Полный текст (252 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، عَنِ ابْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الأشْتَرِ وَهُوَ مَعَ مُصْعَبٍ كِتَابًا، فَأَتَى بَهَ مُصْعَبًا قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَهُ، فَفَضَّهُ مُصْعَبٌ فَقَرَأَهُ.
فَقَالَ: يَا أَبَا النُّعْمَانِ، أَوَ مَا تَدْرِي مَا فِيهِ؟ قَالَ: لا، وَمَا فِيهِ؟ قَالَ: يَعْرِضُ عَلَيْكَ دِجْلَةَ وَمَا سَقَتْ، أَوِ الْفُرَاتَ وَمَا سَقَى، فَإِنْ أَبَيْتَ جَمَعَهُمَا لَكَ جَمِيعًا.
قَالَ: أَلَقَى اللَّهَ تَعَالَى وَأَنَا أَجْذَمُ! لاهَا اللَّهُ إِذًا.
فَقَالَ مُصْعَبٌ: إِنَّ هَذَا لَمَا يُرْغَبُ فِيهِ.
فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَا كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ أَحَدٍ أَيْأَسَ مِنْهُ مِنِّي.
وَمَا تَرَكَ أَحَدًا مِمَّنْ مَعَكَ إِلا وَقَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ، فَضَرِّبْ أَعْنَاقَهُمْ.
قَالَ: كَيْفَ، وَلَمَ أَسْتَيْقِنْ؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَمَا إِذَا أَبَيْتَ ذَلِكَ فَابْعَثْ فَأَوْقِرْهُمْ حَدِيدًا، وَاطْرَحْهُمْ فِي أَبْيَضَ كِسْرَى، وَوَكِّلْ بِهِمْ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِمْ، فَإِنْ ظَفِرْتَ عَفَوْتَ، أَوْ عَاقَبْتَ، وَإِنْ كَانَتِ الأَخُرْى ضَرِّبْ أَعْنَاقَهُمُ.
قَالَ: أَخَافَ أَنْ يَحْتَجُّوا عَلَيَّ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، يَقُولُونَ: حَبَسَنَا وَفَعَلَ بِنَا.
دَعْ هَذَا عَنْكَ يَا أَبَا النُّعْمَانِ، إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا هُوَ غَيْرِي أَوْ غَيْرُكَ، إِمَّا أَنْ تَسِيرُوا، وَإِمَّا أَنْ أَسِيرَ.
قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِصَاحِبِ خَيْلٍ، إِنَّمَا صَاحِبُ الْخَيْلِ مَنْ كَرَّ وَفَرَّ، وَإِنَّمَا أَنَا صَاحِبُ مُزَاحَفَةٍ.
قَالَ: وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ إِذَا لَقِيَ الْحَرْبَ كَانَ مَعَهُ كُرْسِيَّانِ، يَحْمِلُ أَحَدَهُمَا فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَيُقَدِّمُ الآخَرَ، فَإِذَا زَحَفَ الْقَوْمُ جَلَسَ عَلَى ذَا وَقَدَّمَ الآخَرَ.
فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَنْتَ غَدًا مَقْتُولٌ بِمَضْيَعَةٍ.
فَقَالَ مُصْعَبٌ: وَاللَّهِ لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلا أَقْذِفَ بِنَفْسِي فِي الْبَحْرِ بُغْضًا لأَهْلِ الشَّامِ لَفَعَلْتُ، وَلَوْ لَمْ أَجِدْ إِلا النَّمْلَ، لَقَاتَلْتُ بِهِمْ أَهْلَ الشَّامِ.
فَتَقَدَّمَ، فَلَمَّا اصْطَفَ النَّاسُ مَالَ عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ بِالْخَيْلِ فَذَهَبَ بِهِمْ إِلَى الْكُوفَةِ، فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ لِرَجُلٍ رَجُلٍ: تَقَدَّمْ.
فَيَأْبَوْنَ عَلَيْهِ، فَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفَّ مُصْعَبٌ فَخَذَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لِحَجَّارِ بْنِ أَبْجَرَ الْعِجْلَيِّ: تَقَدَّمْ يَا أَبَا أُسَيْدٍ، قَالَ: إِلَى هَذِهِ الْعَذْرَةِ؟ قَالَ: مَا تَتَأَخَّرُ إِلَيْهِ أَنْتِنُ.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْغَضْبَانِ بْنِ الْقَبَعْثَرَى، فَقَالَ: تَقَدَّمْ يَا أَبَا الشَّمْطِ.
فَقَالَ: مَا أَرَى ذَاكَ.
فَالْتَفَتَ إِلَى قَطْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيِّ، وَهُوَ عَلَى مَذْحِجٍ وَأَسَدٍ.
فَقَالَ: تَقَدَّمْ.
قَالَ: أُسْفِكُ دِمَاءَ مَذْحِجٍ فِي غَيْرِ شَيْءٍ.
فَقَالَ مُصْعَبٌ: أُفٍّ لَكُمْ.
ثُمَّ أَقْبَلَ فِي عِدَّةٍ.
فَلَمَّا بَرَزَ قَالَ زِيَادُ بْنُ عَمْرٍو الْعَتَكِيُّ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ صَدِيقًا لِي، وَقَدْ خِفْتُ أَنْ يُقْتَلَ، فَآمِنْهُ.
قَالَ: هُوَ آمِنٌ.
فَأَقْبَلَ زِيَادٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ.
стр. 212
فَقَالَ: يَا أَبَا الْبَخْتَرِيِّ إِلَيِّ أُكَلِّمْكَ وَأَسْائَلْكَ عَنْ شَيْءٍ، فَأَقْبَلَ، فَلَمَّا اخْتَلَفَ رَأْسَا فَرَسَيْهِمَا وَضَعَ يَدَهُ فِي مَنْطِقَتِهِ ثُمَّ جَذَبَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: يَا أَبَا الْمُغِيرَةِ، أُنَشِدُكَ اللَّهَ أَنْ تُلِيمَ الْيَوْمَ.
فَقَالَ: يَا أَبَا الْبَخْتَرِيِّ، إِنِّي أَضِنُّ بِكَ مِنْ ذَاكَ.
ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأمَّنَهُ، وَأَقْبَلَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ وَكَانَ عَلَى مُقَدِّمَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ لِمُصْعَبٍ: يَا ابْنَ عَمِّي، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُؤَمِّنُكَ عَلَى كُلِّ مَالٍ وَدَمٍ أَصَبْتَهُ.
قَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَازِ.
وَرُمِيَ مُصْعَبٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
فَأُثْخِنَ.
فَقَالَ لابْنِهِ عِيسَى: انْصَرِفْ.
فَقَالَ: لا وَاللَّهِ لا تَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ النِّسَاءُ.
قَالَ: فَتَقَدَّمْ أَحْتَسِبْكَ.
فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
ثُمَّ أَقْبَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ، وَقَدْ كَانَ مُصْعَبٌ قَتَلَ أَخَاهُ النَّابِئَ، فَدَنَا مِنْ مُصْعَبٍ وَقَدْ كَانَ أُثْخِنَ، فَلَمْ يَسْتَطِعِ التَّقَدُّمَ، فَقَالَ لِفِتْيَانِ قَوْمِهِ: شُدُّوا. . . . مِنْ ظَهْرِي، فَتَقَدَّمَ وَمَا يُحَرَّكُ مُصْعَبٌ.
لَمَّا تَفَرَّقَ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنْ مُصْعَبٍ فَلَمْ يَثْبُتْ مَعَهُ إِلا رَجُلانِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: يَحْيَى بْنُ مُبَشِّرٍ الْيَرْبُوعِيُّ، وَمُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ، وَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَشْتَرِ.
فَقُتِلُوا جَمِيعًا، وَبَقِيَ مُصْعَبٌ وَحْدَهُ فِي نَفَرٍ، فَقَاتَلَ حَتَّى عُقِرَ بِهِ عِيرُ فَرَسٍ، وَصَارَ يَقْعُدُ عَلَى كُرْسِيٍّ قَدْ وُضِعَ لَهُ، حَتَّى يَشُدَّ عَلَى الْقَوْمِ فَيَنْفَرِجُونَ لَهُ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الْكُرْسِيَّ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لا يَصِلُونَ إِلَيْهِ دَثُّوهُ بِالْحِجَارَةِ، حَتَّى أَثْخَنُوهُ فَصُرِعَ، فَشَدَّ عَلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنُ ظَبْيَانَ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَتَى عَبْدَ الْمَلِكِ بِرْأَسِهِ، وَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ الْبَجَلِيُّ:
نَحْنُ قَتَلْنَا مُصْعَبًا وَعِيسَى ... نَحْنُ أَذَقْنَا مُضَرَ التَّبْئِيسَا
وَقَدْ قَتَلْنَا مِنْهُمُ رَئِيسَا وَتَنَقَّصَ رَجُلٌ مُصْعَبًا عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ شِرِّيبًا، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: «اسْكُتْ لا أُمَّ لَكَ.
فَلَوْ عَلِمَ مُصْعَبٌ أَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ يُنْقِصُ مِنْ مُرُوءَتِهِ مَا شَرِبَهُ» .
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَيُّ بَنِي الزُّبَيْرِ أَشْجَعُ؟ قَالَ: «مَا مِنْهُمَا إِلا شُجَاعٌ، وَمَا مِنْهُمَا إِلا مَنْ مَشَى إِلَى الْمَوْتِ وَهُوَ يَرَاهُ» .
حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: " أَذِنَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَوْمًا لِخَاصَّتِهِ فَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَلَى عَيْبِ مُصْعَبٍ بَعْدَ قَتْلِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ نَظْرَةَ كَرَاهَةٍ لِمَا قَالَ، وَقَالَ: أَمْسِكْ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَنْ صَغَّرَ مَقْتُولا صَغَّرَ قَاتِلَهُ قَالَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ: " أَشْجَعُ النَّاسِ ثَلاثَةٌ: ابْنُ الْكَلْبِيَّةِ، وَأَحْمَرُ قُرَيْشٍ، وَرَاكِبُ الْبَغْلَةِ، فَابْنُ الْكَلْبِيَّةِ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أُفْرِدَ فِي سَبْعَةٍ، وَأُعْطِيَ الأَمَانَ وَوِلايَةَ الْعِرَاقِ، فَأَبَى وَمَاتَ كَرِيمًا.
стр. 213
وَأَحَمْرُ قُرَيْشٍ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، مَا لَقِيَ خَيْلا قَطُّ إِلا كَانَ فِي سَرْعَانِهَا، وَرَاكِبُ الْبَغْلَةِ عَبَّادُ بْنُ حُصَيْنٍ الْحَبَطِيُّ، مَا كُنَّا فِي كُرْبَةٍ قَطُّ إِلا فَرَّجَهَا ".
قَالَ: فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ، وَكَانَ حَاضِرًا: وَيْحَكَ فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمِ السَّلَمِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؟ قَالَ: وَيْحَكَ إِنَّمَا ذَكَرْنَا الْإِنْسَ، فَأَمَّا الْجِنُّ فَلَمْ نَذْكُرْهُمْ.
حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: " لَمَّا قَتَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَذِنَ لِلنَّاسِ إِذْنًا عَامًّا، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَجُثَّةُ عَمْرٍو فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا أَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ تَكَلَّمَ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَقَالَ: ارْمُوا بِأَبْصَارِكُمْ نَحْوَ مَصَارِعِ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ، وَاجْعَلُوا سَلَفَهُمْ لِمَنْ غَبَرَ مِنْكُمْ عِظَةً، وَلا تَكُونُوا أَغْفَالا مِنْ حُسْنِ الاعْتِبَارِ، فَتَنْزِلَ بِكُمْ جَانِحَةُ السَّطْوَةِ، وَتَجُوسَ خِلالَكُمْ بَوَادِرُ النِّقْمَةِ، وَتَطَأَ رِقَابَكُمْ بِثِقَلِهَا الْمَعْصِيَةُ، فَتَجْعَلَكُمْ هَمْدًا رُفَاتًا، وَتَشْتَمِلَ عَلَيْكُمْ بُطُونَ الأَرْضِ أَمْوَاتًا.
إِيَّايَ مَنْ قَوْلِ قَائِلٍ، وَسَفَهِ جَاهِلٍ، فَإِنَّمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أَنْ أَسْمَعَ النَّعْرَةَ، فَأُصَمِّمُ تَصْمِيمَ الْحُسَامِ الْمَطْرُورِ، وَأَصُولُ صِيَالَ الْحَنِقِ الْمَوْتُورِ، إِنَّمَا هِيَ الْمُصَافَحَةُ وَالْمُكَافَحَةُ، بِظُبَاتِ السُّيُوفِ، وَأَسَنَّةِ الرِّمَاحِ، وَالْمُعَاوَدَةِ لَكُمْ بِسُوءِ الصَّبَاحِ، فَتَابَ تَائِبٌ، أَوْ هَلَكَ خَائِبٌ، وَالتَّوْبُ مَقْبُولٌ، وْالإِحْسَانُ مَبْدُولٌ، لِمَنْ أَبْصَرَ حَظَّهُ، وَعَرَفَ رُشْدَهُ، فَانْظُرُوا لأنَفُسِكُمْ، وَأقْبِلُوا عَلَى حُظُوظِكُمْ، وَلْيَكُنْ أَهْلُ الطَّاعَةِ مِنْكُمْ يَدًا عَلَى ذِي الْجَهْلِ مِنْ سُفَهَائِكُمْ، وَاسْتَدِيمُوا النِّعْمَةَ الَّتِي ابْتَدَأَتْكُمْ بِرَغَدِ عَيْشِهَا، وَنَفِيسِ زِينَتِهَا، فَإِنَّكُمْ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ فَضِيلَتَيْنِ، عَاجِلِ الْخَفْضِ وَالدَّعَةِ، وَآجِلِ الْجَزَاءِ وَالْمَثُوبَةِ، عَصَمَكُمُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَفِتْنَتِهِ وَنَزْغِهِ، وَأَيَّدَكُمْ بِحُسْنِ مَعُونَتِهِ وَحِفْظِهِ، انْهَضُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ لِقَبْضِ أُعْطِيَاتِكُمْ، غَيْرَ مَقْطُوعَةٍ، وَلا مُكَدَّرَةٍ عَلَيْكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ: فَخَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ عِنْدِهِ بِدْارًا، كُلُّهُمْ يَخَافُ أَنْ تَكُونَ السَّطْوَةُ بِهِ
حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُتْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَلَسَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ مَجْلِسًا فِي زَمَانِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ وَلِيُّ عَهْدٍ، وَحَضَرَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَتَمَازَحَا سَاعَةً، وَتَذَاكَرَا الشِّعرَ وَأَيَّامَ الْعَرَبَ، حَتَّى أَفْضَى بِهِمَا الْحَدِيثُ إِلَى أَنْ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا مُعَاوِيَةَ إِلَى الْمُنَافَرَةِ وَالْمُفَاخَرَةِ فِي مَجْلِسِنَا هَذَا بِكَلامٍ يَحْسُنُ إِنْ رُوِيَ، وَيَعْذُبُ إِنْ حُكِيَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ: فَخْرِي فَخْرُكَ، وَذِكْرِي ذِكْرُكَ، وَمَا لأَحَدٍ مِنَّا عَلَى صَاحِبِهِ فَضْلٌ، وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يُخْرِجَنَا ذَلِكَ إِلَى مَا لا نُحِبُّهُ، وَلا نُرِيدُهُ.
стр. 214
فَقَالَ الْوَلِيدُ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ أنْ يَعْرِضَ هَذَا فِي نَفْسِكَ.
فَإِنَّهُ غَيْرُ كَائِنٍ.
قَالَ: فَافْتَخَرَ الْوَلِيدُ مُبْتَدِئًا، فَقَالَ: أَنَا ابْنُ يَزِيدَ السَّيِّدِ الْعَمِيدِ مَنْ أَنَافَ فَفَاقَ شَرَفُهُ، وَكَرُمَ أَصْلُهُ، وَطَرْقُهُ.
وَسَهُلَ بَابُهُ وَكَفُّهُ، وَاشْتَدَّ مِنَ الضَّيْمِ أَنَفُهُ، هُوَ الَّذِي قُسِّمَتْ مَنَافِعُهُ، وَعَمَّتْ صَنَائِعُهُ، وَتَتَابَعَتْ وَقَائِعُهُ، كَانَتْ إِلَيْهِ تَعْمِدُ الْوُفُودُ، وَبِسِيَاسَتِهِ تُرَاضُ الْجُنُودُ، وَبِأَمْرِهِ تُعْهَدُ الْعُهُودُ، وَتَتَضَاءَلُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ الأُسُودُ.
ثُمَّ لَعَبْدِ الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ إِذَا سَابَقَ الأَكفَاءَ سَبَقَ، وَإِذَا نَطَقَ صَدَقَ، وَيَفْرِي كُلَّمَا خَلَقَ، وَتُحْيِي مَخَائِلُهُ، إِذَا وَدَقَ، وَيَرْتِقُ إِذَا فُتِقَ، وَلا يُفْتَقُ مَا رَتَقَ، كَانَ تُهْزَمُ الْجُيُوشُ بِاسْمِهِ، وَتَضِلُّ الْحُلُومُ فِي حِلْمِهِ، وَيِعِيشُ أَهْلُ الرَّأْيِ بِعِلْمِهِ، وَيَعْدِلُ فِي حُكْمِهِ وَقَسْمِهِ، وَيَعْرِفُ فَضْلَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ.
هُوَ الَّذِي قَارَعَ عَنِ الْمُلْكِ فَفَلَجَ، وَأَدْمَجَ حَبْلَ الْجَمَاعَةِ فَانْدَمَجَ، وَأَرْتَجَ بَابَ الْبَاطِلِ فَارْتُتِجَ، وَلاقَ بِهِ الْمُلْكُ وَابْتَهَجَ.
ثُمَّ لِمَرْوَانَ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ، وَتَالِي الْقُرْآنِ، سَمَا لِلْمُلْكِ، فَذَلَّلَ صَعْبَهُ وَرَدَّ مِنْ كُلِّ رَئِيسٍ شَغْبَهُ، وَنَفَّسَ عَنْ كُلِّ مَكْرُوبٍ كَرْبَهُ، وَأَيَّدَ اللَّهُ بِالنَّصْرِ حِزْبَهُ، وَوَرَّثَ الإِمَامَةَ وَالْخِلافَةَ عَقِبَهُ، كَانَ يُسْتَظَلُّ بِظِلِّهِ، وَيَفِي بِعَهْدِهِ، وَيَجْبِي الْمَالَ مِنْ حِلِّهِ، وَيَضَعُهُ فِي أَهْلِهِ، وَيُعْرَفُ هَدْيُهُ فِي سُبُلِهِ، ثُمَّ لِلْحَكَمِ الْمَاجِدِ الْعَلَمِ، كَانَ لا تُخْمَدُ نِيرَانُهُ، وَلا تُذَمَّ جِفَانُهُ، وَلا تُؤْمَنُ أَضْغَانُهُ، وَلا يُقَدَّرُ شَأْنُهُ، ثُمَّ لأَبِي الْعَاصِ، الْكَرِيمِ الْمَحَلِّ وَالْعِرَاصِ، كَانَ يُصْدَرُ عَنْ رَأْيِهِ، وَيُوثَقُ بِرَأْيِهِ، وَيُعَاشُ بِحِبَائِهِ، وَيُؤْمَنُ بِغِنَائِهِ، وَيُقْتَاسُ عَلَى بِنَائِهِ.
ثُمَّ لأُمَيَّةَ الَّذِي وَلِيَ كُلَّ عَلِيَّةٍ، وَلَدَ الْقُرُومَ فَأَنْجَبَ، وَغَالَى بِالْحَمْدِ فَأَرْغَبَ، وَزُوِّقَ عَلَيْهِ الْمَجْدُ وَطُنِّبَ، وَأَرْوَى زَنْدَهُ وَأَثْقَبَ، وَبَذَلَ مَالَهُ فَأَنْهَبَ.
