آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي (٥)
شرح مراقي السعود المسمى «نثر الورود»
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥ - ١٣٩٣ هـ)
(استملاه وجمعه تلميذه الشيخ أحمد بن محمد بن أحمد الشنقيطي)
تحقيق
علي بن محمد العمران
إشراف
بكر بن عبد الله أبو زيد
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
стр. 2
مقدمة التحقيق
الحمد للَّه، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألَّا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد؛ فهذا كتاب "شرح مراقي السعود" للشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ نخرجه اليوم ضمن هذه الموسوعة الشاملة لآثار الشيخ، وكان قد طبع سابقًا باسم "نثر الورود على مراقي السعود" وهي تسمية من محقق الكتاب وليست من مؤلفه -كما سيأتي شرحه-.
وسيكون حديثنا عن الكتاب في عِدَّة مباحث:
١ - اسم الكتاب.
٢ - تاريخ تأليفه.
٣ - سبب تأليفه.
٤ - موضوع الكتاب.
٥ - النقص الواقع في الشرح.
٦ - موارده.
٧ - منهجه في الشرح.
٨ - وصف النسخ الخطية.
٩ - طبعات الكتاب.
стр. 3
١٠ - العمل في الكتاب.
١١ - نماذج من النسخة الخطية.
وأخيرًا ختمنا الكتاب بفهارس متنوعة نظرية وفهرس موضوعي مفصل لجميع مباحث الكتاب.
وصلى اللَّه على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه علي بن محمد العمران
٢٠/ ٥/ ١٤٢٦ هـ
стр. 4
* اسم الكتاب:
هذا الكتاب لم يضع له مؤلفه ﵀ اسمًا خاصًّا، بل تركه غُفلًا من اسم عَلَمي، والسبب في ذلك: أن الشيخ ﵀ لم يقصد إلى تأليفه قصدًا، كما هو الحال في كتبه الأخرى التي كان يقصد إلى تأليفها ويكتب لها مقدمة ويضع لها أسماء مسجوعة، كما في "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" أو "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" و"منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز" = وإنما كان إملاءً أو تقييدًا لأحد أقارب الشيخ من طلبة العلم -كما سيأتي مشروحًا-.
لذلك فقد وَضَع له تلميذُه المُمْلَى عليه أو المكتوب له هذا الشرح اسمًا عَلَميًّا مسجوعًا وهو: "ورد الخدود على مراقي السعود" (١)، وسمَّاه الدكتور محمد ولد سيدي ولد حبيب "نثر الورود على مراقي السعود" وطبعه بهذا الاسم.
ولذلك رأينا في نشرتنا هذه ألا نطلق عليه اسمًا عَلَميًّا لأن المؤلف لم يسمه، واكتفينا بالاسم الدال على موضوع الكتاب مع الإشارة إلى الاسم الذي طُبع به الكتاب واشتهر به، فسميناه: "شرح مراقي السعود" وأضفنا إليه بخط أصغر: المطبوع باسم "نثر الورود".
* تاريخ تأليفه:
جاء في آخر المخطوط الأم أنه تم الفراغُ منه في الثاني والعشرين
_________
(١) انظر "ترجمة الشيخ الأمين": (ص/ ١٣٣) للسديس.
стр. 5
من شهر اللَّه رجب سنة خمس وسبعين وثلاث مئة وألف (١). وعليه فيكون من أوائل ما ألَّفَ الشيخ بعد استقراره في المملكة إذ ألَّف قبله "دفع الإيهام" قبل عام ١٣٧٥، و"المذكرة" أملاها عام ١٣٧٤ ولم تطبع إلا بعد ذلك عام ١٣٩١. ثم "آداب البحث والمناظرة" عام ١٣٨٨ و"أضواء البيان" بعد عام ١٣٨٥ ومات ﵀ ولم يكمله.
* سبب تأليفه:
قال الشيخ عبد الرحمن السديس في "ترجمة الشيخ الأمين" (٢) ما نصه: (لم يقصد الشيخ الأمين إلى تأليف هذا الشرح ابتداء، بل كان يشرح لبعض تلاميذه -وهو الشيخ أحمد بن محمد (٣) الشنقيطي حفظه اللَّه ووفقه- "مراقي السعود"، فاشترط الشيخ أحمد على الشيخ الشارح أن يدوِّن عنه ما يشرح، فاعتذر الشيخ بضيق الوقت، فامتنع التلميذ عن أخذ الحصة اليومية، وبيَّن له أن سبب امتناعه كونه لم يأخذ إملاء على الحصة السابقة، فقال الشيخ: ألم أقل لك ليس عندي وقت!
قال الشيخ أحمد: "فبيَّنْتُ إصراري على أخذ إملاء وإلا تركت الدرس وسافرت إلى البلاد. فقال لي: على من يكون ضرر تركك الدرس؛ عليَّ أم عليك؟ فقلتُ: عليك؛ لأني من بني عمومتك وابن أختك، أرسلت إليَّ لتعلمني (٤)، فإن أنا سافرت دون حصول ذلك
_________
(١) المصدر نفسه.
(٢) (ص/ ١٣١).
(٣) في كتاب السديس: "أحمد" وهو خطأ وستأتي ترجمته.
(٤) في رسالة كتبها له الشيخ الأمين -بعد طلب منه-: أن توجَّه إليّ حالًا =
стр. 6
منك كان ضرر ذلك عليك" على سبيل المزاح.
فاقتنع -على الرغم من ضيق وقته- فكان يشرح، ثم يُدَوِّن له ما شرح بخطه ﵀ وأحيانًا يمليه عليه وهو يكتب) اهـ.
* موضوع الكتاب:
الكتاب شرح لمنظومة "مراقي السُّعود لمبتغي الرُّقي والصعود" من تأليف الفقيه الأصولي سيدي عبد اللَّه بن الحاج إبراهيم العلوي الشنقيطي المتوفى نحو (١٢٣٠ أو بعدها بقليل).
- التعريف بالنظم:
هي منظومة في علم أصول الفقه على مذهب الإمام مالك ﵀ نَظَم فيها كتاب "جمع الجوامع" لتاج الدين السبكي الشافعي (ت ٧٧١) في ألف بيت وبيت، قال في آخرها:
ألفٌ وبيتٌ عدد المراقي ... ليس بسافلٍ ولا براقي
اعتمد -بعد "الجمع"- في نظمها على عدد من الكتب ذكرها في آخرها، وقد طبع النظم مفردًا ومع شروحه، ولم يكن هذا النظم معروفًا ولا مشهورًا عند أهل العلم وطلابه في الشرق حتى شَهَره الشيخ محمد الأمين ﵀ بتدريسه له وكثرة الاستشهاد به في دروسه وكتبه، كما هو واضح في "المذكرة" و"الأضواء".
