Полный текст (1 990 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
وأول ما في التوراة هو سفر التكوين، وفيه يقول: كانت الأرض مظلمة ثم بعد ذلك أراد الرب أن يخلق، قال الرب: لتكن سماءً، فكانت سماءً، وقال: لتكن أرضاً، فكانت أرضاً، ثم قال ليكن الإنسان، فوجد الإنسان، ثم جاء وخلقه، ثم يقول: كان الرب يمشي في الجنة -هكذا قال؟! يتمشى في الجنة- يبحث عن الإنسان، فلم يجده فقال: أين أنت يا آدم؟ فقال: اختبأت عنك يا رب -كلام لا يدخل في الذهن- أهذا دين؟! فقال: إنني ها هنا اختبأت، فقال: لماذا اختبأت؟ لأنك عريان. قال: نعم يا رب!! قال: لماذا أكلت من الشجرة؟ وهكذا تمضي القصة، وما الذي جعله يأكل من الشجرة، وما الذي جعله يتعرى، قال: الحية، يقول في نفس التوراة: وكانت الحية أحيل الحيوانات في البرية، فجاءت إلى حوى وأغرتها، وحواء أغرت آدم ليأكل من الشجرة.
قال: فعاقبها الرب -كما تقول التوراة المحرفة- بأن قال من الطين تأكلين، أي: عقوبتها أنها لا تأكل إلا من الطين من التراب، وأنها تطرد ويكرهها الناس ويقتلونها، فيحاول المؤلف في هذا الكلام أن يقول: إن العلم مهما ترقى لا يمكن أن يتنافى مع الدين فيحاول حذف بعض المقاطع التي فيها مثل قصة الحية هذه، فلو ذكر هذه الأمور فإن الملحد الذي ألف الكتاب إلإلحادي، سيفحمه ويغلبه، فيأتي بمقاطع معينة من التوراة، ومع ذلك يمكن أن يقول هكسلي: هذا الكلام الذي جئت به باطل؛ كيف يكون الرب يمشي مثل الإنسان والعياذ بالله؟ وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- وما يدري أنه أكل من الشجرة، وكيف تكون الحية بهذا الشكل، متى تكلمت الحية، ويثير عدة إشكالات.
стр. 842
ونحن أحوج ما نكون إلى معرفة أمور الغيب -الحشر والصراط والميزان والجنة والنار- من معرفتنا للمجرات والكواكب وغيرها، هذا الذي يحتاجه كل إنسان مهما بلغ من القوة والمنصب في أي بلد وفي أي أمة. يحتاج أن يعرف لماذا جئت؟ وكيف أموت؟ وإذا مت إلى أين أذهب؟ وما هي الطريقة التي سأصل إليها؟ وما هي نهاية كل إنسان؟ وهذه لا توجد أبداً إلا في الوحي "في القرآن والسنة" فإذا كان هذا الحال مع علماء العصر على ما وصولوا إليه، فما بالكم بعلماء الكلام من الفلسفة واليونان ومن قبلهم. فلو جمعت علومهم اليوم وأعطيت إلى أصغر طالب في الكيمياء أو الفيزياء أوفي أي علم من العلوم المعروفة اليوم لاعتبر أن علومهم من أتفه العلوم في الكون.
إذاً: فالشفاء التام من جميع الأمراض القلبية والحسية في كتاب الله والهدي التام الذي لا ضلال معه على الإطلاق كما قال ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي) والعلم اليقين هو العلم الذي لا يمكن أن تشوبه أدنى شائبة من الجهل أو الخطأ أو النسيان؛ بل لا يمكن أن يرقى البشر إلى معرفته أبداً وهو ما جاء به القرآن والسنة، وأفضل العقول وأكملها هو من يستطيع أن يفهم كتاب الله ويستنبط منه هذا العلم الذي يحتاجه جميع البشر والذي يضطر كل إنسان إلى معرفته، وكذلك اليقين: لا يقين أعظم من اليقين الذي يولده كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في القلوب، ففيهما، كما قال ابن عباس ﵁ (جواب لكل شبهة إلى قيام الساعة علمها من علمها وجهلها من جهلها) فالشبهة في أي موضوع كانت: فهي موجودة في القرآن مع حلها إما بالنص وإما بالاستنباط لمن كان من أهل العلم والاستنباط، فيؤخذ الحق، والهدى، والعلم، واليقين من كلام الله ورسوله، ولا يؤخذ من كلام هؤلاء المتحيرين.
стр. 843
فالكلام الذي يقوله المصنف ﵀ يرسم لنا منهجاً علمياً نظرياً يقول: [بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل - في أي قضية نقول: ما قاله الله ورسوله هذا هو الأصل- ويتدبر معناه ويعقله ويعرف برهانه ودليله العقلي والخبري والسمعي] أي: نعرف دليل هذه القضية من الكتاب ومن السنة ومن العقل الذي يؤيدها ونستنبط أيضا حتى تكون قضية واضحة بين أيدينا، وبعد ذلك نعرض دلالته على هذا وهذا بتفاصيل تلك الدلالات، ثم نجعل أقوال الناس التي تخالفه أو توافقه متشابه مجملة، فهذا هو المعيار: أقوال الناس مهما كانوا نجعلها في حكم المتشابه المجمل الذي يحتمل الخطأ والصواب.
ثم نأتي بكلام الناس هذا ونعرضه على هذا المعيار السابق، فيقال لأصحابها: هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا، مثل الكلام الذي يأتي به هنا، فكلمة الجسم تحتمل كذا وكذا، وكلمة الجهة تحتمل كذا وكذا، فما وافق ما جاء به الرسول ﷺ قبلناه وما خالف ذلك رددناه، وسبق أن أوضحنا مسألة الجهة وقلنا: إن كان المراد بالجهة العلو فنحن نثبت أن لله جهة كما قال الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] وهناك أدلة كثيرة جداً من العقل والفطرة على إثبات أن الله -سبحانه تعالى- فوق المخلوقات وإن أردتم بالجهة شيئاً وجودياً حيزاً محصوراً محدوداً، فلا نثبت هذا المعنى على اصطلاحكم ونأتي بالاصطلاح أو بالكلمة الشرعية لأنها لا تحتمل ذلك.
وكذلك لفظة الجسم: هل نثبت أن الله جسم أو غير جسم وكذلك هل هو مادة أو غير مادة، وهل هو جوهر أو غير جوهر؟ والجوهر اختلف فيه هل هو أصل الأشياء وخلقتها أم لا؟ يقولون: الجوهر هو: الحقائق، والأعراض هي: ما يقوم بالجواهر من الصفات.
стр. 844
وهذا كلام نحن في غنى عنه، فهم لا يستطيعون -حتى أصحاب العلم الحديث- أن يميزوا بين شيء ذاتي وبين شيء عرضي فمثلاً كان الأولون يقولون: الشمس ذاتها هي الجرم. والنور الساطع منها عرض من أعراضها، فهل نستطيع أن نفصل بين أشياء ذاتيه وبين أشياء عرضية فبعض الأشياء التي تبدوا لنا عرضية ربما تكون ذاتية، فيصعب جداً أن نفصل بين أشياء ذاتية وأشياء عرضية، فمثلاً: زيد ذاته هذا الجسم؛ لكن علمه وطوله ولونه عرض، فهذه الأشياء العرضية يمكن أن تتغير وتزول، لكننا لو دققنا في الموضوع لما استطعنا أن نفصل فصلاً تاماً بين الأشياء العرضية التي تنفك عن الإنسان وبين الأشياء الذاتية التي لا تنفك عن حقيقته، فمثلاً لوجئنا إلى صفات أخرى عضوية أو معنوية نجد أننا لا نستطيع أن نفصل بين ما كان ذاتياً وبين ما كان عرضياً، فهذه أمور معقدة لا داعي لها.
ثم يقول المصنف: [فإن هذه الألفاظ لم تأتِ في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل الاصطلاح بل ولا في اللغة] أي: لغة العرب، ليس فيها هذه الكلمات وهذه الاصطلاحات، إنما هي اصطلاحات وضعية مترجمة ومنقولة عن اليونان وغيرهم، فيقول: [بل هم يخصون بالتعبير بها عن معاني لم يعبر غيرها عنها بها، فتفسر تلك المعاني بعبارات أخر، وينظر ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية والسمعية] فيقال لهم: فسِّروا معنى الحيز والجوهر فإذا قالوا الجوهر كذا وكذا، نقول: ننظر إلى هذا المعنى هل دل عليه القرآن، وهل يتفق مع معناه أو يخالفه؟ [وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل]
ثم ذكر المصنف أن التركيب له عدة معانٍ وهي كالتالي:
التركيب المزجي
стр. 845
المعنى الأول: التركيب المزجي: وهو أن يتكون الشيء من متباينين، فأكثر كتركيب الحيوان من الطبائع الأربع، وهذا الكلام لا يتماشى مع الطب الحديث، فلا يمكن أن نتعسف الأدلة، ونقول: إن معناها كذا، عَلَى خلاف ما هي عليه، فكلام ابن القيم في الطب النبوي يدور عَلَى هذه الطبائع الأربع، وقد كَانَ في مرتبة عالية من العلم حتى في الطب؛ لأنه كَانَ ينتقد حتى الأطباء، وكان في عصره ابن سينا وداود الأنطاكي، وأمثالهم من أكبر الأطباء الذين تكلموا في خواص الأشياء، فكل الطب مبنى عَلَى هذه الأربع؛ لكن الطب الحديث الآن لا يقر بهذا الكلام ولا يعترف به ولا يدري ما معنى رطب ويابس.
