وهي: هل من أمر بالأمر آمِرٌ للثالث أو لا؟ وقد بين المؤلف ذلك في مبحث الأمر (١) بقوله:
وليس مَنْ أمَرَ بالأمر أمَرْ ... لثالثٍ إلا كما في ابن عمر
والأمر للصبيان ندبُه نُمِي ... لِما رَوَوْهُ من حديثِ خثعمِ
وقوله: "اعتُمي" بمعنى اختير.
وقال القرافي في "القواعد" (٢) في الفرق (٣) بين أنكحة الصبيان تنعقد ويخيَّر الولي وطلاقهم لا يلزم: إن عقد النكاح سبب إباحة الوطء وهم أهل للخطاب بالإباحة والندب والكراهة. والطلاقُ سَببُ تحريم الوطء وليسوا أهلًا للخطاب بالتحريم ولا الوجوب.
والصبيُّ عند جماهير العلماء غيرُ مكلف بشيء مستدلِّين بقوله ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاث -وذكر منهم- الصبيَّ حتى يحتلم" (٤).
стр. 37
٢٥ - وهو إلزامُ الذي يشقُّ ... أو طلب فاهَ بكلٍّ خَلْقُ
٢٦ - لكنه ليس يفيد فرعا ... فلا تضق لفقد فَرْعٍ ذرْعا
يعني أنه اختلف في حد التكليف فقيل: هو إلزام ما فيه مشقة وكُلْفة، وعلى هذا القول فلا يدخل في حدِّ التكليف إلا الواجب والحرام فقط، وهذا القول هو معناه اللغوي، ومنه قول علقمة (١):
تكلِّفني ليلى وقد شطَّ وَلْيُها ... وعادت عوادٍ بَيننا وخطوبُ
وقول الخنساء (٢) في صخر:
يُكلِّفُه القومُ ما نابَهم ... وإن كان أصغرَهم مولدا
وقيل: هو طلب ما فيه مشقة وكُلْفة، وعليه يدخل في حدِّ التكليف الواجبُ والمندوبُ والحرام والمكروه، وأما الجائز فلا يدخل على كلا التعريفين، فإدخاله في الأحكام التكليفية لا يخلو من تسامح. وما أجاب به البعض من أنه مكلف به من حيث اعتقاد جوازه فلا ينهض؛ لأن غيره يجب اعتقاده أيضًا.
стр. 38
وقول المؤلف: "لكنه ليس يفيد فرعًا" إلخ، يعني أن الاختلاف في التكليف هل هو الإلزام أو الطلب لا يفيد فرعًا من الفروع لعدم بناء حكم عليه. قال أبو إسحاق الشاطبي (١) في هذه المسألة: ليس من أصول الفقه ولا عونًا عليه، وما كان كذلك لا ينبغي ذكره في الفن.
وقوله: "ذرعًا" تمييز محوَّل عن الفاعل، أي لا يضق (٢) صدرك لعدم وجود فرع، لأن هذه المسألة لا ينبني عليها حكم، وقوله: "فاه" فعل ماض بمعنى نَطَق.
٢٧ - والحكم ما به يجيءُ الشرعُ ... وأصل كل ما يضرُّ المنعُ
يعني أن الحكم التنجيزي الذي يترتب عليه الثواب والعقاب هو ما جاء به الشرع عن اللَّه على ألسنة الرسل، فلا حكم تنجيزيًّا يترتب عليه الثواب والعقاب قبل بعث الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء] فقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ أي ولا مُثيبين. وقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء/ ١٦٥] ويبيِّن هذه الحجة المذكورة بقوله في سورة طه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [طه/ ١٣٤] الآية. وخالفت المعتزلة فحكَّمَت العقل فجعلته
стр. 39
طريقًا إلى العلم بالحكم الشرعي، يمكن إدراكه به من غير سمع، فهو عندهم تابع للمصالح والمفاسد، فإن كان حسنًا عقلًا جوَّزه الشرع، وإن كان قبيحًا عقلًا منعه، وسيأتي ردُّ مذهبهم إن شاء اللَّه عند محله (١).
وقول المؤلف: "وأصل كل ما يضرُّ المنع" يعني أن الأصلَ في الشيء الضارّ بالأبدان كالمَسْمُومات والمؤدِّيات للمرض، أو العقول كالمسكرات = المنعُ لقوله ﷺ : "لا ضَرَر ولا ضِرار" (٢). وتحت مفهوم كلامه صُوَرٌ:
إحداها: أن يكون فيه منفعة ولا ضرر فيه فالأصل فيه -على التحقيق- الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة/ ٢٩] ولا يمتنُّ إلا بجائز فلا يمنع إلا ما أخرجه دليل.
وقيل: يُحْمَل على المنع لأن جميع الأشياء ملك للَّه تعالى، ولا
стр. 40
يجوز التصرف في ملك المالك إلا بإذنه، ولأن اللَّه قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر/ ٧] فيُفْهَم من دليل خطابه أن ما لم يأْتكم لا تأخذوه، استدلَّ بمفهوم هذه الآية على المنع جماعةٌ منهم الأبهري، والذي يظهر لي أن هذا المفهوم تُمكِنُ معارضته بمفهومِ قوله: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر/ ٧] أي وما لم ينهكم عنه فلا تنتهوا، فهو نظير الاستدلال الأول.
القول الثالث: الوقف لاحتمال هذا وهذا.
ومن الصور المذكورة: أن تكون فيه مصلحة من جهة ومفسدة من جهة أخرى، وسيأتي في مسالك العلة وفي كتاب الاستدلال أنه ينظر في المصلحة والمفسدة فإن تساوتا أو كانت المفسدة أعظم مُنع، وإن كانت المصلحة أرجحَ جاز. ومن الصور المذكورة: ألا يكون فيه مصلحة ولا مفسدة ولا أعلم فيها نصًّا عن أحد. وسيأتي له إن شاء اللَّه زيادةُ إيضاح في مسلك المناسبة والإخالة والكلام على المصالح المرسلة. ويدخل في قول المؤلف: "وأصلُ كلِّ ما يضرّ المنع" شُرْب الدخان وأكل التراب ونحو ذلك.
٢٨ - ذو فترة بالفرع لا يراعُ ... وفي الأصول بينهم نزاعُ
يعني: أن أهل الفترة لا يروَّعون (١) أي يُعذبون بسبب تركهم للفروع كترك الواجبات وانتهاك المحرمات الفعلية، لعدم تكليفهم بها. وأهلُ الفترة: من كانوا بين رسولين لم يُرْسل الأول لهم ولا أدركوا
стр. 41
الثاني، كما قاله العبَّادي في "الآيات البينات" (١) وأنه اختلف في تعذيبهم بترك الأصول يعني التوحيد. ومَبْنى هذا الخلاف هل يجب التوحيد بمجرد العقل، أو لابُدَّ من انضمام النقل؟ وتعذيبُ أهل الفترة بترك التوحيد اعتمده النوويُّ في "شرح مسلم" (٢) لإخبار النبي ﷺ أن الذين مضوا في الجاهلية في النار. وحكى القرافي في "شرح التنقيح" (٣) الإجماعَ على تعذيب موتى الجاهلية في النار وعلى كفرهم، ولولا التكليف لما عُذِّبوا.
وذهب الأشاعرةُ من أهل الأصول والكلام إلى أنهم لا يعذبون (٤) وأجابوا عن جماعةٍ منهم صحَّ تعذيبهم بأجوبة، منها: أنه يحتمل أن يكون لأمرٍ مختصٍّ به يقتضي ذلك عَلِمَه اللَّه فأعْلَمَ به رسولَه ﷺ ، نظير ما جاء في القرآن من كفر الغلام الذي قتله الخضر ﵇ مع صباه. ومنها: أن ذلك خاص بمن بَدَّل وغيَّر بما لا يُعذر به كعبادة الأوثان. ومنها: أن الأحاديث التي صحَّت بذلك أخبار آحاد، والآياتُ التي تنفي ذلك قواطع فهي مُقَدَّمة.
ويجاب عن هذا بأن الأحاديث أخصُّ ولا تَعارض بين عام وخاص.