_________
= فستجدني عند ظنك. انظر "مجالس مع الشيخ الأمين" ص/ ٤ - ٥.
стр. 7
- شروحه:
له عدة شروح مطبوعة وهي:
١ - نشر البنود على مراقي السعود، لصاحب النظم، وقد طبع قديمًا وحديثًا، وهو شرح جليل، وعليه اعتماد غالب الشرَّاح للنظم بعده.
٢ - مراقي السعود إلى مراقي السعود، للشيخ محمد الأمين بن أحمد المعروف بالمرابط (ت ١٣٢٥)، وقد طبع شرحه قديمًا، وطبع بتحقيق الشيخ محمد المختار بن محمد الأمين في مجلد واحد.
٣ - فتح الودود بسلم الصعود على مراقي السعود، للشيخ محمد يحيى الولاتي الشنقيطي (ت ١٣٣٠)، وهو مطبوع.
٤ - كتابنا هذا.
وهناك شروح أخرى لم تطبع (١).
- التعريف بالناظم (٢)
هو سيدي عبد اللَّه بن الحاج إبراهيم بن الإمام مَحَنْضْ أحمد العلوي نسبة إلى قبيلة العلويين (إدْ وعل) إحدى القبائل الموريتانية المشهورة بكثرة الشعراء والأدباء والعلماء.
_________
(١) انظر "جامع الشروح والحواشي": (٣/ ١٦٥٥ - ١٦٥٦).
(٢) ترجمته في "الوسيط في تراجم أدباء شنقيط": (ص/ ٣٨ - ٤١)، و"الأعلام": (٤/ ٦٥)، و"معجم المؤلفين": (٦/ ١٨)، و"النبوغ المغربي": (١/ ٣٢٤).
стр. 8
ولد ﵀ بعد منتصف القرن الثاني عشر الهجري، بقرية تججكة بمنطقة تكانت بموريتانيا، فاعتنى به والده من صغره حتى حفظ القرآن كعادة أهل تلك البلاد. ولما بلغ مبلغ الرجال تهيأ لطلب العلم وبدأ رحلته فيه بعلماء بلده، فأخذ عن الشيخ المختار بن بونا الجكني، والشيخ سيدي عبد اللَّه الفاضل اليعقوبي، والحاج أحمد خليفة العلوي، وغيرهم من جلة علماء قطره، وبعد تحصيله ما عند هؤلاء توجه إلى فاس ومراكش بالمغرب وأقام بهما تسع سنين يأخذ عن علمائهما ويأخذون عنه، ثم توجه إلى بيت اللَّه الحرام لأداء فريضة الحج، فمر بمصر واجتمع بعلماء القاهرة، واستفاد منهم واستفادوا منه.
ثم توجه إلى مكة المكرمة ضمن الوفد الذي بعثه سلطان المغرب في ذلك الوقت سيدي محمد بن عبد اللَّه، فأتيحت له الفرصة بذلك للقاء أكابر العلماء بمكة والمدينة.
ثم رجع إلى المغرب بعد أداء فريضة الحج، فأكرمه سلطانه وأهداه خزانة كتب نادرة رجع بها إلى وطنه ومسقط رأسه، وجلس برباطه يعلم الناس، ويؤلف الكتب حتى طار ذكره وذاع صيته واشتهر علمه في الآفاق. ومكث في طلب العلم أربعين سنة يأخذ عمن وجد عنده زيادة حتى انتهى إلى الغاية القصوى.
وقد اتفق علماء بلده على أنه أعلم رجل في عصره، وعده بعضهم من المجتهدين، وقد أثنى عليه جلة العلماء الذين اتصلوا به وحلّوه بأرفع الألقاب، مثل الشيخ سيدي المختار الكنتي حيث يقول فيه: ما
стр. 9
تحت قبة السماء أعلم من هذا العلوي. ويقول فيه صاحب في "الوسيط": كان ﵀ أوحد زمانه في جميع العلوم. ويقول فيه الحافظ الشيخ محمد الخضر ابن مايابي الجكني: إنه فريد دهره، وعالم عصره، باديه ومصره، مآثره لا ترام بالحصر، لِمَا نشر اللَّه به من العلم في ذلك القطر.
وقال فيه العلامة بابا بن أحمد بيب العلوي:
قد كاد أن يوصف بالترجيح ... لفهمه ونقله الصحيح
وكان في الحديث لا يُبَارَى ... كأنما نشأ في بخارى
له عدد من المؤلفات وهذا بعضها:
١ - مراقي السعود لمبتغي الرقي والصعود، وهي ما نتحدث عنه الآن. طبع.
٢ - نشر البنود على مراقي السعود. طبع.
٣ - نيل النجاح في مصطلح الحديث، حققه محمد الكبير العلوي بالمغرب.
٤ - فيض الفتاح على نور الأقاح، في علم البيان طبع بالمغرب عام ١٣٢٩.
٥ - طلعة الأنوار وشرحها هدى الأبرار في مصطلح الحديث، اختصر بها ألفية العراقي، طبع بشرح وتحقيق الشيخ حسن مشاط ﵀.
٦ - طرة الضوال والهمَل، ألفه في الرد على الأعراف المخالفة للشرع
стр. 10
وردًّا على فتاوى الفقهاء الشاذة.
٧ - نوازله، وهي مجموعة فتاوى ورسائل ألفها في شتى الموضوعات، وقد اعتنى بها العلماء فجمعوها ورتبوها، ونظمها الشيخ محمد العاقب بن مايابي الجكني وطبعت بليبيا بتحقيق التواتي.
توفي ﵀ في حدود ١٢٣٠ برباطه العلمي الشهير القريب من تججكه.
* النقص الواقع في الشرح:
وقد بيّن سبب هذا النقص تلميذه المملى عليه هذا الشرح بالتفصيل والبيان، ففي كتاب "ترجمة الشيخ الأمين" (١) ما نصه:
(ولكن الأمالي لم تستوعب جميع أبيات "المراقي"، بل ترك منها نحوًا من مئة وأربع وستين بيتًا وهي من قول صاحب "المراقي":
وإِنْ يَجِي الدَّلِيلُ للخِلافِ ... فَقَدِّمَنَّهُ بِلا اخْتِلافِ
من باب المجاز إلى قوله:
خِطابُ واحدٍ لِغيْر الحَنْبَلي ... مِنْ غَيْرِ رَعْي النَّصِّ والقَيْس الجَلي
وهو آخر بيت قبل مبحث التخصيص.