وينبغي ملاحظة أمر مهم: وهو أننا نأخذ من كلام ابن القيم ﵀ الحديث وشرحه في الطب، لكن الكلام في هذه الأربع لا تقرأ؛ لأنه كلام مبني عَلَى علم عصري في عصرهم انتهى زمانه، وانتهى مفعوله الآن، ولو نسبت إِلَى النبي ﷺ لكنا في مشكلة، فلنحذر من أن ينسب إِلَى الله ورسوله شيء مما وصلت إليه العلوم في هذا العصر بقطع ويقين، وغاية ما في الأمر أنها قد تفسر بعض ما دل عليه القُرْآن في الجملة، وأمر به من القول أو النظر في الآفاق أو النظر في الأنفس، فتركيب الحيوان من الطبائع الأربع عَلَى قولهم، منفي عن الله فنحن نحلل المعاني معنى معنى، وننظر أنه -جل شأنه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيرا- يتركب كما تتركب أعضاء المخلوقات -عياذاً بالله- فهذا المعنى نرده ولا نقبله ولا يلزم من وصف الله تَعَالَى بالعلو، أو بأي شيء من الصفات الثابتة بالوحي أن يكون مركباً بهذا المعنى
تركيب الجوار
стр. 846
المعنى الثاني: [تركيب الجوار: كتركيب مصراعي الباب ونحو ذلك ولا يلزم أيضاً من ثبوت صفاته تَعَالَى إثبات هذا التركيب] ، فالباب يتركب من مصراعين، وهذا يسمى تركيب جوار؛ لأن هذا جاور هذا، وليس تركيب مزج، والفرق بينهما: أن التركيب المزجي لحم وأعضاء وعصب تركب منها الكائن الحي، أما تركيب الجوار فهو عبارة عن جسمين تلاصقا فكونا شيئاً واحداً وهو الباب، وهذا التركيب أيضاً لا نثبته لربنا ﵎.
التركيب من الأجزاء المتماثلة
[الثالث: التركيب من الأجزاء المتماثلة، وتسمى الجواهر المفردة] والجسم يتركب من أجزاء متماثلة كلها سواء -فمثلاً- الخلايا، أو الذرات أو أي شيء، كالمعادن فإنها تتركب من أشياء متماثلة، فهذه يسمونها بالجواهر المفردة وتسمى اليوم بالذرة، والذرة تتركب من النواة والالكترونات الموجبة والسالبة، ولم يأتِ في الكتاب والسنة أن هذا التركيب يطلق عَلَى الله فلا نثبته.
التركيب من الهيولي والصورة
الرابع: التركيب من الهيولي والصورة كالخاتم، والهيولى: هي مصدر الأشياء التي تتكون منها الأشياء، فالمثال الذي ذكره هنا أن الخاتم هيولاه الفضة وصورته معروفة، تشكلت المادة أو المصدر بشكل خاتم، فمثلاً المكرفون ألمنيوم، والألمنيوم مادة هيولى تشكل بشكل مكرفون، هذا الشكل يسمى صورة، هذا هو الفرق بين الهيولى والصورة، مثال آخر الخشب والكرسي: الخشب كشيء وهمي متخيل في الذهن، هذا هو الهيولى والأخشاب المتعينة هيولى، والكرسي والباب أو أي شيء في الخارج نراه هذا يسمى صورة الهيولى أو المصدر، وهذا تجدونه كثيراً في كتب العقائد.
وقال أهل الكلام: إن الجسم يكون مركباً من الجواهر المفردة، ولهم كلام في ذلك يطول ولا فائدة فيه أبداً، وهو أنه هل يمكن التركيب من جزئين، من أربعة، من ستة، من ثمانية، من ستة عشر إِلَى آخر ذلك.
стр. 847
يقول المصنف: [وليس هذا التركيب لازماً لثبوت صفاته تَعَالَى وعلوه عَلَى خلقه] فنحن نعرض هذا الكلام في التركيب عَلَى الكتاب والسنة، هل هذا التركيب جَاءَ في الكتاب والسنة، من قرأ آية أو سمع حديثاً هكذا؟ لا يوجد قطعاً.
إذاً: هذا المعنى من معاني التركيب باطل ولا يثبت لله ، ثُمَّ يقول المصنف: [والحق أن الجسم غير مركب من هذه الأشياء وإنما قولهم مجرد دعوى وهذا مبسوط في موضعه] فتكلم في قضية لا نريد الخوض فيها.
التركيب من الذات والصفات
الخامس: التركيب من الذات والصفات يقول أهل الكلام: إننا إذا أثبتنا أن لله تَعَالَى يداً ووجهاً وسمعاً وبصراً وغير ذلك من الصفات، فإننا أثبتنا تركيباً، فنحن ننفي التركيب فيقولون: ليس له صفات والعياذ بالله.
قال أبو جعفر الطّّحاويّ:
[فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوساً تائها، شاكاً زائغاً لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً]
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
стр. 848
[يتذبذب؛ يضطرب ويتردد، وهذه الحالة التي وصفها الشيخ ﵀ حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إِلَى علم الكلام المذموم، أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة، وعند التعارض يتأول النص ويرده إِلَى الرأي والآراء المختلفة، فيؤول أمره إِلَى الحيرة والضلال والشك، كما قال ابن رشد الحفيد - وهو من أعلم النَّاس بمذهب الفلاسفة ومقالاتهم، في كتابه تهافت التهافت: "ومن الذي قال في الإلهيات شيئاً يُعتدُّ به؟ ! " وكذلك الآمدي أفضل أهل زمانه واقف في المسائل الكبار حائر، وكذلك الغزالي ﵀، انتهى آخر أمره إِلَى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية، ثُمَّ أعرض عن تلك الطرق، وأقبل عَلَى أحاديث الرَّسُول ﷺ ، فمات وصحيح الإمام البُخَارِيّ عَلَى صدره، وكذلك أبو عبد الله مُحَمَّد بن عمر الرازي، قال في كتابه الذي صنفه في: أقسام اللذات:
نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
فكم قد رأينا من رجال ودولة فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها رجال فزالوا والجبال جبال
لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفى عليلاً. ولا تروى غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] إِلَيْهِ يَصعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: ١٠] . وأقرأ في النفي: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه:١١٠] ثُمَّ قَالَ: (ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي) .
وكذلك قال الشيخ: أبو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الكريم الشهرستاني، إنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلِمين إلا الحيرة والندم، حيث قَالَ:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
стр. 849
فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم
وكذلك قَالَ: أبو المعالي الجويني ﵀: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إِلَى ما بلغ ما اشتغلت به، وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت عَلَى عقيدة أمي، أو قَالَ: عَلَى عقيدة عجائز نيسابور] اهـ.
الشرح:
كما هو معلوم أن العلم الذي يورث اليقين، والخشية، والثمرة الصالحة -وهي الأعمال الصالحة- التي تقرب إِلَى الله تعالى، هو العلم الذي جَاءَ به الكتاب والسنة، وأنزله الله ﵎ شفاء ورحمة وحياة ونوراً وهدىً للناس.
آثار العلم غير النافع
أما ما عدا ذلك، ما يناقضه ويضاده من أنواع العلوم والمعارف الأخرى، فإنها لا تفضي إِلَى اليقين، ولا تثمر العمل الصالح، بل مآلها إِلَى الخسارة والشك والحيرة والرّيب التي تقتل الإِنسَان وهو حي بين الناس، وتورث له العمى في بصيرته وعقله وفكره فالإِنسَان قد يولد سليماً معافى في بصره، ثُمَّ يصاب بآفة أو مرض أو عاهة، فيعمى بصره فيرى الدنيا وهي ظلام، فلا يهتدي فيه إِلَى شيء، وتضيق عليه الأرض بما رحبت، فكذلك الإِنسَان يولد عَلَى الفطرة.
стр. 850
فإذا تعلم العلم النافع من الكتاب والسنة، وأخذ من العلوم التي لا تتعارض مع الكتاب والسنة، فإنه يزداد نوراً إِلَى نوره وهداية إِلَى هدايته، فإذا دخله الشك والريب نتيجة العلوم التي تورث ذلك ذهبت بصيرته، وذهب نور قلبه، فيصبح كالأعمى الذي يتخبط ويحار ويضيق، فهو مريض ولكنه في هيئة المعافى، ألا ترون إِلَى الذي يبتلى بمرض من الأمراض النفسية تراه يرى وهو لا يدري ماذا يرى، ويرى البشر ولكنه في الحقيقة لا يراهم، كيف تكون حياة هذا الإِنسَان؟ ومن ذلك الإِنسَان الذي يغبطه عَلَى هذه الحياة، أو يتمنى أن يكون مثله؟ هذا هو الحاصل والواقع في عالم المادة، وفي عالم الحس وفي عالم البصيرة، وفي عالم الحقيقة.
أثر العلم غير النافع على أصحاب العقول
تجد ممن يستمون بالعلماء: أصحاب عقول راجحة، وأصحاب فكر ورأي ثاقب تركوا القُرْآن والسنة وأعرضوا عما أنزله الله ﵎، مما يورث اليقين، ويذهب الريب والشك، واتجهوا إِلَى علوم اليونان من الفلسفة وعلم الكلام والجدل، والمناظرات في أمور لا خير فيها، أو ليست مما يدرك بالنظر، ولا بالعقل ولا بالبحث، ولا بالجدال، فآل أمرهم وحالهم إِلَى أن وقعوا في هذا الريب، وفي هذا الشك، الذي عبروا عنه، وكل منهم عبر عنه بما يتفق مع ما بذل من حياته، وجهده إن كَانَ قد وفق إِلَى التوبة في آخر عمره.
فهَؤُلاءِ نماذج نتحدث عن بعضهم:
ابن رشد الحفيد وعلم الكلام
فابن رشد الحفيد هو:مُحَمَّد بن أحمد بن مُحَمَّد بن رشد، من أكبر من يسمون بفلاسفة الإسلام، بل هو في الحقيقة أكبر الفلاسفة الذين ظهروا في القرون الوسطى كما يعبر عنها في التاريخ الأوروبي، والغربيون يعتبرونه الرجل، أو الفيلسوف المؤثر في الفكر الغربي كله، ويسمونه المعلم الثاني عَلَى أساس أن المعلم الأول هو أرسطو، فإن ابن رشد أضاف إِلَى كلام أرسطو الشيء الكثير: حذفاً وإضافة ونقداً وتعديلاً.
ابن رشد والأشاعرة
стр. 851
وقد نقد منهج الأشاعرة نقداً شديداً وبين ما فيه من تناقض وخلل واضطراب وهذا حق، لكن لم ينقده لأنه مؤيد لمنهج الكتاب والسنة كما فهم الشيخ شعيب الأرناؤوط في تعليقه عَلَى الشرح، وملخص رأي ابن رشد الذي يخالف فيه رأي الأشاعرة كما ظنه الأرناؤوط أن الأشاعرة يرون أن كلام الفلاسفة باطل أو كثير منه باطل، وأنه يجب أن يردوا عليه، وابن رشد يرى غير ذلك.
