وعرَّف صاحب المراقي الرخصة والعزيمة بقوله:
للعذر والرخصة حكمٌ غُيِّرا ... إلى سهولةٍ لعذر قُرِّرا
مع بقاء علة الأصلي ... وغيرها عزيمة النبي
وقد ذكر المؤلف ﵀ في هذا المبحث أنَّ إباحة التيمم إنْ كانت مع القدرة على استعمال الماء لمرضٍ أو لزيادة ثمنٍ سميت رخصة، وإن كانت مع العجز عنه كعدم الماء فلا تسمى رخصة؛ لأنّ سبب الحكم الأصلي وهو وجود الماء زائل هنا، فلا تكليف بمعجوز عنه. وهو ظاهر.
والأكثرون على أنَّ إباحة الميتة للمضطر رخصة وإنْ وجب عليه الأكل لإحياء نفسه، لأنَّ الرخصة قد تجبُ كما هنا، وسميت رخصة لما فيها من التسهيل عليه بالإذن في أكل الميتة، ولم يضيق عليه بإلزامه ترك الأكل منها حتى يموت. وقيل: من جهة التوسيع رخصة، ومن جهة وجوب الأكل عزيمة، والواحد بالشخص له جهتان كما تقدم.
وذكر المؤلف في هذا المبحث أيضًا ما خلاصتُه: أنَّ الصورة المخرجة من العموم بمخصص إن كانت توجد فيها علة الحكم العام تسمى رخصة، وإن كانت لا توجد فيها لا تسمى رخصة.
مثال ما وجدت فيه علة الحكم العام من صور التخصيص: مسألة بيع العرايا؛ لأنَّ بيع الرطب بالتمر اليابس فيها داخل في عموم أدلة النهي عن المزابنة، وعلة تحريم المزابنة التي هي عدم تحقق المماثلة الواجب تحققها في التمر بالتمر إجماعًا موجودة في الصورة المخرجة
стр. 72
من حكم العام بدليل خاص، وهي إباحة بيع العرايا المذكور.
ومثال ما لم توجد فيه علة العام: إباحة رجوع الأب فيما وهب لابنه، فإنه داخل في عموم المنع في حديث الواهب: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" ولكنه خرج بدليل خاص، وعلةُ المنع غيرُ موجودةٍ في الأب؛ لأنَّ الأبوة تجعل له من التسلط على ما تحت يد الولد ما لم يكن لغيره.
وناقش بعضُ العلماء في الفرق بينهما، وقال: لا فرق بين المسألتين.
* * *
стр. 73
باب أدلة الأحكام
قال المؤلف (١):
(الأدلةُ جمع دليل، وهو فعيل بمعنى فاعل، من الدَّلالة وهي فهم أمر من أمر، أو كون أمر بحيث يفهم منه أمرٌ فُهِمَ أو لم يُفْهَم، وهي مثلثة الدال والفتح أفصح، والدليل في اصطلاح أهل الأصول: هو ما يمكن التوصلُ بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري).
وعرَّفه في المراقي بقوله:
وما به للخبر الوصول ... بنظر صحَّ هو الدليل
والنظر في الاصطلاح: الفكرُ الموصل إلى علمٍ أو غلبةِ ظن.
وعرَّفه في المراقي بقوله:
والنظرُ الموصل من فكرٍ إلى ... ظنٍّ بحكم أو لعلمٍ مسجلا
والفكرُ في الاصطلاح: حركةُ النفس في المعقولات. أمَّا حركتُها في المحسوسات فتخييل.
قال المؤلف (٢) -رحمه اللَّه تعالى-:
(الأصول أربعة: كتابُ اللَّه، وسنة رسوله ﷺ ، والإجماع، ودليلُ العقلِ المبقي على النفي الأصلي.
стр. 74
واختلف في قول الصحابي، وشرع من قبلنا، وسنذكرُ ذلك إنْ شاء اللَّه).
كلامُه واضح.
واعلم أنَّ المؤلف ترك مسائل كثيرة يذكرها الأصوليون في كتاب الاستدلال، كتحكيم العرف، والقضاء بسد الذرائع إلى المحرَّمات، وفتحها إلى الواجبات، وغير ذلك.
قال المؤلف (١) ﵀:
(وأصل الأحكام كلها من اللَّه سبحانه، إذْ قولُ الرسول إخبارٌ عن اللَّه بكذا).
معنى كلامه ظاهر، وهو الحق، فالحلالُ ما أحلَّه اللَّه، والحرامُ ما حرَّمه اللَّه، والدين ما شرعه اللَّه، فالحكم له وحده جلَّ وعلا، كما قال: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر/ ١٢]، وقال ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام/ ٥٧]، [يوسف/ ٤٠، ٦٧]، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى/ ١٠]، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [النساء/ ٥٩]، ونحو ذلك من الآيات.
فكلُّ من يتبع تشريع غير اللَّه معتقدًا أن جَعْلَه عوضًا من تشريع اللَّه جائزٌ أو أفضل منه فهو كافر بإجماع المسلمين، وقد دلَّت على ذلك آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام/ ١٢١]
стр. 75
وقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس/ ٦٠]، ونحو ذلك من الآيات.
وقد دلَّ القرآنُ على أنَّ من يحكم غير شرع اللَّه، يتعجب من دعواه الإيمان، وإذا كان زعمه أنَّه مؤمنٌ مع تحكيم غير الشرع أمرًا يتعجب منه، دلَّ ذلك على أنَّ دعواه الإيمان دعوى كاذبة وبعيدة وعجيبة، وذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء/ ٦٠].
وقول المؤلف (١): (الإجماعُ يدلُّ على السنة. . .) إلى آخره، يأتي إيضاحه في الإجماع.
فصل
قال المؤلف (٢) -رحمه اللَّه تعالى-:
(و كتاب اللَّه سبحانه هو كلامه، وهو القرآن الذي نزل به جبريل ﵇ على النبي ﷺ . . .) إلى آخره.
اعلم أنَّ هذا القرآن المكتوب في المصاحف الذي أوله سورة الفاتحة وآخره سورة الناس، هو كلام اللَّه تعالى بألفاظه ومعانيه، كما صرَّح تعالى بأن هذا المسموع هو كلام اللَّه في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ
стр. 76
الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة/ ٦]، فصرَّح بأنَّ هذا الذي يسمعه هذا المشرك المستجير هو كلام اللَّه، فالكلام كلام الباري، والصوتُ صوت القاري.
وما يزعمه بعضُهم من تجريد كلامه جلَّ وعلا عن الحروف والألفاظ، وأنَّ التوراة هي القرآن والإنجيل، وأنَّ القرآن هو التوراة والإنجيل، وأنَّ الاختلاف إنما هو بحسب التعلق فقط، كلُّ ذلك باطل، ومخالف لما عليه أهل الحقِّ.
فالقرآن هو بألفاظه ومعانيه كلام اللَّه، ومن ادعى أنَّ تأليف لفظه من فعل مخلوف عبَّر عن تلك المعاني القائمة بالذات بعبارةٍ من نفسه، وأنَّ اللَّه خلق له علمًا بذلك، فعبرَّ عنه من تلقاء نفسه، فهذا من أبطل الباطل، ولو كان اللفظ لمخلوق لما جاز التعبد به، والتقرب إلى اللَّه بالصلاة به، ولجاز حمل المحدث له كسائر كلام المخلوقين، إلى غير ذلك.
