Полный текст (1 990 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فنقول: ما دامت صفات الله باقية ولا تحدث بعد إذ لم تكن، إذاً آثارها كذلك، وأوضح من ذلك ما يتعلق بصفة الكلام، فقد نص الجهمية والشيعة: أن الله كَانَ ذاتاً بلا صفات، ثُمَّ حدثت له الصفات، فلما خلق الكون صار خالقاً بعد أن لم يكن خالقاً، فكان بذلك في زمن ليس متصفاً بهذه الصفات، فلم يفرقوا بين القوة والفعل، وإنما نظروا فقط إِلَى الفعل، فَقَالُوا: صار قادراً عَلَى الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادراً.
والأشعرية نصوا عَلَى ذلك في الفعل دون الكلام، لأن الكلام عندهم صفة ذاتية متعلقة بالذات، قديمة بقدم الذات.
بينما الكلام عند أهل السنة -نوعه وجنسه- قديم، لكن الآحاد حادثة، فالقرآن نزل بعد نزول التوراة والإنجيل، وهذا معلوم لجميع العقلاء، فدل ذلك عَلَى أنه يقع بعد أن لم يكن.
إذاً فلا غبار في إثبات حوادث لها أول، ولا نخرج في ذلك عن الشرع ولا عن العقل، لأنه ما من وقت يقدر فيه إمكان الحدوث إلا وغيره ممكن أن يقع فيه وما من دليل يمنع حدوث حوداث قبل الوقت الذي حددتموه.
وكل الفرق الإسلامية تقول: إن هذا العالم حدث بعد أن لم يكن، عدا الفلاسفة الذين يقولون: إنه قديم.
وكلام المانعين لحوادث لا أول لها يدل عَلَى امتناع حدوث العالم؛ لأنه ما من وقت يقدر فيه الحدوث إلا وأمكن أن يقع قبله، وكذلك حديث عمران بن حصين هو نفسه دليل عَلَى أن الكلام ليس عن فترة لم يكن فيها، أيُّ مخلوق أبداً، وإنما يتكلم عن أمر هذا العالم والكون الأرضي الدنيوي، ولهذا لما سألوه قالوا: جئنا نسألك عن أول هذا الأمر كيف كان؟
стр. 247
فقولهم: "نسألك عن هذا الأمر" إشارة إِلَى الكون الحاضر المشهود، فلم يأت الجواب عن جنس الحوادث والمخلوقات، وإنما جَاءَ الجواب عن هذا العالم المخلوق، فقَالَ: كَانَ الله ولم يكن قبله شيء، وكان عرشه عَلَى الماء، وخلق السموات والأرض، وقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ.. [فصلت:١١] يدل ذلك عَلَى أن العرش والماء والدخان من مخلوقات الله قبل ذلك.
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[فالحاصل: أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا؟ أو في المستقبل فقط؟ أو الماضي فقط؟
فيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النظر من الْمُسْلِمِينَ وغيرهم:
أضعفها: قول من يقول: لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل كقول جهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف.
وثانيها قول من يقول: يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي، كقول كثير من أهل الكلام، ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم.
والثالث: قول من يقول: يمكن دوامها في الماضي والمستقبل، كما يقوله أئمة الحديث، وهي من المسائل الكبار. ولم يقل أحد يمكن دوامها في الماضي دون المستقبل] اهـ.
الشرح:
علق الشيخ الأرنؤوط عَلَى كلمة ابن كلاب فقَالَ: هو عبد الله بن كلاب المتوفى بعد سنة مائتين وأربعين، كَانَ إمام أهل السنة في عصره، وإليه مرجعها إِلَى آخر كلامه.
ومعلوم أنه كَانَ معاصراً للإمام أَحْمَد، فكيف يكون هو إمام أهل السنة ومرجع السنة في عصره؟
فهذا الكلام من الخطأ أن يقال في حق إمام فعلاً من أئمة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ معاصر للإمام أَحْمَد، فكيف برجل ليس من أئمة أهل السنة.
وهو الذي هجره وأمر بهجره الإمام أَحْمَد ﵀، وقَالَ: إنه مبتدع. فهجره أهل العلم نتيجة هذه البدع -وهي اشتغاله بعلم الكلام-، ونتيجة لهجر الإمامأَحْمَد له، فتضاءل تلاميذه وأثره.
стр. 248
إن هذه العبارة "إنه إمام أهل السنة في عصره وإليه مرجعها" هو كلام الكوثري، نقله عنهالدكتور علي سامي النشار، ويبدو أن الشيخ شعيب نقل هذا الكلام من كلام الدكتور علي سامي النشار في مقدمة كتاب الشامل للجويني، أو نقله عن الكوثري مباشرة.
فالقسمة العقلية المجردة النظرية تقتضي أن تكون المذاهب في هذا الموضوع أربعة، ولكن الموجود منها ثلاثة:
القول الأول: -وهو أضعفها- أنه لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل، وهذا قول الجهم بن صفوان، وأبي الهذيل العلاف من شيوخ المعتزلة.
وهذا القول تفرد به الجهم بن صفوان وأبو الهذيل العلاف، وهو قول شاذ حتى عند جميع أهل الملل، والفلاسفة، واليهود، والنَّصارَى، فلم يقولوا: بأن الحوادث لا تدوم لا في الماضي ولا في المستقبل، وينبني عليه أن الله لم يكن خالقاً، ولا متكلماً، ولا فعالاً لما يريد في زمن من الأزمان، ثُمَّ حدث له ذلك - كما يقولون - فانتقل الأمر من الامتناع الذاتي إِلَى الإمكان الذاتي، ومن ذلك قولهم: إن الجنة والنَّار تفنيان، وعالم الملأ الأعلى يفنى.
والقول الثاني: يمكن دوامها في المستقبل الذي لا آخر له، ويسمى الأبد، ولا يمكن دوام نوع الحوادث في -الزمن الذي لا أول له- الأزل.
وهَؤُلاءِ هم الكرامية والأشعرية والشيعة وبعض المعتزلة وبعض المنتسبين للمذاهب الأربعة، يقولون: لم يكن الله في الماضي خالقاً، ولا رازقاً، ولا مُحيياً، ولا مميتاً؛ لأنه لم يكن هناك خلق يخلقهم، ولا يرزقهم، ولا يحييهم أو يميتهم قبل أن توجد هذه الحوادث، وأما في المستقبل فالإمكان وارد؛ لأن أهل الجنة وأهل النَّار يبقون أبد الآبدين ولا يفنون.
стр. 249
القول الثالث: وهو الذي عليه أكثر أهل السنة والحديث من العلماء، وهو الذي انتصر له الإمام أَحْمَد ﵀: وهو أن أنواع الحوادث دائمة عَلَى طرفي الزمان بحسب الماضي والمستقبل، وهناك فرق بين هذا القول وبين قول الفلاسفة فإنهم يقولون: إن الكون أو بعضه، أو الأفلاك، أو العقول العشرة التي سماها أفلاطون، وما أشبه ذلك، قديمةٌ كقدم الله تعالى، ويسمونه واجب الوجود أي: الله .
إن الأفلاك أو العقول أو هذا الكون المشهود إذا قيل: إنه لا أول له، هو كفر، وتكفر به الفلاسفة، ومنهم: ابن سينا والفارابي وأمثالهم.
وأما أهل السنة فإنهم لا يتكلمون عن عين من أعيان المخلوقات، فلا يقولون: العرش قديم، ولا القلم قديم أي أزلي، وإنما يقولون: الجنس -جنس الحوادث- وأما الأعيان فكل مخلوق بذاته فهو مخلوق خلقه الله بوقت ما، وسيفنيه متى شاء.
فنفترض أن هذا المخلوق كَانَ قبله شيء مخلوق وكلها مخلوقة، والله هو الذي ابتدأ خلقها لا أحد سواه، أما هو جل شأنه. فإنه لا شيء قبله .
القسم الرابع: قلنا: إنه لم يقل أحد أنه يمكن أن تكون الحوادث لا أول لها في الماضي، ولا يمكن أن تكون في المستقبل، والقسم الرابع قسمة عقلية لم يقل به أحد.
والمسألة طويلة ومعقدة، وتعتمد عَلَى قضايا كثيرة لا يستطيع العقل أن يستوعبها، مثل: قضية الأزل، وتصور شيء لا أول له.
والزمان مخلوق من مخلوقات الله ، نقدره في الأرض بالليل والنهار الذي جعله الله لنا، لنعرف بها مواقيت عبادتنا والآجال والأعمار.
ولو تصورنا ما معنى الأزل قبل أن تخلق السماوات والأرض، وكيف يكون الزمان بعد أن تفنى السماوات والأرض وتكور الشمس والقمر، لأدركنا حينئذ أننا لا ندري حقيقة الزمان، ولا نستطيع أن نفهمها، ومع ذلك فإنه مما خلقه الله .
стр. 250
والفخر الرازي المتوفى في أوائل القرن السابع، - إمام الأشعرية في عصره، وحوى وتبحر في العقليات والكلام الشيء الكثير -، فكتب كتاباً أسماه المباحث المشرقية وهو كتاب مطبوع وذكر عشرة براهين في نفي حوادث لا أول لها، وأنه لا يصلح القول: بحوادث لا أول لها.
فجاء شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ولم يكن قصده أن يرد عَلَى الفخر الرازي، لكن جَاءَ الذي سمى نفسه ابن المطهر الحلي وهو رافضي أبعد شيء عن الطهارة في الاعتقاد والعمل، فألف كتاباً أسماه " منهاج الكرامة " فأخذ ابْن تَيْمِيَّةَ يستعرض أقواله، فلما جَاءَ بمسألة الحدوث تطرق للبراهين العشرة التي للرازي، فنقضها شَيْخ الإِسْلامِ نقضاً طويلاً.
وما ذكره المُصنِّفُ هنا في هذه المواضع إنما هو اختصار لها.
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[ولا شك أن جمهور العالم من جميع الطوائف يقولون: إن كل ما سوى الله تَعَالَى مخلوق، كائن بعد أن لم يكن، وهذا قول الرسل وأتباعهم من الْمُسْلِمِينَ واليهود والنَّصارَى وغيرهم.