فهو يرى أن الفلسفة التي يسميها الحكمة، والشريعة لا يتعارضان، يعني: أن ما جَاءَ به الوحي، إِلَى مُحَمَّد ﷺ من عند الله لا معارضة ولا منافاة ولا تناقض بينه وبين ما قرره أرسطو من العقليات في الإلهيات، وليس الكلام في الطبعيات، ولا في الرياضيات؛ بل الكلام في الإلهيات، فيقول ابن رشد: إن الحكمة للشريعة رضيعة، فكلاهما أختان من الرضاع، وكلاهما يدعون إِلَى أمر واحد، ويتفقان في منهج واحد، ومن هنا اشتغل بالدفاع عن الفلسفة وأنها لا تتعارض مع الشريعة.
ولذلك ألَّف كتاباً اسمه" فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال " ذكر فيه أن الشريعة والحكمة -أي الفلسفة وهي ليست بحكمة بل هي ضلال- متصلتان تؤديان نفس الغرض ونفس المنهج، وهذا الكلام أكثر ضلالاً ممن يقول إنه يرد عَلَى الفلاسفة من غير منهج الكتاب والسنة.
ابن رشد الحفيد وموقفه من الإلهيات
يقولابن رشد: (ومن الذي قال في الإلهيات شيئاً يعتد به) وهذه فلتة لسان أراد الله تَعَالَى أن يظهر بها الحق، وإلا فبالنظر إِلَى حياته ومنهجه يعلم أنه لا يقرها، لكنه قالها لحكمة من الله وهو الإقرار بالحق، والإِنسَان لو ترك فطرته عَلَى السجية لنطقت بالحق، فهو يقول: إذا كَانَ الأمر أمر الإلهيات، فمن الذي قال في الإلهيات شيئاً يعتد به، يريد: من أهل العقول، ومن أهل الآراء.
стр. 852
وأما الحق الخالص النقي في باب الإلهيات هو في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ . ورَسُول الله مُحَمَّد ﷺ أكمل النَّاس عقلاً وفهماً لم يكن يعلم عن هذا الأمر شيئاً حتى أنزل الله ﵎ عليه جبريل بالرسالة، ولهذا قال تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى [الضحى:٧] فحصلت له الهداية من الله ﵎ بهذا النور، وإلا فما كَانَ يدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولم يكن يعرف عن ربه هذه المعرفة العظيمة قبل أن ينزل عليه الوحي، وهو أكمل النَّاس بلا شك عقلاً وفهماً وصحابته الكرام هم أعظم النَّاس رأياً وعقلاً وفكراً، ومع ذلك كيف كانت حياتهم في الجاهلية؟! فلما نزل القُرْآن واتبعوا الرَّسُول وأخذوا من نوره، واقتبسوا من العلم الذي جَاءَ به أصبحوا أعقل النَّاس وأعلم الناس، وأفضل النَّاس وأكمل النَّاس في الإلهيات وفي معرفة الله ﵎، فمن الذي قال في الإلهيات شيئاً يعتد به من غير الرسل، ومن غير طريق الوحي؟ لم يأت أحد بشيء أبداً.
امتحان العلماء للآمدي
стр. 853
قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (٣/١٣٤) : قرأت بخط الحافظ الذهبي فيتاريخ الإسلام قَالَ: كَانَ شيخنا القاضيتقي الدين سليمان يحكي عن الشيخ شمس الدين ابن أبي العز أنه كَانَ يحضر مجالسسيف الدين الآمدي، قَالَ: فأردنا أن نمتحنه، لأنهم رأوه يتخلف عن الصلاة، فلم يدروا أيصلي الرجل أم لا؟ فوضعنا الحبر في رجله فمكث أكثر من يومين وهو باق لم يذهب! فعلموا أنه لا يتوضأ ولا يصلي- نسأل الله العافية- فماذا كَانَ يقول الآمدي؟ كَانَ يجلس ويقرر المسائل العظيمة في علم الكلام وفي الأصول، وفي الجدل والمناظرة والبحث حتى أن العز بن عبد السلام يقول: ما تعلمت أصول البحث والمناظرة إلا من السيف الآمدي، وكان يحفظ المستصفى وغيره من كتب الأصول وهي من أعقد وأصعب العلوم، وله كتاب اسمه: الإحكام في أصول الأحكام، في الأصول.
فكان متبحراً في العقليات وفي الجدليات، وفي النظريات، وفي علم الكلام، وفي الأصول لكن كَانَ حاله في الدين ماذكرنا، وليس الأمر كما قال الأرنؤوط: "ثُمَّ حسده جماعة من فقهاء البلاد وتعصبوا عليه، ونسبوه إِلَى فساد العقيدة، وانحلال الطوية"، ليس الأمر كذلك، وإنما اجتمع العلماء أو الفقهاء، وكتبوا عليه محضراً لفساد العقيدة والطوية وميله إِلَى آراء الفلاسفة فكان ما كَانَ هذا الرجلسيف الدين الآمدي، كَانَ إمام الأشعرية في عصره، وإمام علماء الكلام في عصره، وكان يقول العز بن عبد السلام: لو أن زنديقاً جَاءَ ليجادل الْمُسْلِمِينَ لوجب أن ينبري الآمدي لمناظرته، لقوته في الجدل وفي الحجج العقلية، لكن حاله في نفسه كَانَ كما نقل عنه الذهبي.
стр. 854
فالأمر إذاً ليس أمر عقليات ولا كلاميات أو حفظ مسائل ومتون، وإنما الأمر أمر إيمان ويقين، والعلم إذا لم يثمر الإيمان واليقين وتقوى الله ﵎ وخشيته في السر والعلن فلا خير فيه، بل هذا دليل عَلَى أن ذلك العلم خبيث، وإن كَانَ العلم حقاً، وكانت النية لغير الله فإن صاحبه لا ينتفع به، فكيف إذا اجتمع الأمران: علم لا ينفع، ونية فاسدة نسأل الله العفو والعافية.
ويقاس عَلَى هذا نظريات علم الاجتماع، وعلم النفس، والقوانين الوضعية بجميع أنواعها، وأكثر هذه العلوم التي تسمى العلوم الإِنسَانية، التي لا تثمر هدى ولا صلاحاً، ولا فلاحاً ولا خيراً لمن يقرأها. فتجد أحدهم يتعمق فيها ويناقش الأدلة، ويرد من كلام هذا، ويأخذ من كلام هذا، ويؤلف المجلدات، أو يحصل عَلَى أعلى الشهادات، وكلها لا خير فيها، ولا فائدة من ورائها أبداً، والفرق بين هذه العلوم وبين علم الكلام: أن علم الكلام كَانَ النَّاس في ذلك الزمن ينظرون إليه بمنظار الدين، حتى في أوروبا، فقد كَانَ رجال الدين يمثلون حال الكنيسة التي تتحكم في كل شيء، وفي كل علم، بخلاف دين الإسلام فهذه العلوم عندما كانت لأنها تسمى علوماً إلهية، وتتعلق بصفات الله ، كَانَ النَّاس كانوا يتجهون إليها، فكان الواحد منهم -أي من علماء الكلام - يظن أنه يتعلم علم الكلام ليدافع عن الدين، وليعتقد اليقين -كما مر- وأن هذا علم نافع، وأنه مثل علم النحو، وعلم الفقه ونحو ذلك من العلوم، التي طورت ودونت وأحدثت لها مصطلحات جديدة.
стр. 855
أما العلماء المعاصرون اليوم في الاجتماع والقانون والنفس وأمثال ذلك فإنهم يأخذونها عَلَى أنها آراء لهم، لا أنها تقرب إِلَى الله، فلا يقولون: إنها هي الحق الذي يريده الله، بل يأخذونها عَلَى أساس أنها هي العلم الإِنسَاني الذي لو انتظمت الحياة عليه لصلحت الحياة الإِنسَانية؛ لأنهم يؤمنون مسبقاً بأن الدين لا دخل له في شئون الحياة، ولا يمكن أن ينظم الحياة، ولا يصلح في عصر الحضارة والتطور، لكن يقولون: إن الإِنسَان ارتقى في الماديات، وفي التقنية، وكذلك ارتقى في القانون وفي الاجتماع وفي الفلسفة، ويريدون أن تتواكب العلوم الإِنسَانية مع الزمن الحضاري، وذلك لأن الجانب الإِنسَاني قاصر جداً عن مجاراة التفوق في الجانب المادي؛ لأن الجانب المادي هو مما خُلِق عقل الإِنسَان ليعمل فيه، أما الجانب الآخر فهو مما حجب عنه العقل البشري، فالنتيجة واحدة لا إيمان ولا تقوى، ولا خشية ولا صلة بالله تَعَالَى.
توبة أبي حامد الغزالي في آخر عمره
أبو حامد الغزالي: هو الذي مر الحديث عنه، وانتهى آخر أمره إِلَى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية، وألف في آخر عمره كتاب إلجام العوام عن علم الكلام كتبه ليبين أن علم الكلام لا يؤدي إِلَى الثمرة التي يظنها النَّاس منه، عَلَى ما في كتابه من اضطراب وتناقض سبق أن أشرنا إليه.
والمهم أنه أقبل عَلَى حديث رَسُولِ اللهِ ﷺ ومات وصحيح البُخَارِيّ على صدره، وأول منزل، وآخر منزل يجب عَلَى الإِنسَان أن يسير فيه من منازل الطريق هو الكتاب والسنة، وليس الأمر كما قال ﵀: أن أول المنازل هو التصوف.
أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي
стр. 856
ثُمَّ يقول المصنف: [وكذلك أبو عبد الله مُحَمَّد بن عمر الرازي] ، الفخر أو فخر الدين، وقد ترجم له الحافظ الذهبي ﵀ في الميزان في حرف الفاء وأخذ باللقب وقد أورد الحافظ ابن حجر ﵀ في اللسان إشكالاً في ترجمة الآمدي، وقَالَ: إنه أي الذهبي أدخل ترجمة الآمدي وترجمة الفخر الرازي في الميزان وهما مما لا يدخل في موضوع الكتاب، وهذا نقلاً عن ابن السبكي صاحب طبقات الشافعية، عندما لام الحافظ الذهبي بقوله: لماذا تدخل الرازي في كتاب الميزان؟!، وكتاب الميزان وضع فيه الرجال المتكلم فيهم من الرواة. والفخر الرازي ليس من أصحاب الرواية، ثُمَّ اعتذر عنه فقَالَ: ولعله أراد أن يبين أمره لأنه عنده من المبتدعة. والآمدي أيضاً ذكر في قسم السيف الآمدي.