فالحاصلُ أنَّ هذا القرآن المحفوظ في الصدور، المقروء بالألسنة، المكتوب في المصاحف، هو كلام اللَّه تعالى بألفاظه ومعانيه، تكلَّم به اللَّه تعالى فسمعه جبريل منه، وتكلم به جبريل فسمعه النبي ﷺ منه، وتكلَّم به النبي ﷺ فسمعته منه أمته وحفظته عنه، فالكلام كلام الباري والصوت صوت القاري، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة/ ٦].
وعرَّف القرآن في "المراقي" بقوله:
стр. 77
لفظٌ منزَّل على محمد ... لأجل الاعجاز وللتعبد
فصرَّح بأنَّ القرآن لفظ، أي مشتمل على تلك المعاني العظيمة، لا مجرد المعنى القائم بالذات المجرَّد عن الألفاظ والحروف.
والكتابُ هو القرآن بلا شكَّ، ومن ادَّعى أنَّه غيره كما نسبه المؤلف لقوم، فإنَّ مقصودهم بالتغاير تغاير المفهوم لا تغاير المصدوق، فإنَّ ما يصدق عليه القرآنُ هو ما يصدق عليه الكتاب، وهو هذا القرآن العظيم، وإنْ كان التغاير حاصلًا في مفهومهما، فإنَّ مفهوم الكتابة هو اتصاف هذا القرآن بأنه مكتوب، ومفهوم القرآن هو اتصافه بأنه مقروء، والكتابةُ غير القراءة بلا شك، ولكن ذلك الموصوف بأنه مكتوب هو بعينه الموصوف بأنَّه مقروء، فهو شيء واحد موصوف بصفتين مختلفتين، ومن هنا ظهر لك أن القرآن والكتاب واحد باعتبار المصدوق، وإن تغاير باعتبار المفهوم.
وكتابُ اللَّه هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا، ولا خلاف بين العلماء في قراءة السبعة: نافع المدني، وابن كثير المكي، وابن عامر الشامي، وأبي عمرو البصري، وعاصم وحمزة والكسائي الكوفيين، وكذلك على الصحيح قراءة الثلاثة: أبي جعفر، وخلف، ويعقوب.
قال في "المراقي":
مثل الثلاثة ورجح النظر ... تواترًا لها لدى من قد غبر
تواتر السبع عليه أجمعوا ... ولم يكن في الوحي حشو يقع
стр. 78
تنبيه:
اختلفَ العلماء في البسملة، هل هي آيةٌ من أولِ كلِّ سورةٍ، أو من الفاتحة فقط، أو ليست آية مطلقًا؟
أما قوله في سور النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل/ ٣٠] فهي آية من القرآن إجماعًا، وأمَّا سورة براءة فليست البسملة آية منها إجماعًا، واختُلف فيما سوى هذا.
فذكر بعض أهل الأصول أنَّ البسملة ليست من القرآن.
وقال قومٌ: هي منه في الفاتحة فقط.
وقيل: هي آية من أول كل سورة. وهو مذهب الشافعي رحمه اللَّه تعالى.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
ومن أحسن ما قيل في ذلك: الجمعُ بين الأقوال بأنَّ البسملة في بعض القراءات كقراءة ابن كثيرٍ آيةٌ من القرآن، وفي بعض القراءات ليست آية، ولا غرابة في هذا.
فقوله في سورة الحديد: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد/ ٢٤]، لفظة (هو) من القرآن في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي، وليست من القرآن في قراءة نافع وابن عامر؛ لأنهما قرآ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، وبعض المصاحف فيه لفظة (هو) وبعضُها ليست فيه، وقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ
стр. 79
عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة/ ١١٥ - ١١٦] فالواو من قوله: (وقالوا) في هذه الآية من القرآن، على قراءة السبعة غير ابن عامر، وهي في قراءة ابن عامر ليست من القرآن؛ لأنه قرأ: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ بغير واو وهي محذوفة في مصحف أهل الشام.
وقس على هذا، وبه تعرف أنه لا إشكال في كون البسملة آية في بعض الحروف دون بعض، وبذلك تتفق أقوال العلماء.
وأشار إلى هذا الجمع في "المراقي" بقوله:
وليس للقرآن تعزى البسملة ... وكونها منه الخلافي (١) نقله
وبعضهم إلى القراءة نظر ... وذاك للوفاق رأي معتبر
فصل
قال المؤلف (٢) ﵀:
(فأمَّا ما نقلَ نقلًا غير متواتر كقراءة ابن مسعود ﵁: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، فقد قال قوم: ليس بحجة، لأنه خطأ قطعًا. . .) إلى آخره.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل، أنَّ ما نُقِلَ آحادًا كقراءة (متتابعات) المذكورة لا يكون قرآنا، وهذا لا خلاف فيه، وهل يجوز
стр. 80
الاحتجاج به مع الجزم بأنَّه ليس قرآنًا؟
قال جمع من أهل الأصول: لا يجوز الاحتجاج به؛ لأنَّه رواه على أنه قرآن، فلمَّا بطل كونه قرآنًا بطل الاحتجاج به من أصله.
وقال قوم: يجوزُ الاحتجاج به كأخبار الآحاد؛ لأنَّه لا يخرج عن كونه مسموعًا من النبي ﷺ ومرويًّا عنه، وهذا هو اختيار المؤلف، وعليه فلا مانع من أخذ لزوم التتابع في صوم كفارة اليمين من قراءة ابن مسعود: (متتابعات)، وإن جزمنا أنها ليست من القرآن.
تنبيه:
الأشياء التي لابدَّ منها في ثبوتِ القرآن ثلاثة عند بعضهم، ونظمها ابنُ الجزري بقوله:
وكل ما وافق وجهًا نحوي ... وكان للرسم احتمالًا يحوي
وصح إسنادًا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان
والجمهور يشترطون فيه التواتر.
فصل
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(والقرآنُ يشتملُ على الحقيقة والمجاز، وهو اللفظ المستعمل في غير موضعه الأصلي على وجه يصح، كقوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ
стр. 81
مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء/ ٢٤]، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف/ ٨٢]، ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف/ ٧٧]، ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء/ ٤٣] و [المائدة/ ٦]، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى/ ٤٠]، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة/ ١٩٤]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب/ ٥٧] أي أولياء اللَّه، وذلك كله مجاز؛ لأنه استعمال اللفظ في غير موضعه، ومن منع فقد كابر، ومن سلَّم وقال: لا أسميه مجازًا فهو نزاع في عبارة لا فائدة في المشاحة فيه).
معنى كلامه واضحٌ ظاهر.
واعلم أنَّ ممن منع القول بالمجاز في القرآن ابنُ خويز منداد من المالكية، وأبا الحسن الخرزي البغدادي الحنبلي، وأبا عبد اللَّه بن حامد، وأبا الفضل التميمي، وداود بن علي، وابنه أبا بكر، ومنذر بن سعيد البلوطي وألف فيه مصنفًا، وقد بينَّا أدلة منعه في القرآن في رسالتنا المسماة "منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز".
