Полный текст (1 990 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
ثُمَّ قَالَ المُصنِّفُ ﵀: [قالالقرطبي: ولا يَخْطُرْ ببالك أنه في هذه الأرض] يقول: إذا قلنا: إن الحوض هو في أرض المحشر، أو أنه قبل دخول الجنة -وهو كذلك- فهو ليس في هذه الأرض التي نراها اليوم: بل في الأرض المبدلة، والأرض المبدلة هي أرض المحشر كما قال الله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَات [إبراهيم:٤٨] فهي أرض مُبدَّلةٌ، ثُمَّ وصفها القرطبي فقَالَ: [أرض بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم، ولم يُظلم عَلَى ظهرها أحد قط تظهر لنزول الجبار ﷻ لفصل القضاء] وهذه الأرض سوف يأتي بإذن الله تَعَالَى التفصيل في حقيقتها عند الحديث عن أهوال يَوْمَ القِيَامَةِ ومنها هذا التغيير.
يقول المُصنِّفُ ﵀: [فقاتل الله المنكرين لوجود الحوض، وأخلق بهم أن يُحال بينهم وبين وروده يوم العطش الأكبر] نعم، قاتل الله الذين ينكرون الحوض، وإنهم لجديرون أن يحال بينهم وبين وروده، لأنهم أنكروه وهو ثابت صحيح، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يرده ويشرب منه.
стр. 807
شرح العقيدة الطحاوية
علم الكلام
فضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي
شهرته
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
[ومن كلام أبي حامد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابه الذي سماهإحياء علوم الدين وهو من أجل كتبه، أو أجلِّها (فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه؟ فاعلم أن للناس في هذا غلواً وإسرافاً في أطراف فمن قائل: إنه بدعه وحرام، وإن العبد أن يلقي الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام، ومن قائل: إنه فرض، إما عَلَى الكفاية، وإما عَلَى الأعيان، وإنه أفضل الأعمال وأعلى القربات، فإنه تحقيق لعلم التوحيد، ونضال عن دين الله، قَالَ: وإلى التحريم، ذهب الشَّافِعِيّ ومالك وأَحْمد بن حَنْبَل وسفيان وجميع أئمة الحديث من السلف وساق ألفاظاً عن هَؤُلاءِ قَالَ: وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، ولا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه، قالوا: ما سكت عنه الصحابة -مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم- الإ لما يتولد منه من الشر، ولذلك قال النبي ﷺ : (هلك المتنطعون) أي المتعمقون في البحث والاستقصاء. واحتجوا أيضاً بأن ذلك لو كَانَ من الدين لكان أهم ما يأمر به رَسُول الله ﷺ ويعلِّم طريقه ويثني عَلَى أربابه، ثُمَّ ذكر بقية استدلالهم، ثُمَّ ذكر استدلال الفريق الآخر. إِلَى أن قال فإن قلت: فما المختار عندك؟ فأجاب بالتفصيل، فقَالَ: فيه منفعة، وفيه مضرة: فهو باعتبار منفعته في وقت الانتفاع حلال أو مندوب أو واجب، كما يقتضيه الحال، وهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام.
стр. 808
قَالَ: فأما مضرته فإثارة الشبهات، وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، وذلك مما يحصل بالابتداء، ورجوعها بالدليل مشكوك فيه، ويختلف فيه الأشخاص. فهذا ضرره في اعتقاد الحق، وله ضرر في تأكيد اعتقاد المبتدعة وتثبيتها في صدورهم بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم عَلَى الإصرار عليه، ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب الذي يثور من الجدل، قَالَ: وأما منفعته، فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها عَلَى ما هي عليه وهيهات، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف، قَالَ: وهذا إذا سمعته من محدَّث أو حشوي ربما خطر ببالك أن النَّاس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممن خبر الكلام، ثُمَّ قاله بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إِلَى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إِلَى التعمق في علوم أخرى تناسب علم الكلام، وتحقق أن الطريق إِلَى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود، ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور، ولكن عَلَى الندور) . انتهى ما نقلته عن الغزالي ﵀] اهـ.
الشرح
هذا الكلام الذي نقله المصنف، جدير بأن يتأمل كثيراً لأنه منقول عن عَلَمٍ من أعلام الفقه والأصول، والتصوف والكلام، وله شهرة واسعة وكبيرة في أكثر أنحاء العالم الإسلامي، وهو أبو حامد الغزالي، يقول: "وإذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن النَّاس أعداء ما جهلوا" لأن من المعروف أن أهل الحديث وأهل السنة أعداء لعلم الكلام.
تغلغله في علم الكلام
ثُمَّ يقول: [فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثُمَّ قاله بعد حقيقة الخبرة، وبعد التغلغل فيه إِلَى منتهى درجة المتكلمين] وهذه حقيقة تنطبق عليه، فالرجل قد خبر هذا العلم، وبلغ منه مبلغاً عظيماً، ووصل فيه إِلَى الرتبة العليا في علم الكلام، والجدل.
стр. 809
ومع ذلك يقول: اسمع هذا الكلام، وانظر ما أقوله لك عن مضار هذا العلم، وعلى ما فيه من تناقض، لأن من المشكلات العويصة في فكر أبي حامد الغزالي، التناقض والاضطراب، فمن يقرأ في أي كتاب من كتب الغزالي يجد أنه متناقض، فأحياناً يتناقض بعد صفحة أو صفحتين، فضلاً عن الكتاب أو الكتابين، وسبب التناقض سنعرفه عندما نتعرض لحياة أبي حامد الغزالي وكيف عاش؟ فإننا نجد في معرفة حياته أهمية نأخذ منها العبرة، ولو أن كل مسلم، وكل عالم، وكل داعية تأمل في حياة الغزالي، وسيرته، وما تقلب فيه من الأفكار، لأخذ العبرة والعظة، ولبدأ من حيث انتهى. فالرجل ذو العقل الضخم، والفكر الواسع، والمؤلفات الكبيرة، لماذا نجرب نفس التجربة؟ لماذا لا نبدأ من حيث انتهى؟
أبو حامد الغزالي: رحل من بلاد العجم، من بلاد دوس شرق إيران، ولد سنة ٤٥٠ للهجرة فأول ما برع في الفقه وبلغ فيه منزلة عالية، حيث كَانَ هناك العلماء والفقهاء من الشافعية حتى أصبح فقيها من فقهاء الشافعية يتكلم ويفتي ويعلق وهو لا يزال في مقتبل العمر.
تأثره بمذهب شيخه الجويني في علم الكلام
لقد دخل عَلَى الغزالي الداء العضال من قبل شيخه الإمام الكبير المشهور أبي المعالي الجويني، وشيخة هذا عَلَى شهرته وإمامته في مذهب الشافعية، وقع في الخطأ الكبير كما قال عن نفسه في الرسالة النظامية: لقد ركبت البحر الخضم، وخضت في الذي نهى عنه علماء الإسلام، وهو علم الكلام، وفي آخر المطاف تمنى أن يموت عَلَى عقيدة عجائزنيسابور، ولا يموت عَلَى علم الكلام والجدل الذي تعلمه وأضاع عمره فيه، فهل اتعظ التلميذ؟ كلا لم يتعظ.
стр. 810
لقد علَّم أبو المعالي تلميذه الشك؛ لأن علم الكلام كما قال الغزالي: يولد الشك والحيرة، مع أن الغزالي من قوة ذكائه، وبراعته في العلم كَانَ يفتي الناس، وأصبح طلاب العلم يتوافدون، ويتزاحمون عَلَى منبره وعلى بابه، ومع ذلك كَانَ الشك في قلبه، والنَّاس يسمعونه يفتي في الفقه وفي الأحكام من الخارج ولا يدرون بحقيقة هذا الشك، فالغزالي احتار وقَالَ: أين نجد اليقين الذي لا يعدله شيء في الدنيا؟ فليحمد الإِنسَان الله إذا وفق لليقين وللإيمان، وللاعتقاد الصحيح.
أما أهل الحيرة والشك، فلا يشبعهم في هذه الدنيا أي متاع أبداً، مادام عنده شك في دينه، مثل الفلاسفة، واليهود والنَّصَارَى والشيوعيين وأمثالهم يفكرون ليلاً ونهاراً في هذه المجرات يُقَالَ: إنها بالملايين وأعمارها بالملايين: ما الهدف منها؟ أشياء كثيرة محيرة لا حل ولا علاج لها إلا باليقين وبالإيمان الذي يأتي نتيجة قراءة كتاب الله وسنة رَسُول الله ﷺ .
فهذا أبو حامد وُلد عَلَى الفطرة، ولكن علم الكلام أفسده عن طريق الشيخ الإمام أبي المعالي فهذا الشك جعلأبو حامد يقول: -كما ذكر عن نفسه في كتابه المنقذ من الضلال -: فكرت وفكرت فقلت: إن الحق لا يخرج عن أربعة أصناف - المتكلمون: أهل علم الكلام لعل الحق عندهم، واليقين يُستفاد عن طريقهم، ثُمَّ الباطنية، وهَؤُلاءِ قد سبق أن تحدثنا عنهم حيث يقولون: إنهم تلقوا العلم والهدى عن طريق الإمام المعصوم، وأهل الكلام يقولون: اليقين يتلقى عن طريق العقل والبحث، ثُمَّ الفلاسفة: قالأبو حامد: لو دخلت في الفلسفة ربما اهتديت ووجدت اليقين، ثُمَّ الصوفية.
стр. 811
أما علماء الإسلام منأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فلم يأتِ بهم؛ لأنه تعلم من علم الكلام: أن إيمان العوام، وإيمان النَّاس بالدين، وبالأدلة السمعية، مجرد تقليد والعياذ بالله، قالوا: هذا اليهودي يأخذ اليهودية عن أبيه عن جده، والمسلم يأخذها عن أبيه عن جده، فأغفلوه عن الحق ونسي أن في هذا الدين اليقين، وأنه دين الفطرة، وأن النبي ﷺ جَاءَ بالهدى التام، وبالحق الكامل، الذي يغني عما عند المتكلمين والباطنية والفلاسفة والصوفية، لكن هذه هي بداية الانحراف، وبداية الزلل، فقد كانت هذه الأشياء كلها تتفاعل في نفس الغزالي
ومع ذلك هو يعلم ويفتى النَّاس ويتحدث إليهم، وهؤلا النَّاس لا يدرون، فأقبل عَلَى كتب المتكلمين، فأخذ منه ونهل كما قَالَ: حتى بلغ فيه درجة عليا، وأخيراً لم يجد فيه اليقين، لأنها نفسية حساسة شفافة، وفي منتهى الذكاء والفهم، وجد فيه تناقضاً واضطراباً فرفضه، بعد أن ألف فيه كتباً وقَالَ: إنه علم عظيم.