ثُمَّ لِعَبْدِ شَمْسٍ فَارجِ كُلِّ لَبْسٍ، لَيَّاذِ قُرَيْشٍ إِذَا حُصِّلُوا، وَحَلِيمِهَا إِذَا جَهِلُوا، وَجَبَلِهَا إِذَا زُلْزِلُوا، وَزَعِيمِهَا إِذَا احْتَفَلُوا، وَرَبِيعِهَا إِذَا أُمْحِلُوا.
وَأَفْتَخِرُ بِفَتَى الْفِتْيَانِ، يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، كَانَ سَمْحَ السُّمَحَاءِ، وَلَبِيبَ الأَلِبَّاءِ، الَّذِي كَمَّلَ الْجُودَ وَالأَصَالَةَ وَالْبَرَاعَةَ، وَلَدَتْهُ الْقَرُومُ مِنْ قُضَاعَةَ.
стр. 215
ثُمَّ لِقَرِيعِ الأَنَامِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ أَثْمَنِ مَنْ فِي الْمَكَارِمِ جَوْهَرُهُ، ثُمَّ غَطَّى الْفَاخِرَ مَفْخَرُهُ، وَبَذَّ أَخْيَارَ النَّاسِ خَيْرُهُ، وَزَهَا بِهِ سَرِيرُهُ، وَمِنْبَرُهُ، طُبِعَتْ عَلَى الْحِلْمِ سَجِيَّتُهُ، وَكَمُلَتْ أَخْلاقُهُ وَمُرُوءَتُهُ، وَاسْتَوَتْ عَلانِيَتُهُ وَسَرِيرَتُهُ، وَرَضِيَتْ بِسِيَاسَتِهِ رَعِيَّتُهُ، وَحَبْرُ الأَشْرَافِ عَطِيَّتُهُ، مَنْ طَلَبَ فأَدَرْكَ بثِأَرْهِ، وَشَمَّرَ لِلْحَرْبِ بِأَنْصَارِهِ، وَأَخَذَ الأَمْرَ مِنْ أقَطْارِهِ، ثُمَّ لِصَخْرٍ مَعْدِنِ النُّبْلِ وَالْفَخْرِ، مَفْزَعِ قَوْمِهِ إِذَا رَهِبُوا، وَغِيَاثِهِمْ إِذَا أَجْدَبُوا، وَمِدْرَهِهِمْ إِذَا خَطَبُوا، وَفَارِسِهِمْ إِذَا رَكِبُوا، مُيَسِّرِ كُلِّ عَسِيرٍ، وَرَئِيسِ كُلِّ كَبِيرٍ، وَبَدْرِ كُلِّ مُنِيرٍ، ثُمَّ لِحَرْبٍ مُنَفِّسِ كُلِّ كَرْبٍ، قَائِدِ قَوْمِهِ فِي الْحَقَائِقِ، وَعِصْمَتِهِمْ فِي الْوَثَائِقِ، وَحَامِيهِمْ فِي الْمَضَايِقِ، يَعْلُو عَلَى الْمَنَازِعِ فِي خِصَامِهِ، وَتَثْبُتُ قَدَمُهُ فِي مَقَامِهِ، وَتُؤْثَرُ أَمْثَالُ كَلامِهِ، وَيَزْدَحِمُ النَّاسُ عَلَى طَعَامِهِ، وَتَتَحَدَّثُ الْمَوَاسِمُ بِأَيَّامِهِ.
فَلَمَّا فَرَغَ الْوَلِيدُ، قَالَ لعَبْدِ اللَّهِ: تَكَلَّمْ.
فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَا عَبْدُ اللَّهُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَا ابْنُ الْبُدُورِ الزَّوَاهِرِ، وَالْبُحُورِ الزَّوَاخِرِ، وَالْغُيُوثِ الْمَوَاطِرِ، وَاللُّيُوثِ الْهَوَاصِرِ، الَّذِينَ بَرَزَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ شَأْوُهُمْ، وَأَنَافَ عَلَى كُلِّ بِنَاءٍ بِنَاؤُهُمْ، وَكَانَ خَيْرَ الآبَاءِ آبَاؤُهُمْ، أَنَا ابْنُ الْفُرُوعِ الزَّكِيَّةِ، وَالْمَصَابِيحِ الْمُضِيَّةِ، وَالأَشْيَاخِ الرَّضِيَّةِ، الْهُدَاةِ الْمَهْدِيَّةِ، ضَرَبُوا بِأَسْيَافِهِمْ عَلَى التُّقَى، وَأَقَامُوا لِلنَّاسِ مَعَالِمَ الْهُدَى.
وَاسْتَنْقَذُوهُمْ مِنَ الضَلالَةِ وَالرَّدَى، وَدَوَّخُوا صَنَادِيدَ الْعِدَا.
أَخْرَجَنَا اللَّهُ مِنْ أَكْرَمِ طِينَةٍ، وَاصْطَفَانَا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمَكْنُونَةِ، وَاخْتَصَّنَا بِالْوَحْيِ وَالدَّيْنُونَةِ، وَجَعَلَ لَنَا السُّنَنَ الْمَسْنُونَةَ، يَنْزِلُ وَحْيُ اللَّهِ فِي أَبْيَاتِنَا، وَيُمْلِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، عَلَى آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، تَحِلُّ الْمَلائِكَةُ بِعَقْوَاتِنَا، فَلَنَا كلُّ فَضْلٍ مَعْدُودٍ، وَسَنَاءٍ مَحْمُودٍ، وَنَحْنُ زَيْنُ كُلِّ مَشْهُودٍ , وَغُرَّةُ كُلِّ طَارِفٍ وَمَتْلُودٍ.
مِنَّا خِيرَةُ اللَّهِ الْمُصْطَفَى، وَرَسُولُهُ الْمُجَتَبَى، وَأَمِينُهُ الْمُرْتَضَى، وَالْمُؤْثَرُ بِسِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، ﷺ ، وَمِنَّا حَمْزَةُ أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ، وَحَامِيَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَآفَةُ الْمُشْرِكِينَ، وَسَيِّدُ شُهَدَاءِ الْعَالَمِينَ، كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَهِيبًا، وَلِمَالِهِ وَهُوبًا، وَفِي الإِسْلامِ سَبَّاقًا خَطِيبًا، وَعَلَى الأَعْدَاءِ أَبَّاءً صَلِيبًا.
وَمِنَّا عَلِيٌّ ذُو السَّوَابِقِ الْبَاسِقَةِ، وَالْمَنَاقِبِ الْفَائِقَةِ، الَّذِي لَيْسَتْ كَسَابِقَتِهِ سَابِقَةٌ، أَقْدَمُ قُرَيْشٍ سَبْقًا، وَأَعْلَمُهُمْ عِلْمًا، وَأَجْوَدُهُمْ فَهْمًا، وَأَرْجَحُهُمْ حِلْمًا، وَأَكْرَمُهُمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ نَفْسًا، وَأَفْضَلُهُمْ وَلَدًا وَعُرْسًا، وَخَيْرُهُمْ مَحْتِدًا وَجِنْسًا، أَصْدَقُ الْعَرَبِ بَأْسًا وَأَشَدُّهُمْ مِرَاسًا.
стр. 216
وَمِنَّا الْعَبَّاسُ الْمُفَضَّلُ بِسَرِيرَتِهِ، الْمُسْتَمِرُّ لِمَرِيرَتِهِ، الْمُتَحَبِّبُ إِلَى عَشِيرَتِهِ، كَهْفُ قُرَيْشٍ إِذَا اسْتَكْهَفُوا، وَرَءُوفُهُمْ إِذَا اسَتَرْأَفُوا، وَعَدْلُهُمْ إِذَا اسْتَنْصَفُوا.
وَمِنَّا ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ حَبْرُ الأَحْبَارِ، وَبَرُّ الأَبْرَارِ، الْعَالِمُ بِكُلِّ مُشْكِلَةٍ، وَالْقَائِمُ بِكُلِّ مُعْضِلَةٍ.
ثُمَّ أَنَا ابْنُ مُعَاوِيَةَ، وَارِثُ كُلِّ فَضِيلَةٍ، وَمُصْطَنِعُ كُلِّ جَمِيلَةٍ، وَمُفَرِّجُ كُلِّ جَلِيلَةٍ، وَمُسَيِّلُ كُلِّ جَزِيلَةٍ.
ثُمَّ لِعَبْدِ اللَّهِ مُشْتَرِي الَحْمَدِ بِنَوَالِهِ، وَالْمُؤْثِرِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَالِهِ، وَالْمُرْوِي الظِّمَاءَ بِسِجَالِهِ.
مَنْ أَنَجْدَ ذِكْرُهُ وَغَارَ، وَغَمَرَ جُودُهُ الْبِحَارَ، وَعَمَّ عَطَاؤُهُ الأَمْصَارَ، سَلَكَ سَبِيلَ الْمُرُوَّةِ، وَأَخَذَ بِأَخْلاقِ النُّبُوَّةِ، وَتَقَبَّلَ سُنَّةَ الأُبُوَّةِ.
ثُمَّ لِجَعْفَرٍ الطَّيَّارِ مَعَ الْحِسَانِ، وَالْمُصَارِعِ لِلأَقْرَانِ، وَالْمُظْهِرِ لِلْبُرْهَانِ، وَالْقَائِمِ بِطَاعَةِ الرَّحْمَنِ، أَشْبَهِ النَّاسِ بِنَبِيِّهِ خَلْقًا وُخُلُقًا، وَأَقْدَمِهِمْ فِي الإِسْلامِ سَبْقًا، وَأَحَقِّهِمِ بِكُلِّ سَنَاءٍ حَقًّا.
ثُمَّ لأَبِي طَالِبٍ مِدْرَهِ قُرَيْشٍ إِذَا حَشَدُوا، وَرَئِيسِهِمْ إِذَا عَقَدُوا، وَعَمِيدِهِمْ إِذَا اعْتَمَدُوا، وَفَارِجِ كُرَبِهِمْ إِذَا جَهِدُوا، وَلَدَ الْكِرَامَ وَوَلَدُوهُ، وَأَشْبَهَ أَبَاهُ، وَأَشْبَهَهُ بَنُوهُ.
ثُمَّ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْوَارِي الزِّنَادِ، الرَّفِيعِ الْعِمَادِ، الْمُرْغِمِ لِلأَعَادِي، الْقَائِلِ بِالسَّدَادِ، مُحْتَفِرِ زَمْزَمَ خَيْرَ الْحَفَائِرِ، وَسَاقِي الْحَجِيجِ فِيهِ بِالْمَفَاخِرِ، جَمَعَ قُرَيْشًا بَعْدَمَا تَفَرَّقُوا، وَقَادَهُمْ حَتَّى اسْتَوْسَقُوا، وَبَذَّهُمْ حِينَ نَطَقَ وَنَطَقُوا.
ثُمَّ لِهَاشِمٍ مُطْعِمِ النَّاسَ فِي الشِّتَاءِ وَالأَصْيَافِ، وَمَحَلِّ الْوُفِودِ وَالأَضْيَافِ، وَمَلْجَأِ كُلِّ هَارِبٍ وَمَضَافِ، وَالسَّابِقِ إِلَى غَايَاتِ الَأَشْرَافِ.
أَطْعَمَ قُرَيْشًا حِينَ أَسْنَتَتْ، وَجَادَ بِمَالِهِ حِينَ أَمْسَكَتْ، وَسَاهَمَ الْمُهِمَّةَ لَمَّا أَضْلَعَتْ، وَقَهَرَ بِنَاؤُهُ بِنَاءَهَا لَمَّا ابْتَنَتْ.
فَأَنَا خَيْرُ الْعَالَمِينَ أْشيَاخًا، وَأَكْرَمُهُمْ أَرُومَةً وَأَسْنَاخًا، وَأَعَزُّهُمْ سَيِّدًا بَذَّاخًا، وَأَخْصَبُهُمُ مَحِلَّةً وَمُنَاخًا، عَلَيْهِمِ تَنْزِلُ الأَنْبَاءُ، وَبِهِمْ وَلَّفَتْ قُرَيْشٌ الأَحْيَاءَ، وَأَقَرَّتْ بِفَضْلِهَا الأَمْلاءُ، وَأَذْعَنَتِ الرُّؤَسَاءُ، أَنَا ابْنُ الأَعْلامِ لِلأَعْلامِ، وَابْنُ سَادَةِ الإِسْلامِ، وَمَعْدِنِ النُّبُوَّةِ وَالأَحْكَامِ، وَأَكْرَمَ الإِسْلامُ أَسْلافَنَا، وَأَطْهَرَ الأَطْرَافَ أَطْرَافُنَا، وَأَعَزَّ الأَحْلافَ أَحْلافُنَا، يَضْمَحِلُّ الْفَخْرُ عِنْدَ فَخْرِنَا، وَيُنْسَى كُلُّ ذَكْرٍ مَعَ ذِكْرِنَا، وَيَصْغُرُ كُلُّ قَدْرٍ عِنْدَ قَدْرِنَا.
قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ كَلامِهِمَا تَفَرَّقَا
стр. 217
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، قَالَ: حَجَّ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي بَعْضِ الأَعْوَامِ، فَأَمَرَ النَّاسَ بَالْعَطَاءِ، فَخَرَجَتْ بَدْرَةٌ مَكْتُوبُ عَلَيْهَا، مِنَ الصَّدَقَةِ، فَأَبَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ قُبُولِهَا، وَقَالُوا: أَفَمَا كَانَ إِعْطَاؤُنَا مِنَ الْفَيْءِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مِثْلُنَا وِمِثْلُكُمْ، إِنَّ أَخَوَيْنِ خَرَجَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُسَافِرَيْنِ، فَنَزَلا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ تَحْتَ صَفًا، فَلَمَّا دَنَا الرَّوَاحُ، خَرَجَتْ إِلَيْهِمَا مِنْ تَحْتِ الصَّفَا حَيَّةٌ تَحْمِلُ دِينَارًا، فَأَلْقَتْهُ إِلَيْهِمَا، فَقَالا: إِنَّ هَذَا لِمِنْ كَنْزٍ، فَأَقَامَا عَلَيْهَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، كُلَّ يَوْمٍ تَخْرُجُ إِلَيْهِمَا بِدِينَارٍ.
فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إِلَى مَتَى نَنْتَظِرُ هَذِهِ الْحَيَّةَ؟ أَلا نَقْتُلُهَا فَنَحْفُرُ هَذَا الْكَنْزَ فَنَأَخْذُهُ؟ فَنَهَاهُ أَخُوهُ، وَقَالَ لَهُ: مَا تَدْرِي لَعَلَّكَ تَعْطِبُ وَلا تُدْرِكُ الْمَالَ.
فَأَبَى عَلَيْهِ، فَأَخَذَ فَأْسًا مَعَهُ وَرَصَدَ الْحَيَّةَ حَتَّى خَرَجَتْ، فَضَرَبَهَا ضَرْبَةً جَرَحَتْ رَأْسَهَا وَلَمْ يَقْتُلْهَا.
فَثَارَتِ الْحَيَّةُ فَقَتَلَتْهُ، وَرَجَعَتْ إِلَى جُحْرِهَا، فَقَامَ أَخُوهُ فَدَفَنَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ خَرَجَتِ الْحَيَّةُ مَعْصُوبًا رَأْسهَا، لَيْسَ مَعَهَا شَيْءٌ، فَقَالَ لَهَا: يَا هَذِهِ إِنِّي وَاللَّهِ مَا رَضِيتُ مَا أَصَابَكَ، وَلَقَدْ نَهَيْتُ أَخِي عَنْ ذَلِكَ، فَهَلْ لَكِ أنْ نَجْعَلَ اللَّهَ بَيْنَنَا، لا تَضُرِّينِي وَلا أَضُرُّكِ، وَتَرْجِعِينَ إِلَى مَا كُنْتِ عَلَيْهِ؟ قَالَتِ الْحَيَّةُ لا.
قَالَ: وَلِمَ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّ نَفْسَكَ لا تَطِيبُ أَبَدًا، وَأَنْتَ تَرَى قَبْرَ أَخِيكَ، وَنَفْسِي لا تَطِيبُ لَكَ أَبَدًا، وَأَنَا أَذْكُرُ هَذِهِ الشَّجَّةَ، وَأَنْشَدَهُمْ شِعْرًا لِلنَّابِغَةِ:
فَقَالَتْ أَرَى قَبْرًا تَرَاهُ مُقَابِلِي ... وَضَرْبَةَ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فَاغِرَهْ
فَيَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَلِيَكُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَكَانَ فَظًّا غَلِيظًا مُضَيِّقًا عَلَيْكُمْ، فَسَمِعْتُمْ لَهُ وَأَطَعْتُمْ، ثُمَّ وَلِيَكُمْ عُثْمَانُ، فَكَانَ سَهْلا لَيِّنًا كَرِيمًا، فَعَدَوْتُمْ عَلَيْهِ فَقَتَلْتُمُوهُ، وَبَعَثَنَا عَلَيْكُمْ مُسْلِمًا يَوْمَ الْحَرَّةِ فَقَتَلْتُمُوهُ.
فَنَحْنُ أَعْلَمُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَنَّكُمْلا تُحِبُّونَنَا أَبَدًا، وَأَنْتُمْ تَذْكُرُونَ يَوْمَ الْحرَّةِ، وَنَحْنُ لا نُحِبُّكُمْ أَبَدًا، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَقْتَلَ عُثْمَانَ
ورَوَاهُ جَمِيعُ النَّاسِ مِمَّنْ عُنِيَ بِنَقْلِ الآثَارِ وَالسِّيَرِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَرْبَعُ خِصَالٍ كُنَّ فِي مُعَاوِيَةَ، لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلا وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لَكَانَتْ مُوبِقَةً: انْتِزَاؤُهُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ بِالسُّفَهَاءِ حَتَّى ابْتَزَّهَا أَمْرَهَا بِغَيْرِ مَشُورَةٍ مِنْهُمْ، وَفِيهِمْ بَقَايَا الصَّحَابَةِ وَذَوُو الْفَضِيلَةِ.
وَاسْتِخْلافُهُ بَعْدَهُ ابْنَهُ يَزِيدَ، سِكِّيرًا خِمِّيرًا، يَلْبَسُ الْحَرِيرَ، وَيَضْرِبُ بِالطَّنَابِيرِ.
стр. 218
وَادِّعَاؤُهُ زِيَادًا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجْرُ رَوَاهُ الْمَدَائِنِيُّ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كَلامِ ابْنِ عَبَّاسٍ لأَبِي مُوسَى، وَقَوْلُهُ: إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَرْتَضُوكَ لِفَضْلٍ عِنْدَكَ لَمْ تُشَارِكْ فِيهِ. . . وَذَكَرَ فِي آخِرِهِ: فَقَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ قُرَيْشٍ:
وَاللَّهِ مَا كَلَّمَ الأَقْوَامَ مِنْ بَشْرٍ ... بَعْدَ الْوَصِيِّ عَلِيٍّ كَابْنِ عَبَّاسِ
أَوْصَى ابْنُ قَيْسٍ بِأَمْرٍ فِيهِ عِصْمَتُهُ ... لَوْ كَانَ فِيهَا أَبُو مُوسَى مِنَ النَّاسِ
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ مَكْرَ صَاحِبِهِ ... أَرْجُو رَجَاءً مَخُوفًا شِيبَ بِالْيَاسِ.
إِنَّ يَزِيدَ بْنَ حُجَيَّةَ التَّيْمِيَّ، شَهِدَ الْجَمَلَ وَصِفِّينَ وَنَهْرَوَانَ مَعَ عَلِيٍّ ﵇، ثُمَّ وَلاهُ الرَّيَّ وَدَسْتَبَى، فَسَرَقَ مِنْ أَمْوَالِهِمَا وَلَحِقَ بِمُعَاوِيَةَ، وَهَجَا عَلِيًّا ﵇، وَأَصْحَابَهُ، وَمَدَحَ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابَهُ، فَدَعَا عَلَيْهِ عَلِيٌّ، ﵇، وَرَفَعَ أَصْحَابُهُ أَيْدِيَهُمْ فَأَمَّنُوا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّهِ كِتَابًا يُقَبِّحُ إِلَيْهِ مَا صَنَعَ، وَكَانَ الْكِتَابُ شِعْرًا.