يقول الحافظ ابن حجر: ذكره باللقب دون الاسم، كأنه يشعر بالتقليل من شأنه فالله أعلم، يقول الحافظ ابن حجر ﵀ في لسان الميزان في ترجمة الشهرستاني: إن الشهرستاني له شيء من الرواية، ومع ذلك لم يدخله الذهبي في الميزان، فَيَقُولُ: إذا كَانَ الأمر أمر بيان لأهل البدع فليدخل كل أهل البدع، وإن كَانَ الأمر أمر الرواية فإن الرازي لا رواية له، وشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ كثيراً ما يسميالرازي بابن الخطيب، لأن أباه كَانَ خطيب الري، وهي من أكبر المدن في بلاد الفرس، ويُقَالَ: إنها هي التي تسمى اليوم طهران، والنسب إِلَى الري رازي، وهو خطأ مخالف للقياس؛ لأن الزاي هذه زيادتها مخالفة للقياس، وهكذا وقع الاصطلاح: أنهم يزيدونها، والرازي ألف كتاباً سماه أقسام اللذات يقول فيه هذه الأبيات:
نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال.
وكما بينا أن إقدام العقول وخوضها فيما لم تخلق له نهايته ضلال، وغايته لا خير فيه، يقولالرازي:
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذىً ووبال
стр. 857
وقد بينا لماذا توجد الوحشة والجفوة بين الروح والجسد وبيان ذلك وموجزه، أن الجسد يمشي وفق ما أمر الله، ووفق النظام الكوني، والأمر الكوني الذي جعله الله عليه، وجعل للروح الأمر الشرعي، فمن مشى متبعاً للشرع، وجعل قلبه وروحه متفق مع الشرع اتفق قلبه وجسمه، أو اتفقت روحه وجسمه، فلم يكن هناك وحشة بين الروح وبين الجسد.
أما إذا جعل الإِنسَانُ الجسدَ يمشي، وهو بطبيعته يمشي وفق الأمر الكوني، لكن لو اختار لقلبه طريقاً غير طريق الإيمان بالله، فهنا تحصل الوحشة، ولهذا تجد الذين ينتحرون وهم في غاية النعيم الجسدي من الأموال والملذات الدنيوية، وكل ما يطمح إليه الجسد موجود، فينتحر بسبب وجود الوحشة والتنافر بين الجسد والروح، بين القلب وبين هذه الحياة، لا يأنس ولا يطمئن لهذه الحياة أبداً لأنه لا راحة ولا طمأنينة إلا بالإيمان بالله ﵎ واتباع أمره، ونسبة الانتحار في المجتمعات الفقيرة نادرة جداً، ولكن نسبة الانتحار في المجتمعات الثرية عالية جداً، وكفى بهذا عبرة للإنسان إذا تأمل.
وليعلم أن الحياة السعيدة هي في الإيمان بالله ، وأن أعظم تنمية يجب أن تسعى إليها جميع الشعوب، ويسعى إليها جميع الأفراد هي تنمية الإيمان بالله لأنه هو الذي ينمي السعادة والراحة، والطمأنينة، وهو الذي يعقب أيضاً الرخاء في الحياة الدنيا، والنماء فيما يرزقه الله ﵎ كما قال نوح ﵇ لقومه: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ َ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً
стр. 858
[نوح:١٠-١٢] فالتنمية المادية، والرخاء المادي، والثروة الاقتصادية الوفيرة كل ذلك يأتي تبعاً للإيمان بالله ﵎، فالإيمان بالله هو الأساس لسعادة الدنيا والآخرة فتلتئم النفس والروح مع الجسد، ويلتئم الفرد مع المجتمع، وتلتئم الحياة البشرية مع الكون الذي يحيط بها، لأن الصلة بالله موجودة، وكل مافي الكون خلق الله . وعندما ننظر كيف كَانَ النبي ﷺ وأصحابه نجد التآلف يصل بين المؤمن بالله وبين الماديات، ليس فقط مع الأشخاص، فالمنبر -جذع النخلة- يحن؛ لأن النبي ﷺ ترك الخطابة عليه، وجبل أُحد قال فيه النبي ﷺ : نحبه ويحبنا؛ لأن له إحساس، يحب أو يبغض سُبْحانَ اللَّه! فالقصد أنه إذا وجد الإيمان بالله وجد التآلف حتى مع الأمور المادية، فأصلح أيها العبد العلاقة مع الله عزوجل، وأصلح صلتك بالله فإن هذا الكون كله خلق الله .
وكل هَؤُلاءِ البشر عبيده يُسخٍرهم كما يشاء، لكن إذا أفسدت العلاقة مع الله عزوجل، وقطعت الصلة بالله -عزوجل- وجدت النفرة مع الزوجة ومع الأولاد، ومع الزملاء في العمل، ومع الحياة جميعاً، كما قال تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:٦٧] يتلاعنون في النار، ويتخاصمون، وكل منهم يلوم الآخر وهكذا كل محبة في هذه الحياة الدنيا.
يقولالرازي:
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أنا جمعنا فيه قيل وقالوا
هذا هو علم الكلام: قيل وقالوا، فإن قيل قلنا؛ لكن هل هذا الكلام يصدر عن يقين وعن اعتقاد، وهل هذا الكلام نافع أو هو علم مثمر؟ قلنا: ليس شيئاً من ذلك.
فكم قد رأينا من رجال ودولة فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا
стр. 859
وكم من جبالٍ قد علت شرفاتها رجال فزالوا والجبالُ جبالُ
وهنا حصل ما نسميه بيقظة الروح، أو يقظة الضمير، وذلك عندما يتفكر الإِنسَان أين مصير الناس، وهذا من أكثر ما يورث اليقين في القلب، ولو أن الرازي فطن إِلَى هذا الأمر وحده - كما ذكر في هذه الأبيات- لأغناه، وهذه العبرة كررها الله في القُرْآن ولأنها عظيمة، ولأنها مؤثرة، وهي التفطن والتفكر في الأمم الذين خلوا من قبل قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ َ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [آل عمران:١٣٧] انظروا إِلَى الآثار التي خلفها الذين من قبلكم، الرومان، الفرس، الصينيون، الآشوريون، البابليون، الفينقيون، الفراعنة، أمم وحضارات ودول ذهبت وزالت كما يقولون: سادت ثُمَّ بادت، هذا هو المصير، ألا يكفي أن يثير هذا الأمر العبرة في كل ذي قلب وفي كل ذي عقل إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ َ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [قّ:٣٧] والرازي في لحظة اليقظة يقظة الضمير أو يقظة الروح، استطاع أن يعبِّر عن هذه القضية، وعن هذه العبرة وهكذا الحياة هذا شأنها، لو تأمل الإِنسَان إِلَى البحر كم ركبه؟ وكم طوى فيه؟ والأرض التي نَحْنُ فيها، كم علاها من أقوام، وكم صار فوقها، وربما كَانَ أحدهم يتبختر في مشيه، وكأنه لن يموت وكأنه كما قال الله : إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً [الاسراء:٣٧] ثُمَّ في الأخير أين هو الآن؟ كما قال المعري -وكان من كبار الملاحدة -:
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
стр. 860
معنى قوله: أن من مات فهو أديم الأرض والطبقة العليا من الأرض، فتراب الأرض ما هو إلا ركام الأجساد التي كانت تسير عليها ثُمَّ ماتت وبادت، وفي زماننا لو أمكن النَّاس أن يبنوا عَلَى المقابر العمائر لفعلوا، فلا حول ولاقوة إلا بالله! ولم يكتفوا بذلك بل عصوا الله فوقها؛ فوق مقابر الذين عصوا الله وهلكوا -نسأل الله العفو والعافية، نسأل الله البصيرة في أمرنا.
اعتراف الرازي بحقيقة التوحيد وخاصة في الأسماء والصفات
ثُمَّ يقول الرازي: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية -وهما قريبان من بعض- فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً -وهذه المقولة مقولة مجرب عالم بصير- ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، بل الصواب محصور فيها وحدها، في طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:١٠] وكما هو معلوم أن أمر العقيدة يدور عَلَى مسألتين: عَلَى النفي والإثبات، ماذا نثبت لله عزوجل، وماذا ننفي عنه؟ بالأخص في موضوع الأسماء والصفات فَيَقُولُ: إذا قرأت في الإثبات الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:١٠] الآيات.
стр. 861
أفهم بجلاء وبوضوح أن الله ﵎ فوق المخلوقات، عالٍ عَلَى جميع المخلوقات ، مع أن الرازي له كلام شديد وطويل في نفي العلو، فَيَقُولُ: دعك من هذا كله واقرأ في الإثبات الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:١٠] وإذا بك تجد نفسك مؤمناً بعلو الله ﵎ وبجميع الصفات، التي وردت في الإثبات ثُمَّ قَالَ: واقرأ في النفيلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] الآية تكفيك من أن تقول: ليس بجوهر ولا عرض، ولا مادة ولا مركب ولا متحيز، فكل كلمة من هذا الكلام تحتمل تفصيلات ونقاشات؛ لكن الله تَعَالَى يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] فتكفيك هذه في النفي، وفي التنزيه لله ﵎ وقوله: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه:١١٠] .
فإذا عرفنا أننا لا نحيط بالله ﵎ علماً فهذا موجب لعدم الخوض في أمر من أمور الغيب، وفيما يتعلق بصفاته ﵎، لأن علمنا قاصر محدود عن إدراك هذه الأمور، فنؤمن به كما أخبر، ونتبع قول أعلم النَّاس به وأتقاهم له وهو رَسُول الله ﷺ ، ولهذا قلنا: إن العلم الصحيح يورث التقوى، فعندما كانت معرفة النبي ﷺ صحيحة حقيقية أورثت التقوى، فأصبح بذلك أعرف النَّاس بربه وأخشاهم وأتقاهم له، وكذلك كل من كَانَ عَلَى طريقتة إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:٢٨] فكلما كَانَ الإِنسَان أكثر علماً، كلما كَانَ أكثر خشية، كما قال سفيان ﵀: في تفسير هذه الآية ثُمَّ يقول الرازي: "ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي".