وقد سألت الشيخ أحمد عن السبب في ذلك، فأجاب بما حاصله: أن الشيخ كان يشرح له الدرس بعد الفجر قبل أن يذهب إلى الكلية -أي: كلية الشريعة بالرياض-، ثم إذا رجع من الكلية ظُهرًا
_________
(١) (ص/ ١٣١ - ١٣٣).
стр. 11
يملي عليه ما شرحه بالصباح، وكان يهيئ له سبعة مراجع في الأصول للاقتباس منها عند الحاجة، وربما عاق عائق عن كتابته للحصة، فيتولى الشيخ كتابتها بنفسه.
قال الشيخ أحمد: "وعند الوصول إلى هذا الموضع المذكور؛ اشتغلنا بتبييض "دفع إيهام الاضطراب" لتقديمه للمطبعة، فكانت الحصة اليومية في الشرح بعد صلاة الفجر مستمرة، أما الأمالي فقد توقفت للسبب المذكور، ثم لما انتهينا من تبييض "دفع الإيهام"؛ استأنفنا الكتابة من حيث وصلنا في الشرح لا من حيث وقفنا في الكتابة".
وكذلك الدرس الأول من شرح "المراقي" لم يكتبه الشيخ ولم يمله للسبب الذي تقدم ذكره في قصة مراجعة التلميذ لشيخه في طلبه تدوين ما يشرحه له، ومقداره عشرون بيتًا، أولها قول صاحب "المراقي":
يَقُولُ عبدُ اللَّهِ وهو ارْتَسَما ... سِمًى له والعلويُّ المُنْتَمَى
حيث بدأ الكتاب بالدرس الثاني، وهو البيت الذي يلي هذا مباشرة، وهو قول صاحب "المراقي":
كلام ربي إن تعلَّقَ بما ... يصحُّ فعلًا للمكلَّف اعْلَما) اهـ.
* موارده:
ذكر الشيخ أحمد المُمْلَى عليه هذا الشرح أن الشيخ لم يكن يشرع في الشرح إلا بعد أن يُحضر بين يديه سبعة كتب من أمهات كتب
стр. 12
الأصول، منها "النشر"، و"التنقيح" للقرافي وشرحه، وشرح ابن حلولو لـ "جمع الجوامع"، و"الآيات البينات".
لكن بأدنى مقارنة يتضح أن المؤلف ﵀ اتكأ على شرح الناظم المسمّى "نشر البنود على مراقي السعود" في حكاية أقوال العلماء ونسبة المذاهب، وقد صرَّح باسمه في مرات كثيرة -انظر فهرس الكتب- ونقل عنه دون تصريح في غير موضع، وكنا نشير إلى بعض تلك الأماكن بالإحالة على "النشر"؛ لذلك صار من الصعوبة بمكان تمييز المراجع أو الأعلام الذين اعتمد عليهم المؤلف استقلالًا عن "نشر البنود" إلا فيما لا لَبْس فيه، كأن يكون متأخرًا عن طبقة صاحب "النشر"، أو كان المؤلف يُكثر النقلَ عنه عادة في كتبه كـ "الخلاصة" لابن مالك. أما ما عدا ذلك فيحتاج إلى تتبُّع الشرحين ومقارنة النقول.
ومع ذلك لم يتابعه في الشرح من حيث التقرير والاختيارات، بل تميز بأشياء وخالفه في أشياء وفصَّل في أشياء كما سيأتي.
* منهجه في الشرح:
١ - سار الشيخ في شرحه على طريقة الاختصار في عرض المسائل وحكاية الأقوال والخلاف والاستدلال.
٢ - التزم الشيغ بذكر المسائل المذكورة في النظم، ولم يزد عليها إلا القليل مما تمس إليه الحاجة.
٣ - اختار الشيخ العبارة السهلة الواضحة وابتعد عن كثير من
стр. 13
البحوث المنطقية والكلامية المنتشرة في كتب الأصول المتأخرة في الشروح والحواشي، وذلك لتقريب هذا الفن للمتلقي، إذا كان قريبه الذي طلب الشرح يطلب شرحًا على هذا النحو.
٤ - بعد أن يسوق الشيخ البيت من "المراقي" أو أكثر أو أقل بحسب الوحدة الموضوعية التي يختارها يبدأ بذكر المعنى الإجمالي للبيت منه أو للقطعة على طريقة نثر البيت بقوله: "يعني: . . . " هذا في الأعم الأغلب، وقد يؤخر ذكر المعنى بعد ذكر معاني بعض المفردات أو شرح بعض المصطلحات. . ونحو ذلك.
٥ - بعد المعنى الإجمالي يبدأ بشرح المفردات الغريبة أو المصطلحات أو إعراب بعض الكلمات ويصدِّر الجملة أو الكلمة المراد شرحها بـ "قوله. . . ".
٦ - يعزو المذاهب إلى أصحابها، ويهتم بذكر مذهب مالك، وعلماء المالكية تبعًا للناظم في نظمه وشرحه. وكل ذلك باختصار يتناسب مع طبيعة الشرح.
٧ - مع أن الشيخ اعتمد على شرح الناظم "نشر البنود" -كما سلف- إلا أنه لم يتابعه في اختياراته وترجيحاته بل خالفه في كثير من المسائل، وهذا سرد لأهم المسائل التي خالفه فيها:
١ - ص ٣٣ في أقسام الشرط.
٢ - ص ٤٤ في ضابط العزيمة.
٣ - ص ٥٣ في انعقاد سبب الوجوب هل يسمى به الشيء واجبًا ولو
стр. 14
منع مانع من تأثير سبب الوجوب؟
٤ - ص ٦١ - ٦٢ الرد على السبكي والناظم في قاعدة الأشاعرة: إن العَرَض لا يبقى زمانين.
٥ - ص ٧٧ الرد على الأصوليين في المجاز في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾.
٦ - ص ١٣٢ في عدم جواز وقوع المجاز في القرآن.
٧ - ص ١٣٧ في تقديم الإضمار على النقل.