стр. 251
ومن المعلوم بالفطرة أن كون المفعول مقارناً -لفاعله لم يزل ولا يزال معه- ممتنع محال ولما كَانَ تسلسل الحوادث في المستقبل. لا يمنع أن يكون الرب سبحانه هو الآخر الذي ليس بعده شيء، فكذا تسلسل الحوادث في الماضي لا يمنع أن يكون الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، فإن الرب لم يزل ولا يزال يفعل ما يشاء، ويتكلم إذا يشاء، قال تعالى: قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران:٤٠] وقال تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد [البقرة:٢٥٣] وقال تعالى: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦،١٥] وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّه [لقمان:٢٧] وقال تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ َ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً [الكهف:١٠٩] ، والمثبت إنما هو الكمال الممكن الوجود، وحينئذ فإذا كَانَ النوع دائماً، فالممكن والأكمل هو التقدم عَلَى كل فرد من الأفراد بحيث لا يكون في أجزاء العالم شيء يقارنه بوجه من الوجوه. وأما دوام الفعل، فهو أيضاً من الكمال، فإن الفعل إذا كَانَ صفة كمال فدوامه دوام الكمال] اهـ
الشرح:
стр. 252
كل من يؤمن بالله من أصحاب الملل، كاليهود والنَّصارَى والمجوس من الفلاسفة ومن غيرهم، يقولون: بأن كل ما سوى الله فهو مخلوق، ومع ذلك يقولون بدوام نوع هذه المخلوقات إِلَى ما لا نهاية له في المستقبل، كما قلنا: إن الجنة والنَّار تبقى إِلَى الأبد، وهذا لا ينافي أن يكون الله هو الآخر كما جَاءَ في الحديث: (وأنت الأخر فليس بعدك شيء) ، فإذا أمكن ذلك، فما المانع من مقابله أيضاً، أن يكون الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، ومع ذلك فإن نوع حوادث المخلوقات قديم.
فالله كَانَ ولم يزل فعالاً لما يريد، متكلماً كما يشاء كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران:٤٠] وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد [البقرة:٢٥٣] فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] وهناك آيات متعلقة بكلامه ، كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّه [لقمان:٢٧] ، والكلمات هي أوامر الله التي تكون بها المخلوقات وغير ذلك، فهذا دليل عَلَى أن أفعال الله وكلماته لا تتناهى أزلاً ولا أبداً، وهذا من صفات كماله سبحانه.
وإنما يكون النقص والعيب لو أننا افترضنا مخلوقاً من مخلوقاته متقدماً عليه أو متأخراً عنه، وأما القول بأن كل مخلوق يخلقه الله ثُمَّ يفنيه إذا شاء أن يفنيه؛ فهذا لا يقتضي نقصاً، بل النقص أن يقَالَ: إنه لم يكن متكلماً، ولم يكن مريداً لما يشاء في ذلك الزمن سواء كَانَ الأزل أو الأبد.
стр. 253
فالكمال الذي نريد إثباته لله هو: أنه فعال لما يريد، متكلم بما يشاء في أي زمن من الأزمان، ونفي ما سوى ذلك هو النقص، إذا افترضنا أنه كَانَ ممتنعاً عليه من الكمال.
ثُمَّ ابتدأ المُصنِّفُ يرد عليهم في قولهم: إن هذا يلزم منه التسلسل.
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[قالوا: والتسلسل لفظ مجمل، لم يرد بنفيه ولا إثباته كتاب ولا سنة، ليجب مراعاة لفظه، وهو ينقسم إِلَى واجب وممتنع وممكن.
وكالتسلسل في المؤثرين محال ممتنع لذاته، وهو أن يكون مؤثرون كل واحد منهم استفاد تأثيره ممن قبله لا إِلَى غاية.
والتسلسل الواجب: ما دل عليه العقل والشرع من دوام أفعال الرب تَعَالَى في الأبد، وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيماً آخر لا نفاد له.
وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف الأزل، وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر، فهذا واجب في كلامه، فإنه لم يزل متكلماً إذا شاء، ولم تحدث له صفة الكلام في وقت، وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته، فإن كل حي فعال، والفرق بين الحي والميت بالفعل، ولهذا قال غير واحد من السلف الحي الفعال. وقال عثمان بن سعيد: كل حي فعال، ولم يكن ربنا تَعَالَى قط في وقت من الأوقات معطلاً عن كماله، من الكلام والإرادة والفعل.
وأما التسلسل الممكن، فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف. كما تتسلسل في طرف الأبد، فإنه إذا لم يزل حياً قادراً مريداً متكلماً -وذلك من لوازم ذاته- فالفعل ممكن له بوجوب هذه الصفات له، وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل، ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه، فإنه سبحانه متقدم عَلَى كل فرد من مخلوقاته تقدماً لا أول له، فلكل مخلوق أول، والخالق سبحانه لا أول له، فهو وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن] اهـ
الشرح:
стр. 254
أولاً: كلمة التسلسل ليست كلمة شرعية، فلم ترد في الكتاب ولا في السنة لا بنفى ولا إثبات حتى نراعيها، لأن اللفظ الذي يجب علينا أن نراعيه هو ما جَاءَ في كتاب الله أو في سنة رَسُول الله ﷺ ، فما جَاءَ في الكتاب نفيه يجب أن نراعي نفيه دائماً، وما جَاءَ في الكتاب إثباته فيجب أن نراعي إثباته دائماً، لكن ما لم يأت نفيه ولا إثباته فنحن ننظر فيه ونقيسه بالمقاييس الشرعية الكتاب والسنة، فإن كَانَ الأمر يقتضي نفيه نفيناه، وإن كَانَ الأمر يقتضي إثباته نثبته، وإن كَانَ فيه تفصيل فصلنا.
وهذه الكلمة مما فيه تفصيل، فنقول: لا نطلق القول بأن التسلسل ممنوع، فإنا لو نظرنا إِلَى ما في الكتاب والسنة من البراهين لوجدنا أن التسلسل ثلاثة أقسام، وترد عليه الأحكام الثلاثة وهي: الوجوب أو الامتناع أو الجواز.
وهذه الأحكام يسمونها: "الأحكام العقلية الثلاثة التي ترد عَلَى كل شيء"، فإما أن يكون واجب الوجود، أو ممتنع الوجود، أو ممكن الوجود، أي: جائز أن يوجد وجائز أن لا يوجد.
وهذه الأحكام العقلية الثلاثة ترد عَلَى التسلسل، فمنه واجب يجب أن نثبته لله ، ومنه ممتنع يجب أن ننفيه عنه، ومنه ما هو ممكن وجائز.
التسلسل الممنوع
فالممتنع هو التسلسل في المؤثرين أي: في المفعولات، مثلما جَاءَ في الحديث: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله؟) ، هذا خلق هذا وهذا خلق هذا ... فالمفعولين أو المؤثرين، التسلسل فيهم ممنوع، بل لابد أن نصل إِلَى نهاية، وهذه النهاية في المفعولين أو المؤثرين هي إِلَى الله وهذا أحد ما يدل عليه قوله تعالى: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى [النجم:٤٢] .
التسلسل الواجب
стр. 255
وأما التسلسل الواجب فهو: ما دل عليه العقل والشرع من دوام أفعال الرب تَعَالَى في الأبد، والتى هي محل الاتفاق عند الجميع؛ إلا الجهم والعلاف، وهذان لا يؤبه لخلافهما، وهي أن الله يديم نعيم أهل الجنة، وكذلك -والعياذ بالله- عذاب أهل النَّار الكفار إِلَى ما لا نهاية، فكلما انقضى نعيم أحدث لهم نعيما آخر، وهكذا تتسلسل إِلَى ما لا نهاية.
وهذا تسلسل يجب أن نثبته، وبهذا يتضح أن القول بأن التسلسل ممتنع أو أنه غير جائز عَلَى الإطلاق ليس بصحيح.
ثُمَّ ذكر المُصْنِّف ﵀ التسلسل في أفعاله بالنسبة إِلَى الأزل، أي: في الماضي، وأنه واجب في أفعاله ، وواجب في كلامه، وإلا لزمكم -والعياذ بالله- أن تفترضوا أنه كَانَ أخرساً ممنوعاً من الكلام، ثُمَّ حدث له الكلام وتكلم، ومقتضى الكلام أفعال، بل مقتضى الحياة؛ لأن كل حي فعال، حتى أدق الكائنات، فكيف بالحي القيوم الذي له مطلق الحياة وكمالها؟ إذاً فكونه حياً، وكونه متكلماً في الماضي إِلَى ما لا نهاية، يجب أن نثبته له ، وإن كانت آثار أفعاله تكون مخلوقات، لكن لا ضير في أن نثبت ذلك، بل هذا كمال الحق لله .
التسلسل الممكن
стр. 256
ثُمَّ قال ﵀: وأما التسلسل الممكن: فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف، كما تتسلسل من طرف الأبد، أي: أنه مثل ما قلنا: إن التسلسل في الماضي واجب، فإنه في المستقبل ممكن غير ممتنع؛ لأنه لم يزل حياً، قادراً، مريداً، متكلماً، فكونه يفعل أكمل من كونه لا يفعل، وكونه يتكلم أكمل من كونه لا يتكلم، وكونه يريد أكمل من كونه لا يريد، إذاً فإثبات هذا الكمال له ممكن ليس ممتنع، كما يقولون هم بامتناعه، والخلاف بيننا وبينهم بالامتناع، امتناع حوادث لا أول لها، أو إمكان حوادث لا أول لها.
يقول: وهذا الشيء لا يلزم منه أنه لم يزل الخلق كلهم معه، وإن افترضنا ذلك، فإنه متقدم عليهم تقدماً لا أول له، فإن لكل مخلوق أول، والله هو الذي لا أول له، وهو خالق كل شيء، وهو رب كل شيء؛ لأن الأزل نفسه ليس أمراً وجودياً، وليس بشيء، إنما هو ما لا أول له، فكل ما افترضناه نفترض أن قبله شيء آخر، فهذا هو الأزل.
فنتج من هذا: أن التسلسل منه ما هو واجب اتفق الجميع عليه، وهو تسلسل أفعاله في المستقبل، ومنه ما هو ممتنع -يتكلم فيه النَّاس عادة- وهو تسلسل المؤثرين أو المخلوقين، ومنه ما هو ممكن، وهو تسلسل أفعاله في الزمن الماضي، إذاً فهذه القسمة الثلاثية تنفي أن القول بوجود حوادث لا أول لها يؤدي إِلَى التسلسل، هذا ملخص ما يريد المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أن يقوله.
