فالقذارةُ علةٌ لمنعِ الأكل، ولكنَّها عورضتْ بما هو أقوى منها.
تنبيهات:
التنبيه الأول: قولُ المؤلفِ (١) ﵀ في هذا المبحث: (وأمَّا الكسر: وهو إبداء الحكمةِ بدون الحكمِ، فغيرُ لازمٍ. . .) الخ.
فيه نظرٌ من جهتين:
الأولى: أنَّه عرَّف الكسر بأنَّه إبداء الحكمةِ بدونِ الحكم. والكسرُ يشملُ أعمَّ ممَّا ذكره.
الثانية: أنَّه قال: لا يلزمُ به قدحٌ. وبه قال بعضُ الأصوليين، واختاره ابنُ الحاجبِ في بعضِ المواضعِ من مختصره. مع أنَّ جماعةً من أهل الأصولِ صححوا أنَّه قادحٌ.
قال ابنُ الحاجب في مختصره الأصولي في عدِّه للقوادحِ: "الرابع عشر: الكسر وهو نقضُ المعنى، والكلامُ فيه كالنقضِ".
وقال صاحبُ "جمع الجوامع" في مبحث القوادحِ: "ومنها: الكسرُ، قادحٌ على الصحيحِ؛ لأنَّه نقضُ المعنى، وهو إسقاطُ وصفٍ من العلةِ. . . " الخ.
فالظاهرُ أنَّ الكسر كالنقض، فعلى أنَّ النقضَ قادحٌ فالكسرُ كذلك، والجوابُ عنه كالجوابِ عنه.
стр. 457
وقال صاحبُ "الضياء اللامع في شرح جمع الجوامعِ": "واتفق أهل العلم على صحته وإفساد العلةِ به". انتهى محلُّ الغرضِ منه.
واعلمْ أنَّ مِنْ أنواع الكسر ما ذكره المؤلفُ، وهو إبداء الحكمةِ بدون الحكمِ، وجزمَ بأنَّه غيرُ قادحٍ، واختاره ابن الحاجبِ في بعضِ المواضع من مختصره، ومثَّل له بقول الحنفي في المسافرِ العاصي بسفره: مسافرٌ، فيترخصُ في سفره، كغير العاصي.
فإذا قيلَ له: ولم قلتَ: إنَّ السفرَ علةٌ للترخُّص؟ قال: بالمناسبة؛ لما فيه من المشقةِ المقتضيةِ للترخص؛ لأنَّه تخفيفٌ، وهو نفعٌ للمترخص.
فيعترضُ عليه بصنعةٍ شاقةٍ في الحضر، كحمل الأثقالِ وضربِ المعاولِ وما يوجبُ قربَ النار في ظهيرةِ القيظِ في القُطْرِ الحارِّ، فهنا قد وجدت الحكمةُ وهي المشقة، ولم يوجد الحكمُ الذي هو قصرُ الصلاة وإباحةُ الفطر -مثلًا-.
والجوابُ عن هذا: أنَّ الشرعَ إنَّما اعتبرَ مشقةَ السفر، فالعلةُ في الترخيصِ السفرُ، وحكمتها رفعُ المشقة.
فأصلُ العلةِ لم يوجدْ في الصنعةِ الشاقةِ في الحضر، فلم يقعْ كسرٌ في العلة، وسفرُ العاصي بسفره علةٌ للترخص، والمانعُ من تأثيرها هنا عند من يقولُ به أنَّ الترخيصَ تخفيفٌ، والتخفيفُ على العاصي إعانةٌ له على معصيته، واللَّه يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة/ ٢].
стр. 458
ومن أنواعِ الكسرِ: تخلفُ الحكمةِ (١) مع وجودِ الحكم. اختلف فيه: هل ينتفي فيه الحكمُ لانتفاء حكمته، أو لا ينتفي بناءً على أنَّ المعللَ بالمظانِّ لن يتخلفَ فيه الحكمُ بتخلفِ الحكمةِ نظرًا إلى إناطةِ الحكمِ بالمظنة؟
وإلى هذا الخلافِ أشار في "مراقي السعودِ" بقوله:
وفي ثبوتِ الحكمِ عند الانتفا ... للظنِّ والنفي خلافٌ عرفا
وقال في شرحِه لمراقي السعودِ المسمى بنشر البنود: "لكنَّ الفروعَ المبنيةَ على هذه القاعدةِ، منها ما رجح فيه ثبوتُ الحكمِ، كاستبراء الصغيرةِ، فإنَّ حكمةَ الاستبراء تحقُّقُ براءةَ الرحمِ، وهي متحققةٌ بدون الاستبراء. وكمن مسكنه على البحرِ ونزل منه في سفينةٍ قطعتْ به مسافةَ القصرِ في لحظةٍ، فإنَّه يجوزُ له القصرُ في سفره هذا.
ومنها ما يرجحُ فيه انتفاء الحكمِ لانتفاء حكمته قطعًا، إلغاءً للمظنةِ مِنْ أصلها، أو بدليلٍ مخصوصٍ اقتضى إلغاء المظنَّةِ فيها.
وعلى هذا يتخرجُ كثيرٌ من المسائلِ، كشرعِ الاستنجاءِ من حصاةٍ لا بلل معها، والغسلِ من وضع الولدِ جافًّا، وعدمِ نقضِ الوضوء إذا لم توجد اللذَّةُ في اللمس بباطنِ الكفِّ أو الأصابع، والنقضِ بالقُبلةِ على الفمِ إذا لم توجد اللذةُ" اهـ. منه.
стр. 459
ومن المسائلِ التي تتخرجُ على القاعدةِ المذكورة: ما لو قال لامرأتِه: "أنتِ طالقٌ" مع آخر جزءٍ مِنْ الحيض. فهذا طلاقٌ صادف الحيضَ، وهو علةٌ لتحريم الطلاقِ، ولكن يستعقبُ العدةَ، فلا تطويلَ فيه. فالحكمةُ الموجبةُ للمنع التي هي التطويلُ منتفيةٌ هنا، فمنهم مَنْ نظر إلى المعنى وقال: هو سُنِّيٌّ، ومنهم مَنْ نظرَ إلى مظنَّةِ التطويلِ وهو الحيضُ، فقال: هو بدعيٌّ.
وكذلك لو قال لها: "أنتِ طالقٌ" مع آخر جزءٍ من الطهر.
فعلى أنَّ هذه المسائل المذكورةَ وأمثالها الكثيرةَ ينتفي فيها الحكمُ لانتفاء حكمتِه، فتخلفُ الحكمةِ عن الحكمِ كسرٌ قادحٌ في العلةِ، ولذا انتفى حكمُها بانتفاء الحكمة.
وعلى أنَّ الحكمَ فيها باقٍ مع انتفاء حكمته، فعلى قول من يقولُ: إنَّ هذا النوعَ من الكسرِ غيرُ قادحٍ، فلا إشكال.
وعلى قول من يقولُ: إنَّه قادحٌ، فالجوابُ عنده أنَّ هذه المسائلَ عُلِّقَ الحكمُ فيها بمظنَّةِ وجودِ الحكمةِ، والمعروفُ أنَّ المعلَّل بالمظانِّ لا يتخلفُ الحكمُ فيه بتخلفِ الحكمة؛ لأنَّ الحكمَ فيها منوطٌ بالمظنَّة. وأشار بعضُ أهل العلمِ إلى هذا بقوله:
إنْ عُللَ الحكمُ بعلةٍ غلبْ ... وجودُها اكتفى بذا عن الطلب
لها بكلِّ صورةٍ. . . ... . . . . . . . . . . . . . . .
وعليه، فالمانعُ من القدحِ بهذا النوع من الكسرِ إناطةُ الحكمِ بمظنَّةِ الحكمةِ لا بنفسِ الحكمة، وذلك لأنَّ نفس الحكمةِ ربما لا
стр. 460
يمكنُ انضباطها، فلو علقنا حكم قصر الصلاةِ وإباحةِ الفطر في رمضان -مثلًا- بحصولِ المشقةِ لم تنضبطْ هذه الحكمة؛ لاختلافها باختلافِ الأشخاصِ والأحوال، فأنيطَ بسفر أربعةِ بردٍ -مثلًا- لأنَّه مظنَّةُ المشقة. ومِنْ هنا لم يُنْظَرْ إلَّا للمظنَّةِ عند مَنْ يقولُ بذلك.
