Полный текст (252 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
٥٥ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنْ أَبِيهِ عُبَيْدَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: خَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ فِي غَزْوَةِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ جُرْجِيرَ مَلِكِ الْغَرْبِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الرُّومِ نَصْرَانِيٌّ، وَكَانَ يُذْكَرُ بِعَقْلٍ، قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ: لَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ مَنْ يُكَلِّمُهُ، فَبَعَثَنِي وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا أَسَنُّ الْقَوْمِ، فَلَمَّا جِئْنَا وُضِعَتْ لَنَا وَسَائِدُ وَإِذَا الصُّلْبُ حَوْلَهَا، فَجَاءَ الْقَوْمُ وَلَيْسَ هُنَاكَ جُرْجِيرُ، فَجَلَسُوا دُونَ الصُّلْبِ، وَأَبَوْا أَنْ يَجْلِسُوا وَهِيَ حَوْلَهُمْ، فَجِئْتُ وَجَلَسْتُ عَلَى تِلْكَ الْوَسَائِدِ وَالصُّلْبُ حَوْلِي، وَجُرْجِيرُ يَنْظُرُ إِلَيْنَا مِنْ مَنْظَرٍ لا نَرَاهُ، فَمَكَثْنَا سَاعَةً، ثُمَّ أُذِنَ لَنَا جَمَاعَةً، فَعَجِلَوا يُزَاحِمُونَنِي عَلَى الْمَدَخِلِ فَتَأَخَرْتُ عَنْهُمْ، حَتَّى كُنْتُ وَرَاءَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ وَدَخَلْنَا، وَلِي جَمَالٌ لَيْسَ لَهُمْ، نَظَرَ إِلَيَّ فَرَمَانِيٍّ بِطَرْفِهِ فَلَمْ يَبْرَحْ يَتَطرَّحُ بِنَظَرِهِ إِلَيَّ حِينَ جَلَسْتُ دُونَهُمْ، وَهُمْ أَقْرَبُ إِلَيْهِ، فَرَأَوْا نَظَرَهُ، فَرَابَهُمْ بِذَلِكَ فِي أَمْرِهِ، فَانْتَحَى ابْنُ الزُّبَيْرِ فَبَدَأَ بِالْكَلامِ، وَالتَّرْجُمَانُ وَجُرْجِيرُ يَفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ يَنْظُرُ إِلَيَّ وَيَرْمُقُنِي، فَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ تَكَلَّمَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ فَقَالَ: أَأَتَكَلَّمُ؟ فَقُلْتُ: تَكَلَّمْ مَا بَدَا لَكَ.
فَتَكَلَّمَ ثُمَّ أَقْبِلَ عَلَيَّ التَّرْجُمَانُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ أَنْتَ يَا عَرَبَيُّ؟ قُلْتُ: مَا أَقُولُ إِلا مَا قَالُوا، فَلْيُجِبْ صَاحِبُكَ مَا بَدَا لَهُ، وَقَدْ دَعُوهُ.
فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي أَرَاهُ أَسَنَّكُمْ وَأَجْمَلَكُمْ، وَأَرَاكُمْ تُقَدِّمُونَهُ، أَمَوْلاكُمْ هُوَ؟ قَالُوا: لا وَاللَّهِ بَلْ هُوَ مِنَّا مِنْ أَنْفُسِنَا.
قَالَ: فَضَعِيفٌ هُوَ فَلا تَثِقُونَ بِعَقْلِهِ؟ فَلِمَ أَرْسَلْهُ مَلِكُكُمْ؟ قَالُوا: لا وَاللَّهِ بَلْ هُوَ عَاقِلٌ.
قَالَ: فَمَا أَنْتُمْ بِحُلَمَاءٍ، هُوَ أَحَدُكُمْ، وَلَهُ عَقْلٌ مِثْلُ عُقُولِكُمْ، وَهُوَ أَجْمَلُكُمْ وَأَسَنُّكُمْ، وَمَلِكُكُمُ الَّذِي أَرْسَلَكُمْ أَضْعَفُ مِنْكُمْ.
وَهُوَ يَعْرِفُ هَذَا مِنْكُمْ.
فَسَكَتُوا، فَقُلْتُ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لِصِاحِبِكَ أَجِبْنَا بِمَا تُرِيدُ فَنَحْنُ أَعْلَمُ بَأَمْرِنَا، وَبِمَا نَصْنَعُ بَيْنَنَا.
قَالَ: يَقُولُ الْمَلِكُ: حِلْمُكَ هَذَا يَزِيدُنِي بَصِيرَةً فِي حُمْقِ أَصْحَابِكَ.
فَرَطَنَ الْمَلِكُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا التَّرْجُمَانُ، فَقَالَ: الْمَلِكُ يَقُولُ مَا يَمْنَعُنِي مِنْ جَوَابِكُمْ إِلا أَنَّا لا نَضَعُ جَوَابَنَا إِلا فِي مَوْضِعِهِ، أَخْبِرُونِي: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ بِالْمَلِكِ الأَكْبَرِ؟ قَالُوا: هَذَا، لِمَرْوَانَ.
قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالُوا: هَذَا، لابْنِ الزُّبَيْرِ.
قَالَ: فَأَيُّكُمْ أَقْرَبُ بِنَبِيِّكُمْ وَأَسَنُّكُمْ وَأَجْمَلُكُمْ؟ قَالُوا: هَذَا.
стр. 37
قَالَ: يَقُولُ الْمَلِكُ: هُوَ أَقْرَبُكُمْ بِنَبِيِّكُمْ وَأَسَنُّكُمْ وَأَجْمَلُكُمْ، وَجَلَسْتُمْ فَوْقَهُ، وَتَقَدَّمْتُمْ قَبْلَهُ! لا تَلْبِثُونَ إِلا قَلِيلا حَتَّى يَتَفَرَّقَ أَمْرَكُمْ، لا أُرَاجِعُكُمْ بِشَيْءٍ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إِلَيَّ وَيَتَكَلَّمَ وَتَتَكَلَّمُونَ بَعْدَهُ.
فَقَالَ لِي الْقَوْمُ: تَقَدَّمْ يَا أَبَا الْعَبَّاسِ، وَتَكَلَّمْ حَتَّى نَنْظُرَ مَا يَرْجِعُ إِلَيْنَا وَيَقُولُ لَنَا.
فَقُلْتُ لِلتَّرْجُمَانِ: أَجِبْ صَاحِبَكَ إِنِّي لا أَقُومُ مِنْ مَجْلِسِي، وَلا أُعِيهِ كَلامِي، وَلا أَبْتَدِي أَصْحَابِي.
قَالَ: فَلا أُكَلِّمُكُمْ كَلِمَةً.
قَدْ قُلْتُ: لا أَفْعَلُ.
فَهَلْ أَنْتَ يَا رَجُلُ مُعْتَزِلِيَّ حَتَّى أَلْقَاكُمْ، فَإِنِّي لا أُحِبُ أُصِيبُكَ.
قَالَ: قُلْتُ: مَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَعْتَزِلَكَ.
قَالَ: أَتَتَقَبَّلُ كَرَامَتِي مِنْ بَيْنِهِمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا، إِلا أَنْ تُكْرِمَهُمْ مِثْلِي.
قَالَ: هَلْ أَحَدٌ أَقْرَبُ بِنَبِيِّكَ مِنْكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ وَقَالَ: مَنْ؟ قُلْتُ: أَبِي.
قَالَ: وَحَيٌّ هُوَ أَبُوكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: مَا هُوَ مِنْ نَبِيِّكُمْ؟ قَالَ: عَمُّهُ.
فَفَسَّرَ لَهُ التَّرْجُمَانُ كَيْفَ الْعَمُّ ومَنِ ابْنُهُ.
قَالَ: فَمَا شَأْنُ الْمَلِكِ غَيْرِهِ؟ قُلْتُ: كَانَ هَذَا الْمَلِكُ وَاللَّذَانِ قَبْلَهُ خَرَجُوا مَعَ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، حِينَ خَرَجَ مِنْ أَرْضِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ أَبِي، وَنَحْنُ نَرَى لِذَلِكَ فَضْلا، وَتَقدَّمَ مَنْ كَانَ ذَلِكَ.
قَالَ: بِئْسَمَا صَنَعْتُمْ، وَلا يَصْلُحُ أَمْرَكُمْ أَبَدًا، حَتَّى يَخْرُجَ إِلَيَّ أَهْلُ بَيْتِ النَّبيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، قُومُوا وَلا أُرَاجِعُكُمْ بِكَلَمَةٍ مِمَّا تُرِيدُونَ إِلا أَنْ تُخْبِرَنِي مَا شَأنُكَ، جَلَسْتَ بَيْنَ الصُّلْبِ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِكَ وَأَنْتَ عَدُوٌ لَهَا، وَاجْتَنَبَهَا أَصْحَابُكَ؟ قُلْتُ: لَمْ يُسِيئُوا بِمَا صَنَعُوا، وَلَمْ أُسِئْ أَيْضًا، أَمَّا هُمْ فَتَأَذَّوْا بِهَا، وَأَمَّا أَنَا فَعَلِمْتُ مَجْلِسِي لا يَضُرُّ دِينِي، وَلَسْتُ مِنَهَا، وَلَيْسَتْ مِنِّي.
قَالَ: مَا يَنْبَغِي إِلا أَنْ تَكُونَ حَبْرَ الْعَرَبِ.
فَسُمِّيَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْحَبْرَ "
حَدَّثَنِي مُبَارَكٌ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُسَيِّبَ بْنَ زُهَيْرٍ، يَقُولُ: " خَرَجْنَا مَعَ الْمَنْصُورِ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا، فَلَمَّا صَارَ إِلَى بَعْضِ الْمَنَازِلِ قَالَ: يَا مُسَيِّبُ إِنِّي وَاللَّهِ أَعْلَمُ أَنِّي آتِي إِلَى مَصْرَعِي.
قُلْتُ: فَلَوْ أَقَمْتَ.
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: أَعْلَمُ بِاللَّهِ، وَأَثِقُ بِرَحْمَتِهِ، وَبِمَا يَرْجُو مِنْهَا مِنْ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ جُرْمِهِ وَأَمْنِهِ مَا يَتَخَوَّفُ مِنْ قَدْرِهِ، وَلَكِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ بِمَا رَضِيَ اللَّهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُصِيبُهُ إِلا مَا كُتِبَ لَهُ، وَأَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ وَفِي قَبْضَتِهِ، فَإِنْ كَانَ كَتَبَ عَلَيَّ مَوْتًا، فَإِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَرُضْوَانِهِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنِّي مَيِّتٌ وَمَبْعُوثٌ، وَصَائِرٌ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ.
وَرَاجٍ رَحْمَتَهُ، وَأَثِقُ بِعَفْوِهِ.
стр. 38
فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَبِمَاذَا عَرَفْتَ أَنَّكَ تَأْتِي مَصْرَعَكَ؟ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي أَنَّ رَجُلا أَتَانِي، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِالشَّامِ فِي أَيَّامِ وَبَاءٍ بِهِا، وَقَدْ أَصَابَنِي، وَقَدْ تَخَوَّفْتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَ لِي: إِنَّكَ لا تَمُوتُ فِي مَرَضِكَ هَذَا، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ أُرِيَكَ التُّرْبَةَ الَّتِي تُدْفَنُ فِيهَا.
فَقُلْتُ: أَرِنِيهَا.
فَأَخْرَجَ تُرْبَةً حَمْرَاءَ، وَفِيهَا نَبْذٌ مِنْ حَصًى، فَإِذَا هِيَ كَأَنَّهَا تُرْبَةُ الْحَرَمِ، فَلَسْتُ أَشُكُّ أَنِّي ذَاهِبٌ فِي سَفَرِي هَذَا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَأَسْتَخْلِفُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ بِحُسْنِ خِلافَتِهِ.
فَمَضَى فَتُوُفِّيَ فِي وَجْهِهِ ذَلِكَ فِي بِئْرِ مَيْمُونٍ وَدُفِنَ بِالأَبْطَحِ أَسْفَلَ مِنْ عَقَبَةِ الْمَدَنِيِّينَ
حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَلِيسٌ لَأَبِي الْعَبَّاسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، " أَنَّهُ جَلَسَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ مُضَرَ، فِيهِمْ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ الْمِنْقَرِيُّ، وَأُنَاسٌ مِنَ الْيَمَنِ، فِيهِمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْرَمَةَ الْكِنْدِيُّ، فَمَالَ بِهِمُ الْحَدِيثُ إِلَى أَنْ قَالَ ابْنُ مَخْرَمَةَ الْكِنْدِيُّ: إِنَّ أَخْوَالَكَ هُمُ النَّاسُ، وَهُمُ الْعَرَبُ الأُولَى، وَهُمُ الَّذِينَ دَانَتْ لَهُمُ الدُّنْيَا، وِكَانَتْ لَهَمُ الْيَدُ الْعُلْيَا، تَوَارَثُوا الرِّيَاسَةَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، وَآخِرًا عَنْ أَوَّلٍ، يَلْبَسُ آخِرُهُمْ سَرَابِيلَ أَوَّلِهِمْ، يُعْرَفُونَ بِبَيْتِ الْمَجْدِ، وَمَآثِرِ الْحَمْدِ.
مِنْهُمُ: النُّعْمَانَانِ، وَالْمُنْذِرَانِ، وَالْقَابُوسَانِ، وَمِنْهُمْ عِيَاضٌ صَاحِبُ الْبَحْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، وَيَحُوزُ فِي كِلِّ نَائِبَةٍ نَهْبًا.
وَمِنْهُمْ مُلُوكُ التِّيجَانِ، وَكُمَاةُ الْفِرْسَانِ.
لَيْسَ مِنْ بَطَلٍ عَظِيمٍ خَطْبُهُ، وَلا طَرَفٍ كَرِيمٍ أَثَرُهُ، وَلا مِنْ فَرَسٍ رَائِعٍ، أَوْ سَيفٍ قَاطِعٍ، أَوْ دُرَّةٍ مَكْنُونَةٍ، أَوْ دِرْعٍ حَصِينَةٍ إِلا وَهُمْ أَرْبَابُهَا وَأَصْحَابُهَا.
إِنْ حَلَّ ضَيفٌ أَكْرَمُوا، وَإِنْ سُئِلُوا أَنْعَمُوا، فَمَنْ ذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَهُمْ إِنْ عُدَّتِ الْمَآثِرُ، أَوْ فَخَرَ مُفَاخِرٌ، أَوْ نَفَرَ مُنَافِرٌ.
فَهَمَّ الْعَرَبُ الْعَارِبَةُ، وَسَائِرُ النَّاسِ الْمُتَعَرِّبَةُ.
فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَدَخَلَهُ مِنْ قَوْلِهِ مَا غَمَّهُ: مَا أَظُنُ خَالِدًا يَرْضَى بِمَا تَقُولُ.
فَقَالَ ابْنُ مَخْرَمَةَ: وَهَلْ يَقْدِرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَرُدَّ قَوْلِي، أَوْ يَفْخَرَ مِثْلَ مَفَاخِرِي.
فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: مَا تَقُولُ يَا خَالِدُ؟ قَالَ: إِنْ أَذِنَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمِنْتُ الْمَوْجِدَةَ تَكَلَّمْتُ.
فَقَالَ: تَكَلَّمْ وَلا تَهَبْ أَحَدًا.
فَقَالَ خَالِدٌ: خَابَ الْمُتَكَلِّمُ، وَأَخْطَأَ الْمُتَقَحِّمُ، وَلَقَدْ قَالَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَنَطَقَ بِغَيْرِ صَوَابٍ.
إِذْ فَخَرَ عَلَى مُضَرَ، وَمِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَالْخُلَفَاءُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَمَا أَهْلُ الْيَمَنِ، أَصْلَحَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِلا دَابِغُ جِلْدٍ، أَوْ سَائِسُ قِرْدٍ، أَوْ حَائِكُ بُرْدٍ.
стр. 39
غَلَبَهُمُ الْهُدْهُدُ، وَغَرَّقَهُمُ الْجُرَذُ، وَمَلَكَتْهُمْ أُمُّ وَلَدٍ، قَوْمٌ، وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا لَهُمْ أَلْسِنَةٌ فَصِيحَةٌ، وَلا لُغَةٌ صَحِيحَةٌ، وَلا حُجَّةٌ تَدُلُّ عَلَى كِتَابٍ، وَلا يُعْرَفُ بِهَا الصَّوَابُ.
وَإِنَّهُمْ مِنَّا لَبَيْنَ إِحْدَى الْخَلَّتَيْنِ، إِنْ جَازُوا قَصْدَنَا أَكَلُوا، وَإِنْ حَادُّوا عَنْ حُكْمِنَا قُتِلُوا.
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْكِنْدِيِّ، فَقَالَ: أَتَفْخَرُ بِالْفَرَسِ الرَّائِعِ، وَالسَّيْفِ الْقَاطِعِ، وَالدِّرْعِ الْحَصِينَةِ، وَالدُّرَّةِ الْمَكْنُونَةِ؟ أَلا وَإِنِّي أَفْخَرُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، خَيْرِ الأَنَامِ، جَهِدَكَ مَنْ ذَكَرْتَ مِمَّنِ افْتَخَرْتُ بِهِ، فَالْمِنَّةُ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، إِنْ كُنْتُمْ أَتْبَاعَهُ وَأَشْيَاعَهُ، فَمِنَّا نَبِيُّ اللَّهِ الْمُصْطَفَى وَخَلِيفَةُ اللَّهِ الْمُرْتَضَى، وَلَنَا السُّؤْدَدُ وَالْعُلَى، وَفِينَا الْحِلْمُ وَالْحِجَا، وَلنَا الشَّرَفُ الْقَدِيمُ، وَالْحَسَبُ الصَّمِيمُ، وَالْجَنَابُ الأَخْضَرُ، وَالْعَدَدُ الأَكْثَرُ , وَالْعِزُّ الأَكْبَرُ، وَلَنَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، وَالسَّقْفُ الْمَرْفُوعُ، وَالْبَحْرُ الْمَسْجُورُ، وَلَنَا زَمْزَمٌ وَبَطْحَاؤُهَا وَصَحْرَاؤُهَا، وَغِيَاضُهَا وَأَعْلامُهَا، وَمَنَابِرُهَا وَسِقَايَتُهَا، وَحِجَابَتُهَا وَسَدَانَةُ بَيْتِهَا، فَهَلْ يَعْدِلُنَا عَادِلٌ، أَوْ يَبْلُغُ مِدْحَتَنَا قَائِلٌ.
وَمِنَّا ابْنُ عَبَّاسٍ، عَالِمُ النَّاسِ، الطَّيِّبَةُ أَخْبَارُهِ، الْمَتْبُوعَةُ آثَارُهُ، مِنَّا أَسَدُ اللَّهِ، وَمِنَّا سَيْفُ اللَّهِ، وَمِنَّا فِرْسَانُ اللَّهِ وَمِنَّا الْوَصِيُّ، وَذُو النُّورِ، وَالصِّدِّيقُ، وَمِنَّا الْفَارُوقُ، وَمِنَّا الْعُلَمَاءُ الْفُقَهَاءُ.
بِنَا عُرِفَ الدِّينُ، وَمِنَّا أَتَاكُمُ الْيَقِينُ.
مَنْ زَاحَمَنَا زَحَمْنَاهُ، وَمَنْ فَاخَرَنَا فَاخَرْنَاهُ، وَمَنْ بَدَّلَ سُنَّتَنَا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْكِنْدِيِّ، فَقَالَ: كَيْفَ عِلْمُكَ بِلُغَاتِ قَوْمِكَ؟ قَالَ: إِنِّي بِهَا عَالِمٌ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الشَّنَاتِرِ.
قَالَ: الأَصَابِعُ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الصِّنَّارَتَيْنِ.
قَالَ: الأُذُنَانِ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْجَحْمَتَيْنِ.
قَالَ: الْعَيْنَانِ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْميزمِ.
قَالَ: السِّنُ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الزُّبِّ.
قَالَ: اللِّحْيَةُ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْفَقْحَةِ.
قَالَ: الرَّاحَةُ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْكُتَعِ.
قَالَ: الذِّئْبُ.
قَالَ: أَفَتُؤْمِنُ بِكِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَكَيْفَ تَزْعُمُ أَنَّكُمُ الْعَرَبُ الأُولَى، وَأَنَّا الْمُتَعَرِّبَةُ، وَاللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَقُولُ: فِي كِتَابِهِ: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] ، وَقَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح: ٧] ، وَلَمْ يَقُلْ: جَعَلُوا شَنَاتِرَهُمْ فِي صَنَانِيرِهِمْ، وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] ، وَلَمْ يَقُلْ: الْجَحْمَةُ بِالْجَحْمَةِ، وَقالَ: : ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] ، وَلَمْ يَقُلِ: الْميزمُ بِالْميزمِ، وَقَالَ تَبَارَكَ اسْمُهُ: ﴿يَابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] ، وَلَمْ يَقُلْ: لا تَأْخُذْنِي بِزُبِّي وَلا بِفَقْحَتِي، وَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٧] وَلَمْ يَقُلْ: فَأَكَلَهُ الْكُتَعُ.
стр. 40
لَكِنِّي سَائِلُكَ يَا أَخَا الْيَمَنِ عَنْ أَرْبعِ خِصَالٍ، إِنْ أَقْرَرْتَ بِهَا قُهِرْتَ، وَإِنْ أَنْكَرْتَهَا قُتِلْتَ.
قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَمِنَّا أَمْ مِنْكُمْ؟ قَالَ: بَلْ مِنْكُمْ.
قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ خَلِيفَةِ اللَّهِ الْمُرْتَضَى، أَمِنَّا أَمْ مِنْكُمْ؟ قَالَ: بَلْ مِنْكُمْ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ الْمُنْزَلِ عَلَيْنَا أَمْ عَلَيْكُمْ؟ قَالَ: بَلْ عَلَيْكُمْ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ الْمُسْتَقْبِلِ، أَلَنَا أَمْ لَكُمْ؟ قَالَ: بَلْ لَكُمْ.
قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ تَعْدُلُ هَذِهِ الْخِصَالُ.
فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَاللَّهِ يَا خَالِدُ، مَا فَرَغْتَ مِنْ كَلامِكَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُعْرَجُ بِسَرِيرِي إِلَى السَّمَاءِ، مَالَكَ يَا يَمَانِيُّ وَرِجَالَ مُضَرَ، تُفَاخِرُ هَاشِمًا؟ ثُمَّ أَمَرَ لِخَالِدٍ بِمِائَةِ أَلْفِ دَرْهَمٍ، وَأَقْطَعَهُ سَبْعِينَ جَرِيبًا فِي أَرْضِ الْعَرَبِ بِالْبَصْرَةِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ أَبِي النَّضَّاحِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ بُدَيْلٍ التَّمِيمِيِّ، قَالَ: وَفَدَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ التَّمِيمِيُّ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَقَامَ بِبَابِهِ أَيَّامًا، ثُمَّ دَعَا بِهِ هِشَامٌ لَيْلا فَسَاءَلَهُ عَمَّا قَدِمَ لَهُ، وَعَنْ خُرَاسَانَ، فَأَعْجَبَهُ مَا رَأَى مِنْ عَقْلِهِ وَبَصَرِهِ بِأَمْرِ خُرَاسَانَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاكَ رَجُلا عَاقِلا عَالِمًا بِخُرَاسَانَ، فَسَمِّ لِي رِجَالَهَا، وَمَنْ تَرَى أَنَّ مِنْهُمْ يَصْلُحُ لَهَا.
قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَهَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ مُزَاحِمٍ السُّلَمِيُّ، وَهُوَ شَيْخُ خُرَاسَانَ، وَسَيِّدُهَا فِي سِنِّهِ وَفَضْلِهِ وَعَقْلِهِ مِنْ رَجُلٍ، فِيهِ خَصْلَةٌ.
قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: بُخْلٌ لا يُنَادِي وَلِيدَهُ.
فَقَالَ هِشَامٌ: لا يَسْتَقِيمُ لِخُرَاسَانَ رَجُلٌ يُوصَفُ بِالْبُخْلِ.
سَمِّ لِي غَيْرَهُ.
قَالَ: يَحْيَى بْنُ الْحُصَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ الذُّهْلِيُّ، فَتَى خُرَاسَانَ سَخًى وَبَأْسًا مِنْ رَجُلٍ، فِيهِ خَصْلَةٌ.
قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: يَشْرَبُ بِاللَّيْلِ.
قَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ أَصْحَابِهَا.
سَمِّ غَيْرَهُ.
قَالَ: قَطْنُ بْنُ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيُّ، رَجُلُ خُرَاسَانَ عَفَافًا وَعَقْلا وَحِلْمًا وَسَخَاءً وَكَمَالا.
قَالَ: فِيهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَوْتُورٌ، وَتَرَهُ قَوْمُهُ.