стр. 862
والمشكلة أنهم يقولون هذا الكلام الصريح الجلي ويأتي تلاميذهم وينسون هذا الكلام، ويأخذون بما في كتبهم، وهكذا الجويني رأى مارآه الرازي ثُمَّ أعلن توبته كما سيأتي، ثُمَّ جَاءَ أبو حامد الغزالي تلميذه وأخذ يسلك المناهج وفي الأخير تاب أبو حامد، وعندما جَاءَ من بعده الرازي لم يقل: نبدأ من حيث انتهى الغزالي، فنبدأ من صحيح البُخَارِيّ بل بدأ بما نهى عنهالغزالي وألف في ذمه كتاب إلجام العوام عن علم الكلام ثُمَّ جَاءَ الرازي واشتغل طول عمره في علم الكلام، وفي الأخير عند الموت وإذا به يقول: هذا الكلام، ويقول: أقرب الطريق طريقة القرآن، ثُمَّ أتى الإيجي صاحب المواقف الذي هو حجة في علم الكلام عند أكثر أهل الكلام في هذا العصر، فترك كلام الرازي الأخير، وأخذ ينقل من كلامه في الأربعين، ومن كلامه في التفسير.
وهكذا نجد الخطأ يتكرر، وهذا من أعجب العجب! فالعاقل يتعظ بغيره، لكن هَؤُلاءِ لا يتعظون بقول الرازي: من جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. الذي يتعظ بغيره لا يحتاج أن يجرب، ثُمَّ ضم إِلَى هذه العبارة قول أبي حامد الغزالي: "وهذا يعني ذم علم الكلام إذا سمعته من محدِّث أو حشوي ربما خطر ببالك أن النَّاس أعداء ما جهلوا" لأن أهل الحديث يكرهون علم الكلام.
يقول: [فاسمع هذا ممن خبر الكلام -يعني: نفسه- ثُمَّ قاله بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إِلَى منتهى درجة المتكلمين] أي خذ هذا الذم لعلم الكلام ممن بلغ هذه الدرجة، وبعد هذا أين من يعتبر؟ وأين من يتعظ؟ فهَؤُلاءِ أربعة: ابن رشد، الآمدي، الغزالي، الرازي قد قالوا هذا الكلام.
حيرة الإمام الشهرستاني وتوقفه
الخامس أبو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الكريم الشهرستاني، وهذا أيضاً لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم حيث قال:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم
стр. 863
ووقع الشيخشعيب أيضاً في نفس الخطأ -غفر الله لنا وله-، عندما قَالَ: هو مُحَمَّد بن عبد الكريم الشهرستاني من فلاسفة الإسلام! وكذا عرف من قبله، فهل في الإسلام فلاسفة؟! لا يوجد فلاسفة للإسلام، ولا يصح إطلاق هذه العبارة، فالإسلام له علماؤه الذين يتبعون الكتاب والسنة، أما من اشتغل بالفلسفة فهو من المبتدعة الضَُّلال، وكما ذكرنا أنابن السبكي اعتذر للذهبي ﵀ عن إيراد الرازي والآمدي في الميزان ثُمَّ ابن حجر في اللسان، فقَالَ: لأنهم من أهل البدع فيريد أن يبين حالهم، وإلا فليسوا من أهل الروايات فالغرض هو بيان أنهم من أهل البدع، هكذا اعتذر ابن السبكي عَلَى تعصبه لهَؤُلاءِ.
ثُمَّ يأتي الشيخ شعيب -يغفر الله لنا وله- ويكون أكثر تعصباً حين يقول: من فلاسفة الإسلام! ومعنى هذه الكلمة أن هذا الدين يحتاج إِلَى فلاسفة، يحتاج إِلَى أناس يتعمقون في هذه العلوم، ويأتون بما يخالف الكتاب والسنة، فإن جاءوا بما يوافق الكتاب والسنة لم يعدوا فلاسفة بل فقهاء، فالفقيه هو الذي يستنبط من الكتاب ومن السنة، وإن جاءوا بعلوم اليونان وأباطيلهم فهذه هي الفلسفة، ومن هذا شأنه فليس من الدين في شيء، بل هو مبتدع مارق، ولا يضاف إِلَى الإسلام، ولا ينسب إليه.
القصد أن الشهرستاني كَانَ إماماً في علم الكلام عَلَى مذهب الأشعري، وكان إماماً في نحل الأمم ومذاهب الفلاسفة، وكان عَلَى معرفة عظيمة بأقوال الفلاسفة والنحل والفرق، ولهذا ألف كتاب الملل والنحل، وقد ذكر الإمام الذهبي في السير، وابن حجر في لسان الميزان أن الشهرستاني أخذ الكلام عن أبي نصر القشيري، وأبو نصر القشيري هو ابن القشيري صاحب الرسالة.
стр. 864
وهَؤُلاءِ وغيرهم كانوا في زمنهم عَلَى عداوة شديدة مع أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، الذين كانوا يسمون أحياناً أو في بعض الكتب بالحنابلة، فكانت المعركة قائمة بين القشيري وتلامذته، وبين أهل السنة أو المسمون بالحنابلة ومن كَانَ معهم، وكان معروفاً عند العامة وعند الناس، أن من انتحل طريق ابن القشيري ومنهجه أنه من أهل البدع كما هو موضح في ترجمة ابن القشيري في كتاب المنتظم لابن الجوزي، فالمراد أن هَؤُلاءِ هم شيوخه. يقول ياقوت الحموي في وصفه: الفيلسوف المتكلم صاحب التصانيف، كَانَ وافر الفضل كامل العقل ثُمَّ يقول: ولولا تخبطه في الاعتقاد ومبالغته في نصرة مذاهب الفلاسفة والذب عنهم لكان هو الإمام.
ونقل الحافظ ابن حجر في اللسان قريباً من قول ياقوت عن الخوارزمي.
стр. 865
ونقل أيضاً عن ابن السمعاني في اتهامالشهرستاني بالإلحاد، وهما أفضل وأوثق من ياقوت، وقول ياقوت: لولا تخبط الشهرستاني في الاعتقاد ومناصرته لأهل الإلحاد لكان هو الإمام لم يكن فيه الصراحة في النقد ولعل ذلك بسبب المحبة أو الهوى أو الميل أو التعصب المذهبي لأن بعضهم كانوا شافعية، وهذا شافعي، فتجدهم يصفونه بأعظم الأوصاف لأنه شافعي المذهب أو أشعري مثلهم، وهذا من الهوى الذي لا نجده عند علماء الجرح والتعديل الذين جعلهم الله ﵎ ميزاناً ومعياراً لمعرفة النَّاس والحكم عليهم، هذا من فضله ﵎ حماية لهذا الدين دون تعصب لأي أحد كائناً من كان، من تصانيفالشهرستاني كتاب نهاية الإقدام في علم الكلام قال في بدايته: لما وجدت النَّاس في حيرة وضلال وشكوك ورأيتهم محتاجين إِلَى علم صحيح وعقيدة صحيحة ألفت هذا الكتاب! وليتأمل عنوان الكتاب مع أبيات الرازي مع ملاحظة أن الشهرستاني توفي عام خمسمائة وثمانية وأربعين، وتوفي الرازي عام ستمائة وستة، والرازي قطعاً اطلع عَلَى كتاب الشهرستاني، وتأمله، وهو من أعظم الكتب في مذهب الأشعرية وفي عقيدتهم.
فعندما قال الرازي:
نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال
فكأنه يقول: ما كنا نعتبره النهاية في الإقدام في العلم وفي العقيدة، وغاية ما ألَّفه علماؤنا في هذا المذهب هو ضلال ووبال وخسارة ولا فائدة فيه، إِلَى أن قال:
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
والشهرستاني ذكر في أول هذين البيتين أنه ما ألَّف هذا الكتاب إلا ليحل هذه المشكلة، يقول: (لعمري لقد طفت المعاهد كلها) مر عَلَى معاهد العلم وعلى الحلقات.
(وسيرت طرفي) -أي: عيني- بين تلك المعالم، فرأى النَّاس المشتغلين بعلم الكلام، فقَالَ:
فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم
стр. 866
أي: وجد أنهم في حيرة وفي ندم وفي تخبط سواء كَانَ الغزالي أو الجويني، وقبلهم الأشعري وعندما قَالَ: سأؤلف هذا الكتاب، ليقطع الريب، وليأتي بالعلم الصحيح، سُبْحانَ اللَّه! وهل هذا مما وكل إلىالشهرستاني أو إِلَى من هو أجل وأعظم منه؟ لا والله، فلم يرجع الله ﵎ النَّاس لمعرفة الحق واليقين والهدى إِلَى الشهرستاني ولا غيره، وإنما هو في كتاب الله وفي سنة رَسُول الله ﷺ ، فلو أنه -وهو يعبِّر عن حال هَؤُلاءِ الناس- قَالَ: كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى: "الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من اتعظ بغيره" ورأى مصير هَؤُلاءِ، وهنا مسألة نريد أن ننبه عليها لها أثرها بالنسبة للشهرستاني وهي أن مقولة ابن السمعاني فيالشهرستاني: أنه كَانَ متهماً بالميل إِلَى أهل الإلحاد.
وكذا قالها الخوارزمي وياقوت الحموي.
وفسرها ابن حجر ﵀ فقَالَ: وكان الشهرستاني مائلاً إِلَى مذهب الإسماعيلية وهم الذين يسمون أهل الإلحاد، وكان إلحادهم مشهوراً عند العامة والخاصة، عند أهل السنة، وعند الأشعرية، وعند المعتزلة بل حتى عند الشيعة الإثنى عشرية، يعتبرون الشيعة الإسماعيلية ملاحدة، فكان الشهرستاني مائلاً إِلَى قول الملاحدة وكانوا في تلك الفترة -أي فترة القرن السادس- لهم انتشار ووجود كبير، وهذا أيضاً مما يعين عَلَى فهم نفسية الرجل، ومع ذلك يعتبره بعض النَّاس من أئمة أهل السنة، ويقولون: كتابهنهاية الإقدام من أعظم ما كتب في نصرة مذهب أهل السنة، سُبْحانَ اللَّه كيف يكون من كَانَ متفلسفاً متكلماً مائلاً إِلَى نصرة الإسماعيلية من أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ؟!