ومن أنواع الكسرِ: إبطالُ المعترضِ جزءًا من المعنى المعلَّلِ به، ونقضُه ما بقيَ من أجزاء ذلك المعنى المعلَّل به.
فعلمَ أنَّه إنَّما يكونُ في العلةِ المركبةِ من وصفينِ فأكثر.
والقدحُ به مقيَّدٌ بأنْ يعجزَ المستدلُّ عن الإتيانِ ببدلٍ من الوصفِ الذي أبطله المعترض، فإنْ ذكر بدلًا يصلحُ أنْ يكونَ علةً للحكمِ ألغي الكسرَ واستقامَ الدليل.
وإبطالُ الجزء بأنْ يبينَ المعترضُ أنَّه ملغيٌّ بوجود الحكمِ عند انتفائه.
والمرادُ بنقضِ الباقي عدمُ تأثيرِه في الحكمِ، وله صورتان:
الصورةُ الأولى: أنْ يأتيَ المستدلُّ ببدل الوصفِ المسقطِ عن الاعتبار، كما يقالُ في وجوب أداء صلاةِ الخوفِ: هي صلاةٌ يجبُ قضاؤها لو لم تفعل، فيجبُ أداؤَها، قياسًا على صلاة الأمنِ، فإنَّها كما يجبُ قضاؤها لو لم تفعل يجبُ أداؤها.
فوجوبُ القضاء هو العلةُ، ووجوبُ الأداء هو الحكمُ المعلَّلُ بتلك العلة.
стр. 461
فيعترضُ بأنَّ خصوص الصلاةِ ملغيٌّ، ويبينُ بأنَّ الحجَّ واجبُ الأداء كالقضاء.
فيبدلُ المستدلُّ خصوص الصلاةِ بوصفٍ عامٍّ هو العبادةُ، بأنْ يقول: عبادةٌ يجبُ قضاؤها لو لم تُفْعَلْ. . . الخ.
فينقضُ عليه المعترضُ -أيضًا- هذا البدلَ بصوم الحائضِ، فإنَّه عبادةٌ يجبُ قضاؤها، ولا يجبُ أداؤها، بل يحرم.
والصورةُ الثانية: أن لا يبدل المستدلُّ الوصف الذي أبطله المعترضُ، فلا يبقى للمستدلِّ علةٌ في المثالِ المذكورِ إلَّا قوله: "يجبُ قضاؤها"، فينقضُه المعترضُ بأنْ يقول: ليس كلُّ ما يجبُ قضاؤه يجبُ أداؤه، بدليلِ صومِ الحائضِ في رمضان، فإنَّها يجبُ عليها قضاؤه، ولا يجبُ عليها أداؤه، بل يحرم.
فعُلم ممَّا ذكرنا أنَّ الكسر يصدقُ بأنواعٍ، منها ما لا ينبغي أنْ يختلفَ في أنَّه قادحٌ، ومنها ما اختلفَ فيه، والأظهرُ في بعضِ صورِه عدمُ القدح.
وقد أشار صاحبُ "مراقي السعودِ" إلى أنَّه قادحٌ، مع ذكر بعضِ صوره بقوله في مبحثِ القوادح:
والكسرُ قادحٌ ومنه ذكرا ... تخلفَ الحكمةِ عنه مَنْ درى
ومنه إبطالٌ لجزءٍ والحيل ... ضاقتْ عليه في المجيءِ بالبدل
وضابطُ الكسرِ المنطبقِ على جميعِ جزئياتِه: أنَّه إظهارُ خللٍ في
стр. 462
بعضِ العلَّة، فيصدقُ بوجودِ حكمتها بدونِها، وبوجودها دون حكمتها، وبإبطال بعضِ أجزائها مع العجزِ عن بدلٍ منه صالحٍ.
وقد تقدَّم إيضاحُ ذلك كلِّه بأمثلته.
وبما ذكرنا تعرفُ ما في كلام المؤلفِ ﵀ كما أشرنا إليه.
التنبيه الثاني: أظهرُ قولَيْ أهل الأصولِ -عندي- وجوبُ الاحترازِ في الدليلِ عن صورة النقضِ، بأنْ يذكرَ في دليلهِ ما تخرجُ به الصورةُ التي يردُ عليها النقضُ، كأنْ يقول في علةِ القصاصِ: قتلٌ عمدٌ عدوانٌ واقعٌ مِنْ غيرِ والدٍ لولده، فيجبُ فيه القصاص.
فقوله: "واقعٌ مِنْ غيرِ والدٍ لولده" احترز به عن صورةِ النقضِ، فلو لم يحترزْ بذلك عنها لقالَ المعترضُ: هذه العلةُ منتقضةٌ بقتلِ الوالدِ ولدَه، فهو قتلٌ عمدٌ عدوانٌ ولا قصاصَ فيه.
وهكذا في الأمثلةِ السابقة، خلافًا لمن قال من الأصوليين: لا يجبُ الاحترازُ المذكورُ، بل يستحبُّ.
وقال المؤلفُ (١) ﵀ في هذا المبحثِ:
(والأليقُ وجوبُ الاحترازِ؛ فإنَّه أقربُ إلى الضبطِ، وأجمعُ لنشرِ الكلامِ، وهو هينٌ).
стр. 463
وإن اختارَ وجوبَه غيرُ واحدٍ، واختار ابنُ الحاجبِ في مختصره الأصوليِّ أنَّ الاحترازَ المذكورَ ليس بلازمٍ.
وفيه أقوالٌ وتفصيلٌ معروفٌ عند الأصوليين أشار إليه ابنُ الحاجب.
وقال صاحبُ "جمع الجوامع": "ويجبُ الاحترازُ منه على المناظرِ مطلقًا، وعلى الناظرِ إلَّا فيَما اشتهر من المستثنيات، فصار كالمذكور، وقيل: يجب مطلقًا. وقيل: إلَّا في المستثنياتِ (مطلقًا) ". انتهى محلُّ الغرضِ منه.
ومرادهُ بالمستثنياتِ العرايا ونحوها.
والذين لم يوجبوا الاحترازَ المذكورَ وجهوا ذلك بأنَّ النقضَ سؤالٌ خارجٌ عن القياسِ، فلا يجبُ إدخالُه في صلبِ القياسِ، بل إذا أورده المعترضُ لزمَ جوابُه بما يدفعُه، كسائرِ الأَسئلة، ولأنَّ فيه تنبيهًا للمعترضِ على موضع النقض، وقد يدَّعي أنَّ الوصفَ الذي به الاحترازُ طرديٌّ، وذلَك يؤدي إلى انتشار الكلام، وهو خلاف المطلوبِ من المناظرة.
وأمَّا الذين أوجبوا الاحترازَ المذكور فقد وجهوا ذلك بأنَّ فيه حسم مادةِ الشغبِ وانتشار الكلامِ وسدًّا لبابه، فكان واجبًا، لما فيه من صيانةِ الكلامِ عن الانتشار.
وهذا الأخيرُ أظهرُ عندنا، وقد أجاب القائلونَ به بأنَّ سؤال النقضِ وإنْ كان خارجًا عن القياس فهو مصححٌ له، ومانعٌ مِنْ إظهارِ خللِ
стр. 464
النقضِ فيه.
وأجابوا عن كونه فيه تنبيهٌ للمعترضِ على موضعِ النقضِ بأنَّ ذلك لا يمنعُ وجوبَ الاحترازِ؛ لأنَّ المناظرةَ المشروعةَ مبنيةٌ على العدل والإنصافِ، وقصدِ ظهورِ الحقِّ، لا على المشاغبةِ وقصدِ غلبةِ الخصم.
التنبيه الثالث: قد قدَّمنا أنَّ من أجوبةِ المستدلِّ عن النقضِ منعَه وجود الوصف الذي هو العلةُ في صورةِ النقضِ، فلو أراد المعترضُ إثباتَ وجوده بالدليلِ فقد اختلف أهلُ الأصولِ هل يُمَكَّنُ مِنْ ذلك؟ إلى أربعةِ مذاهب:
الأول -وبه قال الأكثرُ-: إنَّه ليس له ذلك؛ لأنَّ فيه نقل الكلام إلى مسألةٍ أخرى، وبذلك يصيرُ المعترضُ مستدلًّا، والمستدلُّ معترضًا، وكلُّ ذلك على خلافِ ما تقتضيه طريقةُ الجدل.
