← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 282

مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر- ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (528 стр.). Показаны 491–528 · переход к 496.

стр. 491

فيحملُ حديثُ المدحِ على مَنْ شهد في حقِّ اللَّهِ، ومَنْ يعلمُ أنَّ المشهود له لا يعلمُ أنه شاهدٌ له. ويحمل حديث الذمِّ على الشاهد في حقِّ الآدميِّ العالم بأنَّ الشاهد يعلم ما يشهد به ولم يطلبه. فإن لم يمكن الجمعُ فالمتأخر ناسخٌ للمتقدم، فإن لم يعرف المتأخر فالترجيح. والترجيحُ في الأخبار مِن ثلاثةِ أوجه: الأول: يتعلقُ بالسندِ، وهو خمسة: أولًا: كثرةُ الرواية. ثانيًا: ثقة الراوي، وضبطه، وقلة غلطه. ثالثًا: ورع الراوي وتقواه؛ لشدة تحرزه من رواية من يشك فيه. رابعًا: أن يكون صاحب القصة، كحديث ميمونة أنَّه ﷺ تزوجها وهو حلالٌ. خامسًا: أن يكون مباشرًا للقصة، كحديث أبي رافع بذلك، لأنَّه هو السفير بينه وبين ميمونة. فكلاهما يرجح على حديث ابن عباس أنَّه تزوجها وهو محرم. وللأصوليين في الترجيح باعتبار السند أمور كثيرةٌ زائدةٌ على ما ذكره المصنف:

стр. 492

منها: علوُّ السند، فالسند الذي هو أعلى يقدَّم على غيره؛ لأنَّ قلة الوسائط بين المجتهدِ وبين الرسول ﷺ أرجح من كثرتها؛ لأنَّ قلة الوسائط يقلُّ معها احتمال النسيانِ والاشتباهِ والزيادةِ والنقص. ومنها: السلامةُ من البدع، فالراوي غير البدعيِّ أرجح من الرواي البدعيِّ. ومنها: فقهه في الباب المتعلق به المروي، فالفقيهُ في البيوع مثلًا يُقَدَّم خبره على غير الفقيه فيها. وكذا يُقَدَّمُ زائد الفقه على غيره، ولذا قالت المالكية: يُقَدَّمُ خبرٌ رواه ابن وهب في الحجِّ على ما رواه ابن القاسمِ فيه؛ لأنَّه أفقه منه فيه، وإن كان ابن القاسم أفقه منه في غيره. ويُقَدَّمُ عندهم العالمُ باللغة على غير العالم بها، والعالمُ بالنحو على غير العالم به، لأنَّ الخطأ منهما في فهم مقاصدِ الكلامِ أقل. ويُقَدَّمُ الفطنُ على من دونه. ويُقَدَّمُ المشهور بالعدالة على المعدَّل بالتزكية. ويُقَدَّمُ الراوي الذي زكَّاه المجتهد باختباره إيَّاه على المزكَّى بالإخبار، إذ ليس الخبر كالعيان. ويُقَدَّمُ من زُكِّيَ تزكية صريحةً على من زُكِّيَ تزكيةً ضمنيةً، كالحكم بشهادته والعمل بروايته. ويُقَدَّمُ من زكَّاه جماعة كثيرون على من زكَّاه واحد مثلًا.

стр. 493

ويُقَدَّمُ غير المدلِّس على المدلِّس. ويُقَدَّمُ الحرُّ على العبدِ؛ لأنَّ الحرَّ لشرف منصبه يتحرزُ عن ما لا يتحرزُ عنه العبد. وضعَّف بعضهم الترجيحَ بالحرية. ويُقَدَّمُ حافظُ الخبر الذي يسرده متتابعًا على من ليس كذلك، وهو من يتخيلُ اللفظ ثم يتذكره ويؤديه بعد تفكر وتكلفٍ، ومن لا يقدر على التأدية أصلًا لكنْ إذا سمع اللفظ علم أنَّه مرويه عن فلان. ويُقَدَّمُ الراوي الذي يُعْرَفُ نسبُه على الراوي الذي لم يُعْرَفْ نسبُه؛ لأنَّ الوثوق بالأول أشد. ويُقَدَّمُ عندهم الذكرُ على الأنثى، إلَّا إذا عُلِمَ أنَّها أضبطُ من الذكر فتقدمُ عليه، وكذلك إن كانت صاحبة القصة قُدمت على الذكر. قال بعضهم: الأنثى والذكر على السواء، ولا يرجح عليها إلَّا بما يرجحُ به الرجل على الرجل. وفصَّل بعضُ العلماء فقال: يرجحُ الذكر في غير أحكام النساء، بخلاف أحكامهنَّ كالحيض والعدة، فيرجحن فيها على الذكور؛ لأنَّهنَّ أضبطُ فيها. ويُقَدَّمُ الذي كانت روايته أوضح في إفادة المروي على الذي في روايته خفاءٌ كالإجمال، ولأجل ذلك يُقَدَّمُ الراوي بالسماع على الراوي بالإجازة؛ لأنَّ السماع طريقٌ واضحٌ في إفادة المروي ببيان تفاصيله، بخلاف الإجازة لما فيها من الإجمال.

стр. 494

ويُقَدَّمُ من عُلِمَتْ جهة تحمله من سماع لفظ الشيخ أو القراءة عليه ونحو ذلك على رواية من لم تُعلم جهةُ تحمله. وتُقَدَّمُ رواية المكلَّف وقت التحمل على رواية من هو صبيٌّ وقت التحمل، والحالُ أنَّه أدَّى بعد البلوغ؛ للاختلاف في المتحمل قبل البلوغ، وعدم الاختلاف في المتحمل بعد البلوغ؛ لأنَّ ما لا خلاف فيه يقدم على ما فيه خلافٌ، وإن كان المشهور المعروفُ قبول رواية من تحمَّل قبل البلوغ إذا كانت التأدية بعد البلوغ. ويُقَدَّمُ راوي الحديث بلفظه على الراوي بالمعنى؛ لسلامة المرويِّ باللفظ عن احتمال وقوع الخلل في المرويِّ بالمعنى. ويُقَدَّمُ خبر الراوي الذي لم ينكر شيخُه أنَّه حدَّثه على خبر من أنكر شيخُه الذي روى عنه روايته له عنه، وإن قلنا بأنَّ إنكاره لا يضر. ويُقَدَّمُ ما في الصحيحين أو أحدهما على ما ليس فيهما. إلى غير ذلك. وكثيرٌ ممَّا ذكرنا من المرجِّحات باعتبار السند لا يخلو من خلافٍ، ولكن له كله وجهٌ من النظر. الوجه الثاني من الترجيح: بأمرٍ يعودُ إلى المتن ، كاعتضادِ أحد الدليلين المتعارضين بكتابٍ أَو سنةٍ أو غير ذلك من الأدلة، كأحاديثِ صلاة الصبح فإنَّ في بعضها التغليس بها، أي فعلها في بقية الظلام، وفي بعضها الإسفار بها، فتعتضدُ أحاديث التغليسِ بعموم قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران/ ١٣٣].