فَكَتَبَ يَزِيدُ بْنُ حُجَيَّةَ إِلَيْهِ: لَوْ كُنْتُ أَقُولُ شِعْرًا لأَجَبْتُكَ، وَلَكِنْ قَدْ كَانَ مِنْكُمْ خِلالٌ ثَلاثٌ لا تَرَوْنَ مَعَهُنَّ شَيْئًا مِمَّا تُحِبُّونَ: أَمَّا الأُولَى: فَإِنَّكُمْ سِرْتُمْ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ، حَتَّى إِذَا دَخَلْتُمْ بِلادَهُمْ، وَطَعَنْتُمُوهُمْ بِالرِّمَاحِ، وَأَذَقْتُمُوهُمْ أَلَمَ الْجِرَاحِ، رَفَعُوا الْمَصَاحِفَ، فَسَخِرُوا مِنْكُمْ وَرَدُّوكُمْ عَنْهُمْ، فَوَاللَّهِ وَاللَّهِ لا دَخَلْتُمُوهَا بِمِثْلِ تِلْكَ الشَّوْكَةِ , وَالشِّدَّةِ أَبَدًا، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْقَوْمَ بَعَثُوا حَكَمًا، وَبَعَثْتُمْ حَكَمًا، فَأَمَّا حَكَمَهُمْ فَأَثْبَتَهُمْ، وَأَمَّا حَكَمَكُمْ فَخَلَعَكُمْ، وَرَجَعَ صَاحِبَهُمْ يُدْعَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَجَعْتُمْ مُتَضَاغِنِينَ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ قُرَّاءَكُمْ وَفُقَهَاءَكُمْ وَفُرْسَانَكُمْ خَالَفُوكُمْ، فَعَدَوْتُمْ عَلَيْهِمْ فَقَتَلْتُمُوهُمْ.
ثُمَّ كَتَبَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ بَيْتَيْنِ لِعَفَّانَ بْنِ شُرَحْبِيلَ التَّمِيمِيِّ:
أَحْبَبْتُ أَهْلَ الشَّامِ مِنْ بَيْنَ الْمَلا ... وَبَكَيْتُ مِنْ أَسَفٍ عَلَى عُثْمَانِ
أَرْضًا مُقَدَّسَةً وَقَوْمًا مِنْهُمُ ... أَهْلُ الْيَقِينِ وَتَابِعُو الْفُرْقَانِ
стр. 219
قَالَ الْمُطَرِّفُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: " دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَكَانَ أَبِي يَأْتِيهِ فَيَتَحَدَّثُ مَعَهُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَيَّ فَيَذْكُرُ مُعَاوِيَةَ وَعَقْلَهُ، وَيُعْجَبُ بِمَا يَرَى مِنْهُ، إِذْ جَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَمْسَكَ عَنِ الْعَشَاءِ، وَرَأَيْتُهُ مُغْتَمًّا، فَانْتَظَرْتُهُ سَاعَةً، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ لأَمْرٍ حَدَثَ فِينَا، فَقُلْتُ: مَا لِي أَرَاكَ مُغْتَمًّا مُنْذُ اللَّيْلَةِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ جِئْتُ مِنْ أَكْفَرِ النَّاسِ وَأَخْبَثِهِمْ، قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ وَقَدْ خَلَوْتُ بِهِ: إِنَّكَ قَدْ بَلَغْتَ سِنًّا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَوْ أَظْهَرْتَ عَدْلا، وَبَسَطْتَ خَيْرًا فَإِنَّكَ قَدْ كَبِرْتَ، وَلَوْ نَظَرْتَ إِلَى إِخْوَتِكَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَوَصَلْتَ أَرْحَامَهَمْ، فَوَاللَّهِ مَا عِنْدَهُمُ الْيَوْمَ شَيْءٌ تَخَافُهُ، وَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَبْقَى لَكَ ذِكْرُهُ، وَثَوَابُهُ؟ فَقَالَ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! أَيُّ ذِكْرٍ أَرْجُو بَقَاءَهُ! مَلَكَ أَخُو تَيْمٍ فَعَدَلَ وَفَعَلَ مَا فَعَلَ، فَمَا عَدَا أَنْ هَلَكَ، حَتَّى هَلَكَ ذِكْرُهُ إِلا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: أَبُو بَكْرٍ.
ثُمَّ مَلَكَ أَخُو عَدِيٍّ، فَاجْتَهَدَ وَشَمَّرَ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا عَدَا أَنْ هَلَكَ حَتَّى هَلَكَ ذِكْرُهُ، إِلا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: عُمَرُ.
وَإِنَّ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ لَيُصَاحُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَأَيُّ عَمَلٍ يَبْقَى؟ وَأَيُّ ذِكْرٍ يَدُومُ بَعْدَ هَذَا لا أَبَا لَكَ؟ لا وَاللَّهِ إِلا دَفْنًا دَفْنًا ".
لَمَّا بَايَعَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ أَبَا بَكْرٍ، وَازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعُوهُ، مَرَّ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِالْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇، فَوَقَفَ وَأَنْشَدَ:
بَنِي هَاشِمٍ لا تُطْمِعُوا النَّاسَ فِيكُمُ ... وَلا سِيَّمَا تَيْمُ بْنُ مُرَّةَ أَوْ عَدِي
فَمَا الأَمْرُ إِلا فِيكُمُ وَإِلَيْكُمُ ... وَلَيْسَ لَهَا إِلا أَبُو حَسَنٍ عَلِي
أَبَا حَسَنٍ فَاشْدُدُ بِهَا كَفَّ حَازِمٍ ... فَإِنَّكَ بِالأَمْرِ الَّذِي يُرْتَجَى مَلِي
وَأَيُّ امْرِئٍ يَرْمِي قُصَيًّا وَرَأْيُهَا ... مَنِيعُ الْحِمَى وَالنَّاسُ مِنْ غَالَبٍ قَصِي
فَقَالَ عَلِيٌّ لأَبِي سُفْيَانَ: " إِنَّكَ تُرِيدُ أَمْرًا لَسْنَا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَدْ عَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَهْدًا فَأَنَا لَهُ.
فَتَرَكَهُ أَبُو سُفْيَانَ، وَعَدَلَ إِلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي مَنْزِلِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ، أَنْتَ أَحَقُّ بِمِيرَاثِ أَخِيكَ، امْدُدْ يَدَكَ لأُبَايِعَكَ، فَلا يَخْتَلِفُ عَلَيْكَ النَّاسُ بَعْدَ بَيْعَتِي إِيَّاكَ.
فَضَحِكَ الْعَبَّاسُ، وَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، يَدْفَعُهَا عَلِيٌّ وَيَطْلُبُهَا الْعَبَّاسُ! فَرَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ خَائِبًا.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ الأَوْسَ تَزْعُمُ أَنَّ أَوْلَ مَنْ بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ.
، وَتَزْعُمُ الْخَزْرَجُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ.
стр. 220
فَلَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ أَقْبَلَتِ الْجَمَاعَةُ الَّتِي بَايَعَتْهُ تَزِفُّهُ زَفًّا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ افْتَرَقُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ، فَاجْتَمَعَ قَوْمٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَقَوْمٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَعَاتَبُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ أُولِي فَضْلٍ وَنَصْرٍ وَسَابِقَةٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيكُمْ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَلا عُمَرَ وَلا عَلِيٍّ وَلا أَبِي عُبَيْدَةَ» .
فَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: " إِنَّا لا نُنْكِرُ فَضْلَ مَنْ ذَكَرْتَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَإِنَّ مِنَّا لَسَيِّدَ الأَنْصَارِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَمَنْ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أَنْ يُقْرِئَهُ السَّلامَ، وَأَنْ يَأْخُذَ عَنْهُ الْقُرْآنَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَمَنْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَامَ الْعُلَمَاءِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، وَمَنْ أَمْضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، شَهَادَتَهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ خُزَيْمَةَ بْنَ ثَابِتٍ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِمَّنْ سَمَّيْتَ مِنْ قُرَيْشٍ مَنْ لَوْ طَلَبَ هَذَا الأَمْرَ لَمْ يُنَازِعْهُ فِيهِ أَحَدٌ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ".
فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي وُلِّيتُ أَمْرَكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِذَا أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي.
إِنَّ لِي شَيْطَانًا يَعْتَرِينِي، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّايَ إِذَا غَضِبْتُ، لا أُوثِرُ فِي أَشْعَارِكُمْ، وَأَبْشَارِكُمْ.
الصِّدْقُ أَمَانَةٌ، وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ، وَالضَّعِيفُ مِنْكُمْ قَوِيٌّ حَتَّى أَرُدَّ إِلَيْهِ حَقَّهُ، وَالْقَوِيُّ ضِعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ.
إِنَّهُ لا يَدَعُ قَوْمٌ الْجِهَادَ إِلا ضَرَبَهَمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ، وَلا تَشِيعُ فِي قَوْمٍ الْفَاحِشَةُ إِلا عَمَّهُمُ الْبَلاءُ.
أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ فَلا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ.
قُومُوا إِلَى صَلاتِكُمْ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ» .
قَالَ ابْنُ أَبِي عَزَّةَ الْقُرَشِيُّ:
شُكْرًا لِمَنْ هُوَ بِالثَّنَاءِ حَقِيقُ ... ذَهَبَ اللَّجَاجُ وَبُويِعَ الصِّدِّيقُ
مِنْ بَعْدِ مَا زَلَّتْ بِسَعْدٍ نَعْلُهُ ... وَرَجَا رَجَاءً دُونَهُ الْعَيُّوقُ
حَفَّتْ بِهِ الأَنْصَارُ عَاصِبَ رَأْسِهِ ... فَأَتَاهُمُ الصِّدِّيقُ وَالْفَارُوقُ
وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَالَّذِينَ إِلَيْهِمُ ... نَفْسُ الْمُؤَمِّلِ لِلَّقِاءِ تَتُوقُ
كُنَّا نَقُولُ لَهَا عَلِيٌّ وَالرِّضَا ... عُمَرٌ وَأَوْلاهُمْ بِذَاكَ عَتِيقُ
فَدَعَتْ قُرَيْشٌ بِاسْمِهِ فَأَجَابَهَا ... إِنَّ الْمُنَوَّهُ بِاسْمِهِ الْمَوْثُوقُ
قُلْ لِلأُلَى طَلَبُوا الْخِلافَةَ زِلَّةٌ ... لَمْ يَخْطُ مِثْلَ خُطَاهُمُ مَخْلُوقُ
إِنَّ الْخِلافَةَ فِي قُرَيْشٍ مَالَكُمْ ... فِيهَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ مَعْرُوقُ
رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا بُويِعَ افْتَخَرَتْ تَيْمُ بْنُ مُرَّةَ.
قَالَ: وَكَانَ عَامَّةُ الْمُهَاجِرِينَ وَجُلُّ الأَنْصَارِ لا يَشُكُّونَ أَنَّ عَلِيًّا هُوَ صَاحِبُ الأَمْرِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَخُصُوصًا يَا بَنِي تَيْمٍ، إِنَّكُمْ، إِنَّمَا أَخَذْتُمُ الْخِلافَةَ بِالنُّبُوَّةِ.
стр. 221
وَنَحْنُ أَهْلُهَا دُونَكُمْ، وَلَوْ طَلَبْنَا هَذَا الأَمْرَ الَّذِي نَحْنُ أَهْلُهُ لَكَانَتْ كَرَاهَةُ النَّاسِ لَنَا أَعْظَمَ مِنْ كَرَاهَتِهِمْ لِغَيْرِنَا، حَسَدًا مِنْهُمْ لَنَا وَحِقْدًا عَلَيْنَا، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِنَا عَهْدًا هُوَ يَنْتَهِي إِلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُ وَلَدِ أَبِي لَهَبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ شِعْرًا:
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الأَمْرَ مُنْصَرِفٌ ... عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ مِنْهَا عَنْ أَبِي حَسَنِ
أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ ... وَأَعْلَمَ النَّاسِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ
وَأَقْرَبَ النَّاسِ عَهْدًا بِالنَّبِيِّ وَمَنْ ... جِبْرِيلُ عَوْنٌ لَهُ فِي الْغُسْلِ وَالْكَفَنِ
مَا فِيهِ مَا فِيهِمُ لا يَمْتَرُونَ بِهِ ... وَلَيْسَ فِي الْقَوْمِ مَا فِيهِ مِنَ الْحَسَنِ
مَاذَا الَّذِي رَدَّهُمْ عَنْهُ فَتَعْلَمُهُ ... هَا إِنَّ ذَا غَبْنُنَا مِنْ أَعْظَمَ الْغَبَنِ
قَالَ الزُّبَيْرُ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ فَنَهَاهُ وَأَمَرَهُ أَلا يَعُودَ، وَقَالَ: «سَلامَةُ الدِّينِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ غَيْرِهِ» .
وَكَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ شِيعَةً لأَبِي بَكْرٍ، وَمِنَ الْمُنْحَرِفِينَ عَنْ عَلِيٍّ فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا رُمِينَا فِي بَدْءِ هَذَا الدِّينِ بِأَمْرٍ، ثَقُلَ عَلَيْنَا وَاللَّهِ مَحْمَلُهُ، وَصَعُبَ عَلَيْنَا مُرْتَقَاهُ، وَكُنَّا كَأَنَّا فِيهِ عَلَى أَوْتَارٍ، ثُمَّ وَاللَّهِ مَا لَبِثْنَا أَنْ خَفَّ عَلَيْنَا ثِقَلُهُ، وَذَلَّ لَنَا صَعْبُهُ، وَعَجِبْنَا مِمَّنْ شَكَّكَ فِيهِ بَعْدَ عُجْبِنَا مِمَّنْ آمَنَ بِهِ حَتَّى أُمِرْنَا بِمَا كُنَّا نَنْهَى عَنْهُ، وَنُهِينَا عَمَّا كُنَّا نَأْمُرُ بِهِ، وَلا وَاللَّهِ مَا سَبَقْنَا إِلَيْهِ بِالْعُقُولِ، وَلَكِنَّهُ التَّوْفِيقُ.
أَلا وَإِنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَنْقَطِعْ حَتَّى أَحْكَمَ، ولَمْ يَذْهَبِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَنَسْتَبْدِلَ بَعْدَهُ نَبِيًّا وَلا بَعْدَ الْوَحْيِ وَحْيًا، وَنَحْنُ الْيَوْمَ أَكْثَرُ مِنَّا أَمْسِ، وَنَحْنُ أَمْسِ خَيْرٌ مِنَّا الْيَوْمَ.
مَنْ دَخَلَ فِي هَذَا الدِّينِ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى حَسَبِ عَمَلِهِ، وَمَنْ تَرْكَهُ رَدَدْنَاهُ إِلَيْهِ، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا صَاحِبُ الأَمْرِ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ، بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ، وَلا لِيُخْتَلَفَ فِيهِ، وَلا الْخَفِيِّ الشَّخْصِ، وَلا الْمَغْمُوزِ الْقَنَاةِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ كَلامِهِ.
وَمَدَحَهُ حَزْنُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ «سَهْلا» وَهُوَ جَدُّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ الْفَقِيهِ، وَقَالَ:
وَقَامَتْ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ كَثِيرَةٌ ... فَلَمْ يَكُ مِنْهُمْ فِي الرِّجَالِ كَخَالِدِ
تَرَقَّى فَلَمْ يَزْلِقْ بِهِ صَدْرُ نَعْلِهِ ... وَكَفَّ فَلَمْ يَعْرِضْ لِتِلْكَ الأَوَابِدِ
فَجَاءَ بِهِ غَرَّاءَ كَالْبَدْرِ ضَوْءُهَا ... فَسَمَّيْتُهَا فِي الْحُسْنِ أُمِّ الْقَلائِدِ
أَخَالِدُ لا تَعْدِمْ لُؤَيُّ بْنُ غَالِبٍ ... قِيَامَكَ فِيهَا عِنْدَ قَذْفِ الْجَلامِدِ
كَسَاكَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ مَجْدَهُ ... وَعَلَّمَكَ الأَشْيَاخُ ضَرْبَ الْقَمَاحِدِ
تُقَارِعُ فِي الإِسْلامِ عَنْ صُلْبِ دِينِهِ ... وَفِي الشِّرْكِ عَنْ أَحْسَابِ جَدٍّ وَوَالِدِ
وَكُنْتَ لِمَخْزُومِ بْنِ يَقْظَةَ جُنَّةً ... يُعِدُّكَ فِيهَا مَاجِدًا وَابْنَ مَاجِدِ
إِذَا مَا سَمَا فِي حَرْبِهَا أَلْفُ فَارِسٍ ... عُدِلْتَ بِأَلْفٍ عِنْدَ تِلْكَ الشَّدَائِدِ
стр. 222
وَمَنْ يَكُ فِي الْحَرْبِ الْمُثِيرَةِ وَاحِدًا ... فَمَا أَنْتَ فِي الْحَرْبِ الْعَوَانِ بِوَاحِدِ
إِذَا نَابَ أَمْرٌ فِي قُرَيْشٍ مُخَلِّجٍ ... تَشِيبُ لَهُ رُءُوسُ الْعَذَارَى النَّوَاهِدِ
تَوَلَّيْتَ مِنْهُ مَا يُخَافُ وَإِنْ تَغِبْ ... يَقُولُوا جَمِيعًا حَظُّنَا غَيْرُ شَاهِدِ
٣٨٢ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ الْمَعْرُوفُ بَابْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: " لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ وَاسْتَقَرَّ أَمْرُهُ، نَدِمَ قَوْمٌ كَثِيرٌ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى بَيْعَتِهِ، وَلامَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَذَكَرُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَهَتَفُوا بِاسْمِهِ، وَإِنَّهُ فِي دَارِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمِ، وَجَزَعَ لِذَلِكَ الْمُهَاجِرُونَ، وَكَثُرَ فِي ذَلِكَ الْكَلامُ، وَكَانَ أَشَدَّ قُرَيْشٍ عَلَى الأَنْصَارِ نَفَرٌ فِيهِمْ، وَهُمْ: سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ الْمَخْزُومِيَّانِ، وَهَؤُلاءِ أَشْرَافُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ حَارَبُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، ثُمَّ دَخَلُوا فِي الإِسْلامِ، وَكُلُّهُمْ مَوْتُورٌ قَدْ وَتَرَهُ الأَنْصَارُ.
أَمَّا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَأَسَرَهُ مَالِكُ بْنُ الدَّخْشَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمَّا الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ فَضَرَبَهُ عُرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو فَجَرَحَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ فَارٌّ عَنْ أَخِيهِ، وَأَمَّا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَقَتَلَ أَبَاهُ ابْنَا عَفْرَاءَ، وَسَلَبَهُ دِرْعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ، وَفِي أَنْفُسِهِمْ ذَلِكَ.
فَلَمَّا اعْتَزَلَتِ الأَنْصَارُ تَجَمَّعَ هَؤُلاءِ فَقَامَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ هَؤُلاءِ الْقَوْمَ قَدْ سَمَّاهُمُ اللَّهُ الأَنْصَارَ، َأَثْنَى عَلَيْهِمْ فِي الْقُرْآنِ فَلَهُمْ بِذَلِكَ حَظٌّ عَظِيمٌ وَشَأْنٌ غَالِبٌ، وَقَدْ دَعَوْا إِلَى أَنْفُسِهِمْ وَإِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَلِيٌّ فِي بَيْتِهِ لَوْ شَاءَ لَرَدَّهُمْ، فَادْعُوهُمْ إِلَى صَاحِبِكُمْ وَإِلَى تَجْدِيدِ بَيْعَتِهِ، فَإِنْ أَجَابُوكُمْ وَإِلا قَاتِلُوهُمْ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَجْوُ اللَّهَ أَنْ يَنْصُرَكُمْ عَلَيْهِمْ كَمَا نُصِرْتُمْ بِهِ.