قَالَ: سَمِّ غَيْرَهُ.
قَالَ: فَثَمَّ أَخُوهُ سَلَمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، وَلَيْسَ بِدُونِ مَنْ سَمَّيْتُ لَكَ سَخَاءً وَحِلْمًا وَسُؤْدُدًا، مَا رَأَيْنَا شَيْخًا فِي نُسْكِ شَابٍ غَيْرِهَ.
قَالَ: فَسَمِّ لَنَا غَيْرَهُ.
قَالَ: نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ، رَجُلُ خُرَاسَانَ بَأْسًا وَحَزْمًا وَتَجْرِبَةً وَشِدَّةَ رَأْيٍ، مِنْ رَجُلٍ لا عَشِيرَةَ لَهُ بِهَا.
قَالَ: وَمِمَّنْ هُوَ؟ قَالَ: مِنْ بَنِي لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ كِنَانَةَ.
قَالَ: فَأَنَا عَشِيرَتُهُ، وَلَنْ يُذَلَّ مَنْ كُنْتُ عَشِيرَتَهُ.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: هُوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صَاحِبُهَا، وَمَنْ كُنْتَ عَشِيرَتَهُ فُهُوَ عَزِيزٌ.
قَالَ: فَأَمَرَ هِشَامٌ بِالْعَهْدِ أَنْ يُكْتَبَ لِنَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ عَلَى خُرَاسَانَ، وَيُدْفَعُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقَالَ لَهُ: دَعْنِي وَسِرْ إِلَيْهِ بِعَهْدِهِ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَخَرَجْتُ وَالْعَهْدُ مَعِي حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى سَرْخَسَ وَبَهَا حَفُصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبَّادٍ الذُّهْلِيُّ.
стр. 41
قَالَ: فَأَكْرَمَنِي وَاحْتَبَسَنِي عِنْدَهً أَيَّامًا وَأَعْطَانِي جَارِيَتَيْنِ نَفِيسَتَيْنِ، وَلَمْ يدَعْ مِنَ الْكَرَامَةِ إِلا حَيَّانِي بِهَا.
فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهُ، قُلْتُ: يَا هَذَا قَدْ وَاللَّهِ صَنَعْتَ بِي صُنْعًا مَا أَقْدِرُ عَلَى مُكَافَأَتِهِ لَكَ، إِلا أَنَّ مَعِي شَيئًا مَا عَلِمَ بِهِ خَلْقٌ وَهُوَ عَهْدُ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ عَلَى خُرَاسَانَ.
فَوَجِّهْ إِلَيْهِ مَنْ يُعْلِمُهُ فَتَكُونُ الْبِشَارَةُ لَكَ، وَيُكَافِئُكَ عَنِّي.
قَالَ: فَجَزَاهُ خَيرًا وَدَعَا ابْنَيْ عَمٍّ لَهُ، وَكَتَبَ مَعْهُمَا إِلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ.
قَالَ: فَمَضِيَا إِلَيْهِ فَأَعْلَمَاهُ، وَهُو فِي مَعَسْكَرِ جَعْفَرِ بْنِ حَنْظَلَةَ الْبَهْرَانِيِّ، خَلِيفَةِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُمَا: أَكْتُمَا أَمْرَكُمَا.
قَالَ: وَقَدِمْتُ عَلَيْهِ بِالْعَهْدِ، وَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ السَّلامِ بْنِ مُزَاحِمٍ السُّلَمِيِّ يَدْعُوهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوَّى بِهِ لِكَثْرَةِ تَبْعِ عَبْدِ السَّلامِ، فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ، قَالَ عَبْدُ السَّلامِ: وَلِيَ وَاللَّهِ خُرَاسَانَ، وَمَا كَانَ لِيدَعُوَنِي إِلا وَقَدْ وَلِيَ.
قَالَ: فَرَكِبَ وَأَتَاهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ.
قَالَ: عَلَمْتُ أَنَّكَ لَمْ تَبْعَثْ إِلَيَّ إِلا وَقَدْ وُلِّيتَ.
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَارْكَبْ بِنَا، فَرَكِبَ مَعَهُ فِي جَمَاعَةٍ، فَمَضَى نَصْرٌ، فَدَخَلَ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ حَنْظَلَةَ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ عَلَى فَرْشِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ نَصْرٍ فَأَجْلَسَهُ عَلَيْهَا.
فَدَخَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ يُهَنِّونَهُ، فَدَعَا بِصَلَتَانَ مَوْلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُرِّدَ فَضُرِبَ خَمْسِمِائَةِ سَوْطٍ.
ثُمَّ دَعَا بِمَلِكِ مَرْوِ الرُّوذِ، فَأُمِرَ بِهِ فُجُرِّدَ فَضُرِبَ خَمْسَمِائَةِ سَوْطٍ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: أَظُنُّكُمْ أَنْكَرْتُمْ مَا فَعَلْتُ بِهَذَيْنِ؟ أُخْبِرُكُمْ عَنِّي وَعَنْهُمَا، أَمَّا صَلَتَانُ فَإِنَّ أَسَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ تَعَصَّبَ عَلَيْنَا وَأَسَاءَ إِلَيْنَا، وَعَهِدَ إِلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلا مِنْ مَشْيَخَةِ مُضَرَ، فَضَرَبَهُمْ بِالسِّيَاطِ، وَحَلَقَ رُءُوسَهُمْ وَلِحَاهُمْ، أَنَا أَحَدُهُمْ، ثُمَّ وَجَّهَ بِنَا مَعَ صَلَتَانَ إِلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِالْعِرَاقِ، فَمَا وَصَلْنَا إِلَيْهَا حَتَّى عَفَتْ رُءُوسُنَا وَلِحَانَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ صَلَتَانُ، دَعَا بِحَجَّامٍ، فَقَالَ: احْلِقْ مَا نَبَتَ مِنْ رُءُوسِهِمْ وَلِحَاهُمْ، فَنَاشَدْنَاهُ اللَّهَ، فَأَبَى وَقَالَ: لا تَدْخُلُونَ عَلَى الأَمِيرِ هَكَذَا، فَجَعَلْتُ اللَّهَ عَلَيَّ إِنْ أَنَا ظَفَرْتُ بِهِ أَنْ أَضْرِبَهُ خَمْسَمِائَةِ سَوْطٍ، وَأَمَا هَذَا الْآخَرُ، فَإِنِي غَزَوْتُ مَعَ وَالِي خُرَاسَانَ، فَبَعَثَ الْعَسْكَرَ فِي بَعْضِ الْعَشِيَّاتِ، فَأَتَيْتُهُ لَيْلا، وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ، وَمَعِي خَمْسُونَ رَجُلا مِنْ أَصْحَابِي، فَتَجَنَّبْتُ الْعَسْكَرَ وَالزِّحَامَ، فَنَزَلْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْهُ قُرْبَ أَرْضٍ وَزَرْعٍ لَهَذَا الدَّهْقَانِ، فَفَلَتَ بَعْضُ دَوَابِّنَا فَأَفْسَدُوا فِي زَرْعِهِ، فَعَمِدَ إِلَى دَوَابِّنَا كُلِّهَا، فَقَطَعَ أَذْنَابَهَا مِنَ الأُصُولِ، فَأَصْبَحْنَا شُهْرَةً لِأَهْلِ ذَلِكَ الْعَسْكَرِ، فَآلَيْتُ إِنْ مَكَّنَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ أَنْ أَضْرِبَهُ خَمْسَمِائَةِ سَوْطٍ
стр. 42
٥٩ - حُدِّثْتُ عَنِ ابْنِ دَأْبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ ذَكْوَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَتْ: " كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ عَائِشَةَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَإِنِّي لَعِنْدَهَا إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مُعَتَّمٌ، عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، فَقَالَ: قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇، فَقَالَتْ عَائِشَةُ:
فَإِنْ تَكُ نَاعِيًا فَلَقَدْ نَعَاهُ ... نَعِيٌّ لَيْسَ فِي فِيهِ التُّرَابُ
ثُمَّ قَالَتْ: مَنْ قَتَلَهُ؟ قَالُوا: رَجُلٌ مِنْ مُرَادٍ.
قَالَتْ: رُبَّ قَتِيلِ اللَّهِ بِيَدَيْ رَجُلٍ مِنْ مُرَادٍ.
قَالَتْ زَيْنَبُ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَقُولِينَ مِثْلَ هَذَا لَعَلِيٍّ فِي سَابِقَتِهِ وَفَضْلِهِ؟ فَضَحِكَتْ، وَقَالَتْ: بِسْمِ اللَّهِ إِذَا نَسَيْتُ فَذَكِّرِينِي "
حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، قَالَ: رَفَعْتُ رُقْعَةً إِلَى الْمَأْمُونِ أَشْكُو غَلَبَةَ الدَّيْنِ.
فَوَقَّعَ بِخَطِّهِ فِيهَا.
" فِيكَ خِلَّتَانِ: السَّخَاءُ وَالْحَيَاءُ، فَأَمَّا السَّخَاءُ، فَهُوَ الَّذِي أَطْلَقَ يَدَيْكَ بِمَا مَلَكْتَ، وَأَمَّا الْحَيَاءُ فَهُوَ الَّذِي حَمَلَكَ عَلَى ذِكْرِ بَعْضِ دَيْنِكَ، وَقَدْ أَمَرْنَا لَكَ بِضِعْفِ مَا ذَكَرْتَ، فَإِنْ كُنَّا قَصَّرْنَا عَنْ بُلُوغِ حَاجَتِكَ فَجِنَايَتُكَ عَلَى نَفْسِكَ، وَإِنْ كُنَّا بَلَغْنَا بُغْيَتَكَ، فَزِدْ فِي بَسْطِ يَدِكَ، فَإِنَّ خَزَائِنَ اللَّهِ مَفْتُوحَةٌ، وَيَدَهُ بِالْخَيْرِ مَبْسُوطَةٌ
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دَاؤُدَ، قَالَ: قَالَ لِي الْمَأْمُونُ: " لا يَسْتَطِيعُ النَّاسُ أَنْ يُنْصِفُوا الْملُوكَ مِنْ وُزَرَائِهِمْ، وَلا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْظُرُوا بِالْعَدْلِ بَيْنَ مُلُوكِهِمْ وَحُمَاتِهِمْ وَكُفَاتِهِمْ، وَلا بَيْنَ صَنَائِعَهُمْ وَبِطَانَتِهِمْ، وَذَاكَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ ظَاهَرَ حُرْمَةٍ وَخِدْمَةٍ وَاجْتِهَادٍ وَنَصِيحَةٍ، ثُمَّ يَرَوْنَ إِيقَاعَ الْمُلُوكِ بِهِمْ مَعَ هَذِهِ الصِّفَاتِ ظَاهِرًا، لا يَزَالُ الرَّجُلُ، يَقُولُ: مَا أُوقِعَ بِهِمْ إِلا رَغْبَةً فِي أَمْوَالِهِمْ أَوْ رَغْبَةً فِي بَعْضِ مَا لا تَجُودُ النَّفْسُ بِهِ.
وَلَعَلَّ الْحَسَدَ وَالْمَلالَةَ وَشَهْوَةَ الِاسْتِبْدَالِ، اشْتَرَكَتْ فِي ذَاكَ مِنْهُ، وَهُنَاكَ جِنَايَاتٌ فِي صُلْبِ الْمُلْكِ، وَفِي بَعْضِ الْحُرَمِ فَلا يَسْتَطِيعُ الْمَلِكُ أَنْ يَكْشِفَ لِلْعَامَّةِ مَوْضِعَ الْعَوْرَةِ فِي الْمُلْكِ أنْ يَحْتَجَّ لِتِلْكَ الْعُقُوبَةِ بِمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الذَّنْبَ، وَلَمَا يَسْتَطِيعُ الْمَلِكُ تَرْكَ عُقُوبَةٍ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَسَادِ عَلَى عَمَلِهِ، بِأَنَّ عُذْرَهُ غَيْرُ مَبْسُوطٍ عِنْدَ الْعَامَّةِ، وَلا مَعْرُوفٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْخَاصَّةِ
سَأَلْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ عَنِ الْمَأْمُونِ: أَكَانَ حَلِيمًا؟ فَقَالَ: " لا وَاللَّهِ مَا حدَثْتُ عَنْ أَحْلَمَ مِنْهُ، لا مَلِكٌ وَلا سُوقَةٌ، وَلا رَأَيْتُ أَكْرَمَ مِنْهُ قَطُّ.
стр. 43
ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنِي، قَالَ: بِتُّ عِنْدَهُ لَيْلَةً فَعَطِشَ، فَظَنَّ أَنِّي نَائِمٌ، وَأَنَا مُنْتَبِهٌ أَرَى كَلَّ مَا يَصْنَعُ، فَكَرِهَ أَنْ يَدْعُوَ الْغُلامَ فَانْتَبَهَ، فَمَضَى إِلَى بَرَّادَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ، فَأَخَذَ كُوزًا مِنْهَا فَشَرِبَ مَاءَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ مُسْرِعًا فَلَمَّا دَنَا مِنْ فِرَاشِي خَطَا خُطَى لِصٍّ خَائِفٍ لَكِي لا أَنْتَبِهَ، ثُمَّ رَمَى بِنَفْسِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، وَبِتُّ عِنْدَهُ لَيْلَةً بَعْدَ ذَلِكَ، وَنَحْنُ بِالشَّامِ، وَمَا مَعِي أَحَدٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أُبَائِقُهُ وَأَتَفَقَّدُ مَا يَصْنَعُ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنِّي قَدْ نِمْتُ.
قَالَ: فَعَرَضَ لَهُ سُعَالٌ فَرَأَيْتُهُ وَقَدْ أَخَذَ كُمَّ قَمِيصِهِ فَجَمَّهُ، ثُمَّ حَشَا بِهِ فَمَهُ، فَرَدَّ فِيهِ سُعَالَهُ لِئَلا يُنَبِّهَنِي.
قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَرْعَى حَرَكَتِي وَقَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَهُمَّ بِالنُّهُوضِ لِلْصَلاةِ، وَأَخَّرَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ أَسْفَرَ شَدِيدًا، فَلَمَّا عَلِمْتُ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ ضَاقَ عَلَيْهِ، تَحَرَّكْتُ.
فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبرُ، يَا غُلامُ، نَبِّهْ أَبَا مُحَمَّدٍ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ رَأَيْتَ مَبِيتَكَ؟ قُلْتُ: بِخَيرٍ يَا سَيِّدِي.
قَالَ: إِنَّ الشِّيعَةَ أَشَدُّ رِعَايَةً لِأَوْقَاتِ الصَّلاةِ مِنَ الْمُرْجِئَةِ.
مُذْ كَمْ تَرَانِي أَتَقَلَّبُ وَأَتَحَرَّكُ لِلْصَلاةِ فَيَمْنَعُنِي مِنَ النُّهُوضِ نَحْوَهَا نَوْمُكَ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُوْقِظَكَ وَفِي عَيْنِكَ بَاقٍ مِنْ سِنَتِكَ فَأَقْطَعَهَا عَنْكَ.
فَقُلْتُ: لِذَلِكَ جَعَلَكُمُ اللَّهُ أَرْبَابًا وَجَعَلَنَا لَكُمْ عَبِيدًا، إِذْ كَانَتْ هَذِهِ أَخْلاقُكُمْ.
ثُمَّ نَهَضَ لِلَصَّلاةِ.
وَقَالَ لِي أَيْضَا: وَمِنْ كَرِيمِ أَخْلاقِهِ، أَنِّي كُنْتُ أُمَاشِيهِ فِي بُسْتَانِ مُوسَى، وَالشَّمْسُ عَلَى يَسَارِي، وَالْمَأْمُونُ فِي الظِّلِّ، وَقَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى عَاتِقِي، وَنَحْنُ نَتَحَدَّثُ إِذْ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي ذَهَبَ فِيهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَصَدَهُ، قَالَ لِي: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّكَ جِئْتَ وَعَلَى يَسَارِكَ الشَّمْسُ، وَقَدْ أَخَذَتْ مِنْكَ، فَكُنْ أَنْتَ فِي مُنْصَرَفِنَا حَيْثُ كُنْتُ، وَأَكُونُ حَيْثُ كُنْتَ.
قُلْتُ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أَمْكَنَنِي أَنْ أَقِيَكَ بِنَفْسِي مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ لَفَعَلْتُ فِيكَ، لا أَصْبِرُ عَلَى أَذَى الشَّمْسِ لَحْظَةً.
قَالَ: وَاللَّهِ لا بُدَّ مِنْهَا، آخُذُ مِنْهَا كَمَا أَخَذتْ مِنْكَ.
قَالَ: فَصَارَ الْمَأْمُونُ فِي مَوْضِعِي، وَصِرْتُ فِي مَوْضِعِهِ، وَتَمَاشَيْنَا، وَأَخَذَ بِيَدِي فَوَضَعَهَا عَلَى عَاتِقِهِ، وَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ الْعَدْلِ أَنْ يَعْدِلَ الرَّجُلُ عَلَى بِطَانَتِهِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ ذَاكَ إِلَى الطَّبَقَةِ السُّفْلَى
حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " قَالَ الْمَأْمُونُ يومَ خَمِيسٍ، وَنَحْنُ حُضُورٌ مَعَ النَّاسِ فِي الدَّارِ، لَعَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ: عَلَيَّ بِإِسْمَاعِيلَ.
стр. 44
قَالَ: فَخَرَجَ، فَإِذَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَأَرَادَ الْمَأْمُونُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ مُوسَى، فَلَمَّا بَصُرَ بَهِ مِنْ بَعِيدٍ، وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ بِهِ بُغْضًا، رَفَعَ يَدَيْهِ مَادًّا إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ بَدِّلْنِي بِعَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ مُطِيعًا نَاصِحًا، فَإِنَّهُ بِصَدَاقَتِهِ لِهَذَا آثَرَ هَوَاهُ عَلَى هَوَايَ، فَلَمَّا دَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، فَسَلَّمَ فَرَدَّ ﵇، ثُمَّ دَنَا فَقَبَّلَ يَدَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَاتِ حَوائِجَكَ.
قَالَ: ضَيْعَتِي بِالْمُغِيثَةِ غُصِبْتُهَا وَقُهِرْتُ عَلَيْهَا.
قَالَ: نَأْمُرُ بِرَدِّهَا عَلَيْكَ، قَالَ: حَاجَتُكَ؟ قَالَ: دَينٌ كَثِيرٌ عَلَيَّ فِي جَفْوَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِي.
قَالَ: نَقْضِي دَيْنَكَ، ثُمَّ قَالَ: حَاجَتُكَ؟ قَالَ: تَأْذَنُ لِي فِي الْحَجِّ.
قَالَ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ.
ثُمَّ قَالَ: حَاجَتُكَ؟ قَالَ: وَقْفُ أَبِي كُنْتُ إِلَيْهِ، فَأُخْرِجَ مِنْ يَدِي وَصَارَ إِلَى قَثَمٍ وَالْقَاسِمِ، ابْنَيْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: فَتُرِيدُ مَاذَا؟ ، قَالَ: يُرَدُّ إِلَيَّ.
قَالَ: أَمَّا مَا كَانَ يُمْكِنُنَا فِي أَمْرِكَ فَقَدْ جُدْنَا لَكَ بِهِ.
وَأَمَّا وَقْفُ أَبِيكَ فَذَاكَ إِلَى وَرَثَتِهِ وَمَوَالِيهِ، فَإِنْ رَضُوا بِكَ وَالِيًا عَلَيْهِمْ وَقَيَّمًا لَهُمْ رَدَدْنَاهُ، وِإِلا أَقْرَرْنَاهُ فِي يَدِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ.
ثُمَّ خَرَجَ.
فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِعَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ: مَا لِي وَلَكَ عَافَاكَ اللَّهُ، مَتَى رَأَيْتَنِي نَشَطْتُ لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، وَعُنِيتُ بِهِ، وَهُوَ صَاحِبِي بِالأَمْسِ بِالْبَصْرَةِ.
فَقَالَ: ذَهَبَ فِكْرِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى.
قَالَ: صَدَقْتَ، ذَهَبَ عَنْ فِكْرِكَ مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْكَ حِفْظُهُ، وَحَفِظَ فِكْرُكَ مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ لا يَخْطُرَ بِهِ، أَمَا إِذَ أَخْطَأْتَ فَلا تُعْلِمْ إِسْمَاعِيلَ مَا دَارَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي أَمْرِهِ.
فَظَنَّ عَلِيٌّ أَنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ مُوسَى، فَأَخْبَرَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ جَعْفَرٍ بِالْقِصَّةِ حَرْفًا حَرْفًا، فَأَذَاعَهَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَبَلَغَ الْخَبَرَ الْمَأْمُونُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي هَذِهِ الأَخْلاقَ الَّتِي أَصْبَحْتُ أَحْتَمِلُ بِهَا عَلِيَّ بْنَ صَالِحٍ، وَابْنَ عِمْرَانَ، وَابْنَ الطُّوسِيِّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَمَنْصُورَ بْنَ النُّعْمَانِ، وَزَعَامِشَ
سَمِعْتُ أَبَا عَبَّادٍ، ذُكِرَ الْمَأْمُونُ، فَقَالَ: " وَاللَّهِ أَحَدُ مُلُوكِ الأَرْضِ، الَّذِي يَجِبُ لَهُ هَذَا الِاسْمُ بِالْحَقِيقَةِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ، قَالَ: كَانَ يَلْزَمُ بِابِي رَجُلٌ لا أَعْرِفُهُ، فَلَمَّا طَالَتْ مُلازَمَتُهُ قُلْتُ لَهُ بِسُوءِ لِقَائِي: يَا هَذَا مَا لُزُومُكَ بَابِي؟ ، قَالَ: طَالِبُ حَاجَةٍ.
قُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تُوصِلْنِي إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ تُوصِلْ لِي رُقْعَةً.
قُلْتُ: مَا يُمْكِنُنِي فِي أَمْرِكَ مَا تُرِيدُ.
فَانْصَرَفَ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيئًا، وَجَعَلَ يَلْزَمُ الْبَابَ، فَمَا يُفَارِقُهُ، فَإِذَا انْصَرَفْتُ فَرَآنِي نَشِيطًا تَصَدَّى لِي فَأَرَانِي وَجْهَهُ فَقَطْ.
وَإِنْ رَآنِي بِغَيْرِ تِلْكَ الْحالِ، كَرَّ نَاحِيَةً.
فَمَا زَالَتْ تِلْكَ حَالَهُ، صَابِرًا عَلَيْهَا حَتَّى رَفَقْتُ عَلَيْهِ.
فَقُلْتُ لَهُ يومًا وَقَدِ انْصَرَفْتُ مِنَ الدَّارِ: مَكَانَكَ.
فَأَقَامَ.
فَقُلْتُ لِلْغُلامِ: أَدْخِلْ هَذَا الرَّجُلَ.
فَأَدْخَلَهُ.
стр. 45
فَقُلْتُ: يَا هَذَا إِنِّي أَرَى لَكَ مُطَالَبَةً جَمِيلَةً، وَأَظُنُّكَ تَرْجِعُ إِلَى مَحْتِدٍ كَرِيمٍ، وَأَدَبٍ بَارِعٍ.
فَقَالَ: أَمَّا الْمَحْتِدُّ فَرَجُلٌ مِنَ الأَعَاجِمِ، وَأَمَّا الأَدَبُ فَأَرْجُو أَنْ تَجِدَهُ إِنْ طَلَبْتَهُ.
قُلْتُ: أَمَا إِنَّ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمًا، قَالَ: وَمَا هُوَ أَدَامَ اللَّهُ بَقَاءَكَ؟ قُلْتُ: صَبْرُكَ عَلَى الْمُطَالَبَةِ الْجَمِيلةِ، قَالَ: ذَاكَ أَقَلُّ أَحْوَالِي أَعَزَّكَ اللَّهُ، قَالَ: فَدَخَلَتْنِي لَهُ جَلالَةٌ.
فَقُلْتُ: حَاجَتُكَ؟ قَالَ: ضَيْعَةٌ صَارَتْ لَأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَّدَهُ اللَّهُ كَانَتْ لِسَعْدِ بْنِ جَابِرٍ وَكُنَّا شُرَكَاءَ فِيهَا، فَجَاءَ وَكِيلُهُ فَضَرَبَ مَنَارَةً عَلَى حُدُودِنَا وَحُدُودِهِ، وَهَذِهِ ضَيْعَةٌ، كُنَّا نَعُودُ بِفَضْلَهَا عَلَى الْغَرِيبِ، الصَّدِيقِ وَالْجَارِ وَالأَخِ، فَقُلْتُ: فَمَعَكَ رُقْعَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَأَخْرَجَ رُقْعَةً مِنْ خُفِّهِ فِيهَا مَظْلَمَتُهُ، فَلَمَّا قَرَأْتُهَا وَوَضَعْتُهَا قَامَ فَانْصَرَفَ، فَخَفَّ عَلَى قَلْبِي وَأَحْبَبْتُ نَفْعَهُ، فَأَدْخَلْتُهُ عَلَى الْمَأْمُونِ مَعَ جُمَيْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَوَائِجِ.