стр. 495

وكأن يختلف في وقف أحد الخبرين على الراوي، والآخر يتفق على رفعه. وكأن يكون راوي أحدهما قد نُقِلَ عنه خلافُه، فتتعارض روايتاه، ويبقى الآخر سليمًا عن التعارضِ، فيكون أولى. وكأن يكون أحدهما مرسلًا، والآخر متصلًا، فالمتصلُ أولى؛ لأنَّه متفقٌ على الاحتجاجِ به، وذلك مختلفٌ فيه. هذا حاصل ما ذكره المؤلف، وللأصوليين باعتبار حال المتن مرجحاتٌ كثيرةٌ غير ما ذكرها المؤلف: منها: كثرةُ الأدلة، فالخبر الذي اعتضد بأدلة كثيرة مقدمٌ على ما اعتضد بأقل من ذلك من الأدلة. ومنها: أن يكون المتنُ قولًا فهو مقدمٌ على الفعل، كما أنَّ الفعل مقدَّمٌ على التقرير. وإنَّما كان القولُ أقوى من الفعل لاحتمال الفعل الاختصاص به ﷺ . ويُفْهَمُ منه أن ليس كلُّ قول أقوى، بل إذا احتمل القول الاختصاص فلا يكون أقوى من الفعل، فلا يَرِدُ قولهم: إنَّ الإحرام بالعمرة من الجعرانة أفضل منه من التنعيم، تقديمًا لفعله ﷺ على أمره لعائشة بالإحرام من التنعيم؛ لأنَّ أمره وإن كان قولًا يحتمل الخصوصية لعائشة، فليس أقوى من فعله، بل هو دونه كما قالوا؛ لاحتمال أنَّه إنَّما أمرها بذلك لضيق الوقت، لا لأنَّه أفضل، ويمكنُ على هذا أن يقاس على عائشة كلُّ من كان له عذرٌ.

стр. 496

وإنَّما كان الفعل مُقَدَّمًا على التقرير لأنَّ التقرير كالفعل الضمني، والفعل الصريحُ مقدَّمٌ على الضمني. قال بعضهم: ويقدم تقريره ما وقع بحضرته على ما بلغه فأقرَّه. ومنها: الفصاحة، فالخبر الفصيح يقدم على غير الفصيح؛ للقطع بأنَّ غير الفصيح مرويٌّ بالمعنى؛ لفصاحته ﷺ . ولا عبرة بزيادة الفصاحة، فلا يقدم الخبر الأفصح على الفصيح. وقيل: يقدم عليه؛ لأنَّه ﷺ أفصح العرب، فيبعد نطقه بغير الأفصح، فيكون مرويًّا بالمعنى، فيتطرقُ إليه الخللُ. وأجيب بأنَّه لا يعدُّ في نطقه بغير الأفصح؛ لأنَّه كان يخاطبُ العرب بلغاتهم. ومنها: الزيادة، فالخبرُ المشتملُ على الزيادةِ يقدم على غيره؛ لما فيه من زيادةِ العلم، كخبر التكبير في العيدِ سبعًا، مع خبر التكبير فيه أربعًا، خلافًا لمن قدَّم الأقلَّ كالحنفية. ومنها: ورود أحد الخبرين بلغة قريش، مع أنَّ الثاني واردٌ بغيرها؛ لاحتمال الوارد بغيرها الرواية بالمعنى، فيتطرَّق إليه الخلل. ومنها: دلالة أحد الخبرين على علوِّ شأن الرسول ﷺ وقوته، ودلالة الآخر على الضعف وعدم القوة؛ لأنَّ قوته ﷺ وعلوَّ شأنه كان يتجدَّد شيئًا فشيئًا، فما أشعر بعلوِّ شأنه مقدَّمٌ على غيره، لأنَّ المشعر بعلوِّ شأنه معلومٌ أنَّه هو المتأخر.

стр. 497

ومنها: أن يتضمن الخبر قصة مشهورة، فإنه يقدَّم على المتضمن قصة خفية؛ لأنَّ القصة المشهورة يبعد الكذبُ فيها. قاله القرافي. ومنها: ذكر السبب، فالخبر المذكور فيه السبب مقدمٌ على ما ليس كذلك؛ لاهتمام راوي الأول به، واهتمامُه دليلٌ على كمال ضبطه للمرويِّ؛ لأنَّه يترتبُ عليه عادةً. وأيضًا، فإنَّ علم السبب يعين على فهم المراد، ولأجل ذلك اعتنى المفسرون بذكر أسباب نزول الآيات. ومنها: أن يكون أحد الخبرين رواه راويه عن شيخه بدون حجاب، مع أنَّ الثاني رواه من وراء حجاب، كرواية القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ أنَّ بريرة عتقت في حال كون زوجها عبدًا، على رواية الأسود بن يزيد عنها أنَّه كان حرًّا؛ لأنَّ القاسم كان محرمَها لكونها عمَّته، وكان يسمعُ منها بدون حجابٍ، بخلاف الأسود. ومنها: الخبر المدنيُّ، فإنَّه مقدمٌ على الخبر المكيِّ؛ لتأخره عنه. ومعلومٌ أنَّ المدنيَّ ما رُوِيَ بعد الشروع في الهجرة، والمكيَّ ما رُوِيَ قبل الشروع فيها. فيشملُ المدنيُّ ما ورد بعد الخروج من مكة، وقبل الوصول إلى المدينة في سفر الهجرة. هذا هو الاصطلاح المشهور في المدنيِّ والمكيِّ. ولذا كان المشهور عندهم في آية ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ

стр. 498

لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص/ ٨٥] أنَّها مدنية، مع أنَّها نزلت بالجحفة في سفر الهجرة، كما قاله غير واحد. ومنها: كون أحد الخبرين جامعًا بين الحكم وعلته، مع أنَّ الآخر ليس كذلك؛ لأنَّ الجامع بين الحكم والعلة أقوى في الاهتمامِ بالحكم من الخبر الذي فيه الحكم دون علته. كحديثِ البخاري: "مَنْ بدَّل دينَه فاقتلوه"، فهذا الحديث يدلُّ بمسلك الإيماء والتنبيه على أنَّ علة القتل هنا هي تبديلُ الدين، فيشملُ الذكر والأنثى، مع الحديثِ الصحيح الآخر أنَّه ﷺ "نهى عن قتل النساء والصبيان"، ففيه الحكم دون ذكر العلة، فيقدم عليه الأول لذكر العلة مع الحكم، فيكون الأرجح قتل المرتدة، خلافًا لمن منع قتل النساء مطلقًا بالكفر، مرتداتٍ كنَّ أو حربياتٍ، كالحنفية. ومعلوم أنَّ النصَّين المذكورين بينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجه، والأعمَّان من وجهٍ يظهر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها، فيجب الترجيح، وهي هنا في المثالين: النساءُ المرتداتُ، فإنَّهنَّ يدخلن في عموم "مَنْ بدَّلَ دينَه فاقتلوه" بناء على ما هو الحقُّ من شمول لفظة "مَنْ" للأنثى، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ الآية [الأحزاب/ ٣١]، ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ﴾ الآية [الأحزاب/ ٣٠]، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ الآية [النساء/ ١٢٤]، كما أنهنَّ يدخلن في عموم النهي عن قتل النساء الكافرات. وإلى الترجيح بين الأعمَّين من وجهٍ أشار في "مراقي السعود" بقوله:

стр. 499

وإنْ يكُ العمومُ مِنْ وجهٍ ظَهَر ... فالحكمُ بالترجيح حتمًا معتبر ومنها: تأكيد الخبر، فالخبرُ المشتملُ على تأكيدٍ يقدم على الخبر الذي لم يشتمل عليه. مثال المشتمل على توكيدٍ: حديثُ: "أيَّما امرأة نكحتْ بغير إذن وليها فنكاحُها باطلٌ باطلٌ"، مع حديث: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسها" على تسليم ما فسرته به الحنفية؛ لأنَّ القصد مطلقُ المثالِ لا مناقشة أدلة الأقوال، فتكرار البطلان في الخبر الأول توكيدٌ لحكمه، فيرجح حكمه على الخبر الذي لم يؤكَّد حكمه. ومنها: التهديد، فالخبر الذي فيه تهديدٌ وتخويفٌ مقدمٌ على ما ليس كذلك، ومثَّل له بعضهم بحديث عمَّار ﵁: "من صامَ يومَ الشكِّ فقد عصى أبا القاسم ﷺ ". ففي الحديثِ تخويفٌ مِنْ صوم يوم الشك بأنَّه معصية للرسول ﷺ ، فيقدم هذا الحديثُ على الأحاديثِ المرغبةِ في صوم النفل. فإنْ قيل: التخويفُ المذكورُ من كلام الراوي، فليس ترجيحًا باعتبار حال المتن. فالجوابُ: أنَّ حكمه الرفعُ، إذ لا يقالُ من جهة الرأي. نعم للناظر أن يقول: في التمثيل المذكور نظر؛ لأنَّه تقديمُ خاصٍّ على عامٍّ، فلا تعارضَ أصلًا. ويمكنُ أن يجاب بأنَّ الخاصَّ إنَّما رجح على العام في خصوص ما تعارضا فيه فقط. واللَّه تعالى أعلم. ومنها: إطلاق العامِّ عن ذكر سببٍ، فالعامُّ المطلقُ الذي لم يذكر