الثاني: أنَّ له ذلك؛ لأنَّه متممٌ للنقض.
الثالث -وبه قال الآمديُّ-: إن تعينَ ذلك طريقًا للمعترضِ في دفع كلام المستدلِّ وجبَ قبولُه، وإنْ أمكنَ القدحُ بطريقٍ أخرى هي أقربُ للمقصودِ فلا يقبلُ منه ذلك.
الرابع -وحكاه ابن الحاجب، واختاره بعضهم-: هو أنَّ العلةَ إنْ كانت حكمًا شرعيًّا لم يقبلْ منه ذَلك؛ لما فيه من الانتشار، وإنْ كانت حكمًا عرفيًّا أو عقليًّا فله ذلك؛ لقربِ المأخذ في العقلياتِ والعرفياتِ دون الشرعيات.
стр. 465
ولم يذكر صاحبُ "جمع الجوامع" هذا القول الأخير؛ لأنَّه لم يره لغيرِ ابن الحاجبِ، كما ذكره عنه المحلي.
التنبيه الرابع: قد قدمنا أنَّ من أجوبة النقضِ منعَ المستدل تخلفَ الحكم، فإن منعه وقال: بل الحكمُ موجودٌ فلا نقض، فأراد المعترضُ إقامة الدليل على عدم الحكم؛ فقال بعضهم: له ذلك؛ إذ به يحصل مطلوبه، وهو النقضُ بتخلف الحكمِ عن الوصف.
وقال بعضهم: ليس له ذلك؛ لأنَّه انتقالٌ من الاعتراضِ إلى الاستدلال.
وقال بعضهم: له ذلك إن لم يكن طريقٌ آخر أولى بالقدح نظير ما تقدم.
والقولُ بمنعه من الاستدلال مطلقًا صححه صاحبُ "جمع الجوامع".
وقال صاحبُ "الضياء اللامع": وعزاه ولي الدين لأكثر النُّظار.
التنبيه الخامس: لو أقام المستدلُّ الدليل على وجود العلة في محل التعليلِ، وذلك الدليل موجود في محل النقض، فنَقَضَ المعترضُ العلَة، فقال المستدل: لا نسلِّم وجوده في محل النقض، فقال المعترض: ينتقضُ دليلُك؛ لوجوده في محل النقض دون مدلوله وهو وجود العلة = فاختلف: هل يسمع منه ذلك أو لا؟
فقال الجدليون: لا يسمع. واختاره صاحب "جمع الجوامع" وغير واحد؛ لأنَّه انتقال.
стр. 466
وقال بعضهم: يسمع منه ذلك.
ومثل له بعضهم بقول الحنفي: يصح صوم رمضان بنية قبل الزوال، للإمساك والنية.
فينقضه الشافعي بالنية بعد الزوال، فإنها لا تكفي.
فيمنع الحنفي وجود العلة في هذه الصورة.
فيقول الشافعي: ما أقمتَه دليلًا على وجود العلة في محل التعليل دالٌّ على وجودها في صورة النقض أيضًا.
أما لو قال المعترض: يلزمك أحد الأمرين، إما نقض العلة أو نقض دليلها، وأيًّا ما كان فلا تثبت العلِّية، كان مسموعًا يفتقر إلى الجواب، ولا نزاع في ذلك.
السؤال الثامن: القلب:
وضابطه: أن يثبت المعترضُ نقيضَ حكم المستدلِّ بعين دليل المستدل، فيقلب دليلَه حجةً عليه، لا له.
وهو قسمان:
أحدهما: ما صَحَّحَ فيه المعترضُ مذهبَه، وذلك التصحيح فيه إبطالُ مذهب خصمه، سواء كان مذهب الخصم المستدلِّ مصرحًا به في دليله أو لا.
ومثال ما كان مصرحًا به فيه: قول الشافعي في بيع الفضولي: عقدٌ في حقٍّ لغيرٍ بلا ولايةٍ عليه، فلا يصح؛ قياسًا على شراء الفضولي فإنه
стр. 467
لا يصح لمن سمَّاه.
فيقول المعترض، كالمالكي والحنفي: عقدٌ، فيصحُّ، كشراء الفضولي، فإنه يصحُّ لمن سماه إذا رضي المسمَّى له، وإلا لزم الفضولي.
ومثال غير المصرح فيه: قول من يشترط الصوم في الاعتكاف كالمالكي: لبثٌ، فلا يكون بنفسه قربة، كوقوف عرفة. أي فإنه قربةٌ بضميمة الإحرام إليه، فكذلك الاعتكاف إنما يكون قربة بضميمة عبادةٍ إليه، وهي الصوم، في الاعتكاف المتنازع فيه، ومذهبه -وهو اشتراط الصوم في الاعتكاف- غير مصرح به في دليله.
فيقول المعترض، كالشافعي: الاعتكاف لبثٌ، فلا يشترط فيه الصوم، كوقوف عرفة، أي فإنه لا يشترط فيه الصوم.
القسم الثاني من قسمي القلب: هو ما كان لإبطال مذهب الخصم، من غير تعرض لتصحيح مذهب المعترض، سواء كان الإبطال المذكور مدلولًا عليه بالمطابقة أو الالتزام.
مثال الأول: قول الحنفي في مسح الرأس: عضوُ وضوءٍ، فلا يكفي في مسحه أقل ما يطلق عليه اسم المسح، قياسًا على الوجه، فإذن لا يكفي في غسله ذلك.
فيقول المعترض، كالشافعي: فلا يقدر بالربع، كالوجه، فإنه لا يتقدر بالربع.
ومثال الثاني، وهو ما أبطل فيه مذهب المستدل بالالتزام: قولُ
стр. 468
الحنفي في جواز بيع الغائب: عقد معاوضةٍ يصح مع الجهل بالعوض، كالنكاح يصح مع الجهل بالزوجة، أي عدم رؤيتها.
فيقول المعترض، كالمالكي: فلا يثبت خيار الرؤية، كالنكاح.
فقد أبطلَ مذهب الحنفي بالالتزام؛ لأن ثبوت خيار الرؤية لازم عنده شرطًا للصحة، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم.
وعرَّف في "المراقي" القلب بنوعيه بقوله:
والقلب إثبات الذي الحكم نقض ... بالوصف والقدح به لا يعترض
فمنه ما صحح رأي المعترض ... مع أن رأي الخصم فيه منتقض
ومنه ما يبطل بالتزام ... أو الطباق رأي ذي الخصام
ولم يذكر المؤلف قلب المساواة، ولذا تركناه.
واعلم أن القلب نوعٌ من المعارضة، إلا أنه نوعٌ خاص؛ لأن المعترض فيه يعارض المستدل بنفس دليله -كما تقدمت أمثلته-، والجواب عنه كالجواب عن المعارضة، إلا أن يستثنى من ذلك منع وجود الوصف فلا يصح في القلب لاتفاق الخصمين عليه، كما يتضح من الأمثلة السابقة.
السؤال التاسع: المعارضة:
وهي قسمان:
١ - معارضة في الأصل.
стр. 469
٢ - ومعارضة في الفرع.
وأحسنهما المعارضة في الأصل؛ لأنَّه لا يحتاج إلى ذكر غير صلاحية ما يذكره للعلة.
واعلم أن ضابط المعارضة هو إقامة الدليل على خلاف ما أقام الخصم عليه دليله، وترد على جميع الأدلة قياسًا أو غيره.
وهذا الذي ذكره المؤلف: المعارضة في القياس.
وضابط المعارضة في الأصل: أن يبدي المعترض وصفًا آخر صالحًا للتعليل، كأن يقول الشافعي: علةُ تحريم الربا في البرِّ الطعمُ. فيعارض الحنبلي بإبداء وصفٍ آخر صالح للتعليل وهو الكيل.
ولا يخفى أن هذا النوع من المعارضة مبنيٌّ على القول بمنع تعدد العلل المستنبطة؛ لأنه على القول بجواز تعددها، فلا مانع من أن تكون كلتا العلتين صحيحة.