ومن أوضح الأدلة في ذلك أنَّ جميع القائلين بالمجاز متفقون على أن من الفوارق بينه وبين الحقيقة أنَّ المجاز يجوز نفيه باعتبار الحقيقة، دون الحقيقة فلا يجوز نفيها، فتقول لمن قال: رأيت أسدًا على فرسه، هو ليس بأسد وإنَّما هو رجل شجاع، والقول في القرآن بالمجاز يلزم منه أن في القرآن ما يجوز نفيه، وهو باطل قطعًا، وبهذا الباطل توصَّل المعطِّلون إلى نفي صفات الكمال والجلال الثابتة للَّه تعالى في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، بدعوى أنَّها مجاز، كقولهم في ﴿اسْتَوَى﴾: استولى، وقس على ذلك غيره من نفيهم للصفات عن طريق المجاز.
стр. 82
أمَّا الآيات التي ذكرها المؤلف فلا يتعين في شيء منها أنَّه مجاز.
أما قولُه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء/ ٢٤] فليس المراد به أنَّ للذل جناحًا، وإنْ كان كلام العلَّامة ابن القيم ﵀ يقتضيه، وظنَّ أبو تمَّام أنه معنى الآية لَّما قيل له: صُبَّ في هذا الإناء من ماء الملام، يعني قوله:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... صَبٌّ قد استعذبتُ ماء بكائي
فقال: هات ريشة من جناح الذلِّ، حتى أصبَّ لك من ماء الملام.
بل المراد بالآية الكريمة كما يدلُّ عليه كلام جماعة أهل التفسير أنها من إضافة الموصوف إلى صفته، أي واخفض لهما جناحك الذليل لهما من الرحمة، ونظيره من كلام العرب قولهم: حاتم الجود، أي الموصوف بالجود، ووصفُ الجناح بالذلِّ مع أنَّه صفة الإنسان؛ لأنَّ البطش يَظْهَرُ برفع الجناح، والتواضع واللين يظهرُ بخفضه؛ فخفضُه كناية عن لين الجانب، كما قال:
وأنت الشهير بخفض الجناح ... فلا تك في رفعه أجدلا
ونظيره في القرآن: ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان/ ٤٠] و ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام/ ٩٣] أي المطر الموصوف بأنَّه يسوء من وقع عليه، والعذاب الموصوف بوقوع الهون على من نزل به.
وإضافة صفة الإنسان لبعض أجزائه أسلوب من أساليب اللغة العربية، كما قال هنا: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾، مع أن الذليل صاحب الجناح.
стр. 83
ونظيره قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ [العلق/ ١٦] والمراد صاحب الناصية التي هي مقدم شعر الرأس، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ [الغاشية/ ٢، ٣] مع أنَّ تلك الصفات لأصحاب الوجوه.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فيه حذفُ مضافٍ، وحذفُ المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أسلوبٌ من أساليب اللغة معروف، عقده في الخلاصة بقوله:
وما يلي المضاف يأتي خلفا ... عنه في الاعراب إذا ما حُذِفا
والمضافُ المحذوف مدلولٌ عليه بدلالة الاقتضاء، وهي عند جماهير الأصوليين دلالةُ التزام، وليست من المجاز عندهم، كما هو معروف في محلَّه.
وقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ لا مجاز فيه؛ إذْ لا مانع من حمل الإرادة في الآية على حقيقتها؛ لأنَّ للجمادات إرادات حقيقية يعلمها اللَّه جل وعلا، ونحن لا نعملها.
ويوضح ذلك حنين الجذع الذي كان يخطبُ عليه ﷺ لمَّا تحوَّل عنه إلى المنبر، وذلك الحنين ناشئ عن إرادة يعلمها اللَّه تعالى.
وقد ثبت في صحيح مسلم أنَّ النبي ﷺ قال: "إني لأعرف حجرًا كان يسلمُ عليَّ في مكة".
وسلامه عليه عن إرادة يعلمُها اللَّه، ونحن لا نعلمُها، كما صرَّح اللَّه تعالى بذلك في قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا
стр. 84
تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء/ ٤٤]، فصرَّح بأننا لا نفقهه، وأمثال ذلك كثيرة في الكتاب والسنة.
وكذلك لا مانع من كون الإرادة تطلق في اللغة على معناها المعروف، وعلى مقاربة الشيء والميل إليه، فيكون معنى إرادة الجدار: ميله إلى السقوط وقربه منه، وهذا أسلوب عربي معروف، ومنه قول الراعي:
في مَهْمَهٍ قَلِقَتْ به هاماتها ... قلق الفؤوس إذا أردن نُصولا
وقول الآخر:
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويعدل عن دماء بني عقيل
وكذلك قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ لا مجاز فيه، بل إطلاق اسم المحل على الحالِّ فيه وعكسه كلاهما أسلوب معروف من أساليب اللغة العربية، وكلاهما حقيقة في محله، كما أقروا بنظيره في أن نسخ العرف للحقيقة اللغوية لا يمنع من إطلاق اسم الحقيقة عليه، فيسمونه حقيقة عرفية.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ الآية، لا مجاز فيه، وبذلك اعترف أكثر علماء البلاغة، حيث عدُّوا هذا النوع من البديع وسموه باسم المشاكلة، ومعلوم أن المجاز من فن البيان لا من فن البديع، فأكثرهم قالوا: إنَّ المشاكلة من البديع، كقوله:
قالوا اقترح شيئًا نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصًا
стр. 85
والحق أنَّ هذا أسلوب من أساليب اللغة، ومنه الآيتان، نعم زعم قوم من علماء البلاغة أن المشاكلة من علاقات المجاز المرسل، فسموا ما استعمل في غير معناه عندهم للمشاكلة مجازًا.
وأما تفسيره ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ بقوله: يؤذون أولياءه، فليس بصحيح، بل معنى إيذائهم اللَّه كفرهم به وجعلهم له الأولاد والشركاء وتكذيبهم رسله، ويوضح ذلك حديث "ليس أحد أصبر على أذى يسمعه من اللَّه، إنهم يدعون له ولدًا، وإنه ليعافيهم ويرزقهم".
وأكثر المتأخرين على أنَّ في الآيات التي ذكرها المؤلف مجازًا، كما هو معروف، وقد بينا منع القول بالمجاز في القرآن في رسالتنا التي ألفناها في ذلك.
وقول المؤلف (١) في تعريف المجاز: (وهو اللفظ المستعملُ في غير موضعه الأصلي على وجه يصح).
يعني بقوله: (على وجه يصح) أنْ تكون هناك علاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، وأن تكون ثَمَّ -أيضًا- قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي.
وتعريفه للمجاز لا يدخل فيه إلا اثنان من أنواع المجاز الأربعة، وهما: المجاز المفرد، وهو عندهم الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي، والعلاقة
стр. 86
إن كانت المشابهة: "كقولك رأيت أسدًا يرمي" سُمِّي هذا النوعُ من المجاز استعارة، وحدُّ الاستعارة: مجاز علاقته المشابهة، وإن كانت علاقته غير المشابهة كالسببية والمسببية، ونحو ذلك، سمي مجازًا مفردًا مرسلًا، كقول الشاعر:
أكلتُ دمًا إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
أطلق الدمَ وأراد الدية مجازا مرسلًا علاقته السببية؛ لأن الدية المعبر عنها بالدم سببها الدم وهي مسبب له.
الثاني من النوعين اللذين دخلا في كلامه: المجاز المركب، وضابطه: أن يستعمل كلام مفيد في معنى كلام مفيد آخر، لعلاقة بينهما، ولا نظر فيه إلى المفردات، فقد تكون حقائق لغوية، وقد تكون مجازات مفردة، وقد يكون بعضها مجازًا وبعضها حقيقة، وعلاقته إن كانت المشابهة فهو استعارة تمثيلية، ومنها جميع الأمثال السائرة، والمثل يحكي بلفظه الأول، ومثالُه قولك لمن فرط في أمر وقت إمكان فرصته، ثم بعد أن فات إمكان فرصته جاء يطلبه: (الصيف ضيعتِ اللبن).