стр. 500

له سببٌ يقدَّم عمومُه على العامِّ الذي ذُكر سببُه؛ لأنَّ هذا أضعفُ، لاحتمال الخصوص بصورة السبب، والخلافُ في ذلك معروفٌ، أمَّا صورة السببِ فهي مقدمةٌ على العامِّ المطلق؛ لأنَّها قطعية الدخول على الأصحِّ. أمَّا صيغُ العمومِ فيقدَّم ما دلَّ منها على الشرطِ، كـ "مَنْ" و"ما" الشرطيتين، على النكرة في سياق النفي ، على ما صححه بعضهم محتجًّا بأنَّ الشرطيَّ من العائم يفيدُ التعليلَ غالبًا، نحو: "مَنْ جامع فعليه الكفَّارةُ"، "مَنْ بدَّل دينه فاقتلوه". ويُفْهَمُ من هذا أنه إن لم يفد التعليل فلا يقدم على النكرة، كقوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة/ ٢٠٣]. وقال بعضهم: إنَّ النكرة في سياق النفي تقدم على أدوات الشرطِ العامة كـ "من" و"ما". قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: الظاهرُ أنَّ النكرةَ في سياقِ النفي إذا كانت نصًّا صريحًا في العموم، كالمبنية مع "لا" نحو: "لا إله إلا اللَّه"، أو المزيدة قبلها "مِنْ" نحو: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران/ ٦٢]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ [الأنبياء/ ٢٥، الحج/ ٥٢]، ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [القصص/ ٤٦] أنَّها أقوى مرتبة في العموم مِنْ صيغ الشرط. واللَّه أعلم. وباقي أدوات العموم تقدم عليه النكرة في سياق النفي إلا لفظة "كل" ونحوها، فلا شك أنَّها مقدَّمة على النكرة في سياق النفي.

стр. 501

والجمعُ المعرف بالألف واللام أو بالإضافة يقدمُ عمومُه على "مَنْ" و"ما" الاستفهاميتين، لأنَّهما أقوى منهما في العمومِ؛ لامتناع تخصيص الجمع إلى الواحد دونهما، على ما رجحه بعض أهل الأصول. والثلاثة المذكورة التي هي: الجمع المعرَّف، و"مَنْ" و"ما"، المذكورتان مقدَّمةٌ على المفرد الذي هو اسم جنس المعرف بأل، نحو: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر/ ١ - ٢] أي كلُّ إنسان، لأنَّه يحتمل فيه أنَّ "أل" عهدية، بخلاف "مَنْ" و"ما"، فلا يحتمل فيهما ذلك، والجمع المعرَّف يبعد فيه. ومنها: عدم التخصيص، ف العامُّ الذي لم يدخله تخصيصٌ مقدم على العامِّ الذي دخله تخصيصٌ ، وهذا رأيُ جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحدًا خالف فيه إلَّا صفيَّ الدين الهنديِّ، والسبكي. وحجة الجمهور: أنَّ العامَّ المخصَّص اختُلِفَ في كونه حجةً في الباقي بعد التخصيص، والذين قالوا: هو حجة في الباقي بعد التخصيصِ قال جماعةٌ منهم: هو مجازٌ في الباقي، بخلاف الذي لم يدخله تخصيصٌ فهو سالم من ذلك، وما اتفق على أنَّه حجة وأنَّه حقيقةٌ أولى ممَّا اختلف في حجيته، وهل هو حقيقة أو مجاز، وإن كان الصحيحُ أنَّه حجةٌ وحقيقةٌ في الباقي بعد التخصيصِ؛ لأنَّ مطلق الخلاف يكفي في ترجيح غيره عليه. وحجة الصفيِّ الهنديِّ والسبكيِّ أنَّ الغالب في العامِّ التخصيصُ، والحملُ على الغالب أولى، وأنَّ ما دخله التخصيصُ يبعدُ تخصيصه

стр. 502

مرةً أخرى بخلاف الباقي على عمومه. ومثال هذه المسألة: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ الآية [النساء/ ٢٣]، فإنَّه عامٌّ في كلِّ أختين سواء كان الجمع بينهما بنكاح أو بملك يمين، وهذا العامُّ لم يدخله تخصيصٌ، فهو مقدَّم على عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون/ ٥، ٦، المعارج/ ٢٩ - ٣٠]، فإنَّ قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ شاملٌ بعمومه للأختين، إلَّا أنَّ عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ دخله التخصيص؛ للإجماع على أنَّ عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يخصُّه عموم ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء/ ٢٣]، فلا تحلُّ الأخت من الرضاعة بملك اليمين إجماعًا. ويخصصه -أيضًا- عموم ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء/ ٢٢]، فلا تحلُّ موطوءة الأب بملك اليمين إجماعًا. فإن قيل: عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ مخصَّصٌ بعموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾. فالجواب: أنَّ ذلك التخصيص هو محلُّ النزاع، والاستدلال بصورة النزاع ممنوعٌ بإطباق النظَّار، كما هو معلوم في محلّه. فإن كان كلُّ واحد من العامَّين دخله تخصيصٌ، فالأقلُّ تخصيصًا مقدمٌ على الأكثر تخصيصًا.

стр. 503

ومثال هذا: ما لو ذبح الكتابيُّ ذبيحة، ولم يسمِّ عليها اللَّه، ولا غيره، فعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة/ ٥] يقتضي إباحتها، وعموم ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام/ ١٢١] يقتضي تحريمها، وكلٌّ من العمومَيْن دخله تخصيصٌ، إلا أنَّ الأول خُصَّصَ مرةً واحدةً، والثاني خُصِّصَ مرتين، فالأول أقوى؛ لأنَّه أقلُّ تخصيصًا. لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ لم يخصَّص إلا تخصيصةً واحدة، وهي تخصيصُه به، إذا لم يُسمِّ الكتابيُّ على ذبيحته غير اللَّهِ، كالصليب أو عيسى، فإن سمَّى على ذبيحته غير اللَّه، دخلت في عموم ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة/ ٣، النحل/ ١١٥] على الأصحِّ الذي لا ينبغي العدول عنه. أمَّا آية ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فقد خُصِّصَتْ تخصيصتين، خصَّصها الجمهور بغير الناسي، فتارك التسمية ناسيًا تؤكل ذبيحته عند الجمهور، وحكى عليه ابن جرير الإجماع مع أنَّه خالف فيه اثنان، وخصصه الشافعيُّ وأصحابه بما ذُبح لغير اللَّه. ويقدَّم الدالُّ بدلالة الاقتضاء على الدالِّ بدلالة الإيماء، والدال بدلالة الإشارة، والظاهرُ تقديم الدالِّ بالإيماء على الدَّال بالإشارة. ووجهُ تقديم الدَّالِّ بالاقتضاء: أنَّه مقصودٌ للمتكلم، يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عقلًا أو شرعًا -كما تقدم إيضاحُه-. ووجهُ تقديم الدالِّ بالإيماء على الدالِّ بالإشارة: أنَّ دلالة الإيماء