٨ - ص ١٤٠ في حصر اللفظ في الحقيقة والمجاز.
٩ - ص ٢١٩ ترجيح كلام السبكي على الناظم في مسألة العمل بالعام المخصوص ولو كان المخصّص غير معين.
١٠ - ص ٢٩٩ في مسألة النَّسخ إلى غير بدل.
١١ - ص ٣٨١ في مرتبة قول الصحابي "أمرنا ونهانا" في القوة.
١٢ - ص ٣٩٤ في مسألة أن العلم والقدرة. . . لا يمكن إثباتها بدليل نقلي.
١٣ - ص ٤١١ في أن مذهب مالك تقديم القياس على خبر الواحد.
١٤ - ص ٤٤١ في أن التعبديات لا تخلو من حِكَم.
١٥ - ص ٤٤٢ الإشارة لسهو أو تحريف في شرح الناظم "نشر البنود".
١٦ - ص ٤٤٧ التحقيق في تعدد العلة المستنبطة.
١٧ - ص ٤٧٩ في أن الخمر لم تكن مباحة في أول الإسلام إلا بأصل
стр. 15
البراءة.
١٨ - ص ٤٨٢ الرد على قولهم: إذا كان الدليل مخالفًا للأصول.
١٩ - ص ٤٩٥ سهو للناظم وتصحيحه.
٢٠ - ص ٥١٢ متابعة الناظم للسبكي والبيضاوي في تكرار مبحث تنقيح المناط.
٢١ - ص ٦٧١ تعقب على الناظم في عَوْد ضمير في النظم.
٢٢ - ص ٦٨٦ الرد عليه في وجوب التزام مذهب معين.
٢٣ - ص ٦٨٧ الرد عليه في وجوب اتباع المذاهب الأربعة فقط.
٢٤ - ص ٦٨٨ مخالفته في امتناع وجود مجتهد قبل المهدي المنتظر.
стр. 16
* وصف النسخ الخطية:
للكتاب ثلاث نسخ خطية:
الأولى: النسخة الأم، وقد وصفها الشيخ عبد الرحمن السديس قائلًا: إن هذه النسخة (تم الفراغ من نسخها في الثاني والعشرين من شهر اللَّه رجب سنة خمس وسبعين وثلاث مئة وألف؛ كما هو محرَّر في آخر المخطوط، والنسخة الأصلية منه عند الشيخ أحمد بن محمد الشنقيطي (١) (حفظه اللَّه)، وهي تقع في سبعة دفاتر:
١ - الدفتر الأول يقع في ثلاث وستين صفحة، كلها بخط الشيخ ﵀.
٢ - الدفتر الثاني يقع في إحدى وأربعين صفحة، كلها بخط الشيخ ﵀.
٣ - الدفتر الثالث يقع في ثلاث وستين صفحة، ثمان وثلاثون صفحة منها بخط الشيخ ﵀ وخمس وعشرون بخط تلميذه الشيخ أحمد بن محمد الجكني الشنقيطي.
_________
(١) ترجمة الناسخ، وهو المُمْلَى عليه الشرح: هو أحمد بن محمد الأمين بن أحمد بن المختار المحضري الجكني، ولد بعد ١٣٥٠، كان والده من رؤساء القبائل، تلقى العلم في بلده، ثم رحل عام ١٣٧٥ إلى الحجاز ولازم الشيخ محمد الأمين، ثم رجع إلى بلده بعد الاستقلال ثم عاد مجددًا إلى المملكة وعين في عدة وظائف آخرها مدرسًا في الحرم المكي حتى عام ١٤٠٨ حيث أحيل إلى التقاعد. مختصر من مقدمة "نثر الورود": (ص/ ٢٣ - ٢٤).
стр. 17
٤ - الدفتر الرابع يقع في ثلاث وستين صفحة، وكلها بخط تلميذه الشيخ أحمد.
٥ - الدفتر الخامس يقع في أربع وستين صفحة، منها نحو اثنتين وأربعين صفحة بخط تلميذه الشيخ أحمد، واثنتين وعشرين صفحة بخطه ﵀.
٦ - الدفتر السادس، ويقع في ست وستين صفحة، منها أربعون صفحة بخط الشيخ أحمد، وست وعشرون بخط الشيخ نفسه ﵀.
٧ - الدفتر السابع ويقع في خمس عشرة صفحة، منها صفحتان بخط الشيخ ﵀، وثلاث عشرة صفحة بخط تلميذه الشيخ أحمد) اهـ (١).
وعليه فهذه النسخة تقع في (٣٧٨ صفحة)، منها (١٩٢ صفحة) بخط الشيخ الأمين و (١٨٦ صفحة) بخط تلميذه.
وهذه النسخة لم نتمكن من الحصول عليها مع قربها منا!
الثانية: نسخة بخط الشيخ محمد ولد سيدي ولد حبيب الشنقيطي نقلها من النسخة الأم في عدة دفاتر إلا أنها آلت إلى الضياع قال ناسخها: "أما الدفاتر التي كانت عندي فتداولتها الأيدي حتى ضاعت" (٢).
_________
(١) "ترجمة الشيخ الأمين": (ص/ ١٣٣ - ١٣٤).
(٢) مقدمة طبعته للكتاب: (١/ ١٢).
стр. 18
الثالثة: نسخة بخط الشيخ الدكتور أحمد محمود عبد الوهاب -حفظه اللَّه- كتبها بتاريخ يوم الاثنين الثالث عشر من رجب عام تسعين وثلاثمائة وألف، كما جاء في خاتمتها. ولم يذكر من أي نسخة نسخها أمِنَ النسخة الأم أم من غيرها؟
وهذه النسخة تقع في ثلاثة دفاتر، الأول في (١١٥) صفحة، والثاني (١٨٧) صفحة، والثالث (١٨٩) صفحة، مجموعها (٤٩١) صفحة. خطها نسخي واضح، وقد تغير خطها في الأوراق ٤٨ - ٥٠ من الدفتر الأول و ١٠٤ - ١٠٥ من الدفتر نفسه، والأوراق ١٣٤ - ١٣٥ من الدفتر الثالث. وهي جيدة نادرة الخطأ، وعلى حواشيها بعض التصحيحات والتعليقات.
تبدأ بلا ورقة عنوان وإنما بالأبيات الأولى من المراقي، ثم شرع في شرح البيت رقم (٢٢).
وهذه النسخة هي التي اعتمدناها في تصحيح النص والمقابلة، ورمزنا لها بـ "الأصل".