وأصل المثل أن امرأة من تميم خطبها رجلان أحدهما كبير في السن وله مواشي كثيرة، والثاني شاب وماشيته قليلة، واختارت الشاب وكانت الخطبة زمن الصيف، ثم طلبت بعد ذلك من الكبير الذي ردت خطبته لبنًا فقال لها: (الصيف ضيَّعتِ اللبن).
وهذا الاستعمال لعلاقة المشابهة بين مجموع الصورتين، وإنْ
стр. 87
كانت علاقته غير المشابهة سمي مجازًا مركبًا مرسلًا كقوله:
هواي مع الركب اليمانين مصعدٌ ... جنيبٌ وجثماني بمكة مُوثَقُ
فالبيت كلام خبريٌّ أريد به إنشاءُ التحسر والتأسف؛ لأنَّ ما أخبر به عن نفسه هو سبب التحسر والتأسف، وهو مجازٌ مركب مرسل، علاقتُه السببية؛ لأنَّه لم يقصد بهذا الخبر فائدة الخبر، ولا لازم فائدته.
والنوعان اللذان لم يدخلا في كلامه هما: المجاز العقليُّ ومجاز النقص والزيادة.
أمَّا المجازُ العقلي عندهم فالتجوزُ فيه في الإسناد خاصة، لا في لفظ المسند إليه ولا المسند، وسواء فيه كانا حقيقتين لغويتين، أو مجازين مفردين، أو أحدهما حقيقة والثاني مجازًا؛ لأنَّ التجوز فيه في خصوص الإسناد، كقول المؤمن: (أنبت الربيعُ البقلَ) فالربيع وإنبات البقل كلاهما مستعمل في حقيقته، والتجوز إنَّما هو في إسناد الإنبات إلى الربيع، وهو للَّه جلَّ وعلا عند المتكلم، وكذلك هو في الواقع.
وأنكر المجاز العقلي السكاكيُّ وردَّه إلى الاستعارة المكنية.
وأمَّا مجازُ النقص والزيادة فمداره عندهم على وجود زيادة أو نقص يُغيِّران الإعراب.
ومثال النقص -عندهم-: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف/ ٨٢]. وهذا المثال ذكره المؤلف مع أنه لم يدخل في تعريفه للمجاز؛ لأنَّ جميع ألفاظه مستعملة فيما وضعت له، والتجوز من جهة الحذف المغيِّر للإعراب.
стр. 88
ومثالُ مجاز الزيادة -عندهم-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى/ ١١].
وقد بينَّا أنَّه لا ينبغي للمسلم أنْ يقول: إنَّ في كتاب اللَّه مجازًا.
والتحقيق أنَّ اللغة العربية لا مجاز فيها، وإنَّما هي أساليبُ عربيةٌ تكلَّمت بجميعها العرب، ولو كَلَّفنا من قال بالوضع للمعنى الحقيقي أولًا ثم للمعنى المجازي ثانيًا بالدليل على ذلك، لعجز عن إثبات ذلك عجزًا لا شك فيه.
قال المؤلف (١) ﵀:
(قال القاضي: ليس في القرآن لفظ بغير العربية. . .) إلى آخره.
خلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل أنَّ العلماء اختلفوا هل في القرآن ألفاظ أصلها أعجمية ولكن عُرِّبَتْ، أو كله عربي؟
فحجةُ من قال: كلُّه عربيٌّ الآياتُ الدالة على ذلك، كقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف/ ٣]، وقوله: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل/ ١٠٣]، وقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت/ ٤٤]، ونحو ذلك من الآيات.
وحجة من قال: فيه عجمي معرَّب، ادعاؤه الوقوع، قال: كـ ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل/ ٦] أصلها حبشية، و ﴿مِشْكَاةٍ﴾ [النور/ ٣٥] أصلها هندية، و ﴿إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف/ ٣١] أصلها فارسية.
стр. 89
وقال: هذا الوقوع لا يُعارض الآيات المذكورة؛ لأنَّ اشتمال القرآن الكريم على كلمات قليلة أعجمية لا يخرجه عن كونه عربيًا، أو لأن العرب لما نطقت به وعرَّبته صار عربيًا.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
أظهر القولين عندي ما اختاره بعض أهل العلم، كابن جرير، من أن القرآن ليس فيه لفظ من غير العربية، وأن بعض كلماته في النادر لا مانع منه.
والدليلُ على هذا القول أنَّ دعوى أن أصله عجمي ثم عُرِّبَ معارضةٌ بمثلها، وهو إمكان كون أصله عربيًا ثم عُجِّمَ في اللغات الأخرى.
تنبيه:
أمَّا الأعلام الأعجمية فهي في القرآن بلا خلاف؛ لأنَّ العَلَم يحكى بلفظه في جميع اللغات.
المحكم والمتشابه
قال المؤلف (١) ﵀:
(وفي كتاب اللَّه محكم ومتشابه. . .) إلى آخره.
اعلم أن بعض الآيات دلَّ على كون القرآن كلِّه محكمًا، كقوله
стр. 90
تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود/ ١] وغيرها من الآيات.
وبعضها دلَّ على كونه كلّه متشابهًا، وهو قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ الآية [الزمر/ ٢٣].
وبعضها دلَّ على أنَّ منه محكمًا ومنه متشابهًا، وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران / ٧].
ولا معارضة بين الآيات؛ لأنَّ معنى كونه كلِّه محكمًا هو اتصاف جميعه بالإحكام الذي هو الأتقان، لأنَّ جميعه في غاية الإتقان في ألفاظه ومعانيه، أحكامه عدل، وأخباره صدق، وهو في غاية الفصاحة والإعجاز والسلامة من جميع العيوب.
ومعنى كونه كله متشابهًا أنَّ آياته يشبه بعضها بعضًا في الإعجاز والصدق والعدل والسلامة من جميع العيوب.
ومعنى أنَّ منه آيات محكمات وأخر متشابهات، اختلف فيه اختلافًا مبنيًا على الاختلاف في معنى الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران/ ٣]. فمن قال إن الواو استئنافية، والراسخون مبتدأ خبره جملة: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ والوقف تام على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ فإنه يُفسِّر المتشابه بأنه ما استأثر اللَّه بعلمه. وعلى هذا القول أكثر أهل العلم.
وعليه درج صاحب "المراقي" بقوله:
وما به استأثر علمُ الخالق ... فذا تشابهٌ عليه أطلقِ
стр. 91
وهو على هذا القول واضحٌ، لأنَّ الضمير في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ راجع إلى ما تشابه منه، وهو بعينه المتشابه.
ومن قال بأنَّ الواو عاطفة، فإنَّه فسر المتشابه بما يعلمه الراسخون في العلم دون غيرهم، كالآيات التي ظاهرها التعارض، وهي غير متعارضة في نفس الأمر، كقوله: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص/ ٧٨] وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن/ ٣٩] مع قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر/ ٩٢] وقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف/ ٦]، ونحو ذلك من الآيات.