стр. 504

مقصودة للمتكلم، وإن لم يتوقف عليها الصدق أو الصحة، والمدلول عليه بالإشارة ليس بمقصودٍ ولكنه لازم للمقصود -كما تقدم إيضاح ذلك كلِّه بأمثلته-. وقال صاحب "الضياء اللامع": ويقدم ما كان في دلالة الاقتضاء؛ لضرورة صدق المتكلم على ما كان، لضرورة صحة الملفوظ به عقلًا أو شرعًا. ويقدَّم الدالُّ بالإشارة والإيماء على المفهوم بنوعيه؛ لما تقدم من أنَّ دلالة الإيماء والإشارة كدلالة الاقتضاء في كون الجميع من المنطوق غير الصريح، على ما صححه بعضهم، والمنطوق ولو غير صريح مقدَّم على المفهوم. ويقدَّم مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة، على الصحيح؛ لضعف مفهوم المخالفة بالخلاف في حجيته -كما تقدم-. وشذَّ من قال بتقديم مفهوم المخالفة، ولا يخفى ضعف قوله وبعدُه عن الصواب. الوجه الثالث: الترجيحُ بأمرٍ خارجيٍّ، ككونِ أحدِ الخبرين ناقلًا عن حكمِ الأصل. ومثالُه: حديث: "من مسَّ ذكره فليتوضأ"، مع حديث: "وهل هو إلا بضعة منك"، فإنَّ هذا الأخير نافٍ لوجوب الوضوء موافقٌ للبراءة الأصلية، والخبر الموجب له ناقلٌ عن حكم الأصل. وعكس بعضهم فرجَّح المبقي على الأصل بالبراءة الأصلية.

стр. 505

والمشهور عند الأصوليين الأول. وكذلك رواية الإثبات، فإنَّها مقدمةٌ على رواية النفي. ومثاله: حديث أنَّه ﷺ صلى في الكعبة، مع حديث أنَّه لم يصلِّ فيها. وحديث أنَّ المتمتعين مع النبيِّ ﷺ سَعَوا لحجِّهم وسَعَوا لعمرتهم، مع حديث أنَّهم لم يَسْعَوا إلا سعي العمرة الأول ولم يَسْعَوا للحجِّ. والظاهر أنَّ المثبت والنافي إذا كانت رواية كلٍّ منهما في شيء معيَّن في وقت معيَّن واحد أنَّهما يتعارضان. فلو قال أحدهما: دخلت الكعبة مع النبي ﷺ في وقت كذا ولم أفارقه، ولم يغب عن عيني حتى خرج منها، ولم يصل فيها. وقال الآخر: رأيته في ذلك الوقت بعينه صلَّى فيها. فإنَّهما يتعارضان، فيطلبُ الترجيح من جهة أخرى. واللَّه أعلم. وهذا أصوب من قول مَنْ قدَّم المثبت مطلقًا، ومَنْ قدَّم النافي مطلقًا. ووجه تقديم رواية المثبت أنَّ معه زيادة علمٍ خفيتْ على صاحبه، وقد عرفت أنَّ ذلك لا يلزم في جميع الصور ممَّا ذكرناه آنفًا. ويقدم -عنده- الحاظرُ على المبيحِ، وقيل: لا. والحظرُ: المنعُ.

стр. 506

ومثال تقديم الحاظرِ على المبيحِ: تقديم عموم قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء/ ٢٣] المقتضي بعمومه منع الأختينِ بملك اليمين على عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون/ ٦، المعارج/ ٣٠] الشامل بعمومه للأختين بملك اليمينِ، فهذا مبيحٌ وذلك حاظر، فيقدم الحاظرُ على المبيح. ومن فروع تعارض الحاظر والمبيح -عند بعضهم-: المتولِّد من بين المأكول وغيره، كولد الذئب من الضبع -عند من يمنع أكل الذئب، ويبيح أكل الضبع-، فعلى تقديم الحاظر على المبيح لا يؤكل، وعلى القول بالعكس يؤكل. وقيل: الحاظر والمبيح لا يرجح أحدهما على الآخر، فيطلبُ الترجيح بسواهما. ووجه تقديم الحاظر على المبيح: أنَّ ترك مباحٍ أهون من ارتكاب حرام. وزاد بعض الأصوليين: تقديم الخبر الدَّالِّ على الأمر على الدالِّ على الإباحة. ووجه ذلك: هو الاحتياطُ في الخروج من عهدة الطلب، وأنَّ الخبر الدالَّ على النهي مقدم على الدالِّ على الأمر. ووجهُه عندهم: أنَّ درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح. ومن أمثلته -عند القائل به-: ترك تحية المسجد في وقت النهي.

стр. 507

أمَّا الخبر المسقطُ للحدِّ فلا يرجح على الخبر الموجبِ له -عند المؤلف-. وكذلك -عنده- الخبر الموجب للحرية لا يرجح على الخبر المقتضي للرِّق، قال (١): (لأنَّ ذلك لا يوجب تفاوتًا في صدق الراوي فيما ينقله من لفظ الإيجاب والإسقاط). وذهب المالكية وغيرهم إلى أنَّ الخبر النافي للحدِّ مقدَّم على الخبر الموجب له، قالوا: لما في الخبر النافي للحدِّ من اليسر الموافق لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج/ ٧٨]، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة/ ١٨٥]. قالوا: ولأنَّ الحدَّ يدرأُ بالشبهاتِ، وتعارضُ الأدلة في وجوبه وسقوطه شبهةٌ، وهو مستثنى عندهم من تقديم المثبت على النافي. والتعزيرُ -عندهم- كالحدِّ فيما ذكر. وقال المتكلمون بتقديم الموجب للحدِّ أو التعزير على النافي لذلك؛ لأنَّه ناقلٌ عن الأصل، لأنَّ النفي مستفادٌ من البراءة الأصلية، وإيجاب الحدِّ ناقلٌ عنها، فهو مقدمٌ. وأجاب بعضهم بأنَّ النفي الشرعيَّ هنا مستفادٌ من الحكم الشرعيِّ، لا من البراءة الأصلية. وقال بعض أهل العلم: إنَّ الخبر الموجب للحرية مقدَّم على

стр. 508

الخبر المقتضي للرقِّ؛ لرجحانه بشدة تَشَوُّفِ الشارع للحرية. ومثال تعارض الخبر الموجب للحد والنافي له: ما لو سرق سارقٌ مِجَنًّا قيمته ثلاثة دراهم. فحديث ابن عمر المتفق عليه يوجبُ قطعه. والأحاديثُ التي تمسكت بها الحنفية ومن وافقهم في أنَّه لا قطع في أقلَّ من عشرة دارهم، وأنَّ المجنَّ على عهد رسول اللَّه ﷺ كانت قيمته عشرة دراهم، فسقط الحدُّ عنه، فرجَّحوا الروايات بعشرة دراهم على الروايات الأخرى المتفق عليها بأن الحدَّ يدرأ بالشبهات، وأنَّ النافي للحدِّ مقدَّم على الموجب له. وقصدُنا مطلق المثال لا مناقشة أدلة الأقول. وعلى ما ذهب إليه المصنف فلا ترجيح بإسقاط الحدِّ، وحينئذ يترجح موجب الحد في المثال المذكور؛ لأنَّ أدلته أصح. ومثال تعارض الخبر الموجب للحرية والموجب للرقِّ: حديث ابن عمر المتفق عليه: "مَنْ أعتق شِرْكًا له في عبدٍ وكان له مالٌ يبلغُ ثمنَ العبدِ قوِّمَ العبد عليه قيمةَ عدلٍ، فأعطي شركاؤه حصصَهم، وعتق عليه العبدُ، وإلَّا فقد عتقَ عليه ما عتق". فظاهر هذا الحديث الصحيح أنَّ الشريك المعتقَ نصيبه من العبد إن كان فقيرًا لا مال له بقي ما لشركائه من العبد رقيقًا، وظاهرُه أنَّ العبد لا يستسعي ليحصِّل قيمة الباقي، فيخلص نفسه من الرقِّ.