الرد على المتكلمين
ثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
[قالوا: وكل قول سوى هذا فصريح العقل يرده ويقضي ببطلانه، وكل من اعترف بأن الرب تَعَالَى لم يزل قادراً عَلَى الفعل لزمه أحد أمرين لا بد له منهما:
стр. 257
إما أن يقول بأن الفعل لم يزل ممكناً، وإما أن يقول لم يزل واقعاً، وإلا تناقض تناقضاً بيناً، حيث زعم أن الرب تَعَالَى لم يزل قادراً عَلَى الفعل، والفعل محال ممتنع لذاته، لو أراده لم يمكن وجوده، بل فرض إرادته عنده محال. وهو مقدور له، وهذا قول ينقض بعضه بعضاً.
والمقصود: أن الذي دل عليه الشرع والعقل أن كل ما سوى الله تَعَالَى محدث كائن بعد أن لم يكن. أما كون الرب تَعَالَى لم يزل معطلاً عن الفعل ثُمَّ فعل، فليس في الشرع ولا في العقل ما يثبته، بل كلاهما يدل عَلَى نقيضه] اهـ.
الشرح:
معنى قول المُصْنِّف ﵀: أن من اعترف بأن الرب ﵎ قادر، وأن هذه القدرة من صفاته -وكل المتكلمين عن الإسلام إلا من شذ يقولون ذلك- إما أن يقول: إن الفعل لم يزل ممكناً، فإن قَالَ: نعم. إن العقل يقتضي أنه ممكن، قلنا: هذا هو المطلوب، فلا جدال إذاً بيننا وبينك، وإن قَالَ: لا، إنه لم يزل الفعل واقعاً، قلنا هذا تناقض، يعني: إذا قلت أن الله قديرٌ عَلَى كل شيء، وفعله أو مقدوره وقع وحصل، وأنه متصف بالقدرة أزلاً وأبداً، فكيف تنفي أنه لم يخلق، ولم يكن له هذه المقدورات أو هذه المخلوقات؟ أو أنه في وقت من الأوقات كَانَ فعلُ المقدور ممتنع؟ وإن قلت: إنه واقع فهذا زيادة في الإثبات أكثر، وهو أنه كَانَ واقعاً.
وننبه إِلَى قضية وهي: أن الفلاسفة تصوروا أن العالم كله أو أن بعضه قديم، ويجعلون الله علة فقط، وليس خالقاً مريداً، وكذبهم واضح من كلامهم؛ لأن العلة تستلزم وجود المعلول، فلو كَانَ مجرد علة لوجدت جميع المخلوقات دفعة واحدة، أما وأن هناك من يحي ويموت، ثُمَّ يحي غيره ثُمَّ يموت هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ [فاطر:٣٩] .
стр. 258
فهذا دليل عَلَى أنه هو الذي يحيي ويميت، ويكون الليل ثُمَّ النهار، ثُمَّ فناء الليل والنهار، ويكون المطر، ثُمَّ يكون الصحو، والصحة والمرض، وهكذا سائر التغيرات في الكون دليلٌ عَلَى أنه كل يوم هو في شأن، وأنه يفعل ما يشاء، ويخلق ما يشاء، ويأمر بما يشاء، ويغير كما يشاء ، لا معقب لحكمة ولا راد لأمره.
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
[وقد أورد أبو المعالي في إرشاده وغيره من النظار عَلَى التسلسل في الماضي، فَقَالُوا: إنك لو قلت: لا أعطيك درهماً إلا أعطيك بعده درهماً، كَانَ هذا ممكنا، ولو قلت: لا أعطيك درهما حتى أعطيك قبله درهماً، كَانَ هذا ممتنعاً.
وهذا التمثيل والموازنة غير صحيحة، بل الموازنة الصحيحة أن تقول: ما أعطيتك درهماً إلا أعطيتك قبله درهماً، فتجعل ماضياً قبل ماض، كما جعلت هناك مستقبلاً بعد مستقبل.
وأما قول القائل: لا أعطيك حتى أعطيك قبله، فهو نفي للمستقبل حتى يحصل في المستقبل ويكون قبله.
فقد نفى المستقبل حتى يوجد المستقبل، وهذا ممتنع، لم ينفِ الماضي حتى يكون قبله ماض فإن هذا ممكن، والعطاء المستقبل ابتداؤه من المعطي، والمستقبل الذي له ابتداء وانتهاء لا يكون قبله ما لانهاية له فإن ما لانهاية له فيما يتناهى ممتنع] اهـ
الشرح:
[والعطاء المستقبل ابتداؤه من المعطي] في بعض النسخ، وهذه أوضح، يعني: جعلنا ابتداءه من المعطي وهو أفضل.
وأبو المعالي الجويني هو صاحب كتاب الإرشاد والشامل، وهو إمام الأشعرية في زمنه، وأراد بهذا المثال أن يستدل عَلَى امتناع الحوادث بالنسبة للماضي.
стр. 259
وكان المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فطناً ولبيباً في رده -وما أحسبه إلا أنه نقله من كلام شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فبين أن هذا التمثيل غير صحيح، لأن الماضي يعبر عنه بفعل الماضي لا بالمستقبل، فالصحيح أن تقول: ما أعطيتك درهماً إلا أعطيتك قبله درهماً، أما أن تعلق شيئاً في مستقبل بوقوع شيء في المستقبل، فإن هذا لم يقع!
أما أن تعلق شيئاً بوجود شيء قبله في الماضي، فهذا غير ممتنع، بل هو ممكن من حيث القسمة العقلية. هذا ملخص الكلام، وبذلك نكون انتهينا من هذه الفقرة الكلامية.
قال الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[ليس بعد -في نسخة منذ- خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري] .
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[ظاهر كلام الشيخ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أنه يمنع تسلسل الحوادث في الماضي، ويأتي في كلامه ما يدل عَلَى أنه لا يمنعه في المستقبل، وهو قوله: والجنة والنَّار مخلوقتان لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، وهذا مذهب الجمهور كما تقدم، ولا شك في فساد قول من منع ذلك في الماضي والمستقبل، كما ذهب إليه الجهم وأتباعه، وقال بفناء الجنة والنار، لما يأتي من الأدلة إن شاء الله تعالى.
وأما قول من قال بجواز حوادث لا أول لها، من القائلين بحوادث لا آخر لها فأظهر في الصحة من قول من فرق بينهما، فإنه سبحانه لم يزل حياً، والفعل من لوازم الحياة، فلم يزل فاعلاً لما يريد، كما وصف بذلك نفسه، حيث يقول: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦،١٥] . والآية تدل عَلَى أمور:
أحدها: أنه تَعَالَى يفعل بإرادته ومشيئته.
стр. 260
الثاني: أنه لم يزل كذلك، لأنه ساق ذلك في معرض المدح والثناء عَلَى نفسه، وأن ذلك من كماله سبحانه، ولا يجوز أن يكون عادماً لهذا الكمال في وقت من الأوقات، وقد قال تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل:١٧] ولما كَانَ من أوصاف كماله ونعوت جلاله، لم يكن حادثاً بعد أن لم يكن.
الثالث: انه إذا أراد شيئا فعله، فان "ما" موصولة عامة أي: يفعل كل ما يريد أن يفعله، وهذا في إرادته المتعلقة بفعله، وأما إرادته المتعلقة بفعل العبد فتلك لها شان آخر؛ فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه عليه ويجعله فاعلا، لم يوجد الفعل، وإن أراده حتى يريد من نفسه أن يجعله فاعلا.
وهذه هي النكتة التي خفيت عَلَى القدرية والجبرية، وخبطوا في مسألة القدر، لغفلتهم عنها، وفرق بين إرادته أن يفعل العبد، وإرادة أن يجعله فاعلا، وسيأتي الكلام عَلَى مسألة القدر في موضعه إن شاء الله تعالى.
الرابع: أن فعله وإرادته متلازمان، فما أراد أن يفعل فعله، وما فعله فقد أراده، بخلاف المخلوق فإنه يريد ما لا يفعل، وقد يفعل ما لا يريده، فما ثُمَّ فعال لما يريد إلا الله وحده.
الخامس: إثبات إرادات متعددة بحسب الأفعال، وأن كل فعل له إرادة تخصه، هذا هو المعقول في الفطر، فشأنه سبحانه أنه يريد عَلَى الدوام، ويفعل ما يريد.
السادس: أن كل ما صح أن تتعلق به إرادته، جاز فعله، فإذا أراد أن ينزل كل ليلة إِلَى السماء الدنيا، وأن يجيء يَوْمَ القِيَامَةِ لفصل القضاء، وأن يري عباده نفسه، وأن يتجلى لهم كيف شاء، ويخاطبهم، ويضحك إليهم، وغير ذلك مما يريد سبحانه لم يمتنع عليه فعله، فإنه تَعَالَى فعال لما يريد. وإنما تتوقف صحة ذلك عَلَى إخبار الصادق به، فإذا أخبر وجب التصديق، وكذلك محو ما يشاء، وإثبات ما يشاء، كل يوم هو في شأن .
стр. 261
والقول بأن الحوادث لها أول، يلزم منه التعطيل قبل ذلك، وأن الله لم يزل غير فاعل، ثُمَّ صار فاعلاً. ولا يلزم من ذلك قدم العالم، لأن كل ما سوى الله تَعَالَى محدث ممكن الوجود، موجود بإيجاد الله تَعَالَى له، ليس له من نفسه إلا العدم، والفقر، والاحتياج وصف ذاتي لازم لكل ما سوى الله تعالى، والله تَعَالَى واجب الوجود لذاته، غني لذاته، والغنى وصف ذاتي لازم له ] ا. هـ.