وقول من قال: إن المتشابه القصص والأمثال، فسَّر المتشابه بما يشبه بعضه بعضًا؛ لأنَّ قصص الأمم الماضية يشبه بعضه بعضًا، وكذلك الأمثال.
ورجح المؤلف ﵀ أنَّ المتشابه ما استأثر اللَّه بعلمه، وأن الوقف تام على قوله ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، أي وما يعلم تأويله إلا اللَّه وحده، بقرائن في الآية:
فمن القرائن المعنوية اللفظية: أنَّه لو أراد عطف الراسخين لقال: "ويقولون" بالواو.
ومن القرائن المعنوية: أنه ذم مبتغي التأويل، ولو كان ذلك معلومًا للراسخين لكان مبتغيه ممدوحًا لا مذمومًا، ولأن قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه،
стр. 92
لا سيما إذا أتبعوه بقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فذكرهم ربهم هنا يعطي الثقة به والتسليم لأمره، وأنه من عنده كالمحكم، ولأن لفظة (أما) في قوله ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ لتفصيل الجمل، فذكره لها في الذين في قلوبهم زيغ مع وصفه إياهم باتباع المتشابه وابتغاء تأويله، يدلُّ على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة وهم الراسخون، ولو كانوا يعلمون تأويله لم يُخالفوا القسم الأول بابتغاء التأويل.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
مراده أنَّ قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ الآية، يفهم منه ما مضمونه: وأمَّا الراسخون في العلم فلا يتبعون ما تشابه منه، ولا يبتغون تأويله.
وقول المولف (١) ﵀ في هذا المبحث: (والصحيح أنَّ المتشابه ما ورد في صفات اللَّه ممَّا يجب الإيمان به، ويحرم التعرضُ لتأويله، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾. . .) إلى آخره = لا يخلو من نظر؛ لأنَّ آيات الصفات لا يُطلق عليها اسم المتشابه بهذا المعنى من غير تفصيل، لأن معناها معلوم في اللغة العربية وليس متشابهًا، ولكن كيفية اتصافه جل وعلا بها ليست معلومة للخلق.
وإذا فسرنا المتشابه بأنه هو ما استأثر اللَّه بعلمه دون خلقه، كانت كيفية الاتصاف داخلة فيه لا نفس الصفة.
стр. 93
وإيضاحه: أنَّ (استوى) إذا عُدِّيَ بِـ (على) معناه في لغة العرب: الارتفاع والاعتدال، ولكن كيفية اتصافه جلَّ وعلا بهذا المعنى المعروف عند العرب لا يعلمها إلا اللَّه جلَّ وعلا، كما أوضح هذا التفصيل إمام دار الهجرة مالك بن أنس تغمَّده اللَّه برحمته، بقوله: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول".
فقوله ﵀: "الاستواءُ غيرُ مجهول"، يوضحُ أنَّ أصل صفة الاستواء ليست من المتشابه، وقوله: "والكيف غير معقول" يبين أنَّ كيفية الاتصاف تدخل في المتشابه، بناءً على تفسيره بما استأثر اللَّه تعالى بعلمه، كما تقدم.
وهذا التفصيل لابدَّ منه، خلافًا لظاهر كلام المؤلف ﵀.
وقد بسطنا الكلام بإيضاح هذه المسألة في كتابنا "أضواء البيان" في أول سورة آل عمران. والعلم عند اللَّه تعالى.
فإنْ قيل: إنْ فسرنا المتشابه بأنه ما استأثر اللَّه بعلمه، فما الحكمة في خطاب الخلق بما لا يفهمونه؟
فالجواب: أن اللَّه تعالى يمتحن خلقه بما شاء، فلا مانع من أن يكلفهم الإيمان بما لا يعلمون معناه امتحانًا وابتلاء لهم.
ويدل لهذا الوجه ما ذكر تعالى عن الراسخين في العلم من قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، فإنهم آمنوا به لأنهم علموا أنَّه من عند ربهم كالمحكم. واللَّه تعالى أعلم.
* * *
стр. 94
قال المؤلف (١) -رحمه للَّه تعالى-:
(باب النسخ
النسخُ في اللغة: الرفع والإزالة، ومنه: نسخت الشمسُ الظلَّ، ونسخت الريح الأثر. وقد يطلقُ لإرادة ما يشبه النقلَ، كقولهم: نسختُ الكتابَ).
معنى كلامه ظاهر، وقولُه: "ما يشبه النقلَ" عبَّر بأنَّه يشبهه لأنَّه ليس نقلًا حقيقيًّا؛ لأنَّ ما في الكتابِ المنقولِ منه لم يُنقل بالكلية، وإنما نقلت صورته منه في الكتابِ الثاني.
واعلم أنَّ النسخَ جاءَ في القرآن العظيم لثلاثة معاني، وجاء بمعناه اللغويِّ، وهو الرفع والإبطال من غير تعويض شيءٍ عن المنسوخ، وهذا في قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج/ ٥٢].
وجاءَ بمعناه الشرعي، وهو رفع حكم شرعيٍّ بخطابٍ جديد، وذلك في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة/ ١٠٦].
وجاء بمعنى نسخ الكتاب، أي كتابته، كقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ [الجاثية/ ٢٩]، وقوله: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف/ ١٥٤].
стр. 95
قال المؤلف (١) ﵀:
(فأمَّا النسخُ في الشرع فهو بمعنى الرفع والإزالة لا غير. وحدُّه: رفعُ الحكم الثابتِ بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه.
ومعنى الرفع: إزالة الحكم على وجه لولاه لبقي ثابتًا).
وقولُه: (بخطاب متقدم) متعلقُ بالثابت، يعني أنَّه ثابتٌ بخطابٍ شرعي متقدم لا بالبراءة الأصلية.
وقولُه: (بخطاب متراخ عنه) متعلق برفع الحكم، يعني أنه مرفوع بخطابٍ متراخٍ عنه لا متصل به.
وإيضاحُ تقريره: أنَّ النسخَ هو أنْ يرفعَ حكمٌ ثابتٌ بخطابٍ متراخٍ حكمًا ثابتًا بخطابٍ متقدم.
واحترز بقوله: (رفع الحكم) عمَّا لم يرفع أصلًا، كالأحكام التي لم يدخلها نسخ.
واحترز بقوله: (بخطابٍ متقدم) عمَّا كانَ ثابتًا بالبراءة الأصلية، كعدمِ حرمة الرِّبا، وعدمِ وجوب الصيامِ والصلاة، فإنَّ رفعه ليس بنسخ؛ لأنَّه كان ثابتًا بالبراءة الأصلَيةِ، لا بخطابٍ شرعي.
واحترز بـ (خطاب ثانٍ) عن زوال الحكمِ بالجنونِ ونحوه، فليس بنسخ؛ لأنَّه لم يُرفعْ بخَطابٍ ثانٍ.
стр. 96
واحترز بتراخيه عن المتصلِ بالخطاب الأول، فإنَّه تخصيصٌ له وبيان، لا نسخٌ له، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران/ ٩٧] فإنَّ بدل البعض من الكلَّ فيه رفعُ حكمِ وجوبِ الحجِّ عن غير المستطيع ولكنه متصل به، فليس نسخًا، لأنَّه لم يتراخ عنه.
وكقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور/ ٣٣] فرفعُ حكم الأمرِ بالكتابةِ في حقِّ مَنْ لَم يُعْلَمْ فيه خيرٌ، المفهوم من الشرط، ليس نسخًا لأنه متصلٌ به، وستأتي إن شاء للَّه أمثلةٌ كثيرةٌ لهذا في مبحثِ المخصصاتِ المتصلة.