ودخل في الباطنية، ولم يجد عندهم إلا الشر والشؤم والكفر والضلال المحض، فرفضهم ورفض ما هم عليه، ثُمَّ دخل في الفلسفة مع أنه رد عَلَى الفلاسفة في كتاب سماه تهافت الفلاسفة وهو من أكبر الردود عليهم، وكفَّرهم، لكنه دخل وتعمق فيهم، وأخيراً قال: لم أجد اليقين.
ودخل في الصوفية أخيراً، ولما كتب كتابه المنقذ من الضلال الذي هو في نظره التصوف يقول فيه: الآن وجدت الحق وعرفت الطريق، وأن الهدى واليقين لا يُتلقى لا عن طريق العقل كما يقول علماء الكلام، ولا عن طريق الإمام المعصوم كما تقول الباطنية، ولا عن طريق الفلسفة، وإنما يتلقى اليقين عن طريق الكشف والذوق والوجد وهذا هو مصدر الحق واليقين، ثُمَّ بعد أن تعمق في التصوف كتب: إحياء علوم الدين وهو أجل وأكبر كتب أبي حامد الغزالي في هذه الفترة التي رأى أنه لا بد أن ينتقل فيها إِلَى التصوف.
стр. 812
التصوف الذي دخل عَلَى الإمام أبي حامد الغزالي أتاه من مدخل يأتي إِلَى كثير من النَّاس في زمانه وفي كل زمان دائماً وهو من باب ترك الدنيا، والانعتاق منها، والتجرد والخروج عنها، وكذلك تضخيم حقارة الإِنسَان، وإزدراء عمله، وأنه غير مقبول، وأنه مرذول عند الله، وأن الله لا يتقبل منه، وأن صلاته، وأعماله لا تساوي شيئاً، فضخموا هذا بشكل كبير حتى حالهم، كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ كمن بنى قصراً ولكنه هدم مصرا، فيؤدي بهم إِلَى إحباط شديد لدى الإِنسَان وعدم ثقته لا بالدين ولا بالعمل، وقد يؤدي بهم -والعياذ بالله- إِلَى الضياع والضلال، حتى أصبحوا يشربون الخمر ويعربدون ويسكرون، ويستعملون الحشيش -والصوفية أول من اكتشف الحشيش، ولهذا يسمونها: حشيشة الفقراء، والفقراء معناها: الصوفية، كانوا يسمون أنفسهم وما يزالون الفقراء- والشاهد: أنهم كانوا يريدون الهروب من الواقع، كما فعل الحارث المحاسبي وغيره، من التيئيس والتنفير من الدنيا.
يقول الغزالي أنه لما عرف طريق التصوف بدأ يتهم نفسه، قَالَ: أنا في مدرسة عظيمة -النظامية- وهي مدرسة كبيرة أشهر مدرسة في الدنيا، وفي بغداد عاصمة الدنيا جميعاً، وكان يأتي إِلَى حلقته أربعمائة عمامة، أي: أربعمائة من العلماء يجلسون في حلقته، يقول: إذا عرفت أن هذا هو الطريق الصحيح، واحتقرت عملي، وعرفت أني كنت فيه مرائي كما يقول عن نفسه: وجدت أن أعمالي الماضية في العلم كلها رياء، ولما وجدت أن هذه الأعمال كلها فيها رياء قررت أن أنسلخ، فتحايل بحيلة، وقَالَ: أريد أن أحج حتى يسمح له الوزير بالخروج: فاحتال أنه يريد أن يحج فخرج من بغداد ولم يرجع، قَالَ: وقررت أن لا أعود إليها أبداً.
стр. 813
وخرج إِلَى بلاد الشام وقرر أن يعتكف ويعيش هناك في عزلة بعيدة عن كل الناس، تلميذه أبو بكر ابن العربي الإمام المحدث المعروف، يبحث عنه وتلميذه هذا هو صاحب العبارة التي يقول فيها عن شيخه أبي حامد: (دخل في الفلسفة فلم يستطع أن يخرج منها) وقَالَ: (كنت أمشي في البرية، في صحراء دمشق، وإذا بشيخي أبي حامد يمشي ومعه عكازه وهو لابس لباساً مرقعاً، ومعه ركوة فيها ماء وهو يمشي في البر، قَالَ: فتعجبت قلت: يا شيخ ألم يكن تدريسك في بغداد ومقامك فيها خير لك من هذه الحال؟ كيف تركت الحلقة الكبيرة والنَّاس والخليفة والوزراء يحترمونك ويقدرونك، وينفع الله بك هناك، أما الآن ماذا تصنع؟ فأجاب أبو حامد عَلَى طريقة الصوفية، قال له شيخة: لما طلع قمر السعادة في فلك الإرادة، وجنحت شمس الوصول إِلَى عالم الأصول، وأخذ بعد ذلك يقول أبياتاً:
تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل وعدت إِلَى تصحيح أول منزل
أي يقول: نبدأ من الآن بعمل خالص لله، ونترك تلك الدنيا بكل ما فيها.
ونادت بي الأشواق مهلاً فهذه منازل من تهوى رويدك فانزل
غزلت لهم غزلاً دقيقاً فلم أجد لغزلي نساجاً فكسرت مغزلي
يقول في البيت الأخير لما كنت في بغداد، كنت أعطيهم علوماً دقيقة، والعلم الذي أريد أن أقوله لن يستوعبوه، ولن يفهموه، هذا علم -كما يقول في بعض كتبه-: المظنون به عَلَى غير أهله، هذا علم توحيد التوحيد، وخاصة الخاصة، لذا قَالَ: فكسرت مغزلي، أي: ترك المدرسة النظامية، وترك العلم وأخذ يحمل هذه الركوة، فالتناقض في هذه الأبيات واضح، لأنه إذا كَانَ يعلم أنها لغير الله، ويريد أن يصحح أول منزل، ويمشي الطريق من أوله، فكيف يقول في البيت الثالث: السبب أني لم أجد أحداً يستوعب العلم الذي أريد أن أقوله، وإنما وجدت أناساً لا يستحقونه فهناك تناقض لأنه لو كَانَ الغرض هو: التنفير من الدنيا، أو طلب الآخرة لصحح أول منزل وهو هناك، وقد يجد من يستمع إليه.
стр. 814
فالمقصود أن الرجل قال لتلميذه هذه الأبيات وذهب في الخلاء، وترك الماضي ولا يريد أن يعود إليه، ولما كتب المنقذ من الضلال، ذكر كل فرقة من هذه الفرق وما وجد عندها من الاضطراب، فَقَالَ عن علماء الكلام: لم أجد عندهم إلا الحيرة، والشك، والتناقض، وليس عندهم يقين أبداً، فتركتهم وانتقلت إِلَى الباطنية، فوجدتهم يتلقون عن هذا الإمام المعصوم كما يزعمون وفي نفس الوقت قتل الباطنية الوزير نظام الملك صاحب المدرسة واغتالوا الخليفة المقتدي، قَالَ: فطلب منه الخليفة المستظهر أن يؤلف كتاباً ضدهم، فكتب كتاباً سماه فضائح الباطنية أو المستظهِري نسبة إِلَى الخليفة - في الرد عَلَى الباطنية، ورد عَلَى الفلاسفة لأنه وجد أنها لا تصلح، ثُمَّ قبل في آخر الأمر التصوف ولما وصل إِلَى هناك واعتزل الناس، بدأ يكتب الإحياء، وهو أعظم كتبه، واهتم في كتابه الإحياء بالكلام عن الدنيا والتنفير منها والتحذير من علماء السوء، لأنه جرب أنه كَانَ عالم سوء، وكان يفتي النَّاس بهذا العدد الضخم، ولا يوجد عنده يقين.
ولم يتعرضالغزالي في كتابه الإحياء للجهاد نهائياً، وإنما أتى بكل الأبواب -الزكاة والصلاة، والمعاملات، والأخلاق، إلا الجهاد لم يأتِ به أبداً، ولم يتعرض له؛ لأن الإِنسَان إذا دخل في الصوفية وتعمق فيها لا يفكر في الجهاد أبداً.
الجهاد عند الصوفية
стр. 815
والجهاد عند الصوفية هو: مجاهدة النفس، ولو كانوا حقاً يجاهدون النفس لجاهدوا ولتكلموا عن الجهاد، ولأمروا بالمعروف، ولنهوا عن المنكر؛ لأن النفس لن تصل أبداً في أي مرحلة من مراحل العمر إِلَى اليقين الكامل الذي يزعمونه، إنما بمجاهدتها بالصلاة وبقراءة القرآن، وبالأمر بالمعروف، وبقتال الكفا ممكن أن تتقوى لتصل؛ لكن يريدونها أن تصل أولاً! فيموتون ولم تصل؛ هذا هو واقع النفس جعلها الله تَعَالَى متقلبة مترددة، وليست كأي علم من أنواع العلوم يتعلمه الإِنسَان حتى يبلغ النهاية ويثبت.. لا. فهذه يمكن أن ترتفع وتنخفض عَلَى حسب نسبة الإيمان.
فالشاهد أن الغزالي كتب عن هذه المعاني جميعاً.
بعض تناقضات الغزالي
ولما كتب في كتاب الإحياء عن العقيدة، كتب عن التوحيد وعقد له باباً أسماه قواعد العقائد، ضمن كتاب الإحياء، وهذا الكلام المنقول هنا هو منه، ولهذا نرى التناقض والاضطراب في حياة الغزالي وفي كلامه، فإذا كنت قد رفضت علم الكلام، وهو أول ما بدأت به، ووصلت إِلَى الاقتناع.
فلماذا ترجع في الإحياء إِلَى علم الكلام، لأنه بدأ الكلام بالذم لعلم الكلام وبعد، صفحتين بدأ يقول: إن علم الكلام يدفع الشبهات، وينفع في تثبيت العقيدة، وينفع في الرد عَلَى الملحدين، فهذا تناقض كيف يكون هذا الكلام؟ وأبو حامد لما كَانَ فيبيت المقدس يتعبد، جاءت الحروب الصليبية وسمع بمقدمها وعاد مرة ثانية إِلَى بلاد المشرق، وهنالك قبيل آخر أيام حياته ألف كتاباً اسماه إلجام العوام عن علم الكلام بدأ من جديد يرد، ويرفض علم الكلام ويقول: إنه علم كله شر وكله فساد، وكله لا خير فيه، وفي تلك الفترة التي رفض فيها علم الكلام يظهر أنه اقتنع أن التصوف لا خير فيه، ولهذا فإنه أخذ يقرأ في كتب السنة، حتى ذكروا أنه مات وصحيح البُخَارِيّ على صدره، وهذه الأبيات التي قالها عندما لقي أبا بكر ابن العربي تنطبق عَلَى آخر مرحلة من حياته.