توبة الجويني وسببها
стр. 867
والسادس: أبو المعالي الجويني، والمصنف ﵀ لم يراع الترتيب التاريخي، يقول الجويني: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إِلَى ما بلغ ما اشتغلت به، وقال عند موته: "لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت عَلَى عقيدة أمي، أو قَالَ: عَلَى عقيدة عجائز نيسابور!..".
هذا الكلام ذكره الحافظ الذهبي ﵀ في ترجمة أبي المعالي في سير أعلام النبلاء.
وذكره شَيْخ الإِسْلامِ في التسعينية في علم الكلام.
وذكره الحافظ ابن حجر ﵀ أيضاً في فتح الباري، في كتاب التوحيد، والكلام مشهور عن الجويني.
ولمَّا تاب الجويني من علم الكلام ألف كتاب اسمه النظامية وهي الرسالة التي ألفها باسم نظام الملك وزير السلاجقة يقول فيها: "لما رأيت علماء الإسلام وهم الصحابة والتابعون منصرفين عن التأويل وهم أعلم النَّاس بالدين، وأحرصهم عَلَى حفظه ... ثُمَّ قَالَ: ولو كَانَ ذلك خيراً لكانوا أسبق إليه من غيرهم".
وهذا دليل فطري منطقي سليم، لصاحب المنطق السليم الصحيح، فلا يمكن أن تُطبق القرون الثلاثة المفضلة عَلَى عدم التأويل، ويكون ذلك خطأً أو مفضولاً أو مرجوحاً ثُمَّ يأتي بعد ذلك من يؤول ويقول: تأويله هو الأعلم والأحكم والأسلم لا يمكن ذلك أبداً، وعلى هذا بنى رسالته النظامية، وهو يميل فيها إِلَى التفويض كما مر- ويظن أن مذهب السلف هو التفويض المطلق، يعني: تفويض المعنى والكيفية، وتقدم الفرق بينهما وأن السلف يفوضون في الكيفية، وأما المعاني فهم يثبتونها لصفات الله ، كما فهمها النبي ﷺ وأصحابه والسلف الصالح، والمفسرون وعلماء اللغة.
стр. 868
وكان موقف من المواقف سبباً من أسباب توبةالجويني، وذلك أنه لما وقف عَلَى المنبر وتكلم في أمر العقيدة وفي نفي العلو كَانَ أبو جعفر الهمداني جالساً في المسجد فَقَالَ له: أيها الشيخ " دع عنك هذا، دعنا من الجدل ومن النقاش ومن العقليات، وأخبرنا عن الضرورة، التي يجدها الإِنسَان حين يدعو الله عزوجل.
فما من داع يدعو الله إلا ويجد ضرورة أن يتجه إِلَى العلو فقَالَ: ما سر هذه الضرورة الفطرية المغروسة في كل نفس فأخذ الجويني يلطم بكمه في المنبر ويقول: حيرني الهمداني حيرنيالهمداني ونزل من عَلَى المنبر، وهذه واقعة ثابتة ومشهورة، نثبت بها أن علم الكلام مصادم للفطرة السليمة.
فالفطرة المغروسة في كل نفس، أن الإِنسَان إذا دعا يتجه إِلَى العلو، وليس هناك من حل يدفع هذه الضرورة إلا الإيمان فعلاً بأن الله تَعَالَى فوق مخلوقاته، وعند الموت أخذ الجويني يوصي تلاميذه، وهذه الوصية كَانَ عَلَى الغزالي أن يعمل بها، وكان مما يقَالَ: إنه ما من تلميذ غلب شيخه حتى طمس ذكره في حياة شيخه كأبي حامد الغزالي في حياة الجويني؛ لأن الشيخ خفتت سمعته وتضاءلت وهو حي لمَّا نبغ الغزالي في وفرة ذكائه وسعة إطلاعه، ومعرفته ودقته في العلوم فيقول الجويني لأصحابه: "لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم".
يعني أنه كَانَ يقول: هذه العلوم نقلية، وهذه العلوم علوم الحشوية والنابتة فنحن نتركها ونأخذ بالعلم اليقيني المحقق، بالعقل وبالدليل، وبالحجة وبالمجادلة، وبالنظر وما أشبه ذلك، فقَالَ: "خليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه".
стр. 869
ومن هنا نعلم أن علماء الإسلام ينهون عن علم الكلام، وأن هذا أقدم عَلَى علم الكلام وهو يعلم أن علماء الإسلام ينهون عنه، والجويني مذهبه شافعي، ومن أكثر الأئمة الذين ثبت عنهم ذم علم الكلام الإمام الشَّافِعِيّ كما ذكر ذلك الحافظ ابن عساكر بالسند في كتابه " تبيين كذب المفتري " وكما ذكر المُصْنِّف ﵀ هنا، فالجويني، والغزالي، والجويني، ومعظم أئمة الأشعرية شافعية، وتراهم يُقدمون عَلَى هذا العلم وهم يعلمون أن إمام مذهبهم ينهى عنه.
ثُمَّ يقول الجويني بعد ذلك عندما حصحص الحق وجاء اليقين، وأصبح الإِنسَان في حال إقبال عَلَى الآخرة، وإدبار من الدنيا وعندما لا ينفع الجاه ولا العلم، ولا التلاميذ، ولا الشهرة، ولا أقوال الناس، في تلك اللحظة التي يتخلى فيها الإِنسَان عن كل شيء وتتضح له حقيقته ونفسه وتنتهي كل البهارج والزخارف، يقول: والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني: يسأل الله الرحمة وألا يبتلى عند الموت، وألا يكون اشتغاله بعلم الكلام وخوضه فيما نهى عنه علماء الإسلام سبباً لسوء الخاتمة عافانا الله من ذلك؛ لأن الإِنسَان عند الموت غالباً ما يختم له بما كَانَ يشغل به نفسه في الدنيا، كما ذكر ابن القيم ﵀ في الجواب الكافي أمثلة كثيرة في ذلك فكل من كَانَ مشغولاً بشيء في الدنيا تمثل عند موته سواء كَانَ مشغولاً بالتجارة أو بالعشق أو بالمال أو بالمتاع الزائل، أوبالأغاني أو بالمنصب؛ لأن الموت فراق لما يحب الإِنسَان فأي شيء كَانَ الإِنسَان يحبه، ويتأمل فيه يتذكره عند الموت، ومن كَانَ متعلقاً بالله، ومتعلقاً بالمساجد وبالذكر، فإنه يتذكر ذلك ويأتيه ذلك عند الموت، ونِعْمَ ما يتذكر حينئذ.
стр. 870
يقول: والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت عَلَى عقيدة أمي، أو قَالَ: عَلَى عقيدة عجائز نيسابور، أبعد هذا الخوض وبعد هذا الإطلاع، وبعد ما ألف كتاب الشامل -وهو كتاب ضخم، ومطبوع حققه الدكتور علي سامي النشار وبعض تلاميذه- وكتاب الإرشاد -وهو مطبوع أيضاً- بعدما ألف هذه الكتب وظن أنه بَيَّن للناس الاعتقاد الصحيح وقال بوجوب التأويل، وبوجوب أخذ العقيدة عن طريق العقل وعرضها عَلَى العقل وفي الأخير يقول: وها أنا ذا أموت عَلَى عقيدة أمي، وياليتها تحصل، إذا حصلت لكل علماء الكلام فهذا حسن؛ لأن الأمهات والعجائز عَلَى الفطرة السليمة، بل تراهم يقولون في نهاياتهم إذا سلموا من العذاب: إنهم بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب!
هذا هو حال من أعرض عن كتاب الله، واتخذ أي منهج آخر من مناهج الضلال، يريد الإِنسَان منهم أن يعود إِلَى أول منزلة، منزلة الفطرة وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [النحل:٧٨] يريد أن يكون بمنزلة الأمي الذي لا يعلم شيئاً، فأما من علَّمه الله وفقهه في الدين حتى أصبح لديه من اليقين ما تبدوا أمامه كل الشبهات الفلسفية والكلامية مثل الهباءة في الهواء لا يأبه لها ولا يلتفت إليها فهذا الذي أراد الله به خيراً، وهذا هو الذي يجب أن يكون عليه حال المؤمنين، وحال طلبة العلم الصادقين نسأل الله أن يجعلنا منهم.
الخسروشاهي
قَالَ المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:
стр. 871
[وكذلك قال شمس الدين الخسروشاهي، وكان من أجل تلامذة فخر الدين الرازي لبعض الفضلاء، وقد دخل عليه يوماً، فقَالَ: ما تعتقده؟ قَالَ: ما يعتقده الْمُسْلِمُونَ، فقَالَ: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به؟ أو كما قال، فقَالَ: نعم، فقَالَ: اشكر الله عَلَى هذه النعمة، لكني والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما اعتقد؟ وبكى حتى أخضل لحيته ولابن أبي الحديد، الفاضل المشهور بـ العراق.
فيك يا أُغلوطةَ الفِكَرِ حارَ أَمري وانقضى عمري
سافرتْ فيكَ العقول فما ربحتْ إلا أذى السفر
فلحا اللهُ الأولى زعموا أنك المعروف بالنظر
كذَبوا إنَّ الذي ذكروا خارجٌ عن قوة البشر
وقال الخونجي عند موته: ما عرفت مما حصلته شيئاً سوى أن الممكن يفتقر إِلَى المرجح، ثُمَّ قَالَ: الافتقار وصف سلبي، أموت وما عرفت شيئاً.
وقال آخر: أضطجع عَلَى فراشي وأضع الملحفة عَلَى وجهي، وأقابل بين حجج هَؤُلاءِ وهؤلاء حتى يطلع الفجر، ولم يترجح عندي منها شيء] اهـ.
الشرح:
مر بنا: ابن رشد، والآمدي، والغزالي، والرازي والشهرستاني، والجويني.