стр. 42
ويُجاب عن الجواب بأن الأحاديث التي نصَّت على تعذيب أشخاص بأعيانهم من أهل الفترة إذا قلنا بتخصيصها عمومَ الآيات فإنها تُبطل علة حكم الآيات؛ لأنَّ اللَّه تمدَّحَ بكمال إنصافه وعدله وأنه لا يعذِّب أحدًا حتى ينذره ويعذر إليه، فلو عذَّب واحدًا من أهل الفترة قبل الإنذار والإعذار لاختلَّت حكمة العدل التي تَمَدَّحَ بها، وإذا كان مُخَصِّصُ النص يقتضي بطلان علته فذلك هو المعروف عند الأصوليين بالنقض، وهو من القوادح في الدليل كما يأتي للمؤلف.
وذهب الأكثرون إلى أن تخصيص العلة كتخصيص النصّ، وعليه فالنقض الذي هو وجود العلة مع فقد الحكم ليس بقادح، وعلى هذا يمكن تخصيص الآيات بالأحاديث المعروفة من غير قدح في دلالة الآيات على ما لم يخرجه المخصِّصُ، ولكنَّ التحقيق: أنَّ العلة إن كان منعُ تأثيرها في الحكم بسبب فَقْد شرط أو وجود مانع فهو تخصيص لا قدح، فكون الأبوَّة من موانع القصاص مثلًا لا يقدح في عِلِّيَّة القتل العمد العدوان للقصاص، لأن العلةَ إنما مَنَع من تأثيرها وجودُ المانع وهو الأبوة، وإن كانت لم تؤثر من غير فَقْد شرط ولا وجود مانع فهو القادح المعروف بالنقض، وفي المسألة أقوال أخر لم نذكرها معروفة في كتب الأصول، وسيأتي للمؤلف بسطها في القوادح (١). ورجَّح الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الحشر (٢) أن تخصيص العلة كتخصيص
стр. 43
النصِّ مطلقًا مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ﴾ [الحشر/ ٣ - ٤].
فصرح بأن علةَ ما وقع لبني النضير هو مشاقتهم اللَّهَ والرسولَ، وقد فعل ذلك غيرُ بني النضير، فلم يقع لهم مثل ما وقع لهم، والله أعلم.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: الذي يظهر أن عدم الإنذار عُذْرٌ، وأن اللَّه يمتحنهم يوم القيامة، فمن أطاع اللَّه فهو الذي كان يُصَدِّق الرسلَ لو جاءته في دار الدنيا فيرحمه اللَّه، ومن عصى اللَّه فهو الذي كان يكذِّب الرسلَ لو جاءته في دار الدنيا فيعذبه اللَّه وهو أعلم، لأن هذا ورد عن النبي ﷺ (١). والذي يقدح فيه يقول: الآخرة دار جزاء لا دار ابتلاء، والكتاب والسُّنَّة دلَّا على التكليف فيها في الجملة، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم] وكالرجل الذي يأخذ اللَّه عليه العهود والمواثيق ألا يسأله غير ما أعطاه شيئًا ثم سأله بعد ذلك (٢)، والعلم عند اللَّه تعالى.
٢٩ - ثم الخطابُ المقتضي للفعلِ ... جزمًا فإيجابٌ لدى ذي النّقل
٣٠ - وغيره النَّدب وما التركَ طلَبْ ... جزمًا فتحريمٌ له الإثم انتسب
стр. 44
٣١ - أو لا مع الخصوص أو لا فَعِ ذا ... خلافَ الأولى وكراهةً خُذا
٣٢ - لذاك والإباحَة الخطابُ ... فيه استوى الفعل والاجتنابُ
قسَّم المؤلف في هذه الأبيات الأحكام الشرعية التكليفية إلى ستة أقسام:
الأول: الوجوب، وهو في اللغة السقوط واللزوم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج/ ٣٦] الآية. وقوله ﷺ : "فإذا وجَبَ فلا تبكيَنَّ باكية" (١).
وقول قيس بن الخطيم (٢):
أطاعت بنو عوفٍ أميرًا نهاهُمُ ... عن السِّلم حتى كان أولَ واجب
وفي الاصطلاح عرَّفه المؤلف بأن الإيجاب هو الخطاب المقتضي للفعل، أي إيجاده والإتيان به اقتضاءً جازمًا لا يجوز معه الترك نحو: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة/ ٤٣] وذلك هو المراد بقوله: "ثم الخطاب المقتضي للفعل جزمًا فإيجاب".
الثاني: الندب، وهو في اللغة مصدر ندبه للأمر إذا دعاه إليه،
стр. 45
ومنه قوله:
لا يسألونَ أخاهم حينَ يَنْدُبُهم ... في النائباتِ على ما قال بُرْهانا (١)
وفي الاصطلاح عرَّفه المؤلف بأنه الخطاب المقتضي لإيجاد الفعل والإتيان به اقتضاءً غير جازم لجواز تركه وعدم الإثم به، وذلك هو معنى قوله: "وغيره الندب".
الثالث: التحريم، وهو في اللغة المنع، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة/ ٢٦]، وقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء/ ٩٥] الآية، وقول امرئ القيس (٢):
جالت لتصرَعَني فقلت لها اقْصِري ... إنِّي امرؤٌ صَرْعي عليكِ حرامِ
وفي الاصطلاح عرَّفه المؤلف بأنه الخطابُ المقتضي لترك الفعل اقتضاءً جازمًا لا يجوز معه ارتكاب الفعل، وإن ارتكبه أَثِمَ، وذلك هو معنى قوله: "وما التركَ طلبْ جَزْمًا فتحريم له الإثم انتسبْ" ومثاله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء/ ٣٢] وقوله: "الترك" مفعولٌ مقدَّم.
الرابع والخامس: خلاف الأوْلَى والمكروه، والفرق بينهما -على القول به- أن خلاف الأَوْلى لم يَرِد فيه نصٌّ خاص بالنهي عنه، وإنما ورد الأمر بضده على سبيل الندب، والأمرُ بالشيء ندبًا نهيٌ عن ضده نَهْيَ خلافِ الأوْلَى، كالأمر بصلاة الضحى يلزمه النهي عن تركها وهو خلاف الأوْلَى، لأنه لم يُنْهَ عنه بنصٍّ خاص وإنما أُمِر بضده.
стр. 46
وأما الكراهة -على هذا القول- فهي ما ورَدَ فيه نص مصرِّح بالنهي عنه نهيًا غير جازم كقوله ﷺ : "إذا دَخَلَ أحدُكم المسجد فلا يجلس حتَّى يصلي ركعتين" (١)، فالجلوس قبل صلاتهما مكروه؛ لورود النهي صريحًا عنه بخصوصه.
وأشار إلى القسمين المذكورَين بقوله:
أو لا مع الخصوص أو لا فَعِ ذا ... خلاف الأولى وكراهةً خُذا
لذاك. . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . .
فقوله: "أوْ لا" -الأول- معناه أو لا يكون طلب الترك حتمًا لجواز الفعل مع ذلك النهي. وقوله: "مع الخصوص أو لا"، يعني أن طلبَ الترك إذا كان غير جازم فله حالتان: الأولى: أن يكون بدليل صريح في النهي خاصٍّ به. والثانية: أن يكون للأمر بضده لا لدليل خاص، وذلك هو معنى قوله: "مع الخصوص أو لا"، فإذا لم يكن مع الخصوص فهو خلاف الأَوْلَى، وذلك هو معنى قوله: "فَع ذَا خلافَ الأوْلَى" أي احفَظْه في حال كونه خلاف الأولى، وإذا كان مَع الخصوص فهو الكراهة، وذلك هو معنى قوله: "وكراهةً خذا لذاك. . . ".
السادس: الإباحة: وهي الإذن في الشيء فعلًا وتركًا، وذلك هو معنى قول المؤلف:
". . . . . والإباحة الخطابُ ... فيه استوى الفعلُ والاجْتِنابُ"
стр. 47
فإشارة القريب لخلاف الأولى، وإشارة البعيد للكراهة كما تقدم. والمراد بـ "ذي النقل" نَقْل علماء الأصول.