стр. 816
تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل وعدت إِلَى تصحيح أول منزل.
والأصل أن الغزالي لما بدأ من صحيح البُخَارِيّ، هنا يكون أول منزل؛ لأن الكتاب والسنة هي: المنزل الأول الذي يجب أن ينطلق منه الإِنسَان، ويبدأ منه الطريق، ويترك ما عداها، ويترك الهوى الآخر، والكلام والباطنية، والفلسفة والتصوف وتوفي ﵀ سنة خمسمائة وخمس.
وهذه كانت آخر مرحلة في حياته، والغربيين لم يكتبوا عن أحد من علماء الإسلام مثل ما كتبوا عن أبي حامد الغزالي، ألفوا عنه وكتبوا، وإلى الآن تحضر رسائل ماجستير ودكتوراه عن الغزالي، وذلك لأن الغزالي تأثر به رجل غربي مفكر مشهور، وهو ديكارت حيث يعتبرديكارت من دعائم وأسس النهضة العقلية والفكرية فيأوروبا.
لقد قرأ ديكارت كلام الغزالي في مرحلة الشك -لما شك في كل شيء- يقول: أشك في العلم التقليدي، أي: الدين -الكتاب والسنة- أي أنه: أول ما بدأ يشك -والعياذ بالله- في هذا الدين.
يقول: هذا تقليد لما شك فيه الغزالي. يقول: الشك يُوصل إِلَى النظر، والنظر يوصل إِلَى اليقين، أولاً تشك ثُمَّ تتأمل ثُمَّ تفكر ثُمَّ تنظر، وتصل إِلَى اليقين بعد ذلك -هكذا كَانَ يظن ولم يصل- ثُمَّ تنقل في هذه المذاهب الأربعة الفكرية وأخيراً رجع إِلَى أول منزل، وهو إِلَى الكتاب والسنة، وديكارت، أخذ هذا الشك وقَالَ: كانت أوروبا تعيش فعلاً في ظلام دامس وكان هذا الظلام نتيجة التقليد، وكان البابوات ورجال الدين يفرضون أي شيء، ويؤمنون بالأناجيل عَلَى ما فيها من تناقض، وبكتب ورسائل بولس وأمثاله عَلَى ما فيها من كذب وتناقض واضطراب، فكان الإِنسَان الغربي يؤمن بأي شيء إيماناً وتقليداً أعمى.
стр. 817
فلما جَاءَ ديكارت قَالَ: لا بد أن نشك، ومن الشك ننطلق إِلَى النظر، ومن النظر نصل إِلَى اليقين، لكن هناك فرقاً بين من يشك في الإسلام لأنه يشك في الحق، وبين من يشك في النصرانية لأنه يشك في الباطل، فلما شك ديكارت وقال العبارة المشهورة: "أنا أفكر إذاً أنا موجود" شك في كل شيء حتى في نفسه، فبدأ يقول: ما الدليل عَلَى أنني موجود؟ قَالَ: لأني أفكر هل أنا موجود أو غير موجود، وما دمت أفكر هل أنا موجود أو غير موجود إذاً: أنا موجود، وبدأ من أول الطريق، ومن أول منزل كما قال الغزالي.
فأخذت أوروبا واستفادت منديكارت أنها تشك في كل ما جاءها عن الكنيسة ورجال الدين والأناجيل المحرفة، ولما شكت أوروبا ونظرت، وجدت أنها فعلاً كانت تعتقد الضلال، فبذلك انتقلت من العلم التقليدي، ومن منطق أرسطو، ومن علم الدين والضلال الذي كانت عليه إِلَى العلم التجريبي. والعلم التجريبي: الحق فيه واضح لأن العلم الغيبي لا يظهر الحق فيه إلا في الدار الآخرة، فأوروبا بدأت تسلك هذا الطريق، فتجربة وراء تجربة وتقدمت في المجال الصناعي نتيجة أخذ هذا العلم عن طريق الْمُسْلِمِينَ وقضايا أخرى.
ديكرت والنهضة الأوروبية
يُعَّدُديكارت من دعائم عصر النهضة الأوروبية، فالغربيون أعجبوا بهذا للسبب المتقدم، ولسبب آخر هو: أن الغزالي إمام كبير من أئمة الإسلام وشك في دينه الإسلام، وسمى الوحي بالعلم التقليدي، وهذا هو الذي يريدونه، فكل طالب ابتعث إِلَى أوروبا، وخاصة في جامعة الصوربون في فرنسا وهي مهتمة كثيراً بالغزالي وعلومه.
стр. 818
فإذا جَاءَ أحد قالوا: تعال ابدأ فقدوتك الإمام الغزالي، ابدأ فشك في كل شيء ثُمَّ في القُرْآن والسنة ثُمَّ في نبوة مُحَمَّد ﷺ والعياذ بالله، وبعد ذلك انظر وابحث واجتهد حتى تصل إِلَى اليقين، ولهذا نجد كثيراً من المتصوفين الكبار، تخرجوا من الصربون، وما يزالون يتخرجون وعلى منهج الغزالي يسيرون، فهم أخذوا العبرة الخطأ والضلال.
ونحن لم نأخذ العبرة وهي أن الإِنسَان يبدأ من حيث انتهى إليه الغزالي، نبدأ بالكتاب والسنة، لماذا نجرب ونجرب؟!
الغزالي رجل غير تقليدي هذا صحيح، لكنه جعل الدين من التقليد، لكنَّ كونه تنقل في هذه الأربعة دليل عَلَى أنه غير تقليدي، ولو كَانَ تقليدياً لتمسك بواحدة من هذه المراحل التي مر عليها وبقي عليها، ولربما كَانَ بقي عَلَى الأصل الإيمان، وهو الدين والإسلام، لكنه شك ثُمَّ شك في أول الأمر، فهو ولد عَلَى الفطرة كما قال النبي ﷺ : (كل مولود يولد عَلَى الفطرة) وفي آخر الأمر يموت والفطرة عَلَى صدره وهي هذا الدين، فلف لفةً طويلة حتى رجع، لماذا لا يبدأ الطريق من أوله؟! فالدعاة والمربون والموجهون والعلماء، الذين يأتون بالمناهج الشرقية أو الغربية المنحرفة، أو البدع الضالة من صوفية أوعلم كلام أو فلسفات أو نظريات، لماذا لا يأخذون العبرة ويبدأون جميعاً من حيث انتهى أبو حامد، وتكون البداية بأول منزل وهو كتاب الله وسنة رَسُول الله ﷺ ، هذه العبرة التي يجب أن نأخذها جميعاً.
стр. 819
يقولأبو حامد: فإن قلت فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه، فاعلم أن للناس في هذا غلواً وإسرافاً في أطراف، فمن قائل: إنه بدعة حرام وأن العبد أن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام -فنفهم أن هذا إفراط وإسراف- ومن قائلٍ إنه فرض إما عَلَى الكفاية، وإما عَلَى الأعيان، وإنه أفضل الأعمال، وأعلى القربات فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله، فهناك إفراط عند من قَالَ: حرام وعند من قَالَ: واجب، وإلى التحريم ذهب الشَّافِعِيّ ومالك وأَحْمد بن حَنْبَل وسفيان وجميع أئمة الحديث من السلف سُبْحانَ اللَّه! جعل هَؤُلاءِ الأئمة مفرطين ومنهم الإمامالشَّافِعِيّ.
والغزالي شافعي وهو من أكبر أئمة الشافعية ويكتب دائماً الشافعي في اسمه، وله كتاب المنخول في أصول الفقه عَلَى طريقة الشافعية، وكتبه في مذهب الشَّافِعِيّ معروفة.
فكيف تجعل الذي تقلده وتنتمي وتنتسب إليه في مقابل طرف غلو وتجعل علماء الكلام المذمومين، المرذولين في طرف غلو آخر، فكيف هذا التناقض؟ وسبق أن قلنا إن من أسباب هذا التناقض: أن الرجل مر بعدة أطوار فأصبحت عقليته مضطربة مختلطة، مع قوة الحافظة والذكاء، وغزارة الفهم، يفهم الكل، ومع فهم الكل بلا منهج ولا معيار يقيس ما حفظ وما علم وما فهم صار يكتب كلاماً وينقضه فيما بعده، ثُمَّ نقل عن هَؤُلاءِ، ألفاظاً كثيرة منها:
كلمة الإمام الشَّافِعِيّ ﵀ التي قالها: (لأن يلقى العبد الله تَعَالَى بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بعلم الكلام) .
стр. 820
وكلمة مالك لما قَالَ: (لا تقبل شهادة أهل الأهواء) ، وفسرها ابن خويز منداد فقَالَ: (إن مالكاً يعني بأهل الأهواء: أهل الكلام أشعرياً كَانَ أو غير أشعري) ، فإن علماء الكلام هم أهل الأهواء وكلام سفيان وكلام الإمام أَحْمَد وجميع أئمة الحديث من السلف والنقول عنهم معلومة، قَالَ: [وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، أي: عَلَى ذم علم الكلام، ولا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه، وَقَالُوا: ما سكت عنه الصحابه -مع أنهم أعرف بالحقائق، وأفصح بترتيب الألفاظ- إلا لما يتولد منه من الشر] وهذا حق لأن أي علم من العلوم لو كَانَ خيراً، فالصحابة أسبق النَّاس إليه، ولن يأتي بعدهم من يسبقهم إِلَى خير أبداً.
يقول: [وكذلك قال ﷺ : (هلك المتنطعون) أي: المتعمقون في البحث والاستقصاء] .