الشرح:
هذه الأوجه الكثيرة يذكرها المُصنِّفُ ﵀ في شرح قوله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] لبيان عموم دلالة هذه الآية عَلَى إثبات ما يريده، وذكر أن ظاهر كلام الطّّحاويّ أنه يمنع تسلسل الحوادث في الماضي، إلا أنه يثبت اسمي الخالق واسمي الباري لله وهذا لا نقاش فيه، لكن معنى كلامه: أنهما ثابتان له حتى في الفترة التي لم يكن فيها مخلوق بإطلاق، وهذا هو محل الخلاف، والذي رجحه المُصنِّفُ عدم القول بأن هناك فترة ليس فيها مخلوق بإطلاق، وهذا القول قوي، لأنه ما دام أن الله موصوف في كل وقت بأنه خالق، وقادر، وفعال لما يريد، فإن مقتضى ذلك أن تكون له مخلوقات بأي وقت من الأوقات.
وقد يتساءل بعض الناس: لماذا لم يرد في الكتاب أو في السنة ما يدل عَلَى أن شيئاً من الأشياء هو أول المخلوقات عَلَى الإطلاق؟ وإنما يرد ما يدل عَلَى أولوية بعض المخلوقات عَلَى بعض أولوية نسبية، كالعرش والقلم بالنسبة لهذا الكون الذي نراه؟ هذا ما سوف نشرحه -إن شاء الله- في حديث عمران بن حصين بعد أن نتكلم عن عموم دلالة قوله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] .
والشاهد هنا أن عموم قوله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] يدل عَلَى أنه تَعَالَى يفعل بإرادته ومشيئته، هذا هو الوجه الأول.
стр. 262
والوجه الثاني: أنه لم يزل كذلك فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] في الماضي، وفَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] في المستقبل، فلو قدر وقت من الأوقات أنه لم يكن فيه فعال لما يريد، لكان ذلك نقص في حقه ، فإن له الكمال المطلق في كل وقت.
الوجه الثالث: -أي من أوجه دلالة قوله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦]- أنه إذا أراد أي شيء فعله، فيدخل فيها كل شيء لعموم كلمة "ما"؛ لأنها اسم موصول من ألفاظ العموم، مثل كلمة "شيء"، تدل عَلَى الإطلاق وعلى العموم في سائر الزمان والأوقات.
ثُمَّ استطرد المُصنِّفُ ﵀ في ذكر إرادة الله المتعلقة بفعله، وهي: أن الله تَعَالَى قادر، فعال لما يريد فعله وقوله: أما إرادته المتعلقة بفعل العبد فتلك لها شان آخر. هذا الشأن الآخر سبق معنا مجملاً في باب الإرادة، عندما أشار بكلمة الإرادة، ويأتي مفصلاً -إن شاء الله- في شرح أبواب القدر.
لكن الشاهد هنا هو: التفريق بين هاتين الإرادتين، الإرادة الكونية التي في قوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:٨٢] ، والإرادة الشرعية التي هي: ما هو مطلوب من العبد أن يفعله من الأوامر والنواهي، فإن أراد الله أن يوفق العبد ويهديه لفعل من الأفعال أعانه عليه، وإن أراد خذلانه فإنه لا يعينه عليه، فيجب أن نفرق بين فعل يريد الله أن يفعله بنفسه، وبين فعل يريد من غيره أن يفعله.
الرابع: أن فعل الله وإرادته متلازمان لا ينفك بعضهما عن بعض، فما أراد أن يفعله فعله، وما فعله فقد أراده، لا معقب لحكمه ولا راد لفعله، لأنه لا يفعل إلا ما يريد، بخلاف إرادة المخلوق وفعله فإنهما ينفكان، لأنه يريد ما لا يفعل -وهذا واضح- وأيضاً يفعل ما لا يريد.
стр. 263
فان قال قائل: هل كلما أراد الله شيئاً لا بد أن يفعله، أم أنه إذا أراد شيئاً فإنه قادر عَلَى فعله، قد يفعله وقد لا يفعله؟
قلنا له: إذا أراد أن يفعل شيئاً فعله، وإن لم يرد أن يفعله لم يفعله، وما لم يرد فعله، فإنه لا يفعله ، وهذا لا إشكال فيه.
أما أنه إذا أراد شيئاً فإنه قادر عَلَى فعله، ولكن قد يفعله وقد لا يفعله، فلا؛ لأننا متفقون عَلَى أنه القادر عَلَى أن يفعله فكل شيء متى أراد أن يفعله فعله، وما لم يرد أن يفعله لا يفعله، ولا يملك أي مخلوق عَلَى الإطلاق أن يفعل ذلك فإن المخلوق يريد ما لا يفعل، ويفعل ما لا يريد..
أما الخامس فمعناه: أن كل ما أراده الله في الكون من الموجودات فله إرادة تخصه، كما هو واضح في الفطرة وظاهر في الأدلة، فإذا قلنا أراد الله أن توجد هذه الشجرة، وأراد الله أن يوجد هذا الجبل، وهكذا في بقية الأمثلة، فإنها إرادات متعددة، لا أنها إرادة واحدة فقط، كما يقول الفلاسفة -وهي عندهم العلة التامة الموجبة التي تقتضي إيجاد كل معلول لها- بل الله يفعل ما يشاء.
ولكننا لا نعلم كيفية اتصاف الله بالإرادة، كما هو معلوم في جميع الصفات، وإنما الذي نثبته ما دلت عليه عموم النصوص والفطرة والبداهة: أنه له في كل فعل إرادة تخص ذلك الفعل، وباطل قطعاً قول من يقول: إنها إرادة واحدة اقتضت كل شيء دفعة واحدة، ثُمَّ بقيت الأمور تتسلسل هكذا في الطريق.
стр. 264
أما السادس: فهو يربط الموضوع بما سبق، عندما شرح المُصنِّفُ قول الطّّحاويّ: [ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه] . وذكرنا أن الله لا يزال متصفاً بصفات الكمال، من صفات الذات وصفات الفعل، وأن صفات الذات تتعلق بذاته لا تنفك عنه، والصفات الفعلية تتعلق بإرادته ، وقد شرحناهما باستفاضة.
لكن المُصنِّفُ ﵀ أراد أن يدخل من هذا الباب لإلزام هَؤُلاءِ بأصولهم في صفات الله الفعلية؛ لأنهم يقولون: إن هذه الصفات يلزم منها الجسمية، والانتقال، والتبعيض، كما سبق أن أوضحنا بأن كل ما صح أن تتعلق به إرادة الله جاز أن يفعله، فما المانع عقلاً أن تتعلق إرادة الله بأنه ينزل كل ليلة إِلَى السماء الدنيا؟
وبما أن ذلك جائز عقلاً، فكيف تنفونه؟ وكذلك: أنه يرضى، أو يغضب، أو يضحك، أو يفعل ما يشاء من الأفعال التي وردت؟
ولكن الذي تتوقف عليه إثبات هذه الأمور في الأصل هو صحة الخبر، فإن جَاءَ الخبر الصادق، كما في قوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صفّاً صَفّا) ً) [الفجر:٢٢] ، وكما في الحديث الصحيح: (ينزل ربنا إِلَى السماء الدنيا كل ليلة) وأمثال ذلك، فهذا لا اعتراض عليه، ولا يحيده العقل، بل حينما يخالفه العقل يكون صاحبه غير عاقل.
فما الذي يجعلكم تقولون: إنه لا ينزل، أو لا يضحك، أو لا يرضى، أو لا يغضب، وإرادته عامة، فقد قال أنه: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] وما تقولونه: إنها القواطع العقلية أو البراهين النظرية، أو إمكان كذا واستحالة كذا، كل هذا الكلام يسقط أمام الحق والنور الواضح المبين من كلام الله وكلام رسوله ﷺ .
стр. 265
هذه الستة الأوجه كل منها عظيم، وهي مأخوذة من هذه الآية الموجزة اللفظ، ولكنها عظيمة ككل القُرْآن في معناه، وهي قوله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] ، ولو تأمل المتأمل لربما زادت عَلَى ذلك.
ثُمَّ يستدرك المُصنِّفُ ﵀ فَيَقُولُ:
[وللناس قولان في هذا العالم: هل هو مخلوق من مادة أم لا؟
واختلفوا في أول هذا العالم ما هو؟
وقد قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود:٧] .
وروى البُخَارِيّ وغيره عن عمران بن حصين ﵁، قَالَ: (قال أهلاليمن لرَسُول الله ﷺ : جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر، فقَالَ: كَانَ الله ولم يكن شيء قبله) .
وفي رواية: (ولم يكن شيء معه) .
وفي رواية: (غيره) .
(وكان عرشه عَلَى الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض) ، وفي لفظ: (ثُمَّ خلق السموات والأرض) ، فقوله: (كتب في الذكر) ، يعني: اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [الأنبياء:١٠٥] سمى ما يكتب في الذكر ذكرا، كما يسمى ما يكتب في الكتاب كتابا.
والنَّاس في هذا الحديث عَلَى قولين، منهم من قَالَ: إن المقصود إخباره بأن الله كَانَ موجودا وحده، ولم يزل كذلك دائماً، ثُمَّ ابتدأ إحداث جميع الحوادث، فجنسها وأعيانها مسبوقة بالعدم، وأن جنس الزمان حادث لا في زمان، وأن الله صار فاعلاً بعد أن لم يكن يفعل شيئاً من الأزل إِلَى حين ابتداء الفعل ولا كَانَ الفعل ممكناً.
والقول الثاني: المراد إخباره عن مبدأ خلق هذا العالم المشهود الذي خلقه الله في ستة أيام، ثُمَّ استوى عَلَى العرش، كما أخبر القرءان في غير موضع.
стр. 266
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (قدر الله تَعَالَى مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه عَلَى الماء) . فأخبر ﷺ أن تقدير هذا العالم المخلوق في ستة أيام كَانَ قبل خلقه بخمسين ألف سنة، وأن عرش الرب تَعَالَى كَانَ حينئذٍ عَلَى الماء] اهـ.
الشرح:
قوله: [والقول بأن الحوادث لها أول يلزم منه التعطيل قبل ذلك ... الخ] يحتاج إِلَى تفصيل؛ لأن الأنواع تختلف عن الذوات، فأما الذوات والأعيان، فكل شيء من المخلوقات بعينه، مخلوق حادث بعد أن لم يكن، وأما أنواع هذه الحوادث - وهو الذي نقول: إنه أثر صفات الله فهذا الذي لا أول له؛ لأن صفات الله لا أول لها.