٣٣ - وما من البراءة الأصلية ... قد أخذت فليست الشرعية
يعني أنَّ الإباحة المأخوذة من البراءة الأصلية، وهي استصحاب عدم التكليف حتى يَرِدَ الدليل ليست إباحةً شرعية، وإنَّما هي إباحة عقلية، وتسمى البراءة الأصلية واستصحابَ العدم، ولذلك لم يكن رفعُها نسخًا، لأنها لم تكن حكمًا شرعيًّا حتى يكون رفعها نسخًا، فإباحة جَمْع الأختين قبل التحريم، وإباحة موطوءة الأب قبل التحريم، وإباحة الربا قبل التحريم = كلها براءة أصلية، ولذلك لم يكن المنع ناسخًا لها، لأن النسخَ: رفعُ حكم شرعي. . . إلخ.
وسيأتي للمؤلف مثل هذا في مسالك العلة.
٣٤ - وهِيَ والجواز قد ترادفا ... في مطلق الإذن لدى من سلفا
يعني أن الإباحةَ والجوازَ ترادفا في مطلق الإذن الصادق بالوجوب والندب والكراهة والجواز، وعلى هذا القول فيدخل فيها كل ما سوى التحريم، ويجري على هذا القول قوله ﷺ : "أبغضُ الحلال. . " (١)
стр. 48
الحديث، والأول أشهر.
٣٥ - والعلم والوُسع على المعروفِ ... شرط يعم كُلَّ ذي تكليفِ
يعني أن كلَّ خطاب تكليف يشترطُ في التكليف به العلمُ والوُسْعُ بمعنى الطاقة، أما اشتراط العلم فقد دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة/ ١١٥]، وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء]. وأما اشتراط الوُسْع فقد دلط عليه قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦] أي طاقتها، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن/ ١٦] فغير العالم بالخطاب لا يكلَّف به. واخْتُلِف في الناسي والنائم والمكرَه وأمثالهم هل هم مكلَّفون؟ والتحقيقُ أنهم غيرُ مكلفين.
ومفهوم قوله: "كل ذي تكليف" أن خطابَ الوضع لا يشترط فيه العلم ولا الوُسْعُ غالبًا.
٣٦ - ثم خطابُ الوضعِ هو الواردُ ... بأنَّ هذا مانع أو فاسدُ
٣٧ - أو ضده أو أنه قد أوجبا ... شرطًا يكون أو يكون سببا
يعني أن خطاب الوضع هو الخطاب الوارد بأن هذا الشيء مانع من هذا، كالحيض المانع من الصلاة والصوم صحة وجوازًا، وبأنَّ هذا الشيء صحيح أو فاسد، أو بأنَّ هذا الشيء موجب لهذا لكونه شرطًا له
стр. 49
أو سببًا، فخطابُ الوضع على هذا منحصر في الأسباب، والشروط، والموانع، والصحة، والفساد. وسيأتي -إن شاء اللَّه- تعريف الكل في المتن. وإنَّما سُمِّي "خطاب الوضع" لأن اللَّه يقول -مثلًا-: إذا وقع هذا في الوجود فاعْلَموا أني حكمت بكذا، نحو: إذا زالت الشمس فقد حكمتُ بوجوب صلاة الظهر، فكونُ الخطاب بوجوبها عند الزوال خطاب وضع لأن الزوال شرط في الوجوب، والشروط من خطاب الوضع كما تقدم.
٣٨ - وهو من ذاك أعمّ مطلقًا ... . . . . . . . . . . .
يعني أن خطاب الوضع أعم من خطاب التكليف عمومًا مطلقًا؛ لأنه لم يوجد خطاب تكليف إلَّا مقترنًا بخطاب وضع، إذ لا يخلو التكليف من الشروط والموانع والأسباب، وقد يوجد خطاب الوضع فيما لا تكليف فيه، كتضمين الصبي والمخطئ قيمَ المتلفات، وأَرْشَ الجناية ونحو ذلك، فلا يشترط في خطاب الوضع العلم ولا القدرة غالبًا كما تقدم، وربما عرض له أمْرٌ خارج يوجب اشتراط ذلك فيه نادرًا، ككل سبب هو جناية بالنسبة إلى الإثم دون الغُرْم، وككل سبب في نقل الملك في الأعيان والمنافع فإنه يشترط فيه العلم والرضا. وقيل: النسبةُ بين الخطابَيْن العموم من وجه، واختاره بعضُ المتأخرين (١)، وليس بظاهر واللَّه أعلم.
стр. 50
. . ... والفرض والواجب قد توافقا
٣٩ - كالحتم واللازمِ مكتوبٍ. . . ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن الفرض والواجب والحتم واللازم والمكتوب أسماء مترادفة لما يُثاب على فعله ويُعاقب على تركه، وهو ما طلبه الشارع طلبًا جازمًا، وأَبو حنيفة يفرِّق بين الفرض والواجب، فالفرض عنده ما وجب بدليل قطعي، والواجبُ ما وجبَ بدليل ظنِّيّ، ومتأخروا المالكية والحنابلة ربما أطلقوا الواجبَ على المسنون المؤكَّدِ (١).
. . . . . . . . . . . . . . . . وما ... فيه اشتباه للكراهة انتمى
يعني أنَّ الأمور المشتبهة المشار إليها بقوله ﷺ : "وبينهما أمور مشتبهات. . . " (٢) الحديث. تطلق عليها الكراهة عند المالكية، قاله ابن رشد (٣).
٤٠ - وليس في الواجب من نوالِ ... عند انتفاء قصد الامتثال
٤١ - فيما له النية لا تشترطُ ... وغير ما ذكرتُه فغلطُ
٤٢ - ومثله التَرك لما يُحرَّمُ ... من غير قصدِ ذا نعم مُسلَّمُ
يعني أن الواجب باعتبار اشتراط النية في الاعتداد به قسمان:
стр. 51
قسم لا يُعتد به إلَّا بنية الامتثال كالصلاة والصوم. وقسم يُعْتد به دون نية الامتثال كقضاء الدين وردِّ الودائع والمغصوبات والإنفاق على الزوجات. فالذي يُشترط في الاعتداد به النيةُ أمره ظاهر، والذي لا تشترط فيه يصح دون نية ولكن لا ثواب له إلَّا بالنية، ومراده بالنوال الأجر والثواب، وكذلك كل ترك للحرام لا ثواب فيه إلَّا بنية الامتثال.
وقوله: "من غير قصدِ ذا" بإضافة "قصد" إلى اسم الإشارة الواقع على الامتثال. وقوله: "نعم مُسلَّم" يعني أن تارك الحرام من غير قصد الامتثال مسلَّم من الإثم لأنه لم يرتكب حرامًا، ولكن لا أجر له لأنه لم يقصد وجهَ اللَّه بالترك للحرام.
٤٣ - فضيلة والندب والذي اسْتحِبّ ... تَرَادَفَتْ. . . . . . . . .
يعني أن الفضيلة والندب والمستحبَّ أسماء مترادفة لما يُثاب على فِعْله ولا يُعاقَب على تركه. والفضيلةُ في اللغة الزِّيادة، وسُمِّي الندبُ فضيلة لزيادته على الواجب. والمسْتَحبُّ اسم مفعول استحب بمعنى أحب، لأنه محبوب شرعًا يثاب على فعله.
. . . . . . . . . . . ... . . . . . . . ثم التطوع انتُخِبْ
يعني أن التطوع عند متأخري المالكية هو ما ينتخبه الإنسان أي يختاره من الأوراد الماثورة، وعند الجمهور يرادف الندب.
٤٤ - رغيبةٌ ما فيه رغَّب النَّبي ... بذكر ما فيه من الأجر جُبي
٤٥ - أو دامَ فعلُه بوصفِ النفلِ ... . . . . . . . . . . . . .
يعني أن الرغيبة في اصطلاح المالكية تطلق على أمرين، الأول:
стр. 52
ما رَغَّب فيه النبي ﷺ بذكر ما فيه من الثواب كقوله: من فعل كذا فله كذا. والثاني: ما داوم ﷺ على فعله بصفة النفل لا بصفة المسنون. وستأتي صفة المسنون. وقوله: "جُبي" بالجيم فعل ماض مبني للمجهول (١)، وأصل الجباية الجمع، والمراد به في البيت ذكر ما يُجبى للفاعل أي يُعطى له من الثواب.