ثُمَّ قَامَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ: إِنْ يَكُنِ الأَنْصَارُ تَبَوَّأَتِ الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلُ، وَنَقَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى دُورِهِمْ مِنْ دُورِنَا، فَآوَوْا وَنَصَرُوا، ثُمَّ مَا رَضُوا حَتَّى قَاسَمُونَا الأَمْوَالَ، وَكَفَوْنَا الْعَمْلَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ لَهِجُوا بِأَمْرٍ، إِنْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِمَّا وُسِمُوا بِهِ، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مُعَاتَبَةٌ إِلا السَّيْفَ، وَإِنْ نَزَعُوا عَنْهُ فَقَدْ فَعَلُوا الأَوْلَى بِهِمْ، وَالْمَظْنُونَ مَعَهُمْ.
стр. 223
ثُمَّ قَامَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْلا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» ، مَا أَنَكْرَنْا إِمْرَةَ الأَنْصَارِ، وَلَكَانُوا لَهَا أَهْلا، وَلَكِنَّهُ قَوْلٌ لا شَكَّ فِيهِ وَلا خيَارَ ، وَقَدْ عَجَلَتِ الأَنْصَارُ عَلَيْنَا، وَاللَّهِ مَا قَبَضْنَا عَلَيْهِمُ الأَمْرَ وَلا أَخْرَجْنَاهُمْ مِنَ الشُّورَى، وَإِنَّ الَّذِي هُمْ فِيهِ مِنْ فَلَتَاتِ الأُمُورِ وَنَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ، وَمَا لا يَبْلُغُهُ الْمُنَى وَلا يَحْمِلُهُ الأَمَلُ، أَعْذِرُوا إِلَى الْقَوْمِ فَإِنْ أَبَوْا قَاتِلُوهُمْ، فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ قُرَيْشٍ كُلِّهَا إِلا رَجُلٌ وَاحِدٌ لَصَيَّرَ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ فِيهِ.
قَالَ: وَحَضَرَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّهُ لَيْسَ لِلأَنْصَارِ أَنْ يَتَفَضَّلُوا عَلَى النَّاسِ حَتَّى يُقِرُّوا بِفَضْلِنَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ تَفَضَّلُوا، فَحَسْبُنَا حَيْثُ انْتَهَى بِهَا، وَإِلا فَحَسْبُهُمْ حَيْثُ انْتَهَى بِهِمْ، وايْمُ اللَّهِ لَئِنْ بَطِرُوا الْمَعِيشَةَ وَكَفَرُوا النِّعْمَةَ، لَنَضْرِبَنَّهُمْ عَلَى الإِسْلامِ كَمَا ضَرَبُوا عَلَيْهِ، فَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَأَهْلٌ وَاللَّهِ أَنْ يَسُودَ عَلَى قُرَيْشٍ وَتُطِيعَهُ الأَنْصَارُ.
فَلَمَّا بَلَغَ الأَنْصَارَ قَوْلُ هَؤُلاءِ الرَّهْطِ، قَامَ خَطِيبُهُمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّمَا يِكْبُرُ عَلَيْكُمْ هَذَا الْقَوْلُ لَوْ قَالَهُ أَهْلُ الدِّينِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لا سِيَّمَا مِنْ أَقْوَامٍ كُلُّهُمْ مَوْتُورٌ فَلا يَكْبُرَنَّ عَلَيْهِمْ، إِنَّمَا الرَّأْيُ وَالْقَوْلُ مَعَ الأَخْيَارِ الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ تَكَلَّمَتْ رِجَالُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الآخِرَةِ مِثْلَ كَلامِ هَؤُلاءِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قُولُوا مَا أَحْبَبْتُمْ وَإِلا فَأَمْسِكُوَا.
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَذْكُرُ ذَلِكَ:
تَنَادَى سُهَيْلٌ وَابْنُ حَرْبٍ وَحَارثٌ ... وَعِكْرِمَةُ الشَّانِي لَنَا ابْنُ أَبِي جَهْلِ
قَتَلَنْا أَبَاهُ وَانْتَزَعْنَا سِلاحَهُ ... فَأَصْبَحَ بِالْبَطْحَاءِ أَذَلَّ مِنَ النَّعْلِ
فَأَمَّا سُهَيْلٌ فَاحْتَوَاهُ ابُنْ دَخْشَمٍ ... أَسِيرًا ذَلِيلا لا يُمِرُّ وَلا يُحْلِي
وَصَخْرُ بْنُ حَرْبٍ قَدْ قَلَتْنَا رِجَالَهُ ... غَدَاةَ لِوَا بَدْرٍ فَمِرْجَلُهُ يَغْلِي
وَرَاكَضَنَا تَحْتَ الْعَجَاجَةِ حَارِثٌ ... عَلَى ظَهْرِ جَرْدَاءٍ كَبَاسِقَةِ النَّخْلِ
يُقَبِّلُهَا طَوْرًا وَطَوْرًا يَحُثُّهَا ... وَيَعْدِلُهَا بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَالأَهْلِ
أُولِئكَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ تَبَايَعُوا ... عَلَى خِطَّةٍ لَيْسَتْ مِنَ الْخُطَطِ الفُضْلِ
وَأَعْجَبَ مِنْهُمْ قَابَلُوا ذَاكَ مِنْهُمُ ... كَأَنَّا اشْتَمَلْنَا مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى ذَحْلِ
وَكُلُّهُمُ ثَانٍ عَنِ الْحَقِّ عِطْفَهُ ... يَقُولُ اقْتُلُوا الأَنْصَارَ بِئْسَ مِنْ فِعْلِ
نَصَرْنَا وَآوَيْنَا النَّبِيَّ وَلَمْ نَخَفْ ... صُرُوفَ اللَّيَالِي وَالْبَلاءَ عَلَى رَجْلِ
بَذَلْنَا لَهُمْ أَنْصَافَ مَالِ أَكُفِّنَا ... كَقِسْمَةِ أَيْسَارِ الْجَذُورِ مِنَ الْفَضْلِ
وَمِنْ بَعْدِ ذَاكَ الْمَالِ أَنْصَافَ دُورِنَا ... وَكُنَّا أُنَاسًا لا نُعَيَّرُ بِالْبُخْلِ
وَنَحْمِي ذِمَارَ الْحَيِّ فَهْرِ بْنِ مَالِكٍ ... وَنُوقِدُ نَارَ الْحَرْبِ بِالْحَطَبِ الْجَزْلِ
فَكَانَ جَزْاءُ الْفَضْلِ مِنَّا عَلَيْهِمُ ... جَهَالَتَهُمْ حُمْقًا وَمَا ذَاكَ بِالْعَدْلِ
стр. 224
فَبَلَغَ شِعْرُ حَسَّانٍ قُرَيْشًا، وَأَمَرُوا ابْنَ أَبِي عَزَّةَ شَاعِرَهُمْ أَنْ يُجِيبَهُمْ، فَقَالَ:
مَعْشَرَ الأَنْصَارِ خَافُوا رَبَّكُمْ ... وَاسْتَجِيرُوا اللَّهَ مِنْ شَرِّ الْفِتَنْ
إِنَّنِي أَرْهَبُ حَرْبًا لاقِحًا ... يَشْرَقُ الْمُرْضَعُ فِيهَا بِاللَّبَنْ
جَرَّهَا سَعْدٌ وَسَعْدٌ فِتْنَةٌ ... لَيْتَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لَمْ يَكُنْ
خَلْفَ بُرْهُوتٍ خَفِيًّا شَخْصُهُ ... بَيْنَ بُصْرَى ذِي رُعَيْنٍ وَجَدَنْ
لَيْسَ مَا قَدَّرَ سَعْدٌ كَائِنًا ... مَا جَرَى الْبَحْرُ وَمَا دَامَ حَضَنْ
لَيْسَ بِالْقَاطِعِ مِنَّا شَعْرَةً ... كَيْفَ يُرْجَى خَيْرُ أَمْرٍ لَمْ يَحِنْ
لَيْسَ بِالْمُدْرِكِ مِنْهَا أَبَدًا ... غَيْرَ أَضْغَاثِ أَمَانِيِّ الْوَسَنْ
لَمَّا اجْتَمَعَ جُمْهُورُ النَّاسِ لأَبِي بَكْرٍ أَكْرَمَتْ قُرَيْشٌ مَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، وَعُوَيْمَ بْنَ سَاعِدَةَ، وَكَانَ لَهُمَا فَضْلٌ قَدِيمٌ فِي الإِسْلامِ.
فَاجْتَمَعَتِ الأَنْصَارُ لَهُمَا فِي مَجْلِسٍ وَدَعَوْهُمَا، فَلَمَّا أَحْضَرَا أَقْبَلَتِ الأَنْصَارُ عَلَيْهِمَا، فَعَيَّرُوهُمَا بِانْطِلاقِهِمَا إِلَى الْمُهَاجِرِينَ، وَأَكْبَرُوا فِعْلَهُمَا فِي ذَلِكَ.
فَتَكَلَّمَ مَعْنٌ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ بِكُمْ خَيْرٌ مِمَّا أَرَدْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ، وَقَدْ كَانَ مِنْكُمْ أَمْرٌ عَظِيمُ الْبَلاءِ، وَصغَّرَتْهُ الْعَاقِبَةُ، فَلَوْ كَانَ لَكُمْ عَلَى قُرَيْشٍ مَا لِقُرَيْشٍ عَلَيْكُمْ ثُمَّ أَرَدْتُمُوهُمْ لِمَا أَرَادُوكُمْ بِهِ، لَمْ آمَنْ عَلَيْهِمْ مِنْكُمْ مِثْلَ مَا آمَنُ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ، فَإِنْ تَعْرِفُوا الْخَطَأَ فَقَدْ خَرَجْتُمْ مِنْهُ وَإِلا فَأَنْتُمْ فِيهِ.
ثُمَّ تَكَلَّمَ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارَ، إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ مَا أَرَدْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ، فَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى حُسْنِ الْبَلاءِ وَطُولِ الْعَافِيَةِ، وَصَرْفِ هَذِهِ الْبَلِيَّةِ عَنْكُمْ، وَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَوَّلِ فِتْنَتِكُمْ، وَآخِرِهَا فَوَجَدْتُهَا جَاءَتْ مِنَ الأَمَانِيِّ، وَالْحَسَدِ، وَاحْذَرُوا النِّعَمَ، فَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ صَيَّرَ إِلَيْكُمْ هَذَا الأَمْرَ بِحَقِّهِ فَكُنَّا نَعِيشُ فِيهِ.
فَوَثَبَتْ عَلَيْهِمَا الأَنْصَارُ، فَأَغْلَظُوا لَهُمَا وَفَحُشُوا عَلَيْهِمَا، وَانْبَرَى لَهُمْ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ: أَنَسِيتُمَا قَوْلَكُمَا لِقُرَيْشٍ: إِنَّا قَدْ خَلَّفْنَا وَرَاءَنَا قَوْمًا قَدْ حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ بِفِتْنَتِهِمْ، هَذَا وَاللَّهِ مَا لا يُغْفَرُ وَلا يُنْسَى، وَقَدْ تُصْرَفُ الْحَيَّةُ عَلَى وَجْهِهَا وَسُمُّهَا فِي نَابِهَا.
فَقَالَ مَعْنٌ فِي ذَلِكَ:
وَقَالَتِ ليَ الأَنْصَارُ إِنَّكَ لَمْ تُصِبْ ... فَقُلْتُ: أَمَا لِيَ فِي الْكَلامِ نَصِيبُ
فَقَالُوا: بَلَى قُلْ مَا بَدَا لَكَ رَاشِدًا ... فَقُلْتُ: وَمِثْلِي بِالْجَوَابِ طَبِيبُ
تَرَكْتُكُمُ وَاللَّهِ لَمَّا رَأَيْتُكُمْ ... تُيُوسًا لَهَا بِالْحَرَّتَيْنِ نَبِيبُ
تُنَادُونَ بِالأَمْرِ الَّذِي النَّجْمُ دُونَهُ ... أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا سِوَاهُ قَرِيبُ
فَقُلْتُ لَكُمْ قَوْلَ الشَّفِيقِ عَلَيْكُمُ ... وَلِلْقَلْبِ مِنْ خَوْفِ الْبَلاءِ وَجِيبُ
دَعُوا الرَّكْضَ وَاثْنُوا مِنْ أَعِنَّةِ بَغْيِكُمْ ... وَدبُّوا فَسَيْرُ الْقَاصِدِينَ دَبِيبُ
وَخَلُّوا قُرَيْشًا وَالأُمُورُ وَبَايِعُوا ... لِمَنْ بَايَعُوهُ تُرْشِدُوا وَتُصِيبُوا
أَرَاكُمْ أَخَذْتُمْ حَقَّكُمْ بِأَكُفِّكُمْ ... وَمَا النَّاسُ إِلا مُخْطِئٌ وَمُصِيبُ
стр. 225
فَلَمَّا أَبَيْتُمْ زُلْتُ عَنْكُمْ إِلَيْهِمُ ... فَلِي فِيكُمُ بَعْدَ الذُّنُوبِ ذُنُوبُ
فَلا تَبْعَثُوا مِنِّي الْكَلامَ فَإِنَّنِي ... إِذَا شِئْتُ يَوْمًا شَاعِرٌ وَخَطِيبُ
وَإِنِّي لَحُلْوٌ تَعْتَرِينِي مَرَارَةٌ ... وَمِلْحٌ أُجَاجٌ تَارَةً وَشَرُوبُ
لِكُلِّ امْرِئٍ عِنْدِي الَّذِي هُوَ أَهْلُهُ ... أَفَانِينُ شَتَّى وَالرِّجَالُ ضُرُوبُ
وَقَالَ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ فِي ذَلِكَ:
وَقَالَتْ لِيَ الأَنْصَارُ أَضْعَافَ قَوْلِهِمْ ... لِمَعْنٍ وَذَاكَ الْقَوْلُ جَهْلٌ مِنَ الْجَهْلِ
فَقُلْتُ: دَعُونِي لا أَبًا لأَبِيكُمُ ... فَإِنِّي أَخُوكُمْ صَاحِبُ الْخَطَرِ الْفَصْلِ
أَنَا صَاحِبُ الْقَوْلِ الَّذِي تَعْرِفُونَهُ ... أُقَطِّعُ أَنْفَاسَ الرِّجَالِ عَلَى مَهْلِ
فَإِنْ تَسْكُتُوا أَسْكُتْ وَفِي الصَّمْتِ رَاحَةٌ ... وَإِنْ تَنْطِقُوا أَصْمُتْ مَقَالَتُكُمْ تُبْلِي
وَمَا لُمْتُ نَفْسِي فِي الْخِلافِ عَلَيْكُمُ ... وَإِنْ كُنْتُمُ مُسْتَجْمِعِينَ عَلَى عَذْلِي
أُرِيدُ بِذَاكَ اللَّهَ لا شَيْءَ غَيْرُهُ ... وَمَا عِنْدَ رَبِّ النَّاسِ مِنْ دَرَجِ الْفَضْلِ
وَمَا لِيَ رِحْمٌ فِي قُرَيْشٍ قَرِيبَةٌ ... وَلا دَارُهَا دَارِي وَلا أَصْلُهَا أَصْلِي
وَلَكِنَّهَمْ قَوْمٌ عَلَيْنَا أَئِمَّةٌ ... أَدِينُ لَهُمْ مَا أَنْفَذَتْ قَدَمِي نَعْلِي
وَكَانَ أَحَقَّ النَّاسِ أَنْ تَقْنَعُوا بِهِ ... وَيَحْتَمِلُوا مَنْ جَاءَ فِي قَوْلِهِ مِثْلِي
لأَنِي أَخَفُّ النَّاسَ فِيمَا يَسُرُّكُمْ ... وَفَيْمَا يَسُؤُكُمْ لا أُمِرُّ وَلا أُحْلِي
وَقَالَ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو وَكَانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ مِمَّنْ جَاهَدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَادَ فَرَسَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكَانَ يَتَصَدَّقُ مِنْ نَخْلِهِ بِأَلْفِ وَسْقٍ فِي كُلِّ عَامٍ، وَكَانَ سَيِّدًا، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ، وَمِمَّنْ شَهِدَ مَعَهُ يَوْمَ الْجَمَلِ، قَالَ: فَذَكَرَ مَعْنًا وَعُوَيْمًا وَعَاتَبَهُمَا عَلَى قَوْلِهِمَا:
أَلا قُلْ لِمَعْنٍ إِذَا جِئْتَهُ ... وَذَاكَ الَّذِي شَيْخُهُ سَاعِدَة
بِأَنَّ الْمَقَالَ الَّذِي قُلْتُمَا ... خَفِيفٌ عَلَيْنَا سِوَى وَاحِدَة
مَقَالَكُمُ إِنَّ مَنْ خَلْفَنَا ... مِرَاضٌ قُلُوبُهُمُ فَاسِدَة
حَلالُ الدِّمَاءِ عَلَى فَتْنةٍ ... فَيَا بِئْسَمَا رَبَّتِ الْوَالِدَة
فَلَمْ تَأْخُذَا قَدْرَ أَثْمَانِهَا ... وَلَمْ تَسْتَفِيدَا بِهَا فَائِدَة
لَقَدْ كَذَّبَ اللَّهُ مَا قُلْتُمَا ... وَقَدْ يَكْذِبُ الرَّائِدُ الْوَاعِدَة
ثُمَّ إِنَّ الأَنْصَارَ أَصْلَحُوا بَيْنَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِمَا، ثُمَّ اجْتَمَعَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَوْمًا وَفِيهِمْ نَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَخْلاطٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَذَلِكَ بَعَدَ انْصِرَافِ الأَنْصَارِ عَنْ رَأْيِهَا وَسُكُونِ الْفِتْنَةِ.
فَاتَّفَقَ ذَلِكَ عِنْدَ قُدُومِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ سَفَرٍ كَانَ فِيهِ، فَجَاءَ إِلَيْهِمْ فَأَفَاضُوا فِي ذِكْرَ يَوْمِ السَّقِيفَةِ وَسَعْدٍ وَدَعْوَاهُ الأَمْرَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: وَاللَّهِ لَقَدْ دَفَعَ اللَّهُ عَنَّا مِنَ الأَنْصَارِ عَظَيِمَةً، وَلَمَّا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَعْظَمَ، كَادُوا وَاللَّهِ أَنْ يَحِلُّوا حَبْلَ الإِسْلامِ كَمَا قَاتَلُوا عَلَيْهِ، وَيُخْرِجُوا مِنْهُ مَنْ أَدْخَلُوا فِيهِ.
وَاللَّهِ لَئِنْ كَانُوا سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» .
стр. 226
ثُمَّ ادَّعَوْهَا لَقَدْ هَلَكُوا وَأَهْلَكُوا، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَسْمَعُوهَا فَمَا هُمْ كَالْمُهَاجِرِينَ، وَلا سَعْدٌ كَأَبِي بَكْرٍ، وَلا الْمَدِينَةُ كَمَكَّةَ، وَلَقَدْ قَاتَلُونَا أَمْسِ فَغَلَبُونَا عَلَى الْبَدْءِ، وَلَوْ قَاتَلْنَاهُمُ الْيَوْمَ لَغَلَبْنَاهُمْ عَلَى الْعَاقِبَةِ.
فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ وَانْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَقَدْ ظَفِرَ، فَقَالَ:
أَلا قُلْ لأَوْسٍ إِذَا جِئْتَهَا ... وَقُلْ مَا إِذَا جِئْتَ للْخَزْرَجِ
تَمَنَّيْتُمُ الْمُلْكَ فِي يَثْرِبٍ ... فَأُنْزِلَتِ الْقِدْرُ لَمْ تُنْضَجِ
وَأَخْدَجْتُمُ الأَمْرَ قَبْلَ التَّمَامْ ... وَأَعْجِبْ بِذَا الْمُعْجَلِ الْمُخْدَجِ
تُرِيدُونَ نَتْجَ الْحِيَالِ الْعِشَارْ ... وَلَمْ تُلْقِحُوهُ فَلَمْ يُنْتِجِ
عَجِبْتُ لِسَعْدٍ وَأَصْحَابِهِ ... وَلَوْ لَمْ يُهِيجُوهُ لَمْ يَهْتَجِ
رَجَا الْخَزْرَجِيُّ رَجَاءَ السَّرَابْ ... وَقَدْ يَخْلِفُ الْمَرْءَ مَا يَرْتَجِي
فَكَانَ كَمُنْحٍ عَلَى كَفِّهِ ... بِكَفٍّ يُقَطِّعُهَا أَهْوَجِ
فَلَمَّا بَلَغَ الأَنْصَارَ مَقَالَتُهُ وَشِعْرُهُ بَعَثُوا إِلَيْهِ لِسَانَهُمْ وَشَاعِرَهُمُ النُّعْمَانَ بْنَ الْعَجْلانِ، وَكَانَ رَجُلا أَحْمَرَ قَصِيرًا تَزْدَرِيهِ الْعُيُونُ، وَكَانَ سَيِّدًا فَخْمًا، فَأَتَى عَمْرًا وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا عَمْرُو مَا كَرِهْتُمْ مِنْ حَرْبِنَا إِلا مَا كَرِهْنَا مِنْ حَرْبِكُمْ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الإِسْلامِ بِمَنْ أَدْخَلَكُمْ فِيهِ، إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، قَالَ: «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرِيشٍ» ، فَقَدْ قَالَ: «لَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَ الأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ» ، وَاللَّهِ مَا أَخْرَجْنَاكُمْ مِنَ الأَمْرِ إِذْ قُلْنَا: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ.
وَأَمَّا مَنْ ذَكَرْتَ، فَأَبُو بَكْرٍ لَعَمْرِيَ خَيْرٌ مِنْ سَعْدٍ، لَكِنَّ سَعْدًا فِي الأَنْصَارِ أَطْوَعُ مِنَ أَبِي بَكْرٍ فِي قُرَيْشٍ.
فَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ فَلا فَرْقَ بَيْنَهُمْ أَبَدًا، وَلَكِنَّكَ يَا ابْنَ الْعَاصِ، وَتَرْتَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ بِمَسِيرِكَ إِلَى الْحَبَشَةِ لِقَتْلِ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ، وَوَتَرْتَ بَنِي مَخْزُومٍ بِإِهْلاكِ عُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ:
فَقُلْ لِقُرَيْشٍ: نَحْنُ أَصْحَابُ مَكَّةٍ ... وَيَوْمِ حُنَيْنٍ وَالْفَوَارِسُ فِي بَدْرِ
وَأَصْحَابُ أُحْدٍ وَالنَّضِيرِ وَخَيْبَرٍ ... وَنَحْنُ رَجَعْنَا مِنْ قُرَيْظَةَ بِالذِّكْرِ
وَيَوْمٍ بِأَرْضِ الشَّامِ أُدْخِلَ جَعْفَرٌ ... وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ فِي عَلَقٍ يَجْرِي
وَفِي كُلِّ يَوْمٍ يُنْكِرُ الْكَلْبُ أَهْلَهُ ... نُطَاعِنُ فِيهِ بِالْمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ
وَنَضْرِبُ فِي نَقْعِ الْعَجَاجَةِ أَرْؤُسًا ... بِبِيضٍ كَأَمْثَالِ الْبُرُوقِ إِذَا تَسْرِي
نَصَرْنَا وَآوَيْنَا النَّبِيَّ وَلَمْ نَخَفْ ... صُرُوفَ اللَّيَالِي وَالْعَظِيمَ مِنَ الأَمْرِ
وَقُلْنَا لِقْومٍ هَاجَرُوا قَبْلُ: مَرْحَبًا ... وَأَهْلا وَسَهْلا قَدْ أَمِنْتُمْ مِنَ الْفَقْرِ
نُقَاسِمُكُمْ أَمْوَالَنَا وَبُيُوتَنَا ... كَقِسْمَةِ أَيْسَارِ الْجَزُورِ عَلَى الشَّطْرِ
وَنَكْفِيكُمُ الأَمْرَ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ ... وَكُنَّا أُنَاسًا نُذْهِبُ الْعُسْرَ بَالْيُسْرِ
وَقُلْتُمْ: حَرَامٌ نَصْبُ سَعْدٍ وَنَصْبُكمْ ... عَتِيقُ بْنُ عُثْمَانٍ حَلالٌ أَبَا بَكْرِ
وَأَهْلٌ أَبُو بَكْرٍ لَهَا خَيْرُ قَائِمٍ ... وَإِنَّ عَلِيًّا كَانَ أَخْلَقَ بِالأَمْرِ
وَكَانَ هَوَانًا فِي عَلِيٍّ وَإِنَّهُ ... لَأَهْلٌ لَهَا يَا عَمْرُو مِنْ حَيْثُ لا تَدْرِي
стр. 227
فَذَاكَ بِعَوْنِ اللَّهِ يَدْعُو إِلَى الْهُدَى ... وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْبَغْي وَالنُّكْرِ
وَصِيُّ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى وَابْنُ عَمِّهِ ... وَقَاتِلُ فُرْسَانِ الضَّلالَةِ وَالْكُفْرِ
وَهَذَا بِحَمْدِ اللَّهِ يَهْدِي مِنَ الْعَمَى ... وَيَفْتَحُ آذَانًا ثُقِلْنَ مِنَ الْوَقْرِ
نَجِيُّ رَسُولِ اللَّهِ فِي الْغَارِ وَحْدَهُ ... وَصَاحِبُهُ الصدِّيقُ فِي سَالِفِ الدَّهْرِ
فَلَوْلا اتِّقَاءُ اللَّهُ لَمْ تَذْهَبُوا بِهَا ... وَلَكِنَّ هَذَا الْخَيْرَ أَجْمعُ لِلصَّبْرِ
وَلَمْ نَرْضَ إِلا بِالرِّضَا وَلَرُبَّمَا ... ضَرَبْنَا بِأَيْدِينَا إِلَى أَسْفَلِ الْقِدْرِ
فَلَمَّا انْتَهَى شِعْرُ النُّعْمَانِ وَكَلامُهُ إِلَى قُرَيْشٍ غَضِبَ كَثِيرٌ مِنْهَا، وَأَلْفَى ذَلِكَ قُدُومَ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ مِنَ الْيَمَنِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا، وَكَانَ لَهُ وَلأَخِيهِ أَثَرٌ عَظِيمٌ فِي الإِسْلامِ، وَهُمَا أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَهُمَا عِبَادَةٌ وَفَضْلٌ.
فَغَضِبَ لِلأَنْصَارِ، وَشَتَمَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ عَمْرًا دَخَلَ فِي الإِسْلامِ حِينَ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ، فَلَمَّا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَكِيدَهُ بِيَدِهِ كَادَهُ بِلِسَانِهِ، وَإِنَّ مِنْ كَيْدِهِ الإِسْلامَ تَفْرِيقَهُ وَقَطْعَهُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ.
وَاللَّهِ مَا حَارَبْنَاهُمْ لِلدِّينِ وَلا لِلدُّنْيَا، لَقَدْ بَذَلُوا دِمَاءَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى فِينَا وَمَا بَذَلْنَا دِمَاءَنَا لِلَّهِ فِيهِمْ، وَقَاسَمُونَا دِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَمَا فَعَلْنَا مِثْلَ ذَلِكَ بِهِمْ، وَآثَرُونَا عَلَى الْفَقْرِ، وَحَرَمْنَاهُمْ عَلَى الْغِنَى، وَلَقَدْ وَصَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ، وَعَزَّاهُمْ عَنْ جَفْوَةِ السُّلْطَانِ، فَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ وَإِيَّاكُمُ الْخَلَفَ الْمُضَيِّعَ، وَالسُّلْطَانَ الْجَانِيَ.
وَقَالَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فِي ذَلِكَ:
تَفَوَّهَ عَمْرٌو بِالَّذِي لا نُرِيدُهُ ... وَصَرَّحَ لِلأَنْصَارِ عَنْ شَنْأَةِ الْبُغْضِ
فَإِنْ تَكُنِ الأَنْصَارُ زَلَّتْ فَإِنَّنَا ... نُقِيلُ وَلا نَجْزِيهِمُ الْقَرْضَ بِالْقَرْضِ
فَلا تَقْطِعَنْ يَا عَمْرُو مَا كَانَ بَيْنَنَا ... وَلا تَحْمِلَنْ يَا عَمْرُو بَعْضًا عَلَى بَعْضِ
أَتَنْسَى لَهُمْ يَا عَمْرُو مَا كَانَ مِنْهُمُ ... لَيَالِيَ جِئْنَاهُمْ مِنَ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ
وَقِسْمَتَنَا الأَمْوَالَ كَاللَّحْمِ بِالْمِدَى ... وَقِسْمَتَنَا الأَوْطَانَ كُلٌّ بِهِ يَقْضِي
لَيَالِيَ كُلُّ النَّاسِ بِالْكُفْرِ جَهْرَةٌ ... ثِقَالٌ عَلَيْنَا مُجْمِعُونَ عَلَى الْبُغْضِ
فَسَاوَوْا وَآوَوْا وَانْتَهَيْنَا إِلَى الْمُنَى ... وَقَرَّ قَرَارُنَا مِنَ الأَمْنِ وَالْخَفْضِ
стр. 228
ثُمَّ إِنَّ رِجَالا مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ وَمُثِيرِي الْفِتَنَ مِنْهُمُ اجْتَمَعُوا إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّكَ لِسَانُ قُرَيْشٍ وَرَجُلُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلامِ، فَلا تَدَعِ الأَنْصَارَ وَمَا قَالَتْ، وَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، فَرَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَفِيهِ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ، فَتَكَلَّمَ، وَقَالَ: إِنَّ الأَنْصَارَ تَرَى لِنَفْسِهَا مَا لَيْسَ لَهَا، وَايْمُ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ خَلَّى عَنَّا وَعَنْهُمْ، وَقَضَى فِيهِمْ وَفِينَا بِمَا أَحَبَّ، وَلَنَحْنُ الَّذِينَ أَفْسَدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا، أَحْرَزْنَاهُمْ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَقَدَّمْنَاهُمْ إِلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ، حَتَّى أَمِنُوا الْمَخُوفَ، فَلمَا جَازَ لَهُمْ ذَلِكَ صَغَّرُوا حَقَّنَا، وَلَمْ يُرَاعُوا مَا أَعْظَمْنَا مِنْ حُقُوقِهِمْ.
ثُمَّ الْتَفَتَ فَرَأَى الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَنَدِمَ عَلَى قَوْلِهِ، لِلْخُئُولَةِ الَّتِي بَيْنَ وَلَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَبَيْنَ الأَنْصَارِ، وَلأَنَّ الأَنْصَارَ كَانَتْ تُعَظِّمُ عَلِيًّا، وَتَهْتِفُ بَاسْمِهِ حِينَئِذٍ، فَقَالَ الْفَضْلُ: يَا عَمْرُو، إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَكْتُمَ مَا سَمِعْنَا مِنْكَ، وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُجِيبَكَ وَأَبُو الْحَسَنِ شَاهِدٌ بِالْمَدِينَةِ إِلا أَنْ يَأْمُرْنَا فَنَفْعَلَ.
ثُمَّ رَجَعَ الْفَضْلُ إِلَى عَلِيٍّ فَحَدَّثَهُ، فَغَضِبَ وَشَتَمَ عَمْرًا، وَقَالَ: آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ قَامَ فَأَتَى الْمَسْجِدَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَتَكَلَّمَ مُغْضِبًا، فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ حُبَّ الأَنْصَارِ إِيمَانٌ وَبُغْضَهُمْ نِفَاقٌ، وَقَدْ قَضَوْا مَا عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ مَا عَلَيْكُمْ.
وَاذْكُرُوا أَنَّ اللَّهَ رَغَّبَ لِنَبِيِّكُمْ عَنْ مَكَّةَ فَنَقَلَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَرَّهَ لَهُ قُرَيْشًا فَنَقَلَهُ إِلَى الأَنْصَارِ، ثُمَّ قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ دَارَهُمْ، فَقَاسَمُونَا الأَمْوَالَ وَكَفُوْنَا الْعَمَلَ، فَصِرْنَا مِنْهُمْ بَيْنَ بَذْلِ الْغَنِيِّ وَإِيثَارِ الْفَقِيرِ، ثُمَّ حَارَبْنَا النَّاسَ فَوَقَوْنَا بِأَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، جَمَعَ لَهُمْ فِيهَا بَيْنَ خَمْسَةِ نِعَمٍ، فَقَالَ: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ [الحشر: ٩] .
أَلا وَإِنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَدْ َقَامَ مَقَامًا آذَى فِيهِ الْمَيِّتَ وَالْحَيَّ، سَاءَ بِهِ الْوَاتِرَ، وَسَرَّ بِهِ الْمَوْتُورَ، فَاسْتَحَقَّ مِنَ الْمُسْتَمِعِ الْجَوَابَ، وَمِنَ الْغَائِبِ الْمَقْتَ، وَإِنَّهُ مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَحَبَّ الأَنْصَارَ، فَلَيَكْفُفْ عَمْرٌو عَنَّا نَفْسَهُ ".
فَمَشَتْ قُرَيْشٌ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالُوا: أَيُّهَا الرَّجُلُ، أَمَا إِذْ غَضِبَ عَلِيٌّ فَاكْفُفْ.
وَقَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ يُخَاطِبُ قُرَيْشًا
أَيَالَ قُرَيْشٍ أَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِنَا ... وَبَيْنِكُمُ قَدْ طَالَ حَبْلُ التَّمَاحُكِ
فَلا خَيْرَ فِيكُمْ بَعْدَنَا فَارْفُقُوا بِنَا ... وَلا خَيْرَ فِينَا بَعْدَ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ
كِلانَا عَلَى الأَعْدَاءِ كَفٌّ طَوِيلَةٌ ... إِذَا كَانَ يَوْمٌ فِيهِ جَبُّ الْحَوَارِكِ
стр. 229
فَلا تَذْكُرُوا مَا كَانَ مِنَّا وَمِنْكُمُ ... فَفِي ذِكْرِ مَا كَانَ مَشْيُ التَّسَاوُكِ
وَقَالَ عَلِيٌّ لِلْفَضْلِ: «يَا فَضْلُ، انْصُرِ الأَنْصَارَ بِلِسَانِكَ وَيَدِكَ، فَإِنَّهُمْ مِنْكَ وَإِنَّكَ مِنْهُمْ» ، فَقَالَ الْفَضْلُ:
قُلْتَ يَا عَمْرُو مَقَالا فَاحِشًا ... إِنْ تَعُدْ يَا عَمْرُو وَاللَّهِ فَلَكْ
إِنَّمَا الأَنْصَارُ سَيْفٌ قَاطِعٌ ... مَنْ تُصِبْهُ ظُبَةُ السَّيْفِ هَلَكْ
وَسُيُوفٌ قَاطِعٌ مَضْرِبُهَا ... وَسِهَامُ اللَّهِ فِي يَوْمِ الْحَلَكْ
نَصَرُوا الدِّينَ وَآوَوْا أَهْلَهُ ... مَنْزِلٌ رَحْبٌ وَرِزْقٌ مُشْتَرَكْ
وَإِذَا الْحَرْبُ تَلَظَّتْ نَارُهَا ... بَرَكُوا فِيهَا إِذَا الْمَوْتُ بَرَكْ
وَدَخَلَ الْفَضْلُ عَلَى عَلِيٍّ فَأَسْمَعَهُ شِعْرَهُ، فَفَرِحَ بِهِ وَقَالَ: وَرَيْتُ بِكَ زِنَادِي يَا فَضْلُ، أَنْتَ شَاعِرُ قُرَيْشٍ وَفَتَاهَا، فَأَظْهِرْ شِعْرَكَ، وَابْعَثْ بِهِ إِلَى الأَنْصَارِ.
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الأَنْصَارَ، قَالَتْ: لا أَحَدَ يُجِيبُ إِلا حَسَّانٌ الْحُسَامُ.
فَبَعَثُوا إِلَى حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ شِعْرَ الْفَضْلِ، فَقَالَ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِجَوَابِهِ! إِنْ لَمْ أَتَحَرَّ قَوَافِيَهُ فَضَحَنِي، فَرُوَيْدًا حَتَّى أَقْفُوا أَثَرَهُ فِي الْقَوَافِي.
فَقَالَ لَهُ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ: اذْكُرْ عَلِيًّا وَيَكْفِكَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَالَ:
جَزَى اللَّهُ عَنَّا وَالْجَزَاءُ بِكَفِّهِ ... أَبَا حَسَنٍ عَنَّا وَمَنْ كَأَبِي حَسَنْ
سَبَقْتَ قُرْيشًا بِالَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ ... فَصَدْرُكَ مَشْرُوحٌ وَقَلْبُكَ مُمْتَحَنْ
تَمَنَّتْ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَعِزَّةٌ ... مَكَانَكَ، هَيْهَاتَ الْهُزَالُ مِنَ السِّمَنْ
وَأَنْتَ مِنَ الإِسْلامِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ ... بِمَنْزِلَةِ الدَّلْوِ الْبَطِينِ مِنَ الرَّسَنْ
غَضِبْتَ لَنَا إِذْ قَامَ عَمْروٌ بِخُطْبَةٍ ... أَمَاتَ بِهَا التَّقْوَى وَأَحْيَا بِهَا الإِحَنْ
فَكُنْتَ الْمُرَجَّى مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ ... لِمَا كَانَ مِنْهُمْ وَالَّذِي كَانَ لَمْ يَكُنْ
حَفِظْتَ رَسُولَ اللَّهِ فِينَا وَعْهَدَهُ ... إِلَيْكَ وَمَنْ أَوْلَى بِهِ مِنْكَ مَنْ وَمَنْ
أَلَسْتَ أَخَاهُ فِي الْهُدَى وَوَصِيَّهُ ... وَأَعْلَمَ مِنْهُمْ بِالْكِتَابِ وَبِالسُّنَنْ
فَحَقُّكَ مَا دَامَتْ بِنَجْدٍ وَشِيجَةٌ ... عَظِيمٌ عَلَيْنَا ثُمَّ بَعْدُ عَلَى الْيَمَنْ
قَالَ الزُّبَيْرُ: وَبَعَثَتِ الأَنْصَارُ بِهَذَا الشِّعْرِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَقَالَ لِمَنْ بِهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الأَنْصَارَ أَنْصَارًا، فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ فِي الْكِتَابِ، فَلا خَيْرَ فِيكُمْ بَعْدَهُمْ، إِنَّهُ لا يَزَالُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ وَتَرَهُ الإِسْلامُ، وَدَفَعَهُ عَنِ الْحَقِّ، وَأَطْفَأَ شَرَفَهُ، وَفَضَّلَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ، يَقُومُ مَقَامًا فَاحِشًا فَيَذْكُرُ الأَنْصَارَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَارْعَوْا حَقَّهَمْ، فَوَاللَّهِ لَوْ زَالُوا لَزُلْتُ مَعَهُمْ لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَهُمْ: «أَزُولُ مَعَكُمْ حَيْثُمَا زُلْتُمْ» ، فقَالَ: الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا الْحَسَنِ، قُلْتَ قَوْلا صَادِقًا.
وَتَرَكَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ الْمَدِينَةَ وَخَرَجَ مِنْهَا حَتَّى رَضِيَ عَنْهُ عَلِيٌّ وَالْمُهَاجِرُونَ.