والكلام في أن أعيان الحوادث لها أول، ينقلنا إِلَى النقطة المهمة التي هي هذا العالم الموجود، وهذا الكون المخلوق الذي نراه ونعيش فيه الآن، هل خلق من مادة، أو أن الله خلقه من العدم بغير مادة؟ وما هو أول شيء خلق فيه؟
وسنذكر بعض ما قيل في شرح حديث عمران بن حصين -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- وهو حديث صحيح، رواه الإمام البُخَارِيّ في أول كتاب بدء الخلق، وفي كتاب التوحيد من صحيحه، وله روايات كثيرة.
стр. 267
وذكر فيه أن النبي ﷺ خرج عَلَى وفد بني تميم فقَالَ: (اقبلوا البشرى يا بني تميم اقبلوا البشرى يا بني تميم) فَقَالُوا: قد بشرتنا فأعطنا -فرفض بنو تميم البشرى- فقَالَ: (اقبلوا البشرى يا أهل اليمن) قالوا: قد قبلنا يا رَسُول الله -قبل أهل اليمن البشرى وجلسوا مع رَسُول الله ﷺ وَقَالُوا: يا رَسُول الله، جئنا نسألك عن أول هذا الأمر كيف كان؟ فَقَالَ لهم النبي ﷺ : كان الله ولم يكن شيء غيره) ، وفي رواية: (كَانَ الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه عَلَى الماء، ثُمَّ خلق السموات والأرض) .
ثُمَّ اختلفت الروايات، وكلها تُجمع عَلَى أن رجلاً قَالَ: (يا عمران، أدرك ناقتك فقد ذهبت، قَالَ: فخرجت فإذا السراب يقطع دونها، فوالله وددت لو أني تركتها) .
أما عمران بن حصين -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - فهو من خزاعة، كَانَ جالساً قبل أن يكمل النبي ﷺ الحديث، فهربت ناقته، فجاءه رجل يقول: أدرك ناقتك يا عمران، فخرج يظن أنه قد يلحقها ويدرك بقية الحديث، فإذا السراب يحول بينه وبينها، وقال مقولته التي في الحديث، لما فاته بقية مجلس النبي ﷺ ، لكن لم يفت شيء من العلم والْحَمْدُ لِلَّهِ، لأن النبي ﷺ قد قرره في مواضع، وما قاله هنا بهذا القدر هو كافل لمعرفة الجواب الصحيح في هذه المسألة الشائكة.
والمتأمل للأقوال التي ذكرها المُصنِّفُ هنا، يجد أن النبي ﷺ اقتصر في الجواب عَلَى العالم الذي جاءنا خبره، ولا نستطيع أن نقول أن هذا كل العالم، أو هذا كل خلق الله .
стр. 268
وحديث عمران قد شرحه شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- شرحاً مستفيضاً وافياً، وكلام المُصنِّفُ هنا ملخص منه، وهذا الشرح موجود في المجلد "١٨" من مجموع الفتاوى ابتداءً من صفحة "٢١٠"، وهي رسالة طبعت أيضاً في مجموعة الرسائل والمسائل اسمها، شرح حديث عمران بن حصين.
والروايات التي ذكرها المُصنِّفُ هنا في الشرح هي قول النبي ﷺ : (كَانَ الله ولم يكن شيء قبله) . ورواية: (ولم يكن شيء معه) . ورواية: (ولم يكن شيء غيره) .
وحتى يعرف وجه الحق في هذه المسألة، يرجع إِلَى كلام عالم السنة الحافظ ابن حجر في الجزء "٦" من فتح الباري، في أول كتاب بدء الخلق، فقد ذكر روايات منها ما رواه الإمام أَحْمَد وغيره، (أن أول ما خلق الله العرش) ، ونقل أنه قول الأكثر.
إلا أن ابن حجر يرى أن هناك أول مخلوق بإطلاق، ومعنى كلامه أن الروايات اختلفت أهو العرش أم القلم؟ وأن أكثر الروايات عَلَى أنه العرش، وذكر الرواية التي فيها الترتيب بأن الله خلق الماء، ثُمَّ العرش، ثُمَّ القلم.
أول ما خلقه الله تعالى من هذا الكون المشهود هو العرش
وإذا رجعنا إِلَى كلام شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ وجدناه يقول: وقول أكثر السلف أن أول ما خلقه الله هو العرش.
وشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ لم يخض في هذا الموضوع بهذا الشكل، لأنه يرى أن ليس هناك ما يسمى بأول مخلوق بإطلاق، وإنما هناك مخلوقات قبلها مخلوقات، منها ما نعلمه ومنها ما لا نعلمه.
أما الأحاديث التي جاءت، فهي في بيان أولية المخلوقات المعلومة لنا، وحديث عمران بن حصين نفسه يدل عَلَى أن العرش قبل القلم، لأن فيه (كَانَ الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه عَلَى الماء) ، إذاً كَانَ هناك ماء، وكان هناك عرش قبل أن تخلق السموات والأرض.
стр. 269
ومعنى قول المُصْنِّف ﵀ في حديث: (أول ما خلق الله القلم ... ) -كما سيأتي في موضعه- أن كلمة "أول" هنا:
إما أن تأتي مبتدأ والقلم خبرها، فنقول: أولُ ما خلق الله القلمُ -بضم آخر كلمتي أولُ والقلمُ- وهذا معروف، وعليه كلام الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀.
وإما أن تأتي كلمة أولَ منصوبة، فتكون ظرفاً، بمعنى: عندما خلق الله القلمَ، أي: أول ما خلقه الله قال له: اكتب.
ومن جمع الروايات تبين له أنها تصير عَلَى الوجه الأخير.
وإنما قلنا العالم المشهود، لأن وفد اليمن قالوا: جئنا نسألك عن أول هذا الأمر، أي: أهو العرش، أم الماء، أم هما معاً؟ فيخبرهم النبي ﷺ أنه بعد أن خلق الله العرش خلق القلم، وعندما خلق القلم -قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة كما جَاءَ في صحيح مسلم - أمره أن يكتب كل شيء.
إذاً؛ فهذا لا يتعارض مع ذلك، بأنه خلق هذا، ثُمَّ خلق القلم، وهو ظاهر ما في صحيح مسلم، والقول بتقدم خلق القلم عَلَى جميع المخلوقات فيه خلاف، والظاهر من روايات حديث عمران بن حصين أن العرش متقدم عليه، ويشهد لهذا روايات أخرى جاءت في المسند وفي غيره، دلت عَلَى أن العرش هو أول المخلوقات من هذا الكون الحسي المشهود، ومن القرءان قوله : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود:٧] ، فقوله: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، يدل عَلَى أن العرش وهذا الماء غير داخلين في العالم المشهود الذي هو السموات والأرض.
وذكر الشيخ العلامة المحدث مُحَمَّد ناصر الدين الألباني ﵀ في الجزء الأول من سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم "١٣٣" حديث: (أول ما خلق الله القلم) ، تحت عنوان: أول مخلوق.
стр. 270
وتعرض هناك لنفس الكلام الذي قاله الشيخالأرنؤوط فيما سبق، وهو أن شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ أخطأ ووهم، لأنه خالف المذهب المشهور والصحيح، بقوله: بحوادث لا أول لها وليس هذا موضوعنا في الحقيقة، لكن المقصود أننا لما قرأنا تعليق الشيخ الأرنؤوط هنا، وتعليق الشيخ ناصر الألباني، وكلامه في سلسلة الأحاديث الصحيحة، وجدنا نوعاً من التعجل في تخطئة شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ، وكان الواجب التروي والتأكد أولاً.
والشيخ ناصر -جزاه الله خيراً- عالم جليل له قدره، وله مكانته، وكذلك أي عالم، فلا نتسرع ونقول: وهم أو أخطأ، أو خالف الحق، أو ندَّّ عن الصواب، كما قال الأرنؤوط في تخريج الحديث، إنما نتأكد ونبحث، حتى نتبين ونصل إِلَى الصواب، فإن ظهر لنا شيء قلنا: لعله ﵀ أراد كذا أو كذا.
خاصة علماء الإسلام من أهل السنة، والأئمة الحفاظ، أما علماء البدعة -وإن كنا لا نظلمهم ولا نكذب عليهم- إذا رأينا قولا من أقوالهم الباطلة، خطأناهم وضللناهم لأنهم مبتدعة، وهذا ليس علينا فيه حرج -والْحَمْدُ لِلَّهِ- ثُمَّ لا ننسى أن النسخ تختلف، وأن ما وصلنا من النسخ قد لا يكون الكلام فيها كاملاً، بدليل أن بعض هذه الكتب قد تطبع في المرة الأولى، ثُمَّ تطبع في مرة أخرى عَلَى عدة نسخ، فيظهر أن الطبعة الأولى فيها نقص.
وإن كَانَ لا بد من تبيين الخطأ فبأسلوب فيه أدب، وإنما قلت هذا الكلام لأن بعض النَّاس يتخذون من هذه القضية محلاً للتشينع والتشهير بشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ، ولا غرابة أن يفعل ذلك أهل البدع وهم كثير، ومن أعظمهم في هذا العصرالكوثري، ومن تلاميذه من قد ذكرناهم فيما سبق من الشرح، لكن نأسف أن يتبعهم بعض أهل السنة الأجلاء كالشيخناصر مثلاً، كما في هذه المسألة، وإن كَانَ لا يوافقهم في ما يفعلونه من التشهير والتشنيع
الترجيح بين روايات حديث عمران رضي الله عنه
стр. 271
ومعنى كلام شَيْخ الإِسْلامِابن حجر وابْن تَيْمِيَّةَ، أن هذا الحديث قيل في موضع واحد، والجواب كَانَ في وقت واحد، لأن القصة واحدة، فلا بد إذاً أن أحد الروايات الثلاث -"قبل" أو "مع" أو "غير"- هي التي قالها النبي ﷺ ، وأن الروايتين الأخريين رويتا بالمعنى، والذي رجحاه كلاهما من حيث الرواية هي رواية:
(كَانَ الله ولم يكن شيء قبله) ، وهي رواية الإمامأَحْمَد ﵀، وإحدى روايتي البُخَارِيّ، كما في كتاب بدء الخلق من صحيحه.
وتُرجَّح رواية "قبل" بدلالات: منها: قوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد:٣] وقوله ﷺ في حديث قيام الليل: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء) .