[واحتجوا أيضاً بأن ذلك لو كَانَ من الدين لكان أهم ما يأمر به الرَّسُول ﷺ ويعلم طريقه ويثني عَلَى أربابه] لأنه إذا كَانَ لا يمكن أن نصل إِلَى اليقين، إلا بعلم الكلام، لكان أول علم يعلمه النبي ﷺ الأمة هو هذا العلم لأنه جَاءَ ليعلمهم اليقين، ويذهب عنهم الشك والضلال: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [البقرة:١٩٨] فجاء يعلمنا الكتاب والحكمة ويزكينا، ويبعدنا عن طريق الضلال، فلو كَانَ الذي يزيل وينقذ من الضلال هو علم الكلام؛ لكان هو أول علم يعلمه النبي ﷺ الصحابة هو علم الكلام، ونقول أيضاً للغزالي: لو كَانَ المنقذ من الضلال هو التصوف لكان أول علم يعلمه النبي ﷺ الأمة لينقذهم به من الضلال، ثُمَّ ذكر بقية استدلالهم.
стр. 821
وذكر استدلال الفريق الآخر، حيث يقولون: فيه دفاع عن الدين، ومناظرة الملحدين، وقمع للشبهات، هكذا ذكر ذلك وهي موجودة في الجزء الأول من الإحياء كما قلنا قواعد العقائد.
قَالَ: [فإن قلت: فما المختار عندك؟] بعد أن ذكر أن السلف جميعاً مجمعون عَلَى شيء، وأن أهل الكلام خالفوهم؛ فأجاب بالتفصيل فقَالَ: فيه منفعة، وفيه مضرة؛ لأن السلف ذموه بإطلاق قالوا: لا نفع فيه ولا خير فيه وذكر أنهم مجمعون عَلَى ذلك، فلماذا تخالف إجماع السلف؟
فهو كما يقول: تركت التقليد وأخذت انتهج سبيل النظر حتى أصل إِلَى اليقين؛ كأنه يعتذر من اتباع السلف؛ لأنه من باب التقليد، وترك كلام السلف وإجماعهم، ويقول: فيه منفعة، وفيه مضرة، فهو في وقت الانتفاع حلال أو مندوب أو واجب كما يقتضيه الحال، وهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام، قَالَ: فأما مضرته فإثارة الشبهات فهذا ضرر، وهذا يكفي وتحريك العقائد، وإزالتها عن الجزم والتصميم وذلك مما يحصل بالابتداء، وأي إنسان يتعمق في الجدل وعلم الكلام فإنه تحصل عنده الزعزعة، ورجوعها في الدليل مشكوك فيه..... إلخ، وهذا ينطبق عليه ﵀.
أهذا لديه اتباع للنبي ﷺ وللسلف الصالح؟ فلو أنالغزالي قَالَ: نَحْنُ مع هَؤُلاءِ السلف، لأراح نفسه واتخذ موقفاً واضحاً، لكنه قَالَ: فيه تفصيل وقد يكون واجباً، ثُمَّ يقول كلاماً يوجهه إِلَى كل باحث، وإلى كل مطلع، وإلى كل قارئ من أي اتجاه.
стр. 822
قَالَ: [وهذا] أي: إن كلامي هذا عندما قلت: إنه ضار [إذا سمعته من محدث، أو حشوي] والحشوية: هم الذين ليس عندهم حشو الكلام وهم ينبزون علماء الحديث بهذا [ربما خطر ببالك أن النَّاس أعداء ما جهلوا] أي: هَؤُلاءِ علماء حديث ما عندهم إلا قال الله وقال رَسُول الله ﷺ وعن فلان عن فلان، فلان ضعيف، وفلان ثقة، ما عندهم شيء،..فلذلك لا تستغرب أنه يَذُّم علم الكلام، ويذم علم الفلسفة.
قَالَ: [فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثُمَّ قاله بعد حقيقة الخبرة، وبعد التغلغل فيه، إِلَى منتهى درجة المتكلمين] كَانَ يقول: فَخُذْ عني فأنا متأكد، وقد خبرت كل هذا، فقد بلغت إِلَى منتهى درجة المتكلمين، إذاً: وصل إِلَى منتهى درجة المتكلمين [وجاوز ذلك إِلَى التعمق في علوم أخرى تناسب علم الكلام] يقول: أنا كذلك الآن جاوزت إِلَى التعمق في علوم أخرى، في الباطنية، وفي الفلسفة، وفي التصوف، فتعمق حتى قال كما في المنقذ من الضلال: "وجدت علم الكلام علماً وافياً بمقصوده غير وافٍ بمقصودي" أي أن هذا العلم في ذاته عَلَى قدر أهله يكفي؛ لكنه بالنسبة لرغبتي غير كافٍ لها لأنه يقول: أنا أريد اليقين وأبحث عنه، لكن مقصود هذا العلم الجدال والنزاع وإثارة القضايا والإستنباطات؛ لأنه علم كامل، يغرق فيه الإِنسَان، فوجدته كافياً بمقصوده غيركافٍ بمقصودي، ثُمَّ يقول: "وجاوز ذلك إِلَى التعمق في علوم أخرى تناسب علم الكلام: وتحقق أن الطريق إِلَى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود " يقول: أنا تحققت أن الطريق ومعرفة الحق عن طريق علم الكلام مسدودة.
стр. 823
ثُمَّ يقول أخيراً: [ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن عَلَى الندور] فبعض النَّاس يفك الحجاب الذي كتبه المشعوذ ويجد أن آية الكرسي وقل هو الله أحد -اسم الله الأعظم فيه- فيقول الْحَمْدُ لِلَّهِ وتطمئن نفسه، ولا ينظر إِلَى تلك الطلاسم من فوق ومن تحت وجميع الأطراف، وهكذا كل العلوم لا بد أن تأتي بشيء من الحق لتعمي عَلَى الناس، والبريء منهم والساذج أو المغفل عندما يرى هذا الشيء من الحق ينسى تلك الطلاسم وتلك الحواشي، فهو مثل علم النجوم، كما قال النبي ﷺ : إن الجني يتلقى الكلمة فيلقيها إِلَى وليه قبل أن يدركه الشهاب، فيحفظها الولي من الإنس، فيضع معها تسعة وتسعين كذبة، والنَّاس دائماً يتعلقون بذكر الواحدة، وينسون التسعة والتسعين فهذه طريقة الشيطان، وهذا تلبيسه، فعلم الكلام في هذا مثل خبر الكاهن، صدقه واحدة ولكن معها تسعة وتسعون كذبه، هذه هي غاية ما في علم الكلام.
هدم الدين وإفساده
قَالَ المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:
[وكلام مثله في ذلك حجة بالغة والسلف لم يكرهوه لمجرد كونه اصطلاحاً جديداً عَلَى معان صحيحة، كالاصطلاح عَلَى ألفاظ لعلوم صحيحة، ولا كرهوا أيضاً الدلالة عَلَى الحق والمحاجة لأهل الباطل، بل كرهوه لاشتماله عَلَى أمور كاذبة مخالفة للحق، ومن ذلك: مخالفتها للكتاب والسنة وما فيه من علوم صحيحة، فقد وعّروا الطريق إِلَى تحصيلها وأطالوا الكلام في إثباتها مع قلة نفعها، فهي لحم جمل غث عَلَى رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى، وأحسن ما عندهم فهو في القُرْآن أصح تقريرا، وأحسن تفسيرا، فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد كما قيل:
لولا التنافس في الدنيا لما وضعت كُتْبُ التناظر لا المغني ولا العمد
يحللون بزعمٍ منهمُ عقدا وبالذي وضعوه زادت العقد
стр. 824
فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشبهه والشكوك والفاضل الذكي يعلم أن الشبهه والشكوك زادت بذلك] اهـ. .
الشرح:
لقد دخل أهل الكلام في هذا الدين كما دخل المنافقون من قبل وأخذوا يهدمون ويفسدون في هذا الدين، فمما أفسدوا في هذا الدين قولهم: إن القُرْآن غير معجز وأنه بإمكان أي إنسان أن يأتي بمثل هذا القُرْآن إلا أن الله صرفهم عنه، وقد سبق هذا مبحث الكلام عَلَى القُرْآن والخلق وقولهم كما قال النظام: إن الخبر لا يقبل إلا إذا رواه جمع عن جمع، وأنكروا خبر الآحاد، يريدون بذلك هدم السنة؛ لأننا إذا اشترطنا في أي حديث أن يرويه جمع عن جمع، وهذا الجمع اختلفوا في تحديده، حتى قيل عن بعضهم: لا بد أن يكون سبعين عن سبعين، ولا يوجد عندنا إلا النادر وقليل جداً الذي يمكن أن يرويه هذا العدد جيل عن جيل إِلَى جيل.
الهدف من وضع مصطلحات جديدة لعلم التوحيد
هناك أناس يهدفون إِلَى إبطال دلالة الكتاب والسنة، وهَؤُلاءِ لا يمكن وصف غرضهم بأنه وضع اصطلاحات جديدة لعلم التوحيد بحجة تفهيمه للأمة لتسير عليه، وإذا نظرنا إِلَى واقع السلف الذين أنكروا عَلَى أهل هذا العلم نجدهم لا ينكرون أي اصطلاحات في أي علم من العلوم، مادام ليس فيها بدعة وضلال.
وكذلك إذا نظرنا إِلَى حال من أنكر عليهم السلفُ من أمثال بشر ومن جَاءَ بعده من أصحاب الكلام كعبد الجبار لم ينكر عليهم لوضع اصطلاحات جديدة إلا لأنها تهدف إِلَى إبطال دلالة النصوص الشرعية، وألفت الكتب المعروفة في كتب العقيدة التي تضع أبواباً في ذم علم الكلام لما ظهر أئمة البدع.
стр. 825
سبق أنه لم يكن أحد من علماء السلف ينتقد هَؤُلاءِ لمجرد أن هناك اصطلاحات جديدة، وأيضاً إذا نظرنا إِلَى حال الذين وضعوا علم الكلام لا نجدهم من علماء الإسلام الذين اشتغلوا واهتموا به ولكنهم وضعوا اصطلاحات جديدة لهذا العلم كما وضع الفقهاء اصطلاحات فقهية وكما وضع النحاة والمفسرون وسائر العلماء لسائر العلوم، فالسلف إذاً: لم يكرهوا الدلالة والاستدلال عَلَى الحق والمناظرة.
تكفير الإمام الشافعي لأحد أعلام المعتزلة
إن الإمام الشَّافِعِيّ ﵀ ناظر حفصاً الفرد أحد المعتزلة وقال كفرت -بالله العظيم عَلَى هذا الاعتقاد وناظر غيرهم من أهل البدع.
والمعتزلة لا يخفى عَلَى أحد من الْمُسْلِمِينَ أنهم خارجون عن الطريق المستقيم وعن السنة والجماعة.