стр. 230
ثُمَّ إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَكَانَ يُبْغِضُ الأَنْصَارَ، لأَنَّهُمْ أَسَرُوا أَبَاهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَضَرَبُوا عُنُقَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَامَ يَشْتُمُ الأَنْصَارَ وَذَكَّرَهُمْ بالْهُجْرِ، فَقَالَ: إِنَّ الأَنْصَارَ لَتَرَى لَهَا مِنْ الحَقٍّ عَلَيْنَا مَا لا نَرَاهُ، وَاللَّهِ لِئِنْ كَانُوا آوَوْا لَقَدْ عَزَّوا بِنَا، وَلَئِنْ كَانُوا آسَوْا لَقَدْ مَنُّوا عَلَيْنَا، وَاللَّهِ مَا نَسْتَطِيعُ مَوَدَّتَهُمْ لأَنَّهُمْ لا يَزَالُ قَائِلٌ مِنْهُمْ يَذْكُرُ ذُلَّنَا بِمَكَّةَ وَعِزَّنَا بِالْمَدِينَةِ، وَلا يَنْفَكُّونَ يُعَيِّرُونَ مَوْتَانَا وَيَغِيظُونَ أَحْيَاءَنَا، فَإِنْ أَجَبْنَاهُمْ قَالُوا: غَضِبَتْ قُرَيْشٌ عَلَى غَارِبِهَا، وَلَكِنْ قَدْ هَوَّنَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ حِرْصُهُمْ عَلَى الدِّينِ أَمْسِ، وَاعْتِذَارُهُمْ مِنَ الذَّنْبِ الْيَوْمَ، ثُمَّ قَالَ:
تَبَاذَخَتِ الأَنْصَارُ فِي النَّاسِ بَاسْمِهَا ... وَنِسْبَتُهَا فِي الأَزْدِ عَمْرُو بْنُ عَامِرِ
وَقَالُوا: لَنَا حَقُّ عَظِيمٌ وَمِنَّةٌ ... عَلَى كُلِّ بَادٍ مِنْ مَعَدٍّ وَحَاضِرِ
فَإِنْ يَكُ لِلأَنْصَارِ فَضْلٌ فَلَمْ تَنَلْ ... بِحُرْمَتِهِ الأَنْصَارُ فَضْلَ الْمُهَاجِرِ
وَإِنْ تَكُنِ الأَنْصَارُ آوَتْ وَقَاسَمَتْ ... مَعَايِشِهَا مَنْ جَاءَ قِسْمَةَ جَازِرِ
فَقَدْ أَفْسَدَتْ مَا كَانَ مِنْهَا بِمَنِّهَا ... وَمَا ذَاكَ فِعْلُ الأَكْرَمِينَ الأَكَابِرِ
إِذَا قَالَ حَسَّانٌ وَكَعْبٌ قَصِيدَةً ... بِشَتْمِ قُرَيْشٍ غُنِّيتَ فِي الْمَعَاشِرِ
وَسَارَ بِهَا الرُّكْبَانُ فِي كُلِّ وِجْهَةٍ ... وَأَعْمَلَ فِيهَا كُلُّ خُفٍّ وَحَافِرِ
فَهَذَا لَنَا مِنْ كُلِّ صَاحِبِ خُطْبَةٍ ... يَقُومُ بِهَا مِنْكُمْ وَمَنْ كُلِّ شَاعِرِ
وَأَهْلٌ بِأَنْ يُهْجَوْا بِكُلِّ قَصِيدَةٍ ... وَأَهْلٌ بْأَنْ يُرْمَوْا بِنَبْلٍ فَوَاقِرِ
قَالَ: فَفَشَا شِعْرُهُ فِي النَّاسِ، فَغَضِبَتِ الأَنْصَارُ وَغَضِبَ لَهَا مِنْ قُرَيْشٍ قَوْمٌ، مِنْهُمْ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ الْفِهْرِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَبَعَثُوا إِلَى الْوَلِيدَ فَجَاءَ.
فَتَكَلَّمَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ مِنَ الْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، لأَحْبَبْتَ الأَنْصَارَ، وَلَكِنَّكَ مِنَ الْجُفَاةِ فِي الإِسْلامِ، الْبُطَاءِ عَنْهُ، الَّذِينَ دَخَلُوا فِيهِ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ.
إِنَّا نَعْلَمُ أَنَّا أَتَيْنَاهُمْ وَنَحْنُ فُقَرَاءُ فَأَغْنَوْنَا، ثُمَّ أَصَبْنَا الْغِنَى فَكَفُّوا عَنَّا.
وَلَمْ يَرْزُءُونَا شَيْئًا.
فَأَمَّا ذِكْرُهُمْ ذِلَّةَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ وَعِزِّهَا بِالْمَدِينَةِ فَكَذَلِكَ كُنَّا.
وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى﴾ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ [الأنفال: ٢٦] ، فَنَصَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ، وَآوَانَا إِلَى مَدِينَتِهِمْ.
وَأَمَّا غَضَبُكَ لِقُرَيْشٍ فَإِنَّا لا نَنْصُرُ كَافِرًا، وَلا نُوَادُّ مُلْحِدًا، وَلا فَاسِقًا.
وَلَقْدَ قُلْتَ وَقَالُوا فَقَطَعَكَ الْخَطِيبُ، وَأَلْجَمَكَ الشَّاعِرُ.
وَأَمَّا ذِكْرُكَ الَّذِي كَانَ بِالأَمْسِ، فَدَعِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ، فَإِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَلْسِنَتِهِمْ فِي الرِّضَا، وَلا نَحْنُ مِنْ أَيْدِيهِمْ فِي الْغَضْبِ.
стр. 231
وَتَكَلَّمَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عُقْبَةَ، الأَنْصَارُ أَحَقُّ بِالْغَضَبِ لِقْتَلَى أُحُدٍ، فَاكْفُفْ لِسَانَكَ، فَإِنَّ مَنْ قَتَلَهُ الْحَقُّ لا يُغْضَبْ لَهُ.
وَتَكَلَّمَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ، لَوْلا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» ، لَقُلْنَا: الأَئِمَّةُ مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَكِنْ جَاءَ أَمْرٌ غَلَبَ الرَّأْيَ، فَأَقْمِعْ شِرَّتَكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ وَلا تَكُنِ امْرَأَ سَوْءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي الدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ اللَّهُ لا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ فِي الآخِرَةِ.
وَأَقْبَلَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مُغْضَبًا مِنْ كَلامِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَشِعْرِهِ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَفِيهِ قَوْمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ أَعْظَمَ ذَنْبِنَا إِلَيْكُمْ قَتْلُنَا كُفَّارَكُمْ، وَحِمَايَتُنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَنْقِمُونَ مِنَّا مِنَّةً كَانَتْ بِالأَمْسِ فَقَدْ كَفَى اللَّهُ شَرَّهَا، فَمَالَنَا وَمَالَكُمْ، وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُنَا مِنْ قِتَالِكُمُ الْجُبْنُ، وَلا مِنْ جَوَابِكُمُ الْعِيُّ.
إِنَّا لَحَيُّ فِعَالٍ وَمَقَالٍ وَلَكِنَّا قُلْنَا: إِنَّهَا حَرْبٌ، أَوَّلُهَا عَارٌ وَآخِرُهَا ذُلٌّ، فَأَغْضَيْنَا عَلَيْهَا عُيُونَنَا، وَسَحَبْنَا ذُيُولَنَا حَتَّى نَرَى وَتَرَوْا، فَإِنْ قُلْتُمْ قُلْنَا، وَإِنْ سَكَتُّمْ سَكَتْنَا.
فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ سَكَتَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَنْ صَاحِبِهِ، وَرَضِيَ الْقَوْمُ أَجْمَعُونَ، وَقَطَعُوا الْخِلافَ وَالْعَصَبِيَّةَ.
إَنَّ سَرِيَّةً كَانَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَوْ لُعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، جَاءَتْ إِلَيْهِ تَشْكُوهُ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلا تَعْذُرُنِي مِنْ أَبِي عِيسَى؟ قَالَ: «وَمَنْ أَبُو عِيسَى» ؟ قَالَتْ: ابْنُكَ عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: " وَيْحَكِ! وَقَدْ تَكَنَّى بِأَبِي عِيسَى! ، ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: إِيهًا، أَكْتَنَيْتَ بِأَبِي عِيسَى! ، فَحَذِرَ وَفَزِعَ، وَأَخَذَ يَدَهُ فَعَضَّهَا، ثُمَّ ضَرَبَهُ وَقَالَ: وَيْلَكَ! وَهَلْ لِعِيسَى أَبٌ؟ أَتَدْرِي مَا كُنَى الْعَرَبِ؟ أَبُو سَلَمَةَ، أَبُو حَنْظَلَةَ، أَبُو عُرْفُطَةَ، أَبُو مُرَّةَ ".
وَكَانَ عُمَرُ إِذَا غَضِبَ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ لَمْ يَسْكُنْ غَضَبُهُ حَتَّى يَعَضَّ يَدَهُ عَضًّا شَدِيدًا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ كَذَلِكَ.
وَلِقُوَّةِ هَذَا الْخُلُقِ عِنْدَهُ أَضْمَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي خِلافَتِهِ إِبْطَالَ الْقَوْلِ بِالْعَوْلِ، وَأَظْهَرَهُ بَعْدَهُ، فَقِيلَ لَهُ: هَلا قُلْتَ هَذَا فِي أَيَّامِ عُمَرَ فَقَالَ: هِبْتُهُ، وَكَانَ أَمِيرًا مَهِيبًا.
стр. 232
٣٩٢ - عَنْ عَمِّهِ، عَنْ عِيسَى بْنِ دَاوُدَ، عَنْ رِجَالِهِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵀: " لَمَّا بَنَى عُثْمَانُ دَارَهُ بِالْمَدِينَةِ، أَكْثَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَبَلَغَهُ، فَخَطَبَنَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ صَلَّى بِنَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى رَسُولِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ النِّعْمَةَ إِذَا حَدَثَتْ حَدَثَ لَهَا حُسَّادٌ حَسْبُهَا وَأَعْدَاءٌ قَدْرُهَا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحْدِثْ لَنَا نِعَمًا لِيُحْدِثَ لَهَا حُسَّادٌ عَلَيْهَا، وَمُنَافِسُونَ فِيهَا، وَلَكِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ بِنَاءِ مَنْزِلِنَا هَذَا، مَا كَانَ إِرَادَةُ جَمْعِ الْمَالِ فِيهِ، وَضَمِّ الْقَاصِيَةِ، فَأَتَانَا عَنْ أُنَاسٍ مِنْكُمْ يَقُولُونَ: أَخَذَ فَيْئَنَا وَأَنْفَقَ شَيْئَنَا، وَاسْتَأْثَرَ بِأَمْوَالِنَا، يَمْشُونَ خَمَرًا، وَيَنْطِقُونَ سِرًّا كَأَنَّا غَيْبٌ عَنْهُمْ، وَكَأَنَّهُمْ يَهَابُونَ مُواجَهَتَنَا مَعْرِفَةً مِنْهُمْ بِدُحُوضِ حُجَّتِهِمْ، فَإِذَا غَابُوا عَنَّا يَرُوحُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ يَذْكُرُنَا.
وَقَدْ وَجَدُوا عَلَى ذَلِكَ أَعْوَانًا مِنْ نُظَرَائِهِمْ وَمُؤَازِرِينَ مِنْ شُبَهَائِهِمْ، فَبُعْدًا بُعْدًا وَرُغْمًا رُغْمًا! ثُمَّ أَنْشَدَ بَيْتَيْنِ كَأَنَّهُ يُوْمِئُ فِيهِمَا إِلَى عَلِيٍّ ﵇:
تَوَقَّدْ بِنَارٍ أَيْنَمَا كُنْتَ وَاشْتَعِلْ ... فَلَسْتَ تَرَى مِمَّا تُعَالِجُ شَافِيًا
تَشُطُّ فَيَقْضِي الأَمْرَ دُونَكَ أَهْلُهُ ... وَشِيكًا وَلا تُدْعَى إِذَا كُنْتَ نَائِيًا
مَالِي وَلِفِيئِكُمْ وَأَخْذِ مَالِكُمْ! أَلَسْتُ مِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالا، وَأَظْهَرِهُمْ مَنَ اللَّهِ نِعْمَةً! أَلَمْ أَكُنْ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الإِسْلامِ، وَبَعْدَهُ! وَهَبُونِي بَنَيْتُ مَنْزِلا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَلَيْسَ هُوَ لِي وَلَكُمْ! ، أَلَمْ أُقِمْ أُمُورَكُمْ وَإِنِّي مِنْ وَرَاءِ حَاجَاتِكُمْ؟ فَمَا تَفْقِدُونَ مِنْ حُقُوقِكُمْ شَيْئًا، فَلِمَ لا أَصْنَعُ فِي الْفَضْلِ مَا أَحْبَبْتُ؟ فَلِمَ كُنْتُ إِمَامًا إِذًا؟ أَلا وَإِنَّ مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ، أَنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكُمْ أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: لَنَفْعَلَنَّ بِهِ وَلَنَفْعَلَنَّ.
فَبِمَنْ تَفْعَلُونَ؟ لِلَّهِ آبَاؤُكُمْ! أَبِنَقَدِ الْبِقَاعِ أَمْ بِفَقْعِ الْقَاعِ؟ أَلَسْتُ أَحْرَاكُمْ إِنْ دَعَا أَنْ يُجَابَ؟ وَأَقْمَنَكُمْ إِنْ أَمَرَ أنْ يُطَاعَ؟ لَهْفِي عَلَى بَقَائِي فِيكُمْ بَعْدَ أَصْحَابِي، وَحَيَاتِي فِيكُمْ بَعْدَ أَتْرَابِي، يَا لَيْتَنِي تَقَدَّمْتُ قَبْلَ هَذَا، لَكِنِّي لا أُحِبُّ خِلافَ مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ لِي .
إِذَا شِئْتُمْ فَإِنَّ الصَّادِقَ الْمُصَدَّقَ، مُحَمَّدًا ﷺ ، قَدْ حَدَّثَنِي بِمَا هُوَ كَائِنٌ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرِكُمْ، وَهَذَا بَدْءُ ذَلِكَ وَأَوَّلُهُ، فَكَيْفَ الْهَرَبُ مِمَّا حُتِّمَ وَقُدِّرَ! ، أَمَا إِنَّهُ ﵇ قَدْ بَشَّرَنِي فِي آخِرَ حَدِيثِهِ بِالْجَنَّةِ دُونَكُمْ، إِذَا شِئْتُمْ فَلا أَفْلَحَ مَنْ نَدِمَ.
стр. 233
قَالَ: ثُمَّ هُمَّ بِالنُّزُولِ فَبَصُرَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇، وَمَعَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ﵁، وَنَاسٌ مِنْ أَهْلِ هَوَاهُ يَتَنَاجَوْنَ، فَقَالَ: إِيهًا إِيهًا! أَسِرِارًا لا جِهَارًا! أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَحْنِقُ عَلَى جِرَّةٍ وَلا أُوتِيَ مِنْ ضَعْفِ مِرَّةٍ، وَلَوْلا النَّظَرُ لِي وَلَكُمْ، وَالرِّفْقُ بِي وَبِكُمْ لَعَاجَلْتُكُمْ فَقَدِ اغْتَرَرْتُمْ وَأَقَلْتُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ.
ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ قَدْ تَعْلَمُ حُبِّي لِلْعَافِيَةِ فَأَلْبِسْنِيهَا، وَإِيثَارِي لِلسَّلامَةِ فَآتِينِهَا.
قَالَ: فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ عَنْ عَلِيٍّ ﵇، وَقَامَ عَدِيُّ بْنُ الْخِيَارِ، فَقَالَ: أَتَمَّ اللَّهُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ النِّعْمَةَ، وَزَادَكَ فِي الْكَرَامَةِ، وَاللَّهِ لأَنْ تُحْسَدَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ تَحْسُدَ، وَلأَنْ تُنَافَسَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ تُنَافِسَ، أَنْتَ وَاللَّهِ فِي حَسْبِنَا الصَّمِيمِ وَمَنْصبِنَا الْكَرِيمِ، إِنْ دَعَوْتَ أُجِبْتَ، وَإِنْ أَمَرْتَ أُطِعْتَ، فَقَلْ نَفْعَلْ، وَادْعُ تُجَبْ، جُعِلْتَ الْخَيَرَةَ وَالشُّورَى إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لِيَخْتَارُوا لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ، وَإِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ مَكَانَكَ، وَيَعْرِفُونَ غَيْرَكَ، فَاخْتَارُوكَ مُنِيبِينَ طَائِعِينَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ وَلا مُجْبَرِينَ، مَا غَيَّرْتَ، وَلا فَارَقْتَ وَلا بَدَّلْتَ، وَلا خَالَفْتَ، فَعَلامَ يُقَدِّمُونَ عَلَيْكَ وَهَذَا رَأْيُهُمْ فِيكَ! أَنْتَ وَاللَّهِ كَمَا قَالَ الأَوَّلُ:
اذْهَبْ إِلَيْكَ فَمَا لِلْحَسُودِ ... إِلا طِلابَكَ تَحْتَ الْعِشَارِ
حَكَمْتَ فَمَا جُرْتَ فِي خَلَّةٍ ... فَحُكْمُكَ بِالْحَقِّ بَادِي الْمَنَارِ
فَإِنْ يَسْبَعُوكَ فَسِرًّا وَقَدْ ... جَهَرْتَ بِسَيْفِكَ كُلَّ الْجِهَارِ
قَالَ: وَنَزَلَ عُثْمَانُ فَأَتَى مَنْزِلَهُ، وَأَتَاهُ النَّاسُ، وَفِيهِمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا أَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ، أَقْبَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مَا لِي وَلَكُمْ يَابْنَ عَبَّاسٍ! مَا أَغْرَاكُمْ بِي، وَأَوْلَعَكُمْ بِتَعَقُّبِ أَمْرِي! أَتَنْقِمُونَ عَلَيَّ أَمْرَ الْعَامَّةِ؟ أَتَيْتُ مِنْ وَرَاءِ حُقُوقِهِمْ، أَمْ أَمْركُمْ، فَقَدْ جَعَلْتُهُمْ يَتَمَنَّوْنَ مَنْزِلَتَكُمْ،! لا وَاللَّهِ لَكِنَّ الْحَسَدَ وَالْبَغْيَ وَتَثْوِيرَ الشَّرِّ وَإِحْيَاءَ الْفِتَنِ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَلْقَى النَّبِيُّ ﷺ إِلَيَّ ذَلِكَ وَأَخْبَرَنِي بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَاحِدًا وَاحِدًا! وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلا أَنَا بِمَكْذُوبٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَى رِسْلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَوَاللَّهِ مَا عَهِدْتُكَ جَهِرًا بِسِرِّكَ، وَلا مُظْهِرًا مَا فِي نَفْسِكَ، فَمَا الَّذِي هَيَّجَكَ وَثَوَّرَكَ؟ إِنَّا لَمْ يُولِعْنَا بِكَ أَمْرٌ، وَلَمْ نَتَعَقَّبْ أَمْرَكَ بِشَيْءٍ، أُتِيتَ بِالْكَذِبِ، وَتُسُوِّقَ عَلَيْكَ بِالْبَاطِلِ.
وَاللَّهِ مَا نَقِمْنَا عَلَيْكَ لَنَا وَلا لِلْعَامَّةِ، قَدْ أُوتِيتَ مِنْ وَرَاءِ حُقُوقِنَا وُحُقُوقَهُمْ، وَقَضَيْتَ مَا يَلْزَمُكَ لَنَا وَلَهُمْ، فَأَمَّا الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ وَتَثْوِيرُ الْفِتَنِ وَإِحْيَاءُ الشَّرِّ فَمَتَى رَضِيَتْ بِهِ عِتْرَةُ النَّبِيِّ وَأَهْلُ بَيْتِهِ؟ وَكَيْفَ وَهُمْ مِنْهُ وَإِلَيْهِ، عَلَى دِينِ اللَّهِ، يَثُورُونَ الشَّرَّ، أَمْ عَلَى اللَّهِ يُحْيُونَ الْفِتَنَ؟ كَلا لَيْسَ الْبَغْيُ وَلا الْحَسَدُ مِنْ طِبَاعِهِمْ.