بقي الخسرو شاهي وشمس الدين الخسروشاهي قد عرَّفه المُصْنِّف ﵀ فقَالَ: [وكان من أجل تلامذة فخر الدين الرازي] توفي سنة ٦٥٢ هجرية، وهذا شمس الدين الخسرو شاهي دخل عليه يوماً بعض الفضلاء ووجده مشتغلاً ومنهمكاً بالعلم الذي حذر منه، ونهى عنه شيخه فخر الدين الرازي وقَالَ: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، فهذا المسكين اشتغل بالذي لا يشفي عليلاً، ولا يروي غليلاً، فزاره بعض الفضلاء من العلماء فَقَالَ الخسروشاهي للرجل: ما تعتقده؟
فقال الرجل: ما يعتقده الْمُسْلِمُونَ، أعتقد في الله عزوجل -وفي الإيمان وفي الإلهيات- ما يعتقده الْمُسْلِمُونَ.
قَالَ: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به؟
стр. 872
قَالَ: نعم، فهذه مسلمات لا مجال للشك فيه فَقَالَ له: اشكر الله عَلَى هذه النعمة، ثُمَّ قَالَ: لكني والله لا أدري ما أعتقد؟ والله لا أدري ما أعتقد؟ والله لا أدري ما أعتقد؟ وأخذ يبكي حتى اخضلت لحيته، أي: حتى أغرق لحيته بالدموع وهو يبكي، يقول: لا أدري ما أعتقد، أنت الذي تعتقد ما يعتقده الْمُسْلِمُونَ احمد الله عَلَى هذه العقيدة، واحمد الله عَلَى هذه النعمة.
وبهذه القصة وبالتي قبلها يعلم الإِنسَان أن الإيمان والحق واليقين لا يكون إلا باتباع منهج الكتاب والسنة، فالفطرة التي عليها الْمُسْلِمُونَ موافقة لما في الكتاب والسنة، وزيادة عَلَى ذلك ما يعلمه علماء التفسير، وعلماء الحديث، والفقهاء في الدين، من أمر الله ، ومن علم صفات الله وأحوال الآخرة، وغير ذلك هو أضعاف ما يعتقده العامة.
أما هَؤُلاءِ القوم فإنهم لا يدرون ماذا يعتقدون، فإذا أراد أن يعتقد مثلاً مسألة القدر، وهو عَلَى مذهب الرازي والخسرو شاهي والجويني مذهب الأشعرية، فيمر عَلَى الكسب فلا يقدر عقله أن يحلله، أو أن يستوعبه، وإذا نظر إِلَى النَّاس الذين يعيشون في الدنيا وجدهم مؤمنين بالقدر، مطمئنين للإيمان بالقدر، فيظل غارقاً في الشبهات والنَّاس من حوله خيرٌ منه.
وقل ذلك في أي باب من أبواب العقيدة فإنهم يبنونها عَلَى حجج واهيات يسهل الرد عليها؛ كما أتى عليها شَيْخ الإِسْلامِ فهدم بنيانها لأنها ليست عَلَى شيء.
الإمام الجيلاني وقصة الرجلين
وقد ذكر شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ قصة قريبة من حال هذا في أيام عبد القادر الجيلاني وهي أنه جَاءَ إليه رجلان: أحدهما عَلَى مذهب المعتزلة، والآخر عَلَى مذهب الأشاعرة، وقالوا له: ياشيخ إننا في حيرة من أمرنا، وإنه ترد لنا واردات وتخطر لنا خاطرات، ولا ندري ما الجواب عليها فهل عندكم من يقين؟
стр. 873
وقد كَانَ الشيخ الجيلاني معروفاً بأنه يربي المريدين- فقَالَ: نعم، عندنا يقين لا تأتيه هذه الخواطر ولا هذه الوساوس، فاحتارا.
فأما المعتزلي فإنه ترك الاعتزال ودخل مع الشيخ عبد القادر حتى أصبح من كبار طلاب الشيخ، ووجد اليقين في الإيمانيات.
وأما ذلك الآخر فإنه قَالَ: لا. وشك في الأمر، ثُمَّ تركه وبقي عمره في الحيرة وفي الشك.
والقصد أنهم يتعجبون ممن يمتلك اليقين في أبواب العقيدة، وهم مع خوضهم البحر الخضم لم يصلوا إليه! وهذا هو حال الملاحدة اليوم في الغرب، فالنَّصَارَى بالذات في الدول الأوروبية لا يعلمون ديناً غير دين النَّصَارَى.
ولو قلت لأحدهم: أيها أفضل دين النَّصَارَىأو الإسلام أو البوذية؟
فإنه يقول لك: لا توجد نسبة، دين النَّصَارَىدين عظيم وممتاز! والإسلام همجية، والبوذية همجية! فهو يتصور أن أعظم دين وأفضله دين النصرانية.
فإذا سألته هل أنت تؤمن بالنصرانية؟
فإنه يقول لك: لا؛ أنا إنسان أؤمن بالعلم فقط، ولا أؤمن بالدين؛ لأن فيه خرافات وكذا وكذا، والنتيجة تصبح أنه لا يؤمن بأي دين، فيكون حائراً ملحداً.
ثُمَّ يقول لك: أحسن شيء أنني لا أتكلم في الغيبيات والفلسفات بل أبقى إنساناً عملياً، أفكر في الأمور العملية فقط، مثل النظرية التي مشت عليها أمريكا الفلسفة العملية.
فتقول: أنت لا تنظر إِلَى الشيء من حيث أنه خطأ أو صواب، حق أو باطل فهذا لا يعنيك، يعنيك فقط، هل له ثمرة عملية موجودة؟
ويقول لك: لا تحكم لي عَلَى هذا العمل أهو أخلاقي أو غير أخلاقي؟ أصواب أم خطأ؟
بل قل لي: هل توجد ثمرة مادية أم لا؟
وهكذا إذا أتيت إِلَى عالم الفلك وقلت له: عندما تتأمل في الكون وفي المنظار تتأمل المراصد وترى هذه العجائب ألا يحدث عندك شيء من الإيمان بالله؟ فإنه يقول: إنني إنسان علمي، أتكلم في النتائج العلمية فقط، لا أحاول أن أُشْغِل نفسي بأمور فلسفية خارج النطاق.
стр. 874
واسأل عالم التاريخ وقل له: عندما تنظر في الأمم والدول، هل تلاحظ أن الأمم حينما تأخذ في شرب الخمر وفي الزنا تهلك وتضيع وتضل؟!
فسيقول لك: هذا موجود فإذا قلت له: لا تتكلمون عَلَى هذا الشيء وتنشرونه، فإنه يقول لك: لو تكلمت عن هذا الأمر لتحولت إِلَى عالم أخلاق، والأخلاق لها أناس متخصصون وأنا عملي أني إنسان مؤرخ فقط، أتعرض لوقت الحالات والأشياء، سُبْحانَ اللَّه! فما هي ثمرة التاريخ إذاً؟! وما فائدة دراسة التاريخ أصلاً إن لم يؤدِ بك إِلَى أن ترى سنن الله عزوجل في الذين خلوا من قبل، وتقولها لنفسك وللناس؟!
ابن أبي الحديد وحيرته
ابن أبي الحديد هو صاحب شرح نهج البلاغة الذي جمع كلمات بليغة منسوبة إِلَى عدة من الحكماء أو الخطباء، ونسبها جميعاً إِلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وقد كَانَ في درجة من الفصاحة، والبلاغة، يقول هذه الأبيات:
فيك يا أُغلوطةَ الفِكَرِ حار أمري وانقضى عمري
يقول: هذا العلم: علم الإلهيات وعلم معرفة اليقين والحق عن طريق الكدح الذهني والنظر والمجادلة وأشباه ذلك:
حار أمري وانقض عمري
فهذه العلوم تحار فيها العقول ولا تصل بها إِلَى نهاية
سافرت فيك العقول فما ربحت إلا أذى السفر
فنهايتها مشقة السفر فقط والتعب والأذى ولم تصل فيها إِلَى نتيجة قط.
فلحا الله الألى زعموا أنك المعروف بالنظر
لحاهم الله يعني: عابهم ولا مهم وأهلكهم، فهو يدعو عليهم، فلحى الله الألى زعموا: أي: الذين زعموا أنك المعروف بالنظر وبالعقل. يقول:
كذبوا إن الذي ذكروا خارج عن قوة البشر
نعم، فإن الذي ذكروه خارج عن قوة البشر، وهو الوصول إِلَى الحق من عالم الغيب أمر خارج عن قوة البشر، لا يمكن الوصول إليه عن طريق العلوم النظرية ولا العلوم البشرية أبداً، وإنما يوصل إليه عن طريق علم الغيب وهو الوحي، أما العلم البشري الحسي المحدود فإنه لا يستطيع أن يدرك عالم الغيب، فيقول:
стр. 875
فلحى الله الألى زعموا أنك المعروف بالنظر
كذبوا إن الذي ذكروا خارج عن قوة البشر
وهذا مثلما قال الشاعر فيما مر معنا سابقاً:
لولا التنافس في الدنيا لما وضعت كُتْبُ التناظر لا المغني ولا العمد
ابن أبي الحديد مشهور ومعروف فينبغي لنا أن نعرف عن حياته وعن وفاته وهو صاحب هذه الأبيات المشهورة:
فيك يا أغلوطة الفكر حار أمري وانقضى عمري
سافرت فيك العقول فما ربحت إلا أذى السفر
فلحى الله الألى زعموا أنك المعروف بالنظر
كذبوا إن الذي ذكروا خارج عن قوة البشر
كانابن أبي الحديد وزيرالمستعرم بالله آخر خلفاء بني العباس الذين هجم عليهم التتار وقضوا عَلَى دولتهم وقتلوا هذا الخليفة المستعصم بالله، وكان وزيره قبل ذلك الرافضي ابن العلقمي، وكان قد قرب الروافض جميعاًًًً وأقصى ونحى أهل السنة، وكان ممن قربه ابن أبي الحديد وهو الذي شرح نهج البلاغة يقول الحافظ ابن كثير ﵀ عنه: "إنه كَانَ حظياً عند ابن العلقمي لما بينهما من المناسبة والمقاربة والمشابهة في التشيع والأدب فهم عَلَى دين واحد، وفن واحد، هذا كَانَ حال ابن أبي الحديد وقد أورد له ابن الساعي أشياء كثيرة من مدائحه وأشعاره الفائقة الرائقة وكان أكثر فضيلة وأدباً من أخيه أبي المعالي موفق الدين بن هبة الله وإن كَانَ الآخر -يعني: موفق بن هبة - فاضلاً بارعاً أيضاً" وشرحه نهج البلاغة كَانَ سبباً لشهرته. أما شعره فلا يوجد الآن منه شيء.