قال المؤلف (١) -رحمه للَّه تعالى-:
(وقال قومٌ: إنَّ النسخ كشفُ مدة العبادة بخطاب ثان. . .) إلى آخره.
حاصلُ هذا القول الأخير أنَّ النسخِ بيان لانقضاء زمن الحكم الأول؛ لأن ظاهر الخطاب الأول أَنَّ الحكمَ مؤبدٌ، والناسخ قد دَلَّ على انتهاءِ زمنه.
وأشارَ إلى القولين في "المراقي" بقوله في تعريفِ النسخ:
رفع لحكم أو بيانُ الزمن ... بمحكم القرآن أو بالسنن
وعلى هذا القول الثاني فالنسخ يرجع إلى التخصيص في الأزمان،
стр. 97
وهو معترض؛ لأنَّه لا يشمَلُ النسخَ قبل التمكن من الفعل.
واعلم أنَّ حدَّ المعتزلةِ للنسخ الذي ذكره المؤلف باطل، فلا حاجة له.
وما أوردَ من الاعتراضاتِ على حدِّ النسخِ الذي ذكرنا بأنه رفع الحكم، كلُّه ساقطٌ، والحدُّ صحيح.
واعلم أنَّ النسخَ لا يلزمُه البداء الذي هو الرأي المتجدد، لأنَّ اللَّه يشرع الحكم الأولَ وهو يعلمُ أنه سينسخه في الوقتِ الذي تزول مصلحتُه فيه وتصير المصلحةُ في الناسِخ، فإذا جاءَ ذلك الوقتُ نَسخَ الحكم الأول وعوَّضَ منه الحكمَ الناسخ على وَفْقِ ما سبقَ في علمه أنَّه سيفعله، كما أنَّ المرض بعد الصحة، وعكسه، والموتَ بعد الحياة، وعكسه، والفقر بعد الغنى، وعكسه، ونحو ذلك، ليس فيه بداءٌ؛ لسبقِ علمه تعالى بأنَّه سيفعل ذلك في وقته، كما هو ظاهر.
قال المؤلف (١):
(فإن قيل: فما الفرق بين النسخ والتخصيص . . .) إلى آخره.
اعلم أنَّ السلف يطلقون اسم النسخ على ما يطلقه عليه الأصوليون، وعلى التخصيص والتقييد، فالجميع يسمونه نسخًا كما نبَّه عليه غير واحد.
وأمَّا الأصوليون فلا يطلقون النسخ على التخصيص، ولا
стр. 98
التخصيص على النسخ، وحد النسخ عندهم هو ما تقدَّم.
وحدُّ التخصيص في اصطلاحهم هو: قصر العام على بعض أفراده بدليل يقتضي ذلك، كما سيأتي إن شاء اللَّه.
وبتعريف كل منهما يظهر الفرق، وذكر المؤلف الفرق بينهما من سبعة أوجه:
الأول: أنَّ التخصيص بيان أنَّ المخصوص غير مراد باللفظ، والنسخ يخرج ما أريد باللفظ الدلالة عليه.
وإيضاحه: أنَّ مثل قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [العنكبوت/ ١٤] ظاهره أنَّها ألف كاملة، لكن قوله: ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ بين أنَّ هذه الخمسين غير مراد دخولها في الألف، وأن المراد بالألف تسعمائة وخمسون، بدليل قوله: ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾، وهذا المثال بناء على أن الاستثناء بِـ "إلَّا" ونحوها من العدد تخصيص، وهو قول الأكثر، كما أشار إليه في "المراقي" بقوله:
وعدد مع كـ "إلا" قد وجب ... له الخصوص عند جلَّ من ذهب
بخلاف النسخ، فالذي يرفعه الناسخ كان قبل النسخ مقصودًا دخولُه في معنى اللفظ وفي الحكم، كما هو واضح.
الثاني: أنَّ النسخ يشترط تراخيه كما تقدم، بخلاف التخصيص فإنه يجوز اقترانه، وربما لزم، كالتخصيص بالشرط والصفة والغاية والاستثناء وبدل البعض من الكل، كما يأتي إيضاحه إن شاء اللَّه تعالى في مبحث المخصِّصات.
стр. 99
الثالث: أنَّ النسخ يدخل في الشيء الواحد، كنسخ استقبال بيت المقدس ببيت اللَّه الحرام، فالمنسوخ شيء واحد، بخلاف التخصيص فلا يدخل إلا في عام له أفراد متعددة يخرج بعضها بالمخصِّص، ويبقى بعضها الآخر.
الرابع: أنَّ النسخ لا يكون إلا بخطاب جديد، والتخصيص قد يقع بغير خطاب، كالتخصيص بالقياس وبالعقل وبالعرف المقارن للخطاب، وغير ذلك كما سيأتي إيضاحُه في مبحث المخصِّصات المنفصلة.
الخامس: أنَّ النسخ لا يدخل الأخبار، وإنما هو في الإنشاء فقط، بخلاف التخصيص فإنَّه يكون في الإنشاء وفي الخبر.
السادس: أنَّ النسخ لا يبقى معه دلالة اللفظ على ما تحته، والتخصيص لا ينتفي معه ذلك.
إيضاحه: أنَّ مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة/ ٢٤٠] لمَّا نُسِخَ بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة/ ٢٣٤] لم تبق دلالةُ الآية الأولى على الحول في العدَّة مقصودة في المستقبل بعد ورود الناسخ بخلاف التخصيص.
وسيأتي أن التحقيق عند متأخري الأصوليين أنَّ العام المخصوص يراد فيه شمول جميع الأفراد من حيث تناول اللفظ لها، دون الحكم لها، لوجود المخصص، أمَّا العام المراد به الخصوص، فالأفراد
стр. 100
الخارجة بالمخصص لم ترد فيه تناولًا ولا حكمًا، كما يأتي إيضاحه إن شاء اللَّه تعالى.
السابع: أنَّ المتواتر لا يُنسخ بالآحاد بخلاف التخصيص، فإنَّ المتواتر يخصَّص بالآحاد، لأنَّ النسخ رفع والتخصيص بيان، فقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء/ ٢٤] متواتر، خُصِّصَ عمومه بحديث "لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها" وهو آحاد.
وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء/ ١١] خُصِّص بقوله: "إنا معاشر الأنبباء لا نورث" الحديث، وهو آحاد.
وأمثلته كثيرة، وسيأتي في مبحث التخصيص كثير منها إن شاء اللَّه تعالى.
وأشارَ في "المراقى" إلى جواز بيان المتواتر بالآحاد، وبيان المنطوق بالمفهوم بقوله:
وبين القاصر من حيث السند ... أو الدلالة على ما يعتمد
تنبيه:
اعلم أنَّ التخصيص إن لم يرد فيه المخصِّص -بالكسر- إلا بعد العمل بالعام، والتقييد إن لم يرد فيه المقيِّد -بالكسر- إلا بعد العمل بالمطلق، فكلاهما حينئذ نسخ، ولا يجوز أن يكون تخصيصًا وتقييدًا؛ لأنَّ التخصيص والتقييد بيان، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت العمل، فلمَّا تأخر عن وقته تعين كونه نسخًا، وأشار إلى ذلك في "المراقي" في الأول بقوله:
стр. 101
وإن أتى ما خَصَّ بعد العملِ ... نَسَخَ والغيرُ مخصِّصًا جلي
وفي الثاني بقوله:
وإن يكن تأخر المقيد ... عن عمل فالنسخ فيه يعهد
قال المؤلف (١) ﵀:
(فصل
وقد أنكر قوم النسخ، وهو فاسد. . .) إلى آخره.