* المطبوعات:
للكتاب طبعتان:
الأولى: بتحقيق الدكتور محمد ولد سيدي ولد حبيب الشنقيطي، وقد طبعت بتمويل محمد محمود محمد الخضر القاضي، توزيع دار المنارة للنشر والتوزيع الطبعة الأولى ١٤١٥ في مجلدين. وله الفضل في إخراج الكتاب أول مرة، وأهم الملاحظات عليها ما يلي:
стр. 19
الملاحظة الأولى: وقوع سقط في الكتاب في نحو خمسة عشر موضعًا، وأذكرها هنا للفائدة لمن أراد أن يكمل نسخته من تلك الطبعة:
- ص ٤٦ سطر ٤ من أسفل سقط بعد قوله: (بالنقض [وفي المسألة أقوال أُخَر لم نذكرها معروفة] في كتب. .).
- ص ٥٠ سطر ٨ سقط بعد قوله: (قوله: [فَعِ ذا خلاف الأوْلى" أي احفظه في حال كونه خلاف الأولى، وإذا كان مع الخصوص فهو الكراهة، وذلك هو معنى قوله: "وكراهة خذ لذاك. . ").
- ص ٦٤ سطر ٥ سقط بعد قوله: (لتقدمه [لتقوية العامل على العمل فهي لتقوية التعدية]. .).
- ص ٨٥ سطر ٩ سقط بعد قوله: (على أن [فائدة التكليف الابتلاء، أو لا يمكن أن يعلم أنه مكلف إلا بعد التمكن من إيقاع الفعل بناءً على أن]. .).
- ص ٩٨ سطر ١٠ سقط بعد قوله: (الايماء [هل هو داخل في المنطوق أو المفهوم؟ فعلى أنه داخل في المنطوق يكون قسمين، منطوق صريح وهو ما تقدم، ومنطوق غير صريح وهو ما دل عليه بالاقتضاء أو الإشارة أو الإيماء]. .).
- ص ١٠٩ سطر ٨ سقط بعد قوله: (يمنع [المسكوت عنه على المنطوق إذا كان بينهما جامع، أي علة يصح بها]. .).
- ص ٢٧٩ سطر ٧ سقط بعد قوله: (مائل [والمجرور قبله متعلق به،
стр. 20
أي: رُبّ شيخ جانح، أي مائل]. .).
- ص ٣٤٧ سطر ٤ سقط بعد قوله: (الآية [بتعيين الصوم المنصوص في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾]. .).
- ص ٣٩٩ سطر ٨ سقط بعد قوله: (أي [قبلت روايتهم. وقوله: "وإن يكن تحملوا" فيه حذف أي]. . .).
- ص ٤١٨ سطر ٤ من الآخر سقط قوله: (بها [وعن الشافعي ونُظَّار أصحابه جواز الرواية بها، وقطع بعضُ محققي الشافعية بوجوب العمل بها]. .).
- ص ٤٣٧ سطر ٢ من الآخر سقط قوله: (مسائل [الطهارة ويخطئ نصفها الآخر في مسألة من مسائل]. .).
- ص ٤٤٦ سطر ٧ سقط بعد قوله: (مالك [فمثاله في الشرط: قياس استقصاء الأوصاف في بيع الغائب على الرؤية. ومثاله في المانع: قياس النسيان للماء في الرحل على المانع من استعماله حسًّا كالسَّبُع واللصّ] .. .).
- ص ٥١٦ سطر ١٠ سقط قوله: (محتملًا [له فلا عبرة به، لأنه بمعزل عن القصد في هذا المسلك، وهو مراد المؤلف بقوله: "وإلا فعن القصد اعتزل" أي وإلا يكن مناسبًا أو محتملًا]. .).
الملاحظة الثانية: أن الأبيات التي لم يكتب الشيخ شرحها أكملها المحقق ووضع شرحه في متن الكتاب، وهذا يوهم القارئ أنها من كلام الشيخ ما دامت في المتن، وإن أشار في مقدمة تحقيقه ص/ ١٣
стр. 21
أنه سيكملها، فكان الأولى أن توضع في الهامش لا في المتن. وهذا ما صنعناه كما سيأتي.
الطبعة الثانية: طبعة المكتبة العصرية بيروت، عام ١٤٢٥ في مجلد واحد، وهي مأخوذة عن سابقتها وإن لم يشيروا إلى ذلك، بدليل ما جاء في آخر طبعتهم (ص/ ٤٤٥) وهو خاتمة التحقيق لطبعة دار المنارة. غير أنهم في الأبيات التي لم يشرحها الشيخ أخذوا شرحها من كتاب "نشر البنود" للناظم نفسه.
* العمل في الكتاب:
اعتمدنا في إثبات النص على النسخة الثالثة التي سبق الحديث عن (ص/ ٢١)، وسبق أن ذكرنا أنها نسخة جيدة قليلة الخطأ نادرة السقط. ولا غرابة في ذلك فهي بخط الشيخ أحمد محمود عبد الوهاب وهو من طلاب الشيخ الأمين، وأحد علماء الأصول.
وقد استفدنا من طبعة دار المنارة في تصحيح بعض الأخطاء أو سقوط بعض الكلمات، ورمزنا لها بـ "طـ".
أما الأبيات التي لم يكتب الشيخ شرحها وهي من (١ - ٢١) و (٢١٩ - ٣٨١) فأكملناها من شرح الولاتي "فتح الودود" في هامش الكتاب بخط أصغر تمييزًا بينها وبين شرح الشيخ. واخترنا هذا الشرح لقربه من منهج الشيخ، من حيث الاختصار ووضوح العبارة.
بالإضافة إلى ما تستدعيه مهمة التحقيق مما شرحناه مرارًا. . ثم صنعنا للكتاب فهارس متنوعة.
стр. 22
والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.
* نماذج من نسخة الكتاب:
стр. 23
الصفحة الأولى من المخطوط
стр. 24
الصفحة الثانية من المخطوط
стр. 25
الصفحة قبل الأخيرة من المخطوط
стр. 26
الصفحة الأخيرة من المخطوط
стр. 27
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - يقول عبد اللَّه وهو ارتسما ... سمى له والعلويُّ المنْتمى (١)
عبد اللَّه اسم الناظم و"ارتسم" بمعنى ثبت، و"السما" لغة في الاسم و"العَلَوي" نسبة إلى علي بن أبي طالب، و"المنتمى" المنتسَب مصدر ميمي من غير الثلاثي.