أما العلل المنصوصة فلا خلاف في جواز تعددها، كالبول والنوم لنقض الوضوء، ولا يرد عليها هذا النوع من المعارضة.
وأشار إلى هذا في "المراقي" بقوله:
وعلة منصوصة تعدد ... في ذات الاستنباط خُلْفٌ يعهد
وهذا النوع المذكور من المعارضة في الفرع: إبداء وصفٍ مانع من الحكم في الفرع منتف عن الأصل، كقياس الهبة على البيع في منع الغرر.
стр. 470
فيقول المعترض: البيع عقد معاوضة، والمعاوضة مكايسةٌ يخلُّ بها الغرر، والهبة محض إحسان لا يخلُّ بها الغرر، فإن لم يحصل شيء لم يتضرر الموهوب له، فكون الهبة محض إحسان معارضة في الفرع ليست موجودة في الأصل مانعة من إلحاقه به.
وكقول الحنفي: يقتل المسلم بالذمي كغير المسلم، بجامع القتل العمد العدوان.
فيقول المعترض: الإسلام في الفرع مانع من القَود.
وذكر المؤلفُ أن من المعارضة في الفرع فساد الاعتبار المتقدم، وهو واضح؛ لأنك لو قلت كالحنفي: يمنع السلف في الحيوانات؛ لعدم انضباطها، كسائر المختلطات، فللمعترض أن يقول: إن في هذا الفرع وصفًا مانعا من إلحاقه بالأصل، وهو أن النبي ﷺ استلف بكرًا ورد رباعيًّا، وهذا النص الموجود في الفرع منتفٍ عن الأصل الذي هو سائر المختلطات.
وذكر المؤلف (١) في جواب المعارضة في الأصل أربع طرق:
الأولى: أن يبين المستدل أن مثل الحكم المتنازع فيه ثبت بدون ما ذكره المعترض، فيستقلُّ به ما ذكره المستدل.
ومثاله: قول الشافعي: علة تحريم الربا في البرِّ الطعمُ.
فيعارضه الحنفيُّ -مثلًا- بوصف الكيل.
стр. 471
فيقول الشافعي: إن ملء الكف من البر ينتفي عنه الكيل؛ لقلته، ومنع الربا موجود فيه، فيستقل الطعم بالعلية.
والقصدُ المثال لا مناقشة أدلة الأقوال.
الثانية: أن يبين المستدل إلغاء ما ذكره المعترض في جنس الحكم المختلف فيه، كالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق، فإن في الحديث: "من أعتق شِرْكًا له في عبدٍ. . . " الحديث، فيقول المستدل: الأمة كالعبد في سراية العتق الواردة في الحديث بجامع الرق.
فيقول المعترض: إن في الأصل وصفًا مانعًا من إلحاق الفرع به، وهو الذكورة؛ لأن عتق الذكر تلزمه مصالح، كالشهادة والجهاد، وجميع المناصب المختصة بالرجال لا توجد في الفرع الذي هو الأمة.
فيجيب المستدل عن هذا الاعتراض بأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق (١) وصفان طرديَّان لا يترتب عليهما شيءٌ من أحكام العتق، كما تقدم إيضاحه.
الثالثة: أن يبين أن العلة ثابتة بنصٍّ أو إيماءٍ وتنبيه.
ومثاله في الإيماء والتنبيه: قول الشافعي: العلة في تحريم الربا في البرِّ الطعمُ.
فيعارضه المالكي بالاقتيات والادخار.
стр. 472
فيقول الشافعي: إن كون الطعم هو العلة تثبت بمسلك الإيماء والتنبيه في حديث معمر بن عبد اللَّه في "صحيح مسلم": "كنت أسمع رسول اللَّه ﷺ يقول: الطعام بالطعام مثلًا بمثل" الحديث. فترتيب اشتراط المثلية على وصف الطعم يدل بمسلك الإيماء والتنبيه على أن العلةَ الطعمُ.
والقصدُ المثال لا مناقشة الأقوال.
ومثالُه في النصِّ: أنْ يقول الحنبليُّ: علة الربا في البرِّ الكيل.
فيعارضُه المالكيُّ بوصف الاقتيات والادخار.
فيقول الحنبليُّ: إنَّ كون العلة الكيل ثبت بالنصِّ، ففي حديث حيان بن عبيد اللَّه عند الحاكم عن أبي سعيد بعد أن ذكر الستة المنصوص على تحريم الربا فيها أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "وكذلك كلُّ ما يكالُ أو يوزن".
وفي الصحيحين بعد ذكر الرِّبويَّات أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "وكذلك ما يوزنُ" بعد ذكر الكيلِ في الحديث.
الرابعة: أن يبين رجحان ما ذكره على ما أبداه المعترض.
ومثالُه: قول المالكيّ والحنفيِّ: إن علة كفارة الجماع في نهار رمضان انتهاكُ حرمة رمضان، فتجب في الأكل والشرب، كالجماع.
فيعارضه الحنبليُّ والشافعيُّ بخصوص وصف الجماع الذي رتَّب النبيُّ ﷺ عليه حكم الكفارة.
стр. 473
فيجيبُ المالكيُّ والحنفيُّ بأن الوصف المتعدِّي إلى غيره أرجح من الوصف الذي لم يتعدَّ إلى غيره؛ لأنَّ التعدية من المرجحات، وكون العلة هي انتهاك حرمة رمضان يتعدى بها الحكم من الجماع إلى الأكل والشرب، فتجبُ الكفارة في الجميع، وكون العلة خصوص الجماع تكون به قاصرةً على محلِّها، فلا يتعدى حكمها إلى شيء.
والقصدُ المثال لا مناقشة أدلة الأقوال.
وردَّ قوم القدح بالمعارضة بدعوى أن القدح هدمٌ، والمعارضة بناءٌ، والتحقيقُ خلافُه، لأنَّها هدمٌ للدليل.
السؤال العاشر: عدمُ التأثير:
أي عدم تأثير الوصف في الحكم.
وضابطُه: أن يذكر في الدليل ما يستغنى عنه.
وهو عند الأصوليين ثلاثةُ أقسام:
الأول: وهو المسمى بعدم التأثيرِ في الوصف.
وضابطُه: أن يكون الوصف طرديًّا لا مناسبة فيه أصلًا.
كقول الحنفيِّ في صلاة الصبح -مثلًا-: صلاةٌ لا تقصر، فلا يقدم أذانها على الوقت، كالمغرب.
فعدم القصر طرديٌّ في تقديم الأذان.
وحاصل هذا القسم: إنكار علة الوصف بكونه طرديًّا.
стр. 474
الثاني: وهو المسمى بعدم التأثير في الأصل.
وضابطُه: إبداء المعترض علة لحكم الأصل غير علة المستدل، بشرط كون المعترض يرى منع تعدد العلة لحكمٍ واحد، أمَّا إذا كان يرى جواز التعدد فلا يقدح في هذا القسم.
مثالُه: أن يقال في بيع الغائب: بيعُ غير مرئيٍّ، فلا يصحُّ بيعُه، كالطير في الهواء.
فيقول المعترض: لا أثر لكونه غير مرئيٍّ في الأصل، فإن العجز عن التسليم كافٍ في عدم الصحة، وعدمها واقعٌ مع الرؤية.
وهذا النوع من هذا القادح الذي هو عدم التأثير يتداخل مع المعارضة في الأصل -كما تقدَّم-.
الثالث: وهو المسمى بعدم التأثير في الحكم.
وأضربه ثلاثة:
١ - أن لا يكون لذكره فائدة أصلًا، كقول الحنفيِّ في المرتدين: مشركون أتلفوا مالًا بدار الحرب، فلا ضمان عليهم، كالحربيِّ.
ودار الحرب عندهم لا أثر لذكرها في الأصل ولا في الفرع، لأنَّ مَنْ أوجب الضمان ومَنْ نفاه لم يفرق أحدٌ منهم بين دار الحرب وغيرها.
وهذا راجع إلى القسم الأول، وهو كون الوصف طرديًّا.
فالمعترضُ يطالب المستدلَّ بتأثير كون الإتلافِ في دار حربٍ.
стр. 475
والذي عليه المحققون فساد العلة بذلك.