لا شكَّ أنَّ إنكار النَّسخ فاسد، وأن النسخ جائز عقلًا، كما قدمنا أنَّه لا يلزمُه البداء، وواقع شرعًا، والدليل قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة/ ١٠٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل/ ١٠١].
وإنكار أبي مسلم الأصفهاني له معناه أنَّه يميل إلى أنَّه تخصيص في الزمن، لا رافع للحكم، كما تقدمت الإشارة إليه.
قال المؤلف (٢):
(فصل
يجوز نسخ تلاوة الآية دون حكمها، ونسخُ حكمها دون تلاوتها، ونسخهما معًا).
стр. 102
معنى كلامه ظاهر.
ومثال نسخ التلاوة دون الحكم: نسخ تلاوة آية الرجم وبقاء حكمها، وهي قوله تعالى: ﴿والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من اللَّه واللَّه عزيز حكيم﴾ قيل: كانت هذه الآية من براءة، وقيل: من الأحزاب.
ومنه: نسخ تلاوة آية (خمس رضعات) عند الشافعي ومن وافقه.
ومثال نسخ الحكم دون التلاوة: آية العدة المذكورة آنفًا. وهو أغلب ما في القرآن من النسخ.
ومثال نسخهما معًا: نسخ آية (عشر رضعات)، فقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ "كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول اللَّه ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن".
تنبيه:
يتوجه على هذا الذي ذكر في هذا البحث ثلاثة أسئلة:
الأول: أن يقال: كيف ساغ نسخ الحكم دون التلاوة مع أن التلاوة دليل الحكم، فكيف يرفع المدلولُ مع بقاء دليله؛ لأنَّ هذا يلزمه الدليل بلا مدلولى وهو محال، إذ لا تعقل الدلالة بدون مدلول؟
الثاني: أن يقال: تقدَّم في حد النسخ أنه رفع الحكم. . . إلى آخره، فكيف يدخل نسخ التلاوة مع بقاء الحكم؛ لأنَّ الحكم فيه لم يرفع؟
стр. 103
الثالث: أن يقال: ما حكمة نسخ اللفظ مع أنه إنما نزل ليُتلى ويُثاب عليه، فكيف يرفع، إذ رفعه يقتضي انتفاء حكمته؟
الجواب عن السؤال الأول: هو أنا لا نُسَلِّمُ كون اللفظ دليلًا على الحكم بعد نسخ الحكم، بل هو إنَّما يكون دليلًا عليه عند انفكاكه عمَّا يرفع حكمه، فإذا جاء الخطاب الناسخُ لحكمه زالت دلالته على الحكم بالكلية، كما قدمنا في الفوارق بين النسخ والتخصيص.
وإيضاحه: أن الحكم الشرعي المنسوخ مع بقاء اللفظ الدال عليه سابقًا، وتلاوة ذلك اللفظ، وكتابته في القرآن، وانعقاد الصلاة به، كلها أحكامٌ شرعية مع أحكام ذلك اللفظ، وكل حكم شرعي فهو قابل للنسخ.
قال في "المراقي":
وكل حكم قابل له وفي ... نفي الوقوع لاتفاق قد قفي
وإذا عرفت ذلك عرفت أنه لا مانع من نسخ بعض أحكام اللفظ كالتحريم، والوجوب المفهوم منه، مع بقاء أحكام أخر من أحكامه لم تنسخ، كالتعبد به وإجزائه في الصلاة ونحو ذلك.
فآية الاعتداد بحولٍ -مثلًا- نُسِخَ ما دلَّت عليه من إيجاب تربص الحول على المتوفى عنها، وبقيتْ أحكام أخر من أحكامها لم تنسخ، وهي قراءتها في الصلاة، وكتابتها مع القرآن في المصحف. وهو واضح كما ترى.
والجواب عن السؤال الثاني: هو أنَّ نسخ التلاوة فقط معناه نسخُ
стр. 104
التعبد بلفظه والصلاة به وكتبه مع القرآن في المصحف، وهذه أحكام من أحكامه، فلا مانع من نسخها مع بقاء حكم آخر لم ينسخ، وهو ما دل عليه اللفظ، فآية الرجم -مثلًا- لا مانع من نسخ التعبد بها والصلاة بها، وكتبها في المصحف، مع بقاء حكم آخر من أحكامها لم ينسخ، وهو رجم الزانيين المحصنين، كما تقدَّم مثله.
فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قولهم: هذا منسوخ تلاوة لا حكمًا؛ لأنَّه يفهم منه أن نسخ التلاوة منافٍ لنسخ الحكم؟
فالجواب: أنَّ الحكم المنفي عنه النسخ في قولهم (لا حكمًا) غير الحكم المثبت له النسخ بنسخ التلاوة؛ لأنَّها أحكام قد نسخ بعضها دون بعض كما تقدم قريبًا.
والجواب عن السؤال الثالث: هو أنه لا مانع من أن يكون أصل المقصود من المنسوخ تلاوة لا حكمًا إنَّما هو الحكم دون التلاوة، لكنه أنزل على رسول اللَّه ﷺ بلفظ معين ليثبت به الحكم وليستقر، والحال أنه هو المقصود فلا مانع من نسخ اللفظ؛ لأن المقصود هو مجرد الحكم.
فإن قيل: فإن جاز نسخ التلاوة فلينسخ الحكمُ معها، لأنَّ الحكم تبع للتلاوة، فكيف يبقى الفرع مع نسخ الأصل؟
فالجواب: أن التلاوة حكم، وانعقاد الصلاة بها حكم آخر، ودلالتها على ما دلَّتْ عليه حكم آخر، فلا يلزم من نسخ التعبد بها وعدم الصلاة بها نسخ حكمها الذي دلَّت عليه، فكم من دليل لا يتلى ولا
стр. 105
تنعقد به صلاة، والآية المنسوخة تلاوتها مع بقاء حكمها دليل لنزولها وورودها، لا لكونها متلوةً في القرآن، والنسخ لا يرفعُ ورودها ونزولها، ولا يجعلها كانها غير واردة، بل يلحقها بالوارد الذي لا يتلى.
قال المؤلف (١):
(فصل
يجوزُ نسخُ الأمر قبل التمكن من الامتثال. . .) إلى آخره.
حاصلُ إيضاح هذا البحث باختصار أنَّ التحقيق هو جواز وقوع نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال.
فإن قيل: فما حكمة الأمر الأول إذا كان ينسخُ قبل التمكن من الفعل؟
فالجواب: أنَّ الحكمة في الأمر الأول هي الابتلاء، هل يتهيأُ للامتثالِ ويظهر الطاعة فيما أُمر به، أو لا؟
ودليلُ هذين الأمرين قصة أمر إبراهيم ﵇ بذبح ابنه، فإنَّه نُسِخَ عنه ذبحُه قبل التمكن من فعله، وبيَّن اللَّه تعالى أنَّ الحكمة في ذلك هي ابتلاؤه، هل يتهيأ لذبح ولده، فتهيَّأ لذلك وتلَّه للجبين، ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات/ ١٠٦، ١٠٧].
стр. 106
وهذا واضح، كما ترى.
