ ﵀[لا زال بصفاته] ولم يقل "لازال وصفاته" لأن العطف يؤذن بالمغايرة وكذلك الإمامأَحْمَد ﵁ في مناظرته الجهمية لا نقول الله وعلمه، الله وقدرته، الله ونوره، ولكن نقول الله بعلمه، وقدرته ونوره، هو إله واحد ، فإذا قلت: أعوذ بالله، فقد عذت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال المقدس الثابتة التي لا تقبل الانفصال بوجه من الوجوه.
وإذا قلت: أعوذ بعزة الله فقد عذت بصفة من صفات الله تعالى، ولم أعذ بغير الله، وهذا المعنى يفهم من لفظ "الذات"، فإن "ذات" في أصل معناها لا تستعمل إلا مضافة، أي: ذات وجود، ذات قدرة، ذات عز، ذات علم، ذات كرم إِلَى غير ذلك من الصفات، فذات كذا بمعنى صاحبة كذا.
تأنيث ذو، هذا أصل معنى الكلمة، فعلم أن الذات لا يتصور انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه، وإن كَانَ الذهن قد يفرض ذاتاً مجردة عن الصفات، كما يفرض المحال.
وقد قال ﷺ : (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) .
وقال ﷺ : (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) . ولا يعوذ ﷺ بغير الله.
وكذا قال ﷺ : (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك) .
стр. 239
وقال ﷺ : (وأعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا) .
وقال ﷺ : (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات) ] اهـ.
الشرح:
المثال الثاني: هل الصفة زائدة عَلَى الذات أم لا؟
أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ لم يستخدموا هذه الفلسفات ولم يتساءلوا: هل صفات الله هي ذاته أو ليست بذاته؟ لأن الله طهر عقولهم، وزكاها عن الخوض في مثل هذه الأمور الجدلية الفلسفية، التي هي في الحقيقة منقولة عن قدامى اليونان الذين تقعروا في أمثال هذه المسائل، لكن لما اضطر أهل السنة أن يردوا عليهم ويبينوا لهم خاضوا في هذا المجال.
فنقول: ماذا تقصدون بقولكم الصفة زائدة عن الذات أو هي غير الذات؟
إن أردتم أن هناك ذات مجردة من الصفات فهذا مستحيل ولا يوجد في الخارج، وإن أردتم أن هناك ذاتاً، وهذه الذات لها صفات موصوفة بها من باب التفرقة الذهنية فقط، فهذا المعنى صحيح.
فلا يوجد في خارج الذهن شيء لا صفة له مطلقاً؛ لأن صفات الشيء ملازمة لذاته، وأقل شيء صفة الوجود، فكونه موجود، فلا بد أن له من صفة الوجود، وهذه الصفة لا يجوز أن تنفك عنه إلا إذا عدم الشيء، فهذا هو التفصيل.
ومن أمثلة ذلك عندما يقول الإِنسَان: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يستعيذ بالله، وعندما يقول: أعوذ بعزة الله، أو أعوذ بقدرة الله من شر ما أجد وأحاذر ... فالعوذ بعزة الله وقدرته عوذ بالله؛ لأن القدرة أو العزة هي عين الذات.
فإذا استعذنا بصفات الله دل ذلك عَلَى تلازم صفات الله لذاته، فمن استعاذ بشيء من صفات الله فقد استعاذ بالله فلا انفكاك بينهما.
وكذلك: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) .
و (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك) .
стр. 240
وكذلك (أعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا) ، فمن استعاذ بشيء من صفات الله، فإنما يستعيذ بالله ، ولذلك يجوز الحلف بصفات الله فَيَقُولُ: وعزة الله، وقدرة الله، وهكذا ... فإن هذا يدل عَلَى أن الصفات -علاقتها بالذات- خارج الذهن لا تنفك عن الذات، وأما في داخل الذهن، فالذهن يتصور التقسيم النظري، بأن هذا ذات وهذه صفات.
ويستدل عَلَى ذلك بالمعنى اللغوي، فكلمة "ذات" في لغة العرب هي: تأنيث لـ"ذو"، فعندما نقول: ذو المال، أو ذات الولد، أو ذو السلطان -أي: صاحب السلطان، ونقول ذات المال، أو ذات الولد، أو ذات كذا- بمعنى صاحبة كذا، فكلمة "ذات" في أصل اللغة هي: تأنيث لكلمة "ذو"، وهذه من الكلمات التي لا تستعمل إلا مضافة، فلا يمكن أن تستغني عن الإضافة، بل لا بد أن يُذكر بعدها مضاف إليه، فكيف يُقال إذاً بالتفريق بين الذات والصفات، مع أنها في أصل اللغة لا بد أن توصف بنفسها؟! فتقتضي بذاتها ولفظها أن لها موصوفا مضافاً.