٢ - الحمد للَّه الذي أفاضا ... من الجَدَى الذي دهورًا غاضا
"أفاض" بمعنى أكثر و"الجَدَى" النفع والخير الذي جاء به ﷺ ، و"غاض" بمعنى قل وعدم "دهورًا" أي: زمنًا طويلًا قبله ﷺ .
٣ - وجعل الفروعَ والأصولا ... لمن يرومُ نيلَها محصولا
النيل المراد به التعلم، و"محصولا" بمعنى حاصلة في الكتب والصدور، مفعول بمعنى فاعل.
٤ - وشاد ذا الدين بمن ساد الورى ... فهو المجلِّي والورى إلى ورا
شاد الحائط طلاه بالشيد، فهو هنا كناية عن تحسين الدين وتحصينه، و"المجلي" السابق في الحلبة، و"ورا" بمعنى خلف قُصِر للوزن.
٥ - محمدٍ مُنَوِّر القلوب ... وكاشِفِ الكَرْب لدى الكروب
تنويره القلوب بالإيمان ومحبته واتباعه والصلاة عليه، وكشفه للكرب
_________
(١) من هنا إلى البيت رقم (٢١) ليس في شرح الشيخ، لذا وضعنا شرحها في الحاشية من شرح الولاتي للمراقي المسمَّى "فتح الودود": (ص/ ٥ - ٨). وانظر المقدمة.
стр. 28
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
لدى الكروب أي: يوم القيامة بشفاعته، والكرب الحزن
٦ - صلى عليه ربُّنا وسلَّما ... وآله ومن لشرعِه انتما
الشرع: السنة والدين، والانتماء إليه بالعمل به وتدوينه وتعلمه وتعليمه.
٧ - (هذا) أي: الأمر هذا وهو فصل الخطاب (وحينَ قد رأيتُ المذهبا) أي: مذهب مالك (رُجحانه) على سائر المذاهب (له الكثير ذهبا) أي ذهب إليه الكثير من العلماء.
٨ - (وما سواه) من المذاهب مفقود (مثل عَنْقا مُغْرِب * في كل قطرٍ) أي ناحية (من نواحي المغرب) والعنقا طائر يُذكر ولا يُرَى.
٩ - (أردتُ أن أجمعَ من أصوله) أي مذهب مالك (ما فيه بغيةٌ) أي مطلب (لذي فصوله) أي فروعه، حال كونه.
١٠ - (منتبذًا عن مقصدي ما ذُكِرا * لدى الفنون غيرِه) أي تاركًا في هذا النظم ما ذُكِر في غيره من الفنون، كمعاني الحروف ذُكِرت في النحو، ومسائل الحقيقة والمجاز المذكورة في البيان، وأنواع الدلالة المذكورة في المنطق. وحال كونه أيضا (محرِّرًا) له أي النظم أي مسلمًا له من الحشو والتطويل بلا فائدة.
١١ - سميتُه مراقيَ السُّعُود ... لمبتغي الرُّقيّ والصُّعُود
أي سماه بـ "مراقي السعود لطالب الرقي والصعود" إلى سماء الفقه وموارد الشرع ومقاصده.
١٢ - أستوهب اللَّهَ الكريمَ المددا ... ونفعَه للقارئين أبدا
المدد الزيادة في العلم والتأييد على إكمال هذا النظم.
стр. 29
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
مقدمة
في علم الأصول، وهي -بكسر الدال وفتحها- ما يتوقف عليه الشروع في الفن.
١٣ - أول من ألَّفَه في الكُتُب ... محمد بن شافِعِ المطَّلبي
أي أول من ألَّف علم الأصول في الكتب الإمام محمد بن شافع المطلبي.
١٤ - (وغيره) من المجتهدين كالصحابة والتابعين (كان) أي علم الأصول (له سليقه) أي طبيعة مركوزة فيه (مثل الذي للعُرْب من خليقه) أي من طبيعة مركوزة فيهم من نحو وتصريف وبيان.
١٥ - الأحكام والأدلةُ الموضوعُ ... وكونه هذي فقط مسموع
يعني أن موضوع علم الأصول الأحكام والأدلة الشرعية "وكونه" أي الموضوع "هذي" أي الأدلة الشرعية فقط مسموع عن بعض الأئمة؛ لأنه يبحث فيه عن عوارضها الذاتية، كقولهم: الأمر للوجوب. وموضوع كل فن ما يبحث في الفن عن عوارضه الذاتية.
أصول الفقه
الأصل لغةً: ما يُبنى عليه الشيء حسًّا كالجدار للسقف، ومعنى كالحقيقة للمجاز، وأصول الفقه لقب لهذا العلم.
١٦ - أصوله دلائلُ الإجمال ... . . . . . . . . .
стр. 30
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
يعني أن أصول الفقه أدلته الإجمالية التي لا تُعين مسألةً جزئية كقاعدة: مطلق الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، لا أدلته التفصيلية نحو: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ فإنها لا تسمى أصول الفقه اصطلاحًا؛ لأن كل واحد منها يُعَيِّن مسألة جزئية. والأصل في الاصطلاح الدليل والأمر الراجح.
. . . . . . . . . ... وطرق الترجيح قَيْدٌ تالي
يعني أن وجوه الترجيح للأدلة عند تعارضها قَيْد تابع للأدلة الإجمالية في الدخول في مسمى أصول الفقه.
١٧ - وما للاجتهادِ من شرطٍ وَضَح ... . . . . . . . . .
أي والذي للاجتهاد من شرط وضح دخوله في مسمى الأصول، خلافًا لابن أبي شريف في أنها تتمات لأجزاء المسمَّى.
. . . . . . . . . ... ويُطْلَق الأصل على ما قد رَجَح
يعني أن الأصل يُطْلَق اصطلاحًا على الأمر الراجح نحو: الأصل براءة الذمة، والأصل عدم المجاز، والأصل بقاء ما كان على ما كان عليه.
(فصل)
١٨ - والفرعُ حكمُ الشرع قد تعلَّقا ... بصفةِ الفِعْل كندب مطلقا
يعني أن الفرعَ هو حكم الشرع المتعلق بصفة فعل المكلف مطلقًا، أي سواء كان قلبيًّا كالنية، أو بدنيًّا كالوضوء، وتلك الصفة ككونه ندبًا أو غيره من الأحكام الخمسة.