وذهب بعضهم إلى صحة التمسك به. ولا يخفى ضعفه.
٢ - أن يكون لذكرها فائدةٌ ضرورية، كقول معتبر العدد في الاستجمار بالأحجار: عبادةٌ متعلقة بالأحجار لم تتقدمْها معصيةٌ، فاعتبر فيها العدد قياسًا على رمي الجمار.
فقوله: "لم تتقدمها معصية" عديم التأثير في الأصل والفرع، لكنه مضطرٌّ إلى ذكره ليحترز به عن الرجم؛ لأنه عبادةٌ متعلقة بالأحجار ولم يُعتبر فيها العددُ.
٣ - أن يكون لذكرها فائدةٌ غير ضرورية، كان يقول: الجمعةُ صلاةٌ مفروضة، فلا تفتقر في إقامتها إلى إذن الإمام الأعظم كالظهر.
فقوله: "مفروضة" لو حذف لما ضرَّ، لكنه ذكر لفائدة تقريب الفرع من الأصل، بتقوية الشبه بينهما، إذ الفرض بالفرض أشبه منه بغيره، ومنع قوم ردَّ ما ذكر لفائدة، وله اتجاه.
تنبيهان:
١ - اعلم أن التأثير في هذا المبحث يراد به معنًى أعم من معناه المقابل للملائم والغريب.
٢ - اعلم أنه يُشترطُ في القدح بعدم التأثير أن يكون القياسُ قياسَ علة، فلا يقدح في قياس الشبه، ولا في الطرد، على القول باعتباره.
ويُشترطُ فيه -أيضًا- أن تكون العلة مستنبطةً مختلفًا فيها، فلا
стр. 476
يقدحُ به في علة منصوصةٍ ولا مستنبطةٍ مجمعٍ عليها.
وأشار في "المراقي" إلى تعريف هذا القادح وشروطه وأقسامه بقوله:
والوصفُ إن يعدم له تأثير ... فذاك لانتقاضه يصير
خصَّ بذي العلةِ بائتلافِ ... وذاتِ الاستنباطِ والخلافِ
يجيءُ في الطرديِّ حيثُ عللا ... به وقد يجيءُ فيما أصلا
وذا بإبدا علةٍ للحكمِ ... ممن يرى تعددًا ذا سقم
وقد يجي في الحكمِ وهو أضربُ ... فمنه ما ليس لفيدٍ يجلب
وما لفيدٍ عن ضرورةٍ ذكر ... أو لا وفي العفو خلافٌ قد سُطِر
السؤال الحادي عشر: التركيب:
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(وهو القياسُ المركبُ. . .) الخ.
اعلمْ أنَّ القياسَ المركب هو مركبُ الأصلِ ومركبُ الوصف، وهما داخلان في المنع -كما قدمناه واضحًا-؛ لأنَّ مركب الأصل يمنعُ المعترض فيه كون الوصف علةً، ومركب الوصف يمنع فيه وجود الوصف -كما تقدَّم-.
стр. 477
فذكرُ هذا القادح تكرارٌ مع ذكر قادح المنع.
السؤال الثاني عشر: القول بالموجب:
وضابطُه: تسليم المعترض دليل الخصم مع بقاء النزاع في الحكم. أي وذلك بجعل الدليل الذي سلَّمه ليس هو محلَّ النزاع.
كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ الآية [المنافقون/ ٨]، فابنُ أُبَيٍّ في هذه الآية استدلَّ على أنَّه يخرج الرسول ﷺ وأصحابه من المدينة بأنَّ الأعزَّ قادرٌ على إخراج الأذلِّ، والله سلَّم له هذا الدليل مبيِّنًا أنَّه لا يجديه؛ لأنَّه هو الأذلُّ، حيث قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [المنافقون/ ٨].
واعلمْ أنَّ القولَ بالموجبِ عند الأصوليين يقعُ على أربعةِ أوجه:
الوجه الأول: أنْ يَرِدَ لخللٍ في طرف النفي.
وذلك أنْ يستنتج المستدلُّ من الدليل إبطال أمر يتوهم منه أنَّه مبنى مذهب الخصم في المسألة، والخصم يمنع كونه مبنى مذهبه، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبه.
وأكثر القول بالموجب من هذا النوع.
كأن يقال في وجوب القصاص بالقتل بالمثقَّل: التفاوت في الوسيلة من آلات القتل وغيره لا يمنع القصاص، كالمتوسل إليه من قتلٍ أو قطعٍ أو غيرهما لا يمنع التفاوتُ فيه القصاص.
стр. 478
فتفاوت الآلات ككونه بسيفٍ أو برمحٍ أو غيرهما.
وتفاوت القتل ككونه بحزِّ عنق أو قطع عضو.
وتفاوت القطع ككونه بحزِّ المفصل من جهة واحدة، أو من جهتين، أو بغير ذلك.
فيقول المعترض، كالحنفيِّ: سلمنا أنَّ التفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص، ولكن لا يلزم من إبطال مانعٍ انتفاء جميع الموانع، ووجود جميع الشروط بعد قيام المقتضي. وثبوتُ القصاص متوقف على جميع ذلك.
فقول المستدل: "لا يمنع القصاص" نفيٌ، ولأجل ما وقع فيه من الخلل ورد القول بالموجب، فكأنَّ الحنفيَّ يقول للمستدلِّ: ما توهمتَ أنه مبنى مذهبي في عدم القصاص في المثقَّل ليس مبناه، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبي، بل مبنى مذهبي شيء آخر لم تتعرض له في اعتراضك.
ومعلوم أنَّ موجب منع الحنفيِّ القصاص في القتل بالمثقَّل عدمُ تحقق العلة التي هي قصد القتل، فهو عنده من الخطإ شبه العمد، إذ لا يلزم من قصده ضربه بالمثقَّل قصده إزهاق روحه عنده.
الوجه الثاني: أن يقع على ثبوت.
وضابطه: أن يستنتج المستدلُّ من الدليل ما يتوهم منه أنَّه محلُّ النزاع أو ملازمه، ولا يكونُ كذلك.
стр. 479
كأن يقال في القصاص بالقتل بالمثقَّل: قتلٌ بما يقتل -غالبًا-، لا ينافي القصاص؛ فيجب فيه القصاص قياسًا على الإحراق بالنار.
فيقول المعترض، كالحنفي: سلَّمنا عدم المنافاة بين القتل بمثقَّل وبين ثبوت القصاص، ولكنْ لمَ قلتَ: إن القتل بمثقَّل يستلزم القصاص، وذلك هو محلُّ النزاع، ولم يستلزمه دليلك وهو العلة التي هي قوله: "قتل بما يقتل غالبًا لا ينافي القصاص".
فقوله: "يجب فيه القصاص" ثبوتٌ، ولأجل ما ورد فيه من الخلل عنده وقع عليه القول بالموجبِ المذكور.
الوجه الثالث: أن يقع لشمول لفظ المستدلِّ صورةً متفقًا عليها، فيحمله المعترض على تلك الصورة، ويبقى النزاع فيما عداها.
كقول الحنفي في وجوب زكاة الخيل: حيوانٌ يسابق عليه، فتجب فيه الزكاة، كالإبل.
فيقول المعترض: أقول به إذا كانت الخيل للتجارة.
وهذا أضعف أنواعه، لأنَّ المستدلَّ يقول: عنيت وجوب الزكاة في رقابها.
الوجه الرابع: أن يقع لأجل سكوت المستدلِّ عن مقدمة غير مشهورة مخافة منع الخصم لها لو صرَّح بها.
كقول مشترط النية في الوضوء والغسل: كلُّ ما هو قربة تشترطُ فيه النية، كالصلاة، وسكت عن الصغرى وهي: الوضوء والغسل قربة.
стр. 480
فيقول المعترض، كالحنفيِّ -مثلًا-: نسلِّم أنَّ كلَّ ما هو قربة تشترط فيه النية، ولا يلزم من ذلك اشتراطها في الوضوء والغسل، فلو صرَّح المستدلُّ بالصغرى لَمَنَعها (١) المعترض، وخرج عن القول بالموجب.
وبعضهم يقول في هذا المثال: السكوت عن مقدمةٍ مشهورة. وما تقدم أظهر؛ لأنَّ المشهورة كالمذكورة، فكأنَّها غير مسكوت عنها لشهرتها.