وقد مر بنا أن العقل والذهن يتصور أشياء هو يتخيلها، مع أنه لا حقيقة ولا وجود لها في الواقع الخارجي بإطلاق -فمثلاً- يقولون إن الشيء قد يكون جائزاً عقلاً، لكنه مستحيلاً عادة، فالشاعر إذا ذكر في قصيدته شيئاً مستحيلاً عادة، لكنه جائز عقلاً، كَانَ هذا من الأمر الممدوح الذي يدل عَلَى أن الشاعر لديه شاعرية عظيمة، كقول المعري:
فلولا الغمد يمسكه لسالت يذيب منه كل عظم فلولاً
أي لو أن الغمد مسك السيف لسال ولذاب، يعني: من شدة دقة السيف، مبالغة في وصف السيف بأنه حاد دقيق، وما عُلم أن سيفاً ذاب، فهذا مستحيل ولا يقع، لكن العقل يجوز ذلك.
فالعقل يجوز أن المعادن تذوب، فلذلك يقولون: هذا ممدوح وليس عليه غبار.
لكن قول أبي نواس:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه لتخافك النطف التي لم تخلق
стр. 241
قالوا عنه: هذا لا يجوز وهو خطأ، لأن كلامأبي نواس مستحيل عقلاً وعادة، فالنطف التي لم تخلق تخاف من الخليفة؟! هذا لا يمكن عقلاً ولا عادة.
الشاهد: أنهم يوافقون أن الذهن قد يتصور أشياء في الذهن فقط، لكنها ليست موجودة في الواقع، ومن ذلك قولهم: بأن الصفة هل هي عين للذات أو غير الذات؟
وقال بعض السلف قَالَ: نَحْنُ ننفي أن الصفة لا هي عين الموصوف ولا هي غيره، فننفي الاثنين، فليست الصفة هي عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن، بل هي شيء آخر، وكذا ليست غير الموصوف؛ لأنها متعلقة به، فهي وإياه كالشيء الواحد.
فالاصطلاحات المجملة لا نستخدمها ولا نذكرها، ونعتبرها بدعية، أما وقد ذكرها غيرنا، فنبين ونفصل ما فيها من الحق والباطل، فالوجه الصحيح لا ننكره لمجرد أن اللفظة مجملة، واللفظ الباطل ننفيه، ولكن لا ننفي الكلمة كلها بإطلاق، وهذا من الإنصاف؛ لأن مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ -ولله الحمد- هو المذهب الوحيد الذي يقوم عَلَى الاتباع، لا عَلَى الحقد والعدواة، ولا عَلَى ردود الفعل، ولا هو موجه في الأصل ضد أحد، وإنما هو اتباع لما جَاءَ به الدليل، ومن جَاءَ بأي كلمة -وإن كَانَ أرسطو وأفلاطون - نقول: الكلام الذي قلته في هذه المسألة فيه خطأ وصواب، مع أننا نقول -ونحن واثقون- لا نحتاج إِلَى هَؤُلاءِ النَّاس مطلقاً، لا فلاسفة ولا متكلمين.
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
стр. 242
[وكذلك قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره؟ وطالما غلط كثير من النَّاس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه: فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله: اسم عربي، والرحمن: اسم عربي، والرحمن من أسماء الله تَعَالَى ونحو ذلك، فالاسم هاهنا للمسمى، ولا يُقال غيره، لما في لفظ الغير من إجمال: فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كَانَ ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماءً، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى] اهـ.
الشرح:
المثال الثالث: هل الاسم هو المسمى أو هو غيره؟ وهذا قريب من المثال السابق:
قال الطبري رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وهذه المسألة نحمد الله أنه عافانا منها، ولم يخض فيها أحد ممن قبلنا، ولا تعرض لها السلف لأنها من الخوض الباطل.