стр. 234
فَاتَّئِدْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَبْصِرْ أَمْرَكَ، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ، فَإِنَّ حَالَتَكَ الأُولَى خَيْرٌ مِنْ حَالَتِكَ الأُخْرَى.
لَعَمْرِي إِنْ كُنْتَ لأَثِيرًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنْ كَانَ لَيُفْضِي إِلَيْكَ بِسِرِّهِ مَا يَطْوِيهِ عَنْ غَيْرِكَ، وَلا كَذَبْتَ وَلا أَنْتَ بِمَكْذُوبٍ، اخْسَ الشَّيْطَانَ عَنْكَ لا يَرْكَبُكَ، وَاغْلِبْ غَضَبَكَ وَلا يَغْلِبْكَ، فَمَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا الأَمْرِ الَّذِي كَانَ مِنْكَ؟ قَالَ: دَعَانِي إِلَيْهِ ابْنُ عَمِّكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَعَسَى أَنْ يَكْذِبَ مُبَلِّغُكَ.
قَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ ثِقَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ لَيْسَ بِثِقَةٍ مَنْ بَلَّغَ وَأَغْرَى.
قَالَ عُثْمَانُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، آللَّهَ إِنَّكَ مَا تَعْلَمُ مِنْ عَلِيٍّ مَا شَكَوْتُ مِنْهُ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لا إِلا أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ النَّاسُ، وَيَنْقِمُ كَمَا يَنْقِمُونَ، فَمَنْ أَغْرَاكَ بِهِ، وَأَوْلَعَكَ بِذِكْرِهِ دُونَهُمْ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّمَا آفَتِي مِنْ أَعْظَمِ الدَّاءِ الَّذِي يُنَصِّبُّ نَفْسَهُ لِرَأْسِ الأَمْرِ وَهُوَ عَلِيٌّ ابْنُ عَمِّكَ، وَهَذَا وَاللَّهِ كُلُّهُ مِنْ نَكَدِهِ، وَشُؤْمِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَهْلا اسْتَثْنِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ قَالَ: إِنِّي أَنْشُدُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ الإِسْلامَ وَالرَّحِمَ، فَقَدْ وَاللَّهِ غُلِبْتُ وَابْتُلِيتُ بِكُمْ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ كَانَ صَارَ إِلَيْكُمْ دُونِي، فَحَمَلْتُمُوهُ عِنِّي، وَكُنْتُ أَحَدَ أَعْوَانِكُمْ عَلَيْهِ إِذًا، وَاللَّهِ لَوَجَدْتُمُونِي لَكُمْ خَيْرًا مِمَّا وَجَدْتُكُمْ لِي، وَلَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الأَمْرَ لَكُمْ، وَلَكِنَّ قَوْمَكُمْ دَفَعُوكَمْ عَنْهُ وَاخْتَزَلُوهُ دُونَكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَدَفَعُوهُ عَنْكُمْ أَمْ دَفَعُوكُمْ عَنْهُ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَهْلا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّا نَنْشُدُكَ اللَّهَ وَالإِسْلامَ وَالرَّحِمَ، مِثْلَ مَا نَشَدْتَنَا، أَنْ تُطْمِعَ فِينَا وَفِيكَ عَدُوًّا، وَتُشَمِتَ بِنَا وَبِكَ حَسُودًا.
إِنَّ أَمْرَكَ إِلَيْكَ مَا كَانَ قَوْلا، فَإِذَا صَارَ فِعْلا فَلَيْسَ إِلَيْكَ وَلا فِي يَدَيْكَ، وَإِنَّا وَاللَّهِ لَنُخَالِفَنَّ إِنْ خُولِفْنَا، وَلَنُنَازِعَنَّ إِنْ نُوزِعْنَا، وَمَا تَمَنِّيكَ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ صَارِ إِلَيْنَا دُونَكَ، إِلا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مِنَّا مَا يَقُولُهُ النَّاسُ، وَيَعِيبُ كَمَا عَابُوا! فَأَمَّا صَرْفُ قَوْمِنَا عَنَّا الأَمْرَ فَعَنْ حَسَدٍ قَدْ وَاللَّهِ عَرَفْتُهُ، وَبَغْيٍ قَدْ وَاللَّهِ عَلِمْتُهُ، فَاللَّهَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا! وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّكَ لا تَدَرِي أَدَفَعُوهُ عَنَّا، أَمْ دَفَعُونَا عَنْهُ؟ فَلَعَمْرِي إِنَّكَ لَتَعْرِفُ أَنَّهُ لَوْ صَارَ إِلَيْنَا هَذَا الأَمْرُ مَا زِدْنَا بِهِ فَضْلا إِلَى فَضْلِنَا، وَلا قَدْرًا إِلَى قَدْرِنَا، وَإِنَّا لأَهْلُ الْفَضْلِ وَأَهْلُ الْقَدْرِ، وَمَا فَضَلَ فَاضِلٌ إِلا بِفَضْلِنَا، وَلا سَبَقَ سَابِقٌ إِلا بِسَيْفِنَا، وَلَوْلا هَدْيُنَا مَا اهْتَدَى أَحَدٌ، وَلا أَبْصَرُوا مِنَ عَمًى، وَلا قَصَدُوا مِنْ جَوْرٍ.
стр. 235
فَقَالَ عُثْمَانُ: حَتَّى مَتَى يَا ابْنَ عَبَّاسٍ يَأْتِينِي عَنْكُمْ مَا يَأْتِينِي؟ هَبُونِي كُنْتُ بَعِيدًا أَمَا كَانَ لِي مِنَ الْحَقِّ عَلَيْكُمْ أَنْ أُرَاقِبَ وَأَنْ أُنَاظِرَ، بَلَى وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَلَكِنَّ الْفُرْقَةَ سَهَّلَتْ لَكُمُ الْقَوْلَ فِيَّ وَتَقَدَّمَتْ بِكُمْ إِلَى الإِسْرَاعِ إِليَّ، وَاللَّهُ الُمُسْتَعَانُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَهْلا حَتَّى أَلْقَى عَلِيًّا، ثُمَّ أَحْمِلَ إِلَيْكَ عَلَى قَدْرِ مَا رَأَى.
قَالَ عُثْمَانُ: افْعَلْ مَا قَدْ فَعَلْتَ، وَطَالَمَا طَلَبْتُ فَلا أَطْلَبَ، وَلا أَجَابَ وَلا أَعْتَبَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجْتُ فَلَقَيْتُ عَلِيًّا، وَإِذَا بِهِ مِنَ الْغَضَبِ وَالتَّلَظِّي أَضْعَافُ مَا بِعُثْمَانَ، فَأَرَدْتُ تَسْكِينَهُ فَامْتَنَعَ، فَأَتَيْتُ مَنْزِلِي، وَأَغْلَقْتُ بَابِي وَاعْتَزَلْتُهُمَا.
فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَأَتَيْتُهُ وَقَدْ هَدَأَ غَضَبُهُ، فَنَظَرَ إِلَيَّ ثُمَّ ضَحِكَ، وَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا أَبْطَأَ بِكَ عَنَّا؟ إِنَّ تَرْكَكَ الْعَوْدَ إِلَيْنَا لَدَلِيلٌ عَلَى مَا رَأَيْتَ عِنْدَ صَاحِبِكَ، وَعَرَفْتَ مِنْ حَالِهِ، فَاللَّهَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، خُذْ بِنَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكَانَ عُثْمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ عَنْ عَلِيٍّ شَيْءٌ فَأَرَدْتُ التَكْذِيبَ عَنْهُ، يَقُولُ: وَلا يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ أَبْطَأْتَ عَنَّا وَتَرَكْتَ الْعَوْدَ إِلَيْنَا؟ فَلا أَدْرِي كَيْفَ أَرُدُّ عَلَيْهِ "
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵀، قَالَ: " خَرَجْتُ مِنْ مَنْزِلِي سَحَرًا أُسَابِقُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَأَطْلُبُ الْفَضِيلَةَ، فَسَمِعْتُ خَلْفِي حِسًّا وَكَلامًا، فَتَسَمَّعْتُهُ، فَإِذَا حِسُّ عُثْمَانَ، وَهُوَ يَدْعُو وَلا يَرَى أَنَّ أَحَدًا يَسْمَعُهُ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ قَدْ تَعْلَمُ نِيَّتِي فَأَعِنِّي عَلَيْهِمْ، وَتَعْلَمُ الَّذِينَ ابْتُلِيتُ بِهِمْ مِنْ ذَوِي رَحِمِي وَقَرَابَتِي، فَأَصْلِحْنِي لَهُمْ، وَأَصْلِحْهُمْ لِي.
قَالَ: فَقَصَّرْتُ مِنْ خُطْوَتِي وَأَسْرَعَ فِي مَشْيَتِهِ، فَالْتَقَيْنَا، فَسَلَّمَ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي خَرَجْتُ لَيْلَتَنَا هَذِهِ أَطْلُبُ الْفَضْلَ وَالْمُسَابَقَةَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ أَخْرَجَنِي مَا أَخْرَجَكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ سَابَقْتَ إِلَى الْخَيْرِ، إِنَّكَ لِمِنَ سَابِقِينَ مُبَارَكِينَ، وَإِنِّي لأُحِبُّكُمْ، وَأَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِحُبِّكُمْ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّا لَنُحِبُّكَ وَنَعْرِفُ سَابِقَتَكَ، وَسِنَّكَ وَقَرَابَتَكَ وَصِهْرَكَ.
قَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَمَا لِي وَلابْنِ عَمِّكَ وَابْنِ خَالِي! قُلْتُ: أَيُّ بَنِي عُمُومَتِي وَبِنِي أَخْوَالِكَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ.
أَتَسْأَلُ مَسْأَلَةَ الْجَاهِلِ؟ قُلْتُ: إِنَّ بَنِي عُمُومَتِي مِنْ بَنِي خُئُولَتِكَ كَثِيرٌ، فَأَيَّهُمْ تَعْنِي.
قَالَ: أَعْنِي عَلِيًّا لا غَيْرَهُ.
فَقُلْتُ: لا وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَعْلَمُ مِنْهُ إِلا خَيْرًا، وَلا أَعْرِفُ لَهُ إِلا حُسْنًا.
قَالَ: وَاللَّهِ بِالْحَرِيِّ أَنْ يَسْتُرَ دُونَكَ، مَا يُظْهِرُهُ لِغَيْرِكَ، وَيَقْبِضَ عَنْكَ مَا يَنْبَسِطُ بِهِ إِلَى سِوَاكَ.
стр. 236
قَالَ: وَرُمِينَا بِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، فَسَلَّمَ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ سَلامَهُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ مَعَكَ؟ قُلْتُ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ، قَالَ: نَعَمْ، وَسَلَّمَ بِكُنْيَتِهِ، وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ عَمَّارٌ: مَا الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ، فَقَدْ سَمِعْتُ ذَرْوًا مِنْهُ؟ قُلْتُ: هُوَ مَا سَمِعْتَ.
فَقَالَ عَمَّارٌ: رُبَّ مَظْلُومٍ غَافِلٌ، وَظَالِمٍ مُتَجَاهِلٌ.
قَالَ عُثْمَانُ: أَمَا إِنَّكَ مِنْ شُنَّائِنَا وَأَتْبَاعِهِمْ، وايْمُ اللَّهِ، إِنَّ الْيَدَ عَلَيْكَ لَمُنْبَسِطَةٌ، وَإِنَّ السَّبِيلَ إِلَيْكَ لَسَهْلَةٌ، وَلَوْلا إِيثَارُ الْعَافِيَةِ، وَلَمُّ الشَّعَثِ لَزَجَرْتُكَ زَجْرَةً تَكْفِي مَا مَضَى وَتَمْنَعُ مَا بَقِيَ.
فَقَالَ عَمَّارٌ: وَاللَّهِ مَا أَعْتَذِرُ مِنْ حُبِّي عَلِيًّا، وَمَا الْيَدُ بِمُنْبَسِطَةٍ وَلا السَّبِيلُ بِسَهْلَةٍ، إِنِّي لازِمٌ حُجَّةً وَمُقِيمٌ عَلَى سُنَّةٍ.
وَأَمَّا إِيثَارُكَ الْعَافِيَةَ وَلَمُّ الشَّعَثِ، فَلازِمُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا زَجْرِي فَأَمْسِكْ عَنْهُ، فَقَدْ كَفَاكَ مُعَلِّمِي تَعْلِيمِي.
فَقَالَ عُثْمَانُ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّكَ مَا عَلِمْتُ مِنْ أَعْوَانِ الشَّرِّ الْحَاضِّينَ عَلَيْهِ، الْخَذَلَةِ عِنْدَ الْخَيْرِ الْمُثَبِّطِينَ عَنْهُ.
فَقَالَ عَمَّارٌ: مَهْلا يَا عُثْمَانُ، فَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، يَصِفُنِي بِغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ عُثْمَانُ: وَمَتَى؟ قَالَ: يَوْمَ دَخَلْتُ عَلَيْهِ مُنْصَرَفَهِ عَنِ الْجُمُعَةِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُكَ، وَقَدْ أَلْقَى ثِيَابَهُ، وَقَعَدَ فِي فُضُلِهِ، فَقَبَّلْتُ صَدْرَهُ وَنَحْرَهُ وَجَبْهَتَهُ، فَقَالَ: يَا عَمَّارُ، إِنَّكَ لَتُحِبُّنَا وَإِنَّا لَنُحِبُّكَ، وَإِنَّكَ لَمِنَ الأَعْوَانِ عَلَى الْخَيْرِ الْمُثَبِّطِينَ عَنِ الشَّرِّ، فَقَالَ عُثْمَانُ: أَجَلْ، وَلَكِنَّكَ غَيَّرْتَ وَبَدَّلْتَ.
قَالَ: فَرَفَعَ عَمَّارٌ يَدَهُ يَدْعُو، وَقَالَ: أَمِّنْ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ.
اللَّهُمَّ مَنْ غَيَّرَ فَغَيِّرْ بِهِ.
ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
قَالَ: وَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَأَهْوَى عَمَّارٌ إِلَى مُصَلاهُ، وَمَضَيْتُ مَعَ عُثْمَانَ إِلَى الْقِبْلَةَ، فَدَخَلَ الْمِحْرَابَ، وَقَالَ: تَلَبَّثْ عَلَيَّ إِذَا انْصَرَفْنَا فَلَمَّا رَآنِي عَمَّارٌ وَحْدِي أَتَانِي، فَقَالَ: أَمَا رَأَيْتَ مَا بَلَغَ بِي آنِفًا! قُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ أَصْعَبْتَ بِهِ وَأَصْعَبَ بِكَ، وَإِنَّ لَهُ لَسِنَّهُ وَفَضْلَهُ وَقَرَابَتَهُ.
قَالَ: إِنَّهُ لَهُ لِذَلِكَ، وَلَكِنْ لا حَقَّ لِمَنْ لا حَقَّ عَلَيْهِ.
وَانْصَرَفَ.
وَصَلَّى عُثْمَانُ، وَانْصَرَفْتُ مَعَهُ يَتَوَكَّأُ عَلَيَّ فَقَالَ: هَلْ سَمِعْتَ مَا قَالَ عَمَّارٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَسَرَّنِي ذَلِكَ وَسَاءَنِي، أَمَّا مَسَاءَتُهُ إِيَّايَ فَمَا بَلَغَ بِكَ، وَأَمَّا مَسَرَّتُهُ لِي فَحِلْمُكَ وَاحْتِمَالُكَ.
فَقَالَ: إِنَّ عَلِيًّا فَارَقَنِي مُنْذُ أَيَّامٍ عَلَى الْمُقَارَبَةِ، وَإِنَّ عَمَّارًا آتِيهِ فَقَائِلٌ لَهُ وَقَائِلٌ، فَابْدُرْهُ إِلَيْهِ فَإِنَّكَ أَوْثَقُ عِنْدَهُ مِنْهُ وَأَصْدَقُ قَوْلا، فَالْقِ الأَمْرَ إِلَيْهِ عَلَى وَجْهِهِ.
فَقُلْتُ: نَعَمْ.
стр. 237
وَانْصَرَفْتُ أُرِيدُ عَلِيًّا ﵇ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِذَا هُوَ خَارِجٌ مِنْهُ، فَلَمَّا رَآنِي تَفَجَّعَ لِي مِنْ فَوْتِ الصَّلاةِ، وَقَالَ: مَا أَدْرَكْتَهَا! قُلْتُ: بَلَى، وَلَكِنِّي خَرَجْتُ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ اقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، إِنَّهُ لَيَقْرِفُ قَرْحَةً، لَيَحُورَنَّ عَلَيْهَا أَلَمُهَا.
فَقُلْتُ: إِنَّ لَهُ سِنَّهُ وَسَابِقَتَهُ وَقَرَابَتَهُ وَصِهْرَهُ، قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ لَهُ، وَلَكِنْ لا حَقَّ لِمْنَ لا حَقَّ عَلَيْهِ.
قَالَ: ثُمَّ رَهِقَنَا عَمَّارٌ فَبَشَّ بِهِ عَلِيٌّ وَتَبَسَّمَ فِي وَجْهِهِ وَسَأَلَهُ.
فَقَالَ عَمَّارٌ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، هَلْ أَلْقَيْتَ إِلَيْهِ مَا كُنَّا فِيهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قال: أَمَا وَاللَّهِ إِذًا لَقَدْ قُلْتَ بِلِسَانِ عُثْمَانَ، وَنَطَقْتَ بِهَوَاهِ.
قُلْتُ: مَا عَدَوْتُ الْحَقَّ جُهْدِي، وَلا ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي، وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَيُّ الْحَظَّيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَأَيُّ الْحَقَّيْنِ أَوْجَبُ عَلَيَّ.
قَالَ: فَظَنَّ عَلِيٌّ أَنَّ عِنْدَ عَمَّارٍ غَيْرَ مَا أَلْقَيْتُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَتَرَكَ يَدِي، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ مَكَانِي، فَإِذَا رَسُولُ عُثْمَانَ يَدْعُونِي فَأَتَيْتُهُ، فَأَجَدَّ بِبَابِهِ مَرْوَانُ وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، فَأَذِنَ لِي وَأَلْطَفَنِي، وَقَرَّبَنِي وَأَدْنَى مَجْلِسِي، ثُمَّ قَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالْخَبَرِ عَلَى وَجْهِهِ وَمَا قَالَ الرَّجُلُ، وَقُلْتُ لَهُ، وَكَتَمْتُ قَوْلَهُ: إِنَّهُ لَيَقْرِفُ قَرْحَةً لَيَحُورَنَّ عَلَيْهِ أَلَمُهَا، إِبْقَاءً عَلَيْهِ، وَإِجْلالا لَهُ، وَذَكَرْتُ مَجِيءَ عَمَّارٍ، وَبَشَّ عَلِيٌّ لَهُ، وَظَنَّ عَلِيٌّ أَنَّ قَبْلَهُ غَيْرُ مَا أَلْقَيْتُ عَلَيْهِ، وَسُلُوكَهُمَا حَيْثُ سَلَكَا، قَالَ: وَفَعَلا؟ .
قُلْتُ: نَعَمْ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، أَصْلِحْ لِي عَلِيًّا، وَأَصْلِحْنِي لَهُ! أَمِّنْ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَأَمَّنْتُ.
ثُمَّ تَحَدَّثْنَا طَوِيلا، وَفَارَقْتُهُ وَأَتَيْتُ مَنْزِلِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " مَا سَمِعْتُ مِنْ أَبِي شَيْئًا قَطُّ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ يَلُومُهُ فِيهِ وَلا يَعْذُرُهُ، وَلا سَأَلْتُهُ عَنِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ أَهْجُمَ مِنْهُ عَلَى مَا لا يُوَافِقُهُ.