هل الأشاعرة على طريق أبي الحسن الأشعري أم لا؟
لكن الذين اشتغلوا بعلم الكلام ممن ينتسبون إِلَى أبي الحسن الأشعري يقولون: نَحْنُ علماء كلام أهل السنة، والمعتزلة علماء كلام أهل البدعة، ونحن ندافع عن السنة، وهدفنا إثبات الحق والعقيدة الصحيحة، والاستدلال للحق، وهَؤُلاءِ ينتسبون وينتمون إِلَى الإمامالشَّافِعِيّ، ولهذا نجد كتاب تبيين كذب المفتري فيما نسب إِلَى الإمام الأشعري الذي ألفه الحافظ ابن عساكر وقد وقع الحافظ ﵀ في هذه الغلطة مع أنه أورد معظم كتاب الإبانة للأشعري ضمن كتابه الذي يقول فيه أبو الحسن الأشعري: إنه في الأصول والفروع في العقيدة عَلَى ما كَانَ عليه الإمام أَحْمد بن حَنْبَل -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- والسلف الصالح وأثبت جميع الصفات وأثبت أن الإيمان قول وعمل وأثبت القدر، أثبت كل شيء عَلَى منهج السلف ومع ذلك هم متمسكون بما كَانَ عليه من قبل.
стр. 826
وابن عساكر مع أنه جَاءَ بقطعة كبيرة جداً من الإبانة ضمن الكتاب هذا؛ لكنه استدرك في ترجمة الأشعري ابتداءً من صفحة (٣٣٣) من الكتاب الذي حققه الكوثري يقول في معنى كلامه: فإن قيل إن غاية ما مدح به الأشعري ومن اتبعه أنه متكلم، وقد ورد في ذم علم الكلام ما هو معلوم عند السلف فكيف توفقون بين هذا وهذا؟ فأورد الإشكال وأراد أن يحله، لكنه لم يستطع.
فنقل عن الشَّافِعِيّ ﵀ وعن غيره ما ذموا به الكلام وأهله ثُمَّ حل المشكلة فقَالَ: (إن ما ذَمَّ به الشَّافِعِيّ وغيره من العلماء علم الكلام إنما هو علم الكلام البدعي وأما ما اشتغل به الأشعري ومن اتبعه فإنه علم الكلام السني) ، فهل هذا الكلام صحيح؟
لو نظرنا ودققنا فإنه ما دام أنه علم كلام فهو مذموم، واستدل بأن الشَّافِعِيّ ﵀ الذي أورد هذا الذم لعلم الكلام نقد حفصاً الفرد وغيره، وذكر بعض النصوص التي نقلها عن طريق الخطيب البغدادي وغيره أن الشَّافِعِيّ ناظر وجادل أهل البدع. وكما قال المصنف: هنا لا يكره السلف الصالح ولا يمنعون الدلالة عَلَى الحق ولا المحاجة لأهل الباطل.
فكتاب الله فيه المحاجة للمشركين وفيه المحاجة لليهود وللمنافقين، وفيه أيضاً بيان ومنهج في محاجة أصحاب المعاصي الذين يغفلون عن الله ويرتكبون ما حرم الله، فنجد أن في القُرْآن ما ينير لنا الطريق ويدلنا كيف نجادل جميع أنواع المنحرفين حتى قال عبد الله بن عباس ﵄ حبر الأمة وترجمان القُرْآن (ما من شبهة إِلَى أن تقوم الساعة إلا وجوابها في كتاب الله علمها من علمها وجهلها من جهلها) ففيه الهدى الكامل والشفاء الكامل، والجواب الكامل عن كل شبهة.
إن الجدل ليس ممنوعاً بإطلاق ولا ممدوحاً بإطلاق.
стр. 827
وأعظم من ذلك أننا نستدل عَلَى الحق بالبراهين العقلية والنظرية؛ فالله استدل عَلَى أعظم قضية كَانَ ينكرها المُشْرِكُونَ -وهي قضية البعث بعد الموت- بالأدلة العقلية الحسية المشاهدة، مثل ضرب المثل في الأرض الهامدة كيف أن الله ينزل عليها الماء فتحيا وكذلك يحي الموتى، وغير ذلك من الآيات التي جعلها الله أمثلة وعبر، فالجدال والاستدلال للحق ليس مذموماً.
لكن الاستدلال للحق بالمنهج الكلامي هو المذموم، وهذا هو الذي كرهه السلف الصالح -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم- فكرهوه، كما قَالَ: [لاشتماله عَلَى أمور كاذبة مخالفة للحق، ومن ذلك مخالفتها للكتاب والسنة، وما فيه من علوم صحيحة، فقد وعروا الطريق إِلَى تحصيلها، وأطالوا الكلام في إثباتها مع قلة نفعها] ثُمَّ ذكر المثل المعروف عند العرب [فهي لحم جمل غث، عَلَى رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى] فحال علماء الكلام غاية ما فيه أنهم يحصلون قضايا بدهية، كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀ في درء تعارض العقل والنقل وهو الخبير بهم وبأحوالهم يقول: إن ما اتفق عليه الخائضون في الأمور العقلية من فلاسفة ومتكلمين لا يكادون يتفقون إلا عَلَى ما يتفق عليه عقلاء بني آدم الذين لم يتعلموا من علم الكلام شيئاً. وإذا أراد علماء الكلام أن يضربوا مثلاً في قضية متفق عليها ماذا يقولوا؟ كما أن الكل أكبر من الجزء.
стр. 828
إذاً: ما دام الجزء من الشيء فالشيء كله أكبر من جزئه، فيأتون بهذا المثال من شدة ما أفلسوا في القضايا البرهانية لم يبق لديهم إلا الاستدلال عَلَى أمور لا ينكرها ولا يكابر فيها أحد من العقلاء حتى الذين لم يشغلوا أنفسهم بهذه العلوم، وقوله: [وأحسن ما عندهم فهو في القُرْآن أصح تقريراً، وأحسن تفسيراً، فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد] هذا هو حال علماء الكلام: فلو أرادوا أن يثبتوا صفة الإرادة مثلاً يقولون: إذا نظرنا إِلَى الكون نجد أن فيه تخصيص. هذا طويل، وهذا قصير، وهذا غني، وهذا فقير، ويطيلون بكلام لا يكاد يفهم صفحات طويلة تخرج منها بأن الخالق الذي خلق هذا البشر مريد، وهذه القضية بدهية عند كل مسلم: أن الله يريد ويفعل ما يريد، كما هو في الكتاب والسنة لكنهم لا يريدون هذه الطريق، وإنما يريدون الطرق العقلية كما يقولون، ولهذا قال هذا الشاعر الذي لم نعثر عَلَى اسمه، ولا عَلَى عصره؛ لكنه قال بيتين وهما في معناهما من أجود ما قيل يقول:
لولا التنافس في الدنيا لما وضعت كُتْب التناظر لا المغني ولا العمدُ
يحللون بزعم منهم عقدا وبالذي وضعوه زادت العقدُ.
التنافس في الدنيا هو الذي أدى إِلَى أن توضع كتب التناظر وكتب المقالات وذكر مثالين: المغني وهو كتاب للقاضيعبد الجبار المعتزلي المتوفي سنة (٤١٥) وهو أكبر وأجمع كتاب من كتب المعتزلة وهو في علم الكلام وفي الضلال، والقاضيعبد الجبار هو: إمام المعتزلة المتأخرين، ولم يظهر في المعتزلة بعده مثله وحتى قبله النظام والعلاف كانا في الابتداء، وأكبر مصدر ومرجع للمعتزلة هو كتاب المغني.
стр. 829
وكتب القاضي عبد الجبار مجلدات ومنها: كتاب الأصول الخمسة الذي شرح فيه الأصول الخمسة التي هي أصول المعتزلة، وقد نقب المستشرقون وأتباعهم وأذنابهم عن كتاب المغني في جميع مكتبات العالم، وهو مكون من عشرين مجلداً ولم يستطيعوا أن يظفروا إلا بأربعة عشر مجلداً متفرقة غير مرتبة، والستة الأخرى ضائعة، وهم متحسرون عليها، ونرجو أن لا يجدوها، ولا يوجد فيه إلا كما قَالَ المُصنِّفُ هنا: [لحم جمل غث، عَلَى رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى] بعد طول الكلام المعقد غير المفهوم يقرر شيئاً جَاءَ في آية، أو في حديث عن النبي ﷺ ، ويُغني عن كل ما كتب هذا الرجل من تعقيد وتطويل.
وأما كتاب العمد هذا، فهو لأبي الحسن الأشعري: ويمتاز كتاب العمد عن بقية كتب الأشعري بأنه ذكر فيه كتبه وهي تعد بالمئات قيل: إنها مائتين وقيل إنها ثلاثمائة كتاب ألفها الأشعري قد تكون رسائل صغيرة، وقد تكون مجلدات، فقد قال في كتابه العمد: رددت عَلَى المجوس وعلى النَّصارَى وعلى الثنوية وعلى النظام وعلى العلاف وعلى ابن الراوندي وعلى ابن الخياط وعلى الكعبي وعلىالخالدي وعلى كذا وعلى كذا.. ذكر أصنافاً من أهل الضلالة، ومن أمم الكفر رد عليها.
وكتاب العمد خاص لإثبات الرؤية؛ لكن كيف يثبت الأشعرية الرؤية؟ وننظر كلام المُصنِّفُ لنرى التطويل والتعقيد.
стр. 830
يقولون: هذه الرؤية ليست في جهه، يعني: ليس أحد لا الرائي ولا المرئي في جهة وليس فيها تقابل، أي أن: الإِنسَان ليس في مقابل الله وليس فيها أبعاد ولا فيها كذا ولا كذا فعقدوا الموضوع؛ ولو جئنا إِلَى أحد من أهل السنة وقلنا له: هل تثبت الرؤية؟ فسيقول: نعم، قال الله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢، ٢٣] تقول له: كيف يُرى؟ يقول: قال الله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] لا نعلم الكيفية، فهذا عالم الآخرة لا ندركه، وإننا لا ندرك حقائق الجنة والنَّار ونعيمها، فضلاً عما يتعلق بالله .
هذه الخلاصة أن تأتي بآية أو بآيتين من كتاب الله وتريحك عما عداها، وهم يأتون بفلسفات: هل النظر لا بد أن يكون من شعاع ينطلق من العين ويقع عَلَى المرئي؟ أو يخرج من المرأي، والبعد والجهة والمقابلة كلام طويل جداً، وفي الأخير نثبت رؤية لا تتفق مع ما جَاءَ في الكتاب والسنة. وغاية ما فيها أننا دحضنا شبهات المعتزلة في إنكار الرؤية بحجج لو جَاءَ في المعتزلة من هو أذكى لنقض هذه الحجج، ولقَالَ: لا تتصور المقابلة إلا بين اثنين متناظرين.... إلخ.