أما وقد قيلت، فنقول كما قَالَ المُصنِّفُ ﵀: ما المراد بالاسم؟ وما المراد بالغيرية -بكونه غيره-؟ لأن كلمة "غيره" تطلق عَلَى ضده، كما نقول: فلان غير الشيء، فمعناه: مباين له وضده، وتطلق عَلَى ما ينفك عنه، فنقول: لا نقول الاسم غير المسمى، ولا نقول الاسم هو المسمى، لأن لفظ الجلالة: "الله" قد يراد به الاسم، وقد يراد به المسمى، فإذا قلنا: سمع الله لمن حمده، أو أي شيء ننسبه إِلَى الله، فإن المراد به المسمى، أما إذا قلنا: الله مبتدأ، فالمقصود به لفظ الجلالة الاسم لا المسمى.
وهذه الفلسفات والمماحكات التي أطال فيها أُولَئِكَ ويمهدون بها لأشياء أخرى، فقد يريدون أن الله كَانَ ولا اسم له، ثُمَّ خلق لنفسه أسماء، أو سماه خلقه بأسماء، أو بعد أن خلق الخلق استفاد أسماء، فهذه اللوازم باطلة.
стр. 243
وأصل القضية هو ما سبق معنا من قول الفلاسفة: الوجود المطلق الذي لا صفة له.
ونعود إِلَى لب الموضوع وهو مسألة الحوادث التي لا أول لها.
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[والشيخ ﵀ أشار بقوله: [مازال بصفاته قديماً قبل خلقه ... ] إِلَى آخر كلامه إِلَى الرد عَلَى المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة، فإنهم قالوا: إنه تَعَالَى صار قادراً عَلَى الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادراً عليه، لكونه صار الفعل والكلام ممكنا بعد أن كَانَ ممتنعاً، وأنه انقلب من الامتناع الذاتي إِلَى الإمكان الذاتي! وعلى ابن كُلاب والأشعري ومن وافقهما، فإنهم قالوا: إن الفعل صار ممكنا له بعد أن كَانَ ممتنعاً منه. وأما الكلام عندهم، فلا يدخل تحت المشيئة والقدرة، بل هو شيء واحد لازم لذاته.
وأصل هذا الكلام من الجهمية، فإنهم قالوا: إن دوام الحوادث ممتنع، وإنه يجب أن يكون للحوادث مبدأ، لامتناع حوادث لا أول لها، فيمتنع أن يكون الباري لم يزل فاعلاً متكلماً بمشيئته، بل يمتنع أن يكون قادراً عَلَى ذلك، لأن القدرة عَلَى الممتنع ممتنعة!
وهذا فاسد، فإنه يدل عَلَى امتناع حدوث العالم وهو حادث، والحادث إذا حدث بعد أن لم يكن محدثاً، فلا بد أن يكون ممكناً، والإمكان ليس له وقت محدود، وما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت فيه، فليس لإمكان الفعل وجوازه وصحته مبدأ ينتهي إليه، فيجب أنه لم يزل الفعل ممكناً جائزاً صحيحاً، فيلزم أنه لم يزل الرب قادراً عليه، فيلزم جواز حوادث لا نهاية لأولها.
стр. 244
قالت الجهمية ومن وافقهم: نَحْنُ لا نسلم أن إمكان الحوادث لا بداية له، لكن نقول: إمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا بداية له، وذلك لأن الحوادث عندنا تمتنع أن تكون قديمة النوع، بل يجب حدوث نوعها، ويمتنع قدم نوعها، لكن لا يجب الحدوث في وقت بعينه، فإمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا أول له، بخلاف جنس الحوادث.
فيقال لهم: هب أنكم تقولون ذلك، لكن يقَالَ: إمكان جنس الحوادث عندكم له بداية، فإنه صار جنس الحدوث عندكم ممكنا، بعد أن لم يكن ممكنا وليس لهذا الإمكان وقت معين، بل ما من وقت يفرض إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم دوام الإمكان وإلا لزم انقلاب الجنس من الامتناع إِلَى الإمكان من غير حدوث شيء، ومعلوم أن انقلاب حقيقة جنس الحدوث، أو جنس الحوادث، أو جنس الفعل، أو جنس الأحداث، أو ما أشبه هذا من العبارات من الامتناع إِلَى الإمكان، هو يصير ذلك ممكناً جائزاً بعد أن كَانَ ممتنعاً من غير سبب تجدد، وهذا ممتنع في صريح العقل.