стр. 509

فهذا الحديث موجبٌ لرقِّ الباقي في حالة فقر معتقِ نصيبِه من العبد المشترك. مع الحديث الآخر (١) المتفق عليه عن أبي هريرة أنَّه ﷺ قال: "مَنْ أعتقَ شقصًا له مِنْ مملوكِه فعليه خلاصُه مِن مالهِ، فإنْ لم يكن له مالٌ قُوِّمَ المملوكُ قيمةَ عدلٍ ثم استُسْعِيَ في نصيبِ الذي لم يعتق غيرَ مشقوقٍ عليه". فهذا الحديث موجبٌ للحرية باستسعاء العبد ليحصل قيمة الباقي من نفسه. فعلى ما ذهب إليه المؤلف لا يرجح أحد الخبرين على الآخر بإيجاب الحرية ولا بإسقاطها. وعلى قول من قال: يرجح موجب الحرية، يجب استسعاء العبد لتحصيل قيمة الباقي ليتخلص من الرقِّ. والحديثان صحيحان، ودعوى الإدراج فيهما لا يخفى سقوطُها، كما هو واضحٌ من صنيع الشيخين. والقصدُ مطلق المثال لا مناقشة الأقوال. مع أنَّ بعض العلماء جمع بين الحديثين، ونحن مثَّلنا بهما للتعارض، نظرًا لأنَّ الجمع المذكور لا يجب الرجوع إليه. والعلم عند

стр. 510

اللَّه تعالى. قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل ترجيح المعاني) يعنى بذلك الترجيح بين علل المعاني . ثم قال: (قال أصحابنُا: إنَّ العلةَ ترجحُ بما يرجحُ به الخبرُ، مِنْ موافقتِها لدليلٍ آخر مِن كتابٍ، أو سنةٍ، أو قولِ صحابيٍّ، أو خبرٍ مرسلٍ). ومن أمثلة ذلك: قولُ المالكيِّ: علة تحريم الربا في البرِّ الاقتياتُ والادخار، مع قول الشافعيِّ: علةُ الربا فيه الطعمُ؛ لأنَّ علة الشافعيِّ هنا قد ترجح بموافقتها لحديث معمر بنِ عبد اللَّه في صحيح مسلم: كنت أسمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "الطعامُ بالطعامِ مثلًا بمثل. . . " الحديث. وقصدُنا مطلق المثال لا مناقشة الأقوال. والشأنُ لا يعترضُ المثالُ ... إذ قد كفى الفرضُ والاحتمالُ وترجح العلة أيضًا بكونها ناقلةً عن الأصل، كالخبر. فقولُه في حديث عدم نقض الوضوء بمس الذكر: "هل هو إلا

стр. 511

بضعةٌ منكَ؟ " علةٌ في عدم نقض الوضوء بذلك؛ إذ لا ينقض الوضوء بمسِّ عضوٍ لعضوٍ من إنسانٍ واحدٍ. وحديث "مَنْ مسَّ ذكرَه فليتوضأ" يدلُّ بمسلك الإيماء والتنبيه على أنَّ علة الوضوء فيه مسُّ الذكر؛ فهذه العلة ناقلة عن الأصل، والعلة المقتضية البقاء على الأصل في عدم وجوب الوضوء التي هي "وهل هو إلا بضعة منك؟ " موافقة للبراءة الأصلية، فتقدَّم عليها الناقلة عن الأصل، فيجب الوضوء من مسِّ الذكر. وهذان الحديثان صالحان لمثالِ الحكم الناقلِ عن الأصل، والعلة الناقلة عن الأصل، معًا، ولذا مثَّلنا لهما بهما. ثم ذكر المؤلفُ (١) ﵀ أنَّه إذا تعارضت علتان إحداهما حاظرةٌ والأخرى مبيحةٌ، أو علتان إحداهما مسقطةٌ للحدِّ والأخرى موجبةٌ له، أو علتان إحداهما موجبةٌ للعتق والأخرى نافيةٌ له، فقد اختلف أهل العلم في ترجيح الحاظرة، والمسقطة للحدِّ، والموجبة للعتق، على مقابلاتها. فرجَّح بذلك قومٌ، احتياطًا للحظر، ونفي الحدِّ، ولأنَّ الخطأ في نفي هذه الأحكامِ أسهلُ من الخطإ في إثباتها. ومنع آخرون الترجيح بذلك، مِنْ حيث إنَّهما حكمان شرعيان فيستويان، ولأنَّ سائرَ العلل لا ترجحُ بأحكامها، فكذا هنا.

стр. 512

هكذا قال المؤلف. ثم ذكر أنَّ كلَّ هذه الترجيحاتِ مع الاختلاف فيها ضعيفةٌ. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: الذي يظهر لي أنَّ العلة الحاظرة مغ غير الحاظرة، كالنصِّ الحاظر مع غيره، إلى آخره، فالأظهر إجراءُ العلل في الترجيحِ بما ذكر مجرى أحكامها، لأنَّ الجميع أدلةٌ. والأظهر -عندي- تقديم الحاظر على المبيح؛ لأنَّ ترك مباح أهون من ارتكاب حرامٍ. وتقديم المقتضية لنفي الحدِّ؛ لأنَّ الخلاف شبهةٌ، والحدودُ تدرأُ بالشبهات، كما عليه جماعةٌ من الأصوليين، ما لم يقم مرجحٌ آخر أقوى يترجحُ به جانب الحدِّ. وأنَّ الموجبة للحرية أرجح؛ لشدة تشوُّف الشارع للحرية وترغيبه فيها، ما لم يقم مرجحٌ آخر أقوى يترجح به جانب الرقِّ. ثم ذكر المؤلف (١) أنَّه إن تعارضت علتان إحداهما أخف حكمًا؛ والأخرى أثقل حكمًا أنَّ قومًا رجحوا التي هي أخف حكمًا، لأنَّ الشريعة خفيفة مرفوع فيها الحرج، وأنَّه قال آخرون بالعكس؛ لأنَّ الحقَّ ثقيلٌ. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: لا يمكنُ الحكم مطلقًا في هذه المسألة؛ لأنَّ التخفيف يكون

стр. 513

أرجح تارة، والتثقيل يكون أرجح أخرى. وممَّا يوضح ذلك أنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة/ ١٠٦]، ولا خلاف أنَّه تارة ينسخ الأثقل بالأخف لأنَّ الأخف خير في ذلك المحلِّ، وتارة ينسخ الأخف بالأثقل لأنَّ الأثقل خير في ذلك المحلّ؛ كما أوضحناه في النسخ. ثم ذكر المؤلف أنَّه إن كانت علتان إحداهما حكم شرعيٌّ، والآخر وصف حسيٌّ، ككونه مسكرًا أو قوتًا، أنَّ القاضي اختار ترجيح الحسِّية، وأن أبا الخطاب مال إلى ترجيح الحكمية، وذكر ما رجح به كلٌّ منهما قوله، وقد تركنا ذكره لعدم اتجاه شيء منه عندنا. ثم قال المؤلف (١): (وقيل: هذا كله ترجيح ضعيف). وقد صدق من قال ذلك. واللَّه أعلم. والمالكية ومن وافقهم يرجحون العلة التي هي وصف حسيٌّ على التي هي حكم شرعي. ووجه ترجيحهم لها أنَّها ألزم للمحلِّ منها. ولا يخفى عدم ظهوره كما ترى. ثم ذكر المؤلف عن أبي الخطاب أنَّه ذكر ترجيح العلة التي هي أقلُّ أوصافًا على التي هي أكثر أوصافًا، ووجَّه ذلك بمشابهتها العلة العقلية، وبأنَّ ذلك أجرى على الأصول.