стр. 831
ولكن إذا قلنا: قال الله، وقال رَسُول الله، ألجمنا المخالف إلجاماً تاماً، وأثبتنا ما جَاءَ في الكتاب والسنة وكنا عَلَى يقين وثقة من أننا لم نقلد فلاناً من النَّاس الذي قد يرد عليه فلان، إنما اتبعنا ما أنزل الله عَلَى مُحَمَّد ﷺ كما قال الإمام مالك: (أو كلما جَاءَ أحد هو ألحن بحجته من الآخر تركنا ما نزل به جبريل عَلَى مُحَمَّد ﷺ ؛ لقول ذلك الآخر) لا نقف عند حد إذاً: لا المغني ولا العمد يعطينا الحق الذي نريده، وإنما تطويل وتعقيد وتكلف، والشاعر بهذين المثالين يشير إِلَى أن علم الكلام وكتب المناظرات والمقالات لكلا الفرقتين المعتزلة والأشاعرة لم يحصلوا فيها العلم النافع، ولم يدلونا عليه ولن يفعلوا ذلك فإنما وضعت الكتب في هذا العلم من أجل التنافس عَلَى الدنيا فأشار بالمغني إِلَى المعتزلة وبالعمد إِلَى الأشعرية.
والمقصود بالتنافس عَلَى الدنيا هنا ليس بمعنى الحصول عَلَى المال، وإنما هو إثبات أن الإِنسَان لم يفحم في المناظرة، فالتنافس كَانَ عَلَى المكانة الدنيوية، وكان يعز عَلَى أي متكلم أن يُقَالَ: إن فلاناً قد غلبك وأفحمك، فالتنافس من أجل أن يُقَالَ: فلان رد عَلَى فلان وفلان غلب فلاناً، هذا الذي كَانَ عليه علماء الكلام في السابق، وهم لا يسمون علماء إلا بالتقييد، ولا يدخلون في العلماء -وكما سبق أن أوضحنا أنه إذا وقف أحدٌ ماله، وقَالَ: هذا وقف للعلماء أو لطلبة العلم، فلا يدخل فيه علماء الكلام - لأن علم الكلام ليس بعلم كما في فتاوى أهل العلم، وحتى لا يُقَالَ: فلان غلب فلاناً، كَانَ كل منهم يفتعل الحجج والبراهين، ويفتري عَلَى الخصم الآخر ليبين أنه لم يغلب وأنه لم يهزم.
стр. 832
ومن الأدلة عَلَى ذلك: أنهم يكتبون عن مذهب السلف الصالح فيقولون: قالت الحشوية: إنه تَعَالَى جسم عَلَى العرش يمسه كما يمس الجسم الجسم إذا وضع عليه، ثُمَّ يردون عَلَى هذا الكلام الذي هو من وضعهم وعندهم فيه خبرة، وعندهم كلمة "المثلية" فيقولون: لا يمكن أن يكون جوهر عَلَى جوهر، ولا جسم عَلَى جسم ... ، وهم لم يردوا عَلَى منهج السلف وإنما ردوا عَلَى الكلام الذي وضعوه ثُمَّ نقضوه، فالتنافس يمكن أن يفسر بأنه تنافس في المناظرة والمجادلة.
والمناظرة والمجادلة غالباً ما تحمل صاحبها عَلَى التمحل، وعلى أن يكون للنفس حظ في هذا الجدل؛ ولهذا نُهينا عن الجدال إلا لحاجة وبالتي هي أحسن؛ حتى مع أهل الكتاب كما قال الله تعالى: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:٤٦] وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن [النحل:١٢٥] أي: نبين الحق وندحض الباطل ولا نكثر الجدال معهم. ولا نسترسل ليصبح مراءً، فالأمر عند هَؤُلاءِ ليس أمر اقتناع ولا نقص في الحجج ولا ضعف فيها، ولكنه هوىً يجمح بهم، فعلينا أن نوضح لهم الطريق، فإذا استبانت سبيل المجرمين، تركناهم وشأنهم.
أما قول الشاعر عن المتكلمين:
يحللون بزعم منهم عقدا وبالذي وضعوه زادت العقد
معناه: أن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ لا تعقيد عندهم، فمثلاً: في إثبات صفات الله ، نأخذ كتاب العقيدة الواسطية لشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀ فإنه يأتي بالآيات والأحاديث، وأيُّ إنسان عنده فهم يستطيع أن يقرأ هذه الآيات وهذه الأحاديث؛ فيجد أن هذا منهج واضح في إثبات صفات الله ﵎ ولا شبه فيه ولا شك ولله الحمد، لكن إذا قارنت هذا بالمغني أو بالعمد أو بأي كتاب من كتب الكلام قديمها وحديثها تجد الفرق والبون شاسعاً بين منهج يقوم عَلَى الوحي ميسر مقرب واضح، وبين منهج يقوم عَلَى الكلام، والفلسفة والجدال.
стр. 833
فأعقد مسألة في العقيدة وأكثرها إشكالاً -مثلاً مسألة الصفات- وربما تكون أكثر من ذلك وهي مسألة القدر، وإذا سمعت من يتكلم في القدر بمجرد الكلام العقلي، فإنك تسمع كلاماً كثيراً جداً!! إن كَانَ مؤلفاً فقد يكون مجلدات، وإن كَانَ كلاماً فقد يكون ساعات أو محاضرات من أجل إثبات القدر، وهذه حقيقة معروفة.
واسألوا من قرأ في هذه الكتب التي كتبت عَلَى الطريقة الكلامية في القدر، ماذا استفاد بعد أن انتهى من الكتاب؟ يشك، ويحتار كثيراً، ويذهب ليسأل العلماء، ويكون حاله بعد أن قرأ أسوأ من حاله قبل أن يقرأ، وإذا سمع كلاماً من هذا النوع عن القدر، تزداد لديه الشبهات، أن يقول: وفي الأخير يقول: لم أفهم ما قال؛ فيذهب يبحث عند هذا المتكلم أو عند غيره، وتستمر عملية البحث فيصبح في حيرة وقد لا يخرج منها -والعياذ بالله- وقد تنقدح في قلبه شبهات لا تحل أبداً نسأل الله السلامة والعافية.
ولو نظرنا في منهج السلف الصالح في أي كتاب من كتب السلف يمكن أن نثبت كل موضوعات القدر من أولها إِلَى آخرها بعدة آيات وأحاديث، ولا يبقى بعد ذلك شبهة أبداً.
فمراتب القدر عند أهل السنة نثبتها بآيات وأحاديث لا تعقيد فيها:
مرتبة العلم
فنثبت العلم لله أنه عليم بما كَانَ وماسيكون يقول الإمام أَحْمَد ﵀: "ناظروا القدرية بالعلم" فاختصر علينا الطريق، ومعنى ذلك: قولوا لهم: هل يعلم الله ما سنفعل من خير أو شر، وما سيقع إِلَى أن تقوم الساعة؟
стр. 834
فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كَفَرُوا أي: أننا من غير أن نبحث عن علاقة فعل العبد بفعل الرب، والتأثير، والكشف، نمسك الطريق من أوله، ونقول له: أتؤمن أن الله يعلم ما كَانَ وما سيكون إِلَى قيام الساعة، ويعلم من سيطيعه ومن سيعصيه، فإذا أقر بهذا خصم حينئذ يقال له: من علم ذلك، أليس هو الذي خلقه؟! أليس هو الذي أوجده؟! أليس مبنياً عَلَى العلم والعلم مقتضاه الحكمة والعدل والرحمة؟!
وإذا أنكروا علم الله كفروا؛ لأنهم أنكروا ما هو معلوم من كتاب الله وعند جميع الْمُسْلِمِينَ بالضرورة. .
مرتبة الكتابة
والمرتبة الثانية: بعد مرتبة العلم أن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قَالَ: (أول ما خلق الله القلم، فَقَالَ له: اكتب، قال: وما أكتب، قال: اكتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) فكتب ما كَانَ وما سيكون من خير أو شر، من مصيبة أو طاعة أو معصية، فكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ كما قال تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:١٢] .
فنقول لمن يشكك في القدر: هل تؤمن بالمرتبة الثانية، وهي: أن الله كتب مقادير كل شيء؟ فَيَقُولُ: نعم، ولا يستطيع أن ينكر هذا؛ لأنه لو أنكره لكان حكمه كحكم من أنكر العلم.
مرتبة المشيئة
المرتبة الثالثة: وهي أن نثبت أن لله تَعَالَى مشيئة، وأنه يفعل ما يشاء، كما قال الله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير:٢٩] وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:٢٥٣] وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:١١٢] وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [يونس:٩٩] آيات كثيرة في إثبات المشيئة.
مرتبة الخلق
стр. 835
المرتبة الربعة: مرتبة الخلق فأمر علمه الله وكتبه وشاءه، فما المانع من أن يخلقه؟ فخلق الله تَعَالَى هذا الفعل طاعة كَانَ أم معصية.
فإن قَالَ: قائل أمر كتبه الله وشاءه وخلقه إذاً ماذا أعمل؟ نقول: هذا الكلام سبق إليه أصحاب النبي ﷺ ، ولا يمكن أبداً أن يأتي أي جيل من الأجيال أذكى وأدق وأعلم من أصحاب النبي ﷺ ، حتى في الأمور السياسية، وفي فن القتال، ونحن نتحدى كل العالم في الزمان الماضي وفي المستقبل أن يأتوا في منهج السياسة العادلة الحكيمة مثل سياسة عُمَر -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- أو في القضاء مثل أي قاضي من أصحاب النبي ﷺ ، أو في فن القتال والتخطيط الحربي مثل أي أحد من أصحاب النبي ﷺ ، والله لا يستطيعون ولن يستطيعوا أبداً، فكيف يكون حالهم في أمر الدين والعقيدة، الذي تفجرت به هذه الطاقات ووجدت هذه المعارف وهذه العلوم التي لا تُحصّل أبداً بدون الإيمان!!
فالصحابة -رضوان الله عليهم- انتبهوا لهذه اللفظة وقالوا للنبي ﷺ : (يا رَسُول الله: ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضى عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقال لا بل شيء قضى عليهم ومضى فيهم) ، وهذا الحديث صحيح روي بعدة روايات وفي رواية أخرى (قالوا: ففيم العمل يا رَسُول الله؟) .