وهو أيضاً انقلاب الجنس من الامتناع الذاتي إِلَى الإمكان الذاتي، فإن ذات جنس الحوادث عندهم تصير ممكنة بعد أن كانت ممتنعة، وهذا الانقلاب لا يختص بوقت معين، فإنه ما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم أنه لم يزل هذا الانقلاب ممكناً، فيلزم أنه لم يزل الممتنع ممكناً! وهذا أبلغ في الامتناع من قولنا: لم يزل الحادث ممكناً، فقد لزمهم فيما فروا إليه أبلغ مما لزمهم فيما فروا منه! فإنه يعقل كون الحادث ممكنا، ويعقل أن هذا الإمكان لم يزل، وأما كون الممتنع ممكناً، فهو ممتنع في نفسه، فكيف إذا قيل: لم يزل إمكان هذا الممتنع؟! وهذا مبسوط في موضعه] اهـ.
الشرح:
هذا المقطع ملخص من أوائل منهاج السنة لشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ.
стр. 245
نحن نؤمن جميعاً -وأهل السنة يقولون ذلك، وكل العقلاء في العالم- بأن الله ﵎ لم يكن قبله شيء، وهي الرواية الحديثية الراجحة التي رجحها شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ، حتى تتفق مع اسم الله: "الأول" فلم يكن قبل الله شيء، وهو الأول الذي لا بداية لوجوده ، ليس قبله شيء، وهو أزلي لا بداية لوجوده، كما هو معلوم قطعي لدى جميع العقلاء.
وصفاته لم يزل متصفاً بها، فصفاته أيضاً لا ابتداء لها، فلم يكن في وقت من الأوقات عاطلاً عن الخلق ثُمَّ خلق فصار اسمه الخالق؛ لأن صفات الكمال لم يكن الله في وقت من الأوقات غير متصف بها؛ لأن معنى ذلك أنه كَانَ في وقت من الأوقات ناقص، وهذا لا يجوز ولا يليق في ذات الله .
وقياساً عَلَى المستقبل، وهو أننا نؤمن ونقطع جزماً أن أهل الجنة وأهل النَّار سيظلون في المستقبل خالدين مخلدين فيها، وهم مخلوقون ومحدثون، ومع ذلك لا نهاية لهم، فكذلك لا يمتنع أن توجد أنواع وجنس -لا آحادها- مخلوقات لا بداية لها في الماضي، فحيث كانت هذه الصفة قديمة لا بداية لها، فتقتضي وجود مخلوقات بعده، يخلق مخلوقاً، ثُمَّ يخلق بعده مخلوقاً آخر.
ويقول علماء الطبيعة عن الكون والمادة: لا تفنى ولا تستحدث، فنلزمهم من كلامهم، فنقول لهم: إذا كنتم تقولون هذا في حق المادة التي هي من مخلوقاته، فما بالكم في حق صفات الله أو آثار صفات الله تخالفون في ذلك؟
стр. 246
فنقول: ما دامت صفات الله باقية ولا تحدث بعد إذ لم تكن، إذاً آثارها كذلك، وأوضح من ذلك ما يتعلق بصفة الكلام، فقد نص الجهمية والشيعة: أن الله كَانَ ذاتاً بلا صفات، ثُمَّ حدثت له الصفات، فلما خلق الكون صار خالقاً بعد أن لم يكن خالقاً، فكان بذلك في زمن ليس متصفاً بهذه الصفات، فلم يفرقوا بين القوة والفعل، وإنما نظروا فقط إِلَى الفعل، فَقَالُوا: صار قادراً عَلَى الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادراً.
والأشعرية نصوا عَلَى ذلك في الفعل دون الكلام، لأن الكلام عندهم صفة ذاتية متعلقة بالذات، قديمة بقدم الذات.
بينما الكلام عند أهل السنة -نوعه وجنسه- قديم، لكن الآحاد حادثة، فالقرآن نزل بعد نزول التوراة والإنجيل، وهذا معلوم لجميع العقلاء، فدل ذلك عَلَى أنه يقع بعد أن لم يكن.
إذاً فلا غبار في إثبات حوادث لها أول، ولا نخرج في ذلك عن الشرع ولا عن العقل، لأنه ما من وقت يقدر فيه إمكان الحدوث إلا وغيره ممكن أن يقع فيه وما من دليل يمنع حدوث حوداث قبل الوقت الذي حددتموه.
وكل الفرق الإسلامية تقول: إن هذا العالم حدث بعد أن لم يكن، عدا الفلاسفة الذين يقولون: إنه قديم.