ثُمَّ يقول ابن كثير ﵀ في ترجمة الناصر داود من ملوك الدولة الأيوبية: "واشتغل في علم الكلام عَلَى الشمس الخسرو شاهي تلميذ الفخر الرازي، وكان يعرف علوم الأوائل جداً وحكوا عنه أشياء تدل -إن صحت- عَلَى سوء عقيدته، عَلَى ذلك، وكان من جلساء الملكالناصر داود ملك الدولة الأيوبية.
стр. 876
روى عن الناصر داود أشياء تدل عَلَى سوء عقيدته لأن من جالس أناساً تأثر بهم فتأثر بمنطقهم وفلسفتهم وعلومهم الباطلة، ففسدت عقيدة هذا الملك.
أماالخونجي فهومُحَمَّد بن ناماور بن عبد الملك الخونجي أبو عبد الله فضل الدين توفي (٦٤٦) أو (٦٤٩) كَانَ من أعلم أهل زمانه بالفلسفة أو ما يسمى بالحكمة؛ وكان قد ولي قضاء مصر وكان ينشر هنالك فلسفته وعلم الأوائل -أي: علم اليونان - وأشهر كتاب كتبه الخونجي كشف الأسرار عن غوامض الأفكار كتبه في الفلسفة ويظن أنه كشف الأستار عن الأفكار الغامضة ووضحها وجلاها للناس، وعند الموت قَالَ: "ما عرفت مما حصلته شيئاً سوى أن الممكن يفتقر إِلَى المرجح" ثُمَّ استدرك عَلَى نفسه فقَالَ: "الافتقار وصف سلبي، أموت وما عرفت شيئاً " نعوذ بالله من علم لا ينفع.
والخسرو شاهي وابن أبي الحديد والخونجي كلهم متعاصرون في زمن واحد.
والخسرو شاهي كان من أجل تلامذة الفخر الرازي، والرازي له كتاب الآيات البينات وشمس الدين الخسرو شاهي له تلخيص الآيات البينات وهو أشعري شافعي.
وابن أبي الحديد شيعي رافضي ومع ذلك فإن له كتاب اسمه شرح الآيات البينات، فتستنتج أنه يشترك في الاقتباس من علوم الفخر الرازي فقد جمع الرازي في كتبه بين مذاهب الرافضة والأشعرية والفلسفة والجامع المشترك لهذه المذاهب الفلسفة.
ومما يذكر أن رجلاً يهودياً يسمى يوسف بن ميمون كان من كبار الفلاسفة في الأندلس، ألف كتاباً في صفات الله ينفى صفات الله ويقرر الإيمان بالله عَلَى طريقة الفلاسفة، واسم كتابه المقدمات الخمس والعشرون ذكر خمساً وعشرين مقدمة في ذلك الشأن.
стр. 877
واهتم تلاميذ الرازي والذين كَانَ منهمشمس الدين بهذا الكتاب، وأخذوا يشرحونه ويستدلون به، حتى جَاءَ الكوثري الذي كَانَ من آخر كبار علماء الضلال والمحرفين والمؤولين فاهتم أيضاً بنشر هذا الكتاب وهو مؤلف مستشرق يهودي كَانَ يعيش في مصر قبل قيام دولة إسرائيل اسمه اسرائيل وليفنستن، فاشتغل الكوثري بهذا الكتاب وقدم له وأثنى عليه، وهكذا تجد ميل أهل البدع من الأشعرية والرافضة إِلَى الفلسفة والفلاسفة ويجمعهم عَلَى ذلك التعلق بعلوم اليونان وإنكار صفات الله وعداوة مذهب السلف الصالح.
قَالَ المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
[ومن يصل إِلَى مثل هذه الحال إن لم يتداركه الله برحمته وإلا تزندق كما قال أبو يوسف ﵀: "من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب" وقال الشَّافِعِيّ ﵀: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويُقَالَ: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل عَلَى الكلام" وقَالَ: لقد اطلعت من أهل الكلام عَلَى شيء ما ظننت مسلماً يقوله، ولأن يُبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه - ما خلا الشرك بالله - خير له من أن يُبتلى بالكلام". انتهى.
стр. 878
وتجد أحد هَؤُلاءِ عند الموت يرجع إِلَى مذهب العجائز فيقر بما أقروا به ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك التي كَانَ يقطع بها، ثُمَّ تبين له فسادها أولم يتبين له صحتها، فيكونون في نهاياتهم - إذا سلموا من العذاب- بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب؛ والدواء النافع لمثل هذا المرض ما كَانَ طبيب القلوب صلوات الله وسلامه عليه يقوله: إذا قام من الليل يفتتح الصلاة (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إِلَى صراط مستقيم) خرَّجه مسلم]
توسل ﷺ إِلَى ربه بربوبية جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه إذ حياة القلب بالهداية، وقد وكلَّ الله -سبحانه- هَؤُلاءِ الثلاثة بالحياة: فجبريل موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وميكائيل بالقطر الذي هو سبب حياة الأبدان وسائر الحيوان، وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إِلَى أجسادها، فالتوسل إِلَى الله -سبحانه- بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير عظيم في حصول المطلوب، والله المستعان] اهـ.
الشرح:
يذكر المُصنِّفُ ﵀ أن من يصل إِلَى مثل هذه الحال إن لم يدركه الله برحمته وإلا تزندق، ومات عَلَى الزندقة، وبعض الزنادقة ما مرقوا من الدين وخرجوا منه إلا لما اشتغلوا أول أمرهم بعلم الكلام، ولذلك يقول الإمام أبو يوسف ﵀ وهو صاحب الإمام أبي حنيفة: "من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب".
стр. 879
وهذا الكلام المنقول عن أبى يوسف قد نقله المُصنِّفُ في أول الكتاب وأيضاً نقله في موضع آخر، فهو يستشهد به أكثر من مرة ﵀ لأنه من الكلام النفيس الذي يقوله هَؤُلاءِ العلماء، الشاهد أن علماء السلف كأبي يوسف والشَّافِعِيّ يقولون مثل هذا الكلام الذي يحمل الدرر، والذي إذا قرأه الإِنسَان أخذ منه العبرة والعظة.
وقد ذكرهما الحافظ ابن عساكر بسنده إِلَى كل منهما في كتاب تبيين كذب المفتري فيما نسب للإمام الأشعري صفحة (٣٣٣) و (٣٣٥) إلا أن الكلام الذي نُقل عن أبي يوسف نقل أيضاً عن الشعبي، ولكن الراجح أنه لأبي يوسف، وليس للشعبي لأن وفاة الشعبي متقدمة ولم يكن في عصره قد اشتهر علم الكلام، فالصحيح أنه لأبي يوسف.
ومعنى قوله: من طلب الدين بالكلام تزندق وذلك لأن علم الكلام يفضي إلي الشك والحيرة وهي الزندقة أو بابها ومن طلب المال بالكيمياء أفلس وكانوا يظنون أنه عن طريق الكيمياء يمكن تحويل المعادن الخسيسة إِلَى معادن نفيسة، وهذا عجزت عنه الكيمياء الحديثة، لأن الذهب لا يمكن أن يستخرج من الرصاص وإلا فالكيمياء الحديثة أقدر عَلَى ذلك ولو أمكن ذلك لما كَانَ هناك أزمة ذهب أو أزمة عملة صعبة كما يسمونها، لكن الذهب هو الذهب فطلبوا استخراج الذهب من غيره وفي هذا جهد ومشقة وضياع وقت وعمر.
والثالثة: من طلب غريب الحديث كذب، أي: أن الإِنسَان إذا أراد أن يجمع الحديث، واستكثر من غرائب الحديث اضطر إِلَى أن يكذب؛ لأن غريب الأسانيد أو غريب الألفاظ أو كلاهما أصبح مطلوباً، وهو ظاهر في المتأخرين أكثر منهم في المتقدمين، وهذه الثلاثة التي ذكرها أبو يوسف نتيجتها واحدة وهي الخسارة.
نقل ابن عساكر لكلام الشافعي
стр. 880
الرد عَلَى أهل الشبه في القديم والحديث في أي زمان ومكان إنما يكون بالكتاب والسنة أو بما دل عليه الكتاب والسنة ثُمَّ يقول: الشَّافِعِيّ ﵀: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل عَلَى الكلام.
فإن هذا من روائع كلام السلف نقله ابن عساكر في نفس الموضع تقريباً صفحة (٣٣٥) كأن قائلاً أو سائلاً قال للإمام الشَّافِعِيّ ﵀: ما رأيك في أهل الكلام، وبم تحكم عليهم؟ فذكر أن حكمه فيهم هو أنهم يزجرون ويردعون ويعزرون ويمنعون من الخوض في هذه العلوم، وهذه العقوبة إنما يستحقونها بناء عَلَى إعراضهم عن الكتاب والسنة واشتغالهم بعلم الكلام الذي يزعمون أنه لولا اشتغالهم به لما استطاعوا أن يدافعوا عن العقيدة ويذودون حياضها وذلك لما كثرت الشبهات، وكثرت الفتن أما السلف الصالح فلم يكونوا يشتغلون بذلك لقلة الشبهة في أيامهم!.
الرد على شبهة أهل الكلام
الرد عَلَى أهل الشبه في القديم والحديث في أي زمان ومكان إنما يكون بالكتاب والسنة أو بما دل عليه الكتاب والسنة ثُمَّ يقول الشَّافِعِيّ: " لقد اطلعت من علم أهل الكلام على شيء ما ظننت مسلماً يقوله" بل وصل الأمر بهم إِلَى إنكار جميع أسماء الله وصفاته ؛ بل وصل الأمر بالغلاة من الجهمية والقرامطة إِلَى أن يقولوا: لا نقول موجود ولا غير موجود، وهذا الكلام الذي يقوله فلاسفة اليونان C>.
وكان يقول أفلاطون: الله تَعَالَى كامل والكامل لا يفكر في الناقص فإذا قلنا: إن الله يعلم أحوال النَّاس أو يطلع عليها أو يراقبها أو يحصيها فنكون قد انتقصنا الله، وهذا لا يقوله إلا الزنديق المجوسي أو اليوناني المشرك الوثني.
следующие страницы →