. . . . . . . . . . . . . . . . ... والنفلَ من تلك القيودِ أخْلِ
٤٦ - والأمْرِ بلْ أَعلمَ بالثواب ... فيه نبيُّ الرشد والصوابِ
يعني أن النفل هو ما خلا عن ما قُيَّدت به الرغيبة، فالرغيبةُ قُيدت بترغيب النبي ﷺ فيها بذِكْر ما فيها من الثواب محدَّدًا أو مداومته عليها، والنفل خالٍ من تحديد الثواب ومن المواظبة عليه ومن الأمر به، بل هو ما ذكر ﷺ أن فاعله يثاب فقط، فقوله: "والنفلَ" مفعول قوله: "أخلِ" مقدم عليه، وقوله: "والأمْرِ" بالجر عطف على "القيود".
٤٧ - وسُنَّة ما أحمد قد واظبا ... عليه والظهور فيه وجبا
يعني أن السنة في اصطلاح المالكية هي: ما واظب عليه ﷺ وأمر به من غير إيجاب وأظهره في جماعة، فقول المؤلف: "والظهور [فيه] وجبا" معناه: أن التقييد بكونه أظهره في جماعة لا بُدَّ من ذكره في حدِّ السنة على هذا الاصطلاح.
٤٨ - وبعضهم سمَّى الذي قدْ أُكِّدا ... منها بواجب فخذْ ما قُيِّدا
стр. 53
يعني أن بعض المالكية يُسَمِّي السنةَ المؤكدة واجبة وهو اصطلاح صاحب "الرسالة" (١) حيث يقول: سنة واجبة.
٤٩ - والنَّفْلُ ليس بالشروع يجبُ ... في غير ما نَظَمَهُ مُقرَّبُ
يعني أن النفل لا يلزم بالشروع فيه إلا المسائل المستثناة المذكورة في نظم الحطّاب وهو مراد المؤلف بقوله: "مقرب" خلافًا لأبي حنيفة القائل بوجوبه مطلقًا بالشروع لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد]. وأُجيْب عنه من جهة الجمهور بأن معناه: لا تبطلوا أعمالكم بالكفر المُحْبِط للحسنات، والمراد بالنَّفْل هنا ما قابل الواجب.
٥٠ - قف واستمع مسائلًا قد حكموا ... بأنها بالابتداء تلزمُ
٥١ - صلاتنا وصومنا وحجُّنا ... وعمرةٌ لنا كذا اعتكافنا
٥٢ - طوافنا مع ائتمام المقتدِي ... فيلزمُ القضا بقطْعِ عامدِ
وكلها مختَلَف في وجوب إتمامه بين العلماء إلَّا الحج والعمرة فبالإجماع لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة/ ١٩٦]. وقول المؤلف: "فيلزم القضا بقطع عامد" يُسْتَثنى منه عند المالكية المسألة الأخيرة المشار إليها بقوله: "ائتمام المقتدي" فإنه لا يلزم فيها القضاء للائتمام وإن لزم عندهم أصل قضاء الصلاة.
٥٣ - ما من وجوده يجيء العدمُ ... ولا لزوم في انعدام يعلمُ
٥٤ - بمانع يمنع للدوامِ ... والابتدا أو آخر الأقسام
стр. 54
٥٥ - أو أوّلٍ فقط على نزاعِ ... كالطَّوْل الاستبراءِ والرضاعِ
اعلم أولًا أن كل حكم يتوقف على ثلاثة أشياء هي: وجود الشرط، والسبب، وانتفاء المانع، فاحتيج إلى تعريف كلٍّ منها، فعرَّف المؤلف المانع بأنه هو الذي يلزمُ من وجوده عدم الحكم، ولا يلزم من عدمِه وجود ولا عدمٌ لذاته. كالحيض يلزم من وجوده عدم الصوم والصلاة، ولا يلزم من عدمه وجودهما ولا عدمهما.
ثم بيَّن أن المانع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: مانع الابتداء والدوام معًا، كالرضاع فإنه يمنع من ابتداء العقد كما يمنع من الدوام عليه إذا طرأ عليه، كأن يتزوّج رضيعة أجنبية ثم بعد العقد الصحيح عليها أرضعتها أمه فيمنع الدوام على العقد الذي كان صحيحًا.
الثاني: مانع الابتداء فقط، وهو مراده بقوله: "أو آخر الأقسام". ومثل له بالاستبراء فإنه مانع من ابتداء النكاح، ولو تجدَّد موجب الاستبراء على الزوجة لم يمنع من الدوام على نكاحها.
الثالث: مانع الدوام فقط، وهو مراده بقوله: "أو أول" ومثاله الطلاق فإنه مانع من الداوم على الاستمتاع بالعقد الأول، ولا يمنع من ابتداء الاستمتاع بعقد جديد، ومثَّل له المؤلف بالطَّوْل إذا طرأ على الدوام هل يمنعه، كأن يتزوج أمَةً وهو فقير، ثم يطرأ له اليسار فهل يمنع الدوام على العقد الأول أو لا؛ ونظيره من صاد صيدًا في الحِلِّ، ثم أحرم والصيد تحت يده. ووجود الماء بعد التيمم هل يبطله أم لا؟
стр. 55
٥٦ - ولازم من انتفاء الشرطِ ... عَدَمُ مشروطٍ لدى ذي الضبطِ
٥٧ - كسبب وذا الوجود لازمُ ... منه وما في ذاك شيء قائمُ
يعني أن الشرط في الاصطلاح هو: ما يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود، ولا عدمٌ لذاته، كالطهارة للصلاة. والسبب هو: ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم. فقوله: "كسبب"، يعني أن السبب يلزم من عدمه العدم كالشرط، وقوله: "وذا الوجود لازم منه" يعني أن السبب يلزم من وجوده الوجود أيضًا، وقوله: "وما في ذاك شيء قائم" يعني أن الشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. والشَّرْطُ في اللغة العلامة (١) ومنه قوله تعالى: ﴿. . . فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا. . .﴾ [محمد/ ١٨]. وقول أبي الأسود الدؤلي (٢):
لئن كنتِ قد أزمعتِ بالصَّرْم بيننا ... فقد جعلَتْ أشراطُ أوله تبدو
وسُمِّي الشرط في الاصطلاح لأن فقده علامة عدم الحكم ووجوده علامة إمكانه.
والسببُ لغةً ما يوصَل به إلى الشيء كالحبل لنزع الماء من البئر،
стр. 56
وسُمِّي السبب في الاصطلاح لأن وجوده يوصل لوجود الحكم.
٥٨ - واجتمع الجميع في النكاحِ ... وما هو الجالب للنجاحِ
قوله: "وما هو الجالب للنجاح" يعني به الإيمان، والمعنى: أن كلًّا من الشرط والسبب والمانع مجتمع في النكاح والإيمان، فالنكاحُ سبب في وجوب الصَّدَاق، شَرْط في ثبوت الطلاق، مانع من نكاح بنت المنكوحة، والإيمان سبب للثواب، شرط لصحة الطاعة، مانع من القصاص إذ قَتَل المؤمنُ كافرًا.
٥٩ - والركن جزء الذات والشرط خرج ... وصيغة (١) دليلها في المنتهج
يعني أن الفرق بين الركن والشرط: أن الركن جزء الماهية الداخل في حقيقتها كالركوع والسجود بالنسبة إلى الصلاة، والشرط هو ما خرج عن الماهية كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة، وربما أُطْلِق كلٌّ منهما على الآخر مجازًا علاقته المشابهة في توقف الحكم على كل منهما.
٦٠ - ومع علة ترادف السبب ... والفرق بعضهم إليه قد ذهب
يعني أن الجمهور على ترادف العلة الشرعية والسبب الشرعِيّ ، وفرَّق بينهما السمعاني (٢) تبعًا للنحاة واللغويين فقال: السبب هو: الموصل إلى الشيء مع جواز المفارقة بينهما، ولا أثر له فيه ولا في تَحْصيله كالحبل للماء. والعلة: ما يتأثر عنه الشيء دون واسطة كالإسكار.
стр. 57
٦١ - شرط الوجوب ما به مكلّفُ ... وعدم الطلب فيه يعرفُ
٦٢ - مثل دخول الوقت والنَّقاءِ ... وكبلوغِ بَعْث الأنبياءِ
اعلم أولًا أن المؤلف ﵀ يرى أن الشرط ينقسم ثلاثة أقسام: شرط جوب، وشرط أداء، وشرط صحة، وعدُّه شرطَ الأداء تبع فيه القاضي بَرْدَلَة، والشيرازيَّ، وزكريا الأنصاري، وهو اختيار المؤلف (١). والأظهر عندي اندارج شرط الأداء في شرط الصحة وشرط الوجوب. وعرَّف شرط الوجوب بأنه ما يكون الإنسان مكلَّفًا به، كدخول الوقت، والنقاء من الحيض، وبلوغ دعوة الأنبياء، فالتكليف لا يقع دون الأشياء المذكورة مع أن المكلف لا يُطلب (٢) بتحصيلها كانت في طوقه أم لا، وتقريبه للذهن أن شرط الوجوب هو ما يتوقف التكليف عليه ولم يُطلب من المكلف كان في طَوْقه أم لا؟
٦٣ - ومع تمكُّن من الفعل الأدا ... وعدمُ الغفلة والنوم بدا
يعني أن شرط الأداء هو ما يكون به التمكن من الفعل مع حصول ما به يكون الإنسان من أهل التكليف لأداء العبادة أي فعلها، وعلى هذا فالنائم والغافل غيرُ مكلفين بأداء الصلاة لعدم تمكنهما من الفعل. مع وجوبها عليهما، فالتمكن شرط في الأداء فقط، ومن لا يعد شرط الأداء -كمَيَّارَة (٣) - يجيب عن هذا بأن النائم مرفوع عنه القلم، فالصلاة وقت
стр. 58
النوم والغفلة غير واجبة لعدم الإثم بتركها، وتارك الواجب آثمٌ ضرورة، وقوله: "بدا" أي بدا كون عدم الغفلة والنوم شرطًا في الأداء للصلاة مثلًا.
٦٤ - وشرط صحة به اعتدادُ ... بالفعل منه الطهْرُ يُسْتَفَادُ
يعني أن شرط الصحة هو ما اعتبر للاعتداد بفعل الشيء طاعة كان أو غيرها كالطهارة للصلاة وعلم الثمن والمثمن للبيع.
٦٥ - والشرط في الوجوب شرط في الأدا ... وعزوه للاتفاق وُجدا
يعني أن كل ما هو شرط في الوجوب فهو شرط في الأداء. [وقوله]: "وعزوه للاتفاق" إلخ يشير به إلى ما نقله اللقاني (١) في حاشيته على المحلي عن السَّعْد من حكاية الاتفاق على ذلك، والذين لا يعدُّون شرط الأداء يقولون: كل ما هو شرط للوجوب فهو شرط للصحة.
٦٦ - وصحة وفاق ذي الوجْهينِ ... للشرع مطلقًا بدون مَيْنِ
يعني أن الصحة عند المتكلمين هي: موافقة الفعل ذي الوجهين لإذن الشرع، وقوله: "مطلقًا" أي سواء كان ذو الوجهين عبادة أو معاملة، ومعنى كونه ذا وجهين أنَّه يقع تارة موافقًا للشرع لجمعه للشروط وانتفاء الموانع، وتارة مخالفًا للشرع لانتفاء شرط أو وجود
стр. 59
مانع، وقوله: "ذي الوجهين" احترز به عمالا يقع إلَّا موافقًا للشرع، كرد الودائع، ومعرفة اللَّه تعالى، فإنها إن لم تكن موافقة كانت جهلًا لا معرفة.
٦٧ - وفي العبادة لدى الجمهورِ ... أن يسقط القضا مدى الدهورِ
يعني أن صحة العبادة عند جمهور الفقهاء هي: سقوط القضاء بأن لا يحتاج إلى فعلها مرة أخرى.
٦٨ - يُبْنى على القضاء بالجديدِ ... أو أولِ الأمر لدى المُجيدِ
يعني أن الخلاف في تعريف الصحة بين الفقهاء والمتكلمين مبني على الخلاف في القضاء هل هو بأمر جديد أو بالأمر الأول؛ فعلى كونه بأمر جديد بنى المتكلمون مذهبَهم في العبادة التي لم تُفعل حتى خرج وقتها من أنَّها موافقة للأمر فلا يوجبون القضاء لما لم يَرِد نص جديد بقضائه، وعلى أنَّها بالأمر بنى الفقهاء فلا يخرج من عهدة الأمر الأول إلَّا بفعل مستوْفٍ للشروط الشرعية، وستأتي هذه المسألة للمؤلف في الأمر (١)، وقوله: "المُجيد" هو بضم الميم اسم فاعل من أجاد يعني به الممعن للنظر في علم الأصول.
٦٩ - وهي وفاقه لنفس الأمر ... أو ظنَّ مأمور لدى ذي خُبر
قوله: "ذي خُبر" يعني به تقي الدين علي بنُ عبدِ الكافي السبكيَّ (٢)،
стр. 60
يعني أن الصحة عنده هي موافقة ذي الوجهين لأمر الشرع، لكن عند الفقهاء لابد من الموافقة في نفس الأمر، وعند المتكلمين تكفي الموافقة في ظنّ المكلف.
٧٠ - بصحة العقد يكون الأثرُ ... وفي الفساد عكس هذا يظهر
يعني أن ترتُّب الآثار المقصودة من العقد على العقد كالتصرف والانتفاع بالمبيع والتمتع بالمنكوحة إذا وُجد فهو ناشئ عن الصحة لا عن غيرها، وليس المراد أنَّه كلما وجدت الصحة وجدت ثمرة العقد لأن بيعَ الخيار صحيح ولا ينشأ عنه قبل تمام عقدِه أثر.
فإن قيل: الخلع والكتابة الفاسدان مثلًا يترتب عليهما أثرهما من البينونة في الأول والعتق في الثاني.
فالجواب: أن ترتب أثرهما ليس للعقد بل للتعليق وهو صحيح لا خلل فيه.
وقوله: "وفي الفساد عكس هذا" يعني أن فساد العقد عكس صحته في أنَّه لا يترتب عليه أثر العقد؛ لأن النهي يقتضي الفساد، لأن المنهيَّ عنه ليس من أمرنا، وهو ﷺ قال: "من أحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ" (١) فالمنهيُّ عنه مردود بنصه ﷺ خلافًا لأبي حنيفة.
٧١ - إن لم تكن حوالة أو تلفُ ... تعلق الحق ونقص يؤلف
стр. 61
يعني أن المالكية خالفوا أصلهم في هذه المسألة وراعوا فيها الخلاف فقالوا: إن البيعَ الفاسدَ يفيد شبهة الملك فيما يقبل الملك، فإذا لحقه أحدُ أربعة أشياء تقرر الملك بالقيمة أو الثمن، وهي حوالة الأسواق، وتلف العين، ونقصانها، وتعلق حق الغير بها بنحو بيع أو رهن (١).
٧٢ - كفاية العبادة الإِجزاء ... وهي أن يسقط الاقتضاء
٧٣ - أو السقوط للقضاء. . . ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن الإجزاء هو "كفاية العبادة" أي كونها كافية في سقوط الطلب والخروج من عهدته. فقوله: "وهي أن يسقط الاقتضاء" أي: الطلب بالفعل شرعًا. وقوله: "أو السُّقُوط للقضا" يعني أن الإجزاء قيل فيه: إنه هو السقوط للقضاء وهو قول ابن الحاجب (٢)، وعليه يكون هو عين الصحة. وعلى ما مشى عليه المؤلف من الفرق بينهما يكون الشيء مجزئًا ولا يسقط القضاء كالذي لم يجد ماءً ولا صعيدًا على القول بأنه يصلي ويعيد، وكالمتيمِّم إذا وجد الماء عند الشَّافعي، وعلى قولٍ ضعيف عند المالكية فإنه يتيمم ويجزئه تيممه وصلاته ويعيد.
. . . . . . . . . . وَذَا أخصّ ... من صحة إذ بالعبادة يُخَصْ
قوله: "ذا" إشارة إلى الإجزاء، والمعنى أن الإجزاء أخص مطلقًا
стр. 62
من الصحة، وهي أعم منه مطلقًا، لأن الإجزاء يختص بالعبادات، والصحة تكون في العبادات والمعاملات، فتقول: عبادة صحيحة وعقد صحيح، ولا تقول: عقد مجزئ.
٧٤ - والصحة القبول فيها يدخلُ ... وبعضهم للاستواء ينقلُ
يعني أن القبول يندرج في الصحة، فمن الصحيح مقبول ومنه غير مقبول، كقول خليل (١): "وعَصى وصحَّت إن لبس حريرًا" إلخ، وبعضهم نقل استواء الصحة والقبول أي تَرادُفَهُما وهو غير ظاهر، واللام في قوله: "للاستواء" دخلت على المفعول لتقدُّمه لتقوية العامل على العمل فهي لتقوية التعدية كقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣)﴾ [يوسف].
٧٥ - وخصِّص الإجزاء بالمطلوبِ ... وقيل بل يختصّ بالمكتوب
يعني أن الأجزاء الذي قدمنا أنَّه يختص بالعبادات قيل: يدخل في المندوب والواجب معًا،، وقيل: لا يدخل إلَّا في الواجب فقط.
حجةُ من قال يدخل في المندوب: قوله ﷺ لأبي بردة في الأُضحية بالعناق: "اذبحها ولن تُجزئ عن أحدٍ بَعْدَك" (٢). وقوله ﷺ : "أربع لا تُجزئ في الأضاحي. . . " (٣). قالوا: فالأُضحية غير واجبة، والنبي
стр. 63
- ﷺ عبر فيها بالإجزاء.
وحجة أهل القول الآخر أن الأضحية واجبة ولم يَرِد الإجزاءُ في مندوب.
٧٦ - وقابل الصحة بالبطلان ... وهو الفساد عند أهل الشأن
يعني أن الصحة يقابلها البطلان، فالشيء إما صحيح وإما باطل، وعليه فالبطلان عند المتكلمين هو: مخالفة ذي الوجهين الأمر الشرعي، وعند الفقهاء في العبادات هوة ما لم يُجْزِئ ولم يُسقِطِ القضاء، وفي المعاملات: ما لم يترتَّب عليه أثره المقصود منه. وقوله: "وهو الفساد" يعني أن البطلان هو الفساد عند الجمهور.
٧٧ - وخالفَ النعمان فالفساد ... ما نهيه للوصف يُستفاد
"النعمان" هو ابن ثابت، وهو أَبو حنيفة ﵀، والمعنى: أنَّه خالف الجمهور فجعل الفاسد غير الباطل، فالباطل عنده: ما مُنِعَ بأصله ووصفه، كبيع الخنزير بالدم، والفاسد: ما شُرِع بأصله ومُنِع بوصفه،
стр. 64
كبيع درهم بدرهمين، فأصل بيع الدرهم بالدرهم جائز، وإنَّما مُنِع من أجل الوصف الذي هو زيادة الدرهم الرِّبويّ. فقوله: "ما نهيه للوصف" يعني أن الفسادَ ما نُهِي عنه لا لأصله بل لوصفه.
٧٨ - فعل العبادة بوقت عيِّنا ... شرعًا لها باسم الأداءِ قُرِنا
الأداء في اللغة: دفع الحق المطالَب به، وفي الاصطلاح هو: إيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعًا لمصلحة اشتمل عليها الوقت.
٧٩ - وكونه بفعلِ بعضٍ يَحْصُلُ ... لعاضِدِ النَّصِّ هو المُعوَّلُ
يعني: أن الأداء يحصل بفعل البعض في الوقت ولو فُعِل البعضُ الآخر خارجَ الوقت، كمن أدرك ركعة من الصلاة فكلها أداء.
وقوله: "لعاضد النص" أي للنصّ العاضد المقوِّي لهذا وهو قوله ﷺ : "من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (١). وقيل: البعض قضاء والبعض أداء. وقيل: كلها قضاء، وهما مقابلان للصحيح.
٨٠ - وقيل ما في وقتِهِ أداءُ ... وما يكون خارجًا قضاءُ
تصوُّره ظاهر.
٨١ - والوقت ما قدَّرهُ مَنْ شرَعا ... من زمنٍ مضيِّقًا مُوَسَّعا
يعني: أن وقت العبادة هو زمنها المقدَّر لها شرعًا سواء كان وقتًا مُوَسَّعًا أو مُضيَّقًا، وضابط الموسَّع هو: ما يسعُ أكثرَ من فعل العبادة
стр. 65
كأوقات الصلاة، والمضيَّق هو: ما لا يزيد على قدر ما تُفْعَل فيه العبادة كرمضان. والتحقيق أن الوقت الموسَّع جائز عقلًا وواقع شرعًا.
فإن قيل: وجوب الصلاة في أول الوقت لا يُعقل مع جواز تأخيرها لآخر الوقت، فما جاز تركه في وقت لا يعقل كونه واجبًا فيه.
فالجواب: أنَّ الصلاة واجبة في حِصَّة من حِصَص الوقت غير معينة، كما أن الواجب في خصال الكفارة واحد من ثلاثة أشياء غير معين.
٨٢ - وضدُّه القضا تداركًا لِما ... سَبْقُ الذي أوجبَه قد عُلِما
"القضاء" لغةً: إتمام الشيء والفراغ منه ولو في وقته كقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء/ ١٠٣]، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة/ ٢٠٠]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة/ ١٠].
وفي الاصطلاح هو: فعل العبادة كلّها خارج الوقت المقدَّر لها -على الصحيح الأداء- في حال كون ذلك الفعل تدارُكًا لشيءٍ عُلِمَ
تقدُّمُ ما أوجب فعله في خصوص وقته، وتدارك الشيء الوصول إليه، وسيأتي لهذا زيادة إيضاح.
٨٣ - من الأداء واجبٌ وما مُنِعْ ... ومنه ما فيه الجواز قد سُمِعْ
يعني أن الأداء له ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون واجبًا كأداء الصلاة في وقتها ممن لم يقم به مانع، وتدارك مثل هذا بعد الوقت لا إشكال في كونه قضاءً.
الثانية: أن يكون ممنوعًا كصوم الحائض، وتسمية تداركه قضاء قيل: مجاز؛ لأنه لم يتقدم له وجوب، وقيل: قضاء حقيقةً بناءً على أن
стр. 66
القضاء يكفي فيه انعقاد سبب الوجوب وإن منع منه مانع كما يأتي إيضاحه إن شاء اللَّه.
الثالثة: أن يكون جائزًا كأداء المسافر للصوم، فتسميةُ تدارك هذا قضاءً قيل: مجاز نظرًا إلى التخيير في وقت الوجوب، وقيل: قضاء أيضًا حقيقة نظرًا لانعقاد سبب الوجوب بدخول رمضان وإن منع منه مانع السفر في رمضان.
٨٤ - واجتمع الأداء والقضاءُ ... وربَّما ينفردُ الأداء
٨٥ - وانتفيا في النفل. . . . ... . . . . . . . . . . .
يعني أن من العبادات ما يُوصَفُ بالأداء والقضاء معًا كالصلوات الخمس، ومنها ما يختص بالأداء ولا يُقْضَى كالجمعة فإنها لا تقضى إلَّا ظهرًا، ومنها ما لا يوصف بقضاء ولا أداء كمطلق النفل.
. . . . . . . . . . . والعبادَه ... تكريرها لو خارجًا إعاده
٨٦ - للعذر. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . .
يعني أن فعل العبادة مرة أخرى هو الإعادة في الاصطلاح سواء أعيدت في الوقت أم لا، وسواء أعيدت لخلل أو لطلب فضل الجماعة.
وقوله: "للعذر" يعني أن التكرار لابد أن يكون لعذر من خلل فيها أو تحصيل مندوب. والإعادة لغة هي: فعل الشيء ثانيًا، ومنه قول توبة (١):
стр. 67
من الخَفِرات البيض وَدَّ جليسُها ... إذا ما انقضت أُحدوثة لو تعيدها
يعني تحدِّث بها مرة أخرى.
٨٦ - . . . . . . والرُّخصَّةِ حكمٌ غُيِّرا ... إلى سهولة لعذر قُرِّرا
٨٧ - مع بقاء (١) علَّةِ الأصليّ ... وغيرُها عزيمةُ النَّبيّ
يعني أن الرخصة في الاصطلاح هي حكم غُيِّر من صعوبة إلى سهولة لعذرٍ مع قيام سبب الحكم الأصليّ، فخرج بقَيْد التغيير ما كان باقيًا على أصله كالصلوات الخمس وهي عزيمة. وخرج بقيد السهولة ما غُيِّر إلى أصعب أو إلى مساوٍ، وهما النسخ. فمثال ما غُيِّر إلى صعوبة: تغيير حكم التخيير بين صوم رمضان وبين الإطعام المنصوص عليه بقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ الآية [البقرة/ ١٨٤]. فالتخيير الذي هو أسهل غُيِّر إلى ما هو أصعب منه، وهو تعيين الصوم المنصوص في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة/ ١٨٥]. ومثال ما غُيِّر إلى مساو: اسْتقبال بيت المقدس غُيِّر إلى اسْتقبال البيت الحرام، وهما في الصعوبة وعدمها سواء.
وخرج بقيد "لِعُذْرٍ" ما تغير إلى سهولة لكن لا لعذر، كتغيير الوضوء لكل صلاة بما هو أسهل منه وهو أن يصلي بوضوئه ما شاء حتى ينتقض، لكنَّ هذا لا لعذرٍ طرأ بل حالة التغيير كحالة ما قبل التغيير فلا يُسمَّى رخصة.
стр. 68
وخرج بقيد قيام السبب الأصلي تغييرُ وجوب مصابرة الواحد من المسلمين عشرة من الكفار إلى مصابرته اثنين؛ لأن سبب الحكم الأول قلة المسلمين وقد زالت بعد ذلك بكثرتهم، وعذرها مشقة المصابرة (١) وهذا نسخ.
وقوله: "وغيرها عزيمة النَّبِيِّ"، يعني أن ما سوى الرخصة فهو عزيمة ما لم يتغير أصلًا، أو تغيَّر إلى صعوبة، أو إلى سهولة لا لعذر أو لعذر لا مع قيام السبب للحكم الأصلي، هذا مراده، ولا يصح على إطلاقه لما علمتَ من أن التغيير إلى أصعب أو إلى مساو أو إلى أسهل مع [عدم] قيام سبب الأصلي كلها قد يكون نسخًا، فالتحقيق وجود الواسطة بين الرخصة والعزيمة. والرخصة لغة: من الرَّخْص، وهو الليِّن الناعم، والعزيمة لغة: القصد المصمِّم.
٨٨ - وتلك في المأذون جزمًا توجدُ ... وغيره فيه لهم تردُّدُ
يعني أن الرخصة تكون في المأذون بلا نزاع، ومراده بالمأذون ما لم يُنْهَ عنه مطلقًا، وذلك هو الواجب والمندوب والجائز، ومراد المؤلف أن فعل الرخصة يكون واجبًا، ومندوبًا، وجائزًا بلا نزاع، ومثال الرخصة الواجبة: أَكْلُ المضطر الميتة إذا خاف الهلاك، فهو واجب لوجوب حفظ النفس من الموت. ومثال المندوب: قَصْر الصلاة في السفر، فهي رخصة مسنونة، والإفطار في السفر عند من يرى الندبية. ومثال الجائزة: السَّلَم الذي هو بيعُ موصوفٍ في الذمة.
стр. 69
وقوله: "وغيره فيه لهم تردُّدُ" يعني أن غير المأذون وهو المكروه بقسميه والحرام هل يكون متعلق الرخصة أم لا؟ ومن هنا اختلف العلماء في العاصي بسفره هل يرخَّص له في قصر الصلاة وأكل الميتة وفي جواز التيمم في السفر المكروه؟ والصحيح عند المالكية هو ما رجَّحه سَنَدٌ (١) والقرطبي وابن عبدِ السلام وابن مرزوق من الجواز مطلقًا (٢).
٨٩ - وربما تجي لما أُخرج مِنْ ... أصلٍ بمطلقِ امتناعه قَمِنْ
يعني أن الرخصة ربما أُطْلِقت على ما اسْتُثني من أصل كُلِّيّ يقتضي المنع، كضرب الدِّية على العاقلة، فإنه مُسْتَثنى من أصلٍ هو: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِزُةٌ وزْرَ أُخرَى﴾ [الأنعام/ ١٦٤] فهو أصل كُلِّيّ يقتضي منع تغريم العاقلة جناية غيرها، لكنه اسْتُثني من هذا الأصل، فمثله قد تطلق عليه الرخصة، وكبيع العرية ونحو ذلك.
وقول المؤلف: "قمن" نعت لقوله: "أصل". وقوله: "بمطلق امتناعه" متعلِّق بـ "قمن" بمعنى جدير، وتقريره: ما أخرج من أصل جدير بامتناع ذلك المُخْرج لو لم يُخرجه الشرع، ومراده بالإطلاق سواء كان الإخراج لعذر شاق أم لا، فالعذر الشاق كخوف الموت إن لم يأكل الميتة، والعذر الغير الشاق كالسَّلَم وضرب الدية على العاقلة ونحو ذلك.
стр. 70
٩٠ - وما به للخبر الوصولُ ... بنظرٍ صحَّ هو الدليلُ
يعني أن الدليل في اصطلاح الأصوليين هو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبريّ. فقولهم: يمكن، يُفْهم منه أنَّه يسمَّى دليلًا ولو لم يُنظر فيه فالعبرة بالإمكان لا بالإطلاق، والمراد بالخبريّ، ما يتضمَّن نسبة خبرية كجملة فعلية أو اسمية، واحتُرِز به من غير الخبريّ، فإن الموصل إلى غير الخبريّ هو المعروف بالمُعَرِّفات وهي الحدود والرسوم. والنظر يأتي له تعريفه.
واحترز بقوله: "صحَّ" من الفاسد إذ لا يمكن التوصل به إلى المطلوب. والدليل في اللغة: فعيل بمعنى فاعل من الدلالة وهي الإرشاد، واصطلاحًا: فهم أمرٍ من أمرٍ، أو كون أمر بحيث يفهم منه أمرٌ فُهم أو لم يفهم، ولا يكون الدليل عند الأصوليين إلَّا مركبًا.
٩١ - والنَّظرُ الموصلُ من فكرٍ إلى ... ظنٍّ بحكمٍ أو لعلمٍ مُسْجلا
يعني أن النظر في الاصطلاح (١) هو الفكر المؤدِّي إلى علم أو ظن، فإن كانت المقدمات يقينية أيد العلم، وإن كانت ظنية أفاد الظنّ.
والفكر حركة النفس في المعقولات، أما حركتها في المحسوسات فتخييل، فَـ "مِنْ" من قوله: "مِنْ فكرٍ" بيانية بيَّنت الموصِل وهو الفكر، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج/ ٣٠] والأوثان هي الرجس. وقوله: "أو لعلم" أي أو الموصل لعلم. وقوله:
стр. 71
"مُسْجَلًا" أي مطلقًا، ومراده بالإطلاق: سواء كان العلم بذات أو نسبة.
٩٢ - الإدراك من غير قضًا تصَوُّرُ ... ومَعْه تصديقٌ وذا مُشتَهِرُ
اعلم أولًا أن الإدراك في الاصطلاح هو: وصول النفس إلى المعنى بتمامه، فإن وصلت إليه لا بتمامه فهو الشعور، ومعنى كلام المؤلف أن النفس إذا وصلت إلى المعنى من غير قضاء عليه أي حكم عليه بإثبات شيء له أو نفيه عنه، كوصولها إلى معنى الحلاوة والمرارة والبياض والسواد، فهذا يمسى تصورًا، وهو تفعُّل من الصورة، لأن المدْرِك لحقائق الماهيات تنطبع صورها في مرآة ذهنه.
وقوله: "ومعه تصديق" يعني أن الإدراك مع القضاء على الموضوع بالمحمول يُسمى تصديقًا، ومراده أن النفس إذا وصلت إلى إدراك المحكوم عليه والمحكوم به، والنسبة الحكمية التي هي مَوْرِدُ الإيجاب والسلب، وكونها واقعة بالفعل، أو غيرُ واقعة، فهذه الإدراكات الأربعة هي التصديق، وعليه فالتصديق مركب من أربعة تصورات، ومذهب الحكماء أن التصديق هو التصور الرابع والثلاثة قبله شروط فيه، وعليه فهو بسيط، فالكل متفق على أن التصديق لا يمكن إلَّا بعد أربعة تصورات وهي: تصور الموضوع والمحمول، والنسبة الحكمية من غير إثبات لها ولا نفي كما يقع من الشاكِّ، وتصور وقوعها، بالفعل أو عدم وقوعها، إلَّا أن من يقول: التصور مركب يقول: إن توقفه على التصورات الثلاثة الأُول من توقف الماهية على أركانها، ومن يقول: هو بسيط يقول: هو من توقف الماهية على شرطها.
стр. 72
واعلم أنهم اختلفوا في الحكم هل هو سلب النسبة أو إيجابها فيكون فعلًا، أو اعتقاد سلبها أو إيجابها فيكون انفعالًا، ولا طائل تحت هذا الخلاف.
وقول المؤلف: "وذا مشتهر" يعني أن المشهور هو كون التصديق مركبًا من التصورات (١) الأربعة المتقدمة، ومذهب قدماء المناطقة خلافه، وإنما سُمِّي إثبات المحمول للموضوع أو نفيه عنه تصديقًا، لأنه خبر والخبر لذاته يحتمل التصديق والتكذيب فسمَّوه تصديقًا من التسمية بأشرف الاحتمالين.
٩٣ - جازمُه دون تغيُّرٍ عُلِمْ ... علمًا وغيره اعتقادٌ ينقسم
٩٤ - إلى صحيحٍ إن يكن يُطابقُه ... أو فاسدٍ إن هو لا يوافقه (٢)
الضمير في قوله: "جَازِمُهُ" للقضاء بمعنى الحكم، يعني أن الحكم بنسبة المحمول إلى الموضوع إذا كان جازمًا لا يمكن تغييره ولا التشكيك فيه بحال، كالحكم بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الكُلَّ أكبر من الجزء يسمى في الاصطلاح علمًا. وإن كان جازِمُه يحتمل التشكيك فهو اعتقاد مطابق إن طابق الحق، وفاسد إن خالف الحق، كاعتقاد الفلاسفة قدم العالم وإن كانوا لا يشكون فيه؛ لأنه في الواقع قابل للتشكيك.
٩٥ - والوهْمُ والظنُّ وشكٌ ما احْتَملْ ... لراجحٍ أو ضدِّه أو ما اعتدلْ
стр. 73
يعني أن الحكم إذا كان غير جازم بأن كان معه احتمالُ نقيض المحكوم به من وقوع النسبة أو عدمه ينقسم إلى وهْمٍ، وظنٍّ، وشكّ، فالوهم هو: الحكم بالشيء مع احتمال نقيضه احتمالًا راجحًا، كالحكم بكذب العدل في خبره؛ لأن الراجح من الاحتمالين صدق العدل لا كذبه. والظن ضد الوهم بأن احتمل النقيض احتمالًا مرجوحًا كالحكم بصدق العدل في خبره. والشك: ما احتمل النقيض مع تساوي الاحتمالات كالحكم بصدق مجهول الحال في خبره.
وقيل في الوهم والشك: إنهما ليسا من التصديق إذ الوهم ملاحظة المرجوح، والشك التردد في الوقوع وعدمه، والتحقيق: أن الواهم حاكم بالطرف المرجوح حكمًا مرجوحًا، وأن الشاكَّ إن كان شكه لتعارض الأدلة فهو حاكم بالتردد، وإن كان لعدم النظر فهو غير حاكم، ومن هنا اختلف في الوقف هل يُعد قولًا أو لا؟
فإذا عرفتَ حدَّ الوهم والظن والشك فاعلم أن اتباع الوهم حرام، واتباع الظن في العقائد حرام أيضًا، واتباعه في الفروع العمليَّة جائز إن لم يمنع منه مانع شرعيّ، كالقضاء بشهادة عدل واحد، وإن غلب على الظنِّ صدقه فهو مما قدم فيه النادر على الغالب، والشك ساقط الاعتبار إلَّا في النادر كالنضح من الشكِّ في إصابة النجاسة.
٩٦ - والعلم عند الأكثرين يختلف ... جزمًا. . . . . . . . . . .
يعني أن عِلم المخلوقات يتفاوت في جزئياته، فالعلم مثلًا بأن الواحد نصف الاثنين أقوى من العلم الحاصل بالتواتر، وعلمه ﷺ لا
стр. 74
يساوي علمنا، وحق اليقين أقوى من عين اليقين، وعين اليقين أقوى من علم اليقين (١).
. . . . . . . . . . . . . . ... . . . .وبعضهم بنفْيهِ عُرِفْ
٩٧ - وإنما له لدى المُحقِّقِ ... تفاوتٌ بحسب التعلُّق
٩٨ - لما لَه من اتّحادٍ مُنْحتِمْ ... معَ تعدُّدٍ لمعلومٍ عُلِمْ
يعني أن بعض المتكلمين نفى تفاوت العلم في جزئياته قائلًا: إن العلم الحادث انكشاف واحد فضرورِيُّه ونظرِيُّه بالنسبة إلى الجزم وعدم إمكان التشكيك سواء، وإنَّما يتفاوت عندهم بكثرة المتعلَّقات، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام علموا من صفات اللَّه ما لم يعلمه غيرُهم، لأن العلم عندهم (٢) صفة واحدة متعلقاتها متعددة، وذلك هو معنى قوله: "لماله من اتحاد منحتم مع تعدد لمعلوم"، والتحقيق أن العلم يتفاوت في نفسه وهو مذهب أهل السنة والجماعة، ولا شك أن علم النبي ﷺ بمسألة يعلمها عوام المؤمنين أقوى من علم العوام في نفس القدر الذي علمه العوام وهو واضح.
٩٩ - يُبنى عليه الزَّيْدُ والنقصانُ .... هل ينتمي إليهما الإيمانُ
يعني أن الخلاف في العلم هل يتفاوت في نفسه بالقوة في الجزم يُبْنَى عليه الخلاف في نقص الإيمان -بمعنى التصديق- وزيادته.
стр. 75
والتحقيق أنَّه يزيد وينقص كما صرحت به الآيات القرآنية بالنظر إلى نفس التصديق، وبالنظر إلى زيادة الأعمال أيضًا ونقصانها.
١٠٠ - والجهلُ جافي المذهَب المحمود ... هو انتفاءُ العلمِ بالمقصود
يعني أن الجهل -في المذهب الصحيح- هو انتفاء العلم بما شأنه أن يقصد ليعلم بأن لم يُدْرك أصلًا وهو الجهل البسيط، أو أُدْرِك على خلاف هيْئته في الواقع وهو الجهل المركب، كاعتقاد الفلاسفة قِدَم العالم.
وخرج بقوله: "المقصودِ"، عدم العلم بما تحت الأرضين مثلًا فلا يسمى جهلًا اصطلاحًا. وقيل: الجهل إدراك المعلوم على خلاف هيْئته في الواقع، وهذا الحدُّ لا يتناول إلَّا المركب.
١٠١ - زوالُ ما عُلِمَ قُل نِسيانُ ... والعلمُ في السَّهْوِ لَهُ اكتنانُ
يعني أن النسيان هو: زوال المعلوم من القوة الحافظة والقوة المدركة، فيُسْتأْنف تحصيله لأنه غير حاصل لزواله. والسهو هو: اكتنان المعلوم أي غيبته عن القوة الحافظة مع أنَّه غير غائب عن القوة المدركة، فهو الذهول عن المعلوم الحاصل فينتبه له بأدنى تنبيه، وقيل: النسيان غفلة عن المذكور، والسهو غفلة عن المذكور وغيره، وقيل: هما مترادفان (١).
١٠٢ - ما رَبُّنا لم يَنْهَ عنه حسنُ ... وغيرُه القبيحُ والمُسْتهجَنُ
يعني أن الحسن شرعًا ما لم ينه اللَّه عنه، فيدخل فيه الواجب