وهذا النوع من القول بالموجب إنَّما ورد على السكوتِ عنها، ووجه كون الأول أظهر أنَّ غير المشهورة مسكوت عنها.
ووجه من قال: السكوت عن مقدمة مشهورة: أنَّ الشهرة هي التي تبيحُ الحذف؛ لأنَّ حذف غير المشهور يؤدي إلى عدم فهم الكلام.
تنبيهان:
الأول: منشأ الخلاف في اشتراط النية في الوضوء والغسل هو أنَّهما وسيلة إلى صحة الصلاة، فمَنْ أعطى الوسيلة حكم ما يقصد بها جَعَلَها قربةً فأوجب النية فيهما، وهذا هو الأظهر.
ومن لم يعط الوسيلة حكم مقصدها لم يجعلها قربة، فلم يُوجِبْ فيهما النية.
стр. 481
الثاني: قال بعض أهل الأصول: القولُ بالموجب والقلب معارضةٌ في الحكم لا قدحٌ في العلة. وجعلهما الفخر الرازي من القوادح في العلة.
وأشار في "المراقي" إلى تعريف القول بالموجب وأقسامه، فقال:
والقولُ بالموجبِ قدحه جلا ... وهو تسليم الدليل مُسْجَلا
مِنْ مانعٍ أنَّ الدليلَ استلزما ... لما مِنَ الصورِ فيه اختُصِما
يجيءُ في النفي وفي الثبوتِ ... ولشمول اللفظِ والسكوتِ
عمَّا من المقدِّماتِ قد خلا ... مِنْ شهرةٍ لخوفه أنْ تحظلا
واعلم أن الذي بيناه هنا هو القول بالموجب في اصطلاح أهل الأصول، أما القول بالموجب الذي هو نوعٌ من أنواع البديع المعنوي عند البلاغيين فقد تركنا إيضاحه هنا، لأن محله في فنِّ البلاغة.
стр. 482
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل في حكم المجتهد
اعلمْ أن الاجتهاد في اللغة: بذل المجهود في استفراغ الوسع في فعلٍ. ولا يستعمل إلا فيما فيه جهدٌ أي مشقة، يقال: اجتهد في حمل الرَّحى، ولا يقال: اجتهد في حمل النواة).
والجهد -بالفتح-: المشقة، وبالضمِّ: الطاقة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة/ ٧٩] قاله القرافي.
والاجتهادُ في اصطلاح أهل الأصول: بذلُ الفقيه وُسْعَهُ بالنظر في الأدلة، لأجل أن يحصل لَه الظنُّ أو القطعُ بأنَّ حكم اللَّه في المسألة كذا.
والأصل في الاجتهاد قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة/ ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء/ ٧٨].
وقوله ﷺ : "إذا اجتهد الحاكمُ فأصاب" الحديث، وقوله ﷺ لمعاذ: "الحمدُ للَّه الذي وفقَ رسول رسول اللَّه".
وشروط المجتهد:
стр. 483
١ - إحاطتُه بمدارك الأحكامِ المثمرة لها من كتاب، وسنة، وإجماع، واستصحاب، وقياس، ومعرفة الراجح منها عند ظهور التعارض، وتقديم ما يجب تقديمه منها كتقديم النصِّ على القياس.
والعدالة ليست شرطًا في أصل الاجتهاد، وإنَّما هي شرطٌ في قبول فتوى المجتهد.
ولا يشترطُ حفظُ آياتِ الأحكام، وأحاديثها، بل يكفي علم مواضعها في المصحف وكتب الحديث ليراجعها عند الحاجة.
٢ - ويشترط علمه بالناسخ والمنسوخ، ومواضع الإجماع والاختلاف، ويكفيه أن يعلم أنَّ ما يستدلُّ به ليس منسوخًا، وأنَّ المسألة لم ينعقد فيها إجماعٌ من قبل، ولا بدَّ من معرفته للعامِّ والخاصِّ، والمطلقِ والمقيدِ، والنصِّ والظاهرِ والمؤولِ، والمجملِ والمبينِ، والمنطوق والمفهومِ، والمحكمِ والمتشابه.
٣ - ولا بدَّ من معرفة ما يصلحُ للاحتجاجِ به من الأحاديثِ، من أنواع الصحيحِ والحسن، والتمييز بين ذلك، وبين الضعيفِ الذي لا يحتجُّ به، لمعرفته بأَسبابِ الضعف المعروفة في علم الحديثِ والأصول.
٤ - وكذلك القدرُ اللازمُ لفهم الكلام من النحو واللغة.
تجزُّؤ الاجتهاد: والصحيح جوازُ تجزُّؤ الاجتهاد.
التعبد بالقياس: واختلف في جواز التعبدِ بالقياس في زمنه ﷺ ، فمنعه قومٌ لإمكان الحكم بالوحي، وأجازه قومٌ لقصة معاذ.
стр. 484
اجتهادُه ﷺ : واختلف في اجتهاده ﷺ ، فمنعه قومٌ لقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم/ ٤]، وأجازه قومٌ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال/ ٦٧] ونحوها، وأجازه قومٌ في الأمور الدنيوية دون الدينية.
واختلف: هل المصيبُ واحدٌ من المجتهدين المختلفين، أو كلٌّ مصيب؟
والأول هو اختيار المؤلف، وهو الصحيح، كما يدلُّ عليه حديث: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ. . . " الحديث، فهو نصٌّ صحيحٌ صريحٌ في أنَّ المجتهدين منهم المخطئ ومنهم المصيب.
ومعلوم أن المخطئ في الفروع مع استكماله الشروط معذورٌ في خطئه، مأجورٌ باجتهاده، كما في الحديث.
وقصة بني قريظة تدلُّ على أنَّه قد يكون الكلُّ مصيبًا في الجملة؛ لأنَّه ﷺ لم يخطِّئ مَنْ صلى العصر قبل بني قريظة، ولا من لم يصلِّها إلا في بني قريظة، وهو لا يُقِرُّ على باطلٍ.
وإذا لم يترجح عند المجتهد أحد الدليلين المتعارضين وجب عليه التوقفُ. وقيل: يُخَيَّر. وقيل: يأخذ الأحوط منهما، وهو أظهرها؛ لحديث: "دَعْ ما يريبُك إلى ما لا يريبُك".
وليس للمجتهد أن يقول قولين في المسألة في حالةٍ واحدةٍ، في قول عامة الفقهاء.
واتفقوا على أنَّ المجتهد إذا اجتهد فغلب على ظنِّه الحكم لم يَجُزْ
стр. 485
له تقليدُ غيره. أمَّا القاصر في فنٍّ فهو كالعامِّيِّ فيه.
واعلم أنَّه إذا نصَّ المجتهد على حكمٍ في مسألةٍ لعلةٍ بيَّنها، فكلُّ وصفٍ توجد فيه تلك العلة فحكمُه حكمُ ما نصَّ عليه، فلأصحابه العارفين بمذهبه أن يحكموا عليها أنَّها كمذهبه، نظرًا للعلة الجامعة التي بيَّنها المجتهدُ.
فالمجتهد المقيَّد يُلْحِقُ ما سكت عنه إمامُه بما نصَّ عليه للعلة الجامعة، كما يفعله المجتهد المطلقُ بالنسبة إلى نصوص الشرع العامَّة.
ولأجل هذه القاعدة أوجب بعضُ المالكية الزكاة في التِّين مع أنَّ مالكًا لم يذكر في التين زكاةً، ومعلومٌ أنَّ علة الزكاة في الثمار عنده إنَّما هي الاقتياتُ والادخارُ، فلمَّا كان الاقتيات والادخار موجودًا في التين جعل بعض أصحابه الزكاة فيه كالزبيب بمقتضى علته المذكورة، ولذا قال ابن عبد البرِّ: أظنُّ مالكًا ما كان يعلم أنَّ التين ييبس ويقتات ويُدَّخَر، ولو كان يعلم ذلك لجعله كالزبيب، ولَمَا عدَّه مع الفواكه التي لا تيبس ولا تُدَّخَر كالرمَّان والفِرْسِك.