стр. 31
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
١٩ - (والفقه) اصطلاحًا (هو العلم بالأحكام)
أي النِّسَب التامة التي هي ثبوتُ أمرٍ لآخر إيجابًا أو سلبًا، احترازًا عن العلم بالذوات والصفات والأفعال عن النِّسَب التقييدية، والمراد جميع الأحكام التي:
. . . . . . . . . ... للشرع والفعل نماها النامي
أي التي نسبها الناسب للشرع، و"الفعل" أي الأحكام الشرعية العملية، فالشرعية المأخوذة من الشرع تصريحًا أو استنباطًا احترازًا عن الأحكام العقلية والحسية والعرفية والعملية المتعلقة بكيفية عملٍ قلبي كالعلم بوجوب النية في الوضوء أو بدني كالعلم بسنية الوتر، احترازًا عن الأحكام الشرعية الاعتقادية، كالعلم بأن اللَّه تعالى واحد.
قوله:
٢٠ - أدلة التفصيل منها مكتسب ... . . . . . . . . .
يعني أن الفقه مكتسب من الأدلة التفصيلية، وبقيد الاكتساب يخرج علم اللَّه تعالى، وعلم كل نبي وملك، وبقيد التفصيلية يخرج علم المقلِّد لأنه مكتسَب من دليل إجمالي هو فتوى المجتهد؛ لأنها حكم اللَّه في حقه وحق مقلديه.
. . . . . . . . . ... والعلم بالصلاح فيما قد ذَهَب
يعني أن المراد بالعلم بجميع الأحكام في تعريف الفقه الصلاحية والتهيء لذلك بأن يكون له مَلَكة يقتدر بها على إدراك جزئيات الأحكام،
стр. 32
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
وقد اشتهر عرفًا إطلاق العلم على هذه الملكة. وعلى هذا فلا يقدح قول: لا أدري.
٢١ - فالكل من أهل المناحي الأربعه ... . . . . . . . . . . . .
أي المذاهب الأربعة.
. . . . . . . . . ... يقول لا أدري فكُنْ مُتَّبِعه
في ذلك القول فإنه يدل على الورع.
стр. 33
٢٢ - كلام ربّي إن تعلق بما ... يَصحُّ فِعْلًا للمكلف اعلما
٢٣ - من حيث إنه به مكلفُ ... فذاك بالحكم لديهم يعرفُ
يعني أن الحكم الشرعي في الاصطلاح هو: كلام اللَّه المتعلق بما يصح أن يكون فعلًا للمكلف من حيث إنه مكلف به، فأشار بقوله: "كلام اللَّه" إلى أنه لا حكم ألبتَّة إلَّا للَّه، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام/ ٥٧] والنبي ﷺ مبلِّغ عن اللَّه، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل/ ٤٤] وجميع ما في السّنَّة داخل في القرآن لقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية [الحشر/ ٧]، وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء/ ٨٠]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ الآية [آل عمران/ ٣١].
واحترز بقوله: "المتعلق بما يصح فعلًا للمكلف" عن المتعلق بما لا يصح فعلًا له، ككلام اللَّه المتعلق بذاته وصفاته نحو: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام/ ١٠٢]، وككلامه المتعلق بذاوت المكلفين نحو قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف/ ١١]، وقوله: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم/ ٤٠]، وككلامه المتعلق بالجمادات نحو: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف/ ٤٧] ونحو ذلك.
وإنما عَدَل المؤلِّف عن عبارة الأصوليين بقولهم: "المتعلق بفعل المكلف" إلى قوله: "بما يصح أن يكون فعلًا للمكلف" لِيُدْخِلَ المعدومَ وقت كلام اللَّه بذلك الحكم. واحترز بقوله: "من حيث إنه به مكلف" عن كلامه المتعلق بما يصح فعلًا للمكلف من حيثية أخرى نحو قوله:
стр. 34
﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾ [المؤمنون] فإنه كلامه المتعلق بأفعال المكلفين، لكن لا من حيث إنهم مكلفون به، بل من حيث إنه إخبار عنهم بصدور تلك الأعمال منهم، والمرادُ بتعلق الخطاب بشيء بيان حاله من كونه مطلوب الفعل، أو الترك، أو مأذونًا فيه.
و"المكلف": العاقل البالغ الذي ليس بمُكْره ولا مُلجإٍ ولا غافل، وصواب المؤلف لو حذف القيد بالمكلف لأن الصبي عنده تتعلق به أحكام الندب والكراهة والإباحة كما يأتي له. ويمكن أن يجاب عنه بأن الصبي يدخل في اسم المكلف عند المالكية بالنسبة إلى غير الواجب والحرام كما يأتي للمؤلف قريبًا.
واعلم أن هذا التعريف يتناول خطاب التكليف دون خطاب الوضع، وسيأتي الكلام على خطاب الوضع إن شاء اللَّه.
وقول المؤلف: "من حيث إنه" إلخ بكسر الهمزة على اللغة الفصحى، وهي: أن "حيث" لا تضاف إلَّا للجمل، ويجوز فتحها فتكون "حيث" مضافة إلى المصدر المنسبك من أنّ وصلتها، بناءً على جواز إضافة "حيث" للمفرد، وهو رأي الكسائي. قيل: ومنه قول الراجز:
أما ترى حيث سُهَيْلٍ طالعًا ... نجمًا يُضيء كالشهاب لامعًا (١)
وقول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . ... حيث ليِّ العمائم (٢)
стр. 35
٢٤ - قد كُلِّفَ الصبي على الذي اعتمي ... بغير ما وجب والمحرمِ
يعني أن الصبيَّ عند المالكية مكلَّف بغير الواجب والحرام، وهو الندب والكراهة والإباحة، كما صححه ابن رشد في "البيان" (١)، و"المقدمات"، والقرافي في كتاب "اليواقيت في أحكام المواقيت" (٢).
ودليل المالكية على ذلك: حديث الخثعمية التي أخذت بضبعَيْ صبي وقالت: يا رسول اللَّه ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر" (٣).
وأما حديث: "مُروهم بالصلاةِ لسبعٍ واضربوهم لعشرٍ وفَرِّقوا بينهم في المضاجع" (٤) فالاستدلال به مبني على قاعدة مختَلف فيها
стр. 36
وهي: هل من أمر بالأمر آمِرٌ للثالث أو لا؟ وقد بين المؤلف ذلك في مبحث الأمر (١) بقوله:
وليس مَنْ أمَرَ بالأمر أمَرْ ... لثالثٍ إلا كما في ابن عمر
والأمر للصبيان ندبُه نُمِي ... لِما رَوَوْهُ من حديثِ خثعمِ
وقوله: "اعتُمي" بمعنى اختير.