ومنها: أنها وردت من طرق صحيحة، بل يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ: إنها رواية الأكثرين والأحفظ، ومنهم الحميدي وهو من أشهر حفاظ مشايخ الإمام البُخَارِيّ.
ومنها: أنها متفقة مع القرآن، ومتفقة مع الأحاديث الأخرى الصحيحة التي لا شك ولا غرابة فيها.
أما الحافظ ابن حجر ﵀ فإنه يميل إِلَى أن رواية: (غيره) أولى من حيث المعنى، لأنه أصرح في نفي العدم، بمعنى كَانَ الله ولم يكن شيء غيره، ونفي الغير له أقوى في نفي العدم، ولكن ليس المقصود نفي العدم، فإن هذا هو عين القول الأول الذي سبق بعض ما فيه، وسنبين أنه خطأ فيما يأتي أيضاً. ١
١. في مجموع الفتاوى (٢١٦/١٨) قال شيخ الإسلام: الوجه الثالث: أنه قال: (كان الله ولم يكن شيء قبله) وقد روي: (معه) وروي (غيره) والألفاظ الثلاثة في البخاري اهـ. مع العلم أن لفظة غيره هي في رواية غير البخاري. انظر الفتح (٣٣٣/٦)
سبق أن أشرنا إِلَى أن البشرية كانت وتزال تخوض وتبحث في قضيتين مهمتين:
القضية الأولى: تتعلق بنشأة الكون وبأصله.
стр. 272
القضية الأخرى: قضية أصل الإِنسَان، وكيف وجد؟ وما هي وظيفته؟ مع أن التاريخ أمامهم بما فيه من آثار، وحفريات، وشواهد مكتوبة أو مرئية، ومع ذلك كله لم يصلوا إِلَى يقين، ولا إِلَى حقيقة، ولن يصلوا مطلقاً.
وإن وصلوا إِلَى شيء فقد جَاءَ به الوحي، وقدمه إليهم غضاً طرياً بلا عناءٍ ولا كلفةٍ ولا مشقة، يقول الله ﵎: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف:٥١] ، فأخبر الله أنه لم يشهد هَؤُلاءِ المضلين خلق السموات والأرض، فكل كلام يقولونه عن نشأة الكون، وعن كيفية خلق السماء والأرض، وعن تكون المجرات أو النجوم وما إِلَى ذلك، فهو كله افتراضات وتخمينات وظن.
وكذلك خلق أنفسهم، فلم يشهد الله هَؤُلاءِ المضلين كيف خلق الإِنسَان، وكيف ابتدأه، وإنما أخبرنا الله أنه خلق آدم من الطين، ونفخ فيه من روحه ثُمَّ جعله بشراً سوياً، وجعل ذريته من سلالة من ماء مهين.
هذا هو الذي جَاءَ في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ ، فكل خوض بعد ذلك عن أصل الإِنسَان، وما إِلَى ذلك، إما باطل لا حقيقة له بإطلاق، وإما خوض فيما لا نتيجة من وراءه ولا غاية ولا ثمرة.
وقد أغنانا الله وأعفانا عن البحث في أول خلق الأشياء، بأن نتفكر في خلق الكون، لنصل بذلك إِلَى معرفة الله وتوحيده، وإلى إفراد العبودية كلها له سبحانه، وإلى انتظار اليوم الآخر الذي يجمع الله تَعَالَى فيه الأولين والآخرين.
وهنالك يحاسبهم ويجازيهم عَلَى ما عملوا في هذه الحياة الدنيا، فالذين يضيعون أعمارهم في البحث عن أول نشأة الحياة، ثُمَّ يخرجون منها وهم لم يصلوا إِلَى يقين ولا إِلَى نتيجة في ذلك، نسوا الله فأنساهم أنفسهم، لماذا جاءوا.
стр. 273
ومن أعظم الأدلة عَلَى ذلك ما ترونه من اشتغال كثير ممن يسمَّون علماء الآثار، أو علماء التاريخ القديم، أو علماء الحفريات، حيث يقطعون الفيافي والقفار، ويجهدون أنفسهم، وينفقون الملايين في الحفر والتنقيب والبحث، لعلهم أن يجدوا أثراً من آثار الماضين، ثُمَّ هذا الأثر يقدر عمره بعشرة آلاف سنة، وهذا بخمسة عشر ألف، وهكذا تمضي أعمارهم.
فإذا خرجوا يَوْمَ القِيَامَةِ من قبورهم، يسألهم الله عن أعمارهم فيما أفنوها؟ مالكم وللقرون الأولى، فإن: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى [طه:٥٢] ، وإنما عليكم أن تعتبروا بمصير هذه القرون، وتتعظوا بإهلاك الله لها، مع ما فيها من قوة الخلق، ومن الشدة والبطش.
وكان سبب إهلاكهم أنهم لما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم، كما تفرح كل أمة من الأمم بما عندها من الحضارة والثقافة، وبما عندها من الفن، وتقول: إن نُظُمنا وآدابنا وأخلاقنا وحضارتنا، تغنينا عن اتباع شرع الله، وعن الاقتداء بالأنبياء، فلسنا بحاجة إليهم أن يقولوا لنا: هذا حرام، وهذا حلال.
هذا نموذج من نماذج كثيرة، من الضياع والفراغ الذي يعيشه الإِنسَان بعيداً عن الوحي، مصدر اليقين والمعرفة، سواء ما أنزله الله تَعَالَى من كلامه، أو ما قاله رسوله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى.
стр. 274
فهذا الحديث العظيم، حديثعمران بن حصين -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- يبين لنا هذه الحقيقة، ويجب أن يعلم أن الرَّسُول ﷺ لم يتكلم ولم يخض في مسألة: هل هذا العالم خلق من مادة أو لم يخلق من مادة؟ ولم يجبهم عن أول المخلوقات بإطلاق، ولا عن بداية تأثير قدرة الله وإنما سأله وفد اليمن عن هذا العالم المشهود الذي يرونه ويعيشون فيه، فأجابهم النبي ﷺ عن أول نشأته، وكيف خلقه الله ﵎ في جواب لا يمكن أن يهتدي إليه أو يعرفه أي إنسان عَلَى الإطلاق، إلا الأمين الذي يأتيه خبر السماء ﷺ لا غيره.
أما هَؤُلاءِ فليس عندهم إلا مقولات أرسطو وأفلاطون، وما يسمونهم بأصحاب الحضارات والعلوم القديمة، الذين يقولون: إن العلة الأولى خلق عشرة عقول ثُمَّ استراح، ولم يعد ينظر في الكون؛ لأنه كامل -كما يقولون- والكامل لا يفكر في الناقص، والعقول العشرة خلقت الأفلاك، والأفلاك خلقت السموات والأرض، وهذه مقولات نظرية ليس لها أي أساس من الصحة، ولا حتى في عقول الذين جاءوا بها.
وهكذا كل ما قالوه أو يقولونه غير هذه النظرية، فهو أبطل منها، أو هو الجهل المطلق قبل بعثة النبي ﷺ .
أما الرَّسُول ﷺ ، فلأنه لا ينطق عن الهوى، وإنما بما يوحي إليه ربه، فأخبر كما في هذا الحديث بهذه الأمور الغيبية التي يتقاصر دونها علم البشر، كائناً من كان، وفي أي زمان أو مكان، ولن يصل الإِنسَان بإطلاق إِلَى أن يعرف هذه الحقائق أبداً.
стр. 275
وهذه المقدمة بين يدي الحديث، لنعلم أن أهميته تتجاوز قضية معرفة هل الأصح هو القول بأن الحوادث لها أول أم لا؟ بل لنعرف ما هو أكثر عبرة وأكثر عظة، خاصة ونحن نعيش في عصر تكاثرت فيه النظريات عن الكون، وعن الإِنسَان، وهذه النظريات لم تعد حديث أذهان الفلاسفة، كما كَانَ أرسطو وأفلاطون وأمثالهم، وإنما أصبحت مصورة ومقربة تدرس في مناهج التعليم، حتى في البلاد الإسلامية، وتقدم للناس عَلَى أنها حقائق وعلم، تحتوي عَلَى كيفية نشأة الكون والإِنسَان.
ولا يجوز لنا أن نستسلم لها، وأن نقررها ونلقنها أبناءنا، لأنها كلها خبط عشواء، وقول عَلَى الله ﵎ بغير علم.
سبق الكلام عَلَى تخريج حديث عمران ﵁ واختلاف الروايات، وأن الراجح منها هو رواية: (ولم يكن شيء قبله) ، لأنها موافقة للقرآن، وموافقة لقول النبي ﷺ في الأحاديث الأخرى الثابتة عنه.
أما الذين ينكرون علو الله ﵎ عَلَى عرشه -من الجهمية ومن تابعهم- بأدلة وهمية هي عبارة عن تخرصات تخيلوها من عند أنفسهم.
فقد رد عليهم أهل السنة وأفحموهم، وألزموهم بآلايات الصريحة الواضحة من كتاب الله ﵎ كقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] وغيرها من آيات الاستواء، وهي سبع آيات ذكر فيها استواء الرحمن عَلَى العرش، فضلاً عن آيات وأحاديث العلو، فإن من أكثر صفات الله التي دل عليها العقل والنقل والفطرة، بما لا يحصى ولا يعد من الأدلة هي: صفة علو الله عَلَى جميع المخلوقات، فهي من أخص الصفات بعد صفة الحياة، لأن من يؤمن بالله فإنه يؤمن بأنه حي لا يموت ﵎، لكون هذه الصفة تشهد بها الفطرة السليمة.
من شبه أهل البدع في إنكار العلو
стр. 276
ومن أدلة أهل البدع العقلية التي يستدلون بها عَلَى أهل السنة، قولهم: أنتم تقولون: إن الرحمن استوى عَلَى العرش، إذاً هو عال عَلَى جميع المخلوقات، فقبل أن يخلق العرش أين كان؟ أما نَحْنُ فنقول: إنه الآن عَلَى ما كَانَ عليه، قبل أن يخلق السماوات والأرض، ولم يكن في علو، فيلزمكم ياأهل السنة أنه لما خلق السموات والأرض تغير، لم تكن له جهة وأصبحت له جهة.