فإن لم يبيِّن المجتهدُ العلةَ لم يُجْعَلْ ذلك الحكمُ مذهبًا له في مسألة أخرى، وإن أشبهتها شبهًا يجوزُ خفاء مثله على بعض المجتهدين، إذ لا يدرى أنَّها لو خطرتْ ببالِه صار فيها إلى ذلك الحكم، بل قد يظهرُ له فرقٌ بينهما مع المشابهة.
وإنْ نصَّ المجتهدُ في مسألة واحدة على حكمين مختلفين، فإن
стр. 486
عُرِفَ الأخيرُ منهما فهو مذهبه على الصحيح، وإن لم يعلم الأخير اجتُهِدَ فى أشبههما بأصوله وأقواها دليلًا فتُجْعَل مذهبًا له، وتكون الأخرى كالمشكوك فيها.
ومثَّل لذلك مُحَشِّي "الروضة" بمثالين:
١ - ما لو اختلف نصُّ أحمد في أنَّ الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر، لكان الأشبه بأصله أنهم لا يملكونها، بناءً على تكليفهم بالفروع، وهو أشبه بقاعدته؛ لأنَّ الأسباب المحرمة لا تفيدُ الملك، ولذلك رجحه أبو الخطاب ونصره في تعليقه، وإن كان مخالفًا لنصوص أحمد على أنَّهم يملكونها.
٢ - هو أنَّه لما اختلف نصُّه في بيع النجش، وتلقي الركبان، ونحو ذلك: هل هو باطلٌ أو لا؟ كان الأشبه بنصِّه البطلان، بناءً على اقتضاء النهي الفساد مطلقًا. اهـ. منه.
стр. 487
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل في التقليد)
التقليد في اللغة: وضع القلادة في العنق، ويستعملُ في تفويض الأمر إلى الشخص، كأنَّ الأمر مجعولٌ فى عنقه كالقلادة، ومنه قول لقيطٍ الأيادي:
وقلِّدوا أمركم للَّه دركمُ ... رَحْبَ الذراعِ بأمرِ الحربِ مطَّلعا
وهو في اصطلاح الفقهاء: قبولُ قول الغير من غير معرفة دليله.
واعلم أنَّ قول الغير لا يطلق إلَّا على اجتهاده، أمَّا ما فيه النصوص فلا مذهب فيه لأحد، ولا قول فيه لأحد؛ لوجوب اتباعها على الجميع، فهو اتباعٌ لا قولٌ حتى يكون فيه التقليد.
والاجتهادُ إنَّما يكونُ في شيئين:
أحدهما: ما لا نصَّ فيه أصلًا.
والثاني: ما فيه نصوصٌ ظاهرها التعارض، فيجب الاجتهاد في الجمع بينها، أو الترجيح.
فالأخذ بقول النَّبيِّ ﷺ ، أو بالإجماع، لا يُسمى تقليدًا؛ لأنَّ ذلك هو الدليلُ نفسه.
стр. 488
ولم يخالف في جواز التقليد للعاميِّ إلا بعض القدريَّة.
والأصل في التقليد قوله تعالى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة/ ١٢٢]، وقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل/ ٤٣، الأنبياء/ ٧]، وإجماع الصحابة عليه.
ولا يستفتي العاميُّ إلا من غلب على ظنِّه أنَّه من أهل الفتوى.
وإذا كان في البلد مجتهدون فله سؤال من شاء منهم، ولا يلزمه مراجعة الأعلم؛ لجواز سؤال المفضول. وقيل: يلزمه سؤال الأفضل.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل في ترتيب الأدلة ومعرفة الترجيح)
أما ترتيبُ الأدلة: فقد ذكر أنَّ المقدَّم منها الإجماع، ثم المتواتر من الكتاب أو السنة، فمتواترُ السُّنَّةِ في مرتبة القرآن، ثم أخبار الآحاد.
واعلم أنَّ الإجماع الذي يذكر الأصوليون تقديمه على النصِّ هو الإجماعُ القطعيُّ خاصَّةً، وهو الإجماع القوليُّ المُشَاهَدُ، أو المنقول بعدد التواتر، أمَّا غير القطعيِّ من الإجماعات كالسكوتيِّ والمنقولِ بالآحادِ فلا يقدَّم على النصِّ.
واعلم أنَّ تقديم الإجماع على النصِّ إنَّما هو في الحقيقة تقديمُ
стр. 489
النصِّ المستند إليه الإجماع على النصِّ الآخر المخالف للإجماع. وتارة يكون النصُّ معروفًا، وتارةً يكون غير معروف إلا أنَّا نجزم أنَّ الصحابة لم يجمعوا على ترك ذلك النصِّ إلا لنصٍّ آخر هو مستند الإجماع.
فمثال الأول: ما لو تنازع خصمان في الأخت من الرضاع: هل يحلُّ وطؤها بملك اليمين؟
فقال أحدهما: لا يحلُّ ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء/ ٢٣]، وظاهره يشمل النكاح وملك اليمين.
فقال خصمه: يحلُّ وطؤها بملك اليمين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ. . .﴾ الآية في (قد أفلح، وسأل سائل)، وظاهرها الإطلاق في الأخت من الرضاع وغيرها.
فيقول خصمه: أجمع جميع المسلمين على منع وطء الأخت من الرضاع بملك اليمين، وهذا الإجماع مقدَّم على قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، والمقدَّم في الحقيقة النصُّ المستند إليه الإجماع، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾.
ومثال الثاني: المضاربةُ المعروفةُ في اصطلاح بعض الفقهاء بالقراض، فإنَّ ظاهر النصوص العامة منعها؛ لأنَّ الربح المجعول للعامل جزءٌ منه لا يدرى هل يحصل منه قليل أو كثير، أو لا يحصل منه شيء، وهذا داخلٌ في عموم الغرر.
ولم يثبت نصٌّ صحيح يجب الرجوع إليه من كتاب ولا سنة بجواز
стр. 490
المضاربة، والحديث الوارد فيها ضعيف لا يحتجُّ به، إلَّا أنَّ الصحابة أجمعوا على جواز المضاربة، وكذلك من بعدهم، فقدِّم هذا الإجماع على ظاهر تلك النصوص الدالة على منع الغرر؛ لعلمنا بأنَّهم استندوا في إجماعهم إلى شيء علموه منه ﷺ يدلُّ على إباحة ذلك. واللَّه أعلم.
واعلم أنَّ التعارض لا يكون بين قطعيَّين، ولا بين قطعيٍّ وظنِّيٍّ، وإنَّما يكون بين ظنيَّين فقط.
واعلم أنَّ تعادل الدليلين الظنيَّين بحسب ما يظهر للمجتهد جائزٌ اتفاقًا، أمَّا تعادلهما في نفس الأمر فاختُلف فيه، فنقل عن الإمام أحمد والكرخيِّ أنَّه لا يمكن تعادلهما في نفس الأمر، وصححه صاحب "جمع الجوامع"، والأكثرون على جوازه، ومنهم من قال: هو جائز غير واقع.
الترجيح
والترجيحُ في الاصطلاح: تقوية أحد الدليلين المتعارضين.
واعلم أنَّه إن حصل التعارض وجب الجمع أوَّلًا إن أمكن، كتنزيلهما على حالين، كما أكثرنا من أمثلته القرآنيةِ في كتابنا "دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب".
ومن أمثلته في الحديث: الحديث الوارد بذمِّ الشاهد قبل أن تطلب منه الشهادة، مع الحديث الوارد بمدحه.
فيجمع بينهما بأن ينزَّل كلٌّ منهما على حالٍ:
стр. 491
فيحملُ حديثُ المدحِ على مَنْ شهد في حقِّ اللَّهِ، ومَنْ يعلمُ أنَّ المشهود له لا يعلمُ أنه شاهدٌ له.
ويحمل حديث الذمِّ على الشاهد في حقِّ الآدميِّ العالم بأنَّ الشاهد يعلم ما يشهد به ولم يطلبه.
فإن لم يمكن الجمعُ فالمتأخر ناسخٌ للمتقدم، فإن لم يعرف المتأخر فالترجيح.
والترجيحُ في الأخبار مِن ثلاثةِ أوجه:
الأول: يتعلقُ بالسندِ، وهو خمسة:
أولًا: كثرةُ الرواية.