وقال القرافي في "القواعد" (٢) في الفرق (٣) بين أنكحة الصبيان تنعقد ويخيَّر الولي وطلاقهم لا يلزم: إن عقد النكاح سبب إباحة الوطء وهم أهل للخطاب بالإباحة والندب والكراهة. والطلاقُ سَببُ تحريم الوطء وليسوا أهلًا للخطاب بالتحريم ولا الوجوب.
والصبيُّ عند جماهير العلماء غيرُ مكلف بشيء مستدلِّين بقوله ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاث -وذكر منهم- الصبيَّ حتى يحتلم" (٤).
стр. 37
٢٥ - وهو إلزامُ الذي يشقُّ ... أو طلب فاهَ بكلٍّ خَلْقُ
٢٦ - لكنه ليس يفيد فرعا ... فلا تضق لفقد فَرْعٍ ذرْعا
يعني أنه اختلف في حد التكليف فقيل: هو إلزام ما فيه مشقة وكُلْفة، وعلى هذا القول فلا يدخل في حدِّ التكليف إلا الواجب والحرام فقط، وهذا القول هو معناه اللغوي، ومنه قول علقمة (١):
تكلِّفني ليلى وقد شطَّ وَلْيُها ... وعادت عوادٍ بَيننا وخطوبُ
وقول الخنساء (٢) في صخر:
يُكلِّفُه القومُ ما نابَهم ... وإن كان أصغرَهم مولدا
وقيل: هو طلب ما فيه مشقة وكُلْفة، وعليه يدخل في حدِّ التكليف الواجبُ والمندوبُ والحرام والمكروه، وأما الجائز فلا يدخل على كلا التعريفين، فإدخاله في الأحكام التكليفية لا يخلو من تسامح. وما أجاب به البعض من أنه مكلف به من حيث اعتقاد جوازه فلا ينهض؛ لأن غيره يجب اعتقاده أيضًا.
стр. 38
وقول المؤلف: "لكنه ليس يفيد فرعًا" إلخ، يعني أن الاختلاف في التكليف هل هو الإلزام أو الطلب لا يفيد فرعًا من الفروع لعدم بناء حكم عليه. قال أبو إسحاق الشاطبي (١) في هذه المسألة: ليس من أصول الفقه ولا عونًا عليه، وما كان كذلك لا ينبغي ذكره في الفن.
وقوله: "ذرعًا" تمييز محوَّل عن الفاعل، أي لا يضق (٢) صدرك لعدم وجود فرع، لأن هذه المسألة لا ينبني عليها حكم، وقوله: "فاه" فعل ماض بمعنى نَطَق.
٢٧ - والحكم ما به يجيءُ الشرعُ ... وأصل كل ما يضرُّ المنعُ
يعني أن الحكم التنجيزي الذي يترتب عليه الثواب والعقاب هو ما جاء به الشرع عن اللَّه على ألسنة الرسل، فلا حكم تنجيزيًّا يترتب عليه الثواب والعقاب قبل بعث الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء] فقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ أي ولا مُثيبين. وقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء/ ١٦٥] ويبيِّن هذه الحجة المذكورة بقوله في سورة طه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [طه/ ١٣٤] الآية. وخالفت المعتزلة فحكَّمَت العقل فجعلته
стр. 39
طريقًا إلى العلم بالحكم الشرعي، يمكن إدراكه به من غير سمع، فهو عندهم تابع للمصالح والمفاسد، فإن كان حسنًا عقلًا جوَّزه الشرع، وإن كان قبيحًا عقلًا منعه، وسيأتي ردُّ مذهبهم إن شاء اللَّه عند محله (١).
وقول المؤلف: "وأصل كل ما يضرُّ المنع" يعني أن الأصلَ في الشيء الضارّ بالأبدان كالمَسْمُومات والمؤدِّيات للمرض، أو العقول كالمسكرات = المنعُ لقوله ﷺ : "لا ضَرَر ولا ضِرار" (٢). وتحت مفهوم كلامه صُوَرٌ:
إحداها: أن يكون فيه منفعة ولا ضرر فيه فالأصل فيه -على التحقيق- الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة/ ٢٩] ولا يمتنُّ إلا بجائز فلا يمنع إلا ما أخرجه دليل.
وقيل: يُحْمَل على المنع لأن جميع الأشياء ملك للَّه تعالى، ولا
стр. 40
يجوز التصرف في ملك المالك إلا بإذنه، ولأن اللَّه قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر/ ٧] فيُفْهَم من دليل خطابه أن ما لم يأْتكم لا تأخذوه، استدلَّ بمفهوم هذه الآية على المنع جماعةٌ منهم الأبهري، والذي يظهر لي أن هذا المفهوم تُمكِنُ معارضته بمفهومِ قوله: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر/ ٧] أي وما لم ينهكم عنه فلا تنتهوا، فهو نظير الاستدلال الأول.
القول الثالث: الوقف لاحتمال هذا وهذا.
ومن الصور المذكورة: أن تكون فيه مصلحة من جهة ومفسدة من جهة أخرى، وسيأتي في مسالك العلة وفي كتاب الاستدلال أنه ينظر في المصلحة والمفسدة فإن تساوتا أو كانت المفسدة أعظم مُنع، وإن كانت المصلحة أرجحَ جاز. ومن الصور المذكورة: ألا يكون فيه مصلحة ولا مفسدة ولا أعلم فيها نصًّا عن أحد. وسيأتي له إن شاء اللَّه زيادةُ إيضاح في مسلك المناسبة والإخالة والكلام على المصالح المرسلة. ويدخل في قول المؤلف: "وأصلُ كلِّ ما يضرّ المنع" شُرْب الدخان وأكل التراب ونحو ذلك.
٢٨ - ذو فترة بالفرع لا يراعُ ... وفي الأصول بينهم نزاعُ
يعني: أن أهل الفترة لا يروَّعون (١) أي يُعذبون بسبب تركهم للفروع كترك الواجبات وانتهاك المحرمات الفعلية، لعدم تكليفهم بها. وأهلُ الفترة: من كانوا بين رسولين لم يُرْسل الأول لهم ولا أدركوا