стр. 514

ولا يخفى ضعف هذا التوجيه -أيضًا-. ووجَّه المالكية ومن وافقهم ترجيح العلة التي هي أقلُّ أوصافًا على التي هي أكثر أوصافًا بأنَّ تطرق البطلان أقل في التي هي أقلُّ أوصافًا؛ لأنَّ المركب يسرى إليه البطلان ببطلان كلِّ واحد من أوصافه، فاحتمال البطلان في كثيرة الأوصاف أكثر منه في قليلة الأوصاف. ويُفْهَمُ منه أنَّ غير المركبة -أعني العلة التي هي وصف واحد- تقدم على المركبة من وصفين فأكثر -على ما ذكرنا-؛ لأن تطرق الخلل للمتعدد أقوى احتمالًا من تطرقه لغير المتعدد، كما كان أقوى احتمالًا في الأكثر أوصافًا من الأقلِّ أوصافًا. وقال بعضهم: إنَّ العلة التي هي أكثر أوصافا مقدَّمةٌ على العلة التي هي أقلُّ أوصافًا؛ لأنَّ كثرة أوصاف العلة الجامعة بين الفرع والأصل تدلُّ على كثرة الشبه بينهما. وقد قدمنا الكلام في القياس على العلة المركبة وغيرها. ثم ذكر عن أبي الخطاب أنَّه ذكر ترجيح العلة بكثرة فروعها وعمومها، قال (١): (ثم اختار التسوية وأنَّ هذين لا يرجح بهما؛ لأنَّ العلتين سواء في إفادتهما حكمهما وسلامتهما من الفساد، ومتى صحَّت لم يلتفت إلى كثرة فروعها، ولا كثرة أوصافها). ومثال ترجيح التي هي أقل أوصافًا على التي هي أكثر أوصافًا:

стр. 515

ترجيحُ علة الحنفي والحنبلي في تحريم الربا بالكيل؛ لأنَّ الكيل وصفٌ واحدٌ = على علة المالكية تحريم الربا في البرِّ المركبة من أكثر من وصف وهي: الاقتيات والادخار وغلبة العيش، على خلافٍ في الوصف الأخير. ومثال الترجيح بكثرة فروعها: الكيل -أيضًا- مع الاقتيات والادخار؟ لأنَّ المكيلات أكثر من المقتات المدَّخر، فالكيل تحته فروع كثيرة، كالنُّورة، والأشنان، ونحو ذلك، لم تدخل في الاقتيات والادخار، فهو أكثر فروعًا. واعلم أنَّ الترجيح بكثرة الفروع مبنيٌّ على ترجيح العلة المتعدية على القاصرة، فالمتعدية التي هي أكثر فروعًا ترجح على المتعدية التي هي أقلُّ فروعًا، وعلى العكس بالعكس. وقد مثَّلنا -سابقًا- لتقديم المتعدية على القاصرة. ومن أمثلته: تعليل بعضهم منع الربا في النقدين بالوزن، فالوزن علة متعدية إلى غيرهما كالحديد والنحاس، مع تعليل بعضهم منع الربا فيهما بالثمنية أو النقدية، فهي قاصرةٌ عليهما. واعلم أنَّ المؤلف ذكر عن أبي الخطاب أنَّ العلة المتعدية ترجح على القاصرة، وهو المعروف عند الأصوليين. ثم قال (١): (ومنع ذلك قومٌ، لأنَّ الفروع لا تنبئ عن قوة في ذات

стр. 516

العلة بل القاصرة أوفق للنصِّ. والأول أولى، فإنَّ المتعدية متفق عليها، والقاصرة مختلف فيها). ولا يخفى أنَّ المؤلف قد قدَّم في القياس أنَّ العلة القاصرة مردودة لا يصحُّ التعليل بها أصلًا، واستدلَّ لذلك بأمور -كما أوضحناه هنالك، وبيَّنا الصواب فيه-. وما ذكرنا عن المؤلف أنَّه ذكر عن أبي الخطاب من ترجيح العلة بعمومها، معناه: أنَّ العلة العامة في جميع أفراد أصلها، أعني الشاملة لجميعها بوجودها في جميعها، مقدَّمةٌ على ما ليست كذلك. ومثَّل له بعضهم بتعليل الشافعيِّ منع الربا في البرِّ بالطعم، مع تعليل الحنفيِّ بالكيل، فالطعمُ موجود في جميع البرِّ على كل حال من أحواله قليلًا كان أو كثيرًا، بخلاف الكيل، فلا يوجد في ملء كفٍّ من البر، فعلة الطعم عامةٌ في جميع أفراد الأصل بخلاف علة الكيل. والقصدُ مطلق المثال لا مناقشة أدلة الأقوال. ثم ذكر (١) عن أبي الخطاب ترجيح العلة المنتزعة من أصولٍ على المنتزعة من أصلٍ واحد؛ لأنَّ الأصول شواهد للصحة، وما كثرت شواهدُه كان أقوى في إثارة غلبة الظنِّ. قصورُ كلامه هذا ظاهرٌ. ومثَّل له بعضهم بقياس الوضوء في وجوب النية وعدم وجوبها،

стр. 517

فإنَّ الذي يقول بعدم وجوب النية فيه يقيسه على وصفٍ منتزع من أصل واحد، وهو أنَّه تنظيفٌ لا تلزم فيه النيةُ كطهارة الخبث. وطهارةُ الخبث التي قاس علمها الوضوء أصلٌ واحدٌ. أمَّا القائل بوجوب النية فيه، فيقول: هو قربةٌ، فتجب فيه النية، كالصلاة والصوم والحج ونحو ذلك من القرب، فهذه أصولٌ كثيرة، وذلك أصلٌ واحد. ومثَّل له بعضهم بما ورد من تضمين الغاصب، وتضمين المستعير من الغاصب. ويستنبط من كلٍّ منهما أنَّ علة الضمان وضع اليد على مال الغير، وظاهره: ولو لغير تملكٍ. فهما أصلان يشهدان بأن علة ضمان مال الغير وضع اليد عليه، ولو بغير تملكٍ. قالوا: فيرجح ذلك على ما قاله أبو حنيفة من كون العلة وضع اليد بقصد التملك، وإن صحَّ استنباط ذلك من تضمينِ مُسْتَامِ السلعة. ثم ذكر عن أبي الخطاب أنَّه رجَّح العلة المطردة المنعكسة على ما لا تنعكس، قال (١): (لأنَّ الطرد والعكس دليلٌ على الصحة ابتداءً؛ لما فيه من غلبة الظنِّ، فلا أقلَّ من أنْ يصلح للترجيح).