وكلام المانعين لحوادث لا أول لها يدل عَلَى امتناع حدوث العالم؛ لأنه ما من وقت يقدر فيه الحدوث إلا وأمكن أن يقع قبله، وكذلك حديث عمران بن حصين هو نفسه دليل عَلَى أن الكلام ليس عن فترة لم يكن فيها، أيُّ مخلوق أبداً، وإنما يتكلم عن أمر هذا العالم والكون الأرضي الدنيوي، ولهذا لما سألوه قالوا: جئنا نسألك عن أول هذا الأمر كيف كان؟
стр. 247
فقولهم: "نسألك عن هذا الأمر" إشارة إِلَى الكون الحاضر المشهود، فلم يأت الجواب عن جنس الحوادث والمخلوقات، وإنما جَاءَ الجواب عن هذا العالم المخلوق، فقَالَ: كَانَ الله ولم يكن قبله شيء، وكان عرشه عَلَى الماء، وخلق السموات والأرض، وقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ.. [فصلت:١١] يدل ذلك عَلَى أن العرش والماء والدخان من مخلوقات الله قبل ذلك.
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[فالحاصل: أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا؟ أو في المستقبل فقط؟ أو الماضي فقط؟
فيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النظر من الْمُسْلِمِينَ وغيرهم:
أضعفها: قول من يقول: لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل كقول جهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف.
وثانيها قول من يقول: يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي، كقول كثير من أهل الكلام، ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم.
والثالث: قول من يقول: يمكن دوامها في الماضي والمستقبل، كما يقوله أئمة الحديث، وهي من المسائل الكبار. ولم يقل أحد يمكن دوامها في الماضي دون المستقبل] اهـ.
الشرح:
علق الشيخ الأرنؤوط عَلَى كلمة ابن كلاب فقَالَ: هو عبد الله بن كلاب المتوفى بعد سنة مائتين وأربعين، كَانَ إمام أهل السنة في عصره، وإليه مرجعها إِلَى آخر كلامه.
ومعلوم أنه كَانَ معاصراً للإمام أَحْمَد، فكيف يكون هو إمام أهل السنة ومرجع السنة في عصره؟
فهذا الكلام من الخطأ أن يقال في حق إمام فعلاً من أئمة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ معاصر للإمام أَحْمَد، فكيف برجل ليس من أئمة أهل السنة.
وهو الذي هجره وأمر بهجره الإمام أَحْمَد ﵀، وقَالَ: إنه مبتدع. فهجره أهل العلم نتيجة هذه البدع -وهي اشتغاله بعلم الكلام-، ونتيجة لهجر الإمامأَحْمَد له، فتضاءل تلاميذه وأثره.
стр. 248
إن هذه العبارة "إنه إمام أهل السنة في عصره وإليه مرجعها" هو كلام الكوثري، نقله عنهالدكتور علي سامي النشار، ويبدو أن الشيخ شعيب نقل هذا الكلام من كلام الدكتور علي سامي النشار في مقدمة كتاب الشامل للجويني، أو نقله عن الكوثري مباشرة.
فالقسمة العقلية المجردة النظرية تقتضي أن تكون المذاهب في هذا الموضوع أربعة، ولكن الموجود منها ثلاثة:
القول الأول: -وهو أضعفها- أنه لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل، وهذا قول الجهم بن صفوان، وأبي الهذيل العلاف من شيوخ المعتزلة.
وهذا القول تفرد به الجهم بن صفوان وأبو الهذيل العلاف، وهو قول شاذ حتى عند جميع أهل الملل، والفلاسفة، واليهود، والنَّصارَى، فلم يقولوا: بأن الحوادث لا تدوم لا في الماضي ولا في المستقبل، وينبني عليه أن الله لم يكن خالقاً، ولا متكلماً، ولا فعالاً لما يريد في زمن من الأزمان، ثُمَّ حدث له ذلك - كما يقولون - فانتقل الأمر من الامتناع الذاتي إِلَى الإمكان الذاتي، ومن ذلك قولهم: إن الجنة والنَّار تفنيان، وعالم الملأ الأعلى يفنى.
والقول الثاني: يمكن دوامها في المستقبل الذي لا آخر له، ويسمى الأبد، ولا يمكن دوام نوع الحوادث في -الزمن الذي لا أول له- الأزل.