السؤال سألوه وهم أفضل وأذكى جيل. قالوا: يا رَسُول الله إن كَانَ العمل في أمر قد قضي ومضي وجفت به الصحف ورفعت الأقلام ففي أي شيء العمل؟
стр. 836
قَالَ: النبي ﷺ (بل اعملوا فكل ميسر لما خلق له فمن كَانَ من أهل السعادة فهو ميسر لعمل أهل السعادة، ومن كَانَ من أهل الشقاوة فهو ميسر لعمل أهل الشقاوة، وقرأ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:٥-١٠] ﴾
أذكى النَّاس في الدنيا سألوا هذا السؤال، وأجابهم أعلم الخلق عَلَى الإطلاق بالله وبالقضاء والقدر، قال لهم: (اعملوا) وقَالَ: (كلٌ مُيَسرٌ لِمَا خُلِقَ لهُ) وعندما يأتي حديث عبد الله بن مسعود ﵁: وأن الملك يكتب عند نفخ الروح أربع كلمات (رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) نفهم هذا الحديث بنفس كلامعبد الله بن مسعود -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - لما قَالَ: (السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه) فالمعنى واحد: السعادة كتبت عَلَى الإِنسَان فيسر لها، والشقاوة كتبت عَلَى الإِنسَان فسوف ييسر لعمل أهل الشقاوة. ومع ذلك أمرنا بالعمل. إذاً: لا يوجد لأي إنسان مجال أن يقول نريد في أمور الدين أن نشقق وأن نحلل وأن نوضح؛ لأن هذه التفريعات والتشقيقات والتحليلات لا تزيد الأمر إلا تعقيداً، كما قال هذا الشاعر:
يحللون بزعم منهم عقدا وبالذي وضعوه زادت العقد
فيعقدون المسألة في أي باب من أبواب الإيمان بالله وستأتي النقولات عن أئمة الكلام واعترافاتهم وبعضهم لا يعترف إلا عند الموت كما فعل الجويني، والرازي أو قريب الموت كما فعل الغزالي حين يكون العمر لا يسمح للإنسان بأن يبدأ الطريق من أوله.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 837
[ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام رسوله، ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين؛ بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه ويعقله ويعرف برهانه ودليله إما العقلي وإما الخبري السمعي، ويعرف دلالته على هذا وهذا، ويجعل أقول الناس التي توافقه وتخالفه متشابهة مجملة، فيقال لأصحابها: هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا.
فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول قُبِلَ وإن أرادوا بها ما يُخالفه رُدَّ، وهذا مثل لفظ المركب، والجسم، والمتحيز، والجوهر، والجهة، والحيز، والعرض ونحو ذلك، فإن هذه الألفاظ لم تأت في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل هذا الاصطلاح، بل ولا في اللغة بل هم يختصون بالتعبير بها عن معاني لم يعبر غيرهم عنها بها، فتفسر تلك المعاني بعبارات أخر وينظر ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية والسمعية وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل مثال ذلك في التركيب فقد صار له معان:
أحدها: التركيب من متباينين فأكثر، ويسمى تركيب مزج، كتركيب الحيوان من الطبائع الأربع والأعضاء، ونحو ذلك، وهذا المعنى منفي عن الله ، ولا يلزم من وصف الله تعالى بالعلو ونحوه من صفات الكمال أن يكون مركبا بهذا المعنى المذكور.
الثاني: تركيب الجوار كمصراعي الباب ونحو ذلك، ولا يلزم أيضا من ثبوت صفاته تعالى إثبات هذا التركيب.
الثالث: التركيب من الأجزاء المتماثلة، وتسمى الجواهر المفردة.
стр. 838
الرابع: التركيب من الهيولى والصورة، كالخاتم -مثلاً- هيولاه الفضة وصورته معروفة وأهل الكلام قالوا: إن الجسم يكون مركباً من الجواهر المفردة، ولهم كلام في ذلك يطول، ولا فائدة فيه وهو أنه: هل يمكن التركيب من جزئين أو من أربعة، أو من ستة، أو من ثمانية، أو ستة عشر، وليس هذا التركيب لازماً لثبوت صفاته تعالى، وعلوه على خلقه، والحق أن الجسم غير مركب من هذه الأشياء وإنما قولهم مجرد دعوى، وهذا مبسوط في موضعه.
الخامس: التركيب من الذات والصفات، هذا سموه تركيباً لينفوا به صفات الرب تعالى، وهذا اصطلاح منهم لا يعرف في اللغة ولا في استعمال الشارع، فلسنا نوافقهم على هذه التسمية ولا كرامة، ولئن سموا إثبات الصفات تركيباً، فنقول لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ، سموه ما شئتم، فلا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم، فلو اصطلح على تسمية اللبن خمراً، لم يحرم بهذه التسمية.
السادس: التركيب من الماهية ووجودها، وهذا يفرضه الذهن أنهما غيران، وأما في الخارج، هل يمكن ذات مجردة عن وجودها، ووجودها مجرد عنها؟ هذا محال، فترى أهل الكلام يقولون هل ذات الرب وجوده أم غير وجوده؟ ولهم في ذلك خبط كثير، وأمثلهم طريقة رأي الوقف والشك في ذلك وكم زال بالاستفسار والتفصيل كثير من الأضاليل والأباطيل] اهـ.
الشرح:
قوله: [ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام رسوله، ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين] يقول هؤلاء: إنهم يؤلفون هذا العلم ويقعدون هذه القواعد من أجل أن يحصل اليقين، ويبطلوا شبه الملحدين والمارقين حتى تتقوى العقيدة كما ذكر ذلكالغزالي عنهم قال: إنهم يقولون: إن علم الكلام إنما نريد به إثبات العقائد وتأكيدها وتقوية العامة، ودفع الشبهات والشكوك التي يثيرها أعداء الإسلام.
стр. 839
فيقول لهم المصنف ﵀: [ومن المحُال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله] فالله أنزل القرآن شفاءً لما في الصدور وأنزل فيه الهدى الكامل، والعلم النافع الذي لا يمكن أن يأتي الإنسان إلا من طريق الوحي، هذا العلم الذي لو اجتمع الإنس والجن لم يهتدوا ولم يصلوا إليه أبداً.
فالعلم الموجود اليوم في الأرض على كثرته ما هو في الحقيقة إلا بحث في الأمر الظاهر من الحياة الدنيا؛ كما الله ﵎ يقول عنهم: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُون [الروم:٧] فهم يبحثون في طبيعة المادة وفي الفلك وفي الإنسان وفي كذا وفي كذا.. أمور هي ظواهر فقط، ومع هذا فهم لا يصلون إلى شيء؛ بل كما قالوا بأنفسهم: إن العلم الحديث اليوم يمكن أن يفسر لك كيف، ولكنه لا يستطيع أبداً أن يفسر لك لماذا؟ ويسمونها في الفلسفة أو المنطق: العلة الصورية، والعلة الفاعلة، أو العلة الحقيقية، والعلة الصورية هي: ما تراه أنت علة في الظاهر، مثل الشمس عندما تسطع على البحار فيتبخر الماء فتتكون السحاب، هذه علة صورية.
وهذا في كيفية تكوين السحاب؟ لكننا إذا قلنا: لماذا الشمس وسيلة إلى هذا الشيء؟ ولماذا يرتفع السحاب بهذا الشكل؟ ولماذا يأتي فيمطر مدينة ويدع مدينة أخرى؟ لا يستطيعون ذلك، فهو يصف لك السحابة كيف مشت بسرعة من كذا إلى مكان كذا، فتكاثفت وحصلت الكهربائية في الجو، ثم سقط المطر. وصف طويل جداً كله في العلة الصورية في الشيء الظاهر. ولكن لماذا وقع؟ لا يوجد جواب، يقولون لك: أنت الآن نقلتنا إلى قضية فلسفية خارج إطار العلم، نحن ننظر في الموجود. والأمور والقضايا الفلسفية هي خارج نطاق المعامل والمراصد، فليست من شأن العلم والعلماء.
стр. 840
نأتي إلى مسألة: لماذا خلق هذا الإنسان؟ لا يمكن أن يجيبوا عليه أبداً؛ لأنه لا يعرف إلا عن طريق الوحي، ولهذا كريس مرسون مؤلف كتاب العلم يدعو إلى الإيمان كان رئيس أكاديمية العلوم في نيويورك أكبر بلد في العالم في هذه العلوم المادية، وهو رئيس الأكاديمية المختصة بهذا الشأن، لما تكلم في الجانب العلمي في هذا الكتاب، تكلم عن آخر ما وصلت إليه الإنسانية في هذا الفن، لكنه يريد أن يثبت أن الدين حق. وليس أصل عنوان كتاب العلم يدعو إلى الإيمان وإنما هو الإنسان لا يقوم وحده رداً على الكتاب الذي ألفه جوليان هكسلي وهذا من أكبر الملاحدة في العالم، وهو من الدروينة الحديثة ألف كتاباً اسمه الإنسان يقوم وحده أي: بدون خالق فرد عليه هذا العالم، وكتب كتاب الإنسان لا يقوم وحده ودلالته ترجمت بالعلم يدعو إلى الإيمان.
فالشاهد: أنه تحدث فيه عن قضايا علمية في منتهى ما وصل إليه الإنسان من العلم، لكنه لما ربط هذه بالدين؟ لا يوجد عنده إلا التوراة، فجعل يقول: قال في الإصحاح رقم كذا وذكرت التورة كذا، وهذا الكلام لا يتناسب مع ما جاء به، فلو قورن كلام هذا العالم وما جاء به من التوراة -الوحي الذي جاء من عند الله كما يزعم اليهود والنصارى- لكان الوحي أقل بكثير جداً من العلم، وهذه هي الفكرة العامة عند الغرب وهي التي كانت راسخة في العقلية اليونانية القديمة التي أوجدت لنا الفلسفة وعلم الكلام فترجمها المسلمون، فكانت اللوثة والمرض الخطير الذي نتحدث عنه، وهو علم الكلام، وهي نفس القضية: أن العلم البشري يمكن أن يكون أرقى مما جاء به العلم الإلهي الذي جاء به الأنبياء.