وأقوال من منع هذا وحججهم ظاهرة البطلان، فلا نطيل الكلام بها.
تنبيه:
منشأ الخلاف في هذه المسألة هو: هل حكمةُ التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء، وهو الحقُّ، أو هي الامتثالُ فقط، وهو قول القدرية؟ فعلى أن الحكمة مترددة بينهما فالمنسوخ بعد الفعل حكمته الامتثال، وقد امتثل بالفعل قبل النسخ، والمنسوخ قبل التمكن من الفعل حكمتُه الابتلاء، وقد حصل قبل النسخ.
وإلى هذا أشار في "المراقي" بقوله:
للامتثال كلَّف الرقيبُ ... فموجبٌ تمكنًا مصيبُ
أو بينه والابتلا تردَّدا ... شرط تمكنٍ عليه انفقدا
وأشار إلى المسألة التي نحن بصددها بقوله:
والنسخ من قبل وقوع الفعل ... جاء وقوعًا في صحيح النقل
تنبيه آخر:
ذكر بعض أهل الأصول أنَّ هذه القاعدة المذكورة آنفًا التي هي: هل حكمةُ التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء، أو هي الامتثال فقط؟ التي هي مبنى الخلاف في جواز النسخ قبل التمكن من الامتثال = ينبني عليها بعض الفروع الفقهية.
стр. 107
من ذلك -مثلًا-: من علمتْ بالعادة المطَّردة أنها تحيض في أثناء النهار غدًا فبيَّتت الإفطار، ثم حاضت في أثناء النهار بالفعل كما كانت تعتقده. ومن تعتاده حُمَّى الرِّبْع، وعادته أن تأتيه غدًا في أثناء النهار، فبيَّت الإفطار لذلك، ثم أصابته الحمى بالفعل في أثناء النهار كما كان يعتقد.
فعلى أن الحكمة في التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء، فتبييت الفطر ممنوع على كل منهما، وقيل فيه بالكفارة إن فعل موجبها قبل حصول الحيض أو الحُمَّى، وهو مذهب مالك رحمه اللَّه تعالى ومن وافقه.
وعلى أن الحكمة الامتثال فقط، فلا كفارة، ولا مانع من تبييت الإفطار؛ لأنه غلب على ظنه انتفاء الحكمة المقصودة بوجود العذر، واللَّه تعالى أعلم.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
والزيادة على النص ليست بنسخ، وهي على ثلاثة مراتب: أحدها: ألا تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، كما إذا أوجب الصلاة ثم أوجب الصوم، فلا نعلم فيه خلافًا، لأنَّ النسخ رفعُ الحكم وتبديله، ولم يتغير حكم المزيد عليه، بل بقي وجوبه وإجزاؤه. . .) إلى آخره.
стр. 108
لا يخفى أن زيادة وجوب الصوم على وجوب الصلاة ليس نسخًا للصلاة كما ترى.
وإيضاحُ هذا المبحث أنَّ فيه تفصيلًا لابدَّ منه لم يذكره المؤلف، وهو أن الزيادة على النص لها حالتان:
الأولى: أن تنفي ما أثبتهُ النصُّ الأول أو تثبت ما نفاهُ، وهذه لا شك أنها نسخ، ولم يتعرض لها المؤلف ﵀.
ومثالها: تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، ونحو ذلك.
فإن تحريم هذه المحرمات ونحوها زادته السنة على آية ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام/ ١٤٥] مع أن هذه الآية الكريمة تدلُّ على إباحة الحمر الأهلية وما ذكر معها، بدليل حصر المحرَّمات في الأربع المذكورة بأقوى أدوات الحصر، وهي النفي والإثبات.
ونظير الآية حصر المحرَّمات في الأربع المذكورة في النحل والبقرة بقوله تعالى في النحل: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل/ ١١٥]، وقوله تعالى في البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة/ ١٧٣].
وقد تقرر في الأصول في مبحث دليل الخطاب -أعني مفهوم المخالفة-، وفي المعاني في مبحث القصر، أن (إنَّما) من أدوات
стр. 109
الحصر، وهو الحق؛ فأحاديث تحريم الحمر الأهلية وذي الناب من السباع -مثلًا- زادت تحريم شيء قد دل القرآن قبل ورود تحريمه على أنه مباح، فكونها نسخًا لاشك فيه، وإن خالف فيه كثير من أهل العلم؛ لوضوح النسخ فيه كما ترى؛ لأنه رفع حكم سابق دلَّ عليه القرآن بخطاب جديد.
الحالة الثانية: هي التي ذكرها المؤلف ﵀ وقسمها إلى مرتبتين:
المرتبة الأولى: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، على وجه لا يكون شرطًا فيه، كزيادة تغريب الزاني البكر على جلده مئة.
والمرتبة الثانية: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، تعلق الشرط بالمشروط.
والتحقيق أن هاتين المرتبتين حكمهما واحدٌ، كما نصره المؤلف، وكما هو الحقُّ.
وإيضاحُه: أن الأولى منهما زيادة جزء، والثانية زيادة شرط، وحكمُ زيادتهما واحد؛ لأن التغريب جزء من الحد، فزيادته على الجلد زيادة جزء من الحد كما هو واضح، ومثله زيادة ركعتين في الرباعية، بناء على أن الصلاة فرضت اثنتين، ثم زيدت في صلاة الحضر، وبقيت صلاة السفر على ما كانت عليه، كما جاء به الحديث.
ومثال زيادة الشرط: زيادة وصف الإيمان في صفة رقبة كفارة اليمين والظهار.
стр. 110
فمذهب الجمهور -وهو الظاهر- أن هذا النوع من الزيادات لا يكون نسخًا؛ لأنه لم يرفع حكمًا شرعيًّا، وإنما رفع البراءة الأصلية التي هي الإباحة العقلية، وهي استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل صارف عنه، والزيادة في مثل هذا زيادة شيء سكت عنه النص الأول فلم يتعرض له بصريح إثبات ولا نفي.
وخالف في هذا الإمام أبو حنيفة ﵀، فمنع كون التغريب جزءًا من الحد، وإن جاء بذلك الحديث الصحيح، قائلًا: إنَّ الجلد كان مجزئًا وحده، وزيادة التغريب دلَّت على أنه لا يكفي وحده، بل لابدَّ معه من زيادة التغريب، وهذا نسخ لاستقلال الجلد بتمام الحد، وهذا بناء على أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد؛ لأن آية الجلد متواترة، وأحاديث زيادة التغريب آحاد، والفرضُ عنده أنَّ الزيادة نسخ، والمتواتر لا ينسخ بالآحاد؟ فلم يقبل ثبوت التغريب بالآحاد بناء على ذلك.
ولأجل هذا بعينه لم يقل بالحكم بالشاهد واليمين في الأموال، الثابت عن النبي ﷺ ، بناء على أنه آحاد، وأنه زيادة على آية ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة/ ٢٨٢]، وأن الزيادة على النص نسخ، وأن المتواتر لا ينسخ بالآحاد.
وكذلك قال الجمهور: إن شرط وصف الإيمان في رقبة كفارة اليمين والظهار ليس نسخًا، فيلزم القول به حملًا للمطلق وهو رقبة كفارة اليمين والظهار على المقيد بالإيمان وهو كفارة القتل خطأ.
ومنع ذلك أبو حنيفة بأن الزيادة على النص نسخ، وحمل المطلق