هذا إفكهم وما كانوا يفترون، وتقولهم عَلَى الله بغير علم، ليردوا كتاب الله وسنة النبي ﷺ .
ولكن كلامهم هذا لما كَانَ مقولة نظرية، لم تقبله العقول السليمة، ولم تستسغه قلوب أهل السنة، الذين يتكلمون بالأدلة من كتاب الله وسنة رَسُول الله ﷺ ، ويطالبونهم بمثل ذلك، فما كَانَ من بعض كذابيهم إلا أن وضعوا هذه الزيادة: وهو الآن عَلَى ما عليه كان، وبعضهم يرويها كحديث مستقل، يقول: كَانَ الله ولا مكان، وهو الآن عَلَى ما عليه كان.
وهذه زيادة مكذوبة، لم يقلها النبي ﷺ ، ولم تصح في أي كتاب من كتب الحديث عَلَى كثرتها، فلم يخرجها أحد منهم، ولم يسندها إِلَى أحد حتى نبحث بعد ذلك في سندها، وإنما هو قول ليس له أصل ولا إسناد عَلَى الإطلاق، لا صحيح ولا ضعيف.
ومن شبههم أن العرش أو القلم أول مخلوق مطلقاً
والشبهة الأخرى أنهم قالوا: قولكم يا أهل السنة خلاف أقوال النَّاس في هذا الحديث، فإنهم عَلَى قولين:
القول الأول: أن هذا الحديث هو إخبار عن الله ﵎ أنه كَانَ وحده، ولا شيء غيره من المخلوقات، لا جنسها ولا أعيانها.
стр. 277
ثُمَّ إنه ما يزال دائماً كذلك، ثُمَّ ابتدأ فخلق هذا الكون المشهود، وبذلك يكون أول المخلوقات هو إما العرش أو القلم عَلَى ما سبق أن أوضحنا، ورجحنا هناك أن العرش هو أول هذا الكون المشهود المسئول عنه، إلا أنهم يقولون: الأولية هنا بإطلاق أول شيء وجد، ولم يكن قبله من المخلوقات إلا العدم المحض.
القول الثاني: أن هذا الحديث لم يتعرض لمسألة كونه ﵎ كَانَ وحده بذاته، ولم يكن هناك مخلوق قط، فلم يتعرض لهذه المسألة من قريب ولا من بعيد، وإنما تعرض لجواب السؤال الذي سأله أهل اليمن، وكان سؤالهم عن هذا العالم المشهود الذي جَاءَ في القُرْآن بيان خلقه، منها آية سورة هود هذه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود:٧] وجاء الحديث موافقاً للفظ هذه الآية، فَقَالَ ﷺ : (وكان عرشه عَلَى الماء) ، ثُمَّ لم يتعرض لما قبل ذلك.
فدل ذلك عَلَى أن أسبقية القلم هي بالنسبة للسموات والأرض، أما العرش فإنه هو والماء سابقان لوجود القلم.
وهذه إنما هي مجرد مسألة علمية تذكر لتعلم، لكن الذي يهم هو أن نفهم خطأ من انتقد شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في هذه المسألة، وقَالَ: إنه يقول: إن العرش أول المخلوقات، بينما القلم هو أولها.
الرد على القائلين أن العرش أول مخلوق مطلقاً
وخطؤه كما ترى من وجهين:
الوجه الأول: أن الراجح هو القول بأن أول المخلوقات هو العرش، أي في هذا العالم المشهود -كما أسلفنا الآن-.
والوجه الثاني: أن شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ -كما في شرح حديث عمران بن حصين في مجموع الفتاوى، وكذلك في منهاج السنة في الجزء الأول- يقول: لا يوصف مخلوق بأنه الأول مطلقاً عَلَى جميع المخلوقات، فالأولية مقيدة بهذا العالم المشهود الذي سأل عنه أهل اليمن، أما قبل ذلك فلم يأت لا ما يثبته ولا ما ينفيه.
стр. 278
ومما سبق تقريره يتبين أن الله أزلي بصفاته، خالق، ورازق، وقدير إِلَى ما لا بداية له، فآثار هذه الصفات ومفعولاتها تظهر في حوادث يرسلها ﵎ لا علم لنا بها، ولا نستطيع أن ندركها، لكننا لا ننفيها أيضاً، لأنه ليس في الدين ولا في العقل ما ينفيها، وإنما نؤمن بأنه سبحانه (لم يكن قبله شيء) ، كما في الرواية الراجحة المختارة.
ثُمَّ يشرع المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في بيان الأدلة الدالة عَلَى صحة القول الثالث، وهذه الأوجه هي بعض ما ذكر شَيْخ الإِسْلامِ فقد ذكرها بتوسع وتفصيل أكثر، فمن أراد الاستفادة فليراجع شرح حديث عمران ضمن مجموع الفتاوى (١٨/٢١٠)
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
[ودليل صحة هذا القول الثاني من وجوه:
أحدها: أن قول أهل اليمن: (جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر) ، وهو إشارة إِلَى حاضر مشهود موجود، والأمر هنا بمعنى المأمور، أي: الذي كونه الله بأمره، وقد أجابهم النبي ﷺ عن بدء هذا العالم الموجود، لا عن جنس المخلوقات، لأنهم لم يسألوه عنه، وقد أخبرهم عن خلق السموات والأرض حال كون عرشه عَلَى الماء، ولم يخبرهم عن خلق العرش، وهو مخلوق قبل خلق السموات والأرض. وأيضاً فإنه قَالَ: (كَانَ الله ولم يكن شيء قبله) ، وقد روي (معه) ، وروي (غيره) ، والمجلس كَانَ واحداً، فعلم أنه قال أحد الألفاظ، والآخران رويا بالمعنى، ولفظ "القَبْل" ثبت عنه في غير هذا الحديث.
ففي صحيح مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عن النبي ﷺ أنه كَانَ يقول في دعائه: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء) الحديث.
واللفظان الآخران لم يثبت واحد منهما في موضع آخر، ولهذا كَانَ كثير من أهل الحديث إنما يرويه بلفظ "القَبْل"، كالحميدي والبغوي وابن الأثير.
стр. 279
وإذا كَانَ كذلك لم يكن في هذا اللفظ تعرض لابتداء الحوادث، ولا لأول مخلوق.
وأيضاً فإنه قَالَ: (كَانَ الله ولم يكن شيء قبله) أو (معه) ، أو (غيره) ، (وكان عرشه عَلَى الماء وكتب في الذكر كل شيء) .
فأخبر عن هذه الثلاثة بالواو، و (خلق السموات والأرض) روي بالواو وبثم، فظهر أن مقصوده إخباره إياهم ببدء خلق السموات والأرض وما بينهما، وهي المخلوقات التي خلقت في ستة أيام، لا ابتداء خلق ما خلقه الله قبل ذلك، وذكر السموات والأرض بما يدل عَلَى خلقهما، وذكر ما قبلهما بما يدل عَلَى كونه ووجوده، ولم يتعرض لابتداء خلقه له] اهـ
الشرح:
توضيح كلام المُصْنِّف في الوجه الأول: فيه أن كلمة [هذا الأمر] إشارة إِلَى حاضر مشهود موجود، والأمر بمعنى الكون، أي: أول هذا الكون المعروف المشهود، لأن النَّاس يعيشون فيه فتتطلع العقول والقلوب إِلَى نشأته، وكيف كَانَ أوله، وهذه فطرة في النفس الإِنسَانية.
فمثلاً لو أدخلت أي إنسان إِلَى قصر كبير، فسيظل يسأل لمن: هذا القصر؟ ومن الذي بناه؟ وكيف جاء؟ وهكذا جميع البشر، حتى الطفل الصغير، فهي فطرة بشرية جعلها الله في الناس، وهذه الفطرة في الإِنسَان دائماً تبحث عن العلم ومزيد من الفقه.
فسؤال هَؤُلاءِ دلالة عَلَى كمال عقولهم ونضج تفكيرهم، وذلك لأنهم يتفكرون في خلق السموات والأرض، وقد أمر الله بالتفكر فيهما، فلم يخوضوا بأنفسهم كما خاض الفلاسفة من اليونان والهنود وغيرهم، بل ذهبوا إِلَى مصدر العلم اليقين -رَسُول الله ﷺ ليتفقهوا في الدين، فسألوه هذا السؤال، فأجابهم بما هو مذكور في الحديث.
стр. 280
الوجه الثاني: الروايات، فقد سبق أن ذكرنا أن هذه الروايات الثلاث التي قال شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ: إنها في البُخَارِيّ وغيره، وقال ابن حجر: وفي رواية غيرالبُخَارِيّ: (معه) ، وأشار إليها شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀ في أول كلامه عن هذا الحديث، فإنهما كلاهما اتفقا عَلَى أن هذا الحديث قاله النبي ﷺ في موقف واحد، وعلى ذلك فلا يحتمل أن النبي ﷺ قال هذه الروايات الثلاث، وإنما قال واحدة.
فرجح شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رواية (قبله) بإطلاق؛ لأنها موافقة للحديث الآخر الصحيح، وموافقة للآيات الأخرى المعلومة، ولأنها رواية الحميدي، ورواهاالبغوي وابن الأثير أيضاً، وذكر المحقق أنها رواية الإمام أَحْمَد، فهي أوثق رواية وأكثر، وأرجح من حيث المعنى، وأما الحافظابن حجر فكأنه يرجح رواية (غيره) لأنها أصرح في نفي العدم، وهو صادق في أنها أصرح في نفي العدم المحض، وإثبات أنه لم يكن شيء موجود مطلقاً غير الله ، لكن الحافظ ابن حجر لم يتعمق في هذه المسألة، فلم يبين رأياً قاطعاً، وإنما مال إِلَى ذلك، والصواب ما رجحه شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀.
الوجه الثالث: لو نظرنا إِلَى نفس الألفاظ: (كَانَ الله ولم يكن شيء قبله) أو (غيره) ، (وكان عرشه عَلَى الماء، وكتب في الذكر كل شيء) -هذه معطوفة كلها بالواو- (ثُمَّ خلق السموات والأرض) ، وفي رواية: (وخلق السموات والأرض) ، وسواء كانت بالواو أو بثم، فإن هذا المسئول عنه قبله أشياء، فقبل خلق السموات والأرض كتابة الذكر، وقبلها العرش والماء، فأجابهم بما فيه زيادة بيان منه ﷺ ، فبين لهم الحقيقة التي لا يمكن أن تصل إليها مجرد العقول البشرية بإطلاق، في نشأة هذا الكون.