стр. 841
وأول ما في التوراة هو سفر التكوين، وفيه يقول: كانت الأرض مظلمة ثم بعد ذلك أراد الرب أن يخلق، قال الرب: لتكن سماءً، فكانت سماءً، وقال: لتكن أرضاً، فكانت أرضاً، ثم قال ليكن الإنسان، فوجد الإنسان، ثم جاء وخلقه، ثم يقول: كان الرب يمشي في الجنة -هكذا قال؟! يتمشى في الجنة- يبحث عن الإنسان، فلم يجده فقال: أين أنت يا آدم؟ فقال: اختبأت عنك يا رب -كلام لا يدخل في الذهن- أهذا دين؟! فقال: إنني ها هنا اختبأت، فقال: لماذا اختبأت؟ لأنك عريان. قال: نعم يا رب!! قال: لماذا أكلت من الشجرة؟ وهكذا تمضي القصة، وما الذي جعله يأكل من الشجرة، وما الذي جعله يتعرى، قال: الحية، يقول في نفس التوراة: وكانت الحية أحيل الحيوانات في البرية، فجاءت إلى حوى وأغرتها، وحواء أغرت آدم ليأكل من الشجرة.
قال: فعاقبها الرب -كما تقول التوراة المحرفة- بأن قال من الطين تأكلين، أي: عقوبتها أنها لا تأكل إلا من الطين من التراب، وأنها تطرد ويكرهها الناس ويقتلونها، فيحاول المؤلف في هذا الكلام أن يقول: إن العلم مهما ترقى لا يمكن أن يتنافى مع الدين فيحاول حذف بعض المقاطع التي فيها مثل قصة الحية هذه، فلو ذكر هذه الأمور فإن الملحد الذي ألف الكتاب إلإلحادي، سيفحمه ويغلبه، فيأتي بمقاطع معينة من التوراة، ومع ذلك يمكن أن يقول هكسلي: هذا الكلام الذي جئت به باطل؛ كيف يكون الرب يمشي مثل الإنسان والعياذ بالله؟ وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- وما يدري أنه أكل من الشجرة، وكيف تكون الحية بهذا الشكل، متى تكلمت الحية، ويثير عدة إشكالات.
стр. 842
ونحن أحوج ما نكون إلى معرفة أمور الغيب -الحشر والصراط والميزان والجنة والنار- من معرفتنا للمجرات والكواكب وغيرها، هذا الذي يحتاجه كل إنسان مهما بلغ من القوة والمنصب في أي بلد وفي أي أمة. يحتاج أن يعرف لماذا جئت؟ وكيف أموت؟ وإذا مت إلى أين أذهب؟ وما هي الطريقة التي سأصل إليها؟ وما هي نهاية كل إنسان؟ وهذه لا توجد أبداً إلا في الوحي "في القرآن والسنة" فإذا كان هذا الحال مع علماء العصر على ما وصولوا إليه، فما بالكم بعلماء الكلام من الفلسفة واليونان ومن قبلهم. فلو جمعت علومهم اليوم وأعطيت إلى أصغر طالب في الكيمياء أو الفيزياء أوفي أي علم من العلوم المعروفة اليوم لاعتبر أن علومهم من أتفه العلوم في الكون.
إذاً: فالشفاء التام من جميع الأمراض القلبية والحسية في كتاب الله والهدي التام الذي لا ضلال معه على الإطلاق كما قال ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي) والعلم اليقين هو العلم الذي لا يمكن أن تشوبه أدنى شائبة من الجهل أو الخطأ أو النسيان؛ بل لا يمكن أن يرقى البشر إلى معرفته أبداً وهو ما جاء به القرآن والسنة، وأفضل العقول وأكملها هو من يستطيع أن يفهم كتاب الله ويستنبط منه هذا العلم الذي يحتاجه جميع البشر والذي يضطر كل إنسان إلى معرفته، وكذلك اليقين: لا يقين أعظم من اليقين الذي يولده كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في القلوب، ففيهما، كما قال ابن عباس ﵁ (جواب لكل شبهة إلى قيام الساعة علمها من علمها وجهلها من جهلها) فالشبهة في أي موضوع كانت: فهي موجودة في القرآن مع حلها إما بالنص وإما بالاستنباط لمن كان من أهل العلم والاستنباط، فيؤخذ الحق، والهدى، والعلم، واليقين من كلام الله ورسوله، ولا يؤخذ من كلام هؤلاء المتحيرين.
стр. 843
فالكلام الذي يقوله المصنف ﵀ يرسم لنا منهجاً علمياً نظرياً يقول: [بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل - في أي قضية نقول: ما قاله الله ورسوله هذا هو الأصل- ويتدبر معناه ويعقله ويعرف برهانه ودليله العقلي والخبري والسمعي] أي: نعرف دليل هذه القضية من الكتاب ومن السنة ومن العقل الذي يؤيدها ونستنبط أيضا حتى تكون قضية واضحة بين أيدينا، وبعد ذلك نعرض دلالته على هذا وهذا بتفاصيل تلك الدلالات، ثم نجعل أقوال الناس التي تخالفه أو توافقه متشابه مجملة، فهذا هو المعيار: أقوال الناس مهما كانوا نجعلها في حكم المتشابه المجمل الذي يحتمل الخطأ والصواب.
ثم نأتي بكلام الناس هذا ونعرضه على هذا المعيار السابق، فيقال لأصحابها: هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا، مثل الكلام الذي يأتي به هنا، فكلمة الجسم تحتمل كذا وكذا، وكلمة الجهة تحتمل كذا وكذا، فما وافق ما جاء به الرسول ﷺ قبلناه وما خالف ذلك رددناه، وسبق أن أوضحنا مسألة الجهة وقلنا: إن كان المراد بالجهة العلو فنحن نثبت أن لله جهة كما قال الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] وهناك أدلة كثيرة جداً من العقل والفطرة على إثبات أن الله -سبحانه تعالى- فوق المخلوقات وإن أردتم بالجهة شيئاً وجودياً حيزاً محصوراً محدوداً، فلا نثبت هذا المعنى على اصطلاحكم ونأتي بالاصطلاح أو بالكلمة الشرعية لأنها لا تحتمل ذلك.
وكذلك لفظة الجسم: هل نثبت أن الله جسم أو غير جسم وكذلك هل هو مادة أو غير مادة، وهل هو جوهر أو غير جوهر؟ والجوهر اختلف فيه هل هو أصل الأشياء وخلقتها أم لا؟ يقولون: الجوهر هو: الحقائق، والأعراض هي: ما يقوم بالجواهر من الصفات.
стр. 844
وهذا كلام نحن في غنى عنه، فهم لا يستطيعون -حتى أصحاب العلم الحديث- أن يميزوا بين شيء ذاتي وبين شيء عرضي فمثلاً كان الأولون يقولون: الشمس ذاتها هي الجرم. والنور الساطع منها عرض من أعراضها، فهل نستطيع أن نفصل بين أشياء ذاتيه وبين أشياء عرضية فبعض الأشياء التي تبدوا لنا عرضية ربما تكون ذاتية، فيصعب جداً أن نفصل بين أشياء ذاتية وأشياء عرضية، فمثلاً: زيد ذاته هذا الجسم؛ لكن علمه وطوله ولونه عرض، فهذه الأشياء العرضية يمكن أن تتغير وتزول، لكننا لو دققنا في الموضوع لما استطعنا أن نفصل فصلاً تاماً بين الأشياء العرضية التي تنفك عن الإنسان وبين الأشياء الذاتية التي لا تنفك عن حقيقته، فمثلاً لوجئنا إلى صفات أخرى عضوية أو معنوية نجد أننا لا نستطيع أن نفصل بين ما كان ذاتياً وبين ما كان عرضياً، فهذه أمور معقدة لا داعي لها.
ثم يقول المصنف: [فإن هذه الألفاظ لم تأتِ في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل الاصطلاح بل ولا في اللغة] أي: لغة العرب، ليس فيها هذه الكلمات وهذه الاصطلاحات، إنما هي اصطلاحات وضعية مترجمة ومنقولة عن اليونان وغيرهم، فيقول: [بل هم يخصون بالتعبير بها عن معاني لم يعبر غيرها عنها بها، فتفسر تلك المعاني بعبارات أخر، وينظر ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية والسمعية] فيقال لهم: فسِّروا معنى الحيز والجوهر فإذا قالوا الجوهر كذا وكذا، نقول: ننظر إلى هذا المعنى هل دل عليه القرآن، وهل يتفق مع معناه أو يخالفه؟ [وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل]
ثم ذكر المصنف أن التركيب له عدة معانٍ وهي كالتالي:
التركيب المزجي
стр. 845
المعنى الأول: التركيب المزجي: وهو أن يتكون الشيء من متباينين، فأكثر كتركيب الحيوان من الطبائع الأربع، وهذا الكلام لا يتماشى مع الطب الحديث، فلا يمكن أن نتعسف الأدلة، ونقول: إن معناها كذا، عَلَى خلاف ما هي عليه، فكلام ابن القيم في الطب النبوي يدور عَلَى هذه الطبائع الأربع، وقد كَانَ في مرتبة عالية من العلم حتى في الطب؛ لأنه كَانَ ينتقد حتى الأطباء، وكان في عصره ابن سينا وداود الأنطاكي، وأمثالهم من أكبر الأطباء الذين تكلموا في خواص الأشياء، فكل الطب مبنى عَلَى هذه الأربع؛ لكن الطب الحديث الآن لا يقر بهذا الكلام ولا يعترف به ولا يدري ما معنى رطب ويابس.
وينبغي ملاحظة أمر مهم: وهو أننا نأخذ من كلام ابن القيم ﵀ الحديث وشرحه في الطب، لكن الكلام في هذه الأربع لا تقرأ؛ لأنه كلام مبني عَلَى علم عصري في عصرهم انتهى زمانه، وانتهى مفعوله الآن، ولو نسبت إِلَى النبي ﷺ لكنا في مشكلة، فلنحذر من أن ينسب إِلَى الله ورسوله شيء مما وصلت إليه العلوم في هذا العصر بقطع ويقين، وغاية ما في الأمر أنها قد تفسر بعض ما دل عليه القُرْآن في الجملة، وأمر به من القول أو النظر في الآفاق أو النظر في الأنفس، فتركيب الحيوان من الطبائع الأربع عَلَى قولهم، منفي عن الله فنحن نحلل المعاني معنى معنى، وننظر أنه -جل شأنه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيرا- يتركب كما تتركب أعضاء المخلوقات -عياذاً بالله- فهذا المعنى نرده ولا نقبله ولا يلزم من وصف الله تَعَالَى بالعلو، أو بأي شيء من الصفات الثابتة بالوحي أن يكون مركباً بهذا المعنى
تركيب الجوار
следующие страницы →