وهَؤُلاءِ هم الكرامية والأشعرية والشيعة وبعض المعتزلة وبعض المنتسبين للمذاهب الأربعة، يقولون: لم يكن الله في الماضي خالقاً، ولا رازقاً، ولا مُحيياً، ولا مميتاً؛ لأنه لم يكن هناك خلق يخلقهم، ولا يرزقهم، ولا يحييهم أو يميتهم قبل أن توجد هذه الحوادث، وأما في المستقبل فالإمكان وارد؛ لأن أهل الجنة وأهل النَّار يبقون أبد الآبدين ولا يفنون.
стр. 249
القول الثالث: وهو الذي عليه أكثر أهل السنة والحديث من العلماء، وهو الذي انتصر له الإمام أَحْمَد ﵀: وهو أن أنواع الحوادث دائمة عَلَى طرفي الزمان بحسب الماضي والمستقبل، وهناك فرق بين هذا القول وبين قول الفلاسفة فإنهم يقولون: إن الكون أو بعضه، أو الأفلاك، أو العقول العشرة التي سماها أفلاطون، وما أشبه ذلك، قديمةٌ كقدم الله تعالى، ويسمونه واجب الوجود أي: الله .
إن الأفلاك أو العقول أو هذا الكون المشهود إذا قيل: إنه لا أول له، هو كفر، وتكفر به الفلاسفة، ومنهم: ابن سينا والفارابي وأمثالهم.
وأما أهل السنة فإنهم لا يتكلمون عن عين من أعيان المخلوقات، فلا يقولون: العرش قديم، ولا القلم قديم أي أزلي، وإنما يقولون: الجنس -جنس الحوادث- وأما الأعيان فكل مخلوق بذاته فهو مخلوق خلقه الله بوقت ما، وسيفنيه متى شاء.
فنفترض أن هذا المخلوق كَانَ قبله شيء مخلوق وكلها مخلوقة، والله هو الذي ابتدأ خلقها لا أحد سواه، أما هو جل شأنه. فإنه لا شيء قبله .
القسم الرابع: قلنا: إنه لم يقل أحد أنه يمكن أن تكون الحوادث لا أول لها في الماضي، ولا يمكن أن تكون في المستقبل، والقسم الرابع قسمة عقلية لم يقل به أحد.
والمسألة طويلة ومعقدة، وتعتمد عَلَى قضايا كثيرة لا يستطيع العقل أن يستوعبها، مثل: قضية الأزل، وتصور شيء لا أول له.
والزمان مخلوق من مخلوقات الله ، نقدره في الأرض بالليل والنهار الذي جعله الله لنا، لنعرف بها مواقيت عبادتنا والآجال والأعمار.
ولو تصورنا ما معنى الأزل قبل أن تخلق السماوات والأرض، وكيف يكون الزمان بعد أن تفنى السماوات والأرض وتكور الشمس والقمر، لأدركنا حينئذ أننا لا ندري حقيقة الزمان، ولا نستطيع أن نفهمها، ومع ذلك فإنه مما خلقه الله .
стр. 250
والفخر الرازي المتوفى في أوائل القرن السابع، - إمام الأشعرية في عصره، وحوى وتبحر في العقليات والكلام الشيء الكثير -، فكتب كتاباً أسماه المباحث المشرقية وهو كتاب مطبوع وذكر عشرة براهين في نفي حوادث لا أول لها، وأنه لا يصلح القول: بحوادث لا أول لها.
فجاء شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ولم يكن قصده أن يرد عَلَى الفخر الرازي، لكن جَاءَ الذي سمى نفسه ابن المطهر الحلي وهو رافضي أبعد شيء عن الطهارة في الاعتقاد والعمل، فألف كتاباً أسماه " منهاج الكرامة " فأخذ ابْن تَيْمِيَّةَ يستعرض أقواله، فلما جَاءَ بمسألة الحدوث تطرق للبراهين العشرة التي للرازي، فنقضها شَيْخ الإِسْلامِ نقضاً طويلاً.
وما ذكره المُصنِّفُ هنا في هذه المواضع إنما هو اختصار لها.
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[ولا شك أن جمهور العالم من جميع الطوائف يقولون: إن كل ما سوى الله تَعَالَى مخلوق، كائن بعد أن لم يكن، وهذا قول الرسل وأتباعهم من الْمُسْلِمِينَ واليهود والنَّصارَى وغيرهم.
следующие страницы →