стр. 518

قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-: وقد أوضحنا فيما مضى أنَّ الطرد في اصطلاح الأصوليين هو ملازمة العلة والحكم في الثبوت. وقضيته: كلما وُجِدَتْ العلةُ وُجِدَ الحكمُ، وإن وُجِدَتْ العلة بدون الحكم هو المسمَّى بالنقض. وقد قدَّمنا الكلام عليه مستوفى، هل هو قادح أو تخصيص للعلة؟ وأنَّ العكس (١) هو الملازمة في الانتفاء. وقضيتُه: كلما انتفت العلة انتفى الحكم. واختلف في القدح بعدم الانعكاس، والصواب أنَّه يقدح عند من يمنع تعدد العلل، أمَّا مع تجويز تعدد العلة فلا يقدح تخلف العكس قولًا واحدًا. وقد علمت ممَّا قدَّمنا أنَّ العلة المنصوصة تتعدَّد بلا خلافٍ، ولا يقدح فيها تخلف العكس إجماعًا. فلو قلت: البول علةٌ لنقض الوضوء، وهو معدومٌ من هذا الشخص، مع أنَّ وضوءه منتقض، قلنا: لثبوت نقض وضوئه بعلة أخرى غير البول، كالغائط، والنوم، والتقبيل. وكما لو قلت: الجماع علةٌ لوجوب الغسل، وهو منتفٍ عن هذه

стр. 519

المرأة، مع أنَّ الغسل واجب عليها، فإنَّا نقول: لثبوته بعلةٍ أخرى، وهي انقطاع دم الحيض عنها. وهكذا. أمَّا العلل المستنبطة فهي التي اختلف في جواز تعددها، فعلى القول بجواز تعددها فتخلف العكس ليس بقادح؛ لأنَّه قد تنتفي العلة، ويثبت الحكم بأخرى. أمَّا على القول بمنع تعددها فتخلف العكس قادحٌ ما لم يرد نصٌّ ببقاء الحكم مع تخلف العلة، كالرَّمل في الأشواط الثلاثة الأُول في طواف القدوم، فعلَّته واحدة، وهي أن يعتقد المشركون أنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابه أقوياء، وأنَّهم لم تُنهكهم حمَّى يثرب، وقد زالت علة هذا الحكم مع بقائه، فتخلف العكس هنا ليس بقادح؛ لأنَّ الدليل ورد ببقاء الحكم المذكور مع زوال علته؛ لأنَّه ﷺ رمل في حجة الوداع بعد زوال علة الرَّمل التي فعل من أجلها. وإلى هذا أشار في "مراقي السعود" بقوله في القوادح: وعدم العكس مع اتحاد ... يقدح دونَ النصِّ بالتمادي فإذا علمت ذلك فمثال المطردة المنعكسة: الإسكار للتحريم. ومثال غير المطردة: العلة التي ورد عليها نقضٌ. وقد قدَّمنا أمثلة ذلك مستوفاة. ومثال غير المنعكسة: الكيل بالنسبة إلى ملء كفٍّ من البرِّ عند من يقول: إنَّ الربا حرامٌ فيه، مع أنَّ الكيل منتفٍ عنه لقلَّته، فقد انتفت علة

стр. 520

الربا، وبقي حكم الربا على هذا. والقصدُ المثال لا مناقشة أدلة الأقوال. والمعروف عند أهل الأصول أنَّ المطردة المنعكسة مقدَّمةٌ على المطردة، والمطردة مقدَّمةٌ على المنعكسة. وإليه أشار في "المراقي" في ترجيح العلل بقوله: وذات الانعكاسِ واطرادِ ... فذات الآخر بلا عناد ثم ذكر المؤلف عن أبي الخطاب أنَّه رجَّح ما كانت علته وصفًا على ما كانت علته اسمًا بأنَّه متفق على الوصف مختلف في الاسم، فالمتفق عليه أقوى. مثال التعليل بالوصف: تعليل الربا في البرِّ بالطعم أو الكيل. ومثال التعليل بالاسم: تعليله فيه بكونه برًّا. وتعليلُه في الذهب بكونه موزونًا تعليلٌ بالوصف، وتعليلُه بكونه ذهبًا تعليلٌ بالاسم. والوصف مقدَّم على الاسم. وهذا راجع في الحقيقة إلى مسألة تعدي العلة وقصورها. واللَّه تعالى أعلم. ثم ذكر عن أبي الخطَّاب أنَّه رجح ما كانت علتُه إثباتًا على التعليل بالنفي لهذا المعنى أيضًا. والظاهر أنَّ مراده بهذا المعنى أن التعليل بالإثباتِ متفقٌ عليه،

стр. 521

وبالنفي مختلفٌ فيه، وليس ذلك على إطلاقه؛ لأنَّ تعليل النفي بالنفي لا خلاف فيه، إنَّما الخلاف في تعليل الإثبات بالنفي -كما تقدَّم-، ولا يبعد ترجيح تعليل الإثبات على النفي مطلقًا من حيث إنَّ الموجود أولى من المعدوم في الجملة، واللَّه تعالى أعلم. ثم ذكر عن أبي الخطاب أنَّه رجَّح العلة المردودة إلى أصل قاس الشارع عليه، كقياس الحجّ على الدَّين في أنَّه لا يسقطُ بالموت، فهو أولى من قياسهم له على الصلاة، لتشبيه النبيِّ ﷺ له بالدَّين. وإيضاحُه: أنَّ الإنسان إذا مات ولم يحجَّ حجة الإسلام، وقد ترك مالًا، فقد قال بعض أهل العلم: يجب أن يُحَجَّ عنه من ماله؛ لأنَّ الحجَّ دينٌ في ذمته، فيجب قضاؤه عنه بعد الموت كسائر ديونه. فقاسوا الحجَّ على دين الآدمي بجامع أنَّه مطالب بالجميع، ويسقط عنه بالأداء في الجميع، وينتفعُ بالقضاء في الجميع. وقال بعض أهل العلم: لا يلزم الحجُّ عنه من ماله إن لم يوص به؛ لأنَّ الحجَّ عبادٌ بدنيةٌ، فتسقطٌ المطالبة بها بالموت قياسًا على الصلاة. فيرجَّح القياس الأول بأنَّه وردت أحاديث متعددة بأن النبيَّ ﷺ سئل عن الحجِّ عن الميت؟ فشبَّهه بالدَّينِ، وقال: "أرأيت لو كان على أمِّكَ دينٌ فقضيته عنها، أكان ينفعُها؟ " قالت: نعم. قال: "فدينُ اللَّه أحقُّ بالقضاء". والحاصلُ أنَّ القياس الأول يترجَّح بأنَّ علته جَمَعَ بها النبيُّ ﷺ بين ذلك الأصل والفرع، فصارت مردودةً إلى أصلٍ قاس الشارع عليه كما

стр. 522

مثَّلنا. ثم قال المؤلف (١) ﵀: (ومتى كان أصل إحدى العلتين متفقًا عليه والآخر مختلفًا فيه كانت المتفق على أصلها أولى، فإنَّ قوة الأصل تؤكد قوة العلة، وكذلك ترجَّحُ كل علةٍ قَوِيَ أصلُها. مثل أن يكون أحدهما محتملًا للنسخ والآخر لا يحتمل، أو يثبت أحدهما بخبر متواتر والآخر بآحاد، أو أحدهما ثابت بروايات كثيرةٍ والآخر برواية واحدة، أو أحدهما بنصٍّ صريح والآخر بتقدير أو إضمار). وحاصل كلامه: أنَّ العلة ترجح بقوة حكمها، فإذا تعارضت علتان وكان ما يثبت به حكم إحداهما أقوى ممَّا يثبت به حكم الأخرى، فإنَّ قوة حكمها مرجحة لها؛ لأنَّ قوة الأصل تؤكد قوة العلة. هكذا قال. والأسبابُ التي تقوي أحدَ الحكمينِ على الآخرِ كثيرةٌ: منها: أن يكونَ أحد الحكمين منصوصًا، والآخر مستنبطًا، فعلة المنصوصِ تقدم على علة المستنبطِ، كما لو قال أحد المجتهدين: الأرز يمنعُ فيه الربا قياسًا على البرِّ بجامع الكيل، وقال الآخر: الأرز

стр. 523

يمنعُ فيه الربا قياسًا على الذرة بجامع الاقتيات والادخار. فترجَّح العلة الأولى لأنَّ أصلها وهو البرُّ منصوص على تحريم الربا فيه، بخلاف الذُّرة التي هي الأصل في القياس الآخرِ فتحريم الرِّبا فيها مستنبطٌ لا منصوص. ويمثل لهذا -أيضًا- بما إذا كان أحد الأصلين متفقًا على حكمه، والآخر مختلفًا فيه، فإنَّ تحريم الرِّبا في البرِّ مجمعٌ عليه، وتحريمه في الذُّرة خالف فيه الظاهرية. ومنها: أن يشهد لحكمها أصلان، كما قدَّمنا في ضمان الغاصب والمستعير منه بمطلق وضع اليد، مع قول القائل: إنَّه لا بدَّ مع وضع اليد من قصد التملك. ومرادُه بمحتمل النسخ: النصُّ، وبما لا يحتمله: الإجماعُ؛ لأنَّه لا ينسخ. وقدَّم قومٌ العلة التي مستند حكمها النصُّ على التي مستند حكمها الإجماع؛ لأنَّ الإجماع فرع النصِّ؛ لأنَّه مستنده. وقول المؤلف (١): (أو يكونَ أحدُهما أصلًا بنفسه، والآخرُ أصلًا لآخر). فيه تعقيدٌ، والظاهرُ أنَّ مراده المثال الذي ذكرنا في قياس الأرز على البرِّ، وقياسه على الذُّرة، لأنَّ البرَّ أصل بنفسه، والذُّرة ليست

стр. 524

أصلًا مستقلًّا، وإنَّما هي أصلٌ بالنسبة إلى إلحاقها بالبرِّ، فتكون فرعًا بالنسبة إلى البرِّ، وأصلًا آخر بالنسبة إلى الأرز في المثال المذكور. وقد قدَّمنا أنَّ مثل هذا لا يجوز عنده، وأنَّ الصحيح جوازه، فلعله مشى أولًا على منعه، وثانيًا على جوازه، كما صنع في العلة القاصرة، فإنَّه أولًا ذكر منع التعليل بها، وأخيرًا ذكر جوازه. واللَّه تعالى أعلم. وقول المؤلف (١): (أو يكون أحدهما اتفق على تعليله، والآخر اختلف فيه). يمكن أن يمثَّل له بما لو قال أحدهما: ينبغي إزالة النجاسة عن المكان، قياسًا على إزالتها عن بدن الإنسان. وقال الآخر: ينبغي إزالة النجاسة عن المكان، قياسًا على غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلبُ، فإنَّه لإزالةِ (٢) ما أصابه من نجاسة لعاب الكلب. فإنَّ الأصل الأول وهو إزالتها من البدن مجمعٌ على أنَّه معلَّل بأنَّه ينبغي إزالة الأقذار عن البدن والنظافة منها، بخلاف غسل الإناء من ولوغ الكلب فهو مختلف في كونه معللًا، فالشافعيُّ يقول: علة غسل الإناء نجاسة لعاب الكلبِ، ومالك -مثلًا- يقول: لعاب الكلب طاهرٌ وغسلُ الإناء من ولوغه تعبديٌّ، وليس معللًا أصلًا، إذ لو كان معللًا لما احتاج إلى سبعٍ، كغسل سائر النجاسات، ولأنَّ لعاب الكلب

стр. 525

عنده طاهرٌ بدليل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة/ ٤] ولم يرد أمرٌ بغسلِ ما مسَّه لعابُ الكلب، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وقول المؤلف (١): (أو يكون أحدهما مفيدًا للنفي الأصلي. . .) الخ = تقدم إيضاحُه. وقولُه (٢): (وترجح العلة المؤثرة على الملائمة، والملائمة على الغريبة). قد قدَّمنا إيضاح المؤثر والملائم والغريب -عند المؤلف-. أمَّا عند غير المؤلف فالغريب لا يصحُّ التعليل به -أصلًا-، فلا مدخل له في الترجيح كما تقدم. وقولُه (٣): (وترجح المناسبة على الشبهية؛ لأنَّها أقوى في تغليب الظنِّ). قد قدَّمنا إيضاح المناسب وأنواعه، والشبه وأنواعه، فراجعه إن شئت، واللَّه أعلم. وهنا انتهى كتاب روضة الناظر.

стр. 526

تنبيهات: الأول: لم يتعرض المؤلف للترجيح بين الإجماعات والأقيسة والحدود، أعني التعاريف، مع أنَّ كلَّ ذلك مذكور في كتب الأصول. الثاني: اعلم أنَّه قد يكون الترجيح بين المرجحات ، وهو بابٌ واسعٌ لا تمكن الإحاطة به. ومن أمثلته: ترجيح حديثِ ميمونة في أنَّه ﷺ تزوجها وهما حلالٌ بأنَّها صاحبة القصة، وحديثِ أبي رافع بأنَّه مباشر، على حديث ابن عباس بأنَّه تزوجها وهو محرم. مع ترجيح حديث ابن عباس بأنَّه اتفق عليه الشيخان، وحديث ميمونة عند مسلم فقط، وحديث أبي رافع عند الترمذيِّ. فيلزم الترجيح بين هذين المرجحين -مثلًا-. فنقول: سلَّمنا ترجيح حديث الشيخين من جهة السند، فلنفرضْ أنَّا جازمون بأنَّ ابن عباس قال ذلك، وجزمُنا بأنَّه قاله هو غاية الترجيح بكونه في الصحيحين، فيكون الطرف الآخر راجحًا بأنَّ ميمونة وأبا رافع أعلم بنفس الواقعة من ابن عباس؛ لأنَّ لهما من الملابسة للواقعة ما ليس له، لأنَّها صاحبتها وهو مباشرها، مع أنَّهما بالغان وقت التحمل، وهو ليس كذلك. الثالث: اعلم أنَّ المرجحات يستحيل حصرها ؛ لكثرتها وانتشارها.

стр. 527

وضابطُ الترجيح هو: ما تحصل به غلبة ظنِّ رجحان أحد الطرفين. وإليه أشار في "مراقي السعود" بقوله: وقد خلتْ مرجِّحاتٌ فاعتبر ... واعلمْ بأنَّ كلَّها لا ينحصر قُطْبُ رحاها قوةُ المَظِنَّة ... فهي لدى تعارضٍ مَئِنَّة وقال صاحب "الضياء اللامع" في المرجحات: ومن رام هذه الأجناس بضابط فقد رام شططًا لا تتسع له قوة البشر. الرابع: اعلم أنَّه جرت عادة الأصوليين بعقد باب يسمُّونه (كتاب الاستدلال)، ومرادهم بالاستدلال هو ما لم يدل عليه دليل من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياسٍ أصوليٍّ. و مسائل كتاب الاستدلال كثيرة، ذكر المؤلف منها مسائل متفرقة، كالاستحسان، والاستصحاب، والمصالح المرسلة، وقول الصحابيِّ، وشرعِ من قبلنا. وترَكَ منها أمورًا كثيرة لم يذكرها، كإجماع أهل المدينة عند من يحتجُّ به، وإجماع العشرة، وإجماع الخلفاء الأربعة عند من يحتجُّ بذلك، وإجماع أهل الكوفة عند من يحتجُّ به، وكالقياس المنطقيِّ بنوعيه -أعني: القياس الاقترانيَّ والاستثنائيَّ الذي هو الشرطيُّ المتصلُ والمنفصل-، والاستقراء، وقياس العكس، وسدِّ الذرائع إلى المحرمات، وفتحها إلى الواجبات، والعوائد، والأخذ بأخفِّ الضررين، وفقد الشرط، ووجود المانع، ووجود المقتضي، وانتفاء

стр. 528

مدرك الحكم -أي دليله الذي يدرك به-، خلافًا للأكثر في الأخير، ونحو ذلك من مسائل الاستدلال، وبعضها فيه الخلاف. والعلم عند اللَّه، وصلى اللَّه على نبينا محمدٍ وآله وصحبه وسلم.