ثانيًا: ثقة الراوي، وضبطه، وقلة غلطه.
ثالثًا: ورع الراوي وتقواه؛ لشدة تحرزه من رواية من يشك فيه.
رابعًا: أن يكون صاحب القصة، كحديث ميمونة أنَّه ﷺ تزوجها وهو حلالٌ.
خامسًا: أن يكون مباشرًا للقصة، كحديث أبي رافع بذلك، لأنَّه هو السفير بينه وبين ميمونة. فكلاهما يرجح على حديث ابن عباس أنَّه تزوجها وهو محرم.
وللأصوليين في الترجيح باعتبار السند أمور كثيرةٌ زائدةٌ على ما ذكره المصنف:
стр. 492
منها: علوُّ السند، فالسند الذي هو أعلى يقدَّم على غيره؛ لأنَّ قلة الوسائط بين المجتهدِ وبين الرسول ﷺ أرجح من كثرتها؛ لأنَّ قلة الوسائط يقلُّ معها احتمال النسيانِ والاشتباهِ والزيادةِ والنقص.
ومنها: السلامةُ من البدع، فالراوي غير البدعيِّ أرجح من الرواي البدعيِّ.
ومنها: فقهه في الباب المتعلق به المروي، فالفقيهُ في البيوع مثلًا يُقَدَّم خبره على غير الفقيه فيها.
وكذا يُقَدَّمُ زائد الفقه على غيره، ولذا قالت المالكية: يُقَدَّمُ خبرٌ رواه ابن وهب في الحجِّ على ما رواه ابن القاسمِ فيه؛ لأنَّه أفقه منه فيه، وإن كان ابن القاسم أفقه منه في غيره.
ويُقَدَّمُ عندهم العالمُ باللغة على غير العالم بها، والعالمُ بالنحو على غير العالم به، لأنَّ الخطأ منهما في فهم مقاصدِ الكلامِ أقل.
ويُقَدَّمُ الفطنُ على من دونه.
ويُقَدَّمُ المشهور بالعدالة على المعدَّل بالتزكية.
ويُقَدَّمُ الراوي الذي زكَّاه المجتهد باختباره إيَّاه على المزكَّى بالإخبار، إذ ليس الخبر كالعيان.
ويُقَدَّمُ من زُكِّيَ تزكية صريحةً على من زُكِّيَ تزكيةً ضمنيةً، كالحكم بشهادته والعمل بروايته.
ويُقَدَّمُ من زكَّاه جماعة كثيرون على من زكَّاه واحد مثلًا.
стр. 493
ويُقَدَّمُ غير المدلِّس على المدلِّس.
ويُقَدَّمُ الحرُّ على العبدِ؛ لأنَّ الحرَّ لشرف منصبه يتحرزُ عن ما لا يتحرزُ عنه العبد. وضعَّف بعضهم الترجيحَ بالحرية.
ويُقَدَّمُ حافظُ الخبر الذي يسرده متتابعًا على من ليس كذلك، وهو من يتخيلُ اللفظ ثم يتذكره ويؤديه بعد تفكر وتكلفٍ، ومن لا يقدر على التأدية أصلًا لكنْ إذا سمع اللفظ علم أنَّه مرويه عن فلان.
ويُقَدَّمُ الراوي الذي يُعْرَفُ نسبُه على الراوي الذي لم يُعْرَفْ نسبُه؛ لأنَّ الوثوق بالأول أشد.
ويُقَدَّمُ عندهم الذكرُ على الأنثى، إلَّا إذا عُلِمَ أنَّها أضبطُ من الذكر فتقدمُ عليه، وكذلك إن كانت صاحبة القصة قُدمت على الذكر.
قال بعضهم: الأنثى والذكر على السواء، ولا يرجح عليها إلَّا بما يرجحُ به الرجل على الرجل.
وفصَّل بعضُ العلماء فقال: يرجحُ الذكر في غير أحكام النساء، بخلاف أحكامهنَّ كالحيض والعدة، فيرجحن فيها على الذكور؛ لأنَّهنَّ أضبطُ فيها.
ويُقَدَّمُ الذي كانت روايته أوضح في إفادة المروي على الذي في روايته خفاءٌ كالإجمال، ولأجل ذلك يُقَدَّمُ الراوي بالسماع على الراوي بالإجازة؛ لأنَّ السماع طريقٌ واضحٌ في إفادة المروي ببيان تفاصيله، بخلاف الإجازة لما فيها من الإجمال.
стр. 494
ويُقَدَّمُ من عُلِمَتْ جهة تحمله من سماع لفظ الشيخ أو القراءة عليه ونحو ذلك على رواية من لم تُعلم جهةُ تحمله.
وتُقَدَّمُ رواية المكلَّف وقت التحمل على رواية من هو صبيٌّ وقت التحمل، والحالُ أنَّه أدَّى بعد البلوغ؛ للاختلاف في المتحمل قبل البلوغ، وعدم الاختلاف في المتحمل بعد البلوغ؛ لأنَّ ما لا خلاف فيه يقدم على ما فيه خلافٌ، وإن كان المشهور المعروفُ قبول رواية من تحمَّل قبل البلوغ إذا كانت التأدية بعد البلوغ.
ويُقَدَّمُ راوي الحديث بلفظه على الراوي بالمعنى؛ لسلامة المرويِّ باللفظ عن احتمال وقوع الخلل في المرويِّ بالمعنى.
ويُقَدَّمُ خبر الراوي الذي لم ينكر شيخُه أنَّه حدَّثه على خبر من أنكر شيخُه الذي روى عنه روايته له عنه، وإن قلنا بأنَّ إنكاره لا يضر.
ويُقَدَّمُ ما في الصحيحين أو أحدهما على ما ليس فيهما.
إلى غير ذلك.
وكثيرٌ ممَّا ذكرنا من المرجِّحات باعتبار السند لا يخلو من خلافٍ، ولكن له كله وجهٌ من النظر.
الوجه الثاني من الترجيح: بأمرٍ يعودُ إلى المتن ، كاعتضادِ أحد الدليلين المتعارضين بكتابٍ أَو سنةٍ أو غير ذلك من الأدلة، كأحاديثِ صلاة الصبح فإنَّ في بعضها التغليس بها، أي فعلها في بقية الظلام، وفي بعضها الإسفار بها، فتعتضدُ أحاديث التغليسِ بعموم قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران/ ١٣٣].
стр. 495
وكأن يختلف في وقف أحد الخبرين على الراوي، والآخر يتفق على رفعه.
وكأن يكون راوي أحدهما قد نُقِلَ عنه خلافُه، فتتعارض روايتاه، ويبقى الآخر سليمًا عن التعارضِ، فيكون أولى.
وكأن يكون أحدهما مرسلًا، والآخر متصلًا، فالمتصلُ أولى؛ لأنَّه متفقٌ على الاحتجاجِ به، وذلك مختلفٌ فيه.
هذا حاصل ما ذكره المؤلف، وللأصوليين باعتبار حال المتن مرجحاتٌ كثيرةٌ غير ما ذكرها المؤلف:
منها: كثرةُ الأدلة، فالخبر الذي اعتضد بأدلة كثيرة مقدمٌ على ما اعتضد بأقل من ذلك من الأدلة.
ومنها: أن يكون المتنُ قولًا فهو مقدمٌ على الفعل، كما أنَّ الفعل مقدَّمٌ على التقرير. وإنَّما كان القولُ أقوى من الفعل لاحتمال الفعل الاختصاص به ﷺ .
ويُفْهَمُ منه أن ليس كلُّ قول أقوى، بل إذا احتمل القول الاختصاص فلا يكون أقوى من الفعل، فلا يَرِدُ قولهم: إنَّ الإحرام بالعمرة من الجعرانة أفضل منه من التنعيم، تقديمًا لفعله ﷺ على أمره لعائشة بالإحرام من التنعيم؛ لأنَّ أمره وإن كان قولًا يحتمل الخصوصية لعائشة، فليس أقوى من فعله، بل هو دونه كما قالوا؛ لاحتمال أنَّه إنَّما أمرها بذلك لضيق الوقت، لا لأنَّه أفضل، ويمكنُ على هذا أن يقاس على عائشة كلُّ من كان له عذرٌ.