فَاتَّفَقَ أَنْ كَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ مِنْهُمْ.
فَاسْتَنْطَقَ رَجُلا فَصِيحًا حَسَنَ الْعِبَارَةِ لَسِنًا.
فَقَالَ: تَكَلَّمْ بِحَاجَتِكَ، فَتَكَلَّمَ، فَقَالَ: يَا ثَابِتُ، وَقِّعْ بِقَضَائِهَا.
ثُمَّ قَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرْضِي غَلَبَنِي عَلَيْهَا ابْنُ الْبَخْتَكَانِ بِالأَهْوازِ بِقُوَّةِ السُّلْطَانِ، فَأَخْرَجَهَا مِنْ يَدِي وَدَعَانِي إِلَى أَخْذِ بَعْضِ ثَمَنِهَا.
فَقَالَ: يَا ثَابِتُ، وَقِّعْ لَهُ بِالْكِتَابِ إِلَى ابْنِ الْبَخْتَكَانِ وَإِلَى الْقَاضِي هُنَاكَ بِأَمْرِهِ بِإِنْصَافِهِ، وَإِخَرِاجِ ابْنِ الْبَخْتَكَانِ مِنْ حَقِّهِ، أَوْ أَخْذِهَا مِنَ الرَّجُلِ بِالْحِكْمَةِ، قَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَطِيعَةٌ كَانَ الْمَنْصُورُ أَقْطَعَهَا أَبِي، فَأُخِذَتْ مِنْ أَيْدِينَا بِسَبِبِ البَّرَامِكَةِ.
قَالَ: وَقِّعْ، تُرَدُّ عَلَيْهِ هَذِهِ مَوْفُورَةً، وَيُنْظَرُ مَا أَخْرَجَتْ مُنْذُ قُبِضَتْ عَنْهُمْ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، فَلْيُدْفَعْ إِلَيهمِ حَاصِلُ غَلاتِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عَلَيَّ دَيْنٌ، قَدْ أَبْهَظَنِي وَأَذَلَّنِي ذِكْرُهُ، وَقَوِيَ عَلَيَّ أَرْبَابُهُ.
قَالَ: وَكَمْ دَيْنُكَ؟ قَالَ: أَرْبَعَةُ آلافِ دِينَارٍ.
قَالَ: وَقِّعْ يَا ثَابِتُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ.
قَالَ: فَسَألَ سَبْعَ حَوَائِجَ، قِيمَتُهَا أَلْفُ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَوَاللَّهِ إِنْ زَالتَ قَدَمُهُ عَنْ مَقَرِّهَا حَتَّى قُضِيَتْ، فَامْتَلَأْتُ غَيْظًا، وَفُرْتُ فَوْرَ الْمِرْجَلِ.
حَتَّى لَوْ أُمْكِنْتُ مِنْ لَحْمِهِ لَأَكَلْتُهُ.
ثُمَّ دَعَا لِلْمَأْمُونِ وَخَرَجَ.
فَقَالَ: يَا ثَابِتُ، تَعْرِفُ هَذَا الرَّجُلَ.
قُلْتُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ.
مَا رَأَيْتُ وَاللَّهِ رَجُلا أَجْهَلَ مِنْهُ، وَلا أَوْقَحَ وَجْهًا مِنْهُ.
قَالَ: لا تَقُلْ ذَاكَ فَتَظْلِمَهُ، فَمَا أَدْرِي مَتَى خَاطَبْتُ رَجُلا هُوَ أَعْقَلُ مِنْهُ، وَلا أَعْرَفُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ، قَالَ: فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قَصَّتَهُ، أَوْلَهَا وَآخِرَهَا.
فَقَالَ: هَذَا مِنَ الَّذِي قُلْتُ لَكَ.
ثُمَّ قَالَ: وَأَزِيدُكَ أُخْرَى، لا أَحْسَبُكَ فَهِمْتَهَا.
قُلْتُ: وَمَا هِيَ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
стр. 46
قَالَ: أَوَ مَا رَأْيتَ خَاتَمَهُ فِي أُصْبُعِهِ الْيُمْنَى؟ قُلْتُ: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]
حَدَّثَنِي مُبَارَكٌ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا عُبَيْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: " خَلا أَبُو جَعْفَرٍ يَوْمًا مَعَ يَزِيدَ بْنِ أُسَيْدٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا يَزِيدُ مَا تَرَى فِي قَتْلِ أَبِي مُسْلِمٍ؟ فَقَالَ: أَرَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بِدَمِهِ، فَوَاللَّهِ لا يَصْفُو مُلْكُكَ وَلا تَهْنَأُ بِعَيْشٍ مَا بَقِيَ.
قَالَ يَزِيدُ: فَنَفَرَ مِنِّي نَفْرَةً ظَنَنْتُهُ سَيَأْتِي عَلَيَّ.
ثُمَّ قَالَ: قَطَعَ اللَّهُ لِسَانَكَ، وَأَشْمَتَ بِكَ عَدُوُّكَ، أَتُشِيرُ عَلَيَّ بِقَتْلِ أَنْصَحِ النَّاسِ لَنَا، وَأَثْقَلِهِ عَلَى عَدُوِّنَا.
أَمَّا وَاللَّهِ لَوْلا حِفْظِي مَا سَلَفَ مِنْكَ، وَإِنِّي أَعُدُّهَا هَفْوَةً مِنْ رَأْيِكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، قُمْ لا أَقَامَ اللَّهُ رِجْلَيْكَ، قَالَ يَزِيدُ: فَقُمْتُ وَقَدْ أَظْلَمَ بَصَرِي، وَتَمَنَّيْتُ أَنْ تَسِيخَ الأَرضُ بِي.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ قَتْلِهِ إِيَّاهُ بِدَهْرٍ.
قَالَ لِي: يَا يَزِيدُ تَذْكُرُ يَوْمَ شَاوَرْتُكَ فِي قَتْلِ الْعَبْدِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَمَا رَأْيتُنِي قَطُّ أَقْرَبَ إِلَى الْمَوْتِ مِنِّي يَوْمَئِذٍ.
قَالَ: فَوَاللَّهِ لَكَانَ ذَلِكَ رَأْيِي، وَمَا لا أَشُكُّ فِيهِ، وَلَكِنَّنِي خَشِيتُ أَنْ يَظْهَرَ مِنْكَ فَتُفْسِدَ عَلَيَّ مَكِيدَتِي
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ الْمَخْلُوعُ جِيءَ بِرَأْسِهِ إِلَى الْمَأْمُونِ بَعْدَ وُرُودِ الْكِتَابِ بِسَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَقَامَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ بِالْجُونَةِ، وَأَنَا مَعَهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمَأْمُونِ فَقَالَ: فُضَّ الْخَاتَمَ.
فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَفْضَيْتُ إِلَى الْخَاتَمِ عَلَى مِنْدِيلٍ مُخَمَّلٍ فِيهِ الرَّأْسُ، فَفَضَضْتُ الْخَاتَمَ، وَإِذَا عَلَى وَجْهِهِ قُطْنٌ، فَلَمَّا رَآهُ الْمَأْمُونُ نَظَرَ إِلَيْهِ بِمُؤَخَّرِ عَيْنَيْهِ، وَكَلَّحَ وَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا مَوْضِعُ شُكْرٍ، فَاحْمَدِ اللَّهَ الَّذِي أَرَاكَ بِهِ مَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ بِهِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ: فَأَمَرَنِي فَكَشَفْتُ عَنِ الرَّأْسِ، فَتَأَمَّلَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَنُصِبَ عَلَى قَنَاةٍ، وَوُضِعَ الْعَطَاءُ لِلْنَاسِ، فَكُلَّمَا أُعْطِيَ رَجُلٌ أُمِرَ أَنْ يَلْعَنَ الْمَخْلُوعَ، فَفَعَلَ، حَتَّى قِيلَ لِرَجُلٍ مِنَ الْعَجَمِ، وَقَدْ أَخَذَ عَطَاءَهُ: الْعَنِ الْمَخْلُوعَ.
قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْمَخْلُوعَ وَلُعِنْتَ، وَلُعِنَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ وَلَدَهُ.
ثُمَّ أُمِرَ بِتَرْكِ لَعْنِ الْمَخْلُوعِ بَعْدَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُتْبِيُّ، قَالَ: قَالَ لِي أَبِي وَهُوَ يُوصِينِي: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَتْرُكُكَ مَعَ مَنْ لا يَتْرُكُكَ، فَأَكْحِلْ عُيُونَهُمْ بِحُسْنٍ مِنْكَ تَقْطَعْ أَلْسِنَتَهُمْ عَنْكَ، وَكُنْ لِنَفْسِكَ تَكُنْ لَكَ، وَخُذْ مِنْ كُلِّ زَمَانٍ مَحَاسِنَ مَا فِيهِ.
وَأَنْتَ قَلِيلٌ فَاتَّقِ تَكُنْ بِهِ كَثِيرًا، وَاعْلَمْ بَأَنَّكَ تَخْرُجُ بِمَوتِي مِنْ سَعَةِ عُذْرٍ إِلَى ضِيقِ مُدَارَاةٍ، فَضَعِ الأُمُورَ مَوَاضِعَهَا تَضَعْكَ مَوْضِعَكَ.
стр. 47
وَاجْعَلْ دُنْيَاكَ صِلَةً لِآخِرَتَكَ، وَلا تَرْضَ لَهَا بِهَا عِوَضًا مِنَ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَضَهَا عِقَابًا لِمَنْ سَخِطَ عَلَيْهِ، وَلا ثَوَابًا لِمَنْ رَضِيَ عَنْهُ، وَانْظُرْ بَنَاتِي، فَوَصِيَّتِي فِيهِنَّ مَا أَوْصَى بِهِ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ فِي بَنَاتِهِ، حِينَ قَالَ: يَا عَمْرُو، انْظُرْ بَنَاتِي، فَاجْعَلِ الْبُيُوتَ لَهُنَّ قُبُورًا حَتَّى يَأْتِيَهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَأْتِيَكَ الأَكْفَاءُ.
وَانْظُرْ غِلْمَانِي، فَلا تَحْبِسْ مِنْهُمْ مَنْ رَآكَ مِنْهُمْ صَغِيرًا، فَإِنَّهُ لا يُسِرُّ لَكَ هَيْبَةً، وَانْظُرْ إِلَى مَالِي فَإِنْ كَرِهْتَ مِنْهُ شَيئًا وَرَأَيْتَ الِاسْتِبْدَالَ بِهِ خَيرًا مِنْ حَبْسِهِ فَلا تَحْبِسْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَتْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ وَانْظُرْ أَهْلَكَ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَصْلُحُوا وَأَنْتَ فَاسِدٌ، وَلْيَكُنْ لَكَ فِي مِنْزِلِكَ طَعَامٌ، وَإِنْ قَلَّ يُأْتِكَ مَنْ فِي مَنْزِلِهِ أَطْيبَ مِنْهُ وَأَكْثَرَ، انْظُرْ بَنِي زَيَادٍ أَخْوَالَكَ، فَكُنْ لَهُمُ ابْنَ أُخْتٍ مَا كَانُوا لَكَ أَخْوَالا، فَإِنْ أَرَادُوكَ عَلَى غَيْرِهَا فَأَوْسِعْهُمُ الْجَفَاءَ، وَإِنْ حَمَلُوكَ عَلَى الَّذِي حَمَلُونِي عَلَيْهَا، فَارْكَبْ غَيْرَ هَائِبٍ لَهُمْ، فَإِنَّ الَّذِي قَدَّمْتُهُ لَكَ مُعِينٌ لَكَ عَلَيْهِمْ، وَلَنْ يَدَعُوكَ حَتَّى يُخْبِرُوكَ، فَلا تَدَعْهُمْ حَتَّى يُعَرِّفُوكَ
حَدَّثَنِي مُبَارَكٌ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: " دَخَلَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: يَا عَمْرُو عِظْنِي وَأَوْجِزْ.
قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الدُّنْيَا بَحَذَافِيرِهَا فِي يَدَيْكَ، فَاشْتَرِ نَفْسَكَ مِنْ رَبِّكَ بِبَعْضِهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سَائِلُكَ عَنْ مَثَاقِيلِ الذَّرِّ مِنَ الشَّرِّ وَالْخَيْرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى مِنْكَ إِلا بِالْعُذْرِ مِمَّنِ اسْتَرْعَاكَ وَفَوَّضَ أُمُورَهُمْ إِلَيْكَ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: " كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَكِّرْ فِي نَفْسِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ مِنْ آدَمَ خُلِقْتَ، وَآدَمُ قَبْلَكَ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ.
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ مِنْ وَرَاءِ بَابِكَ نَارًا مِنَ الْجُوْرِ وَالظُّلْمِ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، وَاشْتَرِ نَفْسَكَ مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ.
قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: حَسْبُكَ مِنْ عِظَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيْهِ.
فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: مَنْ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ لَهُ: هَذَا أَخُوكَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُجَالِدٍ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَمْرُو، فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَمُوتُ غَدًا، وَإِنَّ كُلَّ مَا تَرَى يَنْقَطِعُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنْتَ غَدًا جِيفَةٌ مُلْقًى قَدِ اسْتَحْضَرَ فِي بَدَنِكَ الدُّودُ.
يُقَذِّرُكَ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، لا يَنْفَعُكَ إِلا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، وَلَهَذَا الْجِدَارُ خَيرٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْكَ إِذَا طَوَيْتَ النَّصِيحَةَ عَنْهُ، وَأَقْبَلْتَ تَزْجُرُ مَنْ يَنْصَحُهُ.
стр. 48
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَؤُلاءِ اتَّخَذُوكَ سُلَّمًا لِشَهَوَاتِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَسْتَعْمِلَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ عَامِلٍ، فَإِنْ رَابَكَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَيْبٌ عَزَلْتَهُ وَاسْتَعْمَلْتَ غَيْرَهُ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَرْضَ مِنْهُمْ إِلا بِالْعَدْلِ، لَيَتَقَرَّبَنَّ إِلَيْكَ بِالْهَدْيِ وَالأَعْمَالِ الزَّاكِيَّةِ مَنْ وِلايَتُهُ لَهُ فِيهِ.
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿٦﴾ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴿٧﴾ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ﴿٨﴾ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ﴿٩﴾ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ﴿١١﴾ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴿١٢﴾ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴿١٣﴾ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴿١٤﴾ ﴾ [الفجر: ٦-١٤] ، لِمَنْ عَمِلَ بِمِثْلِ عَمَلِهِمْ، إِنَّ الدُّنْيَا لَولا أَنَّهَا مَضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكَ لَمْ يَصِلْ مِنْهَا شَيْءٌ، فَأَنْتَ وَارِثٌ مَنْ مَضَى، وَمَوْرُوثٌ غَدًا، وَقَادِمٌ عَلَى رَبِّكَ، وَمَجْزِيٌّ بِعَمَلِكَ، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَيْلَةً تَمَخَّضُ عَنْ يَوْمٍ لا لَيْلَ فِيهِ وَلَيلٍ لا يَوْمَ لَهُ، والسَّلامُ.
قَالَ: فَبَكَى أَبُو جَعْفَرٍ حَتَّى مَسَحَ عَيْنَيْهِ مِنْ دُمُوعِهِ بِكُمِّهِ.
قَالَ: وَأَرَادَ أَبُو جَعْفَرٍ أَنْ يَكْتُبَ شَيْئًا، وَالدَّوَاةُ عَلَى جَنْبِ عَمْرٍو، فَقَالَ لَهُ: يَا عَمْرُو نَاوِلْنِي الدَّوَاةَ، فَلَمْ يُنَاوِلْهُ.
فَقَالَ لَهُ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلا نَاوَلْتَنِي.
فَقَالَ عَمْرُو: أَقْسَمْتُ، لا أُنَاوِلْكَ.
فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يُقْسِمُ عَلَيْكَ يَا عَمْرُو أَنْ تُنَاوِلَهُ الدَّوَاةَ، وَتُقْسِمُ أَنْتَ أَلا تُنَاوِلَهُ! ! ، فَقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَقْوَى عَلَى كَفَّارَةِ يَمِينِهِ مِنِّي.
فَسَأَلَهُ أَصْحَابُهُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُنَاوِلَهُ الدَّوَاةَ؟ قَالَ: لَمْ آمَنْ أَنْ يَكْتُبَ فِي عَطَبِ مُسْلِمٍ، فَأَكُونُ قَدْ شَارَكْتُهُ فِي قَتْلِهِ بِمُنَاوَلَتِهِ الدَّوَاةَ.
فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ الظَّلَمَةُ وَأَعْوَانُ الظَّلَمَةِ؟ فَأَكُونُ مِمَّنْ أَعَانَهُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، قَالَ: " قَدِمَ هَارُونُ الرَّشِيدُ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَدِينَةَ، فَأُخْلِيَ لَهُ الْمَسْجِدُ فَوَقَفَ عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاعْتَنَقَ أُسْطُوَانَةَ التَّوْبَةِ، ثُمَّ قَالَ: قِفُوا بِي عَلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ.
فَلَمَّا أَتَاهُمْ كَانَ أَبُو نَصْرٍ نَائِمًا، فَأَيْقَظُوهُ، وَقِيلَ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ.
فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ عِبادِ اللَّهِ، وَأُمَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَبَيْنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَلْقٌ غَيْرُكَ، وَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُكَ عَنْهُمْ، فَأَعِدَّ لِلْمَسَأَلَةِ جَوَابًا.
فَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: «لَوْ ضَاعَتْ سَخْلَةٌ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ لَخَافَ عُمَرُ أَنْ يَسْأَلَهُ اللَّهُ عَنْهَا» .
стр. 49
قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ الرَّشِيدُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا نَصْرٍ، إِنَّ رَعِيَّتِي وَدَهْرِي غَيْرُ رَعِيَّةِ عُمَرَ وَدَهْرِهِ، قَالَ: يَقُولُ لَهُ أَبُو نَصْرٍ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا غَيْرُ مُغْنٍ عَنْكَ، فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّكَ وَعُمَرَ تُسْأَلانِ عَمَّا خَوَّلَكُمَا اللَّهُ.
قَالَ: فَدَعَا هَارُونُ بِصُرَّةِ مِائَةِ دِينَارٍ، وَقَالَ: ادْفَعُوهَا إِلَى أَبِي نَصْرٍ، فَقَالَ أَبُو نَصْرٍ: مَا أَنَا إِلا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، ادْفَعُوهَا إِلَى فُلانٍ يُفَرِّقُهَا بَيْنَهُمْ، وَاجْعَلْنِي رَجُلا مِنْهُمْ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، قَالَ: " أَجَدَبَتِ الْمَدِينَةُ، وَاخْتَلَّ أَهْلُهَا، وَسَاءَتْ حَالُهُمْ، وَتَكَشَّفَ قَوْمٌ مَسْتُورُونَ، وَخَرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ، فَمَرَرْتُ بِسُوقِ الطَّعَامِ، وَمَا فِيهَا حَبَّةُ حِنْطَةٍ، وَلا شَعِيرٌ، وَإِذَا أَبُو نَصْرٍ جَالِسٌ مُنَكَّسَ الرَّأْسِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا نَصْرٍ، مَا تَرَى فِي أَهْلِ حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، قَالَ: بَلَى.
قُلْتُ: أَفَلا تَدْعُو اللَّهَ لَعَلَّهُ يُفَرِّجُ مَا هُمْ فِيهِ؟ قَالَ: بَلَى. . . وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَقَالَ لِي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي، فَجَلَسْتُ.
قَالَ: فَانْكَبَّ فَعَفَّرَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ فَارِجَ الْهَمِّ وَكَاشِفَ الْغَمِّ، مُجِيبَ دَعْوَةِ الْمُضْطَرِّينَ، رَحْمَانَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَرَحِيمَهُمَا، صِلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَفَرِّجْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ حَرَمِ نَبِيِّكَ، ﵌، ثُمَّ غُلِبَ فَذَهَبَ، وَقُمْتُ مِنْ عِنْدِهِ.
قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ مِنَ السُّوقِ حَتَّى رَأَيْتُ الشَّمْسَ قَدْ تَغَطَّتْ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا رِجْلُ جَرَادٍ أَرَى سَوَادَهَا فِي الْهَوَى، فَمَا زِلْنَ يُسْفِلْنَ، وَأَنَا وَاقِفٌ أَنْظُرُ حَتَّى امْتَلَأَتِ الْمَدِينَةُ، فَاسْتَغْنَى كُلُّ قَوْمٍ بِمَا فِي دَارِهِمْ مِنْ جَرَادٍ فَحَشَوا الأَجْوَافَ.
قَالَ: فَطَبَخَ النَّاسُ، وَمَلَّحُوا وَقَلا مَنْ قَدَرَ عَلَى الزَّيْتِ، وَمَلَأَ النَّاسُ الْحِبَابَ وَالْجِرَارَ وَالْقَوَاسِرَ وَأَلْقَوْهُ فِي جَانِبِ بُيُوتِهِمْ.
ثُمَّ نَهَضَ بَعْدَ ثَالِثَةٍ فَانْتَشَرَ فِي أَعْرَاضِ الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، ثُمَّ مَا مَرَّتْ بِنَا ثَلاثٌ حَتَّى جَاءَنَا عَشْرُ سَفَائِنَ دَخَلَتِ الْجَارَ، فَإِذَا هِيَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْوقْتِ الَّذِي دَعَا فِيهِ أَبُو نَصْرٍ، فَرَجَعَ السِّعْرُ إِلَى أَرْخَصِ مَا كَانَ، وَرَجَعَتْ حَالُ النَّاسِ إِلَى أَحْسَنِ مَا كَانَتْ.
قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا نَصْرٍ، وَهُوَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ يَا أَبَا نَصْرٍ: أَمَّا تَرَى إِلَى بَرَكَةِ دُعَائِكَ؟ فَقَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، هَذِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
стр. 50
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: " أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ عَلَى عَهْدِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَذِنَ هِشَامٌ لِلنَّاسِ، فَدَخَلَ فِي غِمَارِهِمْ دِرْوَاسُ بْنُ دِرْوَاسَ الْعِجْلِيُّ، وَعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، مُتَفَضَّلٌ عَلَيْهَا بِشَمْلَةٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ هِشَامٌ أَنْكَرَ دُخُولَهُ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى حَاجِبِهِ، فَقَالَ: أَتُدْخِلُ عَليَّ مَنْ شَاءَ بِغَيْرِ إِذْنٍ؟ فَعَرَفَ دِرْوَاسٌ أَنَّهُ إِنَّمَا عَنَاهُ.
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَخَلَّ بِكَ دُخُولِي عَلَيْكَ، وَلا وَضَعَ مِنْ قَدْرِكَ وَلَكِنَّهُ شَرَّفَنِي، وَرَفَعَ قَدْرِي، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ دَخَلُوا لِأَمْرٍ، وَأَحْجَمُوا عَنْهُ، فَإِنْ أَذِنْتَ لِي تَكَلَّمْتُ، فَقَالَ هِشَامٌ: تَكَلَّمْ، فَإِنِّي أَظُنُّكَ صَاحِبَهُمْ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، تَوَالَتْ عَلَيْنَا سِنُونَ ثَلاثٌ، فَأَمَّا أُوَلاهُنَّ فَأَذَابَتِ الشَّحْمَ، وَأَمَّا الثَّانِيَةَ فَأَكَلَتِ اللَّحْمَ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَهَاضَتِ الْعَظْمَ وَنَقَّتِ الْمُخَّ، وَعِنْدَكَ أَمْوَالٌ، فَإِنْ تَكُنْ لِلَّهِ فَعُدْ بِهَا عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، وَإِنْ تَكُنْ لِعِبَادِ اللَّهِ فَعَلامَ تَحْبِسُونَهَا عَنْهُمْ؟ وَإِنْ تَكُنْ لَكَ فَتَصَدَّقْ إِنَّ اللَّهَ يُجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ.
قَالَ هِشَامٌ: وَاللَّهِ مَا تَرَكْتَ لَنَا وَاحِدَةً مِنْ ثَلاثٍ، وَأَمَرَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَقُسِّمَتْ فِي النَّاسِ، وَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دَرِهَمٍ.
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا مِثْلُهَا؟ قَالَ: لا.
فَقَالَ: لا حَاجَةَ لِي فِيمَا تَبْعَثُ عَلَيَّ مَذَمَّةً.
فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ بُعِثَ إِلَيْهِ بِالْمِائَةِ الأَلْفِ الدِّرْهَمِ فَفَرَّقَ دِرْوَاسٌ فِي تِسْعَةِ أَبْطُنٍ مِنْ بُطُونِ الْعَرَبِ عَشَرَةَ آلافٍ عَشَرَةَ آلافٍ.
وَأَخَذَ لِنَفْسِهِ حَوْلَ عَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ.
فَقَالَ هِشَامٌ: إِنَّ الصَّنِيعَةَ عِنْدَ دِرْوَاسٍ لَتُضَاعَفُ عَلَى الصَّنَائِعِ
حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " سُئِلَ أَبُو حَازِمٍ الْمَدِينِيُّ، فَقِيلَ لَهُ: مَا مَالُكَ؟ قَالَ: الْكَثِيرُ الطَّيِّبُ.
قِيلَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: الثِّقَةُ بِاللَّهِ وَالْيَأْسِ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، فَإِنْ أَعْطَانِي رَضَيْتُ، وَإِنْ مَنَعَنِي قَنَعْتُ.
قَالَ: فَمَا تَرَى فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؟ قَالَ: إِنْ كُنْتَ أَخَذْتَهُ مِنْ حِلِّهِ، فَوَضَعْتَهُ فِي حَقِّهِ فَأَنْتَ أَنْتَ، وَإِلا فَإِنَّمَا تَجْمَعُهُ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ: لِرَجُلٍ سَعِيدٍ بِمَا شَقِيتَ بِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ شَقِيٍّ مِثَلِ مَا شَقِيتَ بِهِ، أَمَّا مَنْ مَضَى مَنْ وَلَدِكَ فَارْجُ لَهُمْ رَحْمَةَ اللَّهِ، وَأَمَّا مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ فَقَدْ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِرِزْقِهِ.
فَعَلامَ تُهْلِكُ نَفْسَكَ "؟ ! حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ الرَّبِيعِ، قَالَ: " قَدِمَ الْمَنْصُورُ الْمَدِينَةَ، فَأَتَاهُ قَوْمٌ، فَوَشَوْا بِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وَقَالَوا: إِنَّهُ لا يَرَى الصَّلاةَ خَلْفَكَ، وَيَنْتَقِصُكَ، وَلا يَرَى التَّسْلِيمَ عَلَيْكَ.
فَقَالَ لَهُمْ: وَكَيْفَ أَقِفُ عَلَى صِدْقِ مَا تَقُولُونَ؟ قَالُوا: تَمْضِي ثَلاثُ لَيالٍ فَلا يَصِيرُ إِلَيْكَ مُسَلِّمًا.
قَالَ: إِنْ فِي ذَلِكَ لَدَلِيلا.
стр. 51
فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، قَالَ: يَا رَبِيعُ ايتِنِي بِجِعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْهُ.
قَالَ الرَّبِيعُ: فَأَخَذَنِي مَا قَدُمَ وَمَا حَدَثَ، فَدَافَعْتُ بِإِحْضَارِهِ يَوْمِي ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ غَدٍ، قَالَ: يَا رَبِيعُ أَمَرْتُكَ بِإِحْضَارِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَوَرَّيْتَ عَنْ ذَلِكَ، آتِنِي بِهِ، فَقَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْهُ، وَقَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَبْدَأْ بِكَ إِنْ أَنْتَ لَمْ تَأْتِنِي بِهِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: فَمَضَيْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَوَافَيْتُهُ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ أُسْطُوَانَةِ التَّوْبَةِ.
فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّتِي لا شَوَى لَهَا، فَأَوْجَزَ فِي صَلاتِهِ وَتَشَّهَدَ وَسَلَّمَ.
وَأَخَذَ نَعْلَهُ وَمَضَى مَعِي، وَجَعَلَ يَهْمِسُ بِشَيْءٍ أَفْهَمُ بَعْضَهُ، وَبَعْضًا لَمْ أَفْهَمْ، فَلَمَّا أَدْخَلْتُهُ عَلَى أَبِي جَعْفَرَ سَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ، فَلَمْ يَرُدَّ ﵇.
وَقَالَ: يَا مُرَائِي، يَا مَارِقُ، مَنَّتْكَ نَفْسُكَ مَكَانِي فَوَرَيْتَ عَلَيَّ، وَلَمْ تَرَ الصَّلاةَ خَلْفِي، وَالتَّسْلِيمَ عَلَيَّ.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ كَلامِهِ، رَفَعَ جَعْفَرٌ رَأْسَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ دَاودَ النَّبِيِّ ﷺ ، أُعْطِيَ فَشَكَرَ، وَإِنَّ أَيُّوبَ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَإِنَّ يُوسُفَ ظُلِمَ فَغَفَرَ، وَهَؤُلاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنْبِيَاؤُهُ، وَصَفْوتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَإِلَيْهِمْ يَئُولُ نَسَبُهُ، وَأَحَقُّ مَنْ أَخَذَ بَآدَابِ الأَنْبِيَاءِ، مَنْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ حَظِّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴿ [الحجرات: ٦] ، فَتَثَبَّتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَصِحَّ لَكَ الْيَقِينُ.
قَالَ: فَسُرِّيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، وَزَالَ الْغَضَبُ عَنْهُ.
وَقَالَ: أَنَا أُشْهِدُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنَّكَ صَادِقٌ.
وَأَخَذَ بِيَدِهِ فَرَفَعَهُ، وَقَالَ: أَنْتَ أَخِي وَابْنُ عَمِّي، وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، وَقَالَ: سَلْنِي حَاجَتَكَ، صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا.
قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ أَذْهَلَنِي مَا كَانَ مِنْ لِقَائِكَ وَكَلامِكَ عَنْ حَاجَاتِي، وَلَكِنِّي أُفَكِّرُ وَأَجْمَعُ حَوَائِجِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ الرَّبِيعُ: فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، سَمِعْتُكَ هَمَسْتَ بِكَلامٍ أُحِبُّ أَنْ أَعْرِفَهُ، قَالَ: نَعَمْ إِنْ جَدِّي عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ ﵈ أَجْمَعِينَ، يَقُولُ: مَنْ خَافَ مِنْ سُلْطَانٍ ظَلامَةً أَوْ تَغَطْرُسًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ احْرُسْنِي بِعَيْنِكَ الَّتِي لا تَنَامُ، وَاكْنُفْنِي بِرُكْنِكَ الَّذِي لا يُرَامُ، وَاغْفِرْ بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ، فَلا أَهْلَكَنَّ وَأَنْتَ رَجَائِي، فَكَمْ مِنْ نَعْمَةٍ قَدْ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ قَلَّ عِنْدَهَا شُكْرِي، وَكَمْ مِنْ بَلِيَّةٍ ابْتَلَيْتَنِي بِهَا قَلَّ لَكَ عِنْدَهَا صَبْرِي.
стр. 52
فَيَا مَنْ قَلَّ عِنْدَ نِعَمَتِهِ شُكْرِي، فَلَمْ يَحْرِمْنِي، وَيَا مَنْ قَلَّ عِنْدَ نِقْمَتِهِ صَبْرِي فَلَمْ يَخْذُلْنِي، وَيَا مَنْ رَآنِي عَلَى الْخَطَايَا فَلَمْ يَفْضَحْنِي، وَيَا ذَا النَّعْمَاءِ الَّتِي لا تُحْصَى، وَيَا ذَا الأَيَادِي الَّتِي لا تَنْقَضِي، بَكَ أَسْتَدْفِعُ مَكْرُوهَ مَا أَنَا فِيهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
قَالَ الرَّبِيعُ: فَكَتَبتُ بِالدُّعَاءِ، وَلَمْ يَلْتَقِ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَنْصُورِ وَلا سَأَلَهُ حَاجَةً حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: " قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ لِثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَبُوكَ كَانَ أَعْلَمَ بِكَ حَيْثُ كَانَ يَشْتُمُكَ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَدْرِي لِمَ كَانَ يَشْتُمُنِي؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ.
قَالَ: إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُهُ أَنْ يُقَاتِلَ بِأَهْلِ مَكَّةَ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُ بِهِمَا، أَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ، فَأَخْرَجُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَأَخَافُوهُ، ثُمَّ جَاءُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَخْرَجَهُمْ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌، فَسيَّرَهُمْ، يُعَرِّضُ فِي قَوْلِهِ هَذَا بِالْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ حَيْثُ نَفَاهُ النَّبِيُّ ﵌، وَأَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَخَذَلُوا عُثْمَانَ، حَتَّى قُتِلَ بَيْنَهُمْ، لَمْ يَرَوا أَنْ يَدْفَعُوا عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ.
قَالَ: يَسْتَحِقُّهَا الظَّالِمُونَ.
كَمَا قَالَ اللَّهُ :﴾ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨] .
فَأَمْسَكَ عَنْهُ
حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: " اسْتَعْمَلَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَأَسَاءَ السِّيرَةِ فِيهِمْ، فَشَكَوْهُ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَعَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنِ الْمَدِينَةِ فَرَقَى الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَهُمْ وَمَنَّاهُمْ وَوَعَدَهُمُ الْإِحْسَانَ، وَنَالَ مِنْ عَمْرٍو، وَذِمَّهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَ قُرَشِيٌّ يَفْعَلُ هَذَا بِقُرَشِيٍّ، فَقَالَ عَمْرٌو مِنْ تَحْتِ الْمِنْبَرِ، مَهْلا يَا عُثْمَانُ، فَوَاللَّهِ مَا أَنَا بِحُلْوِ الْمَذَاقِ، وَإِنِّي لَقَمِنُ الْمَضَرَّةِ، وَقَدْ ضَرَّسَتْنِي الأُمُورُ، وَجَرَّسَتْنِي الدُّهُورُ، فَزَعًا مَرَةً، وَأَمْنًا أُخْرَى، وَإِنَّ قُرَيشًا تَعْلَمُ أَنِّي سَاكِنُ اللَّيْلِ، دَاهِيَةُ النَّهَارِ، لا أَتَتَبْعُ الضَّلالَ، وَلا أُنَمِّصُ حَاجِبِي، وَلا يُسْتَنْكَرُ شَبهِي وَلا أُدْعَا لِغَيْرِ أَبِي
стр. 53
٧٦ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِيِ بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمٍ، قَالَ: حَضَرَ قَوْمٌ مِنْ قُرَيشٍ مَجْلِسَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ أَمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هَاشِمٍ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: احْمَدُوا اللَّهَ يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ، إِذْ جَعَلَ وَالِيَ أُمُورِكُمْ مَنْ يُغْضِي عَلَى الْقَذَى، وَيَتَصَامُّ عَلَى الْعَوْرَاءِ، وَيَجُرُّ ذَيْلَهُ عَلَى الْخَدَائِعِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَشَّيْنَا إِلَيْهِ الضَّرَّاءَ وَدَبَّيْنَا لَهُ الْخَمْرَ، وَقَلَبْنَا لَهُ ظَهَرَ الْمِجَنِّ، وَرَجَوْنَا أَنْ يَقُومَ بَأَمْرِنَا أَمْرٌ، وَلا يُطْعِمُكَ مَالُ مُضَرَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ حَتَّى مَتَى لا تُنْصَفُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ.
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إِنَّ عَمْرًا وَذَوِيهِ أَفْسَدُوكَ عَلَيْنَا، وَأَفْسَدُونَا عَلَيْكَ، مَا كَانَ عَلَيْكَ لَوْ أَغْضَيْتَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: إِنَّ عَمْرًا نَاصِحٌ لِي.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَطْعِمْنَا مَثْلَ مَا أَطْعَمْتَهُ، ثُمَّ خُذْنَا بِمِثْلِ نَصِيحَتِهِ، إِنَّا يَا مُعَاوِيَةُ رَأَيْنَاكَ تَضْرِبُ عَوامَّ قُرَيشٍ فِي خَوَاصِّهَا، كَأَنَّكَ تَرَى كِرَامِهَا حَازُوكَ دُونَ لِئَامِهَا، وَايْمُ اللَّهِ إِنَّكَ تُفْرِغُ مِنْ وِعَاءِ فَمٍ فِي إِنَاءٍ ضَخْمٍ، وَلَكَأَنَّكَ بِالْحَرْبِ قَدْ حُلَّ عِقَالُهَا عَلَيْكَ، ثُمَّ لا يُنْظُرُ لَكَ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَا أَحْوَجَ أَهْلَكَ إِلَيْكَ، يَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ قُتِلْتُ.
ثُمَّ أَنْشَدَ مُعَاوِيَةُ:
أَغَرَّ رِجَالا مِنْ قُرَيشٍ تَتَابَعُوا ... عَلَى سَفَهٍ مِنِّي الْحَيَا وَالتَّكَرُّمُ
"
٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ الْجُمَحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: دَخَلَ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ الْكِنَانِيُّ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَبَا الطُّفَيْلِ.
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: أَلَسْتَ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ؟ ، قَالَ: لا، وَلَكِنَّنِي مِمَّنْ حَضَرَهُ فَلَمْ يَنْصُرْهُ.
قَالَ: وَمَا مَنَعَكَ مِنْ نَصْرِهِ؟ قَالَ: لَمْ يِنْصُرْهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ: أَمَا لَقَدْ كَانَ حَقُّهُ وَاجِبًا، وَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْصُرُوهُ.
قَالَ: فَمَا مَنَعَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَصْرِهِ، وَمَعَكَ أَهْلُ الشَّامِ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَمَا طَلَبِي بِدَمِهِ نُصْرَةٌ لَهُ؟ فَضَحِكَ الطُّفَيْلُ، وَقَالَ: أَنْتَ وَعُثْمَانُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
لا أَلْفَيَنَّكَ بَعْدَ الْمَوْتِ تَنْدُبُنِي ... وَفِي حَيَاتِيَ مَا زَوَّدْتَنِي زَادِي
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ، مَا أَبْقَى الدَّهْرُ مِنْ ثَكْلِكَ عَليًّا؟ قَالَ: ثَكْلُ الْعَجُوزِ الْمِقْلاتِ، وَالشَّيْخِ الرَّقُودِ.
قَالَ: كَيْفَ حُبُّكَ لَهُ؟ قَالَ: حُبُّ أُمِّ مُوسَى لِمُوسَى، وَإِلَى اللَّهِ أَشْكُو التَّقْصِيرَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: قَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ: " مَا أَعْيَانِي جَوابُ أَحَدٍ مَا أَعْيَانِي جَوابُ عُثْمَانَ، دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَمْوَالِنَا أَنْ قُلْنَا رَبُّنَا اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَمِنَّا مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ , وَمِنَّا مَنْ مَاتَ بِالْحَرَمِ
стр. 54
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ أبي الْعَبَّاسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى الأَنْصَارِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ، وَكَانَ هَوَاهُمْ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ عَلَى أَهْلِ الْبَصَرَةِ، فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ لا يَعْرِفُونَ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ الْفَضْلَ، كَمَا يَعْرِفُ أَهْلُ مَكَّةَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ الْفَضْلَ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَعَاذَ اللَّهِ نَحْنُ وَاللَّهِ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا، وَأَبْعَدُ فِي الأَرْضِ آثَارًا، لَنَا خُرَاسَانُ، وَسِجِسْتَانُ، وَالسِّنْدُ وَالْهِنْدُ، افْتَتَحْنَاهَا بِالْبِيضِ الْقَوَاضِبِ، حَتَّى أُوثِقَتْ أَعِنَّةُ الْخَيْلِ، بِأُصُولِ الْقَنَا بِأَرْضِ الْفُلْفُلِ، وَلَنَا كَرْمَانُ وَمُكرَانُ وَفَارِسُ وَالأَهْوازُ، وَالْعِرَاقُ عِرَاقُنَا، وَالأَرْضُ أَرْضُنَا، وَإِنَّمَا أَهْلُ الْكُوفَةِ أَضْيَافٌ عَلَيْنَا.
فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ: دَعْنَا مِنْ خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ، فَلَعَمْرِي أَنْتُمْ أَرْفَعُ مِنَّا بِلادًا، وَلَكِنْ بِاللَّهِ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّا أَكْثَرُ مِنْكُمْ فُقَهَاءَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لا وَاللَّهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَكْثَرَ مِنَّا فُقَهَاءَ، وَلَكِنَّكُمْ أَكْثَرُ مَنَّا أَنْبِيَاءَ، مِنْكُمْ بَيَانُ التِّبْيَانِ، وَالْمُغِيرَةُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ.
وَمَا لَنَا نَبِيٌّ إِلا مُحَمَّدٌ ﵌، فَضَحِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَاشْتَدَّ ضَحِكُهُ.
ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، هُمْ أَكْثَرُ مِنْكُمْ أَنْبِيَاءَ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا رَأَيْتُ أَرْضًا قَطُّ أَكْثَرَ نَبِيًّا مَصْلُوبًا مِنْهَا، فَجَعَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَغْمِزُ أَبَا بِكْرٍ وَيَضْحَكُ، يَغْمِزُهْ بِالْقَضِيبِ، فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ: إِنَّمَا كَانَ أَصْلُ الْمُغِيرَةَ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَلا إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ.
فَتَنَازَعَا طَوِيلا، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: يَا أَبَا بَكْرٍ قَدْ صَحَّ عِنْدِي أَنَّ أَصْلَهُ مِنَ الْبَصْرَةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنَّ الْبَصْرَةَ أَرْضٌ طَيِّبَةٌ لا تَدَعُ فِيهَا خَبَثًا إِلا أَخْرَجَتَهُ.
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: دُونَكُمُ الْهُذَلِيُّ فَقَدْ سَلَّطْتُكُمْ عَلَيْهِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِذًا لا يَنْتَصِفُونَ مِنِّي.
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: وَلِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: لَأنَّ الْحَقَّ فِي يَدِي، وَلَيْسَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْهُ شَيْءٌ.
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ: أَلا تَعْجَبُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ يُفَاخِرُ أَهْلَ الْكُوفَةِ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَيَعْدِلُهُمْ بِهِمْ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ مَا أَعْدِلُهُمْ بِهِمْ، وَلَكِنِّي أُفَضِّلُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ عَلَيْهِمْ، وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا كَانَ بِالْكُوفَةِ شَرِيفُ قَوْمٍ إِلا وَشَرِيفُ قَوْمٍ بِالْبَصْرَةِ أَشْرفُ مِنْهُ.
مَا كَانَ فِي تَمِيمِ الْكُوفَةِ مِثْلُ الأَحْنَفِ بْنِ قَيسٍ مِنْ تَمِيمِ الْبَصْرَةِ.
وَلا كَانَ فِي أُزْدِ الْكُوفَةِ مِثْلُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ مِنْ أُزْدِ الْبَصْرَةِ، وَلا كَانَ فِي قَيْسِ الْكُوفَةِ مِثْلُ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ مِنْ قَيْسِ الْبَصْرَةِ، الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّاعِرُ:
إِذَا مَا خَشِينَا مِنْ أَمِيرٍ ظَلامَةً ... أَمَرْنَا أَبَا غَسَّانَ يَوْمًا فَعَسْكَرَا
стр. 55
وَقَالَ جَرِيرٌ:
يَا عَيْنُ وَيْحَكِ هَيِّجِي أَحْزَانًا ... وَاسْتَعْجِلِي بِدِمُوعِكِ الأَزْمَانَا
قَالَتْ رَبِيعَةُ يَوْمَ كُفَّنَ مَالِكٌ ... لا فَجْعَ أَكْبرُ مِنْ أَبِي غَسَّانَا
كَانُوا إِذَا شَعِبُوا شَعِبْتَ عَلَيْهِمُ ... بَلْ كُنْتَ أَطْوَلَ فِي الْحُرُوبِ عِنَانَا
وَمَا كَانَ فِي عَبْدِ قَيْسٍ الْكُوفَةِ مثلُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ مِنْ عَبْدِ قَيْسِ الْبَصْرَةِ، الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّاعِرُ:
يَا حَكَمَ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ ... أَنْتَ الْجَوَادُ ابْنُ الْجَوَادِ الْمَحْمُودْ
سُرَادِقُ الْمَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودْ قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكَلامِ رَجُلٍ، كَأَنَّكَ لا تَعْرِفُ شَرَفَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ أَبُو بَكْرِ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَعْرِفُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِثْلَ مَلِكِ هَذَيْنِ الْمِصْرَيْنِ؟ فَقَدْ مَلَكَهُمَا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، وَمَلَكَهُمَا رَجُلٌ مَوْلًى لِبَنِي سَعْدٍ، يُقَالُ لَهُ: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا قَطَعَ نَهْرَ بَلْخٍ رَجُلٌ أَوَّلُ مِنْ خَالِكَ رَبِيعِ بْنِ زِيَادِ مِنْ بَنِي الْحَارِثَ بْنِ كَعْبِ، ومَا سَارَ بِأَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ رَجُلٌ أَوَّلُ مِنْهُ.
فَقَالَ الْقَاضِي: حَدَّثَنَا أَشْيَاخٌ لَنَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ كَانُوا يَوْمَ الْجَمَلِ ثَلاثِينَ أَلْفًا، وَإِنَّمَا كَانَ أَهْلُ الْكُوفَةِ تَسْعَةُ آلافٍ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنْ أَيْنَ كُنَّا ثَلاثِينَ أَلْفًا، فَوَاللَّهِ لَرَبِيعَةُ الْبَصْرَةِ كَانَتْ مَعَ عَلَيٍّ تُقَاتِلُ عَنْهُ، وَتَدْعُو إِلَيْهِ وَعَلِيٌّ الَّذِي يَقُولُ:
يَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَى رَبِيعَةْ ... رَبِيعَةَ السَّامِعَةَ الْمُطِيعَةْ
وَلَكِنْ سَلْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَمْ كَانَتْ عِدَّتُهُمْ يَوْمَ دَخَلْنَا مَسْجِدَهُمْ بالْكُوفَةِ، فَذَبَحْنَا مِنْهُمْ ثَلاثِينَ أَلْفًا ذَبْحَ الْحِمْلانِ؟ فَأَرَادَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ أَنْ يَكْسِرَ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: مَعَ مَنْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كُنَّا مَعَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ.
قَالَ: فَمَنْ كُنْتُمْ تُقَاتِلُونَ؟ قَالَ: كُنَّا نُقَاتِلُ الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيَّ وَرَفَعَ صَوْتَهُ.
فَقَالَ الْحَسَنُ: عَلَى مَا كُنْتُمْ يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ، عَلَى بَاطِلٍ أَمْ عَلَى حَقٍّ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كُنَّا عَلَى بَاطِلٍ، وَكُنْتُمْ عَلَى حَقٍّ، فَضَعُفْتُمْ عَنْ حَقِّكُمْ، وَغَلَبَ بَاطِلُنَا حَقَّكُمْ.
стр. 56
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ: مَنْ قَاتَلْتُمْ يَوْمَ الْجَمَلِ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَاتَلْنَا عَليًّا، وَحَرَّضْنَا عَلَى قَتْلِهِ، فَلَوَى اللَّهُ أَيْدِيَنَا وَسِلاحَنَا، نَظَرًا مِنَ اللَّهِ لَنَا، وَخَيْرَةً حَتَّى خَرَجَ سُلَيْمًا، ثُمَّ قُتِلَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْكُمْ بِالْكُوفَةِ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَثَلُ الْعَرَبِ كَمَثَلِ السِّمْسِمِ، إِنْ تَعْصِرْهُ وَحْدَهُ يَخْرُجْ مِنْهُ الْحِلُّ، وَإِنْ تَخْلِطْ مَعَهُ غَيْرَهُ تُخْرِجْ مِنْهُ أَلْوانَ الأَدْهَانِ، تَفَرَّقَتِ الْعَرَبُ مِنْ تِهَامَةِ عَلَى أَرْبَعِ فِرَقٍ: فِرْقَةٍ بِالْيَمَنِ، فَأَخَذَتْ بِآبِينِ النَّجَاشِيِّ وَشَكْلِهِمْ، وَفِرْقَةٍ وَقَعَتْ بِالْشَامِ فَأَخَذَتْ بِآبِينِ الْقِبْطِ وَشَكْلِهِمْ، وَفِرْقَةٍ وَقَعَتْ بِالْكُوفَةِ، فَأَخَذَتْ بِآبِينِ الْفُرْسِ، فَأَيُّهَا أَخْيَرُ النَّجِاشِيُّ أَمِ الْقَبْطُ أم النبط أَمِ الْفُرْسُ؟ قَالَ: بَلِ الْفُرْسُ
حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: " قَالَ رَجُلٌ لِخَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ: مَرْحَبًا بِكَ أَبُو صَفْوَانَ، فَقَالَ لَهُ: رَحُبَ وَادِيكَ، وَعَزَّ نَادِيكَ، وَهَطَلَتْ عَلَيْكَ مُكْفَه ِرَّاتُ السَّحَابِ.
قَالَ: كَيْفَ كُنْتَ؟ قَالَ: فِي نِعَمٍ مِنَ اللَّهِ سَوَابِغَ، لا نَعْرِفُ إِلا الْمَزِيدَ فِيهَا، حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي ثِنْيَةِ السَّمَاوَةِ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْنَا رِيحًا حَرْجَفًا، تَبَوَّأَتْ لَهَا السِّبَاعُ أَسْرَابَهَا، وَانْفَرَجَتِ الطُّيرُ إِلَى أَوْكَارِهَا، وَاحْمَرَّتْ لَهَا آفَاقُ السَّمَاءِ، فَلَمْ أَهْتَدِ لَعَلَمٍ لامِعٍ، وَلا لِنَجْمٍ طَالِعٍ، فَبَقَيْتُ كَالْمُتَحَيِّرِ لا أَجِدُ وَزَرًا، فَإِنِّي لَكَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَوَارِسُ عَلَى خُيُولٍ كَأَنَّهَا قُضُبُ الشَّوْحَطِ، تَهْوِي هَوِيَّ الأَجَادِلِ، عَلَيْهَا كُلُّ غِطْرِيفٍ مَاجِدٍ مُتْرَفٍ كَالْحُسَامِ، وَخَلْفَهُمْ سَلُوقِيَّةٌ فِي أَرْسَاغِهَا فَدَعٌ، وَفِي أَعْجَازِهَا قِمَعٌ، فَمَرَرْنَا بِمَوزٍ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ كَأَنَهُ جُثَثُ الْيَرَابِيعِ، قَدِ احْلَوْلَكَ أَقْنَاؤُهُ فَيَا لَكَ مِنْ مَنْزِلٍ كَرُمَ مَآبُهَ، وَضَنَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَنَزَلْنَا، فَكُنَّا بَيْنَ آكِلٍ وَنَاشِلٍ وَمُشْتَوٍ وَطَاهٍ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، يَقُولُ: اجْتَمَعَ ثَلاثَةٌ مِنَ الرُّوَاةِ، فَقَالَ قَائِلٌ: أَيُّ نِصْفِ بَيْتِ شِعْرٍ أَحْكَمُ، وَأَوْجَزُ، قَالَ الأَوَّلُ: قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَصِحَّ وتَسْلَما وَقَالَ الثَّانِي: بَلْ قَوْلُ الْهُذَلِيِّ: نُوكَّلُ بِالأَدْنَى وَإِنْ جَلَّ مَا يَمْضِي وَقَالَ الثَّالِثُ: بَلْ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيبٍ الْهُذَلِيُّ: وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْرَعُ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: قَالَ جَابِرُ بْنُ سَلْمَى بْنِ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ: كَانَ وَاللَّهِ لا يَضِلُّ حَتَّى يَضِلَّ النَّجْمُ وَلا يَعْطَشُ حَتَّى يَعْطَشَ الْبَعِيرُ، وَلا يَهَابُ حَتَّى يَهَابَ السَّيْلُ، وَكَانَ وَاللَّهِ خَيْرَ مَا يَكُونُ حِينَ لا تَظُنُّ نَفْسٌ بِنَفْسٍ خَيرًا
стр. 57
وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: مَرَّ بِشْرُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ بَإِبْرَاهِيمَ بْنِ جَبْلَةَ بْنِ مَخْرَمَةَ السَّكُونِيِّ الْخَطِيبِ، وَهُوَ يُعَلِّمُ فِتْيَانَهُمُ الْخَطَابَةَ، فَوَقَفَ بِشْرٌ، فَظَنَّ إِبْرَاهِيمُ أَنَّهُ إِنَّمَا وَقَفَ لِيَسْتَفِيدَ أَوْ يَكُونَ رَجُلا مِنَ النَّظَّارَةِ، فَقَالَ بِشْرٌ: اضْرِبُوا عَمَّا قَالَ صَفْحًا، وَاطْوُوا عَنْهُ كَشْحًا.
ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِمْ صَحِيفةً مِنْ تَحْبِيرِهِ وَتَنْمِيقِهِ وَكَانَ أَوَّلُ ذَلِكَ الْكَلامِ: خُذْ مِنْ نَفْسِكَ سَاعَةَ نَشَاطِكَ، وَفَرَاغَ بَالِكَ فِي إِجَابَتِهَا إِيَّاكَ، فَإِنَّ فَلِيلَ تِلْكَ السَّاعَةِ أَكْرَمُ جَوْهَرًا، وَأَشْرَفُ حَسَبًا وَأَسْرَعُ فِي الأَسْمَاعِ، وَأَحْلَى فِي الصُّدُورِ، وَأَسْلَمُ مِنْ فَاحِشِ الْخَطَأِ، وَأَجْلَبُ لِكُلِّ عَيْنٍ وَغُرَّةٍ، مِنْ لَفْظٍ شَرِيفٍ، وَمَعْنًى بَدِيعٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ أَجْدَى عَلَيْكَ مِمَّا يُعْطِيكَ يَوْمُكَ الأَطْوَلُ بِالْكَدِّ وَالْمُجَاهَدَةِ، وَبِالتَّكَلُّفِ وَالْمُعَاوَدَةِ، وَمَهْمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يُخْطِئْكَ أَنْ يَكُونَ مَقْبُولا قَصْدًا، وَخَفِيفًا عَلَى اللِّسَانِ سَهْلا، وَكَمَا خَرَجَ مِنْ يَنْبُوعِهِ، وَنَجَمَ مِنْ مَعْدِنِهِ، وِإِيَّاكَ وَالتَّوَعُّرَ، فَإِنَّ التَّوَعُّرَ يُسْلِمُكَ إِلَى التَّعْقِيدِ، وَالتَّعْقِيدُ هُوَ الَّذِي يَسْتَهْلِكُ مَعَانِيَكَ، وَيَشِينُ أَلْفَاظَكَ، وَمَنْ أَرَاغَ مَعْنًى كَرِيمًا فَلْيَلْتَمِسْ لَهُ لَفْظًا كَرِيمًا.
فَإِنَّ حَقَّ الْمَعْنَى الشَّرِيفِ اللَّفْظُ الشَّرِيفُ.
وَمِنْ حَقِّهِمَا أَنْ تَصُونَهُمَا عَمَّا يُفْسِدُهُمَا وَيُهَجِّنُهُمَا، وَعَمَّا تَعُودُ مِنْ أَجْلِهِ أنْ تَكُونَ أَسْوَأَ حَالا مِنْكَ قَبْلَ أَنْ تَلْتَمِسَ إِظْهَارَهُمَا، وَتَرْتَهِنَ نَفْسَكَ فِي مُلابَسَتِهِمَا وَفَصَاحَتِهِمَا.
وَكُنْ فِي ثَلاثِ مَنَازِلَ، فَإِنَّ أَوَّلَ الثَّلاثِ: أَنْ يَكُونَ لَفْظُكَ رَشِيقًا عَذْبًا، وَفَخْمًا سَهْلا، وَيَكُونَ مَعْنَاكَ ظَاهِرًا مَكْشُوفًا، وَقَرِيبًا مَعْرُوفًا، إِمَّا عِنْدَ الْخَاصَّةِ إِنْ كُنْتَ لِلْخَاصَّةِ قَصَدْتَ، وَإِمَّا عِنْدَ الْعَامَّةِ، إِنْ كُنْتَ لِلْعَامَّةِ قَصَدْتَ وَأَرَدْتَ.
وَالمَعْنَى لَيْسَ شَرَفًا بِأَنْ يَكُونَ مِنْ مَعَانِي الْخَاصَّةِ، كَذَلِكَ لَيْسَ يُتَصَنَّعُ بَأَنْ يَكُونَ مِنْ مَعْانِي الْعَامَّةِ، وَإِنَّمَا مَدَارُ الشَّرِفِ مَعَ الصَّوَابِ، وَإِحْرَازُ الْمَنْفَعَةِ مَعَ مُوَافَقَةِ الْحَالِ، وَمَا يَجِبُ لِكُلِّ مَقَامٍ مِنَ الْمَقَالِ.
وَكَذَلِكَ اللَّفْظُ الْعَامِّيُّ وَالْخَاصِّيُّ، فَإِنْ أَمْكَنَكَ أَنْ تَبْلُغَ مِنْ بَيَانِ لِسَانِكَ، وَبَلاغَةِ قَلْبِكَ، وَلُطْفِ مَدْخَلِكَ، وَاقْتِدَارِكَ فِي نَفْسِكَ عَلَى أَنْ تُفَهِّمَ الْعَامَّةَ مَعَانِيَ الْخَاصَّةِ، وَتَكْسُوَهَا الأَلْفَاظَ الْمُتَوَسِّطَةَ، الَّتِي لا تَلْطُفُ عِنْدَ الدَّهْمَاءِ، وَلا تَجْفُو عَنِ الأَكْفَاءِ، فَأَنْتَ الْبَلِيغُ التَّامُّ.
قَالَ بِشْرٌ: فَلَمَّا قُرِئَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنَا أَحْوَجُ إِلَى هَذَا مِنْ هَؤُلاءِ الْفِتْيَانِ
стр. 58
حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ شَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِيسَى بْنَ مُوسَى عَيِيٌّ، فَاشْتَهَيْتُ أَنْ أَسْمَعَ كَلامَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ الْمَهْدِيُّ ذَاتَ لَيْلَةٍ بَكَرَ إِلَى الْمَسْجِدِ لِيَخْلَعَ عِيسَى بْنَ مُوسَى، فَغَدَوْتُ وَدَنَوْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَجَاءَ الْمَهْدِيُّ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى صَارَ عَلَى قُلَّتِهِ، وَجَاءَ عِيسَى بْنُ مُوسَى، فَصَعِدَ وَهُوَ يَعْصِرُ عَيْنَهُ، حَتَّى صَارَ دُونَهُ بِعَتَبَةٍ، فَقُلْتُ: جَاءَ مَا كَانَ يُقَالُ فِيهِ.
فَغَمَزَهُ الْمَهْدِيُّ بِقَائِمِ سَيْفِهِ، فَقَامَ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى، وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لا أَخْلَعُهَا حَيْثُ أَخْلَعُهَا رَغْبَةً وَلا رَهْبَةً، وَمَا أَخْلَعُهَا إِلا لِحَقْنِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ خَلَعْتُ الْبَيْعَةَ عَنْ عُنُقِي، وَبَايَعْتُ لِمُوسَى، ثُمَّ وَلَّى وَجْهَهُ إِلَى الْمَهْدِيِّ فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى يَدِهِ
حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: دَخَلَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ عَلَى مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي دَارِهِ، وَكَانَتْ دَارُهُ شَارِعَةً عَلَى رُحْبَةِ بَنِي تَمِيمٍ، عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَقَالَ: أَجِزْنِي بِجَائِزَةٍ مِثْلِي، وَاحْمِلْنِي عَلَى فَرَسٍ مِثْلِي، وَمُرْ لِي بِسِلاحٍ مِثْلِي.
فَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ وَحَمَلَهُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ، وَأَمَرَ لَهُ بِسِلاحٍ تَامٍّ.
وَخَرَجَ مِنْ عِنْدَهُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ عَلَى حِلَقِ الْمَسَجِدِ، فَيَقُولُونَ: يَا أَبَا ثَوْرٍ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَخَا بَنِي سُلَيْمٍ؟ فَيَقُولُ: بَارَكَ اللَّهُ عَلَى حَيِّ سُلَيْمٍ، مَا أَصْدَقَ فِي الْهَيْجَاءِ لِقَاهَا، وَأَثْبَتَ فِي النَّوَازِلِ بَلاهَا، وَأَجْزَلَ فِي النَّائِبَاتِ عَطَاهَا، وَاللَّهِ لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ فَمَا أَجْبَنْتُهُمِ، وَهَاجَيْتُهُمْ فَمَا أَفْحَمْتُهُمْ، وَسَأَلْتُهُمْ فَمَا أَبْخَلْتُهُمْ
قِيلَ لِأَبِي الزِّنَادِ: لِمَ تُحِبُّ الدَّرَاهِمَ وَهِيَ تُدْنِيكَ مِنَ الدُّنْيَا؟ قَالَ: هِيَ وَإِنْ أَدْنَتْنِي مِنْهَا فَقَدْ صَانَتْنِي عَنْهَا
سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ: مَا أَشَدَّ حُبَّكَ لِلدَّرَاهِمِ! قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَشَدَّ حُبًّا لِمَا يَنْفَعُهُ مِنِّي
حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، قَالَ: قِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: كَمْ تَتَأَخَّرُ الرُّؤْيَا؟ فَقَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّ كَلْبًا أَبْقَعَ يَلِغُ فِي دَمِهِ، فَكَانَ شَمِرُ بْنِ ذِي الْجَوْشَنِ قَاتُلُ الْحُسَيْنِ ﵇ ذَلِكَ» ، كَانَ أَبْرَصَ، وَكَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَا بَعْدَ سِتِّينَ سَنَةٍ
٨٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ جَوَارِيهِ، فَقَالَ لَهُنَّ: تُغَنِّيِنَّ لِمَعْبَدٍ؟ فَفَعَلْنَ.
فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: هَذَا الْحِدَاءُ.
فَقَالَ لَهُنَّ: تُغَنِّينَ لِلْغَرِيضِ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: هَذَا الْبُكَاءُ.
فَقَالَ لَهُنَّ: تُغَنِّينَ لِابْنِ سُرَيْجٍ؟ فَفَعَلْنَ.
فَنَفَضَ ابْنُ عُمَرَ ثَوْبَهَ وَقَامَ وَقَالَ: هَذَا الَّذِي نُهِينَا عَنْهُ "
قَدِمَ ابْنُ جَامِعٍ مَكَّةَ، فَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةِ: بَلَغَنِي أَنَّ هَذَا السَّهْمِيَّ قَدْ جَاءَ بِمَالٍ كَثِيرٍ.
стр. 59
قَالَ: أَجَلْ، وَعَلامَ يُعْطُونَهُ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ يُغَنِّيهِمْ.
قَالَ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ يُغَّنِيهِمُ؟ قَالَ: بِشِعْرٍ.
قَالَ: فَتَرْوِي مِنْهُ شَيئًا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: هَاتِهِ.
فَأَنْشَدَهُ:
أَطُوِّفُ بِالْبَيْتِ فِي الطَّائِفِينَ ... وَأَرْفَعُ مِنْ مِئْزَرِي الْمُسْبَلِ
فَقَالَ: أَحْسَنَ وَأَجْمَلَ.
هِيهِ! فَقَالَ:
وَأَسجُدُ بِاللَّيْلِ حَتَّى الصَّبَاحِ ... أَتْلُو مِنَ الْمُحْكَمِ الْمُنْزَلِ
فَقَالَ: جَزَى اللَّهُ هَذَا خَيرًا.
هِيهِ! فَقَالَ:
عَسَى فَارِجُ الْكَرْبِ عَنْ يُوسُف ... يُسَخِّرُ لِي رَبَّةَ الْمَحْمَلِ
قَالَ: فَأَشَارَ بِيَدِهِ: أَمْسِكَ أَمْسِكَ.
٩١ - حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ، قَالَ: سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَلِّمْنِي شَيئًا يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، قَالَ: " احْفَظْ عَنِّي ثَلاثًا: لا تَنْتَفِيَنَّ مِنْ وَلَدٍ نَكَحْتَ أُمَّهُ، وَاعْلَمْ أَنْ كُلَّ أَمَانَةٍ مُؤَدَّاةٌ، وَأَنَّ الرَّغَائِبَ فِي رَكْعَتِي الْفَجْرِ ".
ثُمَّ انْصَرَفَ
٩١ - فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ: «هَلْ حَفِظْتَ الثَّلاثَ» ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: " احْفَظْ إِلَيْهِنَّ ثَلاثًا أُخَرَ: اعْلَمْ أَنَّ «مَنْ كَثُرَ مَالُهُ اشْتَدَّ حِسَابُهُ، وَمَنْ كَثُرَ تَبَعُهُ كَثُرَ شَيْاطِينُهُ، وَأَنَّ الْعَبْدَ كُلَّمَا ازْدَادَ مِنَ السُّلْطَانِ قُرْبًا ، ازْدَادَ مَنَ اللَّهِ بُعْدًا»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، عَنِ الأَحْنَفِ، أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: " أَتَعْجَبُونَ مِنْ أَخْلاقِي وَعِلْمِي؟ إِنَّمَا هَذَا شَيْءٌ اسْتَفَدْتُهُ مِنْ عَمِّي صَعْصَعَةَ، فَإِنِّي أَنَا فِي ذَوْدٍ لِأَبِي أَرْعَاهَا إِذْ عَرَضَ لِي وَجَعٌ فِي بَطْنِي، فَلَبِثْتُ أَيَّامًا أَشْتَهِي أَنْ أَرَى بَعْضَ أَهْلِي، فَأَشْكُو إِلَيْهِ، إِذْ مَرَّ بِي عَمِّي صَعْصَعَةُ يَنْتَجِعُ أَرْضًا، فَمَشَيْتُ مَعَهُ.
أَوْ قَالَ: سِرْتُ مَعَهُ، فَذَهَبْتُ أَشْكُو إِلَيْهِ، فَأَسْكَتَنِي، ثُمَّ مَشَيْتُ أَشْكُو إِلَيْهِ فَأَسْكَتَنِي، أَحْسَبُهُ قَالَ: الثَّالِثَةَ.
ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي لا تَشْكُ الَّذِي يَنْزِلُ بِكَ إِلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَإِنَّمَا الْحَيَاةُ رَجُلانِ: صَدِيقٌ فَيَسُوءُهُ مَا تَشْكُو إِلَيْهِ، أَوْ عَدُوٌّ فَيَسُرُّهُ، وَلا تَشْكُ الَّذِي يَنْزِلُ بِكَ إِلَى مَخْلُوقٍ مِثْلِكَ لا يَسْتَطَيْعُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مِثْلَ الَّذِي نَزَلَ بِكَ.
وَلَكِنِ اشْكُ ذَلِكَ إِلَى الَّذِي ابْتَلاكَ، وَالَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُفَرِّجَهُ عَنْكَ، يَا ابْنَ أَخِي، هَلْ تَرَى عَيْنِي هَذِهِ؟ مَا أَبْصَرْتُ بِهَا سَهْلا وَلا جَبَلا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، مَا أَطْلَعْتُ عَلَى ذَلِكَ زَوْجَتِي، وَلا أَحَدًا مِنْ أَهْلِي
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: " كَانَ بِأَرْضِ الْيَمَامَةِ رَجُلٌ مِنْ رَبِيعَةَ، يُقَالُ لَهُ: جَحْدَرُ بْنُ مَالِكِ الْعِجْلِيُّ، وَكَانَ شَاعِرًا شُجَاعًا فَاتِكًا، وَقَدْ أَبَرَّ أَبَدًا عَلَى أَهْلِ حَجْرٍ، وَمَا يَلِيهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ الْحَجَّاجَ، فَكَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ عَلَى الْيَمَامَةِ، يُؤَنِّبُهُ وَيَلُومُهُ بِتَلَعُّبِ جَحْدَرٍ بِهِ، وَيَأْمُرُهُ بِالتَّجَرُّدِ فِي طَلَبِهِ، وَالْبَعْثِ بِهِ إِلَيْهِ إِنْ ظَفِرَ بِهِ.
стр. 60
فَلَمَا أَتَى الْعَامِلَ كِتَابُ الْحَجَّاجِ، دَسَّ إِلَيْهِ فِتْيَةً مِنْ قَوْمِهِ، وَوَعَدَهُمْ أَنْ يُوفِدَهُمْ مَعَهُ إِلَى الْحَجَّاجِ إِنْ هُمْ ظَفِرُوا بِهِ، فَخَرَجَ الْفِتْيَةُ حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُ بَعَثُوا إِلَيْهِ أَنَّهُمْ يُريدُونَ صُحْبَتَهُ وَالْكَيْنُونَةَ مَعَهُ.
فَمَكَثُوا بِذَلِكَ حَتَّى إِذَا أَصَابُوا مِنْهُ غِرَّةً شَدُّوا عَلَيْهِ، وَأَوْثَقُوهُ وَقَدِمُوا بِهِ عَلَى الْعَامِلِ، فَبَعَثَ الْعَامِلُ بِهِمْ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَلَمَّا جَاوَزُوا بَجَحْدرٍ حَجْرًا أَنْشَأَ يَقُولُ:
لَقَدْ مَا هَاجَنِي فَازْدَدْتُ شَوْقًا ... بُكَاءُ حَمَامَتَيْنِ تُجَاوِبَانِي
تُجَاوِبُنَا بِلَحْنٍ أَعْجَمِيٍّ ... عَلَى غُصْنَيْنِ مِنْ عَرَبٍ وَبَانٍ
فَقُلْتُ لِصَاحِبِيَّ وَكُنْتُ أَحْدُو ... بِبَعْضِ الْقَوْلِ مَاذَا تَحْدُوَانِ؟
فَقَالا: الدَّارُ جَامِعَةٌ قَرِيبًا ... فَقُلْتُ: بَلْ أَنْتُمَا مُتَمَنِّيَانِ
فَكَانَ الْبَانُ أَنْ بَانَتْ سُلَيْمَى ... وَفِي الْغَرْبِ اغْتِرَابٌ غَيْرُ دَانِي
إِذَا جَاوَزْتُمَا نَخَلاتِ حَجْرٍ ... وَأَنْدِيَةَ الْيَمَامَةِ فَانْعَيَانِي
وَقُولا: جَحْدَرٌ أَمْسَى رَهِينًا ... يُعَالِجُ وَقْعَ مَصْقُولٍ يَمَانِي
كَذَا الْمَغْرُورُ فِي الدُّنْيَا سَيَرْدَى ... وَتُهْلِكُهُ الْمَطَامِعُ وَالأَمَانِي
فَلَمَّا قُدِمَ بِهِ عَلَى الْحَجَّاجِ، قَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: أَأَنْتَ جَحْدَرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَصَلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، أَنَا جَحْدَرٌ.
قَالَ: فَمَا الَّذِي حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: جَرَاءَةُ الْجَنَانِ، وَكَلَبُ الزَّمَانِ، وَجَفْوَةُ السُّلْطَانِ.
فَقَالَ لَهُ: وَمَا الَّذِي بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ، فَيَجْتَرِئَ جَنَانُكَ، وَيُكْلَبَ زَمَانُكَ، وَيَجْفُوَكَ سُلْطَانُكَ؟ قَالَ: لَوْ بَلانِي الأَمِيرُ لَوَجَدَنِي مِنْ صَالِحِ الأَعْوَانِ، وَبُهْمِ الْفُرْسَانِ، وَأَمَّا جَرَاءَةُ جَنَانِي، فَإِنِّي لَمْ أَلْقَ فَارِسًا قَطُّ إِلا كُنْتُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِي مُقْتَدِرًا.
فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: يَا جَحْدَرُ إِنَّا قَاذِفُونَ بِكَ فِي حَيْرٍ فِيهِ أَسَدٌ، فَإِنْ هُوَ قَتَلَكَ كَفَانَا مَئُونَتَكَ، وَإِنْ أَنْتَ قَتَلْتَهُ خَلَّيْنَا عَنْكَ، وَأَحْسَنَّا جَائِزَتَكَ، قَالَ: نَعَمْ، أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ قَرَّبْتَ الْمِحْنَةَ، وَأَعْظَمْتَ الْمِنَّةَ، افْعَلْ ذَلِكَ إِذَا شِئْتَ، فَأَمَرَ بِهِ، فَقُيَّدَ وَحُبِسَ، وَكَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ عَلَى كَسْكَرَ يَأْمُرُهُ بِالْبَعْثَةِ إِلَيْهِ بِأَسَدٍ ضَارٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَسَدٍ، قَدْ أَبَرَّ عَلَى أَهْلِ كَسْكرَ فِي صُنْدُوقٍ يَجُرُّهُ ثَوْرَانِ، فَلَمَّا قَدِمَ بِهِ عَلَى الْحَجَّاجِ أَمَرَ بِهِ فَأُدْخِلَ فِي حَيْرٍ، وَسُدَّ بَابُ الْحَيْرِ، وَجُوِّعَ ثَلاثةَ أَيَّامٍ، فَأُتِيَ بِجَحْدَرٍ، فَأُمْكِنَ مِنْ سَيفٍ قَاطِعٍ، وَجَلَسَ الْحَجَّاجُ وَالنَّاسُ يَنِظُرُونَ إِلَيْهِمَا، فَلَمَّا نَظَرَ الأَسَدُ إِلَى جَحْدَرٍ قَدْ أَقْبَلَ وَمَعَهَ السَّيْفُ يَرْسُفُ فِي قُيوُدهِ، تَهَيَّأْ وَتَمَطَّى.
وَأَنْشَأَ جَحْدرٌ يَقُولُ:
لَيْثٌ وَلَيْثٌ فِي مَجَالِ ضَنْكِ ... كِلاهُمَا ذُو أَنَفٍ وَفَتْكِ
وَسُورَةٍ فِي صَوْلَةٍ وَمَحْكِ ... إِنْ يَكْشِفِ اللَّهُ قِنَاعَ الشَّكِ
مِنْ ظَفَرِي بِحَاجَتِي وَدَرْكِ ... فَذَاكَ أَحْرَى مَنْزلٍ بِتَرْكِ
فَوَثَبَ إِلَيْهِ الأَسَدُ وَثْبَةً شَدِيدَةً، وَتَلَقَّهَا جَحْدَرٌ بِالسَّيْفِ، فَضَرَبَ هَامَتَهِ، فَفَلَقَهَا، حَتَّى خَالَطَ ذُبَابُ السَّيْفِ لَهَوَاتِهِ.
وَسَقَطَ جَحْدَرٌ مِنْ شِدَّةِ وَثْبَةِ الأَسَدِ، وَتَخَضَّبَتْ ثِيَابُهُ مِنْ دَمِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
стр. 61
يَا جُمْلُ إِنَّكِ لَوْ رَأَيْتِ كَرِيهَتِي ... فِي يَوْمِ هَيْجٍ مُسَدِفٍ وَعَجَاجِ
وَتَصَدُّفِي لِلَّيْثِ أَرسُفُ مُوهِنًا ... كَيْمَا أُكَابِرَهُ عَلَى الأَحْدَاجِ
جَهْمٌ كَأَنَّ جَبِينَهُ لَمَّا بَدَا ... طَبَقٌ مُتَغَجِّرُ الأَثْبَاجِ
يَسْمُو بَنَاظِرتَيْنِ تَحْسَبُ فِيهِمَا ... لَمَّا أَجَالَهُمَا شُعَاعُ سِرَاجِ
وَكَأَنَّمَا خِيطَتْ عَلَيْهِ عَبَاءةٌ ... بُرْقًا أَوْ خُلُقٌ مِنَ الدِّيبَاجِ
قَرْنَانِ مُحْتَضِرَانِ قَدْ مَخَضَتْهُمَا ... أُمُّ الْمَنِيَّةِ غَيْرُ ذَاتِ نِتَاجِ
وَعَلِمْتُ أَنِّي إِنْ أَبَيْتُ نِزَالَهُ ... إِنِّي مِنَ الْحَجَّاجِ لَسْتُ بِنَاجٍ
فَفَلَقْتُ هَامَتَهُ فَخَرَّ كَأَنَّهُ ... أَطَمٌ تَسَاقَطَ مَائِلَ الأَبْرَاجِ
ثُمَّ انْثَنَيْتُ وَفِي ثِيَابِيَ شَاهِدٌ ... مِمَّا جَرَى مِنْ شَاحِبِ الأَوْدَاجِ
أَيْقَنْتُ أَنِّي ذُو حِفَاظٍ مَاجِدٌ ... مِنْ سِرِّ أَمْلاكٍ ذَوِي أَتْوَاجِ
مِمَّنْ يَغَارُ عَلَى النِّسَاءِ حَفِيظَةً ... إِذْا لا يَثِقْنَ بِغَيْرَةِ الأَزْوَاجِ
فَقَالَ الْحَجَّاجُ: يَا جَحْدُرُ، إِنْ أَحْبَبْتَ الْمَقَامَ مَعَنَا فَأَقِمْ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ الِانْصِرَافَ إِلَى بِلادِكَ فَانْصَرِفْ، فَقَالَ: بَلْ أَخْتَارُ صُحْبَةَ الأَمِيرِ، وَالْكَيْنُونَةَ مَعَهُ، فَفَرضَ لَهُ فِي شَرَفِ الْعَطَاءِ، وَأَقَامَ بِبَابِهِ
٩٤ - حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الأَثْرَمُ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى، قَالَ: لَمَّا ادَّعَى مُعَاوِيَةُ زِيَادًا، وَآثَرَ عَمْرَو بْنِ الْعَاصِ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَقَرَّبَهُمَا دُونَهُمْ جَزِعَ بَنُو أُمَيَّةَ مِنْ ذَلِكَ جَزَعًا شَدِيدًا، وَاجْتَمَعُوا فِي ذَلِكَ، فَأَتَوْا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فِي بَيْتِهِ، وَقَدْ كَتَبَ لَهُ مُعَاوِيَةُ عَهْدَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْبِرَ يَوْمَهُ ذَلِكَ.
فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا مَرْوَانُ، إِنَّكَ شَيْخُنَا وَكَبِيرُنَا، وَقَدْ تَرَى مَا رَكِبَنَا مُعَاوِيَةُ مِنْ أَمْرٍ لَيْسَ لَنَا عَلَيْهِ صَبْرٌ وَلا قَرَارٌ، وَلا يَنَامُ عَنْ مِثْلِهِ الأَحْرَارُ، إِدْخَالُهُ فِينَا مَنْ لَيْسَ مِنَّا، يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَهُ عَلَى حُرُمِنَا وَنِسَائِنَا، وَقَدِ اجْتَمَعَ رَأْيُنَا عَلَى أَنْ تَأْتِيَهُ فَتُعَاتِبَهُ.
فَإِنْ رَجَعْ قَبِلْنَا، وَإِنْ أَبَى اعْتَزَلْنَا.
فَقَالَ مَرْوَانُ: قَدْ وَاللَّهِ كَلَّمْتُهُ فِي هَذَا الأَمْرِ غَيْرَ مَرْةٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى شَيْءٍ مِمَّا أُحِبُّ، بَلْ يُظْهِرُ لِي التَّعَتُّبَ وَالتَّغَضُّبَ، وَيَزْعُمُ أَنِّي فِي هَذَا الأَمِرِ أَوْحَدُ.
فَقَالَ لَهُ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ: يَا مَرْوَانُ، بَلْ وَاللَّهِ تُحَامِي عَلَى عَهْدِكَ.
فَقَالَ مَرْوَانُ: وَاللَّهِ لَصَلاحُكُمْ فِي فَسَادِ عَهْدِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ فَسَادِكُمْ فِي صَلاحِ عَهْدِي.
فَأْتُوهُ فِإِنَّهُ رَجُلٌ لَهُ إِرَبٌ وَنَظَرٌ، فَكَلِّمُوهُ بِمِلْءِ أَفْوَاهِكُمْ.
قَالَ: فَانْطَلَقَ الْقَوْمُ فَاسْتَأْذَنُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَسَلَّمُوا، فَأَحْسَنَ الرَّدَّ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ: أَهَلا وَسَهْلا، قَرَّبَ اللَّهُ الدِّيَارَ وَأَدْنَى الْمَزَارَ.
أَزِيَارَةٌ فَتُحْظَى؟ أَمْ حَاجَةٌ فَتُقْضَى؟ أَمْ سَخْطَةٌ فَتُرْضَى؟ فَقَالَوا: كَلا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
стр. 62
قَالَ: هَاتُوا فَجَلَسَ الْقَوْمُ، وَمَثَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ بَيْنَ يَدَيِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، جَاءَتْكَ عِصَابَةٌ مِنْ رَهْطِكَ، وَأَحْرَارٌ مِنْ أُسْرَتِكَ، كُلُّهُمْ عَارِفٌ بِفَضْلِكَ، رَاعٍ لِحَقِّكَ، تَابِعٌ لأمْرِكَ، رَافِعٌ لِذِكْرِكَ، فِي أَمْرٍ سِتْرُهُ خَيْرٌ مِنْ نَشْرِهِ، وَتَرْكُهُ خُيرٌ مِنْ ذِكْرِهِ، لِعِظَمِ الْبَلِيَّةِ وَالْخَطِيئَةِ وَاللأْوَاءِ، وَالْبَلْوَى وَالآفَاتِ وَالْعَاهَاتِ، وَاعْلَمْ أَنَّا لَمْ نَأْتِكَ تَجَنِّيًا، وَلا تَجَرُّمًا، وَلا تَعتُّبًا.
بَلْ جِئْنَاكَ فِي أَمْرٍ قَدْ عَجَزَتْ عَنْ حَمْلِهِ الْجُنُوبُ، وَضَاقَتْ بِهِ الْقُلُوبُ، وَكَرِهْنَا أنْ نَطْوِيَهُ عَنْكَ، فَيَثْبُتَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِنَا، مَا لا يُحْصَدُ لإِبَّانِهِ، وَلا يَبِيدُ لِزَمَانِهِ، فَإِنْ تَأذَنْ قَبِلْنَا، وَإِنْ تَأْبَ صَمَتْنَا، مَعَ أَنَّكَ إِنْ رَجَعْتَ إِلَى مَا نُحِبُّ حَمَدْنَا وَشَكَرْنَا، وَإِنْ تَأْبَ ذَلِكَ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَاتِ لِلِّهِ أَبُوكَ.
قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ وَلَدَ عَشْرَةً ذُكُورًا، وَلَدَ حَرْبًا وَأَبَا حَرْبٍ، وَسُفْيَانَ وَأَبَا سُفْيَانَ، وَعَمْرًا وَأَبَا عَمْرٍو، وَالْعَاصِيَ وَأَبَا الْعَاصِي، وَالْعِيصَ وَأَبَا الْعِيصِ، لَمْ يَلِدْ عُبَيْدًا عَبْدَ ثَقِيفٍ، وَلا الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ، وَقَدْ جَعَلْتَهُمَا شِعَارَكَ دُونَ دِثَارِكَ، بَلْ سِرْبَالَكَ دُونَ إِزَارِكَ، بَلْ نَفْسَكَ بَيْنَ جَنْبَيْكَ، ثُمَّ لَمْ تَرْضَ لابْنِ عُبَيْدٍ حَتَّى جَعَلْتَهُ ابْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَضِيهَةً لِأَبِيكَ، وَازْدِرَاءً بِبَنِيكَ، وَمَعَ أَنَّ فِي ذَلِكَ السَّخْطَةَ مِنْ رَبِّكَ، وَالْمُخَالَفَةَ لِنَبِيِّكَ، ﷺ ، إِذْ قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرَ، فَقَضَيْتَ أَنْتَ بِالْوَلِدِ، ثُمَّ نَسَبْتَ أَبَاكَ عَاهِرًا، وَكَانَ غَنِيًّا عَنْ ذَلِكَ، فَشَهَرْتَ أَمْرًا كَانَ مَسْتُورًا، وَرَفَعْتَ أَمْرًا كَانَ حَقِيرًا، تُرِيدُ أَنْ تُدْخِلَهُ عَلَى حُرُمِكَ، وَتَمْنَحَ وَلَدَهْ غدًا نِسَاءَكَ.
ثُمَّ قَالَ:
أَتَرْضَى يَا مُعَاوِيَةُ بْنَ حَرْبٍ ... بَأَنْ تَحْبُو كَرَائِمُكَ الْعَبِيدَا
كَأَنِّي وَالَّذِي أَصْبَحْتُ عَبْدًا ... لَهُ بِالْقَوْمِ قَدْ شَرَكُوا يَزِيدَا
فَإِنْ تَرْجِعْ فَمَثْلُكَ زَادَ خَيْرًا ... وَإِنْ تَأبَ فَلَمْ تُطِعِ الرَّشِيدَا
وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَإِنَّكَ أَلْزَمْتَ نَفْسَكَ الْحَاجَةَ إِلَيْهَ، فَأَلْزَمَ نَفْسَهُ الْغِنَى عَنْكَ، وَايْمُ اللَّهِ لَنَحْنُ أَنْصَعُ جُيُوبًا، وَأَقَلُّ عُيُوبًا، وَأَمَسُّ رَحِمًا، وَأَوْجَبُ حَقًّا مِنْهُ، وَمَا مَنْ أَمْرٍ يَبْلُغُ فِيهِ بِنَا عَنْهُ تَقْصِيرٌ، غَيْرَ أَنَّكَ رَفَعْتَ الْمَرْءَ فَوْقَ قَدْرِهِ، فَطَغَى عَلَيْنَا بِفَخْرِهِ، وَزَخَرَ بِبَحْرِهِ، حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ شَيْءٌ وَليسَ بِشَيْءٍ.
وَإِنَّكَ وَإِيَّاهُ وَإِيَّانَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ الأَوَّلُ:
مِنَ النَّاسِ مَنْ يَصْلُ الأَبْعَدِينَ ... وَيَشْقَى بِهِ الأَقْرَبُ الأَقْرَبُ
стр. 63
ثُمَّ قَامَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ أَصْدَقُهُ، وَأَشَدَّ الْقَوْلِ أَمْلَقُهُ، وَإِنَّ الْحَقَّ الأَبْلَجَ أَقْوَمُ إِلَى طَرِيقِ النَّهْجِ، وَإِنَّكَ قَدْ أُتِيتَ أَمْرًا عَظِيمًا نَاهِيًا مُتَبَايِنًا، تَتَابَعْتَ فِيهِ، وَرَكِبْتَ فِي ذَلِكَ عَقَبَةً كَئُودًا، صَيْخَدًا صَيْخُودًا، فِي تَنَائِفَ لا يُهْتَدَى فِيهِا بِدَلِيلٍ، وَلا يُؤَمُّ فِيهَا قَصْدُ السَّبِيلِ، قَصَّرْتَ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِكَ، وَأَزْرَيْتَ بِأَبِيكَ، فَإِنْ تَرْجِعْ قَبِلْنَا، وَإِنْ تَأْبَ غَضِبْنَا، فَارْجِعْ إِلَى اللَّهِ، تَبَارَكَت أسْمَاؤُهُ، وَانْظُرْ مَا الَّذِي أَقْدَمْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّكَ عَمَدْتَ إِلَى امْرِئٍ لا رَحِمَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، وَلا هَوَادَةَ، وَإِنَّمَا عَهْدُكَ بِهِ بِالأمْسِ وَهُوَ عَامِلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، يَلْعَنُكَ وَيَلْعَنُ أَبَاكَ، وَأَهْلَ بَيْتِكَ عَلى الْمِنْبَرِ، يَتَأَوَّلُ فِينَا الْقُرْآنَ، وَيَقُولُ الْبُهْتَانَ، وَقَدْ كُنْتَ تَخْتَزِي مِنْ ذَلِكَ، إِذَا عَظَّمْتَهُ أَنْ تَجْعَلَهُ وَزِيرًا وَخُلْصَانًا فَلا يُعَابُ ذَلِكَ عَلَيْكَ، وَلا يُنْسَبُ الْخَطَأُ إِلَيْكَ، فَلَمْ يَرْضَ حَتَّى نَسَبْتَهُ إِلَى أَبِي سُفْيانَ إِلَى نَسَبٍ.
إِنْ يُقْبَلْ مِنْكَ عُيِّرْتَ بِهِ آخِرَ دَهْرِكَ، وَإِنْ رُدَّ عَلَيْكَ أُزْرِيتَ بَهِ، وَصَدَّقْتَ فِي ذَلِكَ قُولَ الشَّاعِرِ، حَيْثُ يَقُولُ:
أَلا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ ... مُغَلْغَلَةً مِنَ الرَّجُلِ الْيَمَانِي
أَتَغْضَبُ أَنْ يُقَالَ أَبُوَكَ عَفٌّ ... وَتَرْضَى أَنْ يُقَالَ أَبُوكَ زَانِ
فَأَشْهَدُ أَنَّ رَحْمَكَ مِنْ زِيَادٍ ... كَرَحْمِ الْفِيلِ مِنْ وَلَدِ الأَتَانِ
وَايْمُ اللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَقَدْ تَفَخَّذُوا نَسَاءَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ بَنَسَبِ أَبِي سُفْيَانَ، فَهَذَا مَا وَصَلْتَ بِهِ كَرَائِمَكَ مِنْ بِعْدِكَ، وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَإِنَّكَ آثَرْتَهُ عَلَيْنَا، وَأَدْنَيْتَهُ دُونَنَا، وَنَحْنُ فِي حَالٍ وَعَمْرٌو فِي أُخْرَى، أَمَّا نَحْنُ فَنُعَامِلُ النَّاسَ بِالْوَفَاءِ وَالْحَياءِ، وَعَمْرٌو يُعَامِلُ النَّاسَ بِالْمَكْرِ وَالْخِدَاعِ، وَمَنْ كَانَ ذَلِكَ فَلا وَفَاءَ لَهُ، وَقَدْ تَبَيَّنَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ غِشُّهُ إِيَّاهُ فِي بَعْضِ الْحَالاتِ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِمَنْ غَشَّ أَوَّلا أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ آخِرًا.
ثُمَّ دَخَلَ مَرْوَانُ عِنْدَ جِلُوسِ الْقَوْمِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هِيهِ يَا مَرْوَانُ، أَعَنْ رَأْيكَ صَدَرَ هَؤُلاءِ حَتَّى أَسْمَعُونِي مَا أَكْرَهُ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ تَدْرِي مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُكَ؟ قَالَ: هَاتِ تَخْطِيطًا كَتَخْطِيطِ أَصْحَابِكَ.
قَالَ: إِنَّ عَديَّ بْنَ زَيْدٍ الْعَبَّادِيَّ نَصَحَ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ، وَقَدَّمَهُ عَلَى إِخْوَتِهِ، وَأَشَارَ عَلَى كِسْرَى بِوِلايَتِهِ، فَكَانَ جَزَاؤُهُ مِنْهُ أَنْ حَبَسَهُ فِي السِّجْنِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ وَهُوَ مَحْبُوسٌ:
أَبَا مُنْذِرٍ جَازَيْتَ بِالْوِدِّ بُغْضَةً ... فَمَاذَا جَزَاءُ الْمُبْغَضِ الْمُتَبَغَّضِ
مُجَازَاتُهُ فِي ذَا الْمِثَالِ كَرَاهَةٌ ... وَلَسْتُ لِشيءٍ بَعَدُ بِالْمُتَعَرِّضِ
стр. 64
وَاعْلَمْ أَنَّا غَيْرُ مُتَعَرِّضِينَ لِشَيْءٍ مِنْ مُعَاتَبَتِكَ فِي هَذَا الأَمْرِ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَإِنْ تَرْجِعْ قَبِلْنَا، وَإِنْ تَأْبَ سَخِطْنَا، مَعَ أَنَّكَ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ قَدَرْتَ أَنْ تَتَكَثَّرَ بِالذَّبْحِ عَلَى آلِ أَبِي الْعَاصِ لَفَعَلْتَ، تَوَحُّشًا مِنْكَ لِعَدَدِهِمْ، وَتَكَرُّهًا مِنْكَ لِجَمْعِهِمْ، وَتَبَرُّمًا مِنْكَ بِهِمْ.
وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ جَزَاؤُهُمْ مِنْكَ.
لَقَدْ آثَرُوكَ وَأَكْرَمُوكَ.
فَمَا كَافَيْتَ، وَلا جَازَيْتَ، وَلا آسَيْتَ.
ثُمَّ جَلَسَ مَرْوَانُ، وَقَامَ مُعَاوِيَةُ فَدَخَلَ الْمَنْزِلَ، وَأَطَالَ الْمُكْثَ، ثُمَّ خَرَجَ قَاطِبًا مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، يَمْسَحُ عَارِضَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَى سَرِيرِهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
أَمَا وَالَّذِي نَادَى مِنَ الطُّورِ عَبْدَهُ ... نِدَاءً سَمِيعًا فَاسْتَجَابَ وَسَلَّمَا
لَقَدْ كِدْتُ لَوْلا اللَّهُ لا شَيْءَ غَيْرُهُ ... تَبَارَكَ رَبِّي ذُو الْعُلا أَنْ أُصَمِّمَا
وَلَكِنَّنِي رُوِّيتُ فِي الْحِلْمِ وَالنُّهَى ... وَقَدْ قَالَ فِيهِ ذُو الْمَقَالِ فَأَحْكَمَا
وَايْمُ اللَّهِ، مَعَ ذَلِكَ لَقَدْ قَطَعْتُمْ مِنْ زِيَادٍ رَحِمًا قَرِيبَةً، وَنَفْسًا حَبِيبَةً، وَقُلْتُمُ الْبُهْتَانَ فِي غَيْرِ مَا تَثَبُّتٍ وَلا بَيَانٍ، وَإِنِّي لَعَلَى يَقِينٍ مِنْ أَمْرِي، وَلَقَدْ وَضَعَ اللَّهُ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْبَغْيِ وَالْحَمِيَّةِ، وَطلَبِ التِّرَاتِ، وَذِكْرِ قَبِيحِ الأُمَّهَاتِ.
فَسَفْكُ الدِّمَاءِ، وَالشِّرْكُ بِرَبِّ السَّمَاءِ، أَعْظَمُ مِمَّا كَانَ فِيهِ أَبُو سُفْيَانَ.
وايْمُ اللَّهِ، مَا إِيَّاهُ رَاقَبْتُمْ، وَلا لِي نَظَرْتُمْ، بَلْ أَدْرَكَكُمُ الْحَسَدُ الْقَدِيمُ لِبَنِي حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ.
وَإِنَّ نَفْسِي لَتُؤَامِرُنِي أَنْ أُقِيمَ فِيكُمْ حَدَّ اللَّهِ، وَمَا أَرَاهُ يَسَعُنِي غَيْرُ ذَلِكَ.
وَلَئِنْ عُدْتُمْ إِلَى مَا أَرَى، وَجَاءَنِي مِنْ وَرَاءِ مَا أَكْرَهُ، لأَنْهَلَنَّكُمْ صَابًا، ثُمَّ لأُعِلَنَّكُمْ عَلْقَمًا، ثُمَّ لأُورِدَنَّكُمْ حِيَاضًا مَرِيرًا طَعْمُهَا، ثُمَّ لا تُتْرَكُونَ بِغَيْرِ كَرْعِهَا، وَإِنْ جَاءَكُمُ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، حَتَّى تَعْلَمُوا مَعَ طُولِ حِلْمِي، أَنْ قَدْ مُنِيتُمْ بِمَنْ إِنْ حَزَّ قَطَعَ، وَإِنْ هَزَّ أَوْجَعَ، ثُمَّ لا تُقَالُ لَكُمْ عِنْدِي الْعَثَرَاتُ، وَلا تُعْفَا لَكُمُ السَّيِّئَاتُ، ثُمَّ لَيُسْتَصْعَبَنَّ عَلَيْكُمْ مِنِّي مَا كَانَ سَهْلا، وَلَتَتْرُكُنَّ مَا كَانَ هَيَّنًا.
فَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ أَنِّي أَصَبْتُ السُّلْطَانَ وَالْمُلْكَ بَحَقِّكُمْ وَنِسْبَتِكُمْ، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ يَا آلَ الْعَاصِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قُتِلَ وَأَنْتُمْ حُضُورٌ وَأَنَا غَائِبٌ، فَوَاللَّهِ مَا كَانَ فِيكُمْ مَنْ مَدَّ بَاعًا، وَلا بَسَطَ ذِرَاعًا، بَلْ أَسْلَمْتُمُوهُ لِلْحُتُوفِ، وَشِمْتُمْ مِنْ بَعْدِهِ السِّيُوفَ، فَمَا نَصَرْتُمُوهُ، وَلا آسَيْتُمُوهُ، وَلا مَنَعْتُمُوهُ بُأَكْثَرَ مِنَ الَّكَلامِ، فَمَا أَبْلَيْتُمْ فِي ذَلِكَ عُذْرًا، وَلا أَلْهَبْتُمْ نَارًا.
стр. 65
وَإِنْ جَمِيعَ مَنْ أَلَّبَ عَلَيْهِ وَأَجْلَبَ لَسَبَبِكُمْ، وَإِيثَارِهِ إِيَّاكُمْ، وَبِذَلِكَ قُطِعَتْ أَوْدَاجُهُ عَلَى أَثْبَاجِهِ، وَسُفِكَ دَمُهُ، وَاسْتُحِلَّتْ حُرْمَتُهُ، فَمَا شَبَّبْتُمْ نَارًا، وَلا طَلَبْتُمْ ثَارًا، حَتَّى كُنْتُ أَنَا الطَّالِبَ بِالتِّرِاتِ، الْمُثْكِلَ لِلأُمَّهَاتِ، وَلَقَدْ مُنِيتُ فِي الطَّلَبِ بَدَمِهِ بِحَرْبِ امْرِئٍ لا تَخُورُ قَنَاتُهُ، وَلا تَنْصَدِعُ صِفَاتُهُ، مَنْ إِنْ فُزِّعْتُ لَمْ يَفْزَعْ.
وَإِنْ أُطْعِمْتُ لَمْ يَطْمَعْ، مَنْ لا يُطمَعُ فِي قَرَارِهِ، وَلا يُنامُ مِنْ حَذَارِهِ، بُلِيتُ وَاللَّهِ، بِلَيْثٍ ثَابِتَةٍ أَنْيَابُهُ، قَلِيلٍ غُلابُهُ، مُصَمِّمٍ غَضُوبٍ شَثْنٍ مَهِيبٍ، فَلَمْ أَزَلْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ صَابِرًا، حَتَّى قَضَى اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحِبُّ، وَهُوَ الْحَاكِمُ فِي مُلْكِهِ بِمَا يَشَاءُ، ﵎، فَأَدْرَكْتُ بِالثَّأْرِ إِذْ لَمْ تُدْرِكُوا، وَصَبَرْتُ إِذْ لَمْ تَصْبِرُوا، فَأَيُّنَا أَحَقُّ بِالشُّكْرِ، أَنَا لَكُمْ، أَمْ أَنْتُمْ لِي؟ وَقَدْ كَانَتْ تَبْلُغُنِي عَنْكُمْ هَنَاتٌ قَبْلَ مَخْضَةِ زُبْدَتِكُمْ، كُلُّ ذَلِكَ أَتَعَطَّفُ عَلَيْكُمْ بِحِلْمِي، وَأَتَحَنَّنُ عَلَيْكُمْ بِجَهْدِي.
وَكُنْتُ فِي ذَلِكَ، كَمَا قَالَ أَخُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ:
أَعُوذُ عَلَى ذِي الذَّنْبِ وَالْجَهْلِ مِنْكُمُ ... بِحِلْمِي وَلَوْ عَاقَبْتُ غَرَّقَكُمْ بَحْرِي
فَمَا بَالُ مَنْ يَسْعَى لأَجْبُرَ عَظْمَهُ ... حِفَاظًا وَيَنْوِي مِنْ سَفَاهَتِهِ كَسْرِي
وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُنِي قَطُّ إِلا وَنَفْسِي تَدْعُونِي إِلَى الْحِلْمِ قَبْلَ سَاعَتِي هَذِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانِي شَرَّ مَا دَعَتْنِي إِلَيْهِ نَفْسِي.
ثُمَّ قَالَ: أَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى أَمَا إِنِّي فِي وَعِيدِي إِيَّاكُمْ، كَمَا قَالَ الأَوَّلُ:
لَقَدْ كِدْتُمُ يَا آلَ بَكْرٍ سَفَاهَةً ... تُثِيرُونَ مِنِّي أَعْصَلَ النَّابِ ضَيْغَمًا
هِزَبْرًا هَرِيتًا يَكْرهُ الْقِرْنُ قُرْبَهُ ... إِذَا صَالَ مِنْ بَعْدِ الزَّئِيرِ وَصَمَّمَا
وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَهَا هُوَ حَاضِرٌ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُجِيبَ عَنْ نَفْسِهِ فَلْيَفْعِلْ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَدَعَ فَلْيَدَعْ، أَمَا إِنِّي أَرْضَاهُ لِلْخَصْمِ إِذَا جَمَحَ، وَلِلْقِرْنِ إِذَا طَمَحَ.
ثُمَّ سَكَتَ.
فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مَائِلا بَيْنَ يَدَيِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَا الَّذِي أَقُولُ يَوْمَ صِفِّينَ:
إِذَا تَخَازَرْتُ وَمَا بِي مِنْ خَزَرْ ... ثُمَّ كَسَرْتُ الْعَيْنَ مِنْ غَيْرِ عَوَرْ
أَلْفَيْتَنِي أَلْوِي بَعِيدَ الْمُسْتَمرْ ... أَحْمِلُ مَا حُمِّلْتُ مِنْ خَيرٍ وَشَرْ
стр. 66
إِنِّي وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَنَا بِالْغِرِّ وَلا الْغُمْرِ، وَلا الضَّرَعِ وَلا الْوَرِعِ، وَلا الْوَانِي، وَلا الْفَانِي، وَإِنِّي لَأَنَا الْحَيَّةُ الصَّمَّاءُ الَّتِي لا يُبَلُّ سَلِيمُهَا، وَلا يَنَامُ كَلِيمُهَا، وَإِنِّي لأَنَا الْمَرْءُ، إِنْ كَوَيْتُ أَنْضَجْتُ، وَإِنْ هَمَزْتُ كَسَرْتُ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُشَاوِرْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤَامِرْ، مَعْ أَنَّهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ عَايَنُوا مِنْ يَوْمِ الْهَرِيرِ مَا عَايَنْتُ، أَوْ وُلُّوا مِثْلُ مَا وُلِّيتُ، إِذْ شَدَّ عَلَيْنَا أَبُو حَسَنٍ فِي كَتَائِبَهُ مَعَ أَهْلِ الْبَصَائِرِ، وَأَبْطَالِ الْعَشَائِرِ، فَهُنَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ شَخَصَتِ الأَبْصَارُ، وَارْتَفَعَ الشَّرَارُ، وَقَلُصَتِ الْخُصَى إِلَى مَوَاضِعِ الْكُلَى، وَقَارَعَتِ الأُمَّهَاتُ عَنْ ثُكْلِهَا، وَذُهِلَتْ عَنْ حَمْلِهَا، وَاحْمَرَّ الْحِدَقُ، وَاغْبَرَّ الأُفُقُ، وَأَلْجَمَ الْعَرَقُ، وَسالَ الْعَلَقُ، وَارْتَفَعَ غُبَارُ الْقَتَامِ، وَصَبَرَ الْكِرَامُ، وَغَاضَ اللَّئَامُ، وَذَهَبَ الْكَلامُ، وَأُزْبِدَتِ الأَشْدَاقُ، وَقَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ، وَحَضَرَ الْفِرَاقُ، وَكَثُرَ الْعِنَاقُ، وَبَانَتِ الأَعْنَاقُ، وَقَامَتِ الرِّجَالُ فِي رَكْبِهَا مِنْ بَعْدِ فَنَاءٍ مِنْ نَبْلِهَا، وَتَقَصُّفٍ مِنْ رِمَاحِهَا، فَلا يُسْمَعُ إِلا التَّغَمْغُمُ مِنَ الرِّجَالِ، وَالتَّحَمْحُمُ مِنَ الْخَيْلِ، وَوَقْعُ السُّيوفِ فِي الْهَامِ.
فَدَارَ يَوْمُنَا ذَلِكَ حَتَّى طَفَقَنَا اللَّيْلُ بِغَسَقِهِ، ثُمَّ انْجَلَى الصُّبْحُ بَفَلَقِهِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنَ الْقِتَالِ إِلا الهَرِيرُ، وَالزَّئِيرُ.
أَمَا وَاللَّهِ لَعَلِمُوا أَنِّي أَعْظَمُ غَنَاءً، وَأَحْسَنُ بَلاءً، وَأَصْبَرُ عَلَى اللأْوَاءِ مِنْهُمْ، وَأَنِّي كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَأُغْضِي عَلَى أَشْيَاءَ لَوْ شِئْتُ قُلْتُهَا ... وَلَوْ قُلْتُهَا لَمْ أُبْقِ لِلصُّلْحِ مَوْضِعًا
فَإِنْ كَانَ عُودِي مِنْ نُضَارٍ فَإِنَّنِي ... لَأَكْرَهُ يَوْمًا أَنْ أُحَطِّمَ خَرْوَعًا
وَلَئِنْ جَعَلَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ شِعَارَهُ دُونَ دِثَارِهِ، أَوْ سِرْبَالَهُ دُونَ إِزَارِهِ، أَوْ نَفْسَهَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ، لَقَدْ أُولِيتُ ذَلِكَ، فَوَجَدْتُهُ شَكُورًا ذَكُورًا، إِذْ لَمْ تَشْكُرُوهُ، وَلَمْ تَذْكُرُوهُ، وَلا إِيَّايَ إِذْ طَلَبْنَا بِدَمِ عُثْمَانَ، إِذْ لَمْ تَحْسَبُوهُ، وَبَلَغْنَا الْغَايَةَ إِذْ لَمْ تَبْلُغُوا، وَإِذْ جَحَدْتُمْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنْتُمْ لِلنُّعْمَى أَنْكَرُ وَأَكْفَرُ، وَأَمَّا مَا زَعَمْتَ يَا سَعِيدُ بْنَ الْعَاصِ أَنِّي أُعَامِلُ النَّاسَ بِالْمَكْرِ وَالْخِدَاعِ، فَإِنِّي أَنَالُ بِالأَدَبِ، وَاللُّبِّ، وَالرِّفْقِ وَالصِّدْقِ، إِذْ خَرَقَ مَنْ لَمْ يَرْفُقْ، وَخَابَ مَنْ لَمْ يَصْدُقْ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ أَنِّي غَشَشْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا غَشَّ امْرُؤٌ كَرِيمٌ امْرَأً كَرِيمًا إِنْ دَعَا إِلَى النَّصْفِ أَنْ يَقْبَلَهُ، وَإِنَّكَ فِي قَوْلِكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَأَهْلٌ لِلتَّضْعِيفِ وَالتَّعْنِيفِ وَالْغَضَاضَةِ وَالْمَضَاضَةِ، غَيْرَ أَنَّ حِلْمَهُ يَأْتِي عَلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَنَا أَسْأَلُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَعْفُوَ لِلْقَوْمِ مَا قَالُوا إِنْ هُمْ آلَوْا لِاسْتِتْمَامِ نِعْمَتِكَ عَلَيْهِمْ وَأَيَادِيكَ عِنْدَهُمْ، فَلَيْسُوا رَاجِعِينَ إِلَى أَمْرٍ تَكْرَهُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ فَعَلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَدَخَلَ، وَأَمَرَ الْقَوْمَ فَانْصَرَفُوا "
стр. 67
حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: " عَجِبْتُ لِهَذِهِ الأَعَاجِمِ، مَلَكُوا أَلْفَ سَنَةٍ، لَمْ يَحْتَاجُوا إِلَيْنَا سَاعَةً وَاحِدَةً فِي سِيَاسَتِهِمْ، وَمَلَكْنَا مِائَةَ سَنَةٍ، لَمْ نَسْتَغْنِ عَنْهُمْ سَاعَةً
حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ الْمَنْصُورُ لِجَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ حِينَ وَلاهُ الْمَدِينَةَ، بَعْدَ مَقْتَلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ: " انْظُرْ مَنْ خَرَجَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ قُرَيشٍ فَاسْجِنْهُ، وَمَنْ خَرَجَ مَعَهُ مِنَ الْعَرَبِ فَاجْلِدْهُ، وَمَنْ خَرَجَ مِنَ الْمَوَالِي فَاقْطَعْ يَدَهُ.
حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: سَأَلَ مُعَاوِيَةُ عُرَابَةَ الأَوْسِيَّ، فَقَالَ: بِأَيِّ شَيْءٍ سُدْتَ قَوْمَكَ؟ قَالَ: «أَحْلُمُ عَنْ جَاهِلِهِمْ، وَأُعْطِي سَائِلَهُمْ، وَأَخِفُّ لَهُمْ فِي حَوَائِجِهِمْ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، وَمَنْ زِدْتُ عَلَيْهِ فَأَنَا خَيرٌ مِنْهُ، وَمَنْ سَاوَانِي فَهُوَ مِثْلِي
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ،» أَنَّ أَيُّوبَ السِّخْتَيْانِيَّ كَانَ فِي مَجْلِسِ فِيهِ أَعْرِابِيٌّ، فَقَالَ لَهُ أَيُّوبُ: يَا أَعْرَابِيُّ لَعَلَّكَ قَدَرِيٌّ، قَالَ: وَمَا الْقَدَرِيُّ؟ قَالَ: فَأَخْبَرَهُ بِمَحَاسِنَ قَوْلِهِمْ.
فَقَالَ: أَنَا ذَاكَ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِمَا يَعِيبُ النَّاسُ مِنْ قَوْلِهِمْ، فَقَالَ: لَسْتُ بِذَاكَ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِمَحَاسِنَ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ.
قَالَ: أَنَا ذَاكَ.
ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِمَا يَعِيبُ النَّاسُ مِنْ قَوْلِهِمْ، فَقَالَ: لَسْتُ بِذَاكَ.
فَقَالَ أَيُّوبُ: هَكَذَا يَفْعَلُ الْعَاقِلُ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحْسَنَهُ
حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رَزِينٍ الْخُزَاعِيُّ: سَمِعْتُ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ يَخْطُبُ حِينَ بُويِعَ لأَبِي الْعَبَّاسِ، وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهَرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: شُكْرًا شُكْرًا، إِنَّا وَاللَّهِ مَا خَرَجْنَا لِنَحْتَفِرَ فِيكُمْ نَهْرًا، وَلا لِنَبْنِيَ قَصْرًا.
أَظَنَّ عَدُوُّ اللَّهِ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ؟ أُمْهِلُ لَهُ فِي طُغْيَانِهِ وَأُرْخِي لَهُ مِنْ زِمَامِهِ، حَتَّى عَثَرَ فِي فَضْلِ خِطَامِهِ.
فَالْآنَ أَخَذَ الْقَوْسَ بَارِيهَا، وَعَادَتِ النِّبَالُ إِلَى النَّزَعَةِ، وَعَادَ الْمُلْكُ فِي نِصَابِهِ فِي أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ، أَهْلُ بَيْتِ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَنَسْهَرُ لَكُمْ وَنَحْنُ فِي فُرُشِنَا مِنَ الأَسْوَدِ وَالأَبْيَضِ، لَكُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، وَذِمَّةُ الْعَبَّاسِ، لا وَرَبِّ هَذِهِ الْبِنْيَةِ لا نُهِيجُ مِنْكُمْ أَحَدًا، ثُمَّ نَزَلَ
стр. 68
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الأَصْمَعِيِّ، قَالَ: " خَرَجَ مَالِكُ بْنُ أَدْهَمَ يَتَصَيَّدُ، فَصَارَ إِلَى بَلَدٍ مُقْفِرٍ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَطَلَبُوا الْمَاءَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ مَالِكٌ، وَضُرِبَتْ لَهُ خَيْمَةٌ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطْلُبُوا لَهُ الصَّيْدَ، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ، فَأَصَابُوا خَاضِبًا فَأَتَوْهُ بِهِ، فَقَالَ: اشْوُوهُ وَلا تُنْضِجُوهُ، وَمُصُّوهُ مَصًّا لَعَلَّكُمْ أَنْ تَنْتَفِعُوا بِهِ، فَفَعَلُوا ذَاكَ، ثُمَّ أَثَارُوا شُجَاعًا، فَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَدَخَلَ عَلَى مَالِكٍ فِي خَيْمَتِهِ، فَقَالَ: قَدِ اسْتَجَارَ بِي فَأَجِيرُوهُ، وَلا تَقْتُلُوهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ وَأَصْحَابُهُ فِي طَلَبِ الْمَاءِ، فَإِذَا هَاتِفٌ يَهْتِفُ بِهِمْ:
يَا قَوْمُ يَا قَوْمُ لا مَاءٌ لَكُمْ أَبَدًا ... حَتَّى تَحثُّوا الْمَطَايَا يَوْمَهَا التَّعَبَا
وَشَدِّدُوا يَمْنَةً فَالْمَاءُ عَنْ كَثَبٍ ... مَاءٌ غَزِيرٌ وَعَينٌ تُذْهِبُ اللَّغَبَا
حَتَّى إِذَا مَا أَخَذْتُمْ مِنْهُ حَاجَتَكُمْ ... فَاسْقُوا الْمَطَايَا وَمِنْهُ فَامْلَئُوا الْقِرَبَا
فَأَخَذْنَا نَعْتَهُ، فَإِذَا نَحْنُ بِعَينٍ غَزِيرَةٍ، فَسَقَيْنَا مِنْهَا إِبِلَنَا وَتَزَوَّدْنَا، فَلَمَّا فَعَلْنَا ذَلِكَ، لَمْ نَرَ لِلْعَيْنِ أَثَرًا، وَإِذَا هَاتِفٌ يَهْتِفُ بِنَا، يَقُولُ:
يَا مَالِ عَنِّي جَزَاكَ اللَّهُ صَالِحَةً ... هَذَا وَدَاعٌ لَكُمْ مِنِّي وَتَسْلِيمٌ
لا تَزْهَدَنْ فِي اصْطِنَاعِ الْعُرْفِ مِنْ أَحَدٍ ... إِنَّ امْرَأً يَحْرِمُ الْمَعْرُوفَ مَحْرُومٌ
الْخَيْرُ يَبْقَى وَإِنْ طَالَتْ مَغَبَّتُهُ ... وَالشَّرُّ مَا عَاشَ مِنْهُ الْمَرءُ مَذْمُومُ
فَعَلِمْنَا أَنَّهُ ذَلِكَ الشُّجَاعُ
حَدَّثَنِي مُبَارَكٌ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: " دَخَلَ عُمَارةُ بْنُ حَمْزَةَ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ، فَأَكْرَمَهُ وَرَفَعَ مَجْلِسَهُ، وَأَسْنَى جَائِزَتَهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِجَوْهَرٍ نَفِيسٍ، فَقَالَ: وَصَلَكَ اللَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَرَّكَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ أَرَدْنَا شُكْرَكَ عَلَى صِلَتِكَ إِنَّ الشُّكْرَ مِنَّا لَيَقْصُرُ عَنْ نِعْمَتِكَ، كَمَا قَصُرْنَا عَنْ مَنْزِلَتِكَ، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَكَ الْفَضْلَ عَلَيْنَا، وَلَمْ يَحْرِمْنَا مِنْكَ الزِّيَادَةَ لِتَقْصِيرِ شُكْرِنَا.
فَأَمَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَنْ يُكْتَبَ هَذَا الْكَلامُ وَيُدَوَّنُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: " أُتِيَ الْحَجَّاجُ بَخَاتَمٍ، فَأَعْجَبَهُ.
فَقَالَ لابْنِ الْقِرِّيَّةِ: صِفْهُ.
فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، هَذَا خَاتَمٌ أَزَمٌ، لازِمٌ، مَلَّحَهُ صَانِعٌ، أَغْلَى بِهِ بَائِعٌ، فِضَّتُهُ صَافِيَةٌ، وَيَاقُوتَتُهُ غَالِيَةٌ، وَالْخَوَاتِيمُ لَهُ قَالِيَةٌ، وَالْعُيُونُ إِلَيْهِ سَامِيَةٌ، وَلا تُرَدُّ طِينَتُهُ، اسْتَوَتْ حَلَقَتُهُ بِزَيْنٍ لا بِشَيْنٍ.
قَالَ: هَذَا كَلامٌ تَعَلَّمْتَهُ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ، وَلَكِنَّهُ كَلامٌ أُحْكِمَتْ مَعَانِيهِ، وَأُجِيدَتْ مَبَانِيهِ.
فَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُ
стр. 69
حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: " خَرَجَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَبَصُرَ فِي صَحْنِ دَارِهِ بِجَارِيَةٍ مِنْ جَوَارِيهِ، أَعَزُّهُنَّ عَلَيْهِ، وَأَحَبُّهُنَّ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: مَا أَوْقَفَكِ هَذَا الْمَوْقِفَ؟ قَالَتْ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ ﵎: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] ، وَإِذَا هَاتِفٌ يَهْتِفُ، وَيَقُولُ:
مَحْجُوبَةٌ سَمِعَتْ صَوْتِي فَأَرَّقَهَا ... مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ لَمَّا بَلَّهَا السَّحَرُ
تُدْنِي عَلَى الْجِيدِ مِنْهَا مِنْ مُعَصْفَرَةٍ ... وَالْحُلِيُّ مِنْهَا عَلَى لُبَّاتِهَا حَصِرُ
فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِحَاجِبِهِ: عَلَيَّ بَرَأسِ الرَّجُلِ السَّاعَةَ.
قَالَ: وَخَلَتِ الْجَارِيَةُ بِغُلامٍ لَهَا صَغِيرٍ، فَقَالَتْ: أَنْذِرِ الرَّجُلَ وَلَكَ عَشْرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ، وَأَنْتَ حُرٌّ.
فَخَرَجَ الْغُلامُ، فَسَبَقَ إِلَى الرَّجُلِ فَأَنْذَرَهُ، فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَمَرَ فِيكَ بِضَرْبِ عُنُقِكَ، فَأَمْسِكَ عَلَيْكَ صَوْتَكَ.
فَأَمْسَكَ، فَرَجَعَ الْحَاجِبُ.
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَحْسَسْتُ لِلْصَوْتِ أَثَرًا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: " كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ أَبِيِ الْحَسَنِ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ، فَوَقَفَ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنَّكَ سُئِلْتَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِيِ طَالِبٍ ﵁، فَقُلْتَ لَهُ: لَوْ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ يَأْكُلُ مِنْ حَشَفِهَا وَتَمْرِهَا، كَانَ خَيرًا مِمَّا صَنَعَ.
فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي كَلِمَةُ بَاطِلٍ، حَقَنْتُ بِهَا دَمِي.
أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ فَقَدْتُمُوهُ سَهْمًا مِنْ سِهَامِ اللَّهِ صَائِبًا لِعَدُوِّ اللَّهِ، لَيْسَ بِالسَّرُوقَةِ مَالِ اللَّهِ، وَلا بِالنَّئُومَةِ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ، رَبَّانِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ فِي عِلْمِهَا وَفَضْلِهَا وَقِدَمِهَا، أَعْطَى الْقُرْآنَ عَزَائِمَهُ فِيمَا عَلَيْهِ وَلَهُ، حَرَّمَ حَرَامَهُ، وَأَحَلَّ حَلالَهُ، حَتَّى أَوْرَدَهُ ذَلِكَ عَلَى رِيَاضٍ مُونِقَةٍ، وَحَدَائِقَ مُغْدِقَةٍ، ذَاكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَا لُكَعُ
حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " خَرَجَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ حَاجًّا، وَكَانَ إِذَا أَمَرَ بِأَمْرٍ لا يُرَاجَعُ فِيهِ.
قَالَ: فَسَأَلَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ لِقَهْرَمَانِهِ: هَاتِ خَمْسَمِائَةَ، فَجَاءَهُ بِخَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ.
فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلا دِرْاهِمَ، فَأَمَّا إِذْا جِئْتَ بِهَا دَنَانِيرَ، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ.
قَالَ: فَصَبَّهَا فِي شَمْلَةِ الأَعْرَابِيِّ.
فَطَفِقَ الأَعْرَابِيُّ يَبْكِي.
فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَعْرَابِيُّ؟ أَسْتِقْلالا لَهَا؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَبْكِي فَرَحًا بِهَا إِذْ جَاءَتْ، وَلا أَسًى عَلَيْهَا إِذْ فَاتَتْ، غَيْرَ أَنِّي أَبْكِي أَنَّ الأَرْضَ تَأْكُلُ مِثْلَكَ، ثُمَّ أَنْشَأَ، يَقُولُ:
أَنْتَ خَيْرُ الْمَتَاعِ لَوْ كُنْتَ تَبْقَى ... غَيْرَ أَنْ لا بَقَاءَ للإِنْسَانِ
لَيْسَ فِيمَا بَدَا لَنَا مِنْكَ عَيْبٌ ... عَابَهُ النَّاسُ غَيْرَ أَنَّكَ فَانِ
стр. 70
١٠٦ - حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: " لَمَّا فَرَغَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِيِ طَالِبٍ ﵁ مِنْ دَفْنِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، قَامَ عَلِيٌّ عَلَى الْقَبْرِ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
لُكُلِّ اجْتِمَاعٍ مِنْ خَلِيلَيْنِ فُرْقَةٌ ... وَكُلُّ الَّذِي دُونَ الْمَمَاتِ قَلِيلُ
وَإِنَّ افْتِقَادِي وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ... دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لا يَدُومَ خَلِيلُ
"
١٠٧ - حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ، عَن ابْنِ أَبِي مَخْنَفٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيسٍ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ صَبِيحَةَ جَاءَ نَعْيُ الأَشْتَرِ.
فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْنَا، قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ مَالِكًا وَمَا مَلَكَ، لَوْ كَانَ مِنْ جَبَلٍ لَكَانَ فِنْدًا، أَوْ مِنْ حَجَرٍ لَكَانَ صَلْدًا، عَلَى مِثْلِ مَالِكٍ فَلْتَبْكِ الْبَوَاكِي، وَهَلْ يُوجَدُ مِثْلُ مَالِكٍ» .
قَالَ: فَمَا زَالَ يَتَلَهَّفُ عَلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ الْمُصَابُ بِهِ دُونَنَا
حَدَّثَنِي مُبَارَكٌ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عِيسَى بْنَ عَلِيٍّ، يَقُولُ: " كَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، لا يَحْجُبُنِي فِي خِلافَتِهِ.
قَالَ: فَأَتَيْتُهُ يَوْمًا، فَلَمَّا دَخَلْتُ دَارَهُ، قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ بَشَّرَنِي، وَهَنَّأَنِي.
فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ الْبِشَارَةُ وَالتَّهْنِئَةُ؟ فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ مُوسَى بْنِ كَعْبٍ مِنَ السِّنْدِ، وَقَدْ فَتَحَهَا اللَّهُ، وَهَذَا الْكِتَابُ مَعِي.
قَالَ: فَأَخَذْتُ الْكِتَابَ مِنْهُ، وَمَضَيْتُ أُرِيدُ الدُّخُولَ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ.
فَوَثَبَ إِلَيَّ وَاثِبٌ مِنْ مَجْلِسِ أَبِي الْعَبَّاسِ، فَهَنَّأَنِي وَبَشَّرَنِي.
فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الْبِشَارَةُ؟ فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ، مِنْ أَفْرِيقِيَّةَ.
وَقَدْ فَتَحَهَا اللَّهُ لَكُمْ.
قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، يُهَنِّيكَ النَّصْرُ وَالظَّفْرُ.
قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ فَقُلْتُ: هَذَانِ رَسُولانِ قَدْ أَتَيَاكَ بِفَتْحِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
قَالَ: قُلْتُ: مَا لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: يَا عَمُّ، غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، وَاللَّهِ مَا كُنَّا نَسْمَعُ الْعِلمَ وَلا نَأْخُذُهُ إِلا عَنْكُمْ، أَفَلَسْتُمْ أَنْتُمْ حَدَّثْتُمُونَا: أَنَّهُ إِذَا أَتَى الْقَائِمَ مِنَّا فَتَحُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَمْ يَلْبِثْ أَنْ يَمُوتَ.
قَالَ: فَأَذْكَرَنِي وَاللَّهِ حَدِيثًا قَدْ سَمِعْتُهُ وَعَلَّمْتُهُ لَكِنَّنِي أُنْسِيتُهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى قَوْلِهِ فَأَغُمَّهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي وَاللَّهِ لَو عَلِمْتُ ذَلِكَ حقًّا، مَا حَدَّثْتُكَ بِالْفَتْحِ، وَلا بَشَّرْتُكَ بِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الأَحَادِيثِ بَاطِلٌ.
قَالَ: دَعْ هَذَا عَنْكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُنْكِرُ نَفْسِي.
قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى تَدَثَّرَ، فَمَكَثْتُ أَيَّامًا، ثُمَّ دَخَلْتُ يَوْمًا، فَقَالَ: أَيْ عَمِّ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَعْهَدَ.
فَقُلْتُ: وَفَّقَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
стр. 71
قَالَ: فَدَعَا بِدَوَاةٍ ثُمَّ كَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا عَهِدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ كَفَّ عَنِ الْكِتَابِ، قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ، قَالَ: ثُمَّ أَتَمَّ الْكِتَابَ.
هَذَا مَا عَهِدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَإِنْ حَدَثَ بِعَبْدِ اللَّهِ حَدَثُ الْمَوْتِ فَإِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى
١٠٩ - حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: أُتِيُ عُمَرُ بِبُرُودٍ، فَقَالَ لِلَّذِي أَتَاهُ بِهَا: أَخْرِجْ لِي خَيْرَهَا وَشَرَّهَا، ثُمَّ قَالَ: عَلَيَّ بِالْحَسَنِ، فَلَمَّا أَتَاهُ دَفَعَ إِلَيْهِ خَيْرَهَا، ثُمَّ قَالَ لِشَرِّهَا: هَذَا نَصِيبُ عُمَرَ، وَقَسَّمَ الْبُرُودَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ حَدَثَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ حَدَثٌ، فَقَامَ عُمُرُ خَطِيبًا، وَعَلَيْهِ حُلَّةُ بُرْدَيْنِ، ائْتَزَرَ بَأَحَدِهِمَا، وَارْتَدَى بِالأُخْرَى.
فَقَالَ سَلْمَانُ: لا نَسْمَعُ.
قَالَ عُمَرُ: لِمَ؟ قَالَ: كَسَوْتَنَا بُرْدًا، وَنَرَى عَلَيْكَ بُرْدَيْنِ.
فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَرَّتَيْنِ.
فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ.
فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ.
فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: نَاشَدْتُكَ اللَّهَ أَمَا كَسَوْتُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْبُرْدَيْنِ؟ قَالَ: بَلَى.
فَقَالَ سَلْمَانُ: قُلْ مَا شِئْتَ نَسْمَعُ لَكَ وَنُطِيعُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: " كَتَبَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ عَلَى عَيْنِي، ثُمَّ عَلَى فَمِي، ثُمَّ عَلَى صَدْرِي، وَاللَّهِ لَئِنْ وَضَعْتُكُمْ تَحْتَ قَدَميَّ لَأَطَأَنَّكُمْ وَطْأَةً أَقِلُّ مِنْهَا عَدَدَكُمْ، وَأَتْرُكُكُمْ أَحَادِيثَ تُنْسَخُ مَعَ أَحَادِيثَ عَادٍ وَثَمُودَ.
ثُمَّ تَمَثَّلَ هَذَا الشِّعْرَ:
أَظُنُّ الْحِلْمَ دَلَّ عَلَيَّ قَوْمِي ... وَقَدْ يُسْتَجْهَلُ الرَّجُلُ الْحَلِيمُ
وَمَارَسْتُ الرِّجَالَ وَمَارَسُونِي ... فَمُعْوَجٌّ عَلَيَّ وَمُسْتَقِيمُ
وَلَكِنِّي أُلاقِي مُنْكَرَاتٍ ... فَأُنْكِرُهَا وَمَا أَنَا بِالظَّلُومُ
وَاللَّهِ مَا أَدْرِي، يَأْتِينِي بَعْدَ كِتَابِي هَذَا، إِلا خَلْعُكُمْ، وَلا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي إِلا نِقْمَتَكُمْ، فَإِذَا شِئْتُمْ، فَلا أَفْلَحَ مَنْ نَدِمَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُتْبِيُّ، يَقُولُ: " سَأَلَ أَعْرَابِيٌّ رَجُلا فَأَعْطَاهُ.
فَقَالَ: جَعَلَ اللَّهُ الْمَعْرُوفَ عَلَيْكَ دَلِيلا، وَالْخَيْرَ شَاهِدًا، وَلا جَعَلَ حَظَّ القَّائِلِ مِنْكَ عُذْرًا ضَائِعًا ".
وَقَالَ: سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَدْعُو فِي الصَّلاةِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي عَمَلَ الْخَائِفِينَ، وَخَوْفَ الْعَامِلِينَ، حَتَّى أَتَنَعَّمَ بِتَرْكِ النَّعِيمِ طَمَعًا فِيمَا وَعَدْتَ وَخَوْفًا مِمَّا أَوْعَدْتَ» .
حَدَّثَنِي مُبَارَكٌ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ يُونُسَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْمَنْصُورَ، يَقُولُ: " الْخُلَفَاءُ أَرْبَعَةٌ، وَالْمُلُوكُ أَرْبَعَةٌ: فَالْخُلَفَاءُ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ ﵃.
عَلِيٌّ مَا نَالَ، وَنِيلَ مِنْهُ أَعْظَمُ، وَلَنِعْمَ الرَّجُلُ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ مِثْلُ قِدَمِ هَؤُلاءِ وَسَابِقَتِهِمْ.
стр. 72
وَالْمُلُوكُ: مُعَاوِيَةُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَهِشَامٌ، وَأَنَا، وَلَنِعْمَ رَجُلُ الْحَرْبِ كَانَ حِمَارُ الْجَزِيرَةِ، مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ طَابَعُ الْخِلافَةِ
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِيِ بَكْرٍ الْمُؤمَّلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِيِ عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: " صَارَ أَعْرَابِيٌّ مِنَ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ إِلَى مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
فَأَقَامَ بِبَابِهِ حِينًا لا يَصِلُ إِلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الْعَامَّةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَأَصَابَ مِنَ الطَّعَامِ مَعَ النَّاسِ، ثُمَّ قَامَ فَسَلَّمَ عَلَى مَسْلَمَةَ، فَرَدَّ مَسْلَمَةُ السَّلامَ.
فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَلِيفَةِ، زُرْتُكَ وَأَنْتَ غُرَّةُ مُضَرَ وَحُسَامُهَا، حِينَ تُذْكَرُ، لِأَنَّكَ تَعَطَّفَتْ عَلَيْكَ الأَمْلاكُ، فَلَيْسَ يَخَافُ ضَيفٌ لَدَيْكَ الْهَلاكَ، وَأَنْتَ فِي فَرْعٍ مِنَ الْفُرُوعِ نُضَارٌ وَرِثْتَهُ عَنِ الأَكَابِرِ الْكِبَارِ، وَمِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمَرْوَانَ، هُنَالِكَ الْفَضْلُ وَالْبَيَانُ، وَالْعِزُّ وَالسُّلْطَانُ سَادُوا النَّاسَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِدَمًا، وَفِي الْإِسْلامِ خَيْرًا وَكَرَمًا.
فَلَكَ كَفَّانِ، كَفٌّ تُمْطِرُ النَّدَى، وَالأُخْرَى سِمَامٌ يَقْتُلُ الْعِدَى، وَإِنَّكَ وَاللَّهِ لَتَقِيٌّ، وَمِنَ الأَدْنَاسِ نَقِيٌّ، وَإِنَّكَ لَمُهَذَّبٌ فِي الْكِرَامِ، فَلَيْسَ يَفُوقُكَ أَحَدٌ مِنَ الأَنَامِ، وَإِنَّكَ لَفِي بَحْرٍ مِنَ الْمَجْدِ، قَدْ رُزِقْتَ مِنَ الْحَمْدِ.
فَالنَّاسُ لَدَى بَابِكَ يَرْجُونَ نَدَى فَضْلِكَ، مِنْ عَوَائِدِ سِيَبِكَ، لَأَنَّكَ لِلْجُودِ حَلِيفٌ، وَلَأَنَّ الْجُودَ عَلَيْكَ يَطُوفُ.
تَرَاهُ عَلَيْكَ وَطَيْفَهُ، تَسْجِلُهَا مِنْ بُحُورٍ عَرِيضَةٍ.
فَقَالَ مَسْلَمَةُ: وَاللَّهِ يَا أَعْرَابِيُّ إِنَّكَ لَفَصِيحٌ.
قَالَ: أَجَلْ، وَأَنَا مَعَ ذَلِكَ صَرِيحٌ.
قَالَ: فَمَا تَكَادُ تَجِدُ أَعْرَابِيًّا عَاقِلا.
قَالَ: وَمَا يُذْهِبُ عَقْلَهُ لَوْ كَانَ كَامِلا؟ قَالَ: لأَنَّهُ قَلَّمَا يُخَالِطُ النَّاسَ.
قَالَ: فَذَاكَ أَكْيَدُ لَهُ عِنْدَ النَّاسِ.
قَالَ: وَأَنَّى لَهُ بِالْبَأْسِ، وَهُوَ لا يَرَى الْقِتَالَ؟ قَالَ: يَكُونُ غَمْرًا فَيَجْتَرِئُ عَلَى الأَبْطَالِ.
قَالَ: وَأَنَّى لَهُ الْجَرَاءَةُ وَلَمْ يَجْتَرِئْ؟ قَالَ: أَنْ يُصَمِّمَ الْحَمْلَةَ ثُمَّ يَصْبِرَ.
قَالَ: وَكَيْفَ يَصْبَرُ عَلَى الطِّعَانِ؟ قَالَ: تَرَاهُ فَرْضًا تَفْرِضُهُ الأَقْرَانُ.
قَالَ مَسْلَمَةُ: يَا عَجَبًا لِهَذا الأَعْرَابِيِّ.
قَالَ: وَمَا يُعْجِبُكَ مِنِّي يَا ابْنَ الْخَلِيفَةِ، وَمِنْ صَوَابِي؟ قَالَ مَسْلَمَةُ: وَمَا جَعَلَكَ بِالصَّوَابِ، أَوْلَى مِنْ غَيْرِكَ؟ قَالَ: إِنَّهَا سَجِيَّتِي، وَعَلَيْهِ رَكَّبْتُ طَبِيعَتِي، فَنَفِّسْ كُرْبَتِي، وَأَجْزِلْ عَطِيَّتِي، وَرُدَّنِي إِلَى بَلَدِي.
قَالَ: وَأَيْنَ تَسْكُنُ؟ قَالَ سَرَاةَ الطَّائِفِ.
قَالَ مَسْلَمَةُ: مَعَدِنُ الْعِنَبِ وَالزَّبِيبِ؟ ، قَالَ: نَعَمْ، لِسَانٌ بَدَويٌّ، وَبَلَدٌ عَلَوِيٌّ.
قَالَ فَاحْتَكِمْ.
قَالَ: أَحْتَكِمُ عَشْرَةَ جِلالٍ تَمْرًا وَعَشْرَةَ أَعْنِزٍ، وَقَطِيفَةً لِلْعِيَالِ، وَجَمَلا نَجْعَلُ عَلَيْهِ مَتَاعَنَا، وَثَلاثِينَ دِرْهَمًا.
فَأَمَرَ لَهُ بِمَا طَلَبَ
стр. 73
١١٥ - حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، قَالَ: صَعِدَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْمِنْبَرَ لَمَّا بُويِعَ بِالْخِلافَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ارْتُجَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَلِينَاكُمْ قَرِيبًا، وَعَدْلُنَا عَلَيْكُمْ خَيْرٌ مِنْ خُطَبِنَا فِيكُمْ، وَإِنْ أَعِشْ يَأْتِكُمُ الْكَلامُ عَلَى جِهَتِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ "
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ: وَيُرْوَى عَنْهُ ﵀، أَنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ارْتُجَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَرْكَبٍ صَعْبٌ، وَمَا كُنَّا خُطَبَاءَ، وَسَيَعْلَمُ اللَّهُ، وَإِنَّ امْرَأً لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ إِلا أَبٌ مَيِّتٌ لَمَوْعُوظٌ» .
ثُمَّ نَزَلَ
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ: " وَقَفَ ثَابِتٌ قُطْنَةُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِالسِّنْدِ، فَارْتُجَّ عَلَيْهِ، فَنَزَلَ، فَقَالَ:
وَإِنْ لا أَكُنْ فِيكُمْ خَطِيبًا فَإِنَّنِي ... بِسَيْفِي إِذَا جَدَّ الْوَغَى لَخَطِيبُ
فَقِيلَ لَهُ: لَوْ قُلْتَ هَذَا عَلَى الْمِنْبَرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ مِنْهُ كُنْتَ أَخْطَبَ النَّاسِ قَالَ: وَارْتُجَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيِّ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا الْكَلامَ يَجِيءُ أَحْيَانًا، وَيَعْزُبُ أَحْيَانًا، وَرُبَّمَا طُلِبَ فَأَبَى، وَكُوثِرَ فَقَسَا، فَالتَّأَنِّي لِمَجِيئِهِ أَيْسَرُ مِنَ التَّعَاطِي لِأَبِيهِ، وَقَدْ يَخْتَلِجُ مِنَ الْجَرِيءِ جَنَانُهُ، وَيَنْقَطِعُ مِنَ الذَّرِبِ لِسَانُهُ، فَلا يُبْطِرُهُ الْقَوْلُ إِذَا اتَّسَعَ، وَلا يُسْكِرُهُ النُّطْقُ إِذَا امْتَنَعَ، وَسَأَعُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» .
وَقَالَ: شَكَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ إِلَى زِيَادِ بْنِ أَبِيِهِ، وَهُوَ كَاتِبُهُ عَلَى الْعِرَاقِ، الْحَصْرَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَمِعْتَ كَلامَ غَيْرِكَ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ اسْتَكْثَرتَ مَا يَكُونُ مِنْكَ.
قَالَ: فَكَيْفَ أَسْمَعُ ذَاكَ؟ قَالَ: رُحْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَكُنْ مِنَ الْمَقْصُورَةِ بِالْقُرْبِ حَتَّى أُسْمِعَكَ خُطَبَ النَّاسِ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، قَالَ زِيَادٌ: إِنَّ الأَمِيرَ سَهِرَ الْبَارِحَةَ فَلَيْسَ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجَ إِلَى الصَّلاةِ والْتَفَتَ رَجُلٌ إِلَى رَجُلٍ مِنْ سَادَةِ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ لَهُ: قُمْ فَاخْطُبْ، وَصَلِّ بِالنَّاسِ.
فَلَمَّا أَوْفَى عَلَى ذُرْوَةِ الْمَنْبَرِ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
قَالُوا: قَبَّحَكَ اللَّهُ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ، يَقُولُ: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، وَتَقُولُ أَنْتَ: فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
فَنَزَلَ وَالْتَفَتَ إِلَى شَرِيفٍ لِرَبِيعَةَ، فَقَالَ لَهُ: قمْ فَاخْطُبْ، فَلَمَّا ارْتَقَى عَلَى الْمِنْبَرِ ضَرَبَ بِطَرَفِهِ، فَوَقَعَ عَلَى جَارٍ لَهُ كَانَ يُخَاصِمُهُ فِي حَدٍّ بَيْنَهُمَا.
فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَارْتُجَّ عَلَيْهِ.
فَقَالَ لِجَارِهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنْ نَزَلْتُ إِلَيْكَ يَا أَصْلَعُ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ، وَلَأَفْعَلَنَّ.
فَأَنْزَلُوهُ.
стр. 74
فَالْتَفَّ إِلَى رَئِيسٍ مِنْ رُؤَسَاءِ الأَزْدِ، فَقَالَ لَهُ: انْهَضْ، فَأَقِمْ لِلنَّاسِ صَلاتَهُمْ، فَلَمَا تَسَنَّمَ الْمِنْبَرَ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ وَاللَّهِ هَمَمْتُ أَنْ لا أَحْضُرَ الْيَوْمَ، فَقَالَتْ لِي امْرَأَتِي: أَنْشَدْتُكَ بِاللَّهِ إِنْ تَرَكْتَ فَضْلَ الصَّلاةِ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَأَطَعْتُهَا، فَوَقَفْتُ هَذَا الْمَوْقِفَ الَّذِي تَرَوْنَ.
فَاشْهَدُوا جَمِيعًا أَنَّهَا طَالِقٌ.
فَأَنْزَلُوهُ إِنْزَالا عَنِيفًا.
وَأَرْسَلَ زِيَادٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُقِيمُ لِلْنَاسِ صَلاتَهُمْ، وَلا بُدَّ مِنْ أَنْ تَحْمِلَ عَلَى نَفْسِكَ.
فَخَرَجَ فَخَطَبَ فَتَبَيَّنَ فَضْلُهُ فِي النَّاسِ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ ".
حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ رَبِّهِ الْيَشْكُرِيُّ عَامِلا لِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى عَلَى الْمَدَائِنِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ارْتُجَّ عَلَيْهِ، فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَكُونُ فِي بَيْتِي، فَتَجِيءُ عَلَى لِسَانِي أَلْفُ كَلِمَةٍ، فَإِذَا قُمْتُ عَلَى أَعْوَادِكُمْ هَذِهِ جَاءَ شَيْطَانٌ فَمَحَاهَا كُلَّهَا مِنْ صَدْرِي، وَلَقَدْ كُنْتُ وَمَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ يَوْمٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَصِرْتُ وَمَا فِي الأَيَّامِ يَوْمٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَمَا ذَاكَ إِلا لِخُطْبَتِكُمْ.
فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: وَلِمَ تَقُولُ هَذَا، أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، وَأَنْتَ أَخْطَبُ النَّاسِ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَخُطْبَتِي أَنْتَنُ مِمَّا فِي الْحُشِّ.
يَقُولُ الْحَاجِبُ: لا يَكُونُ لِمَا فِي الْحُشِّ إِلا الْهَوَانُ
حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: وَلِيَ أَخٌ لِخَالِدِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ وَرْقَاءَ الرَّيَّ، فَمَكَثَ جُمَعًا لا يَخْطُبُ.
فَقَالَ لَهُ كَاتِبُهُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، قَدِ اسْتُعْمِلْتَ عَلَى الرَّيِّ، وَهُوَ ثَغْرٌ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَطَرِيقُ أَهْلِ خُرَاسَانَ، فَلَوْ خَرَجْتَ ثُمَّ خَطَبْتَ النَّاسَ.
فَقَالَ: عَلَى مَنْ أَخْطُبُ، وَيْلَكَ، هُمْ أَعْلاجٌ أُمِّيُّونَ؟ قَالَ لَهُ: لا بُدَّ مِنْ خُطْبَةٍ.
فَخَرَجَ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ.
فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ارْتُجَّ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ، وَقُبَالَةُ وَجْهِهِ شَيخٌ أَصْلَعُ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا أَصْلَعُ، فَوَاللَّهِ مَا غَلَّطَنِي غَيْرُكَ، عَلَيَّ بِهِ.
فَأُتِيَ بِهِ، فَضَرَبَهُ أَسْوَاطًا
حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: " ارْتُجَّ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ وَهُوَ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ فِي يَوْمِ أَضْحَى، فَقَالَ: وَاللَّهِ لا أَجْمَعُ عَلَيْكُمْ عِيًّا وَلُؤْمًا، مَنْ أَخَذَ شَاةً مِنَ السُّوقِ فَهِي لَهُ، وَثَمَنُهَا عَلَيَّ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: " خَطَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَلَى مِنْبَرِ حِمَصَ، فَارْتُجَّ عَلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا أَهْلَ حِمْصَ، فَأَنْتُمْ إِلَى إِمَامٍ عَادِلٍ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إِلَى خَطَيبٍ مِصْقَعٍ.
ثُمَّ نَزَلَ
стр. 75
١٢٣ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّليُّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، قَالَ: " دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ يَوْمًا، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ ثَلاثَ حَوَائِجَ، قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَمَّا أُولاهُنَّ فَتُقِيمُ جُلَسَاءَكَ، قَالَ: فَأَمَرَهُمْ فَقَامُوا، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلا تَغْضَبْ.
قَالَ: وَلا أَغْضَبُ.
قَالَ: وَمَا الثَالِثَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: إِنَّ كُلَّ مَنْ وَرَاءَ بَابِكَ مَقْتُولٌ مَقْهُورٌ.
قَالَ: فَغَضِبَ.
فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ ضَمِنْتَ أَنْ لا تَغْضَبَ.
قَالَ: فَلا أَغْضَبُ إِذًا.
وَأَخْرَجَ خَاتَمَهُ مِنْ يَدِهِ، فَقَالَ قَدْ رَدَدْتُ أَمْرَ الْمُسِلِمِينَ إِلَيْكَ فَدَبِّرْهُمْ بِرَأْيِكَ، وَاتَّقِ اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ مَعَادُكَ، فَقَدْ أَخْرَجْتُ مِنْ رَقَبَتِي ذَلِكَ .
فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْتَ ابْنُ عِمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَابْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أُدَبِّرُ أَنَا الْخِلافَةَ؟ قَالَ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: قُلْتُ: تَرْفَعُ حُجَّابِكَ، وَتَطْرَحُ أَبَدًا عَلَى بَابِكَ، فَلا يَجِيءُ أَحَدٌ مُتَظَلِّمٌ مِنْ عَامِلٍ مِنْ عُمَّالِكَ إِلَى بَلَدٍ مِنَ الْبِلْدَانِ، تَصَحُّ عِنْدَكَ ظَلامَتُهُ إِلا أَمَرْتَ، فَجِيءَ بِهِ مَسْحُوبًا مَاشِيًا إِلَى بَابِكَ فَأَنْصَفْتَهُ مِنْهُ، قَالَ: فَأَطْرَقَ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ، فَمَا أَمْكَنَنَا، وَلا أُعِنَّا عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اجْعَلْهُ أَكْبَرَ شُغْلِكَ، فَإِنَّكَ تُدْرِكُهُ.
قَالَ: أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْمَعُونَةَ عَلَى ذَلِكَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ الْجُمَحِيُّ، قَالَ: " وَفِدَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ قَاضِي الْبَصْرَةِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيِّ فَتَكَلَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَبَيْنَا شَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ يُغَدِّي أَصْحَابَهُ، إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، يَقُولُ لَهُ: ايتِنِي السَّاعَةَ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَتِمُّوا غَدَاكُمْ، وَرَكِبَ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ تَكَلَّمْتَ الْيَوْمَ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ حَاضِرٌ، فَأُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَهُ عَسَى أَنْ يَجْرِيَ لِي ذِكْرٌ، فَتَنْظُرَ هَلْ أَعْجَبَهُ كَلامِي.
قَالَ شَبِيبٌ: فَجِئْتُهُ وَقَالَ: تَكَلَّمَ صَاحِبُكُمُ الْيَوْمَ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقُلْتُ لَهُ: فَمَا سَمِعْتَ؟ قَالَ: رَسَائِلُ غَيْلانَ، وَمَوَاعِظُ الْحَسَنِ، وَنَسْجٌ بَيْنَ ذَلِكَ مُمَلَّحٌ
حَدَّثَنِي الْعُتْبِيُّ، قَالَ: " إِنَّ أَوَّلَ مَا اسْتُبِينَ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ وَحِرْصِهِ عَلَى الْعِلمِ، وَرَغْبَتِهِ فِي الأَدَبِ، أَنَّ أَبَاهُ وَلِيَ مِصْرَ، وَهُوَ حَدِيثُ السِّنِّ يُشَكُّ فِي بُلُوغِهِ، فَأَرَادَ إِخْرَاجَهُ مَعَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَهْ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ أَنْفَعَ لِي وَلَكَ أَنْ تُرْسِلَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقْعُدُ إِلَى فُقَهَاءِ أَهْلِهَا، وَأَتَأَدَّبُ بِأَدَبِهِمْ.
следующие страницы →