стр. 281
ومن هنا كَانَ في المسألة إثبات لعظمة الله بمعرفة عظمة مخلوقاته ولاسيما العرش، وفيها إثبات للقدر، وأنه سابق لخلق السموات والأرض، فوجب عَلَى الإِنسَان أن يؤمن بالقدر خيره وشره من الله ؛ لأن الله كتب هذا قبل أن يخلق السموات والأرض، فمن ذا الذي يعترض عَلَى أقدار الله أو يأباها؟!
ثُمَّ فيها بيان بدء خلق السموات والأرض وإنشائها إنشاءً، وأنه ليس هناك مجال للخوض البشري في ماهيتها، كما خاض فيه الفلاسفة وأمثالهم، فَقَالُوا: هل وجد من مادة؟ أو من غير مادة؟ بل هذه الأمور لم يسأل عنها النبي ﷺ ولم يجب عليها، هذا ملخص الثلاثة الأوجه الأولى.
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
[وأيضاً فإنه إذا كَانَ الحديث قد ورد بهذا وهذا، فلا يجزم بأحدهما إلا بدليل، فإذا رجح أحدهما، فمن جزم بأن الرَّسُول أراد المعنى الآخر، فهو مخطئ قطعاً، ولم يأت في الكتاب ولا في السنة ما يدل عَلَى المعنى الآخر، فلا يجوز إثباته بما يظن أنه معنى الحديث، ولم يرد (كَانَ الله ولا شيء معه) مجرداً، وإنما ورد عَلَى السياق المذكور، فلا يظن أن معناه: الإخبار بتعطيل الرب تَعَالَى دائماً عن الفعل حتى خلق السموات والأرض. وأيضاً، فقوله ﷺ : (كان الله ولم يكن شيء قبله) ، أو (معه) أو (غيره) ، (وكان عرشه عَلَى الماء) ، لا يصح أن يكون المعنى أنه تَعَالَى موجود وحده لا مخلوق معه أصلاً، لأن قوله: (وكان عرشه عَلَى الماء) ، يرد ذلك، فإن هذه الجملة وهي: (وكان عرشه عَلَى الماء) إما حالية، أو معطوفة، وعلى كلا التقديرين فهو مخلوق موجود في ذلك الوقت، فعلم أن المراد ولم يكن شيء من هذا العالم المشهود] اهـ.
الشرح:
стр. 282
ومن الوجوه أن يقَالَ: لو افترض أن الحديث ورد بهذا وهذا، فإن الحديث يحتمل القولين، ولا يجوز أن يجزم بأحدهما إلا بدليل قاطع خارق.
والجزم الذي يقوله أُولَئِكَ أن الحوادث لها أول، وأن هذا الأول المذكور في هذا الحديث مسبوق بعدم محض، لم يخلق الله تَعَالَى فيه أي شيء، يقتضي تعطيل الله عن الخلق في ذلك الزمن، الذي لم يرد الحديث فيه بنفي ولا إثبات، وإنما هو محتمل للأمرين، وترجيح ما فيه تعطيل لصفات الله وما لم يرد به الدليل ترجيحٌ بلا مرجح، فلو أن المسألة مستوية الطرفين لكان الأولى ترجيح ما يدل عَلَى إثبات صفات الله ؛ لكونه موصوفاً بالخلق وبالحكمة.
والله يخلق ما يشاء، ويتكلم متى شاء بما شاء، وإذا قلنا: إنه يتكلم، فمعنى ذلك أن له مخلوقات، كما سبق بيانه، وكما هو في قوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْر [الأعراف:٥٤] ، فإن كلمات الله الكونية التي ينشئ بها المخلوقات لا حصر لها، كما سبق أن بينا ذلك، لأن الله تَعَالَى يقول للشيء: كن فيكون، فلا يُقَالَ: إن الكلام كَانَ ممتنعاً أو مستحيلاً عليه، ثُمَّ ابتدأ الكلام عندما أراد أن يخلق السموات والأرض فقط، فانتقل الحال من الامتناع الذاتي إِلَى الإمكان الذاتي -كما يقولون- بلا دليل ولا مرجح، بل لو لم يكن في الأمر إلا أن يتوقف الإِنسَان في هذه المسألة ولا يرجح شيئاً لكفى.
أما الجزم بالوجه المرجوح المتضمن لتعطيل صفات الله ، فإن هذا خطأ.
стр. 283
ولو نظرنا للدليل من وجوه أخرى، وقد ذكرها المُصْنِّف عن شَيْخ الإِسْلامِ هنا، عَلَى قوله ﷺ : (كَانَ الله ولا شيء قبله، وكان عرشه عَلَى الماء) ، علمنا أنه لا يصح أن يفهم أن المقصود بهذا الحديث: أن الله تَعَالَى كَانَ موجوداً ولم يكن شيء غيره موجوداً إلا العدم المحض، لأن قوله: (وكان عرشه عَلَى الماء) ، يحتمل أن يكون مجرد عطف جملة عَلَى جملة، أو أن الواو حالية، فيكون المعنى حال كون عرشه عَلَى الماء كَانَ ولم يكن قبله شيء، وهذا لا يقتضي أنه كَانَ هنالك مخلوق قبل الله .
والذي عليه أهل السنة الجماعة أنه لم يتقدم شيء عَلَى وجود الله ؛ لأن وجوده ﵎ لا أول له، كما هو ثابت لدى جميع الفطر والعقول، فغاية ما في الحديث إثبات أنه لم يكن هناك عدم متقدم عَلَى الله ، سواء كانت الواو عاطفة أو كانت حالية، هذا ما اقتصر عليه المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- مما ذكره شَيْخ الإِسْلامِ من الأوجه، وقد أطال فيها شَيْخ الإِسْلامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ومن أراد الاستفادة أكثر فليراجعها هناك، وفيما ذكرت الكفاية -إن شاء الله-.
قال الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
[له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق] .
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
стр. 284
[يعني: أن الله تَعَالَى موصوف بأنه "الرب" قبل أن يوجد مربوب، وموصوف بأنه "خالق" قبل أن يوجد مخلوق؛ قال بعض المشايخ الشارحين: وإنما قَالَ: (له معنى الربوبية ومعنى الخالق) دون الخالقية، لأن الخالق هو المخرج للشيء من العدم إِلَى الوجود لا غير، والرب يقتضي معاني كثيرة، هي: الملك والحفظ والتدبير والتربية وهي: تبليغ الشيء كماله بالتدريج، فلا جرم أتى بلفظ يشمل هذه المعاني، وهو الربوبية. انتهى. وفيه نظر لأن الخلق يكون بمعنى التقدير
أيضاً] اهـ.
الشرح:
في هذه الفقرة الخامسة عشر من كلام الإمام الطّّحاويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الحديث عن الصفات، وفي معنى هذه العبارة أراد بعض الشارحين المتأخرين التعمق، فقَالَ: إنما قال هنا: الخالق، وهنا: الربوبية، ولم يقل: الخالقية؛ لأن الرب له عدة معاني: الملك، والحفظ، والتدبير، فكلمة الرب لم يستخدمها بمفردها، فإنها تطلق عَلَى المالك، فعبر بالربوبية.
وأما الخالق فجاء به مفرداً لأن الخالق هو المخرج للشيء من العدم، ورد المُصْنِّف في شرح العبارة الآنف الذكر بكلمة لطيفة ولكنها كافية وذلك أن الخلق أيضاً له معاني منها: التقدير، كما أنه يطلق على: الإنشاء، والابتداء من العدم، فعلى هذا ليس في كلام الإمام الطّّحاويّ ﵀ ما يدل عَلَى أنه تعمد أن يفرق بين هذا اللفظ وذاك، وإنما هو كلام خرج عَلَى سجيته لم يقصد به معنى آخر.
وبغض النظر عن هذا التفريق اللفظي، فمعنى هذه الفقرة الخامسة عشر، لا يخرج عن معنى الفقرة الرابعة عشر، والثالثة عشر في الجملة.
اتصاف الله بالكمال في الأزل
قال الإمام الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
[وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم] .
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
стр. 285
[يعني: أنه موصوف بأنه محيي الموتى قبل إحيائهم، فكذلك يوصف بأنه خالق قبل خلقهم، إلزاماً للمعتزلة ومن قال بقولهم، كما حكينا عنهم فيما تقدم. وتقدم تقرير أنه تَعَالَى لم يزل يفعل ما يشاء] اهـ.
الشرح:
إن الله يخلق هذه الأجيال جيلاً بعد جيل، ثُمَّ يجمع الأولين والآخرين، ويحي الموتى ، ومع ذلك نصفه الآن بأنه محيي الموتى، قبل أن يحييهم، وكذلك نصفه بأنه الخالق، قبل أن يخلق هذا الكون، وهذا هو المقصود والمراد؛ أن الله موصوف بصفات الكمال في الأزل، وهو متصفاً بها حتى قبل أن يخلق هذه الأعيان المشهودة المرئية لنا، وهذا إلزام للمعتزلة ومن قال بقولهم.
وقد تقدمت مسألة أن الخلق متعلق بالإرادة، وكذلك أن كلام الله متعلق بالإرادة، والمعتزلة والرافضة وأمثالهم خالفوا في الإرادة، إرادة الفعل، وإرادة الكلام، أما الأشعرية فإنما خالفوا في الإرادة فقط، وَقَالُوا: إن الكلام أزلي قائم بالنفس، وسيأتي تفصيل هذا الكلام إن شاء الله تعالى.
والمقصود: أن هذا إشارة إِلَى ما سبق في شرح الفقرة الثالثة عشر، عندما ذكرنا هنالك المذاهب في قدم صفات الله وفي أزليتها.
قال الإمام الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[ذلك بأنه عَلَى كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إِلَى شيء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير] .
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[ذلك إشارة إِلَى ثبوت صفاته في الأزل قبل خلقه، والكلام عَلَى "كل" وشمولها وشمول "كل" في كل مقام بحسب ما يحتف به من القرائن، يأتي في مسألة الكلام إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →