← Книги сунны

Книги сунны · id 28453

الأخبار الموفقيات للزبير بن بكار

الزبير بن بكار

Полный текст (252 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ: " كُنَّا فِي مَجْلِسٍ نَنْتَظِرُ الإِذْنَ فِيهِ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَتَذَاكَرْنَا الْحَجَّاجَ، فَمِنَّا مَنْ حَمِدَهُ، وَمِنَّا مَنْ ذَمَّهُ، فَكَانَ مِمَّنْ حَمِدَهُ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ، وَمِمَّنْ ذَمَّهُ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلَيٍّ ﵈، وَأُذِنَ لَنَا فَدَخَلْنَا عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ، فَابْتَدَأَ الْحَسَنُ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا كُنْتُ أَحْسَبُنِي أَبْقَى حَتَّى يُذْكَرَ الْحَجَّاجُ فِي دَارِكَ وَعَلَى بِسَاطِكَ، فَيُثْنَى عَلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمَا تُنْكِرُ مِنْ ذَلِكَ؟ رَجُلٌ اسْتَكْفَاهُ قَوْمُهُ فَكَفَاهُمْ، وَاللَّهِ لَوَدَدْتُ أَنِّي وَجَدْتُ مِثْلَ الْحَجَّاجِ حَتَّى أَسْتَكْفِيَهُ أَمْرِي، وَأُنْزِلُهُ الْحَرَمَيْنِ حَتَّى يَأْتِيَنِي أَجَلِي. قَالَ: فَقَالَ لَهُ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ لَكَ مِثْلَ الْحَجَّاجِ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ لَوِ اسْتَكْفَيْتَهُمْ كَفَوْكَ. قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ كَأَنَّكَ تُرِيدُ نَفْسَكَ. قَالَ: وِإِنْ أَرَدْتُهَا فَمَهْ؟ قَالَ: كَلا لَسْتَ هُنَاكَ، إِنَّ الْحَجَّاجَ ائْتَمَنَهُ الْقَوْمُ فَأَدَّى إِلَيْهِمُ الأَمَانَةَ، وَائْتَمَنَّاكَ فَخُنْتَنَا حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " قَدِمَ عَلَى مِزْيَدٍ مُخَنَّثٌ مِنْ مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ: بِأَبِي وَأُمِّي، دُلَّنِي عَلَى بَعْضِ مُخَنَّثِي الْمَدِينَةِ أَتَخَنَّثُ مَعَهُ. فَأَتَى بِهَ دَارَ خُثَيْمٍ، وَهُوَ شُرْطِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: دُونَكَ صَاحِبَ هَذَا الدَّارِ، فَدَخَلَ وخُثَيْمٌ يُصَلِّي، فَقَامَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ خُثَيْمٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقَالَ: سَبَّحَتَ بِأُمِّ الزِّنَا فِي جَامِعَةٍ قَمْلَةٍ، انْصَرِفِي، الْجَامِعَةُ: الْقَيْدُ، وَالْقَمْلُ: أَنْ يَطُولَ حَبْسُهُ فَيَقْمَلَ قَدُّهُ، حَتَّى أَتَحَدَّثَ مَعْكِ سَاعَةً، فَلَمَّا أَطَالَ خُثَيْمٌ، قَالَ: تَتَنَسَّكِينَ زِيَادَةً، فَانْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَقَالَ: مَا شَأْنُكَ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَوَصَفَ لَهُ مَنْ دَلَّهُ، فَعَرِفَ أَنَّهُ مِزْيَدٌ، فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: " كَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَقِيلٍ عَامِلا لِلْحَجَّاجِ عَلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ أَبَا صَفِيَّةَ، وَيَغْضَبُ مِنْهَا، فَاسْتَعْدَتِ امْرَأَةٌ عَلَى زَوْجِهَا، فَأَتَاهُ صَاحِبَ الدَّعْوى عِنْدَ الْمَسَاءِ. قَالَ: نَعَمْ أَغْدُو مَعَكَ، فَبَاتَ الرَّجُلُ يَقُولُ لامْرَأَتِهِ: لَوْ قَدْ أَتَيْتُ الأَمِيرَ لَقُلْتُ: يَا أَبَا صَفِيَّةَ، إِنَّهَا تَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا، فَيَأْمُرُ بِكِ مَنْ يُوجِعُكِ ضَرْبًا، وَجَعَلَ يُكَرِّرُ عَلَيْهَا: يَا أَبَا صَفِيَّةَ، فَحَفَظَتِ الْمَرْأَةُ الْكُنْيَةَ، وَظَنَّتْ أَنَّهَا كُنْيَةَ الأَمِيرِ، فَلَمَّا تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ، قَالَتْ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ يَا أبَا صَفِيَّةَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَافَاكِ اللَّهُ، فَأَعَادَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ: فَأَعَادَتْ، فَقَالَ لِزَوْجِهَا: خُذْ بِيَدِهَا فَإِنِّي أَظُنُّهَا ظَالِمَةً

стр. 2

حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: قَالَ سَلْمُ بْنُ زِيَادٍ لِطَلَحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الْخُزَاعِيِّ: " أُرِيدُ أَنْ أَصِلَ رَجُلا لَهُ حَقٌ عَلَيَّ وَصُحْبَةٌ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَمَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَ هَذِهِ الْعَشَرَةَ، قَالَ: فَأصِلُهُ بِخَمْسِ مِائَةِ أَلْفٍ، قَالَ: كَثِيرٌ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ، قَالَ: أَفَتَرَى مِائَةَ أَلْفٍ يُقْضَى بِهَا ذِمَامُ رَجُلٍ لَهُ انْقِطَاعٌ وَصُحْبَةٌ وَمَودَّةٌ وَحَقٌ وَاجِبٌ؟ ، قَالَ: نَعَمٌ، قَالَ: هِيَ لَكَ وَمَا أَرَدْتُ غَيْرَكَ. قَالَ: أَقِلَّنِي، قَالَ: لا أَفْعَلْ وَاللَّهِ حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ، قَالَ: " هَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجَعْدِيُّ بَصِيصَ جَارِيَةِ نَفِيسٍ، صَاحِبِ قَصْرِ نَفِيسٍ بِالْمَدِينَةَ. فَبَلَغَهُ عَنْهَا شَيْءٌ أَنْكَرَهُ، فَغَابَ عَنْهَا زَمَانًا، ثُمَّ أَتَاهَا، فَقَالَ لَهَا: تُغَنِّينَ: وَكُنْتُ أُحِبُّكُمْ فَسَلَوْتُ عَنْكُمْ ... عَلَيْكُمْ فِي دِيَارِكُمُ السَّلامُ فَقَالَتْ: نَعَمْ، وأُغَنِّي: تَحَمَّلَ أَهْلُهَا عَنْهَا فَبَانُوا ... عَلَى آثَارِ مَنْ ذَهَبَ الْعَفَاءُ قَالَ: فَازْدَادَ بِهَا شَغَفًا وَكَلَفًا، وَأَقَامَ مَلِيًّا يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: تُغَنِّينَ: وَأَخْضَعُ لِلْعُتْبَى إِذَا كُنْتُ ظَالِمًا ... وَإِنْ ظُلِمْتُ كُنْتُ الَّذِي أَتَنَصَّلُ قَالَتْ: نَعَمْ، وَأُغَنِّي: فَإِنْ تُقْبِلُوا نُقْبِلْ عَلَيْكُمْ بِوُدِّنَا ... وَنُنْزِلُكُمْ مِنَّا بِرَحْبِ الْمَنَازِلِ قَالَ: فَتَقَاطَعَا فِي بَيْتَيْنِ، وَتَوَاصَلا فِي بَيْتَيْنِ، وَلَمْ يَفْطِنْ مِنَ الْقَوْمِ غَيْرِي حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: قَالَ بَسِيلُ التُّرْجُمَانُ: كُنْتُ مَعَ الرَّشِيدِ فِي بَلادِ الرُّومِ، فَلَمَّا افْتَتَحَ أَنْقَرَةَ فَإِذَا بِحَجَرٍ عَظِيمٍ مَنْصُوبٍ عَلَى بَابِ الْحِصْنِ فِيهِ كِتَابٌ بِالْيُونَانِيَّةِ، وَهِيَ الرُّومِيَّةُ الْقَدِيمَةُ، وَكَانَ ذَوُ الْقَرْنَيْنِ مِنْ وَلَدِ يُونَنَ بْنِ يُونَانَ، فَجَعَلْتُ أَقْرَأُهُ وَأَنْقُلُهُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، وَالرَّشِيدُ يَنْظُرُ فَإِذَا فِيهِ: " بِسْمِ اللَّهِ الْمَلِكِ الْحَقِّ الْمُبِينِ، يَا ابْنَ آدَمَ غَافِصِ الْفُرْصَةَ عِنْدَ إِمْكَانِهَا، وَكِّلِ الأُمُورَ إِلَى وَالِيهَا، وَلا يَحْمِلَنَّكَ إِفْرَاطُ السُّرُورِ عَلَى مَأْتَمٍ، ولا تَحْمِلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ هَمَّ يَوْمٍ لَمْ يَأْتِكْ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُنْ مِنْ أَجَلِكْ يَأْتِكَ اللَّهُ فِيهِ بِرِزْقِكَ، لا تَكُنْ أَسْوأَ الْمَغْرُورِينَ فِي جَمْعِ الْمَالِ، فَكَمْ رَأَيْنَا مِنْ جَامِعٍ جَمَعَ مَالا لِبَعْلِ حَلِيلَتِهِ عَلَى أَنَّ تَقْتِيرَ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ تَوْفِيرٌ مِنْهَ عَلَى خِزَانَةِ غَيْرِهِ يَنْبَغِي لِحُكَمَاءِ الْيُوَنَانِ أَنْ يَنْظُرُوا فِي هَذَا الْكِتَابِ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا تَأْرِيخَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ سَنْةٍ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: " كُنْتُ عِنْدَ الْمَأْمُونِ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ قَدْ قَلَّ الْمَالُ عِنْدَهُ حَتَّى ضَاقَ، وَشَكَا ذَلِكَ إِلَى أَبِي إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَأَنَّكَ بِالْمَالِ وَقَدْ وَافَاكَ بَعْدَ جُمُعَةٍ، قَالَ: وَكَانَ قَدْ حَمَلَ إِلَيْهِ ثَلاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ خَرَاجِ مَا كَانَ يَتَوَلاهُ أَبُو إِسْحَاقَ لَهُ.

стр. 3

فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَالُ، قَالَ الْمَأْمُونُ لِيَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ: اخْرُجْ بِنَا نَنْظُرُ هَذَا الْمَالَ، فَخَرَجَا حَتَّى أَصْحَرَا وَوَقَفَا يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ، وَكَانَ قَدْ هُيِّئَ بِأَحْسَنِ هَيْئَةٍ، وَحُلِّيَتْ أَبَاعِرُهُ، وُأُلْبِسَتِ الإِحْلاسُ الْمُوَشَّاةُ، وَالْجِلالُ الْمَصْبُوغَةُ، وَقُلِّدَتِ الْعِهَنُ، وَجُعِلَتِ الْبِدُورُ مَنَ الْحَرِيرِ الأَحْمَرِ وَالأَخْضَرِ وَالأَصْفَرِ، وَأُبْدِيَتْ رُؤُوسُهَا، قَالَ: فَنَظَرَ الْمَأْمُونُ إِلَى شَيْءٍ حَسَنٍ، وَاسْتَكْثَرَ ذَلِكَ الْمَالَ، وَعَظُمَ فِي عَيْنِهِ، وَاسْتَشْرَفَهُ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَيَعْجَبُونَ مِنَهُ، قَالَ: فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِيَحْيَى: يَا أبَا مُحَمَّدٍ، يَنْصَرِفُ أَصْحَابُنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَرَاهُمْ إِلَى مَنَازِلِهِمْ خَائِبِينَ وَنَنْصَرِفُ نَحْنُ بِهَذِهِ الأَمْوَالِ قَدْ مَلَكْنَاهَا دُونَهَمْ! إِنَّا إِذًا لَلِئَامٌ، ثُمَّ دَعَا مُحَمَّدَ بْنَ يَزْدَادَ، فَقَالَ: وَقِّعْ لِفُلانٍ بِأَلْفِ أَلْفٍ، وَلِفُلانٍ بِمِثْلِهَا، وَلِفُلانٍ بِثَلاثِمِائَةِ أَلْفٍ، وَلِفُلانٍ بِمِثْلِهَا. قَالَ: فَوَاللَّهِ إِنْ زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى فَرَّقَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَرِجْلُهُ فِي رِكَابِهِ. ثُمَّ قَالَ: ادْفَعِ الْبَاقِيَ إِلَى الْمُعَلَّى لِعَطَاءِ جُنْدِنَا، قَالَ: فَقَالَ الْعَيْشِيُّ: فَجِئْتُ حَتَّى قُمْتُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ فَلَمْ أَرُدَّ طَرْفِي عَنْهُ، فَجَعَلَ لا يَلْحَظُنِي إِلا رَآنِي بِتِلْكَ الْحَالِ. فَقَالَ: يَا أبَا مُحَمَّدٍ، وَقِّعْ لِهَذَا بِخَمْسِينَ أَلَفَ دِرْهَمٍ مِنِ السِّتَّةِ الآلافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ لا يَخْتَلِسُ نَاظِرِي. قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ عَلَيَّ لَيْلَتَانِ حَتَّى أَخَذْتُ الْمَالَ ". حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمِ: قَالَ: لمَّا سَارَ الْمَأْمُونُ إِلَى دِمَشْقَ ذَكَرُوا لَهُ أَبَا مُسْهِرٍ الدِّمَشْقِيَّ وَوَصَفُوهُ بِالْعِلْمِ وَالْفِقْهِ، فَوَجَّهَ مَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: كَمْا قَالَ اللَّهُ : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] قَالَ: أَمَخْلُوقٌ، أَمْ غَيْرُ مَخْلَوقٍ؟ قَالَ: مَا يَقُولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: يَقُولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ. قَالَ: بِخَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَآلِهِ، أَوْ عَنِ الصَّحَابَةَ، أَوْ عَنِ التَّابِعِينَ، أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ؟ ، قَالَ: بِالنَّظَرِ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَحْنُ مَعَ الْجُمْهُورِ الأَعْظَمِ، أَقُولُ بِقَوْلِهِمُ، وَالْقُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. قَالَ: يَا شَيْخُ، أَخْبِرْنِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَكَانَ يُشْهِدُ إِذَا تَزَوَّجَ؟ قَالَ: لا أَدْرِي. قَالَ: اخْرُجْ، قَبَّحَكَ اللَّهُ، وَقَبَّحَ مَنْ قَلَّدَكَ دِينُهُ وَجَعَلَكْ قُدْوَةً حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الأَنْمَاطِيُّ، وَكَانَ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ الْعَشَرَةِ، قَالَ: " تَغَدَّيْنَا فِي يَوْمِ عِيدٍ مَعَ الْمَأْمُونِ، فَأَظُنُّهُ قَدْ وَضَعَ عَلَى الْمَائِدَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثِمِائَةِ لَوْنٍ.

стр. 4

قَالَ: فَكُلَّمَا وُضِعَ لَوْنٌ، نَظَرَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ، وَقَالَ: هَذَا نَافِعٌ لِكَذَا ضَارٌ مِنْ كَذَا، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ صَاحِبُ صَفْرَاءَ فَلْيَأْكُلْ مِنْ هَذَا، وَمَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ السَّوْدَاءُ فَلا يَعْرِضْ لِهَذَا، وَمَنْ أَحَبَّ الزِّيَادَةَ فِي لَحْمِهِ فَلْيَأْكُلْ مِنْ هَذَا، وَمَنْ قَصْدُهُ قِلَّةُ الْغِذَاءِ فَلْيَقْتَصَرْ عَلَى هَذَا. قَالَ: فَوَاللَّهِ إِنْ تَلِكَ حَالُهُ مِنْ كُلِّ لَونٍ يُقَدَّمُ، حَتَّى رُفِعَتِ الْمَوَائِدُ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ خُضْنَا فِي الطِّبِ كُنْتَ جَالِينُوسَ فِي مَعْرَفَتِهِ، أَوْ فِي النُّجُومِ كُنْتَ هِرْمِسَ فِي حِسَابِهِ، أَوْ فِي الْفِقْهِ كُنْتَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵇ فِي عِلْمِهِ، أَوْ فِي السَّخَاءِ فَأَنْتَ حَاتِمُ طَيِّء فِي جُودِهِ، أَوْ صِدْقِ الْحَدِيثِ فَأَنْتَ أَبُو ذَرٍّ فِي صِدْقِ لَهْجَتِهِ، أَوِ الْكَرَمِ، فَأَنْتَ كَعْبُ بْنُ مَامَةَ فِي إِيثَارِهِ عَلَى نَفْسَهِ. قَالَ: فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمَأْمُونُ، وَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّ الإِنْسَانَ إِنَّمَا فُضِّلَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْهَوَامِّ بِفِعْلِهِ وَعَقْلِهِ وَتَمْيِيزِهِ، وَلَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَحْمٌ أَطْيَبَ مِنْ لَحْمٍ وَلا دَمٌ أَطْيَبَ مِنْ دَمٍ حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، كَانَ الْمَأْمُونُ قَدْ هَمَّ بِلَعْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: " فَفَثَأَهُ عَنْ ذَلِكَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْعَامَةَ لا تَحْتَمَلُ هَذَا، وَسِيَّمَا أَهْلُ خُرَاسَانَ، وَلا تَأْمَنُ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ نَفْرَةٌ، وإِذَا كَانَتْ لَمْ تَدْرِ مَا عَاقِبَتُهَا، وَالرَّأْيُ أَنْ تَدَعَ النَّاسَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَلا تُظْهِرْ لَهُمْ أَنَّكَ تَمِيلُ إِلَى فِرْقَةٍ مِنِ الْفِرَقِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَصْلَحُ فِي السِّياسَةِ، وَأَحْرَى فِي التَّدْبِيرِ، قَالَ: فَرَكَنَ الْمَأْمُونُ إِلَى قَوْلِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ ثُمَامَةُ، قَالَ: يَا ثُمَامَةُ، قَدْ عَلِمْتَ مَا كُنَّا دَبَّرْنَاهُ فِي مُعَاوِيَةَ، وَقَدْ عَارَضَنَا رَأْيٌ أَصَلَحُ فِي تَدْبِيرِ الْمَمْلَكَةِ، وَأَبْقَى ذِكْرًا فِي الْعَامَّةِ. ثُمَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ خَوَّفَهُ إِيَّاهَا، وَأَخْبَرَهُ بِنُفُورِهِ عَنْ هَذَا الرَّأْيِ، فَقَالَ ثُمَامَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْعَامَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهَا يَحْيَى، وَاللَّهِ لَوْ وَجَّهَتَ إِنْسَانًا عَلَى عَاتِقِهِ سَوَادٌ لَسَاقَ إِلَيْكَ بِعَصَاه عَشَرَةَ آلافٍ مِنْهَا. وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا رَضِيَ اللُّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، أَنْ سَوَّاهَا بِالأَنْعَامِ حَتَّى جَعَلَهُمْ أَضَلَّ مِنْهَا سَبِيلا. وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ مَرَرْتُ مُنْذُ أَيَّامٍ فِي شَارِعِ الْخُلْدِ وَأَنَا أُرِيدُ الدَّارَ، فَإِذَا إِنْسَانٌ قَدْ بَسَطَ كِسَاءَهُ وَأَلْقَى عَلَيْهِ أَدْوِيَةً، وَهُوَ قَائِمٌ يُنَادِي عَلَيْهَا: هَذَا الدَوَاءُ لِبَيَاضِ الْعَيْنِ وَالْغَشَاوَةِ، وَضَعْفِ الْبَصَرِ وَإِنَّ إِحْدَى عَيْنَيْهِ لَمَطْمُوسَةٌ، وَالأُخْرَى لَمُوشِكَةٌ.

стр. 5

وَالنَّاسُ قَدِ انْثَالُوا عَلَيْهِ، وَأَجْفَلُوا إِلَيْهِ يَسْتَوْصِفُونَهُ فَنَزَلْتُ عَنْ دَابَتِي، وَدَخَلْتُ فِي غِمَارِ تِلْكَ الْجَمَاعَةِ، فَقُلْتُ: يَا هَذَا، عَيْنَاكَ أَحْوَجُ مِنْ هَذَهِ الأَعْيُنِ إِلَى الْعِلاجِ، وَأَنَتَ تَصِفُ هَذَا الدَّواءَ، وَتُخْبِرُ أَنَّهُ شِفَاءٌ لِوَجِعِ الأَعْيُنِ، فَلِمَ لا تَسْتَعْمِلُهُ؟ فَقَالَ: أَنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، مَا مَرَّ بِي شَيخٌ أَجْهَلَ مِنْكَ. قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: يَا جَاهُلُ، أَتَدْرِي أَيْنَ اشْتُكَّتْ عَيْنِي؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: بِمِصْرَ، قَالَ: فَأَقْبَلَتْ عَلَيَّ الْجَمَاعَةُ، فَقَالُوا: صَدَقَ الرَّجُلُ، أَنْتَ جَاهِلٌ، وَهَمُّوا بِي، فَقُلْتُ: لا وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّ عَيْنَهُ اشْتُكَّتْ بِمِصْرَ. قَالَ: فَمَا تَخَلَّصْتُ مِنْهُمْ إِلا بِهَذِهِ الْحُجَّةِ، قَالَ: فَضَحِكَ الْمَأْمُونُ، وَقَالَ: مَاذَا لَقِيَتَ الْعَامَّةُ مِنْكَ؟ قُلْتُ: الَّذِي لَقِيَتْ مِنَ اللَّهِ مِنْ سُوءِ الثَّنَاءِ وَقُبْحِ الذِّكْرِ أَكْثَرُ، قَالَ: أَجَلْ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: " قَالَ لِي شُرَيْحٌ الْقَاضِي: مَا غَلَبَنِي فِي الْجَوَابِ أَحَدٌ قَطُّ كَرَجُلٍ أَتَانِي يَوْمًا فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ حِينَ صَلَّيْتُ الْغَدَاةَ وَمَعَهُ خَصْمٌ لَهُ، وَعَلَى الْفَتَى جُمَّةٌ لَهُ كَأَنَّهَا قَتَادَةٌ قُدِّرَ رَطَلُهَا، فَتَكَادُ تَقْطُرُ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ غَاظَنِي، فَقُلْتُ لَهُ: أَمَا كَانَ لَكَ هِمَّةٌ مُنْذُ أَصْبَحْتَ إِلا شَعْرَكَ هَذَا تُرَطِّلُهُ، فَقَالَ لِيَ الْفَتَى: لَيْسَ لِهَذَا جَلَسْنَا بَيْنَ يَدَيْكَ، إِنَّمَا جَلَسْنَا نَتَخَاصَمُ إِلَيْكَ، فَأَمَّا أَنْ تَكُونَ مُحْتَسِبًا عَلَى الشَّعْرِ فَلا، فَأَغْضَبَنِي. فَقُلْتُ لَهُ: أَرَاكَ مُعْجَبًا بِنَفْسِكَ؟ قَالَ: أَنَا إِذَا زَهَدْتُ فِي نَفْسِي، فَمَنْ يُعْجَبُ فِيهَا؟ قَالَ شُرَيْحٌ: فَقُلْتُ لَهُ: أَرَاكَ تُكْثِرُ الْكَلامَ! فَقَالَ الْفَتَى: فَمَنْ يُعَبِّرُ حُجَّتِي إِذَا لَمْ أَتَكَلَّمْ؟ قَالَ شُرَيْحٌ: قُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَرَاكَ ظَالِمًا. قَالَ الْفَتَى: لَيْسَ عَلَى ظَنِّكَ تَقْضِي بَيْنَنَا، إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ تَقْضِيَ بِالْحَقِّ الْوَاضِحِ، وَتَدَعَ الظَّنَّ. قَالَ شُرَيْحٌ: فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ أُمَازِحَهُ بَعْدَ هَذَا الْكَلامِ، فَقُلَتْ لَهُ: أَيَسُرُّكَ أَنَّكَ فِي مَجْلِسِي هَذَا عَلَى الْقَضَاءِ؟ فَقَالَ: أَمَّا وَأَنَا آخُذُ عَلَيْهِ الْكَرَاءَ مِثْلَكَ فَلا، وَلَكِنْ مُحْتَسِبًا لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ شُرَيْحٌ: فَأَخْجَلَنِي وَاللَّهِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَعَرَبِيٌّ أَنْتَ مُزَوِّجُهَا؟ فَقَالَ: اطْلُبْ. قَالَ: مِنْ مَظَانِّهِ، يَعْنِي مِنْ قَبِيلِ النِّسَاءِ. قَالَ شُرَيْحٌ: فَتَرَكْتُ مَجْلِسِي ذَلِكَ وَقُمْتُ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى بَابِ دَارِهِمُ، فَنَادَيْتُ فَخَرَجَتْ إِلَيَّ الْجَارِيَةُ، فَكَلَّمَتْنِي مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا شُرَيْحٌ. فَقَالَتِ: الْقَاضِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: حَيَّاكَ اللهُ يَا أَبَا أُمَيَّةَ، حَاجَتُكَ؟ قُلْتُ: أَرَدْتُ فُلانَةً، أَعْنِي أُمَّهَا. قَالَتْ: هِيَ غَائِبَةٌ، وَأَنَا خَلِيفَتُهَا فِي الْمَنْزِلِ. قُلْتُ: أَتَيْتُهَا خَاطِبًا فُلانَةً ابْنَتَهَا، فَاسْتَحْيَتْ مِنِّي وَتَسَتَّرَتْ مِنِّي، فَبَعَثْتُ إِلَى أُمِّهَا وَأَهْلِهَا فَجَمَعْتُهُمْ وَتَزَوَّجْتُهَا، وَبَعَثْتُ الْمَالَ، وَنَقَدْتُهُمْ مِنَ سَاعَتِي. وَقُلْتُ لَهُمْ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكُمْ إِنْ بَاتَتْ إِلا عِنْدِي.

стр. 6

فَقَالُوا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ، أَنَصْنَعُهَا لَكَ؟ قُلْتُ: حَسْبِي مَا رَأَيْتُ، فَهَيَّئُوهَا ثُمَّ زَفُّوهَا إِلَيَّ مِنْ لَيْلَتِهِمْ، فَأَقْبَلَتْ تُهْدِيهَا النِّسَاءُ، فَلَمَّا وَقَفَتْ بِبِابِ الْحُجْرَةِ سَلَّمَتْ فَاسْتَجْفَى ذَلِكَ النِّسَاءُ مِنْهَا. ثُمَّ دَخَلَتِ الْبَيْتَ فَقُمْتُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: أَيَتُهَا الْمَرْأَةُ، إِنَّ السُّنَّةَ إِذَا دَخَلَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا قَامَ فَصَلَّى وَتُصَلِّي خَلْفَهُ، وَيَسْأَلانِ اللَّهَ خَيْرَ لَيْلَتِهِمَا، وَيَتَعَوَّذَانِ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا. قَالَ: فَتَقَدَّمْتُ لِلْصَلاةِ، فَإِذَا هِيَ خَلْفِي، فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا انْفَلَتُّ إِذَا هِيَ قَاعِدَةٌ عَلَى فِرَاشِهَا، فَأَخَذْتُ بِنَاصِيَتِهَا فَدَعَوْتُ وَبَرَّكْتُ، ثُمَّ مَدَدْتُ يَدِي، فَقَالَتْ: عَلَى رِسْلِكَ، فَقُلَتْ: إِحْدَى الدَّوَاهِي مُنِيتُ بِهَا وَاللَّهِ، فَقَالَتْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ وَأُؤْمِنُ بِهِ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَصَلَى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي امْرَأَةٌ غَرِيبَةٌ، لا وَاللَّهِ، مَا سِرْتُ مَسِيرًا قَطُّ هُوَ أَشَقُّ عَلَيَّ مِنْ مَسِيرِي إِلَيْكَ، وَأَنْتَ رَجُلٌ لا أَعْرِفُ أَخْلاقَكَ، فَحَدِّثْنِي بِمَا تُحِبُّ فَآتِيَهُ، وَمَا تَكْرَهُ فَأَنْزَجِرَ عَنْهُ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. قَالَ: فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَمَّا بَعْدُ: فَقَدِمْتِ خَيْرَ مَقْدَمٍ عَلَى أَهْلِ زَوْجِكِ، سَيِّدِ رِجَالِهِمْ، وَأَنْتِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، سَيِّدَةُ نِسَائِهِمْ. أُحِبُّ كَذَا، وَأَكْرَهُ كَذَا. قَالَتْ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَخْتَانِكَ، أَتُحِبُّ أَنْ يَزُورُوكَ؟ فَقُلْتُ: إِنِّي رَجُلٌ قَاضٍ، وَأَكْرَهُ أَنْ يَمَلُّونِي. قَالَ: فَبِتُّ بِأَعْيَشِ لَيْلَةٍ، ثُمَّ أَقَمْتُ عِنْدَهَا ثَلاثًا، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَلَبَثْتُ فِيهِ حَوْلا لا أَرَى فِيهِ يَوْمًا إِلا وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ رَأْسِ السَّنَةِ انْصَرَفْتُ مِنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ إِلَى مَنْزِلِي، فَإِذَا عَجُوزٌ تَأْمُرُ وَتَنْهَى، فَقَالَتْ: كَيْفَ أَنْتَ يَا أَبَا أُمَيَّةَ؟ قُلْتُ: يَا زَيْنَبُ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: خَتَنَتُكَ فُلانَةُ، تَعْنِي أُمَّهَا. قُلْتُ: حَيَّاكِ اللَّهُ بِالسَّلامِ، كَيْفَ أَنْتِ يَرْحَمُكِ اللَّهُ؟ قَالَتْ: كَيْفَ رَأَيْتَ صَاحِبَتَكَ؟ قُلْتُ: كَخَيْرِ امْرَأَةٍ. قَالَتْ: إِنَّ الْمَرْأَةَ لا تَكُونُ فِي حَالٍ أَسْوَأَ خُلُقًا مِنْهَا فِي حَالَيْنِ: إِذَا حَظِيَتْ عِنْدَ زَوْجِهِا، وَإِذَا وَلَدَتْ غُلامًا، فَإِذَا رَابَكَ مِنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَالسَّوْطَ، فَإِنَّ الرِّجَالَ، وَاللَّهِ، مَا حَازَتْ إِلَى بُيُوتِهَا شَيْئًا شَرًّا مِنَ الْوَرْهَاءِ الْحَمْقَاءِ الْمُدَلَّلَةِ. قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنَّهَا ابْنَتُكِ، قَدْ كَفَيْتِنَا الرِّيَاضَةَ، وَأَحْسَنْتِ الأَدَبَ. قَالَ: وَكَانَتْ تَأْتِي فِي كِلِّ سَنَةٍ تُوصِينِي بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ، فَِذَلِكَ حَيْثُ أَقُوْلُ: إِذَا زَيْنَبٌ زَارَهَا أَهْلُهَا ... حَشَدْتُ وَأَكْرَمْتُ زُوَّارَهَا وَإِنْ هِيَ زَارَتْهُمُ زُرْتُهَا ... وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِي هَوًى دَارَهَا

стр. 7

قَالَ: فَأَقَامَتْ عِنْدِي عِشْرِينَ سَنَةً، فَمَا غَضِبْتُ عَلَيْهَا يَوْمًا، وَلا لَيْلَةً إِلا يَوْمًا كُنْتُ لَهَا ظَالِمًا، كُنْتُ إِمَامَ قَوْمِي، فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَأَبْصَرْتُ عَقْرَبًا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي رَكَعْتُ فِيهِ، وَأَقَامَ الْمُؤَذِّنُ فَعَجِلْتُ عَنْ قَتْلِهَا، فَأَكْفَأْتُ عَلَيْهَا إِنَاءً، فَلَمَّا كُنْتُ عِنْدَ الْبَابِ، قُلْتُ: يَا زَيْنَبُ، إِيَّاكِ وَالإِنَاءَ حَتَّى أَرْجِعَ. فَعَجِلَتْ فَحَرَّكَتْهُ، فَجِئْتُ وَقَدْ ضَرَبَتْهَا الْعَقْرَبُ، فَلَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَمْرُسُ إِصْبَعَهَا، وَأَقْرَأُ عَلَيْهَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ. وَكَانَ لِي جَارٌ مِنْ كِنْدَةَ، يُقَالُ لَهُ: مَيْسَرَةُ، لا يَزَالُ يَقْرَعُ امْرَأَتَهُ، فَذَلِكَ حِينَ أَقُولُ: رَأَيْتُ رِجَالا يَضْرِبُونَ نِسَاءَهُمْ ... فَشُلَّتْ يَمِينِي يَوْمَ أَضْرِبُ زَيْنَبَا أَأَضْرِبُهَا فِي غَيْرِ جُرْمٍ أَتَتْ بِهِ ... إِلَيَّ فَمَا عُذْرِي إِذَا كُنْتُ مُذْنِبَا فَتَاةٌ تَزِينُ الْحَلْيَ إِنْ هِيَ زُيِّنَتْ ... كَأنَّ بِفِيهَا الْمِسْكَ خَالَطَ مَحْلَبًا فَلَوْ كُنْتَ يَا شَعْبِيُّ صَادَفْتَ مِثْلَهَا ... لَعِشْتَ زَمَانًا نَاعِمَ الْبَالِ مُخْصَبًا وَكَانَتْ أَقَامَتْ مَعِي يَا شَعْبِيُّ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ أَغْضَبْ عَلَيْهَا، فَأَفْسَدَتْ عَلَيَّ النِّسَاءَ، لَمْ أَتَزَوَّجْ بَعْدَهَا، وَوَدِدْتُ يَا شَعْبِيُّ أَنِّي تَبِعْتُهَا، فَقَدْ أَبْغَضْتُ الْعَيْشَ بَعْدَهَا، فَعَلَيْكَ يَا شَعْبِيُّ بِنِساءِ بَنِي تَمِيمٍ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ: " أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ جَمَعَ بَنِيهِ ذَاتَ يَوْمٍ: الْوَلِيدَ، وَسُلَيْمَانَ، وَمَسْلَمَةَ، فَاسْتَقْرَأَهُمْ فَقَرَءُوا، وَاسْتَنْشَدَهُمْ فَأَنْشَدُوا لِكِلِّ شَاعِرٍ غَيْرِ الأَعْشَى، فَقَالَ لَهُمْ: قَرَأْتُمْ فَأَحْسَنْتُمْ، وَأَنْشَدْتُمْ فَأَحْسَنْتُمْ لِكُلِّ شَاعِرٍ غَيْرِ الأَعْشَى، فَمَا لَكُمْ تَهْجُرُونَهُ؟ فَقَدْ أَخَذَ فِي كِلِّ فَنٍّ فَأَحْسَنَ، وَمَا امْتَدَحَ رَجُلا قَطُّ إِلا جَعَلَهُ مَذْكُورًا. هَذَا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وَعَلَقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ، وَهُمَا مِنْ بَيْتٍ وَاحِدٍ، هَجَا عَلْقَمَةَ فَأَخْمَلَهُ، وَكَانَ شَرِيفًا مَذْكُورًا، وَمَدَحَ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ فَرَفَعَهُ، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لِيُنْشِدْنِي كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ أَرَقَّ بَيْتٍ قَالَتْهُ الْعَرَبُ، وَلا يُفْحِشْ وَلا يَسْتَحِيَنَّ مِنْ إِنْشَادٍ، هَاتِ يَا وَلِيدُ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: مَا مَرْكَبٌ وَرُكُوبُ الْخَيْلِ يُعْجِبُنِي ... كَمَرْكَبٍ بَيْنَ دُمْلُوجٍ وَخَلْخَالِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَهَلْ يَكُونُ فِي الشِّعْرِ أَرَفَثُ مِنْ هَذَا؟ هَاتِ يَا سُلَيْمَانُ، فَقَالَ: حَبَّذَا رَجْعُهَا إِلَيْهَا يَدَيْهَا ... فِي ذُرَا دَرْعِهَا تَحُلُّ الإِزَارَا قَالَ: لَمْ تُصِبْ، هَاتِ يَا مَسْلَمَةُ. قَالَ مَسْلَمَةُ: وَمَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إِلا لِتَضْرِبِي ... بِسَهْمَيْكِ فِي أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ قَالَ: كِدْتَ وَلَمْ تُصِبْ إِذَا ذَرَفَتْ عَيْنَاهَا بِالْوَجْدِ فَمَا بَقِيَ إِلا اللِّقَاءُ، إِنَّمَا يَنْبَغِي لِلْعَاشِقِ أَنْ يَقْتَضِيَ مِنْهِا الْجَفَاءَ وَيَكْسُوَهَا الْمَوَدَةَ، أَنَا مُؤَجِّلُكُمْ فِي هَذَا الْبَيْتِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، عَلَى أَنْ لا تَسْأَلُوا عَنْهُ أَحَدًا، فَمَنْ أَتَانِي بِهِ فَلَهُ حِكْمَةٌ. فَنَهَضُوا وَخَرَجُوا عَنْهُ، فَبَيْنَا سُلَيْمَانُ فِي مَوْكِبٍ لَهُ إِذَا هُوَ بِأَعْرَابِيٍّ يَسُوقُ إِبِلا وَهُوَ يَقُولُ:

стр. 8

لَوْ حُزَّ بِالسَّيْفِ رَأْسِي فِي مَوَدَّتِهَا ... لَمَالَ يَهْوِي سَرِيعًا نَحْوَهَا رَأْسِي فَقَالَ سُلَيْمَانُ: عَلَيَّ بِالأَعْرَابِيِّ، فَأُتِيَ بِهِ، فَوُكِّلَ بِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا وَرَاءُكَ يَا سُلَيْمَانُ؟ قَالَ: قَدْ أَجَبْتُكَ إِلَى مَا سَأَلْتَ عَنْهُ، وَجِئْتُكَ بِالْبَيْتِ. قَالَ: هَاتِهِ، فَأَنْشَدَهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَحْسَنْتَ، أَنَّى لَكَ هَذَا؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ خَبَرَ الأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: حَاجَتُكَ وَلا تَنْسَ حَظَّ صَاحِبِكَ؟ قَالَ: حَاجَتِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ عَهْدَ الْعَهْدِ لَيْسَ بِمُقَرِّبٍ أَجَلا، وَلا تَرْكَهُ بِمُبَاعِدٍ حَتْفًا، وَقَدْ عَهِدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْوَلِيدِ، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْهَدَ إِلَيَّ بَعْدَهُ فَعَلَ. قَالَ: نَعَمْ، فَأَقَامَ َالْحَجُّ لِلْنَاسِ بِمَكَّةَ وَوَصَلَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَجَعَلَهَا لِلأَعْرَابِيِّ، وَهِيَ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: " بَيْنَمَا الْمَأْمُونُ فِي بَعَضِ مَغَازِيهِ يَسِيرُ مُنْفَرِدًا عَنْ أَصْحَابِهِ وَمَعَهُ عُجَيْفُ بْنُ عَنْبَسَةَ، إِذْ طَلَعَ رَجُلٌ مُتَخَبِّطٌ مُتَكَفِّنٌ، فَلَمَّا عَايَنَهُ الْمَأْمُونُ وَقَفَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى عُجَيْفٍ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، أَمَا تَرَى صَاحِبَ الْكَفَنِ مُقْبِلا يُرِيدُنِي؟ قَالَ عُجَيْفٌ: أُعِيذُكَ بِاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا كَذَّبَ الرَّجُلُ أَنْ وَقَفَ عَلَى الْمَأْمُونِ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: يَا صَاحِبَ الْكَفَنِ , مَنْ أَنْتَ؟ وَإِلَى مَنْ قَصَدْتَ؟ قَالَ: إِيَّاكَ أَرَدْتُ، قَالَ: وَعَرَفْتَنِي؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَعْرِفْكَ مَا قَصَدْتُكَ، قَالَ: أَفَلا سَلَّمْتَ عَلَيَّ؟ قَالَ: لا أَرَى السَّلامَ عَلَيْكَ. قَالَ: ولِمَ؟ قَالَ: لإِفْسَادِكَ الْغَزَاةَ عَلَيْنَا. قَالَ عُجَيْفٌ: وَأَنَا أُلَيِّنُ مَتْنَ سَيْفِي لِئَلا يُبْطِئَ ضَرْبَ رَقَبَتِهِ، إِذِ الْتَفَتَ الْمَأْمُونُ، فَقَالَ: يَا عُجَيْفُ، إِنِّي جَائِعٌ وَلا رَأْيَ لَلْجَائِعِ، فَخُذْهُ إِلَيْكَ حَتَّى أَتَغَدَّى وَأَدْعُوَ بِهِ. فَتَنَاوَلَهُ عُجَيْفٌ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا صَارَ الْمَأْمُونُ إِلَى رَحْلِهِ دَعَا بِالطَّعَامِ، فَلَمَّا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَمَرَ بِرَفْعِهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُسِيغُهُ حَتَّى أُنَاظِرَ خَصْمِي، يَا عُجَيْفُ عَلَيَّ بِصَاحِبِ الْكَفَنِ. قَالَ: فَلَمَّا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: هِيهِ يَا صَاحِبَ الْكَفَنِ، مَاذَا قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا أَرَى السَّلامَ عَلَيْكَ لإِفْسَادِكَ الْغَزَاةَ عَلَيْنَا. قَالَ: بِمَاذَا أَفْسَدْتُهَا؟ قَالَ: بِإِطْلاقِكَ الْخَمْرَ يُبَاعُ فِي عَسْكَرِكَ، وَقَدْ حَرَّمَهَا اللَّهُ، فَابْدَأْ بِعَسْكَرِكَ فَنَظِّفْهُ، ثُمَّ اقْصِدِ الْغَزْوَ، وَبِمَ اسْتَحْلَلَتَ أَنْ تُبِيحَ شَيْئًا حَرَّمَهُ اللَّهُ كَهَيْئَةِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ؟ قَالَ: أَوَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّهَا تُبَاعُ ظَاهِرًا وَرَأَيْتَهَا؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَرَهَا وَتَصِحَّ عِنْدِي مَا وَقَفْتُ هَذَا الْمَوْقِفَ. قَالَ: فَشَيْءٌ سِوَى الْخَمْرِ أَنْكَرْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِظْهَارَكَ الْجَوَارِي الْعَمَّارِيَّاتِ، وَكَشْفَهُنَّ الشُّعُورَ مِنْهُنَّ بَيْنَ أَيْدِينَا كَأَنَّهُنَّ الأَقْمَارُ.

стр. 9

يَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا يُرِيدُ أَنْ يُهْرَاقَ دَمُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيَعْقِرَ جَوَادَهُ، قَاصِدًا أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِنَّ أَفْسَدْنَ قَلْبَهُ وَرَكَنَ إِلَى الدُّنْيَا، وَانْصَاعَ إِلَيْهَا، فَبِمَ اسْتَحْلَلَتَ ذَلِكَ؟ قَالَ الْمَأْمُونُ: نَعَمْ، صَدَقْتَ قَدْ فَعَلْتُ ذَاكَ، وَسَأُخْبِرُكَ بِالْعُذْرِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا، وَإِلا رَجَعْتُ إِلَى رَأْيِكَ، فَشَيْءٌ سِوَى هَذَا أَنْكَرْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، شَيْءٌ آمُرُ وَأَحُثُّ عَلَيْهِ، خَرَجَ نَاهِيكَ يَنْهَانَا عَنْهَ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَبِمَ اسْتَحْلَلَتَ أَنْ تَنْهَى عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ؟ قَالَ: أَمَّا الَّذِي يُدْخِلُ الأَمْرَ بِالْمَعُروفِ فِي الْمُنْكَرِ، فَإِنِّي أَنْهَاهُ وَقَدْ نَهَيْتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَأْمُرُ بَالْمَعْرُوفِ بَالْمَعْرِفَةِ، فَإِنِّي أَحُثُّهُ عَلَى ذَلِكَ وَأَحْدُوهُ عَلَيْهِ، فَشَيْءٌ سِوَى هَذِهِ الثَّلاثِ؟ قَالَ: لا. قَالَ: يَا صَاحِبَ الْكَفَنِ، أَمَّا الْخَمْرُ لَعَمْرِي لَقَدْ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَكِنْ لا تُعْرَفُ إِلا بِثَلاثِ جَوَارِحَ: بِالنَّظَرِ وَالشَّمِّ وَالشُّرْبِ، أَفَتَشْتَرِيهَا أَنْتَ؟ قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أُنْكِرَ مَا أَشْرَبُ. قَالَ: فَيُمْكِنُ فِي وَقْتِكَ هَذَا أَنْ تُوقِفَنَا عَلَى بَيْعِهَا حَتَّى نُوَجِّهَ مَعَكَ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهَا؟ قَالَ: وَمَنْ يُظْهِرُهَا وَيَبِيعُنِيهَا، وَعَلَيَّ هَذَا الْكَفَنُ؟ قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَكَأَنَّكَ إِنَّمَا عَرَفْتَهَا بِهَاتَيْنِ الْجَارِحَتَيْنِ. يَا عُجَيْفُ , عَلَيَّ بِقَوَارِيرَ فِيهَا شَرَابٌ. فَانْطَلَقَ عُجَيْفٌ فَأَتَاهُ بِعِشْرِينَ قَارُورَةً، فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ مَعَ عِشْرِينَ وَصِيفًا. ثُمَّ قَالَ: يَا صَاحَبَ الْكَفَنِ، نُفِيتُ مِنْ آبَائِي الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَمْرُ فِيهَا. فَأَيُّهَا الْخَمْرُ؟ فَإِنِّكَ تَعْلَمُ أَنَّ الْخَمْرَ مِنْ سُنَنِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلا يَجُوزُ لِي أَنْ أَحُدَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ إِلا بِعَلامَةٍ أَوْ شَاهِدَيْ عَدْلٍ أَوْ إِقْرَارٍ. فَنَظَرَ صَاحَبُ الْكَفَنِ إِلَى الْقَوَارِيرِ، وَقَالَ عُجَيْفٌ: أَيُّهَا الرَّجُلُ وَالَّلهِ لَوْ كُنْتَ خَمَّارًا مَا عَرَفْتَ مَوْضِعَ الْخَمْرِ بِعَيْنِهَا مِنْ هَذِهِ الْقَوَارِيرِ. فَوَضَعَ نَظَرَهُ عَلَى قَارُورَةٍ، فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ الْخَمْرُ. فَدَعَا الْمَأْمُونُ بِالْقَارُورَةِ، فَأُتِيَ بِهَا، فَذَاقَهَا فَقَطَّبَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا صَاحَبَ الْكَفَنِ، انْظُرْ هَذِهِ الْخَمْرَ. قَالَ: فَتَنَاوَلَ الرَّجُلُ الْقَارُورَةَ فَذَاقَهَا، فَإِذَا خَلٌّ ذَابِحٌ. قَالَ: قَدْ خَرَجَتْ هَذِهِ مِنْ حَدِّ الْخَمْرِ. قَالَ الْمَأْمُونُ: صَدَقْتَ، إِنَّ الْخَلَّ الْمَصْنُوعَ مِنَ الْخَمْرِ لا يَكُونُ خَلًّا حَتَّى يَكُونَ خَمْرًا أَوَّلا، وَاللَّهِ مَا كَانَتْ هَذِهِ خَمْرًا قَطُّ، وَمَا هُوَ إِلا مَاءُ رُمَّانٍ حَامِضٍ يُعْصَرُ لِي فَأَصْطَبِحُ بِهِ. سَاعَتَهُ قَدْ سَقَطَتْ جَارِحَتَانِ وَبَقِيَ الشَّمُّ، يَا عُجَيْفُ صَيِّرْهَا فِي رَصَاصِيَّاتٍ وَائْتِ بِهَا. قَالَ: فَفَعَلَ، فَعُرِضَتْ عَلَى صَاحِبِ الْكَفَنِ، فَشَمَّهَا، فَوَقَعَ مَشَمُّهُ عَلَى قَارُورَةِ مُبَخْتَجٍ، فَقَالَ: هَذِهِ. فَأَخَذَهَا الْمَأْمُونُ فَصَبَّهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا، قَدْ عَقَدَتْهَا النَّارُ كَأَنَّهَا طُلاءُ الإِبِلِ يُقْطَعُ بِالْسِكِّينِ. وَقَدْ سَقَطَتْ إِحْدَى الثَّلاثِ الَّتِي أَنْكَرْتَ يَا صَاحَبَ الْكَفَنِ.

стр. 10

ثُمَّ رَفَعَ الْمَأْمُونُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: اللُّهُمَّ إِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِنَهْيِ هَذَا وَنُظَرَائِهِ عَنِ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ فِي أَعْظَمِ الْمُنْكَرِ، شَنَّعْتَ عَلَى قَوْمٍ بَاعُوا مِنْ هَذَا الْخَمْرِ وَمِنْ هَذَا الْمُبَخْتَجِ الَّتِي شَمَمْتَ، فَبِمَ تَسْلَمُ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ؟ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ ذَنْبَكَ هَذَا الْعَظِيمَ، وَتُبْ إِلَيْهِ. مَا الثَّانِي الَّذِي أَنْكَرْتَهُ؟ َقَالَ: الْجَوَارِي. قَالَ: صَدَقْتَ، أَخْرَجْتُهُنَّ إِبْقَاءً عَلَيْكَ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ كَرَاهَةَ أَنْ يَرَاهُنَّ الْعَدُوُّ وَالْعُيوُنُ وَالْجَوَاسِيسُ فِي الْعُمَارِيَّاتِ وَالْقِبَابِ، وَالْسُجُوفُ عَلَيْهِنَّ، فَيُتَوَهَّمُ أَنَّهُنَّ بَنَاتٌ وَأَخَوَاتٌ فَيَجِدُّوا فِي قِتَالِنَا، وَيَحْرِصُوا عَلَى الطَّلِبَةِ عَلَى مَا فِي أَيْدِينَا إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُنَّ إِمَاءٌ نَقِي بِهِنَّ حَوَافِرَ دَوَابِّنَا، لا قَدْرَ لَهُنَّ عِنْدَنَا، هَذَا تَدْبِيرٌ دَبَّرْتُهُ لِي وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، وَيَعُزُّ عَلَيَّ أَنْ تَرَى لِي حُرْمَةً، فَدَعْ فَلَيْسَ هُوَ شَأْنُكَ وَقَدْ صَحَّ عِنْدَكَ أَنِّي مُصِيبٌ فِي هَذَا، وَأَنَّكَ أَنْكَرْتَ بَاطِلا. أَيُّ شَيْءٍ الثَّالِثَةُ؟ مَا الَّتِي أَنْكَرْتَ؟ قَالَ: الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ. قَالَ: هَذَا إِنَّكَ قَدْ أَمَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ فَدَخَلْتَ فِي عَمَلِ الْمُنْكَرِ، فَدَعْ دِينَكَ هَذَا، وَنَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ، إِنْ أَجَبْتَ فِيهَا عَفَوْنَا عَنْكَ. تُبْصِرُ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ؟ قَالَ: نَعَمْ , أُبْصِرُهُ. قَالَ: رَأَيْتُكَ لَوْ أَنَّكَ أَصَبْتَ فَتَاةً مَعَ فَتًى فِي هَذَا الْفَجِّ، قَدْ خَضَعَا عَلَى حَدِيثٍ لَهُمَا، مَا كُنْتَ صَانِعًا لَهُمَا؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُهُمَا: مَنْ أَنْتُمَا؟ قَالَ: كُنْتَ تَسْأَلُ الرَّجُلَ، فَيَقُولُ: امْرَأَتِي، وَتَسْأَلُ الْمَرْأَةَ: فَتَقُولُ زَوْجِي، مَا كُنْتَ صَانِعًا بِهِمَا؟ قَالَ: كُنْتُ أَحُولُ بَيْنَهُمَا وَأَحْبِسُهُمَا. قَالَ: حَتَّى يَكُونَ مَاذَا؟ قَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ عَنْهُمَا. قَالَ: وَمَنْ تَسْأَلُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُهُمَا مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَ: أَحْسَنْتَ، سَأَلْتُ الرَّجُلَ مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ أَسْبِيجَابَ، وَسَأَلْتَ الْمَرْأَةَ، قَالَتْ: مِنْ أَسْبِيجَابَ، ابْنُ عَمِّي تَزَوَّجْنَا وَجِئْنَا. أَكُنْتَ حَابِسًا الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ بِسُوءِ ظَنِّكَ الرَّدِيءِ وَتَوَهْمِكَ الْكَاذِبِ، إِلَى أَنْ يَرْجِعَ الرَّسُولُ مِنْ أَسْبِيجَابَ، مَاتَ الرَّسُولُ، أَوْ مَاتَا إِلَى أَنْ يَعُودَ رَسُولُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُ فِي عَسْكَرِكَ؟ قَالَ: فَلَعَلَّكَ لا تُصَادِفُ فِي عَسْكَرِي مِنْ أَهْلِ أَسْبِيجَابَ إِلا رَجُلا أَوْ رَجُلَيْنِ، فَيَقُولانِ لَكَ: لا نَعْرِفُ. عَلَى هَذَا لَبِسْتَ الْكَفَنَ يَا صَاحَبَ الْكَفَنِ؟ مَا أَحْسَبُكَ إِلا أَحَدَ رِجَالٍ: إِمَّا رَجُلٌ مَدْيُونٌ، وَإِمَّا رَجُلٌ مَظْلُومٌ، وَإِمَّا رَجُلٌ تَأَوَّلْتَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي خُطْبَةِ النَّبِيِّ ﵌، قَالَ: وَرَوَى لَهُ الحَدِيثُ عَنْ هُشَيْمٍ وَغَيْرِهِ، وَنَحْنُ نَسْمَعُ الْخُطْبَةَ إِلَى مُغَيْرِبَانِ الشَّمْسِ، إِلَى أَنْ بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ: «أَلا إِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» .

стр. 11

فَجَعَلْتَنِي جَائِرًا وَأَنْتَ الْجَائِرُ، وَجَعَلْتَ نَفْسَكَ تَقُومُ مَقَامَ الآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَقَدْ رَكِبْتَ مِنَ الْمُنْكَرِ مَا هُوَ أَعْظَمُ عَلَيْكَ، لا وَاللَّهِ ضَرَبْتُكَ سَوْطًا، وَلا زِدْتُ عَلَى تَخْرِيقِ كَفَنِكَ، وَنُفِيتُ مِنْ آبَائِي الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ لَئِنْ قَامَ أَحَدٌ مَقَامَكَ، لا يَقُومُ فِيهِ بِالْحُجَّةِ، لا نَقَصْتُهُ مِنْ أَلْفِ سَوْطٍ، وَأَمَرُتُ بِصَلْبِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى عُجَيْفٍ يَخْرِقُ كَفَنَ الرَّجُلِ وَيُلْقِي عَلَيْهِ ثِيَابًا بِيضًا حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " كُنَّا يَوْمًا عِنْدَ الْمَأْمُونِ وَالشُّعَرَاءُ عِنْدَهُ وَالنَّاسُ إِذْ ذَاكَ يَأْتُونَهُ فَيُكْثِرُونَ، فَأَنْشَدُوهُ وَقَامَ رَجُلٌ بَعْدَمَا فَرِغُوا، مُشَوَّهُ الْخَلْقِ، مَخْضُوبُ اللِّحْيَةِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا قُلْتُمْ وَلا بَلَغْتُمُ الَّذِي الْمَأْمُونُ أَهْلُهُ، وَلَكِنِّي قُلْتُ: مَا بَلَغَ الْمَدَّاحُ مَا فِيكَ كُلَّهُ ... وَلا الْعُشْرَ مِنْ عُشْرِ الْعَشِيرِ الْمُعَشَّرِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْحَاسِبِ، فَقَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ احْسِبْ هَذَا، فَانْظُرْ كَمْ هُوَ، ثُمَّ انْغَمَسَ فِي النَّاسِ فَذَهَبَ حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " لَقِيَ الْفَضْلُ بْنُ الْرَبِيعِ طَاهِرَ بْنَ الْحُسَيْنِ، فَثَنَى عِنَانَهُ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ الْفَضْلُ: يَا أَبَا الطَّيِّبِ، مَا ثَنَيْتُ عِنَانِي مَعَ أَحَدٍ قَطُّ إِلا مَعَ خَلِيفَةٍ، وَلِي حَاجَةٌ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: تُكَلِّمْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الرِّضَا عَنِّي، وَتُعَجِّلُ ذَاكَ. فَمَضَى أَبُو الطَّيِّبِ مِنْ فَوْرِهِ ذَاكَ، فَكَلَّمَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ، فَأَمَرَهُ بَإِدِخَالِ الْفَضْلِ عَلَيْهَ، وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ: أَدْخَلْتُ الْفَضْلَ عَلَى الْمَأْمُونِ حَاسِرًا لا سِيفَ عَلَيْهِ وَلا طَيْلَسَانَ وَلا قَلَنْسُوَةَ. فَلَمَّا رَآهُ الْمَأْمُونُ وَثَبَ عَلَى فَرْشِهِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَدْرِي لِمَ صَلَّيْتُ يَا فَضْلُ؟ قَالَ: لا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: شُكْرًا لِلَّهِ إِذْ رَزَقَنِي الْعَفَوَ عَنْكَ، قَدْ كَلَّمَنِي أَبُو الطَّيِّبِ فِيكَ، وَقَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ. فَقَالَ الْفَضْلُ: لِي حَاجَةٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَجْعَلُ لِي مَرْتَبَةً فِي الدَّارِ، قَالَ: عَجِلْتَ يَا فَضْلُ اخْرُجْ. فَخَرَجَ حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " قِيلَ لِلْمَأْمُونِ: إِنَّ بَنِي عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، صَاحِبِ الْمُصَلَّى مُجَّانٌ سُفَهَاءُ، وَقَدْ نَقَشَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى خَاتَمِهِ مَا يَدُلُ عَلَى مَجَانَةٍ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: يَا عَلِيُّ أَحْضِرْنِي أَوْلادَكَ الأَكَابِرَ وَالأَصَاغِرَ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُرَتِّبَهُمْ وَأُرَشِّحَهُمْ لِلأَمْرِ الَّذِي يَصْلُحُونَ لَهُ. فَانْصَرَفَ فَأَخْبَرَ بَنِيهِ بِذَلِكَ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّهَيُّؤِ لِلرُّكُوبِ إِلَى الدَّارِ. فَاسْتَعَدُّوا لِذَلِكَ بِأَحْسَنِ هَيْئَةٍ وَأَتَمِّ أَمْرٍ، وَاسْتَأْذَنْ لَهُمْ فَدَخَلُوا فَسَلَّمُوا قِيَامًا. وَأَمَرَ الْمَأْمُونُ بِأَخْذِ خَوَاتِيمِهِمْ. فَأُخِذَتْ جَمِيعًا، فَإِذَا فِي بَعْضِهَا: أأس مكنسة ااسه. وَعَلَى الآخَرِ: «أَبِي يَغْلِبْ أَبُوكُمْ بِسَيْفِهِ وَرِمَاحِهِ» . وَعَلَى الآخَرِ: «تَعِسَ الْهَنُ وَانْتَكَسَ، دَخَلَ الْهُنَّةَ وَاحْتَبَسَ» .

стр. 12

وَعَلَى الآخَرِ: «. . . مِنْ قِيامٍ يُضْعِفُ الرُّكْبَتَيْنِ، فَلا تَسْتَعْمِلْهُ فِي الصَّيْفِ» . فَقَالَ الْمَأْمُونُ: يَا سُفَهَاءُ، يَا مُجَّانُ، قَبَّحَكُمُ اللَّهُ صِغَارًا وَكِبَارًا، تَرَكْتُمُ الأَدَبَ، وَطَرَحْتُمُوهُ وَآثَرْتُمُ الْمُجُونَ وَالسَّفَهَ، هَذَا أَبُوكُمْ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، يُسْتَضَاءُ بِرَأْيِهِ وَيُحْمَدُ هَدْيُهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: أَمَّا عَلَيٌّ ذَاكَ، فَمَا الذَّنْبُ إِلا لَكَ إِذْ أَهْمَلْتَهُمْ فِي الْمُجُونِ، وَتَرَكُوا مَا كَانَ أَوْلَى بِكَ وَبِهِمْ أَنْ تَأَخُذَهُمْ بِهِ، فَقَالَ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، لا وَاللَّهِ إِنَّ لِي بِهِمْ قُوَّةٌ وَلا يَدٌ، سِيَّمَا هَذَا الأَكْبَرُ فِإِنَّهُ الَّذِي أَفْسَدَهُمْ وَهَتَكَهُمْ، وَزَيَّنَ لَهُمْ سُوءَ أَعْمَالِهِمْ، فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ. فَأَطْرَقَ الأَكْبَرُ مَا يَتَزَمْزَمُ. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: تَكَلَّمْ. فَقَالَ: يَا سَيِّدِي بِلِسَانِي كُلِّهِ؟ أَوْ كَمَا يَتَكَلَّمُ الْعَبْدُ الذَّلِيلُ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ، حَتَّى يَتْرُكَ حُجَّتَهُ وَيَسْكُتَ عَنْ إِيضَاحِ جَوَابِهِ مَهَابةً لِمَوْلاهُ؟ فَقَالَ: تَكَلَّمْ بِمَا عِنْدَكَ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، هَلْ أَحْمَدْتَ رَأْيَ أَبِينَا إِذَ حَمِدْتَ فِقْهَهُ وَعِلْمَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاعْتِقْ مَا يَمْلِكُ، وَطَلِّقْ مَا يَطَأُ طَلاقَ الْحَرَجِ، وَصَدِّقْ بِمَا يَحْوِي، وَعَلَيْهِ ثَلاثُونَ حِجَّةً مَعْ ثَلاثِينَ نَذْرًا، يَبْلُغُ بِهَا الْكَعْبَةَ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَبَوَهُ عَلَى طَلَبِ سُكَّرِ طَبَرْزَدَ، فَلَمْ يُوجَدْ فِي خِزَانَتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يَكُنْ وَقْتًا يُوجَدُ فِيهِ السُّكَّرُ وَلا يُبَاعُ. فَقَالَ لَهُ قَيِّمُ الْخِزَانَةِ: مَا عِنْدَنَا سُكَّرٌ. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلِّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلا أَقُولُ: إِنَّا لَلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ وَإِنْ كَانَتِ الْمُصِيبَةُ، لأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُقَالُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ فِي الأَنْفُسِ، وَلَكِنْ أَحْمَدُهُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، فَإِنَّهُ حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «الْحَامِدُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ» ، وَأَنَا أَرَجُو أَنْ أَكُونَ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْخَازِنِ، فَقَالَ: ادْعُ لِيَ الْوَكِيلَ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ إِذْ فُنِيَ السُّكُّرُ أَنْ تَشْتَرِيَ سُكَّرًا؟ فَقَالَ: لَمْ يُعْلِمْنِي الْخَازِنُ. فَقَالَ لِلْخَازِنِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُعْلِمَهُ؟ قَالَ: كَنْتُ عَلَى إِعْلامِهِ. فَقَالَ: مَا هُنَا شَيْءٌ أَبْلَغُ مِنْ عُقُوبَتِكُمَا مِنْ أَنْ أَقُومَ عَلَى إِحْدَى قَدَمَيَّ فَلا أَضَعَ الأُخْرَى، وَلا أُرَاوِحُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يُحْضِرَانِي أَلْفًا مِنْ سُكَّرِ طَبَرْزَدَ، لَيْسَ بِمُضَرَّسٍ وَلا وَسَخٍ وَلا لَيِّنِ الْكَسْرِ، وَلا مُعْوَجِّ الْقَالَبِ.

стр. 13

ثُمَّ وَثَبَ , فَقَالَ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] ، وَاللَّهِ مُؤَكَّدَةً لا أَزَالُ قَائِمًا حَتَّى أَفِيَ بِنَذْرِي، فَتَبَادَرَ غِلْمَانُهُ وَمَوَالِيهِ وَبَعْضُ وَلَدِهِ وَعَجَائِزُهُ نَحْوَ السُّوقِ، فَوَاحِدٌ يُنَبِّهُ حَارِسًا، وَآخَرُ يَفْتَحُ دَرْبًا، وَآخَرُ يَحُلُّ شَرِيجَةً، وَآخَرُ يُوقِظُ نَائِمًا، وَآخَرُ يَدْعُو بَائِعًا، وَآخَرُ يَرْمِي كَلْبًا، وَالْغِلْمَانُ وَالْجَوَارِي وَالْجِيرَانُ والْحُرَّاسُ وَالسُّوقَةُ وَالْبَاعَةُ فِي مِثْلِ صَيْحَةِ يَوْمِ الْقِيامَةِ. ثُمَّ قَالَ: يَا قَوْمِي أَمَا لِي مِنْ أَهْلِي مُسَاعِدٌ؟ أَيْنَ الْبَنَاتُ الْعَوَاتِقُ الأَبْكَارُ، اللَّوَاتِي كُنْتُ أَغْذُوهُنَّ بِلَيِّنِ الطَّعَامِ وَلَيِّنِ اللِّبَاسِ، وَيَسْرَحْنَ فِيمَا أَرَعْنَ مِنْ خَفْضِ الْعَيْشِ وَغَضَارَةِ الدَّهْرِ، أَيْنَ أُمَّهَاتُ الأَولادِ اللَّوَاتِي اعْتَقَدْنَ الْعُقَدَ النَّفِيسَةَ، وَمَلَكْنَ الرَّغَائِبَ بَعْدَ الْحَالِ الْخَسِيسَةِ؟ أَيْنَ الأَوْلادُ الذُّكُورُ الَّذِينَ لَهُمْ نَسْعَدُ وَنَحْفَدُ، وَنَقُومُ وَنَقْعُدُ، وَلَهُمْ نَرُوحُ وَنَغْدُو؟ فَبَادَرَ إِلَيْهِ بَنُوهُ وَبَنَاتُهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلادِهِ. قَالَ: فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى فَرْدِ رِجْلٍ. فَقَالَ: أَحْسَنْتُمْ وَاللَّهِ، أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ وَجَزَاكُمْ خَيْرًا، لِمِثْلِهَا كُنْتُ أَحْسَبُ الْحُسْنَى. قَالَ: وَلاحَظَ الْكُبْرَى مِنْ بَنَاتِهِ، وَآخَرَ مِنْ بَنِيهِ، وَهُمَا يُرَاوِحَانِ بَيْنَ قَدَمَيْهِمَا، فَقَالَ: يَا فُلانُ تُرَاوِحُ وَلا أُرَاوِحُ، يَا فُلانَةَ تُرَاوِحِينَ وَلا أُرَاوِحُ، صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ حِينَ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] . حَذَارِ حَذَارِ مِنْكَ حَذَارِ. ثُمَّ قَالَ: عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ لَيْسَ فِي خِزَانَتِهِ سُكَّرٌ طَبَرْزَدُ، وَجَائِزَتُهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَعَزَّهُ اللَّهُ، أَلْفُ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَهُ ضَيْعَةٌ بِالنَّهْرَوَانِ، تُغِلُّ ثَلاثَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ إِذَا كَانَ السِّعْرُ بَيْنَ الْغَالِيِ وَالرَّخِيصِ، وَضَيْعَةٌ بِالزَّابِ تُغِلُّ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ، وَضَيْعَةٌ بِالْكُوفَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْعَرَبَةِ مِنْ أَنْبَلِ ضَيْعَةٍ مَلَكَهَا أَحَدٌ، وَضَيْعَةٌ بِطَسُّوجِ الدَّسْكَرَةَ، وَلَوْلا أَنَّ سَعِيدًا السَّعْدِيَّ، أَرَاحَ اللَّهُ مِنْهُ، قَطَعَ شِرْبَهَا وَعَوَّرَ مَجْرَى مِيَاهِهَا حَتَّى انْدَفَنَتْ أَنْهَارُهَا، وَقَلَّتْ عِمَارَتُهَا إِضْرَارًا بِنَا، وَتَعَدِّيًا عَلَيْنَا مَا كَانَ لأَحَدٍ مِثْلُهَا، وَعَلَى أَنْ أَكَرَتَهَا وَمُزَارِعَهَا مِنْ أَخَابِثَ خَلْقِ اللَّهِ، وَلَوْ أَمْكَنَهُمْ أَنْ يَقْطَعُوا الْحَاصِلَ وَحَاصِلَ الْحَاصِلِ مَا أَعْطُوا شَيْئًا. وَمَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ الضَّيْعَةَ لِرَبِّ الضَّيْعَةِ فَقُلْ لَهُ: كَذَبْتَ لا أُمٌّ لَكَ، الضَّيْعَةُ ثَلاثُ أَثْلاثٍ: فَثُلُثٍ لِلْسُلْطَانِ، وَثُلُثِ لِلْوَكِيلِ، وَثُلُثٍ لِلأَكَّارِ، وَإِنَّمَا يَأْتِي رَبُّ الضَّيْعَةِ مِنْ ضَيْعَتِهِ صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإِنَاءِ، وَمُخَّةٌ كَمُخَّةِ عُرْقُوبٍ، يَجِيءُ الأَكَّارُ وَقْتَ الدِّيَاسِ فَيَمُرُّ بِهِمُ الأَبَرْتَدُ، فَهَذَا يَذْبَحُ لَهُ، وَهَذَا يَخْبِزُ لَهُ، وَهَذَا يَسْقِيهِ، وَمَا نَبِيذُهُمْ إِلا الْعَكِرُ الأَسْودُ.

стр. 14

وَوَضَرُ الدِّبْسِ، وَمَاءُ الأُكْشُوثِ، قَبَّحَ اللَّهُ ذَلِكَ شَرَابًا، مَا أَثْقَلَهُ لِلْجَوْفِ، وَأَضَرَّهُ بِالأَعْلاقِ النَّفِيسَةِ، ثُمَّ يَأْتِي وَقْتُ الْكَيْلِ، فَمِنْ بَيْنَ رَقَّامٍ، رَقَّمَ اللَّهُ جِلْبَابَهُ بِالْمَذَلَّةِ وَالْهَوَانِ، وَمِنْ بَيْنَ كَيَّالٍ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْوَيْلَ، لِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] مَا يُبَالِي أَحَدُهُمْ عَلَى مَاذَا يُقْدِمُ. وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ يَسْأَلُ قُضَاتَهُ، وَكُلُّهُمْ بِالْحَضْرَةِ، هَلْ عَدَّلْتُمْ كَيَّالا قَطُّ؟ فَكُلُّهُمْ قَالَ: لا. فَإِنْ أُطْعِمُوا الْجِدَاءَ الرُّضَّعَ وَنِقْيَ الْخُبْزِ مِنْ دَسْتُمَيْسَانَ وَوُهِبَتْ لَهُمُ الدَّرَاهِمُ، ظَفَرَ الْمُكِيلُ بِحَاجَتِهِ. وَوَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِقُبَّةِ السُّلْطَانِ مِمَّا يُحْمَلُ إِلَيْهَا مَنَ الْقِشْبِ وَالْقَصَرِ، وَيُحْشَى مِنَ التِّبْنِ وَالدَّوْسَرِ. ثُمَّ قَالَ: يَا قَوْمُ، لِمَ أَسْهَبْتُ فِي ذِكْرِ هَؤُلاءِ، وَمَا الَّذِي هَاجَ هَذَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ حَتَّى خُضْتُ فِيهِ؟ أَمَا كَفَانِي أَنِّي قَائِمٌ عَلَى إِحْدَى رِجْلَيَّ. فَقَالُوا: هَذَا مِنْ أَجْلِ السُّكْرِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ فِي خِزَانَتِكَ. قَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِذَا كَانَ وَكِيلِي يَتَشَاغَلُ بِزَوْجَتِهِ وَبَنَاتِهِ، وَمَصَالِحِ حَالِهِمْ، مَتَى يُفْرِغُ النَّظَرَ إِلَى مَصَالِحِ خِزَانَتِي؟ وَاللَّهِ لَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّهُ حَلَّى بَنَاتَهُ بِأُلُوفِ الدَّنَانِيرِ، وَأَنَّهُ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَخْرِجِي الأَعْيادَ، وَأَدْخِلِي الأَعْرَاسَ، وَسَلِي عَنِ الرِّجَالِ الْمَذْكُورِينَ، وَاطْلُبِي الْمَرَاضِعَ الْمَعْرُوفَةَ بِالأَنْسَابِ الرَّضِيَّةِ، وَالأَخْلاقِ الْجَمِيلَةِ لِبَنَاتِكْ، وَأَخْرِجِيهِنَّ فِي الْجُمُعَاتِ يَتَفَحَّصْنَ مَجَالِسَ الْعُزَّابِ وَيَخْتَرْنَ أُولِي الأَنْسَابِ، أَلَمْ يُرْوَ عَنِ الثِّقَاتِ أَنَّهُمْ كَرِهُوا خُرُوجَ الأَبْكَارِ فِي الْجُمُعَاتِ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ فِيهِنَ السَّعْيَ إِلَى ذِكْرِهِ؟ فَنَبَغَ قَوْمٌ مِنَ الْبِدَعِيَّةِ، خَارِجَةٌ خَرَجَتْ، وَمَارِقَةٌ مَرَقَتْ، وَرَافِضَةٌ رَفَضَتِ الدِّينَ وَأَهْلَ الدِّينِ، فَتَرَكُوا فَرْضَ اللَّهِ ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿٣٠﴾ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠-٣١] وَقَدْ رُوِينَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيِهِ وَآلِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَلا اثْنَيْنِ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: «إِنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا، فِي يَوْمِي هَذَا مِنْ عَامِي هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهَا وَجُحُودًا لَهَا فَلا جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ، وَلا بَارَكَ لَهُ فِي أَهْلِهِ، وَلا حَجَّ لَهُ، وَلا جِهَادَ حَتَّى يَتُوبَ، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» . ثُمَّ قَالَ: يَا قَوْمُ، مَا الَّذِي حَرَّكَنَا عَلَى هَذِهِ الْعِصَابَةِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ؟ قَالَوا: السُّكَّرُ الطَبَرْزَدُ. قَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ مَا أَحْضَرْتُمُونِي أَلْفًا مَنْ سُكَّرٍ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، أَيَا صُبْحُ، أَيَا فَتْحُ، أَيَا نَصْرُ، أَيَا نُجْحُ، بَادِرُوا إِلَى مَوْلاكُمْ فَإِنَّهُ قَدْ تَعِبَ وَنَصِبَ وَلَغَبَ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ وَاللَّهِ إِنِّي لأَحْسَبُ أَنَّ الثُّريَّا مُقَابِلَةٌ سَمْتَ رَأْسِي، ذَهَبَ وَاللَّهِ اللَّيْلُ وَجَاءِ الْوَيْلُ، وَيْلُكُمْ أَدْرِكُونِي فَإِنِّي أُرِيغُ نَوْمَةً وَلا بُدَّ مِنَ الْبُكُورِ نَحْوَ الدَّارِ.

стр. 15

قَالَ: فَبَادَرَ خَصْمُهُ الْخَاصَّةَ، فَفَتَحُوا أَبْوَابَ دَكَاكِينِ الْبَاعَةِ، وَنَبَّهُوا السُّوقَةَ، وَأَخَذُّوا مَا عِنْدَهُمْ عَلَى غَيْرِ سَوْمٍ وَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: مَا أَمَرْتَ بِهِ. قَالَ: هَلْ أَخَذْتُمُوهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ وَرَثْتُمُوهُ عَلَى الْبَاعَةِ، وَاسْتَوْجَبْتُمُوهُ؟ قَالُوا: لا. قَالَ: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ , أَرَدْتُمْ أَنْ تُوتِغُوا دِينِي، لا وَاللَّهِ مَا طَمَعٌ مِنِّي مَضْمَضَةٌ، وَاللَّهِ لا تَزَالُ هَذِهِ حَالِي حَتَّى تَأْخُذُوهُ بَيْعًا صَحِيحًا، لا شَرْطَ فِيهِ وَلا خَيَارَ، وَلا مَثْنَوِيَّةَ وَلا حَدَّ التَّلْجِئَةِ. هَيْهَاتَ يَأْبَى اللَّهُ ذَاكَ. فَرَجَعُوا فَسَاوَمُوا بِهِ الْبَاعَةَ، وَقَطَعُوا ثَمَنَهُ وَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ: يُوزَنُ بَحَضْرَتِي، فَجَاءُوا بِالْقَبَّانِ، فَقَالَ: مَنْ فِيكُمْ يَزِنُ؟ قَالُوا: مَنْ أَمَرْتَهُ، قَالَ: زِنْ أَنْتَ يَا نَصَحُ، فَقَدْ دَنَا الصُّبْحُ، زِنْ فَأَرْجِحْ، فَإِنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ اشْتَرَى يَوْمًا، فَقَالَ لِلْوَازِنِ: «زِنْ فَأَرْجِحْ» وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الرُّجْحَانِ إِلا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ كَانَ فِي ذَلِكَ مَا يَدْعُو الْعُلَمَاءَ بِاللَّهِ، الْفُقَهَاءَ فِي دِينِ اللَّهِ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ الْغُلامُ يَزِنُهُ، وَيَقُولُ: وَيْلُكَ عَجِّلْ فِدَاكَ أَهْلُكَ، وَقَدْ دَنَا الصُّبْحُ، وَذَهَبَتْ نَفْسِي أَوْ كَادِتْ. فلَمَّا اسْتَوْفَى الْوَزْنَ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، لا يَدْرِي أَرْضًا تَوَسَّدَ أَمْ وِسَادًا، وَكَذَلِكَ حَالُ مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِهِ مِنْ وَلَدِهِ وَعِيَالِهِ. فَمَا انْتَبَهَ وَاحِدٌ مِنْهُمِ لِفِرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ إِلا بِحَرِّ الشِّمْسِ. فَهَذَهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَالُ مَنْ أَحْمَدْتَ فِقْهَهُ وَعَدْلَهُ وَرَأْيَهُ. فَقَالَ الْمَأْمُونُ: قَاتَلَكَ اللَّهُ، مَا أَعْجَبَ حَالُكَ عَلَى كَلِّ حَالٍ، وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَى أَبِيكَ فِي مَقَامِكَ هَذَا فَمَا لَكَ فِي الأَرْضِ نَظِيرٌ، وَلا فِي الدُّنْيَا شَبِيهٌ، وَلَئِنْ كُنْتَ حَكَيْتَ عَنْهُ عَيَانًا أَوْ كَفَافًا فَلَقَدْ أَجَدْتَ الْحِكَايَةَ وَأَحْسَنْتَ الْعِبَارَةَ، وَمَا لأَبِيكَ شَبِيهٌ، وِإِنَّكَ لَتَغْمُرُ مَسَاوِيَكَ بِمَحَاسِنِكَ، فَلا تَذْكُرَنَّ شَيْئًا بَعْدَ هَذَا الْمَجْلِسِ، فَإِنَّ عَيْبَهُ فِينَا أَقْدَحُ مِنْهُ فِي أَبِيكَ. قَالَ: فَذَهَبَ عَلِيٌّ لِيَتَكَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: لا تَعَضَّ عَلَى لِسَانِكَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سَأَلْتُ عَمِّي مُصْعَبًا: هَلْ كُنْتَ حَاضِرًا لِهَذَا الْمَجْلِسِ، فَإِنَّ الصَّنْعَةَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي مَنْ كَانَ حَاضِرًا بَعْدَ مَوْتِ الْمَأْمُونِ بِسَنَتَيْنِ

стр. 16

حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ، قَالَ: " إِنَّ مَلِكَ الرُّومِ بَعَثَ رَسُولا دَاهِيَةً مُنَكَّرًا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي جَعْفَرِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ، وَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ وَأَلْطَافٍ وَطَرَائِفَ، فَأَمَرَ عُمَارَةَ بْنَ حَمْزَةَ أَنْ يَرْكَبَ مَعَهُ إِلَى الْمَهْدِيِّ بَالرُّصَافَةِ، فَخَرَجَ، حَتَّى إِذَا كَانَ عَلَى الْجِسْرِ نَظَرَ الرُّومِيُّ إِلَى زَمْنَى عَلَى الْجِسْرِ يَتَصَدَّقُونَ، فَقَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لِهَذَا، يَعْنِي عِمَارَةَ: الَّذِي عِنْدَكُمْ زَمْنَى يَتَصَدَّقُونَ، وَكَانَ يَنْبَغِي لِصَاحِبِكَ أَنْ يَرْحَمَ هَؤُلاءِ مِنْ زَمَانَتِهِمْ، وَيَكْفِيهِمْ مَئُونَةَ أَنْفُسِهِمْ وَعِيَالاتِهِمْ، وَلا يَحْمِلُ عَلَيْهِمُ الْفَقْرَ وَالْحَاجَةَ مَعَ الزَّمَانَةِ. فَقَالَ عُمَارَةُ: قُلْ لَهُ: إِنَّ الأَمْوَالَ لا تَسَعُهُمْ. وَمَضَى إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ الرُّومِيُّ، وَرَدَّهُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: كَذَبْتَ لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتَ، الأَمْوَالُ وَاسِعَةٌ لَهُمْ، وَلَكِنَّ عُذْرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ مَا وَصَفْتَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الرُّومِيِّ، فَقَالَ: قَدْ بَلَغَنِي مَقَالَتُكَ لِرَسُولِي، وَرَدُّهُ عَلَيْكَ، وَكَذَبَ، الأَمْوَالُ وَاسِعَةٌ تَسَعُهُمْ , وَلَكِنْ كَرِهَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسْتَأْثِرَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَأَهْلِ سُلْطَانِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الْفَضْلِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَحَبَّ أَنْ يُشْرِكُوهُ فِي أُجُورِ الزَّمْنَى وَالْمَسَاكِينِ، وَأَنْ يُنِيلُوهُمْ مِنْ ذَاتِ أَيْدِيهِمْ وَمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الرِّزْقِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ نَجَاةً لَهُمْ فِي آخِرَتِهِمْ، وَسَعَةً عَلَيْهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ، وَتَمْحِيصًا لِذُنُوبِهِمْ. فَقَالَ الرُّومِيُّ بِيَدِهِ، وَعَقَدَ ثَلاثِينَ، وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ، قَالَ: وَإِنَّ هَذَا، أَيْ: جَيِّدٌ، هَذَا هُوَ الْحَقُّ حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْعَلَوِيُّ، صَلَّى عَلَيْهِ الْمَأْمُونُ، وَكُنْتُ قَرِيبًا مِنْهُ، وَدَخَلَ قَبْرَهُ، وَعَلَيْهِ سَيْفُهُ وَقَلَنْسُوَتُهُ وَطَيْلَسَانُهُ، وَأَخَذَ بِرَأْسِهِ، فَأَعَانُوهُ حَتَّى وَضَعَهُ فِي لَحْدِهِ، وَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ عَلَى خَدِّهِ، وَكَانَ مَعَهُ فِي الْقَبْرِ دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْكِرَامِ الْجَعْفِيُّ، فَكَلَّمَهُ لَمَّا رَأَى مِنْ رِقَّتِهِ، وَذَكَرَ حَاجَتَهُمْ، فَغَضِبَ الْمَأْمُونُ، وَقَالَ: هَذَا مَوْضِعُ ذَا! وَانْقَطَعَ بُكَاؤُهُ، فَقَالَ: هَا هُنَا وُلِدَ الرَّشِيدُ وَوُلِدَ الْهَادِي وَوُلِدَ الْمَهْدِيُّ وَوُلِدَ الْمَنْصُورُ، فَإِذَا نَظَرْتُ فِي أَمْرِهِمْ، وَأَصْلَحْتُ شَأْنَهُمْ فَأَنْتَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ أَوْلَى بِهَذَا مِنْكَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُتْبِيُّ، قَالَ: جَاءَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الصَّنْعَةِ، فَقَالَ: اذْكُرْنِي لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي يَوْمٍ وَبَعْضِ يَوْمٍ آخَرَ.

стр. 17

فَقُلْتُ: يَا هَذَا، أَرِحْ نَفْسَكَ الْعَنَاءَ، وَاجْلِسْ فِي بَيْتِكَ، وَلا تَعِزَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْكَ، قَالَ: فَالْحِلُّ عَلَيْهِ حَرَامٌ، يَعْنِي بِهِ الطَّلاقُ، وَمَالُهُ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ صَدَقَةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَهُ حُرٌ إِنْ كَانَ كَذَبَكَ فِيمَا قَالَ لَكَ، وَاللَّهِ مَا آخُذُ مِنْكُمْ شَيْئًا عَاجِلا، وَقَدِ ادَّعَيْتُ أَمْرًا فَامْتَحِنُونِي فِيهِ، فَإِنْ جَاءَ كَمَا ادَّعَيْتُ، كَانَ الأَمُرُ فِيَّ لَكُمْ، وَإِنْ وَقَعَ بِخِلافِ ذَلِكَ انْصَرَفْتُ إِلَى مَنْزِلِي، فَأَخْبَرْتُ الْمَأْمُونَ بِمَا قَالَ: فَتَمَثَّلَ بِبَيْتِ الْفَرَزْدَقِ: وَقَبْلُكَ مَا أَعْيَيْتُ كَاسِرَ عَيْنِهِ ... زِيَادًا فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَيَّ حَبَائِلُهُ ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّ هَذَا أَرَادَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْنَا فَاحْتَالَ بِهَذِهِ، وَلَيْسَ الرَّأْيُ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْنَا أَحَدٌ عِلْمًا فَنُظْهِرُ الزُّهْدَ فِيهِ، فَأَحْضِرْهُ. قَالَ: فَجِئْتُ بِالرَّجُلِ، وَقَعَدَ لَهُ الْمَأْمُونُ، فَأَحَضَرْتُ أَدَاةَ الْعَمَلِ، فَإِذَا هُوَ بِحِلِّ الطَّلْقِ أَجْهَلُ مِنِّي بِمَا فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. فَنَظَرَ إِلَيَّ الْمَأْمُونُ، وَقَالَ: أَتَزْعُمُ أَنَّهُ حَلِفَ بَالطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ وَصَدَقَةِ مَا كَانَ يَمْلِكُ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَقَدْ حَنَثَ. فَقُلْتُ لِلْرَجُلِ، وَالْمَأْمُونُ يَسْمَعُ: أَلَمْ تَحْلِفْ بِالطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ وَصَدَقَةِ مَا تَمِلُكُ؟ قَالَ: بَلَى، فَقَدْ حَنَثْتُ، قَالَ: لَيْسَتْ لِيَ امْرَأَةٌ. قُلْتُ: فَالْعِتَاقُ؟ قَالَ: مَا أَمْلِكُ خَيْطًا وَلا مَخِيَطًا. قُلْتُ: كَذَبَ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ غُلامٌ وَدَابَةٌ. قَالَ: هُمَا، وَحَقِّ رَأْسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، عَارِيَةٌ. قَالَ: فَتَبَسَّمَ الْمَأْمُونُ، وَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ بِحِلِّ الدَّرَاهِمِ أَعْلَمُ مِنْهَ بِحِلِّ الطَّلْقِ. ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُعْطَى لَهُ خَمْسَةُ آلافِ دِرْهَمٍ. قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لِلْعُتْبِيُّ: رُدَّهُ، فَرَدَّهُ، قَالَ: زِيدُوهِ فِإِنَّهُ لا يَجِدُ فِي كِلِّ وَقْتٍ مَنْ يُمَخَرِقُ عَلَيْهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدِي بَابٌ مِنَ الْحِمْلانِ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُهُ. قَالَ: احْمِلْهُ عَلَى هَذِهِ الدَرَاهِمِ، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا صِرْتَ مَلِكًا فِي أَقَلِّ مِنْ شَهْرٍ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَأَلَ الْمَأْمُونُ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي دُؤَادٍ عَنْ أَخْلاقِ أَبِي عَبَّادٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ أَحَدُّ مِنْ سَيْفِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَأَنْزَقُ مِنْ مَجْنُونِ الْبَكَرَاتِ. قَالَ: مَا أَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِيهِ. قَالَ: لِمَوْضِعِ الْخِلافَةِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنْ حَرَّكْتَهُ تَحَرْكَ، فَأَرَادَ الْمَأْمُونُ أَنْ يَمْتَحِنَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا فَعَرَضَ مَا مَعَهُ مِنَ الْحَوَائِجِ، فَأَمَرَ أَنْ يُوَقِّعَ فِيهَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَلَمَّا صَارَ بِالْبَابِ، قَالَ: رُدُّوهُ، فَرَجَعَ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: افْعَلْ فِي أَمْرِ الأَهْوَازِ بِحَسْبِ مَا قُلْتُ لَكْ، وَلا تَعْرِضْ بِهِ مُؤَامَرَةً. قَالَ: نَعَمْ.

стр. 18

ثُمَّ خَرَجَ، فَلَمَّا صَارَ بِالْبَابِ، قَالَ: رُدُّوهُ، فَرَجَعَ، فَقَالَ: قُلْ لِعَمْرِو بْنِ مَسْعَدَةَ: أَخِّرْ أَمْرَ أَبِي دُلْفٍ حَتَّى آمُرَكَ فِيهِ بِمَا أُرِيدُ، قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ خَرَجَ، فَلَمَّا صَارَ بِالْبَابِ، قَالَ: رُدُّوهُ، فَجَاءَ الرَّسُولُ، فَقَالَ: ارْجِعْ، فَتَنَاوَلَ الدَّوَاةَ مِنْ غُلامِهِ، وَقَالَ: السَّاعَةَ أَضْرِبُ وَجْهَكَ الْقَبِيحَ يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ، فَقَالَ الْغُلامُ: وَمَا ذَنْبِي أَبْقَاكَ اللَّهُ؟ قَالَ: ذَاكَ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ قَدْ ذَهَبَ إِلَى النَّارِ. فَرَجَعَ، فَقَالَ: ارْفَعْ غَدًا رُقْعَةَ الْهَاشِمِيِّينَ، قَالَ: نَعَمْ، وَضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لا أَرْجِعُ بَعْدَهَا حَتَّى أَسْتَطِيرَ. قَالَ: امْضِ رَاشِدًا، وَلَهُ يَقُولُ دَعْبَلٌ: أَوْلَى الأُمُورِ بِضَيْعَةٍ وَفَسَادٍ ... أَمْرٌ يُدَبِّرُهُ أَبُو عَبَّادٍ خَرِقٌ عَلَى جُلَسَائِهِ بِدَوَاتِهِ ... فَمُرَمَّلٌ وَمَخَضَّبٌ بِمِدَادِ وَكَأَنَّهُ مِنْ دِيرِ هِزْقَلَ مُفْلِتٌ ... حَرِدٌ يَجُرُّ سَلاسِلَ الأَقْيَادِ فَاشْدُدْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَثَاقَهُ ... فَأَصَحُّ مِنْهُ بَغِيَّةَ الْحَدَّادِ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُتْبِيُّ، قَالَ: حَجَجْنَا سَنَةً فَنَزَلْنَا ضَرِيَّةَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَسَأَلْنَا عَنِ الْوَالِي، فَقِيلَ لَنَا: أَعْرَابِيٌّ عَمَّا قَلِيلٍ يَخْرُجُ إِلَيْكُمْ. فَلمَا زَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ عَلَيْنَا وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ كَأَنَّهَا رُحًا، مُتَنَكِّبًا قَوْسًا عَرَبِيَّةً، فَصَعِدَ عَلَى كَثِيبٍ لَهُ مِنْ رَمْلٍ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَنَا بِوَجْهِهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍ، وَالآخِرَةَ دَارُ مَقَرٍّ، فَخُذُوا لِمَقَرِّكُمْ مِنْ مَمَرِّكُمْ، وَلا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ، أَخْرِجِوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ، فَفِي الدُّنْيَا حَيِيتُمْ، وَلِلآخِرَةِ خُلِقْتُمْ، وَإِنَّمَا الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ السُّمِّ النَّاقِعِ، يَأْكُلُهُ مَنْ لا يَعْرِفُهُ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَالْمَدْعُو لَهُ الْخَلِيفَةُ، ثُمَّ الأَمِيرُ جَعْفَرٌ، قُومُوا لِصَلاتِكُمْ، بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ ". حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَرِيبٍ، قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدِ، وَكَانَ فِيهِ أَبُو البَخْتَرِيِّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ الأَصَمِّ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، فَضَغَطَنِي الْبَوْلُ، فَلَمْ أَدْرِ كَيْفَ أَصْنَعُ. فَالْتَفَتُّ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ الأَصَمِّ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ لِي: بِي مِثْلُ الَّذِي بِكَ، قَالَ: فَإِنِّي لَكَذَلِكَ إِذْ بَصَرَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: يَا أَصْمَعِيُّ، قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: أَبِكَ بَوْلٌ؟ قُلْتُ: أَيْ هَاءَ اللَّهِ. قَالَ: يَا رَجُلُ، قُمْ مَعَهُ حَتَّى يَبُولَ، فَقُمْتُ فَبُلْتُ وَرَجَعْتُ، فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: يَا أَصْمَعِيُّ هَاتِ بَيْتًا أَنْظُرُ فِي مَعْنَاهُ، فَقُلْتُ: فَلا غَرْوَ إِلا جَارَتِي وَسُؤَالَهَا ... أَلا هَلْ لَنَا أَهْلٌ سُئِلَتْ كَذَلِكَا فَجَعَلَ يُفَكِّرُ فِيهِ، وَهَمَّ أَنْ يَقُولَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعِدْ نَظَرًا، فَقَالَ: وَكَيْفَ عَلِمْتَ. قُلْتُ: رَأَيْتُ نَاظِرَيْكَ يَجُولانِ، وَقَدِ اسْتَقَرَّا، كَانَ أَوْضَحَ لإِصَابَتِكَ، فَضَحِكَ حَتَّى انْثَنَى ثُمَّ قَالَ: فَأَصَابَ.

стр. 19

فَقُلْتُ: أَصَبْتَ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَحْسَنْتَ. قَالَ: فَسُرَّ بِإِصَابَتِهِ وَارْتَاحَ لَهَا، وَأَمَرَ لِي بِصِلَةٍ، ثُمَّ قَالَ: قُمْ يَا أَصْمَعِيُّ نَنْظُرُ إِلَى الْهِلالِ لِشَهْرِ رَمَضَانَ، فَأَخَذَ بِيَدِي، وَصَعِدَ بَابَ دَرَجِهِ، فَجَعَلْتُ أَتَّكِئُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِيَ الْخَادِمُ: أَتَتَّكِئُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقُلْتُ: لا، فَصَعِدْنَا فَرَأَيْنَاهُ ". حَدَّثَنِي مُبَارُكٌ الَطَّبَرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدٍ، يَقُولُ: " إِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْمَنْصُورَ لَمَّا بُويِعَ بِالْخِلافَةِ دَخَلَ عَلَيْهِ أَهْلُ بَيْتِهِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ فَهَنَّئُوهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَنَا بِأَرْغَبِ النَّاسِ فِيهَا، وَلا أَحْرَصَهُمْ عَلَيْهَا، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ لا يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ سِتْرٌ، وَأَنْ أَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ وَبَثِّ سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، رَاجِيًا الْعَدْلَ وِإِمَاتَةَ الْجَوْرِ، وَالأَخْذَ لِفَيْئِكُمْ مِنْ حَقِّهِ، وَوَضْعَهُ فِي مَوَاضِعِهِ الَّتِي جَرَتْ بِهَا السُّنَّةُ، وَنَزَلَ بِهَا الْكِتَابُ، وَمَنْعَهُ مِنْ بَاطِلِهِ، لِيُقَرِّبَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ، وَيَزِيدَنِي فَضْلَهُ لَدَيْهِ، وَكَرَامَةً عِنْدَهُ مَعَ قَرَابَتِي مِنْ نَبِيِّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَرَبُّنَا الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ خَالَفَ قَوْلَهُ َفِعْلَهُ، وَعِظَتَهُ وَعَمَلَهُ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ أُمُّ جَعْفَرٍ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنِ يَحْيَى الرَّبَعِيُّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شُبْرَمَةَ " دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، فَسَلَّمْتُ، وَكُنْتُ لَهُ صَدِيقًا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ عَلَى جَعْفَرٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أَمْتَعَ اللَّهُ بِكَ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، لَهُ فِقْهٌ وَعِلْمٌ. فَقَالَ لِي جَعْفَرٌ: لَعَلَّهُ الَّذِي يَقِيسُ الدِّينَ بِرَأْيِهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: هُوَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ؟ قَالَ: وَلَمْ أَعْرِفِ اسْمَهُ إِلا ذَلِكَ الْيَوْمَ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: نَعَمْ، أَصْلَحَكَ اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: اتَّقِ اللَّهَ وَلا تَقِسِ الدِّينَ بِرَأْيِكَ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ، إِذْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالسِّجُودِ لآدَمَ، فَقَالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢ ٍ] ثُمَّ قَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: هَلْ تُحْسِنُ أَنْ تَقِيسَ رَأْسَكَ مِنْ جَسَدِكَ؟ فَقَالَ: لا، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْمُلُوحَةِ فِي الْعَيْنَيْنِ، وَعَنِ الْمَرَارَةِ فِي الأُذُنَيْنِ، وَعَنِ الْمَاءِ فِي الْمِنْخَرَيْنِ، وَعَنِ الْعُذُوبَةِ فِي الشَّفَتَيْنِ لأَيِّ شَيْءٍ جُعِلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لا أَدْرِي.

стр. 20

قَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: إِنَّ اللَّهَ ﵎ خَلَقَ الْعَيْنَيْنِ فَجَعَلَهُمَا شَحْمَتَيْنِ، وَجَعَلَ الْمُلُوحَةَ فِيهِمَا مَنًّا مِنْهُ عَلَى ابْنِ آدَمَ، وَلَولا ذَلِكَ لَذَابَتَا فَذَهَبَتَا، وَجَعَلَ الْمَرَارَةَ فِي الأُذُنَيْنِ مَنًّا مِنْهُ عَلَيْهِ، وَلَولا ذَلِكَ لَهَجَمَتِ الدَّوَابُّ فَأَكَلَتْ دِمَاغَهُ. وَجَعَلَ الْمَاءَ فِي الْمِنْخَرَيْنِ لِيَصْعَدَ مِنْهُ النَفَسُ وَيَنْزِلَ، وَيَجِدَ مِنْهُ الرِّيحَ الطَّيِّبَةَ مِنَ الرِّيحِ الرَّدِيَّةِ. وَجَعَلَ الْعُذُوبَةَ فِي الشَّفَتَيْنِ لِيَجِدَ ابْنُ آدَمَ لَذَّةَ مَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ. ثُمَّ قَالَ لأَبِي حَنِيفَةَ: أَخْبِرْنِي عَنْ كَلِمَةٍ أَوَّلُهَا شِرْكٌ وَآخِرُهَا إِيمَانٌ مَا هِيَ؟ قَالَ: لا أَدْرِي. قَالَ: قُوْلُ الرَّجُلِ «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ» ، فَلَوْ قَالَ: «لا إِلَهَ» ، ثُمَّ أَمْسَكَ كَانَ مُشْرِكًا، فَهَذِهِ كَلِمَةٌ أَوَّلُهَا شِرْكٌ وَآخِرُهَا إِيمَانٌ. ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ أَيُّمَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ أَمِ الزِّنَا؟ قَالَ: لا بَلْ قَتْلُ النَّفِسِ. قَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ قَدْ رَضِيَ وَقَبِلَ فِي قَتْلِ النَّفْسِ بِشَاهِدَيْنِ، وَلَمْ يَقْبَلْ فِي الزِّنَا إِلا أَرْبَعَةً، فَكَيْفَ يَقُومُ لَكَ قِيَاسٌ؟ ثُمَّ قَالَ: أَيُّمَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، الصَّوْمُ أَمِ الصَّلاةُ؟ قَالَ: لا بَلِ الصَّلاةُ. قَالَ: فَمَا بَالُ الْمَرَّأَةِ إِذَا حَاضَتْ تَقْضِي الصِّيامَ وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ اتَّقِ اللَّهَ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَلا تَقِسْ، نَقِفْ نَحْنُ غَدًا وَأَنْتَ وَمَنْ خَالَفَنَا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ، فَنَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ، قَالَ اللَّهُ ، وَتَقُولُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ: سَمِعْنَا وَرَأَيْنَا، فَيَعْمَلُ بِنَا وَبِكُمْ مَا يَشَاءُ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، قَالَ: " خَرَجَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ يَوْمًا يَتَصَيَّدُ وَهُوَ أَمِيرُ الْعِرَاقِ، قَدْ تَفَرَّدَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَإِذَا هُوَ بِأَعْرَابِيٍّ عَلَى أَتَانٍ لَهُ هَزِيلٍ وَمَعَهُ عَجُوزٌ لَهُ. فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْمَآثِرِ وَالْحَسَبِ، قَالَ: أَفَأَنْتَ إِذًا مِنْ مُضَرَ، فَمِنْ أَيِّهَا أَنْتَ؟ قَالَ: مَنَ الْمُطَاعِنِينَ عَلَى الْخُيُولِ، الْمُعَانِقِينَ عِنْدَ النُّزُولِ. قَالَ: فَأَنْتَ إِذًا مِنْ عَامِرٍ، فَمِنْ أَيِّهَا أَنْتَ؟ قَالَ: مِنَ الطَّالِبِينَ الثَّارَ، وَالْمَانِعِينَ الْجَارَ. قَالَ: فَأَنْتَ إِذًا مِنْ كِلابٍ، فَمِنْ أَيِّهَا أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْوَفَادَةِ وَالرِّيَاسَةِ. قَالَ: فَأَنْتَ إِذًا مِنْ جَعْفَرٍ، فَمِنْ أَيِّهَا أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ بَدْرِهَا وَشَمْسِهَا، وَلُيُوثِهَا وَخِيسِهَا. قَالَ: فَأَنْتَ إِذًا مِنَ الْحَوْصِ، فَمَا أَقْدَمَكَ هَذِهِ الْبِلادَ؟ قَالَ: تَتَابُعُ السِّنِينَ وَقِلَّةُ رِفْدِ الرَّافِدِ. قَالَ: فَمَنْ أَرَدْتَ بِهَا؟ قَالَ: أَمِيرَكُمُ الَّذِي رَفَعَتْهُ إِمْرَتُهُ، وَحَطَّتْهُ أُسْرَتُهُ. قَالَ: فَمَا أَرَدْتَ مِنْهُ؟ قَالَ: كَثْرَةَ دَرَاهِمِهِ لا كَرَمَ آبَائِهِ. قَالَ: مَا أَرَاكَ إِلا قُلْتَ فِيهِ شِعْرًا. قَالَ: فَقَالَ: لامْرَأَتِهِ: أَنْشِدِيهِ. قَالَتْ: كَمْ تَجَشَّمْنَا مَدَحَ اللَّئِيمِ مُنْذُ الْيَوْمِ، إِنَّ مَدَحَ اللَّئِيمِ ذُلٌّ. قَالَ: فَأَنْشِدِيهِ، فَأَنْشَدَتْ تَقُولُ:

стр. 21

إِلَيْكَ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بِالْحَمْدِ أَرْقَلَتْ ... بِنَا الْبَيْدَ عِيسٌ كَالْقِسِيِّ سَوَاهِمُ عَلَيْهَا كِرَامٌ مِنْ ذُؤَابَةِ عَامِرٍ ... أَضَرَّ بِهِمْ جَدْبُ السِّنِينَ الْعَوَارِمُ يُرِدْنَ امْرَءًا يُعْطِي عَلَى الْحَمْدِ مَالَهُ ... وَهَانَتْ عَلَيْهِ فِي الثَّنَاءِ الدَّرَاهِمُ فَإِنْ تُعْطِ مَا نَهْوَى فَهَذَا ثَنَاؤُنَا ... وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى فَمَا لامَ لائِمُ فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا أَعَجَبَكَ وَشِعْرَكَ، جِئْتَ عَلَى أَتَانٍ هَزِيلٍ وَتَزْعُمُ أَنَّكَ جِئْتَ عَلَى عِيسٍ، وَقَدْ ذَكَرْتَ الرَّجُلَ فِي شِعْرِكَ بِخِلافِ مَا ذَكَرْتَهُ فِي كَلامِكَ. قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، مَا تَجَشُّمُنَا مِنْ مَدْحِ اللَّئِيمِ كَانَ أشدَّ مِنَ الْكَذِبِ فِي شِعْرِنَا. فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: أَتَعْرِفُ خَالِدًا؟ قَالَ: لا. فَقَالَ خَالِدٌ: أَنَا خَالِدٌ وَأَنَا مُعْطِيكَ وَغَيْرُ مُكَافِيكَ. فَقَالَ: يَا أُمَّ جَحْشٍ، اصْرِفِي وَجْهَ أَتَانِكِ، وَمَضَى. فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: لا تَفْعَلْ، وَقُمْ فَإِنِّي مُحْسِنٌ إِلَيْكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لا رَزَأْتَ لأَمْرِي دِرْهَمًا أَسْمَعْتَهُ، وَضَرَبَ وَجْهَ أَتَانِهِ وَمَضَى. فَقَالَ خَالِدٌ: بِمِثْلِ هَذَا الصَّبْرِ نَالَ هَذَا وَأَبُوهُ مِنَ الشَّرَفِ مَا نَالُوهُ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ حَفْصٍ التَّمِيمِيِّ، عَنْ حَرْبِ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: انْصَرَفَ أَعْرَابِيٌّ عَنِ الْمَوْسِمِ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَسَقَطَ بَعِيرُهُ فِي الطَّرِيقِ، فَأَقْبَلَ بِرَحْلِهِ يَحْمِلُهُ حَتَّى أَتَى بَابَ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ فَحَرَمَهُ، فَأَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، فَقَالَ لآذِنِهِ: إِنَّ مَعِي هَدِيَّةً فَأَعْلِمْهُ. فَدَخَلَ إِلَى ابْنِ جَعْفَرٍ فَأَعْلَمَهُ، فَقَالَ قُلْ لَهُ: أَنْتَ تَحْمِلُ هَدِيَّتَكَ أَمْ يَحْمِلُهَا غَيْرُكَ؟ قَالَ: بَلْ أَحْمِلُهَا أَنَا، قَالَ: أَدْخِلْهُ، فَلَمَّا دَخَلَ، قَالَ: هَاتِ، فَأَنْشَدَهُ: أَبُو جَعْفَرٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نُبُوَّةٍ ... صَلاتُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ طَهُورُ أَبَا جَعْفَرٍ إِنَّ الْجِيَادَ تَوَاكَلَتْ ... فَأَدْرَكَهَا عِنْدَ الْحِضَارِ فُتُورُ أَبَا جَعْفَرٍ يَا ابْنَ الشَّهِيدِ الَّذِي لَهُ ... جَنَاحَانِ فِي أَعَلَى الْجِنَانِ يَطِيرُ أَبَا جَعْفَرٍ ضَنَّ الأَمِيرُ بِمَالِهِ ... وَأَنْتَ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ أَمِيرُ أَبَا جَعْفَرٍ إِنَّ الْحَجِيجَ تَرَجَّلُوا ... وَلَيْسَ لِرَحْلِي فَاعْلَمَنَّ بَعِيرُ فَقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى إِبِلِي فَاخْتَرْ أَفْضَلَ نَاقَةٍ فِيهَا أَوْ جَمَلٍ فَخُذْهُ. فَمَضَى الأَعْرَابِيُّ إِلَى الإِبِلِ، وَكَانَ بِهَا بَصِيرًا، فَأَخَذَ نَاقَةً لابْنِ جَعْفَرٍ تَعْدِلُ رَحْلَهُ، فَأَبَى غُلامُ ابْنِ جَعْفَرٍ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَيْهِ، فَرَجَعَ الأَعْرَابِيُّ إِلَى ابْنِ جَعْفَرٍ فَأَعْلَمَهُ. فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَسُولا، وَقَالَ لَهُ: أَعْطِهِ الَّذِي طَلَبَ، وَالْعَبْدُ الَّذِي مَنَعَهُ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ أَيْضًا.

стр. 22

فَدَفَعَهُمَا إِلَيْهِ، وَأَخَذَهُمَا الأَعْرَابِيُّ، وَرَجَعَ إِلَى ابْنِ جَعْفَرٍ يَتَشَكَّرُ لَهُ، فَقَالَ الْعَبْدُ لابْنِ جَعْفَرٍ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، صُحْبَتِي؟ فَقَالَ: لِلأَعْرَابِيِّ: أَتَبِيعُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بِكَمْ؟ قَالَ: بِثَلاثِمِائَةِ دِينَارٍ، قَالَ: هِيَ لَكَ فَأَعْطَاهُ ثَلاثَمِائَةِ دِينَارٍ، وَأَعْطَاهُ سَيْفًا، وَقَالَ: لا تَخْدَعَنَّ عَنْهُ، فَإِنِّي أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَالَ لِلْعَبْدِ: إِنَّ لَكَ حَقًا وَإِنَّكَ لَطَوِيلُ الصُّحْبَةِ، فَأَعْتَقَهُ وَأَهْلَهُ وَوَلَدَهُ. فَأَنْشَأَ الأَعْرَابِيُّ، يَقُولُ: سَأُثْنِي بِمَا أَوْلَيْتَنِي يَا ابْنَ جَعْفَرٍ ... وَمَا شَاكِرٌ عُرْفًا كَمَنْ هُوَ كَافِرُهْ فَيَا خَيْرَ خَلْقِ اللَّهِ نَفْسًا وَوَلَدًا ... وَأَكْرَمَهُمْ لِلْجَارِحِينَ يُجَاوِرُهْ حَدَّثَنِي مُبَارَكٌ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: " أَشَارَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الْمَهْدِيِّ أَنْ يَنْزِلَ الرَّافِقَةَ، وَأَرَادَ أَنْ يُبْعِدَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، فَكَتَبَ أَبُو دُلامَةَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ: إِنَّ الْخَلِيفَةَ وَالْمَهْدِيَّ إِنْ قَرُبَا فَنَحْنُ فِي حِنْثٍ، لا مَاءٌ، وَلا شَجَرٌ، وَلا نَهَارٌ، وَلا لَيْلٌ يَطِيبُ لَنَا، وَلا يَطِيبُ لَنَا شَمْسٌ وَلا قَمَرٌ، اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي نَاصِحٌ لَكُمْ فِيمَا أَقُولُ، وَإِنِّي حَيَّةٌ ذَكَرٌ أَرَى وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعَانِ بِهِ مِنَ الْحَسُودِ، وَفِي فِيَّ الْحَاسِدُ الْحَجَرُ. فَرَدَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَهْدِيَّ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي نُزُولِ الرَّافِقَةَ، وَلَمْ يُبَاعِدْهُ عَنْهُ ٢٩ - حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: حَجَّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَوَافَى طَاوُسًا بِمَكَّةَ، فَقِيلَ لِطَاوُسٍ: حَدِّثْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ طَاوُسٌ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ أَشْرَكَهُ اللَّهُ فِي سُلْطَانِهِ فَجَارَ فِي حُكْمِهِ» . قَالَ الْفَضْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: فَرَأَيْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ قَدْ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ عَوَانَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ لِعَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ: «إِنِّي أَرَاكَ ظَاهِرَ اللَّوْنِ لَيِّنَ الْبَشْرَةِ، فَلَيْتَ شِعْرِي مَا طَعَامُكَ؟» قَالَ: " لُبَابُ الْحِنْطَةِ، وَصِغَارُ الْمَاعِزِ، وَأَدِّهُنُ بِخَامِ الْبَنَفْسَجِ، وَأَلْبَسُ الْكِتَّانَ حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " جَاءَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ بُرَيْهَةَ إِلَى غَسَّانَ بْنِ عَبَّادٍ يَشْكُو إِلَيْهِ غَلَبَةَ الدَّيْنِ، وَضِيقَ الْحَالِ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَرْفَعَ لَهُ رُقْعَةً إِلَى الْمَأْمُونِ فِي إِدْرَارِ أَرْزَاقِهِ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ. فَقَالَ: وَكَمْ دَيْنُكَ؟ قَالَ: ثَلاثُونَ وَمِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ: هَاتِ رُقْعَتَكَ. فَأَخْرَجَهَا مِنْ خُفِّهِ وَذَهَبَ لِيَقُومَ.

стр. 23

فَقَالَ: مَكَانَكَ، ثُمَّ دَعَا بِالْغَدَاءِ، وَدَعَا بِوَكِيلِهِ، فَقَالَ: ادْنُ مِنِّي، فَسَارَّهُ، وَقَالَ: احْمِلِ السَّاعَةَ إِلَى مَنْزِلِ بُرَيْهَةَ مِائَةً وَثَلاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَحُمِلَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَغَدَّى فَلَمَا انْصَرَفَ وَجَدَهَا فِي مَنْزِلِهِ، وَرَكِبَ غَسَّانُ مِنَ الْغَدِ، فَكَلَّمَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي دَيْنِهِ وَعَرَضَ رُقْعَتَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: قَدْ بَلَغَنِي مَا فَعَلْتَ أَمْسَ، فَوَصَلَكَ اللَّهُ بِصِلَتِكَ، فَأَنْتَ وَاللَّهِ مِمَّنْ إِذَا تَكَلَّمْ نَفَعَ كَلامُهُ، وَإِذَا سَكَتَ حَسُنَ سُكُوتُهُ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ وَكَرَامَةٌ، قَدْ أَمَرْنَا بِقَضَاءِ دَيْنِهِ وَالزِّيَادَةِ فِي أَرْزَاقِهِ، وَأَدْرَرْنَاهَا عَلَيْهِ. فَدَعَا لَهُ غَسَّانُ وَانْصَرَفَ، فَلَمَّا وَلَّى أَتْبَعَهُ بَصَرَهُ. فَقَالَ: لا تَزَالُ الْخِلافَةُ ذَاتَ بَهْجَةِ مَا حَضَرَ مَجْلِسَنَا مِثْلُ هَذَا، مَا اغْتَابَ عِنْدِي أَحَدًا قَطُّ، وَلا اعْتَرَضَ فِي كَلامِهِ، وَلا سَأَلَ حَاجَةً لِنَفْسِهِ، وِلا جَرَّبْنَا عَلَيْهِ كَذِبًا وَلا خِيَانَةً، وَلا سَبَقَهُ لِسَانُهُ بِلَفْظَةٍ اعْتَذَرَ مِنْهَا. ثُمَّ كَانَ أَوَّلُ تَوْقِيعٍ بَعَدَ هَذَا خَرَجَ ثَلاثَةَ آلافِ دِرْهَمٍ لِغَسَّانَ بْنِ عَبَّادٍ النَّازِلِ مَا لا يَعْنِيهِ حَدَّثَنِي مُبَارَكٌ الْمَطِيرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ يَوْمًا لابْنِ خُرَيْمٍ، وَكَانَ آنِسًا بِهِ: إِنِّي وَاثِقٌ بِعِنَايَتِكَ، وَحِفْظِكَ وَأَمَانَتِكَ وَنَصِيحَتِكَ لأَمَانَتِكَ، وَلَيْسَ كُلُّ ذِي عَقْلٍ نَاصِحٍ يَجْتَمِعُ هَذَا فِيهِ، فَأَخْبِرْنِي عَمَّا يَعِيبُ النَّاسَ مِنْ أَمْرِي، وَيَكْرَهُونَ مْنَ سِيرَتِي. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَصْبَحَ النَّاسُ يُنْكِرُونَ مِنْ سِيرَتِكَ مُنْكَرًا، وَلا يَسْتَبْطُونَ خَبَرًا، إِلا أَنَّ أَهْلَ النَّصِيحَةِ لَكَ وَالإِبْقَاءِ عَلَيْكَ قَدْ غَاظَهُمْ مُبَاشَرَتُكَ أُمُورَكَ، وَتَوَلِّيكَ النَّظَرَ فِيمَا لَوْ وَكَّلْتَهُ إِلَى غَيْرِكَ كَفَاكَهُ، وَشَغَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الصَّغِيرِ مِنَ الأُمُرِ، حَتَّى انْحَلَّ جِسْمُكَ مِنَ التَّهَنِّي بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَلَوْ بَاشَرْتَ جَلائِلَ الأُمُورِ، وَوَكَّلْتَ خَسَائِسَهَا إِلَى أَعْوَانِكَ انْتَظَمْتَ الأَمْرَيْنِ جَمِيعًا. ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: إِنَّ مُوسَى ﵇ شَكَا إِلَى رَبِّهِ قِلَةَ أَعْوَانِهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ تَكْتُبَ سَبْعِينَ عَهْدًا وَتَتْرُكَ مَوَاضِعَ أَسْمَاءَ الرِّجَالِ لَيُعْلِمَهُ اللَّهُ إِيَّاهُمْ فَيُسَمِّيهِمْ فِيهَا. قَالَ الْمَنْصُورُ: هَذَا مُوسَى دَلَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَأَوْحَى اللَّهُ فِيهِمْ، وَأَخْبَارُ السَّمَاءِ لَيْسَ يَعْلَمُهَا إِلا مَلَكٌ مَقَرَّبٌ وَنبِيٌّ مُرْسَلٌ، فَأَنَا مَنْ يُخْبِرُنِي وَالنَّاسُ كَمَا قَدْ عَلِمْتَ فِي مَسَاوِئِهِمْ وَخُبْثِ نِيَّاتِهِمْ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَيْنَ أَنْتَ عَنِ الرَّبِيعِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ؟ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِنْ خَدَمِ الْمُلُوكِ مِثْلَهُمَا، وَكَانَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمَا حَسَنًا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَعْلَمَا كَلامِي إِيَّاهُ. وَكَانَا خَلْفَ الْفُسْطَاطِ، فَرَأَى ظِلَّهُمَا، فَقَالَ الْفَاسِقَيْنِ الْمُخَنَّثَيْنِ، لَيْسَا لِذَلِكَ بِأَهْلٍ، وَإِنْ كَانَا يَسْمَعَانِ قَوْلِيَ الآنَ، ثُمَّ أَصْغَى إِلَيَّ فَقَالَ: مَعَ أَنَّهُمَا قَدْ ضَغَطَهُمَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ صَلُحَا، وَعَبْدُ الْمَلِكِ أَمِينٌ مُجْزٍ، وَالرَّبِيعُ ظَرِيفٌ نَاصِحٌ.

стр. 24

قَالَ ابْنُ خُرَيْمٍ: فَحَدَثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ دَعَاهُمَا، فَقَالَ: مَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلامِ ابْنِ خُرَيْمٍ أَوْ قَوْلِهِ، وَأَوْقَعَ عَلَى قَلْبِي مَعَ النَّصِيحَةِ وَشَدَّةِ الرَّأْيِ. قَالَ: فَأَتَيْتُ أَنَا وَالرَّبِيعُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: تَتَقَارَضَانِ الثَّنَاءَ عِنْديِ كَذَبْتُمَا، وَكُذِبَ فِيكُمَا، اخْرُجَا عَنِّي حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَرِيبٍ، قَالَ: " خَرَجْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فِي الْبَادِيَةِ، فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ إِلَى جَانِبِ قَبْرٍ، وَهِيَ تَسْتُرُ جِيدَهَا، فَقُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَرأَةُ تَنْدُبُ أَوْ تَرْثِي، فَدَنَوْتُ مِنْهَا وَهِيَ لا تَدْرِي، حَتَّى قَرُبْتُ مِنْهَا، فَإِذَا هِيَ تَقُولُ: هَلْ خَبَّرَ الْقَبْرُ سَائِلِيهِ ... أَمْ قَرَّ عَيْنًا بِزَائِرِيهِ أَمْ هَلْ تَرَاهُ أَحَاطَ عِلْمًا ... بِالْجَسَدِ الْمُسْتَكِنِّ فِيهِ لَوْ يِعْلَمُ الْقَبْرُ مَنْ يَوَارِي ... تَاهَ عَلَى كُلِّ مَنْ يَلِيهِ يَا مَوْتُ لَوْ تَقْبَلُ افْتِدَاءً ... كُنْتُ بِنَفْسِي سَأَفْتَدِيهِ أَنْعَى يَزِيدًا لِمُجْتَدِيهِ ... أَنْعَى يَزِيدًا لِمُعْتَفِيهِ أَنْعَى يَزِيدًا إِلَى حُرُوبٍ ... بِوَصْفِهِ نَدَبَ نَادِبِيهِ يَا جَبَلا كَانَ ذَا امْتِنَاعٍ ... وَرُكْنَ عِزٍّ لآمِلِيهِ يَا نَخْلَةً طَلْعُهَا نَضِيدٌ ... يَقْرُبُ مِنْ كَفِّ مُجْتَنِيهِ تَحْلُو نِعَمٌ عِنْدَهُ سَمَاحًا ... وَلَمْ يَقُلْ قَطُّ لا بِفِيهِ أَيَا صَبُورًا عَلَى بَلاءٍ ... كَانَ بِهِ اللَّهُ يَبْتَلِيهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قَرِيبٍ: فَحَفِظْتُ مَا قَالَتْ، ثُمَّ دَنَوْتُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ لَهَا: أَعِيدِي لَفْظَكِ رَحِمَكِ اللَّهُ. قَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْمَعُنِي مَا قُلْتُ شَيْئًا مِنْهَا. قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: فَاسْمَعِي مِنِّي مَا قُلْتِ: قَالَتْ: قُلْ. فَأَنْشَدْتُهَا مَا قَالَتْ حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ. قَالَتْ: مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ أَحَدًا لَهُ مِثْلُ حِفْظِكَ، فَإِنْ كَانَ فِي بَلادِ الأَصْمَعِيِّ فَأَنْتَ هُوَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَرِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، " أَنَّ رَجُلا مِنَ الْعَرَبِ خَرَجَ فِي طَلِبِ إِبِلٍ لَهُ نَدَّتْ، فَوَرَدَ مَنْهَلا مِنْ مَنَاهِلِ الْعَرَبِ، فَإِذَا هُوَ بِامْرَأَةٍ حَسْنَاءَ جَمِيلَةٍ، لَهَا لِسَانٌ وَبَيَانٌ، فَدَنَا مِنْهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، فَرَدَّتِ السَّلامَ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ فَانْتَسَبَ لَهَا. فَقَالَتْ لَهُ: مَا أَقْدَمَكَ هَذِهِ الْبِلادَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: خَرَجْتُ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لِي نَدَّتْ عَنِّي، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهَا، فَهَلْ أَحْسَسْتِ مِنْهَا شَيْئًا؟ قَالَتْ: لا وَاللَّهِ وَلَكِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى مَنْ يَرُدُّهَا عَلَيْكَ. قَالَ: افْعَلِي. قَالَتْ: سَلِ الَّذِي أَعْطَاكَهَا، بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ، أَنْ يَرُدَهَا عَلَيْكَ، فَإِنَّهُ مَالِكُ كُلَّ شَيْءٍ. قَالَ: مِمَّنِ الْمَرْأَةُ؟ قَالَتْ: مِنْ بَنِي عَامِرٍ. قَالَ: أَلَكِ زَوْجٌ، وَتَأْمَنِينَ بَوَائِقَهُ؟ فَتَرَقْرَقَتْ عَيْنَاهَا، وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ: كُنَّا كَغُصْنَيْنِ فِي أَصْلٍ غِذَاؤُهُمَا ... مَاءُ الْجَدْوَلِ فِي رَوْضَاتِ جَنَّاتِ فَاجْتُثَّ خَيْرَهُمَا عَنْ أَصْلِ صَاحِبِهِ ... دَهْرٌ يَكِرُّ بِعَوْلاتٍ وَتَرْحَاتِ وَكَانَ عَاهَدَنِي إِنْ رَامَنِي زَمَنٌ ... أَنْ لا يُضَاجِعَ أُنْثَى بَعَدَ مَثْوَاتِي وَكُنْتُ عَاهَدْتُهُ أَيْضًا فَغَادَرَهُ ... رَيْبُ الزَّمَانِ قَرِيبًا مُذْ سُنَيَّاتِ

стр. 25

فَاكْفُفْ لِسَانَكَ عَمَّنْ لَيْسَ يَرْدَعُهُ ... عَنِ الْوَفَاءِ خَلابٌ بِالنَّحِيَّاتِ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ شُرَيْحٍ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي مُعَاوِيَةُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ مَيْسَرَةَ، عَنْ شُرَيْحٍ، قَالَ: تَقَدَّمَتْ إِلَيَّ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: أَيُّهَا الْقَاضِي، إِنِّي جِئْتُكَ مُخَاصِمَةً. قَالَ: وَأَيْنَ خَصْمُكِ؟ قَالَتْ: أَنْتَ أَيُّهَا الْقَاضِي. فَأَخْلَى الْمَجْلِسَ، وَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. قَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ وَلِي إِحْلِيلٌ، وَلِي فَرْجٌ. فَقَالَ لَهَا: قَدْ كَانَ لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵇ فِي هَذِهِ قَضِيَّةٌ وَرَّثَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ الْبَوْلُ. فَقَالَتْ: إِنَّهَ يَجِيءُ مِنْهُمَا. فَقَالَ لَهَا: فَمِنْ أَيْنَ سَابَقُ الْبَوْلِ؟ قَالَتْ: لَيْسَ مِنْهُمَا، يَسْتَوْجِبَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَيَنْقَطِعَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. فَقَالَ لَهَا: إِنَّكِ لَتُخْبِرِينِي بِعَجَبٍ. قَالَتْ: وَأُخْبِرُكَ بِمَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ هَذَا، تَزَوَّجَنِي ابْنُ عَمٍّ لِي، وَأَخْدَمَنِي خَادِمَةً، فَوَطَئْتُهَا فَأَوْلَجْتُهَا، وَإِنَّمَا جِئْتُكَ لَمَّا وُلِدَ لِي لِتُفَرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ زَوْجِي، فَقَامَ مِنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَدَخَلَ عَلِيٌّ ﵇ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: " عَلَيَّ بِالْمَرْأَةِ، فَأُدْخِلَتْ، فَقَالَ: " أَحَقٌّ مَا يَقُولُ الْقَاضِي؟ ، قَالَتْ: هُوَ كَمَا قَالَ. قَالَ: فَدَعَا بِزَوْجِهَا، فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ وَابْنَةُ عَمِّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَعَلِمْتَ مَا كَانَ، قَالَ: نَعَمْ، أَخْدَمْتَهَا خَادِمَةً فَوَطِئَتْهَا فَأَوْلَدَتْهَا، ثُمَّ وَطِئْتَهَا أَنْتَ بَعْدُ؟ ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لأَنْتَ أَحْسَنُ مِنْ خَاصِي أَسَدٍ، عَلَيَّ بِدِينَارِ الْخَادِمِ وَامْرَأَتَيْنِ، فَجِئَ بِهِمْ، فَقَالَ: خُذُوا هَذِهِ الْمَرْأَةَ، إِنْ كَانَتِ امْرَأَةً، فَأَدْخِلُوهَا بَيْتًا وَأَلْبِسُوهَا ثِيَابًا، وَعُدُّوا أَضْلاعَ جَنْبَيْهَا، فَفَعَلُوا، فَقَالَ: عَدَدُ الأَيْمَنِ أَحَدَ عَشْرَ وَعَدَدُ الأَيْسَرِ اثْنَا عَشْرَ. فَقَالَ عَلَيٌّ: اللَّهُ أَكَبْرُ. فَأَمَرَ لَهَا بِرِدَاءٍ وَحَذَاءٍ وَأَلْحَقَهَا بِالرِّجَالِ. فَقَالَ زَوْجُهَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، زَوْجَتِي وَابْنَةُ عَمِّي، فَرَّقْتَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، فَأَلْحَقْتَهَا بِالرِّجَالِ، عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذِهِ الْقِصَّةَ؟ ، قَالَ: إِنِّي أَخَذْتُهَا عَنْ أَبِي آدَمَ ﷺ ، إِنَّ اللَّهُ ، خَلَقَ حَوَّاءَ، ضِلْعًا مِنْ أَضْلاعِ آدَمَ، فَأَضْلاعُ الرِّجَالِ أَقَلُّ مِنْ أَضْلاعِ النِّسَاءِ بِضِلْعٍ "، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَأُخْرِجُوا. وَمِنْ عِنْدِنَا انْثَبَتَ، فَرَدُّوا الأَمْرَ إِلَى أَهْلِهِ يُصْدِرُوهُ كَمَا أَوْرَدَهُ. قَالَ ثُمَّ رَجَعَ وَاللَّهِ إِلَى خُطْبَتِهِ كَأَنَّمَا يَقْرَؤُهَا مِنْ كَفِّهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: كَانَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: " اتَّقُوا اللَّهَ، عِبَادَ اللَّهِ، فَكَمْ مُؤَمِّلٍ مَا لا يَبْلُغُهُ، وَطَاعِمٍ مَا لا يَأْكُلُهُ، وَمَانِعٍ عَمَّا سَوْفَ يَتْرُكُهُ، وَلَعَلَّهُ مِنْ بَاطِلٍ جَمَعَهُ، وَمِنْ حَقٍّ مَنَعَهُ، أَصَابَهُ حَرَامًا، وَأَوْرَثَهُ عَدُوًّا، فَاحْتَمَلَ إِصْرَهُ، وَبَاءَ بِوِزْرِهِ، وَوَرَدَ عَلَى رَبِّهِ، آسِفًا لاهِفًا، قَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخَرَةَ، ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ

стр. 26

حَدَّثَنِي عَلَيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَوَانَةَ بْنَ الْحَكَمِ، قَالَ: " لَمَّا اشْتَدَّتْ شَوْكَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَطَالَ تَوَثُّبُهُمْ بِالْوُلاةِ، يَحْصِبُونَهُمْ وَيُقَصِّرُونَ بِهِمْ، أَمَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ مُنَادِيًا، فَنَادَى: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَخَطَبَهُمْ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الْعِرَاقَ قَدْ عَلا لَهَبُهَا، وَسَطَعَ وَمِيضُهَا، وَعَظُمَ الْخَطْبُ. فَجَمْرُهَا ذَكِيٌّ، وَشِهَابُهَا وَرِيٌّ، فَهَلْ مِنْ رَجُلٍ يُنْتدَبُ لَهُمْ، ذِيِ سِلاحٍ عَتِيدٍ، وَقَلْبٍ شَدِيدٍ، فَيُخْمِدَ نِيرَانَهَا، وَيَبِيدَ شُبَّانَهَا؟ ، فَسَكَتَ النَّاسُ جَمِيعًا، وَوَثَبَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، فَقَالَ: أَنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَعَظِيمُ الْقَرْيَتَيْنِ. قَالَ لَهُ: اجْلِسْ، فَلَسْتَ هُنَاكَ. ثُمَّ سَأَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَنْ لِلْعِرَاقِ؟ فَسَكَتَ النَّاسُ، وَوَثَبَ الْحَجَّاجُ. فَقَالَ: أَنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ. قَالَ: أَنَا مِنْ قَوْمٍ رَغِبَتْ فِي مُنَاكَحَتِهِمْ قُرَيْشٌ وَلَمْ يَيْأَسُوا مِنْهُمْ، وَإِعَادَةُ الْكَلامِ مِمَّا يَنْسِبُ صَاحِبَهُ إِلَى الْعِيِّ، وَلَوْلا ذَلِكَ لأَعَدْتُ الْكَلامَ الأَوْلَ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: اجْلِسْ فَلَسْتَ هُنَاكَ، ثُمَّ أَطْرَقْ عَبْدُ الْمَلِكِ مَلِيًّا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: مَنْ لَلْعِرَاقِ؟ فَسَكَتَ النَّاسُ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا لِي أَرَى اللُّيُوثَ قَدْ أَطْرَقَتْ، وَلا أَرَى أَسَدًا يَزْأَرُ نَحْوَ فَرِيسَتِهِ؟ فَسَكَتَ النَّاسُ، وَوَثَبَ الْحَجَّاجُ، وَقَالَ: أَنَا لِلْعِرَاقِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: وَمَا الَّذِي أَعْدَدْتَ لأَهْلِ الْعِرَاقِ؟ قَالَ: أَلْبَسُ جِلْدَ النَّمِرِ، ثُمَّ أَخُوضُ الْغَمَرَاتِ، وَأَتَّبِعُ الْهَلَكَاتِ، فَمَنْ نَازَعَنِي طَلَبْتُهُ، وَمَنْ لَحِقْتُهُ قَتَلْتُهُ بِشِدَّةٍ، وَعَجَلٍ وَرَيْثٍ، وَتَبَرٍّ وَازْوِرَارٍ، وَطَلاقَةٍ وَاكْفِهْرَارٍ، وَرِفْقٍ وَجَفَاءٍ، وَصِلَةٍ وَحِرْمَانٍ، فَإِنِ اسْتَقَامُوا كُنْتُ لَهُمْ وَالِيًا حَفِيًّا، وَإِنْ خَالَفُوا لَمْ أُبْقِ مِنْهُمْ طَوَيًّا، فَهَذَا مَا أَعَدَدْتُ لَهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلا عَلَيْكَ أَنْ تُجَرِّبَنِي، فَإِنْ كُنْتَ لِلَّطُلَى قَطَّاعًا، وَلِلأَرْوَاحِ نَزَّاعًا، وَلِلأَمْوَالِ جَمَّاعًا، وَإِلا فَاسْتَبْدِلَ بِي، فَإِنَّ الرِّجَالَ كَثِيرٌ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَنْتَ لَهَا. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى كَاتِبِهِ، فَقَالَ: اكْتُبْ عَهْدَهُ وَلا تُؤَخِّرْهُ، وَأْعِطِهِ مِنَ الرِّجَالِ وَالْكُرَاعِ وَالأَمْوَالِ.

стр. 27

قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ: فَبَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمِسْجِدِ الأَعْظَمِ إِذْ أَتَانَا آتٍ، فَقَالَ: هَذَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ قَدْ قَدِمَ أَمِيرًا عَلَى الْعِرَاقِ، فَاشْرَأَبَّ النَّاسُ نَحْوَهُ، ثُمَّ افْرَاجُّوا إِفْرَاجَّةً عَنْ صَحْنِ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا نَحْنُ بَهِ يَتَبَهْنَسُ فِي مِشْيَتِهِ، عَلَيْهِ عِمَامَةٌ حَمْرَاءُ مُتَلَثِّمًا، بِهَا مُنْتَكِبًا قَوْسًا عَرَبِيَّةً، يَؤُمُّ الْمَنْبَرَ، فَمَا زِلْتُ أَرْمُقُهُ بِبَصَرِي حَتَّى صَعِدَ الْمَنْبَرَ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ مَا يَحْدِرُ اللِّثَامَ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ يَوْمَئِذٍ لَهُمْ حَالٌ حَسَنٌ، وَهَيْئَةٌ جَمِيلَةٌ وَعِزٌّ وَمَنَعَةٌ وَيَسَارٌ، يَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمُ الْمَسْجِدَ وَمَعَهُ عَشَرَةُ أَوْ عِشْرُونَ رَجُلا مِنْ مَوَالِيهِ وَأَتْبَاعِهِ، عَلَيْهِمُ الْخُزُونُ وَالْقُوهِيَّةُ، وَفِي الْمَسْجِدِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: عُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ البُرْجُمِيُّ. فَقَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عُطَارِدَ التَّمِيمِيِّ: هَلْ لَكَ أَنْ أَحْصِبَهُ لَكَ؟ قَالَ: لا، حَتَّى أَسْمَعَ كَلامَهُ. فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ بَنِي أُمَيَّةَ حَيْثُ يَسْتَعْمِلُونَ عَلَيْنَا مِثَلَ هَذَا، وَلَقَدْ ضَبَّعَ اللَّهُ الْعِرَاقِ حَيْثُ يَكُونُ عَلَيْهَا مِثْلُ هَذَا أَمِيرًا، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ هَذَا كُلُّهُ كَلامًا لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وَالْحَجَّاجُ سَاكِتٌ يَنْظُرُ يُمْنَةً وَيُسْرَةً، حَتَّى غُصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، إِنَيِ لأَعْرِفُ قَدْرَ اجْتِمَاعِكُمِ. أَجْتَمَعْتُمْ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: قَدِ اجْتَمَعْنَا أَصْلَحَكَ اللَّهُ، فَسَكَتَ هُنَيْهَةً لا يَتَكَلَّمُ. فَقَالُوا: مَا يَمْنَعَهُ مِنِ الْكَلامِ إِلا الْعِيُّ وَالْحَصْرُ. فَقَامَ الْحَجَّاجُ، فَحَدَرَ لِثَامَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، أَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ. أَنَا ابْنُ جَلا وَطَلاعُ الثَّنَايَا ... مَتَى أَضَعِ الْعِمَامَةَ تَعْرِفُونِي صَلِيبُ الْعُودِ مِنْ سَلَفِي تُرَانُ ... كَنَصْلِ السَّيْفِ وَضَّاحِ الْجَبِينِ وَمَاذَا يَدَّرِي الشُّعَرَاءُ مِنِّي ... وَقَدْ جَاوَزْتُ حَدَّ الأَرْبَعِينِ أَخْو خَمْسِينَ مُجْتَمِعًا أَشُدِّي ... وَنَجَّذَنِي مُدَاوَرَةُ السِّنِينِ وَإِنِّي لا أَعُودُ إِلَى مُرَبِّي ... غَدَاةَ الْغِبِّ إِلا أَيَّ حِينِ وَاللَّهِ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ إِنِّي لأَرَى رُءُوسًا قَدْ أَيْنَعَتْ وَحَانَ قِطَافُهَا، وَإِنِّي لَصَاحِبُهَا، وَاللَّهِ إِنِّي لأَنْظُرُ إِلَى الدِّمَاءِ بَيْنَ الْعَمَائِمِ وَاللِّحَى. هَذَا أَوَانُ الشَّدِّ فَاشْتَدِّي زِيَمْ ... قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَاقٍ حُطَمْ لَيْسَ بَرَاعِي إِبِلٍ وَلا غَنَمْ ... لا بِجَزَّارٍ عَلَى ظَهْرٍ وَضَمْ ثُمَّ قَالَ: قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بَعَصْلَبِيِّ ... وَشَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ شَمِّرِي أَرْوَعَ خَرَّاجٍ مِنَ الدَّوِيِّ ... مُهَاجِرٍ لَيْسَ بِأَعْرَابِيِّ ثُمَّ قَالَ: مَا عِلَّتِي وَأَنَا شَيخٌ إِدٌّ ... وَالْقَوْسُ فِيهَا وَتَرٌ عُرُدُّ مِثْلُ ذِرَاعِ البَكْرِ أَوْ أَشَدُّ وَاللَّهِ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، لا يُغْمَزُ جَانِبِي كَتِغْمَازِ التِّينِ، وَلا يُقَعْقَعُ لِي بِالشَّنَانِ. وَلَقَدْ فُرِرْتُ عَنْ ذَكَاءٍ، وَفُتِّشْتُ عَنْ تَجْرِبَةٍ، وَأَجْرَيْتُ عَنِ الْغَايَةِ، وَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَثَرَ كِنَانَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَجِمَ عِيدَانُهَا فَوَجَدَنِي أَمَرَّهَا سَهْمًا، وَأَشَدَّهَا مَكْسِرًا، فَوَجَّهَنِي إِلَيْكُمْ وَرَمَاكُمْ بِي.

стр. 28

يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، وَيَا أَهْلَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَمَسَاوِئِ الأَخْلاقِ لأَنَّكُمْ طَالَمَا اضْطَجَعْتُمْ فِي مَنَامِ الضَّلالِ، وَأَوْضَعْتُمْ فِي أَوْدِيَةِ الْفِتْنَةِ، وَسَنَنْتُمْ سُنَنَ الْغَيِّ. وايْمُ اللَّهِ لأَلْحُوَنَّكُمْ لَحْوَ الْعُودِ، وَلأَقْرَعَنَّكُمْ قَرْعَ الْمَرْوَةِ، وَلأَعْصِبَنَّكُمِ عَصْبَ السَّلَمَةِ، وَلأَضْرِبَنَّكُمْ ضَرْبَ غَرِيبَةِ الإِبِلِ. فَإِيَّايَ وهَذِهِ الزَّرَافَاتِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَقَالَ وَمَا يَقُولُ، وَكَانَ وَمَا يَكُونُ، مَا أَنْتُمْ وَذَاكَ؟ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، إِنَّمَا أَنْتُمِ لَكَأَهْلِ قَرْيَةٍ ﴿كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] . فَاسْتَوْسِقُوا وَاعْتَدِلُوا وَلا تَمِيلُوا، وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَشَايِعُوا وَبَايِعُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنِّي الإِكْثَارُ وَلا الإِهْذَارُ، وَلا مَعَ ذَلِكَ الْفِرَارُ وَالنِّفَارُ، إِنَّمَا هَوُ انَتْضَائِي هَذَا السَّيْفَ، ثُمَّ لا يُغْمَدُ الشِّتَاءَ وَلا الصَّيْفَ، حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُ اللَّهِ، وَحَتَّى يُذَلَّ صَعْبِكُمْ، وَيُقِيمَ مِنْ أَوَّدِكُمْ وَصَعَّرِّكُمْ. ثُمَّ إِنِّي وَجَدْتُ الصِّدْقَ مَعَ الْبِرِّ وَوَجَدْتُ الْبِرَّ فِي الْجَنَّةِ، وَوَجَدْتُ الْكَذِبَ مَعَ الْفُجِورِ، وَوَجَدْتُ الْفُجُورَ فِي النَّارِ، وَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَنِي بِأَعْطَيَاتِكُمْ وَإِشْخَاصِكُمْ لِمُجَاهَدَةِ عَدُوِّكُمْ، وَقَدْ أَمَرْتُ لَكُمْ بِذَلِكَ، وَأَجَّلْتُكُمْ ثَلاثًا، وَأَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْدًا يَأْخُذُنِي بِهِ، وَيَسْتَوْفِيهِ مِنِّي، لَيْسَ يُخَلَّفُ أَحَدٌ مِنْكُمِ بَعْدَ قَبْضِ عَطَائِهِ يَوْمًا وَاحِدًا لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، وَلأَهَبَنَّ مَالَهُ. يَا غُلامُ اقْرَأْ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ الْكَاتِبُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلَى مَنْ بِالْعِرَاقِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنينَ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ. فَلَمْ يَرُدَّ أَحَدٌ السَّلامَ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ مِنَ الْمِنْبَرِ: اسْكُتْ يَا غُلامُ. يَا أَهْلَ الْفُرْقَةِ، سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ تَرُدُّوا عَلَيْهِ، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ بَقَيْتُ لَكُمْ لأُؤَدِّبَنَّكُمْ أَدَبًا سِوَى أَدَبِ ابْنِ أُذَيْنَةَ، أَوْ لَتَسْتَقِيمُنَّ لِي، وَلأَجْعَلَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْكُمْ شُغْلا فِي نَفْسِهِ. يَا غُلامُ: اقْرَأْ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ الكَاتِبُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَلَمَّا بَلَغَ السَّلامَ، قَالَ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ: وَعَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ السَّلامُ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ دَارَ الإِمَارَةِ، فَحُجِبَ النَّاسُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعِ أُذِنَ لِلْنَاسِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ، فِيمَنْ دَخَلَ، فَقَالَ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَقَدْ خَرَجَ اسْمِي فِي هَذَا الْبَعْثُ، وَلِيَ ابْنٌ، هُوَ عَلَى الْحَرْبِ وَالأَسْفَارِ أَقْوَى مِنِّي، وَأَشْجَعُ عِنْدَ اللِّقَاءِ، فَإِنْ رَأَى الأَمِيرُ أَنْ يَجْعَلَهُ مَكَانِي فَعَلَ. فَقَالَ الحجّاجُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، رَاشِدًا، وَابْعَثِ ابْنَكَ بَدِيلا.

стр. 29

فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ لَهُ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: أَيُّهَا الأَمِيرُ، أَتَعْرِفُ هَذَا؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ، قَالَ: هَذَا عُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ، الَّذِي أَرَادَ أَبُوهُ أَنْ يَفْتِكَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ، وَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا فِي حَبْسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى أَصَابَتْهُ الدُّبَيْلَةُ، ثُمَّ جَاءَ هَذَا فَوَطِئَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ مَقْتُولٌ، وُكَسَرَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلاعِهِ، وَأَبُوهُ الَّذِي يَقُولُ: هَمَمْتُ وَلَمْ أَفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي ... فَعَلْتُ وَكَانَ الْمُعَوِّلاتُ حَلائِلَهُ فَقَالَ الْحَجَّاجُ: رُدُّوا عَلَيَّ الشَّيْخَ. فَلَمَّا أُدْخِلَ عَلَيْهِ، قَالَ: أَمَّا يَوْمُ الدَّارِ فَتَشْهَدُ بِنَفْسِكَ، وَأَمَّا فِي قِتَالِ الْخَوَارِجِ فَتَبْعَثُ بَدِيلا، أَمَا وَاللَّهِ أَيُّهَا الشَّيْخُ إِنَّ فِي قَتْلِكَ لَصَلاحٌ لأَهْلِ الْمِصْرَيْنِ بِأَحْسَنِ شَيْءٍ. اضْرِبَا عُنُقَهُ. وَسَمِعَ الْحَجَّاجُ صَوْتًا، فَقَالُوا: هَذِهِ الْبَرَاجِمُ، تَنْتَظُرُ عُمَيْرًا، قَالَ: ارْمُوا إِلَيْهِمْ بِرَأْسِهِ، فَرُمِيَ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَوَلَّوْا هَارِبِينَ. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَمٍّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الأَسْدِيِّ قَدْ سَأَلَ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ إِلَى الْحَجَّاجِ لِيَتَخَلَّفَ عَنِ الْجَيْشِ. فَلَمَّا قُتِلَ عُمَيرًا بَادَرَ بِالْخُرُوجِ، وَلَمْ يَنْتَظِرِ الإِذْنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَقُولُ لإِبْرَاهِيمَ يَوْمَ لَقِيتُهُ ... أَرَى الأَمْرَ أَمْسَى مُفْضِعًا مُتَصَعِّبًا تَجَهَّزْ فَإِمَّا أَنْ تَزُورَ ابْنَ ضَابِئٍ ... عُمَيرًا وَإِمَّا أَنْ تَزُورَ الْمُهَلَّبَا هُمَا خِطَّتَا سَوْءٍ نَجَاؤُكَ مِنْهُمَا ... رُكُوبُكَ حَوْلِيًّا مِنَ الثَّلْجِ أَشْهَبَا وَإِلا فَمَا الْحَجَّاجُ مُغْمِدُ سَيْفَهُ ... يَدَ الدَّهْرِ حَتَّى يَتْرُكَ الطِّفِلَ أَشْيَبَا فَأَضْحَى وَلَوْ كَانَتْ خُرَاسَانُ دُونَهُ ... رَآهَا مَكَانَ السُّوقِ أَوْ هِيَ أَقْرَبَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: " لَقَدْ سَمِعْتُ مِنَ الْحَجَّاجِ كَلِمَاتٍ وَقَذَتْنِي، فَقِيلَ: يَا أَبَا يَحْيَى، إِنَّ كَلامَ الْحَجَّاجِ لَيُقِذُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعُتُهُ عَلَى هَذِهِ الأَعْوَادِ، يَقُولُ: إِنَّ امْرَءًا ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنْ عُمْرِهِ عَلَى غَيْرِ مَا خُلِقَ لَهُ لَحَرِيٌّ أَنْ تَطُولَ حَسْرَتُهُ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: امْرُؤٌ زَوَّرَ نَفْسَهُ، امْرُؤٌ لَمْ يَأْتَمِنْ نَفْسَهُ عَلَى نَفْسِهِ، امْرُؤٌ حَاسَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ الْمُحَاسَبَةُ إِلَى غَيْرِهِ، امْرُؤٌ جَعَلَ لِنَفْسِهِ زِمَامًا وَلِجَامًا، فَقَادَهَا بِالزِّمَامِ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَكَبَحَهَا بِاللِّجَامِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: قَالَ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَإِذَا الْحَجَّاجُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، وَيَا أَهْلَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَمَسَاوِئِ الأَخْلاقِ، يَا عَبِيدَ الْعَصَا، وَأَلأَمَ الْبَشَرِ، كَالْفَقْعِ بِالْقَرْقَرِ. أَلَسْتُمْ أَصْحَابَ دُمْشُقًا، يَا ذَوُو أَصْحَابِ الزَّاوِيَةِ، وَمَسْكَنٍ وَدِيرِ الْجَمَاجِمِ حِينَ حَاكَمْنَاكُمْ إِلَى اللَّهِ فَقَضَى لَنَا عَلَيْكُمْ. تَزْعُمُونَ أَنِّي أَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ثَنَاؤُهُ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] .

стр. 30

وَتَزْعُمُونَ أَنِّي سَاحِرٌ، فَبِئْسَ الدِّينُ دِينٌ ظَهَرَ عَلَيْهِ السَّحْرُ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩] . وتَزْعُمُونَ أَنِّي بَقِيَّةُ ثَمُودَ، فَوَاللَّهِ مَا نَجَا مَعَ صَالِحٍ إِلا خِيَارُهُمْ، وَهَلَكَ الآخَرُونَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ [النجم: ٥١] . ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ سُويَدِ بْنِ أَبِي كَاهِلٍ: رُبَّ مَنْ أَنْضَجْتُ غَيْظًا صَدْرَهُ ... قَدْ تَمَنَّى لِي مَوْتًا لَمْ يُطَعْ وَيَرَانِي كَالشَّجَا فِي حَلْقِهِ ... عَسِرًا مَخْرَجُهُ لا يُنْتَزَعْ وَيُحَيِّنِي إِذَا لاقَيْتُهُ ... وَإِذَا يَخْلُو لَهُ لَحْمِي رَتَعْ كَيْفَ تَرْجُونَ سِقَاطِي بَعْدَمَا ... شَمِلَ الرَّأْسَ مَشِيبٌ وَصَلَعْ وِإِبَّاءً لِلْدَنِيَّاتِ إِذَا ... ضَغَطَ الْمَكْرُوبَ ضَيمٌ فَقَبَعْ وَبَنَّاءً لِلْمَعَالِي إِنَّمَا ... يَرْفَعُ اللَّهُ وَمَنْ شَاءَ وَضَعْ حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِي، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيرٍ، قَالَ: " خَطَبَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ ذَاتَ يَوْمٍ، وَخَرَجَ بِالْهَاجِرَةِ، فَمَا زَالَ يَفْتَنُّ مَرَّةً فِي أَهْلِ الشَّامِ، وَمَرَّةً فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ، يَقُولُ: يَا أَهْلَ الشَّامِ، أَنْتُمْ كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ: هُمُ دِرْعِي الَّتِي اسْتَلأَمْتُ فِيهِا ... إِلَى أَهْلِ النِّسَارِ وَهُمْ مِجَنِي وَهُمْ وَرَدُوا الْجِفَارِ عَلَى تَمِيمٍ ... وَهُمْ أَصْحَابُ يَوْمِ عُكَاظٍ إِنِّي شَهِدْتُ لَهُمْ مَوَاطِنَ صَادِقَاتٍ ... أَتَيْتُهُمُ بِوِدِّ الصَّدْرِ مَنِّي ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقَالَ: هَذِهِ الْمُدْرَةُ الْخَبِيثَةُ يَجْلِسُونَ عَلَى الْكَرَاسِي، ثُمَّ يَقُولُونَ: مَا الْهَبْرُ مَا الْهَبْرُ. وَاللَّهِ لَئِنْ تَحَرَّكَ فِيهَا مُتَحَرِّكٌ لأَتْرُكَنَّهَا كَأَمْسِ الدَّابِرِ، فَلَمْ يَزَلْ يَفْتَنَّ مَرَّةً فِي أَهْلِ الشَّامِ، وَمَرَّةً فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ حَتَّى لا يُرَى مِنَ الشَّمْسِ إِلا حُمْرةً عَلَى شُرَفِ الْمَسْجِدِ. ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَذَّنَ، فَصَلَّى بِنَا الْجُمُعَةَ، ثُمَّ أَذَّنَ فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ فَجَمَعَ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ يَوْمَئِذٍ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَمَّا مَاتَ الْحَجَّاجُ، قَالَ الْحَسَنُ: " اللَّهُمَّ أَنْتَ أَمَتَّهُ، فَاقْطَعْ عَنَّا سُنَّتَهُ فَإِنَّهُ أَتَانَا أُخَيْفِشَ أُعَيْمِشَ، يَمُدُّ بِيَدٍ قَصِيرَةِ الْبَنَانِ، وَاللَّهِ مَا عَرِقَ فِيهِ عَنَانٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يُرَجِّلُ جُمَّتَهُ، وَيَخْطُو فِي مَشْيَتِهِ، وَيَصْعَدُ الْمِنْبَرَ فَيَهْذَرُ حَتَّى تَفُوتَهُ الصَّلاةُ. لا مِنَ اللَّهِ يَتَّقِي، وَلا مِنَ النَّاسِ يَسْتَحِي، فَوْقَهُ اللَّهُ، وَتَحْتَهُ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ. أَلا يَقُولُ لَهُ قَائِلٌ: الصَّلاةُ أَيُّهَا الرَّجُلُ، ثُمَّ يَقُولُ الْحَسَنُ: هَيْهَاتَ، وَاللَّهِ حَالَ دُونَ ذَلِكَ السَّيْفُ وَالسَّوْطُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَخَطَبَ الْحَجَّاجُ ذَاتَ يَوْمٍ بِالْكُوفَةِ، فَقَالَ: " يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، أَتَيْتُكُمْ وَأَنَا أَرْقُلُ فِي لِمَّتِي، فَمَا زَالَ شِقَاقُكُمْ حَتَّى انْحَصَّ شَعْرِي، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ رَأْسٍ لَهُ أَقْرَعٍ، ثُمَّ أَنْشَأَ، يَقُولُ: مَنْ يَكُ ذَا لِمَّةٍ يُكَفِّفُهَا ... فَإِنَّنِي غَيْرُ ضَائِرِي زَعِرِي لا يَمْنَعُ الْمَرْءَ أَنْ يَسُودَ وَأَنْ ... يَضْرِبَ بِالسَّيْفِ قِلَّةُ الشَّعْرِ

стр. 31

حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ الْوَاثِقِ بَالصَالِحِيَّةِ، فَقُلْتُ: أَصْلَحَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَضَرَنِي بَيْتَانِ، فَقَالَ: أَنْشِدْهُمَا: فَأَنْشَدْتُهُ: طَرِبْتَ إِلَى الأَصْيَبِيَّةِ الصِّغَارِ ... وَشَاقَكَ مِنْهُمْ قُرْبَ الْمَزَارِ وَكَلُّ مُسَافِرٍ يَزْدَادُ شَوقًا ... إِذَا دَنَتِ الدِّيَارُ مِنَ الدِّيَارِ وَأَنْشَدَنِي فِي الْوَاثِقِ: أَشْكُو إِلَى اللَّهِ بُعْدِي عَنْ خَلِيفَتِهِ ... وَمَا أُعَالَجُ مِنْ سُقْمٍ وَمِنْ كِبَرِ لا أَسْتَطِيعُ رَحِيلا إِنْ هَمَمْتُ بِهِ ... يَوْمًا إِلَيْهِ وَلا أَقْوَى عَلَى السَّفَرِ أَنْوِي الرَّحِيلَ إِلَيْهِ ثُمَّ يَمْنَعُنِي ... مَا أَحْدَثَ الدَّهْرُ وَالأَيَّامُ فِي بَصَرِي حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: " مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الأَهْتَمِ، فَأَتَاهُ رَجُلانِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ يَعُوِدَانِهِ، فَلَمَّا أَنْ دَخَلا عَلَيْهِ، قَالا: كَيْفَ تَجِدُكَ يَا أَبَا مَعْمَرٍ؟ قَالَ: أَخَذَنِي وَاللَّهِ وَجَعٌ، وَمَا أَظُنُّنِي، إِلا لِمَا بِي. وَلَكِنْ مَا تَقُولانِ فِي مِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فِي الصُّنْدُوقِ لَمْ تُؤَدَّ مِنْهَا زَكَاةٌ، وَلَمْ تُوصَلْ رَحِمٌ؟ فَقَالا لَهُ: ثَكَلَتْكَ أُمُّكَ، لِمَنْ كُنْتَ تَجْمَعُهَا؟ قَالَ: كُنْتُ وَاللَّهِ أَجْمَعُهَا لِرَوْعَةِ الزَّمَانِ، وَجَفْوَةِ السُّلْطَانِ، وَمُكَابَرَةِ الْعَشِيرَةِ. فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ فَأَتَيَا الْحَسَنَ بْنَ أَبِيِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، فَأَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: الْبَائِسُ إِنَّمَا أَتَاهُ شَيْطَانُهُ فَذَكَّرَهُ، رَوْعَةَ زَمَانِهِ، وَجَفْوَةَ سُلْطَانِهِ، فَخَرَجَ وَاللَّهِ مِنْ مَالِهِ جَرِيبًا سَلِيبًا ذَمِيمًا مَلُومًا، فَلَمَّا أَنْ مَاتَ دَعَا ابْنَهُ فَمَسَحَ يَدُهُ عَلَى رَأَسِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِيهًا عَنْكَ أَيُّهَا الْوَارِثُ لا تُخْدَعْ كَمَا خُدِعَ صُوَيْحِبُكَ أَمَامَكَ، فَقَدْ أَتَاكَ هَذَا الْمَالُ حَلالا، فِإِيَّاكَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ وَبَالا، أَتَاكَ مِمَّنْ كَانَ لَهُ جَمُوعًا مَنُوعًا، يَدْأَبُ فِيهِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَيَقْطَعُ فِيهِ لُجَجَ الْبِحَارِ وَالْمَفَاوِزِ وَالْقِفَارِ، وَمِنْ بَاطِلٍ جَمَعَهُ وَمِنْ حَقٍّ مَنَعَهُ، جَمَعَهُ فَأَوْعَاهُ، وَشَدَّهُ فَأَوْكَاهُ لَمْ يُؤَدِّ مِنْهُ زَكَاةٍ، وَلَمْ يَصِلْ مِنْهُ رَحِمًا، إِنَّ أَعْظَمَ الْحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقَيَامَةِ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ مَالَهُ فِي مِيزَانِ غَيْرِهِ، فَيَا لَهَا حَسْرَةٌ لا تُقَالُ، وَتَوْبَةٌ لا تُنَالُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: " كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ إِلَى صَدِيقٍ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ بَدَأْتَنِي بِلُطْفٍ مِنْ غَيْرِ خُبْرَةٍ، ثُمَّ أَعْقَبْتَنِي جَفَاءً مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ، فَأَطْمَعَنِي أَوَّلُكَ فِي إِخَائِكَ، وَأَيَأَسَنِي آخِرُكَ فِي وَفَائِكَ، فَلا أَنَا فِي غَيْرِ الرَّجَاءِ مُزْمِعٌ لَكَ اطِّرَاحًا، وَلا فِي غَدٍ وَانْتِظَارِهِ مِنْكَ عَلَى ثِقَةٍ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَوْ يَشَاءُ كَشَفَ بِإِيضَاحِ الرَّأْيِ عَنْ عَزِيمَةِ الشَّكِّ فِيكَ، فَأَقَمْنَا عَلَى ائْتِلافٍ، وَافْتَرَقْنَا عَلَى اخْتِلافٍ

стр. 32

٤٦ - حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: «مَنْ تَعَرَّضَ لِلْتُهْمَةِ فَلا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ، وَمَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَ الْخِيَارُ إِلَيْهِ، وَمَنَ أَفْشَاهُ كَانَ الْخِيَارُ عَلَيْهِ، وَضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ فِيهِ مَا يَغْلِبُكَ، وَلا تَظُنُّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءًا وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا مِنَ الْخَيْرِ مَحْمَلا، وَكُنْ فِي اكْتِسَابِ الإِخْوَانِ عَلَى التَّقْوَى، وَشَاوِرْ فِي أَمْرِكَ الَّذِينَ يَخَافُونَ اللَّهَ» حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ مَا سَبَقَهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى الدُّنْيَا الْفَنَاءَ، وَعَلَى الآخِرَةِ الْبَقَاءَ، فَلا فَنَاءَ لِمَا كُتِبَ عَلَيْهِ الْبَقَاءُ، وَلا بَقَاءَ لِمَا كُتِبَ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ، فَلا يَغُرَّنَّكُمْ شَاهِدُ الدُّنْيَا عَنْ غَائِبِ الآخِرَةِ، وَاقْهَرَوا طُولَ الأَمَلِ بِقِصَرِ الأَجَلِ حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ طَرِيفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لا تَهْتِكُوا سِتْرًا فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرِائِيلَ، وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ تَقُولُ: هَتَكَ اللَّهُ سِتْرَ امْرَأَةٍ تَخُونُ زَوْجَهَا بِالْغَيْبِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا يَوْمًا سَمَكَةً، ثُمَّ قَامَتْ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَتْ: هَتَكَ اللَّهُ سِتْرَ امْرَأَةٍ تَخُونُ زَوْجَهَا بِالْغَيْبِ، فَقَهْقَهَتِ السَّمَكَةُ وَاضْطَرَبَتْ حَتَّى سَقَطَتْ مِنَ الْخِوَانِ فَأَعَادَهَا فِي الْقَصْعَةِ، ثُمَّ قَالَ: لَهَا أَعِيدِي كَلامَكَ فَأَعَادَتْ، فَقَهْقَهَتِ السَّمَكَةُ حَتَّى سَقَطَتْ مِنَ الْقَصْعَةِ، فَعَلَتْ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ تُقَهْقِهُ السَّمَكَةُ وَتَضْطَرِبُ حَتَّى تَسْقُطَ مِنَ الْخِوَانِ، فَأَتَى عَالِمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: انْطَلِقْ فَاذْكُرْ رَبَّكَ، وَكُلْ طَعَامَكَ، وَاخْسَأِ الشَّيْطَانَ عَنْكَ. فَقَالَ لَهُ أَخِفَّاءُ النَّاسِ: انْطَلقْ إِلَى ابْنِهِ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ، فَانْطَلَقَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِكُلِّ مَنْ فِي دَارِكَ مِمَّنْ لَمْ تَرَ عَوْرَتَهُ. فَأَتَاهُ بِهِمْ، فَنَظَرَ فِي وُجُوهِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: اكْشِفْ عَنْ هَذِهِ الْحَبَشِيَّةِ، قَالَ: فَكَشَفَ عَنْهَا فَإِذَا مَعَهَا ذِرَاعَ الْبِكْرِ، فَقَالَ: مِنْ هَذَا أَتَيْتُ، فَمَاتَ أَبُو الْفَتَى الْعَالِمِ، وَهُتِكَ بِهَتْكِهِ ذَلِكَ السِّتْرَ، وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَأَتَاهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا: وَيْحَكَ أَنْتَ كُنْتَ أَعْلَمُنَا وَأَمَلَنَا. فَلَمَّا كَثِرَوا عَلَيْهِ هَرَبَ مِنْهُمْ إِلَى أَقْصَى مَوْضِعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مَوْضِعٌ يُقَالُ لَهُ: الرُّبَّةُ، وَهِيَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، فَأُتِيحَ لَهُ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ تَسْتَفْتِيهِ. فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَكِ أَنْ تُمَكِّنِينِي مِنْ نَفْسِكِ، وَأَهَبَ لَكِ مَائَتَيْ دِينَارٍ؟ قَالَتْ: وَخَيرٌ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَجِيءَ إِلَى أَهْلِي فَتَزَوَّجْنِي، وَأَكُونَ لَكَ حَلالا أَبَدًا. قَالَ: فَأَيْنَ مَنْزِلُكِ؟ فَوَصَفَتْهُ لَهُ، فَطَالَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ اللَّيْلَةُ، فَمَضَى فَإِذَا هُوَ بِكَلْبَةٍ تَنْبَحُ فِي بَطْنِهَا جِرَاؤُهَا، فَقَالَ: مَا أَعْجَبَ هَذَا! قِيلَ لَهُ: امْضِ، لا تَكُونَنَّ مُكَلَّفًا، فَسَوْفَ يَأْتِيكَ خَبَرُ هَذَا.

стр. 33

فَمَضَى فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ يَحْمِلُ حِجَارَةً، كُلَّمَا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ، وَسَقَطَتْ مِنْهُ زَادَ عَلَيْهَا. فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ لا تَسْتَطِيعُ تَحَمُّلَ هَذَا، تَزِيدُ عَلَيْهِ! قِيلَ لَهُ: امْضِ، لا تَكُونَنَّ مُكَلَّفًا، فَسَوْفَ يَأْتِيَكَ خَبَرُ هَذَا، فَمَضَى، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ يَسْتَقِي مِنْ بِئْرٍ، وَيَصُبُّهُ فِي حَوْضٍ، إِلَى جَانِبِ الْبِئْرِ، وَفِي الْحَوْضِ نَقْبٌ، فَالْمَاءُ يَرْجِعُ فِي الْبِئْرِ، قَالَ لَهُ: لَوْ سَدَدْتَ الْجُحْرَ اسْتَمْسَكَ لَكَ الْمَاءُ. قِيلَ لَهُ: امْضِ، لا تَكُونَنَّ مُكَلَّفًا، فَسَوْفَ يَأْتِيكَ خَبَرُ هَذَا. فَمَضَى فَإِذَا هُوَ بِظَبْيَةٍ، وَرَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَيْهَا، وَآخرُ يَحْلِبُهَا، وَآخَرُ يُمْسِكُ بِقَرْنَيْهَا، وَآخَرُ يُمْسِكُ بِذَنَبِهَا، وَآخَرُونَ يُمْسِكُونَ بِقَوَائِمِهَا، قَالَ: مَا أَعْجَبَ هَذَا! قِيلَ لَهُ: امْضِ، لا تَكُونَنَّ مُكَلَّفًا، فَسَوْفَ يَأْتِيكَ خَبَرُ هَذَا، فَمَضَى، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ يَبْذُرُ بِذَارًا، فَلا يَقَعُ فِي الأَرِضِ حَتَّى يَنْبُتَ. . .، قَالَ: ثُمَّ مَضَى فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مَعَهُ مِنْجَلٌ يَحْصِدُ مَا بَلَغَ وَمَا لَمْ يَبْلُغْ، قَالَ لَهُ: لَوْ حَصَدْتَ مَا قَدْ بَلَغَ وَتَرَكْتَ مَا لَمْ يَبْلُغْ، قَالَ لَهُ: امْضِ، لا تَكُونَنَّ مُكَلَّفًا، فَسَوْفَ يَأْتِيكَ خَبَرُ هَذَا، فَمَضَى فَإِذَا هُوَ بِالْقَصْرِ الَّذِي وَعَدْتُهُ، وَإِذَا دُونُهِ نَهْرٌ، وَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرٍ، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى هَذَا الْقَصْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ فِي لَيْلَتِي أَعَاجِيبَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ كَلْبَةً تَنْبَحُ فِي بِطْنِهَا جِرَاؤُهَا. قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَثِبُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْوَضِيعُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالسَّفِيهُ عَلَى الْحَلِيمِ. قَالَ: فَإِنِّي مَرَرْتُ بِرَجُلٍ يَحْمِلُ حِجَارةً، فَإِذَا لَمْ يُطِقْهَا وَسَقَطَتْ مِنْهُ زَادَ عَلَيْهَا. قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ الأَمَانَةُ فَلا يَقْدِرُ يُؤَدِّيهَا، فَيُزيِدَ عَلَيْهَا. قَالَ: فَإِنِّي مَرَرْتُ بِرَجُلٍ يَسْتَقِي مِنْ بِئْرٍ، وَيَصُبُّهُ فِي حَوْضٍ إِلَى جَنْبِ الْبِئْرِ، وَفِي الْحَوْضِ جُحْرٌ، فَالْمَاءُ يَرْجِعُ إِلَى الْبِئْرِ. قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ لا يَتَزَوَّجُهَا لِدِينٍ، وَلا حَسَبٍ، وَلا جَمَالٍ، إِنَّمَا يُرِيدُ مَالَهَا، وَتَكُونُ مِمَّنْ لا تَلِدُ، فَيَكُونُ كُلُّ شِيءٍ مِنْهَا يَرْجِعُ فِيهَا. قَالَ: فَإِنِي مَرَرْتُ بِظَبْيَةٍ، فَقَصَّ قِصَّتَهَا. فَقَالَ: أَمَّا الظَّبْيَةُ، فَالدُّنْيَا، وَأَمَّا الرَّاكِبُ عَلَيْهَا، فَالْمَلِكُ، وَأَمَّا الَّذِي يَحْلِبُهَا فَمِنْ أَطْيَبِ النَّاسِ عَيْشًا، وَأَمَّا الَّذِي يُمْسِكَ بِقَرْنِهَا فَمِنْ أَبْأَسِ النِّاسِ عَيْشًا، وَأَمَّا الَّذِي يُمْسِكُ بِذَنَبِهَا، فَالَّذِي لا يَأْتِيهِ رِزْقُهُ إِلا قُوتًا، وَالَّذِينَ يُمْسِكُونَ بِقَوَائِمِهِا فَسَفَلَةُ النَّاسِ. قَالَ: فَإِنِّي مَرَرْتُ بِرَجُلٍ يَبْذُرُ بِذَارًا فَلا يَقَعُ فِي الأَرْضِ حَتَّى يَنْبُتَ. قَالَ: يَأَتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يَدْرِي مَتَى يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ، وَمَتَى يُولَدُ الْمَوْلُودُ، وَمَتَى يَبْلُغُ. قَالَ: فَإِنِّي مَرَرَتُ بِرَجُلٍ يَحْصِدُ مَا قَدْ بَلَغَ وَمَا لَمْ يَبْلُغْ. قَالَ: ذَلِكَ مَلَكُ الْمَوْتِ يَحْصِدُ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ، وَأَنَا هُوَ، بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَيْكَ لأَقْبِضَ رَوْحَكَ عَلَى أَسْوَأِ أَحْوَالِكَ

стр. 34

٤٩ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ، رَجُلٍ مِنْ قَيْسِ عِيلانَ، أَنَّ رَجُلا اسْتَقْرَضَ مِنِ ابْنِهِ مَالا فَحَبَسَهُ، فَأَطَالَ حَبْسَهُ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ الابْنُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، فَقَالَ: هَذَا وَالِدِي حَقًّا ... وَمَا كُنْتُ بِهِ عَقًّا بَذَلْتُ الْمَالَ فِي رِفْقٍ ... وَمَا كُنْتُ بِهِ نَزْقًا فَلَمَّا خَفَّ مِنْ مَالِي ... وَقَدْ وَلَّيْتُهُ رِفْقًا تَوَلَّى مُعْرِضًا عَنِّي ... وَلَمْ يُعْطِنِي حَقًّا فَقَالَ عَلِيٌّ ﵇ لِلْشَيْخِ: «قَدْ قَالَ ابْنُكَ فَمَاذَا تَقُولُ» ؟ قَالَ: قَالَ بُنَيَّ مَا تَرَى فَصَدِّقَهْ رَبَّيْتُهُ فِي صِغَرٍ أُفَيِّقَهْ طَوْرًا أُفَدِّيهِ وُطَوْرًا أُوَنِّقَهْ حَتَّى إِذَا شَبَّ وَسَوَّى مَفْرِقَهْ أَقْرَضَنِي مَالا لَهُ لأُنْفِقَهْ وَلَمْ أَكُنْ بِمَالِهِ لأَسْبِقَهْ لَولا الصِّبَا مِنَّا وَلَولا رَهَّقَهْ لَمْ يَخْشَنِي بِمَالِهِ أَنْ أَسْبِقَهْ فَاقْضِ الْقَضَا وَاللَّهُ رَبِّي يَرْزُقَهْ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ﵇: قَدْ سَمِعَ الْقَاضِي وَمَنْ رَبِّي فَهِمْ الْمَالُ لِلْشَيْخِ جَزَاءً بِالنِّعَمْ وَقَدْ تَسَلَّفْتُ بِتَفْضِيلِ الْقِدَمْ يَأْكُلُهُ بِرُغْمِ أَنْفِ مَنْ رَغِمْ مَنْ قَالَ قَوْلا غَيْرَ ذَا فَقَدْ ظَلَمْ وَجَارَ فِي الْحُكْمِ وَبِئْسَ مَا صَرَمْ " حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ الْجُمَحِيُّ، قَالَ: شَتَمَ رَجُلٌ مِنْ بَاهِلَةَ رَجُلا مِنْ تَمِيمٍ، فَقَالَ: التَّمِيمِيُّ: يَالَ تَمِيمٍ دَعْوَةً غَيْرَ أَمَمْ مِنْ بَاهِلِيٍّ سَبَّنِي ثَمَّتَ لَمْ يُقْتَلْ وَلَمْ يُحْصَرْ وَلَمْ يُخَضَّبْ بِدَمْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَإِلَى هَذَا تَذْهَبُ ٥١ - حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ لِي مَالا، وَلِي عِيَالٌ، وَلأَبِي مَالٌ، وَيُرِيدُ أَبِي أَنْ يَأْخُذَ مَالِي. فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ : «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» ٥٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ: " إِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ اسْتَعْمَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيَّ عَلَى الصَّائِفَةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا تَصْنَعُ بِعَهْدِي يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: أَتَّخِذَهُ إِمَامًا وَلا أَعْصِيهِ. قَالَ: ارْدُدْ عَلَيَّ عَهْدِي. قَالَ: تَعْزِلُنِي بَعْدَ أَنِ اسْتَعْمَلْتَنِي عَنْ غَيْرِ حَدَثٍ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ إِنَّا بِمَكَّةَ عَلَى السَّوَاءِ لانْتَصَفْتُ مِنْكَ. قَالَ: وَيْحَكَ لَوْ كُنَّا بِمَكَّةَ عَلَى السَّوَاءِ لَكُنْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَلَكُنْتَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَلَكَانَ مَنْزِلِي بِالأَبْطَحِ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْوَادِي، وَكَانَ مَنْزِلُكَ أَجْيَادًا أَسْفَلَهُ عَذِرَةٌ وَأَعْلاهُ مَدَرَةٌ. ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ: عَلَيَّ بِسُفْيَانَ بْنِ عَوْفٍ الْغَامِدِيِّ، فَكَتَبَ لَهُ عَهْدَهُ ثُمَّ قَالَ: يَا سُفْيَانُ مَا تَصْنَعُ بِعَهْدِي؟ قَالَ: أَتَّخِذُهُ إِمَامًا مَا أَمَّ الْحَرَمَ، فَإِذَا خَالَفَهُ خَالَفْتُهُ.

стр. 35

قَالَ مُعَاوِيَةَ: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي لا يُكَفْكَفُ عَنْ عَجَلَةٍ، وَلا يُدْفَعُ فِي ظَهْرِهِ مِنْ بُطَاءٍ، وَلا يُضْرَبُ عَلَى الأُمُورِ ضَرْبَ الْجَمَلِ الثّفَالِ، سِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ. فَسَارَ فَهَلَكَ بِأَرْضِ الرُّومِ. وَاسَتَعْمَلَ عَلَى النَّاسِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ الْفَزَارِيَّ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ ظَفْرًا عَظِيمًا وَغَنْمًا كَبِيرًا أَنْ يُرَجِعَ بِالْمُسِلِمِينَ لَمْ يُنْكَبُّوا وَكَانَتْ أَوَّلُ وَلايَةٍ وَلِيَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ. فَأَقْدَمَ بِالْمُسْلِمِينَ فَنُكِبُوا، فَقَالَ الشَّاعِرُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَقِمْ يَا ابْنَ مَسْعَودٍ قَنَاةً قَوِيمَةً ... كَمَا كَانَ سُفْيَانُ بْنُ عَوْفٍ يُقِيمُهَا وَسِمْ يَا ابْنَ مَسْعُودٍ مَدَائِنَ قَيْصَرٍ ... كَمَا كَانَ سُفْيَانُ بْنُ عَوْفٍ يَسُومُهَا فَلَمَّا دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ، قَالَ: أَقِمْ يَا ابْنَ مَسْعُودٍ قَنَاةً قَوِيمَةً فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الشَّاعِرَ ضَمَّنِي إِلَى رَجُلٍ لا تُضَمُّ إِلَيْهِ الرِّجَالُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَاللَّهِ إِنَّ مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدِي مَعْرِفَتَكَ بِفَضْلِكَ " حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عِيسَى بْنِ مُوسَى، قَالَ: " أَرْسَلَ إِلَيَّ الْمَنْصُورُ وَنَحْنُ فِي طُرِقِ مَكَّةَ عَشِيَّةً مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُهُ وَالنَّاسُ يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَلْفَهِ، فَسَايَرْتُهُ سَاعَةً، وَحَادَثْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَذْكُرُ أُنَيْسَةَ بِنْتِ زِيَادٍ وَنُزُولُنَا بِهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَذْكُرُ يَوْمَ عَشَّتْنَا بِلَبَنٍ، فَقُلْتُ لَهَا: تُعَشِّينَا بِلَبَنٍ وَقَدْ ذَبَحْتِ الْيَوْمَ شَاةً؟ فَقَالَتْ: أَتَأْكُلُونَ اللَّحْمَ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ! قُلْتُ: نَعَمْ، أَذْكُرُ مَا تَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: فِإِنِّي ذَكَرْتُهَا وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى حَالِي، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْكَ لَتَحْمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَتَشَكُرَهُ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ. قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَحْمِدُهُ وَنَدْعُوهُ عَشِيَّتَنَا حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْمَدَائِنِيِّ، قَالَ: " عُرِضَتْ لِي إِلَى سَلَمِ بْنِ قُتَيْبَةَ حَاجَةٌ، وَهُو وَالِي الْبِصْرَةِ، فَلَقِيتُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَسَأَلْتُهُ الْقِيَامَ بَهَا فَضَمِنَهَا، وَمَكَثْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى بَابِ سَلَمٍ أَيَّامًا، وَالرَّجُلُ يُمْطِلُنِي وَيَذْكُرُ أَنَّ الْكَلامَ فِي حَاجَتِي لَمْ يُمْكِنْهُ بَعْدُ، فَبَيْنَا أَنَا فِي الْبَابِ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ خَرَجَ سَلْمٌ رَاكِبًا، فَوَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَيَّ، وَقَدْ كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ فَدَعَانِي، فَقَالَ: أَتُطَالِبُ قَبْلَنَا شَيْئًا يَا أَبَا عَمْرٍو؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، حَاجَةٌ حَمَّلْتُهَا فُلانًا مُنْذُ أَيَّامٍ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ لأَظُنُّ يَا أَبَا عَمْرٍو أَنَّكَ أَحْزَمُ مِمَّا أَرَى، إِذَا كَانَتْ لَكَ إِلَى رَجُلٍ حَاجَةٌ فَلا تُحَمِّلْنَهَا مَنْ لَهُ طُعْمَةٌ، فَإِنَّهُ لَنْ يُؤْثِرَكَ عَلَى طُعْمَتِهِ، وَلا تُحمِّلَنَّهَا كَذَّابًا، فَإِنَّ الْكَذَّابَ يُقَرِّبُ لَكَ الْبَعِيدَ، وَيُبَعِّدُ لَكَ الْقَرِيبَ، وَلا تُحَمِّلْنَهَا أَحْمَقَ فَإِنَّهُ يُجْهِدُ لَكَ نَفْسَهُ، ثُمَّ لا يَصْنَعُ شَيْئًا. ثُمَّ أَمَرَ بِقَضَاءِ حَاجَتِي

стр. 36

٥٥ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنْ أَبِيهِ عُبَيْدَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: خَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ فِي غَزْوَةِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ جُرْجِيرَ مَلِكِ الْغَرْبِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الرُّومِ نَصْرَانِيٌّ، وَكَانَ يُذْكَرُ بِعَقْلٍ، قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ: لَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ مَنْ يُكَلِّمُهُ، فَبَعَثَنِي وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا أَسَنُّ الْقَوْمِ، فَلَمَّا جِئْنَا وُضِعَتْ لَنَا وَسَائِدُ وَإِذَا الصُّلْبُ حَوْلَهَا، فَجَاءَ الْقَوْمُ وَلَيْسَ هُنَاكَ جُرْجِيرُ، فَجَلَسُوا دُونَ الصُّلْبِ، وَأَبَوْا أَنْ يَجْلِسُوا وَهِيَ حَوْلَهُمْ، فَجِئْتُ وَجَلَسْتُ عَلَى تِلْكَ الْوَسَائِدِ وَالصُّلْبُ حَوْلِي، وَجُرْجِيرُ يَنْظُرُ إِلَيْنَا مِنْ مَنْظَرٍ لا نَرَاهُ، فَمَكَثْنَا سَاعَةً، ثُمَّ أُذِنَ لَنَا جَمَاعَةً، فَعَجِلَوا يُزَاحِمُونَنِي عَلَى الْمَدَخِلِ فَتَأَخَرْتُ عَنْهُمْ، حَتَّى كُنْتُ وَرَاءَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ وَدَخَلْنَا، وَلِي جَمَالٌ لَيْسَ لَهُمْ، نَظَرَ إِلَيَّ فَرَمَانِيٍّ بِطَرْفِهِ فَلَمْ يَبْرَحْ يَتَطرَّحُ بِنَظَرِهِ إِلَيَّ حِينَ جَلَسْتُ دُونَهُمْ، وَهُمْ أَقْرَبُ إِلَيْهِ، فَرَأَوْا نَظَرَهُ، فَرَابَهُمْ بِذَلِكَ فِي أَمْرِهِ، فَانْتَحَى ابْنُ الزُّبَيْرِ فَبَدَأَ بِالْكَلامِ، وَالتَّرْجُمَانُ وَجُرْجِيرُ يَفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ يَنْظُرُ إِلَيَّ وَيَرْمُقُنِي، فَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ تَكَلَّمَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ فَقَالَ: أَأَتَكَلَّمُ؟ فَقُلْتُ: تَكَلَّمْ مَا بَدَا لَكَ. فَتَكَلَّمَ ثُمَّ أَقْبِلَ عَلَيَّ التَّرْجُمَانُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ أَنْتَ يَا عَرَبَيُّ؟ قُلْتُ: مَا أَقُولُ إِلا مَا قَالُوا، فَلْيُجِبْ صَاحِبُكَ مَا بَدَا لَهُ، وَقَدْ دَعُوهُ. فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي أَرَاهُ أَسَنَّكُمْ وَأَجْمَلَكُمْ، وَأَرَاكُمْ تُقَدِّمُونَهُ، أَمَوْلاكُمْ هُوَ؟ قَالُوا: لا وَاللَّهِ بَلْ هُوَ مِنَّا مِنْ أَنْفُسِنَا. قَالَ: فَضَعِيفٌ هُوَ فَلا تَثِقُونَ بِعَقْلِهِ؟ فَلِمَ أَرْسَلْهُ مَلِكُكُمْ؟ قَالُوا: لا وَاللَّهِ بَلْ هُوَ عَاقِلٌ. قَالَ: فَمَا أَنْتُمْ بِحُلَمَاءٍ، هُوَ أَحَدُكُمْ، وَلَهُ عَقْلٌ مِثْلُ عُقُولِكُمْ، وَهُوَ أَجْمَلُكُمْ وَأَسَنُّكُمْ، وَمَلِكُكُمُ الَّذِي أَرْسَلَكُمْ أَضْعَفُ مِنْكُمْ. وَهُوَ يَعْرِفُ هَذَا مِنْكُمْ. فَسَكَتُوا، فَقُلْتُ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لِصِاحِبِكَ أَجِبْنَا بِمَا تُرِيدُ فَنَحْنُ أَعْلَمُ بَأَمْرِنَا، وَبِمَا نَصْنَعُ بَيْنَنَا. قَالَ: يَقُولُ الْمَلِكُ: حِلْمُكَ هَذَا يَزِيدُنِي بَصِيرَةً فِي حُمْقِ أَصْحَابِكَ. فَرَطَنَ الْمَلِكُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا التَّرْجُمَانُ، فَقَالَ: الْمَلِكُ يَقُولُ مَا يَمْنَعُنِي مِنْ جَوَابِكُمْ إِلا أَنَّا لا نَضَعُ جَوَابَنَا إِلا فِي مَوْضِعِهِ، أَخْبِرُونِي: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ بِالْمَلِكِ الأَكْبَرِ؟ قَالُوا: هَذَا، لِمَرْوَانَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالُوا: هَذَا، لابْنِ الزُّبَيْرِ. قَالَ: فَأَيُّكُمْ أَقْرَبُ بِنَبِيِّكُمْ وَأَسَنُّكُمْ وَأَجْمَلُكُمْ؟ قَالُوا: هَذَا.

стр. 37

قَالَ: يَقُولُ الْمَلِكُ: هُوَ أَقْرَبُكُمْ بِنَبِيِّكُمْ وَأَسَنُّكُمْ وَأَجْمَلُكُمْ، وَجَلَسْتُمْ فَوْقَهُ، وَتَقَدَّمْتُمْ قَبْلَهُ! لا تَلْبِثُونَ إِلا قَلِيلا حَتَّى يَتَفَرَّقَ أَمْرَكُمْ، لا أُرَاجِعُكُمْ بِشَيْءٍ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إِلَيَّ وَيَتَكَلَّمَ وَتَتَكَلَّمُونَ بَعْدَهُ. فَقَالَ لِي الْقَوْمُ: تَقَدَّمْ يَا أَبَا الْعَبَّاسِ، وَتَكَلَّمْ حَتَّى نَنْظُرَ مَا يَرْجِعُ إِلَيْنَا وَيَقُولُ لَنَا. فَقُلْتُ لِلتَّرْجُمَانِ: أَجِبْ صَاحِبَكَ إِنِّي لا أَقُومُ مِنْ مَجْلِسِي، وَلا أُعِيهِ كَلامِي، وَلا أَبْتَدِي أَصْحَابِي. قَالَ: فَلا أُكَلِّمُكُمْ كَلِمَةً. قَدْ قُلْتُ: لا أَفْعَلُ. فَهَلْ أَنْتَ يَا رَجُلُ مُعْتَزِلِيَّ حَتَّى أَلْقَاكُمْ، فَإِنِّي لا أُحِبُ أُصِيبُكَ. قَالَ: قُلْتُ: مَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَعْتَزِلَكَ. قَالَ: أَتَتَقَبَّلُ كَرَامَتِي مِنْ بَيْنِهِمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا، إِلا أَنْ تُكْرِمَهُمْ مِثْلِي. قَالَ: هَلْ أَحَدٌ أَقْرَبُ بِنَبِيِّكَ مِنْكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ وَقَالَ: مَنْ؟ قُلْتُ: أَبِي. قَالَ: وَحَيٌّ هُوَ أَبُوكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: مَا هُوَ مِنْ نَبِيِّكُمْ؟ قَالَ: عَمُّهُ. فَفَسَّرَ لَهُ التَّرْجُمَانُ كَيْفَ الْعَمُّ ومَنِ ابْنُهُ. قَالَ: فَمَا شَأْنُ الْمَلِكِ غَيْرِهِ؟ قُلْتُ: كَانَ هَذَا الْمَلِكُ وَاللَّذَانِ قَبْلَهُ خَرَجُوا مَعَ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، حِينَ خَرَجَ مِنْ أَرْضِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ أَبِي، وَنَحْنُ نَرَى لِذَلِكَ فَضْلا، وَتَقدَّمَ مَنْ كَانَ ذَلِكَ. قَالَ: بِئْسَمَا صَنَعْتُمْ، وَلا يَصْلُحُ أَمْرَكُمْ أَبَدًا، حَتَّى يَخْرُجَ إِلَيَّ أَهْلُ بَيْتِ النَّبيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، قُومُوا وَلا أُرَاجِعُكُمْ بِكَلَمَةٍ مِمَّا تُرِيدُونَ إِلا أَنْ تُخْبِرَنِي مَا شَأنُكَ، جَلَسْتَ بَيْنَ الصُّلْبِ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِكَ وَأَنْتَ عَدُوٌ لَهَا، وَاجْتَنَبَهَا أَصْحَابُكَ؟ قُلْتُ: لَمْ يُسِيئُوا بِمَا صَنَعُوا، وَلَمْ أُسِئْ أَيْضًا، أَمَّا هُمْ فَتَأَذَّوْا بِهَا، وَأَمَّا أَنَا فَعَلِمْتُ مَجْلِسِي لا يَضُرُّ دِينِي، وَلَسْتُ مِنَهَا، وَلَيْسَتْ مِنِّي. قَالَ: مَا يَنْبَغِي إِلا أَنْ تَكُونَ حَبْرَ الْعَرَبِ. فَسُمِّيَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْحَبْرَ " حَدَّثَنِي مُبَارَكٌ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُسَيِّبَ بْنَ زُهَيْرٍ، يَقُولُ: " خَرَجْنَا مَعَ الْمَنْصُورِ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا، فَلَمَّا صَارَ إِلَى بَعْضِ الْمَنَازِلِ قَالَ: يَا مُسَيِّبُ إِنِّي وَاللَّهِ أَعْلَمُ أَنِّي آتِي إِلَى مَصْرَعِي. قُلْتُ: فَلَوْ أَقَمْتَ. قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: أَعْلَمُ بِاللَّهِ، وَأَثِقُ بِرَحْمَتِهِ، وَبِمَا يَرْجُو مِنْهَا مِنْ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ جُرْمِهِ وَأَمْنِهِ مَا يَتَخَوَّفُ مِنْ قَدْرِهِ، وَلَكِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ بِمَا رَضِيَ اللَّهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُصِيبُهُ إِلا مَا كُتِبَ لَهُ، وَأَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ وَفِي قَبْضَتِهِ، فَإِنْ كَانَ كَتَبَ عَلَيَّ مَوْتًا، فَإِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَرُضْوَانِهِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنِّي مَيِّتٌ وَمَبْعُوثٌ، وَصَائِرٌ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. وَرَاجٍ رَحْمَتَهُ، وَأَثِقُ بِعَفْوِهِ.

стр. 38

فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَبِمَاذَا عَرَفْتَ أَنَّكَ تَأْتِي مَصْرَعَكَ؟ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي أَنَّ رَجُلا أَتَانِي، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِالشَّامِ فِي أَيَّامِ وَبَاءٍ بِهِا، وَقَدْ أَصَابَنِي، وَقَدْ تَخَوَّفْتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَ لِي: إِنَّكَ لا تَمُوتُ فِي مَرَضِكَ هَذَا، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ أُرِيَكَ التُّرْبَةَ الَّتِي تُدْفَنُ فِيهَا. فَقُلْتُ: أَرِنِيهَا. فَأَخْرَجَ تُرْبَةً حَمْرَاءَ، وَفِيهَا نَبْذٌ مِنْ حَصًى، فَإِذَا هِيَ كَأَنَّهَا تُرْبَةُ الْحَرَمِ، فَلَسْتُ أَشُكُّ أَنِّي ذَاهِبٌ فِي سَفَرِي هَذَا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَأَسْتَخْلِفُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ بِحُسْنِ خِلافَتِهِ. فَمَضَى فَتُوُفِّيَ فِي وَجْهِهِ ذَلِكَ فِي بِئْرِ مَيْمُونٍ وَدُفِنَ بِالأَبْطَحِ أَسْفَلَ مِنْ عَقَبَةِ الْمَدَنِيِّينَ حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَلِيسٌ لَأَبِي الْعَبَّاسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، " أَنَّهُ جَلَسَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ مُضَرَ، فِيهِمْ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ الْمِنْقَرِيُّ، وَأُنَاسٌ مِنَ الْيَمَنِ، فِيهِمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْرَمَةَ الْكِنْدِيُّ، فَمَالَ بِهِمُ الْحَدِيثُ إِلَى أَنْ قَالَ ابْنُ مَخْرَمَةَ الْكِنْدِيُّ: إِنَّ أَخْوَالَكَ هُمُ النَّاسُ، وَهُمُ الْعَرَبُ الأُولَى، وَهُمُ الَّذِينَ دَانَتْ لَهُمُ الدُّنْيَا، وِكَانَتْ لَهَمُ الْيَدُ الْعُلْيَا، تَوَارَثُوا الرِّيَاسَةَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، وَآخِرًا عَنْ أَوَّلٍ، يَلْبَسُ آخِرُهُمْ سَرَابِيلَ أَوَّلِهِمْ، يُعْرَفُونَ بِبَيْتِ الْمَجْدِ، وَمَآثِرِ الْحَمْدِ. مِنْهُمُ: النُّعْمَانَانِ، وَالْمُنْذِرَانِ، وَالْقَابُوسَانِ، وَمِنْهُمْ عِيَاضٌ صَاحِبُ الْبَحْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، وَيَحُوزُ فِي كِلِّ نَائِبَةٍ نَهْبًا. وَمِنْهُمْ مُلُوكُ التِّيجَانِ، وَكُمَاةُ الْفِرْسَانِ. لَيْسَ مِنْ بَطَلٍ عَظِيمٍ خَطْبُهُ، وَلا طَرَفٍ كَرِيمٍ أَثَرُهُ، وَلا مِنْ فَرَسٍ رَائِعٍ، أَوْ سَيفٍ قَاطِعٍ، أَوْ دُرَّةٍ مَكْنُونَةٍ، أَوْ دِرْعٍ حَصِينَةٍ إِلا وَهُمْ أَرْبَابُهَا وَأَصْحَابُهَا. إِنْ حَلَّ ضَيفٌ أَكْرَمُوا، وَإِنْ سُئِلُوا أَنْعَمُوا، فَمَنْ ذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَهُمْ إِنْ عُدَّتِ الْمَآثِرُ، أَوْ فَخَرَ مُفَاخِرٌ، أَوْ نَفَرَ مُنَافِرٌ. فَهَمَّ الْعَرَبُ الْعَارِبَةُ، وَسَائِرُ النَّاسِ الْمُتَعَرِّبَةُ. فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَدَخَلَهُ مِنْ قَوْلِهِ مَا غَمَّهُ: مَا أَظُنُ خَالِدًا يَرْضَى بِمَا تَقُولُ. فَقَالَ ابْنُ مَخْرَمَةَ: وَهَلْ يَقْدِرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَرُدَّ قَوْلِي، أَوْ يَفْخَرَ مِثْلَ مَفَاخِرِي. فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: مَا تَقُولُ يَا خَالِدُ؟ قَالَ: إِنْ أَذِنَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمِنْتُ الْمَوْجِدَةَ تَكَلَّمْتُ. فَقَالَ: تَكَلَّمْ وَلا تَهَبْ أَحَدًا. فَقَالَ خَالِدٌ: خَابَ الْمُتَكَلِّمُ، وَأَخْطَأَ الْمُتَقَحِّمُ، وَلَقَدْ قَالَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَنَطَقَ بِغَيْرِ صَوَابٍ. إِذْ فَخَرَ عَلَى مُضَرَ، وَمِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَالْخُلَفَاءُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَمَا أَهْلُ الْيَمَنِ، أَصْلَحَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِلا دَابِغُ جِلْدٍ، أَوْ سَائِسُ قِرْدٍ، أَوْ حَائِكُ بُرْدٍ.

стр. 39

غَلَبَهُمُ الْهُدْهُدُ، وَغَرَّقَهُمُ الْجُرَذُ، وَمَلَكَتْهُمْ أُمُّ وَلَدٍ، قَوْمٌ، وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا لَهُمْ أَلْسِنَةٌ فَصِيحَةٌ، وَلا لُغَةٌ صَحِيحَةٌ، وَلا حُجَّةٌ تَدُلُّ عَلَى كِتَابٍ، وَلا يُعْرَفُ بِهَا الصَّوَابُ. وَإِنَّهُمْ مِنَّا لَبَيْنَ إِحْدَى الْخَلَّتَيْنِ، إِنْ جَازُوا قَصْدَنَا أَكَلُوا، وَإِنْ حَادُّوا عَنْ حُكْمِنَا قُتِلُوا. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْكِنْدِيِّ، فَقَالَ: أَتَفْخَرُ بِالْفَرَسِ الرَّائِعِ، وَالسَّيْفِ الْقَاطِعِ، وَالدِّرْعِ الْحَصِينَةِ، وَالدُّرَّةِ الْمَكْنُونَةِ؟ أَلا وَإِنِّي أَفْخَرُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، خَيْرِ الأَنَامِ، جَهِدَكَ مَنْ ذَكَرْتَ مِمَّنِ افْتَخَرْتُ بِهِ، فَالْمِنَّةُ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، إِنْ كُنْتُمْ أَتْبَاعَهُ وَأَشْيَاعَهُ، فَمِنَّا نَبِيُّ اللَّهِ الْمُصْطَفَى وَخَلِيفَةُ اللَّهِ الْمُرْتَضَى، وَلَنَا السُّؤْدَدُ وَالْعُلَى، وَفِينَا الْحِلْمُ وَالْحِجَا، وَلنَا الشَّرَفُ الْقَدِيمُ، وَالْحَسَبُ الصَّمِيمُ، وَالْجَنَابُ الأَخْضَرُ، وَالْعَدَدُ الأَكْثَرُ , وَالْعِزُّ الأَكْبَرُ، وَلَنَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، وَالسَّقْفُ الْمَرْفُوعُ، وَالْبَحْرُ الْمَسْجُورُ، وَلَنَا زَمْزَمٌ وَبَطْحَاؤُهَا وَصَحْرَاؤُهَا، وَغِيَاضُهَا وَأَعْلامُهَا، وَمَنَابِرُهَا وَسِقَايَتُهَا، وَحِجَابَتُهَا وَسَدَانَةُ بَيْتِهَا، فَهَلْ يَعْدِلُنَا عَادِلٌ، أَوْ يَبْلُغُ مِدْحَتَنَا قَائِلٌ. وَمِنَّا ابْنُ عَبَّاسٍ، عَالِمُ النَّاسِ، الطَّيِّبَةُ أَخْبَارُهِ، الْمَتْبُوعَةُ آثَارُهُ، مِنَّا أَسَدُ اللَّهِ، وَمِنَّا سَيْفُ اللَّهِ، وَمِنَّا فِرْسَانُ اللَّهِ وَمِنَّا الْوَصِيُّ، وَذُو النُّورِ، وَالصِّدِّيقُ، وَمِنَّا الْفَارُوقُ، وَمِنَّا الْعُلَمَاءُ الْفُقَهَاءُ. بِنَا عُرِفَ الدِّينُ، وَمِنَّا أَتَاكُمُ الْيَقِينُ. مَنْ زَاحَمَنَا زَحَمْنَاهُ، وَمَنْ فَاخَرَنَا فَاخَرْنَاهُ، وَمَنْ بَدَّلَ سُنَّتَنَا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْكِنْدِيِّ، فَقَالَ: كَيْفَ عِلْمُكَ بِلُغَاتِ قَوْمِكَ؟ قَالَ: إِنِّي بِهَا عَالِمٌ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الشَّنَاتِرِ. قَالَ: الأَصَابِعُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الصِّنَّارَتَيْنِ. قَالَ: الأُذُنَانِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْجَحْمَتَيْنِ. قَالَ: الْعَيْنَانِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْميزمِ. قَالَ: السِّنُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الزُّبِّ. قَالَ: اللِّحْيَةُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْفَقْحَةِ. قَالَ: الرَّاحَةُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْكُتَعِ. قَالَ: الذِّئْبُ. قَالَ: أَفَتُؤْمِنُ بِكِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ تَزْعُمُ أَنَّكُمُ الْعَرَبُ الأُولَى، وَأَنَّا الْمُتَعَرِّبَةُ، وَاللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَقُولُ: فِي كِتَابِهِ: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] ، وَقَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح: ٧] ، وَلَمْ يَقُلْ: جَعَلُوا شَنَاتِرَهُمْ فِي صَنَانِيرِهِمْ، وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] ، وَلَمْ يَقُلْ: الْجَحْمَةُ بِالْجَحْمَةِ، وَقالَ: : ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] ، وَلَمْ يَقُلِ: الْميزمُ بِالْميزمِ، وَقَالَ تَبَارَكَ اسْمُهُ: ﴿يَابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] ، وَلَمْ يَقُلْ: لا تَأْخُذْنِي بِزُبِّي وَلا بِفَقْحَتِي، وَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٧] وَلَمْ يَقُلْ: فَأَكَلَهُ الْكُتَعُ.

стр. 40

لَكِنِّي سَائِلُكَ يَا أَخَا الْيَمَنِ عَنْ أَرْبعِ خِصَالٍ، إِنْ أَقْرَرْتَ بِهَا قُهِرْتَ، وَإِنْ أَنْكَرْتَهَا قُتِلْتَ. قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَمِنَّا أَمْ مِنْكُمْ؟ قَالَ: بَلْ مِنْكُمْ. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ خَلِيفَةِ اللَّهِ الْمُرْتَضَى، أَمِنَّا أَمْ مِنْكُمْ؟ قَالَ: بَلْ مِنْكُمْ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ الْمُنْزَلِ عَلَيْنَا أَمْ عَلَيْكُمْ؟ قَالَ: بَلْ عَلَيْكُمْ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ الْمُسْتَقْبِلِ، أَلَنَا أَمْ لَكُمْ؟ قَالَ: بَلْ لَكُمْ. قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ تَعْدُلُ هَذِهِ الْخِصَالُ. فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَاللَّهِ يَا خَالِدُ، مَا فَرَغْتَ مِنْ كَلامِكَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُعْرَجُ بِسَرِيرِي إِلَى السَّمَاءِ، مَالَكَ يَا يَمَانِيُّ وَرِجَالَ مُضَرَ، تُفَاخِرُ هَاشِمًا؟ ثُمَّ أَمَرَ لِخَالِدٍ بِمِائَةِ أَلْفِ دَرْهَمٍ، وَأَقْطَعَهُ سَبْعِينَ جَرِيبًا فِي أَرْضِ الْعَرَبِ بِالْبَصْرَةِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ أَبِي النَّضَّاحِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ بُدَيْلٍ التَّمِيمِيِّ، قَالَ: وَفَدَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ التَّمِيمِيُّ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَقَامَ بِبَابِهِ أَيَّامًا، ثُمَّ دَعَا بِهِ هِشَامٌ لَيْلا فَسَاءَلَهُ عَمَّا قَدِمَ لَهُ، وَعَنْ خُرَاسَانَ، فَأَعْجَبَهُ مَا رَأَى مِنْ عَقْلِهِ وَبَصَرِهِ بِأَمْرِ خُرَاسَانَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاكَ رَجُلا عَاقِلا عَالِمًا بِخُرَاسَانَ، فَسَمِّ لِي رِجَالَهَا، وَمَنْ تَرَى أَنَّ مِنْهُمْ يَصْلُحُ لَهَا. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَهَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ مُزَاحِمٍ السُّلَمِيُّ، وَهُوَ شَيْخُ خُرَاسَانَ، وَسَيِّدُهَا فِي سِنِّهِ وَفَضْلِهِ وَعَقْلِهِ مِنْ رَجُلٍ، فِيهِ خَصْلَةٌ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: بُخْلٌ لا يُنَادِي وَلِيدَهُ. فَقَالَ هِشَامٌ: لا يَسْتَقِيمُ لِخُرَاسَانَ رَجُلٌ يُوصَفُ بِالْبُخْلِ. سَمِّ لِي غَيْرَهُ. قَالَ: يَحْيَى بْنُ الْحُصَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ الذُّهْلِيُّ، فَتَى خُرَاسَانَ سَخًى وَبَأْسًا مِنْ رَجُلٍ، فِيهِ خَصْلَةٌ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: يَشْرَبُ بِاللَّيْلِ. قَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ أَصْحَابِهَا. سَمِّ غَيْرَهُ. قَالَ: قَطْنُ بْنُ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيُّ، رَجُلُ خُرَاسَانَ عَفَافًا وَعَقْلا وَحِلْمًا وَسَخَاءً وَكَمَالا. قَالَ: فِيهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَوْتُورٌ، وَتَرَهُ قَوْمُهُ. قَالَ: سَمِّ غَيْرَهُ. قَالَ: فَثَمَّ أَخُوهُ سَلَمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، وَلَيْسَ بِدُونِ مَنْ سَمَّيْتُ لَكَ سَخَاءً وَحِلْمًا وَسُؤْدُدًا، مَا رَأَيْنَا شَيْخًا فِي نُسْكِ شَابٍ غَيْرِهَ. قَالَ: فَسَمِّ لَنَا غَيْرَهُ. قَالَ: نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ، رَجُلُ خُرَاسَانَ بَأْسًا وَحَزْمًا وَتَجْرِبَةً وَشِدَّةَ رَأْيٍ، مِنْ رَجُلٍ لا عَشِيرَةَ لَهُ بِهَا. قَالَ: وَمِمَّنْ هُوَ؟ قَالَ: مِنْ بَنِي لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ كِنَانَةَ. قَالَ: فَأَنَا عَشِيرَتُهُ، وَلَنْ يُذَلَّ مَنْ كُنْتُ عَشِيرَتَهُ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: هُوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صَاحِبُهَا، وَمَنْ كُنْتَ عَشِيرَتَهُ فُهُوَ عَزِيزٌ. قَالَ: فَأَمَرَ هِشَامٌ بِالْعَهْدِ أَنْ يُكْتَبَ لِنَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ عَلَى خُرَاسَانَ، وَيُدْفَعُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقَالَ لَهُ: دَعْنِي وَسِرْ إِلَيْهِ بِعَهْدِهِ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَخَرَجْتُ وَالْعَهْدُ مَعِي حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى سَرْخَسَ وَبَهَا حَفُصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبَّادٍ الذُّهْلِيُّ.
следующие страницы →