فَإِنَّا عِنْدَهُ لَيْلَةً وَنَحْنُ نَتَعَشَّى، إِذْ قِيلَ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بِالْبَابِ، فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ.
فَدَخَلَ، فَأَوْسَعَ لَهُ عَلَى فِرَاشِهِ، وَأَصَابَ مِنَ الْعَشَاءِ مَعَهُ، فَلَمَّا رُفِعَ قَامَ مَنْ كَانَ هُنَاكَ، وَثَبَتُّ أَنَا، فَحَمِدَ عُثْمَانُ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا خَالُ، فَإِنِّي قَدْ جِئْتُكَ أَسَتَعْذِرُكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ عَلِيٍّ، سَبَّنِي، وَشَهَّرَ أَمْرِي، وَقَطَعَ رَحِمِي، وَطَعَنَ فِي دِينِي، وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنْ كَانَ لَكُمْ حَقٌّ تَزُعُمُونَ أَنَّكُمْ غُلِبْتُمْ عَلَيْهِ، فَقَدْ تَرَكْتُمُوهُ فِي يَدَيْ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِكُمْ، وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْكُمْ رَحِمًا مِنْهُ، وَمَا لُمْتُ مِنْكُمْ أَحَدًا إِلا عَلِيًّا، وَلَقَدْ دُعِيتُ أَنْ أَبْسُطَ عَلَيْهِ، فَتَرَكْتُهُ لِلَّهِ وَالرَّحِمِ، وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يَتْرُكَنِي فَلا أَتْرُكهُ.
стр. 238
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَحَمِدَ أَبِي اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا ابْنَ أَخْتِي، فَإِنْ كُنْتَ لا تَحْمَدُ عَلِيًّا لِنَفْسِكَ، فَإِنِّي لا أَحْمَدُكَ لِعَلِيٍّ، وَمَا عَلِيٌّ وَحْدَهُ قَالَ فِيكَ، بَلْ غَيْرُهُ، فَلَوْ أَنَّكَ اتَّهَمْتَ نَفْسَكَ لِلنَّاسِ، اتَّهَمَ النَّاسُ أَنْفُسَهُمْ لَكَ، وَلَوْ أَنَّكَ نَزَلْتَ مِمَّا رُقِيتَ وَارْتَقُوا مِمَّا نَزَلُوا، فَأَخَذْتَ مِنْهُمْ وَأَخَذُوا مِنْكَ مَا كَانَ بِذَلِكَ بَأْسٌ.
قَالَ عُثْمَانُ: فَذَلِكَ إِلَيْكَ يَا خَالُ، وَأَنْتَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ.
قَالَ: أَفَأَذْكُرُ لَهُمْ ذَلِكَ عَنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَانْصَرَفَ.
فَمَا لَبِثْنَا أَنْ قِيلَ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ رَجَعَ بِالْبَابِ، قَالَ أَبِي: ائْذَنُوا لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَامَ قَائِمًا وَلَمْ يَجْلِسْ.
وَقَالَ: لا تَعْجَلْ يَا خَالِ حَتَّى أُوذِنَكَ، فَنَظَرْنَا، فَإِذَا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ كَانَ جَالِسًا بِالْبَابِ يَنْتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ، فَهُوَ الَّذِي ثَنَاهُ عَنْ رَأْيِهِ الأَوَّلِ.
فَأَقْبَلَ عَلَيَّ أَبِي، وَقَالَ: يَا بُنَيَّ، مَا إِلَى هَذَا مِنْ أَمْرِهِ شَيْءٌ، ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ، أَمْلِكَ عَلَيْكَ لِسَانَكَ حَتَّى تَرَى مَا لا بُدَّ مِنْهُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْبِقْ بِي مَا لا خَيْرَ لِي فِي إِدْرَاكِهِ.
فَمَا مَرَّتْ جُمُعَةٌ حَتَّى مَاتَ ﵀ " عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇، قَالَ: " أَرْسَلَ إِلَيَّ عُثْمَانُ فِي الْهَاجِرَةِ، فَتَقَنَّعْتُ بِثَوْبِي وَأَتَيْتُهُ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ، وَفِي يَدِهِ قَضِيبٌ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ مَالٌ دَثْرٌ: صَبْرَتَانِ مِنْ وَرِقٍ وَذَهَبٍ، فَقَالَ: دُونَكَ خُذْ مِنْ هَذَا حَتَّى تَمْلأَ بَطْنَكَ فَقَدْ أَحْرَقْتَنِي.
فَقُلْتُ: وَصَلَتْكَ رَحِمٌ! إِنْ كَانَ هَذَا الْمَالُ وَرِثْتَهُ أَوْ أَعْطَاكَهُ مُعْطٍ، أَوِ اكْتَسَبْتَهُ مِنْ تِجَارَةٍ كُنْتُ أَحَدَ رَجُلَيْنِ: إِمَّا آخُذُ وَأَشْكُرُ، أَوْ أُوَفِّرُ وَأَجْهَدُ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَفِيهِ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَتِيمِ وَابْنِ السَّبِيلِ، فَوَاللَّهِ مَا لَكَ أَنْ تُعْطِيَنِيهِ، وَلا لِي أَنْ آخُذَهُ.
فَقَالَ: أَبَيْتَ وَاللَّهِ إِلا مَا أَبَيْتَ.
ثُمَّ قَامَ إِلَيَّ بَالْقَضِيبِ فَضَرَبَنِي، وَاللَّهِ مَا أَرُدُّ يَدَهُ حَتَّى قَضَى حَاجَتَهُ، فَتَقَنَّعْتُ بِثَوْبِي، وَرَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي، وَقُلْتُ: اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ إِنْ كُنْتُ أَمَرْتُكَ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْ مُنْكَرٍ "
٣٩٦ - عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: لَمَّا أُتِي عُمَرُ بَجَوْهَرِ كِسْرَى، وُضِعَ فِي الْمَسْجِدِ، فَطَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَصَارَ كَالْجَمْرِ، فَقَالَ لِخَازَنِ بَيْتِ الْمَالِ: «وَيْحَكَ! أَرِحْنِي مِنْ هَذَا، وَقَسِّمْهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أَنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذَا بَلاءٌ وَفِتْنَةٌ بَيْنَ النَّاسِ» ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ قَسَّمْتَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَسَعَهُمْ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَشْتَرِيهِ لأَنَّ ثَمَنَهُ عَظِيمٌ، وَلَكِنْ نَدَعَهُ إِلَى قَابِلٍ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَشْتَرِيَهُ مِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِيهِ.
قَالَ: «ارْفَعْهُ فَأَدْخِلْهُ بَيْتَ الْمَالِ» ، وُقُتِلَ عُمَرُ وَهُوَ بِحَالِهِ، «فَأَخَذَهُ عُثْمَانُ لَمَّا وُلِّيَ الْخِلافَةَ فَحَلَّى بِهِ بَنَاتِهِ» .
стр. 239
فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كُلٌّ قَدْ أَحْسَنَ، عُمَرُ حَيْنَ حَرَمَ نَفْسَهُ، وَأَقَارِبَهُ، وَعُثْمَانُ حِينَ وَصَلَ أَقَارِبَهُ
٣٩٧ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ ﵇ يَسْتَشْفِعُ بِهِ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: «حَمَّالُ الْخَطَايَا! لا وَاللَّهِ لا أَعُودُ إِلَيْهِ أَبَدًا» .
فَآيَسَهُ مِنْهُ
٣٩٨ - عَنْ أَبِي غَسَّانَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَأَكَبَّ النَّاسُ حْوَلَهُ، فَقَالَ: «اجْلِسُوا يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ» ! فَصَاحَ بِهِ طَلْحَةُ: «إِنَّهُمْ لَيْسُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ لَكِنَّهُمْ عِبَادُهُ وَقَدْ قَرَءُوا كِتَابَهُ»
٣٩٩ - عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: شَهِدْتُ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَخَرَجَ عُثْمَانُ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَنْشُدُ كِتَابَ اللَّهِ.
فَقَالَ عُثْمَانُ: «اجْلِسْ، أَمَا لِكِتَابِ اللَّهِ نَاشِدٌ غَيْرُكَ» ! فَجَلَسَ، ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَقَالَ: «اجْلِسْ» ، فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ ، فَبَعَثَ إِلَى الشُّرَطِ لِيُجْلِسُوهُ، فَقَامَ النَّاسُ فَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، قَالَ: ثُمَّ تَرَاقَوْا بِالْبَطْحَاءِ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: مَا أَكَادُ أَرَى أَدِيمَ السَّمَاءِ مِنَ الْبَطْحَاءِ.
فَنَزَلَ عُثْمَانُ، فَدَخَلَ دَارَهُ وَلَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵀، قَالَ: " صَلَّيْتُ الْعَصْرَ يَوْمًا، ثُمَّ خَرَجْتُ فَإِذَا أَنَا بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي أَيَّامِ خِلافَتِهِ فِي بَعْضِ أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ وَحَدَهُ، فَأَتَيْتُهُ إِجْلالا وَتَوْقِيرًا لِمَكَانِهِ، فَقَالَ لِي: هَلْ رَأَيْتَ عَلِيًّا؟ قُلْتُ: خَلَّفْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الآنَ فَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ، قَالَ: أَمَّا مَنْزِلُهُ فَلَيْسَ فِيهِ، فَابْغِهِ لَنَا فِي الْمَسْجِدِ.
فَتَوَجَّهْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَإِذَا عَلِيٌّ ﵇ يَخْرُجُ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَدْ كُنْتُ أَمْسِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عِنْدَ عَلِيٍّ، فَذَكَرَ عُثْمَانَ وَتَجَرُّمَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّ مِنْ دَوَائِهِ لَقَطْعَ كَلامِهِ، وَتَرْكَ لِقَائِهِ.
فَقُلْتُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، كَيْفَ لَكَ بِهَذَا! فَإِنْ تَرَكْتَهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْكَ فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ؟ قَالَ: أَعْتَلُّ، وَأَعْتَلُّ، فمَنْ يَقْسِرُنِي؟ قَالَ: لا أَحَدَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا تَرَاءَيْنَا لَهُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، ظَهَرَ مِنْهُ التَّفَلُّتُ وَالطَّلَبُ لِلانْصِرَافِ مَا اسْتَبَانَ لِعُثْمَانَ، فَنَظَرَ إِلَيَّ عُثْمَانُ، وَقَالَ: يَا بْنَ عَبَّاسٍ، أَمَا تَرَى ابْنَ خَالِنَا يَكْرَهُ لِقَاءَنَا، فَقُلْتُ لَهُ: وَلِمَ وَحَقُّكَ أَلْزَمُ، وَهُوَ بِالْفَضِلِ أَعْلَمُ؟ فَلَمَّا تَقَارَبَا رَمَاهُ عُثْمَانُ بِالسَّلامِ، فَرَّدَ عَلَيْهِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنْ تَدْخُلْ فَإِيَّاكَ أَرَدْنَا، وَإِنْ تَمْضِ فَإِيَّاكَ طَلَبْنَا.
стр. 240
فَقَالَ عَلِيٌّ: أَيَّ ذَلِكَ أَحْبَبْتَ؟ قَالَ: تَدْخُلَ، فَدَخَلا وَأَخَذَ عُثْمَانُ بِيَدِهِ، فَأَهْوَى بِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَقَصَّرَ عَنْهَا، وَجَلَسَ قُبَالَتَهَا، فَجَلَسَ عُثْمَانُ إِلَى جَانِبِهِ، فَنَكَصْتُ عَنْهُمَا، فَدَعَوَانِي جَمِيعًا، فَأَتَيْتُهُمَا، فَحَمِدَ عُثْمَانُ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى رَسُولِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا ابْنَيْ خَالِي وَابْنَيْ عَمِّي، فَإِذَا جَمَعْتُكُمَا فِي النِّدَاءِ فَأَسْتَجْمِعُكُمَا فِي الشِّكَايَةِ عَنْ رِضَايَ عَلَى أَحَدِكُمَا، وَوَجْدِي عَلَى الآخَرِ.
إِنِّي أَسْتَعْذِرُكُمَا مِنْ أَنْفُسِكُمَا، وَأَسْأَلُكُمَا فَيْئَتَكُمَا، وَأسْتَوْهِبُكُمَا رَجْعتَكُمَا، فَوَاللَّهِ لَوْ غَالَبَنِي النَّاسُ مَا انْتَصَرْتُ إِلا بِكُمَا، وَلَوْ تَهَضَّمُونِي مَا تَعَزَّزْتُ إِلا بِعِزِّكُمَا.
وَلَقْدَ طَالَ هَذَا الأَمْرُ بَيْنَنَا حَتَّى تَخَوَّفْتُ أَنْ يَجُوزَ قَدْرَهُ، وَيَعْظُمَ الْخَطَرُ فِيهِ، وَلَقَدْ هَاجَنِي الْعَدُوُّ عَلَيْكُمَا، وَأَغْرَانِي بِكُمَا، فَمَنَعَنِي اللَّهُ وَالرَّحِمُ مِمَّا أَرَادَ، وَقَدْ خَلَوْنَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِلَى جَانِبِ قَبْرِهِ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تُظْهِرَا لِي رَأْيَكُمَا فِيَّ، وَمَا تَنْطَوِيَانِ لِي عَلَيْهِ، وَتَصْدُقَا فَإِنَّ الصِّدْقَ أَنْجَى وَأَسْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمَا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَطْرَقَ عَلِيٌّ ﵇، وَأَطْرَقْتُ مَعَهُ طَوِيلا، أَمَّا أَنَا فَأَجلَلْتُهُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَبْلَهُ، وَأَمَّا هُوَ فَأَرَادَ أَنْ يُجِيبَ عَنِّي وَعَنْهُ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: أَتَتَكَلَّمُ أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا عَنْكَ؟ قَالَ: بَلْ تَكَلَّمْ عَنِّي وَعَنْكَ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ، وَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ، وَصَلَّيْتُ عَلَى رَسُولِهِ، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَّا بَعْدُ، يَا ابْنَ عَمِّنَا وَعَمَّتِنَا، فَقَدْ سَمِعْنَا كَلامَكَ لَنَا، وَخَلْطَكَ فِي الشِّكَايَةِ بَيْنَنَا عَلَى رِضَاكَ، زَعَمْتَ، عَنْ أَحَدِنَا، وَوَجْدِكَ عَلَى الآخَرِ، وَسَنَفْعَلُ فِي ذَلِكَ، فَنَذُمُّكَ وَنَحْمَدُكَ، اقْتِدَاءً مِنْكَ بِفِعْلِكَ فِينَا، فَإِنَّا نَذُمُّ مِثْلَ تُهْمَتِكَ إِيَّانَا عَلَى مَا اتَّهَمْتَنَا عَلَيْهِ بِلا ثِقَةٍ إِلا ظَنًّا، وَنَحْمَدُ مِنْكَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مُخَالَفَتِكَ عَشِيرَتَكَ، ثُمَّ نَسْتَعْذِرُكَ مِنْ نَفْسِكَ اسْتِعْذَارَكَ إِيَّانَا مِنْ أَنْفُسِنَا، وَنَسْتَوْهِبُكَ فَيْئَتَكَ اسْتِيهَابَكَ إِيَّانَا فَيْئَتَنَا، وَنَسْأَلُكَ رَجْعَتَكَ مَسْأَلَتَكَ إِيَّانَا رَجْعَتَنَا، فَإِنَّا مَعًا أَيَّمَا حَمِدْتَ وَذَمَمْتَ مِنَّا، كَمِثْلِكَ فِي أَمْرِ نَفْسِكَ، لَيْسَ بَيْنَنَا فَرْقٌ وَلا اخْتِلافٌ، بَلْ كِلانَا شَرِيكٌ صَاحِبِهِ فِي رَأْيِهِ وَقَوْلِهِ.
فَوَاللَّهِ مَا تَعْلَمُنَا غَيْرَ مُعْذَرِينَ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، وَلا تَعْرِفُنَا غَيْرَ قَانِتِينَ عَلَيْكَ، وَلا تَجِدُنَا غَيْرَ رَاجِعِينَ إِلَيْكَ، فَنَحْنُ نَسْأَلُكَ مِنْ نَفْسِكَ مِثْلَ مَا سَأَلْتَنَا مِنْ أَنْفُسِنَا.
وَأَمَّا قَوْلُكُ: لَوْ غَالَبَتْنِي النَّاسُ مَا انْتَصَرْتُ إِلا بِكُمَا أَوْ تَهَضَّمُونِي مَا تَعَزَّزْتُ إِلا بِعِزِّكُمَا، فَأَيْنَ بِنَا وَبِكَ عَنْ ذَلِكَ، وَنَحْنُ وَأَنْتَ كَمَا قَالَ أَخُو كِنَانَةَ:
بَدَا بُحْتُرٌ مَا رَامَ نَالَ وَإِنْ يُرَمْ ... نَخُضْ دُونَهُ غَمْرًا مِنَ الْغَرِّ رَائِمُهْ
لَنَا وَلَهُمْ مِنَّا وَمِنْهُمْ عَلَى الْعِدَى ... مَرَاتِبُ عِزٍّ مُصْعِدَاتٍ سِلالِمُهْ
стр. 241
وَأَمَّا قَوْلُكَ فِي هَيْجِ الْعَدُوِّ إِيَّاكَ عَلَيْنَا، وَإِغْرَائِهِ لَكَ بِنَا، فَوَاللَّهِ مَا أَتَاكَ الْعَدُوُّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلا وَقَدْ أَتَانَا بِأَعْظَمِ مِنْهُ، مِمَّا أَرَادَ مَنْعَكَ مِنْ مُرَاقَبَةِ اللَّهِ وَالرَّحِمِ، وَمَا أَبْقَيْتَ أَنْتَ وَنَحْنُ إِلا أَدْيَانَنَا وَأَعْرَاضَنَا وَمُرُوءَاتِنَا، وَلَقَدْ لَعَمْرِي طَالَ بِنَا وَبِكَ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى تَخَوَّفْنَا مِنْهُ عَلَى أَنْفُسِنَا، وَرَاقَبْنَا مِنْهُ مَا رَاقَبْتَ.
وَأَمَّا مُسَاءَلَتِكَ إِيَّانَا فِيكَ، وَمَا نَنْطَوِي عَلَيْهِ لَكَ، فَإِنَّا نُخْبِرُكَ أَنَّ ذَلِكَ إِلَى مَا تُحِبُّ، لا يَعْلَمُ وَاحِدٌ مِنَّا مِنْ صَاحِبِهِ إِلا ذَلِكَ، وَلا يَقْبَلُ مِنْهُ غَيْرَهُ، وَكِلانَا ضَامِنٌ عَلَى صَاحِبِهِ ذَلِكَ وَكَفَيِلٌ بِهِ.
وَقَدْ بَرَّأْتَ أَحَدَنَا وَزَكَّيْتَهُ، وَأَنْطَقْتَ الآخَرَ وَأَسْكَتَّهُ، وَلَيْسَ السَّقِيمُ مِنَّا مِمَّا كَرِهْتَ بِأَنْطَقَ مِنَ الْبَرِيءِ فِيمَا ذَكَرْتَ، وَلا الْبَرِيءُ مِنَّا مِمَّا سَخِطْتَ بِأَظْهَرَ مِنَ السَّقِيمِ فِيمَا وَصَفْتَ.
فَإِمَّا جَمْعَتَنَا فِي الرِّضَا، وَإِمَّا جَمَعْتَنَا فِي السَّخَطِ لِنُجَازِيَكَ بِمِثْلِ مَا تَفْعَلُ بِنَا فِي ذَلِكَ مُكَايَلَةَ الصَّاعَ بِالصَّاعِ، فَقَدْ أَعْلَمْنَاكَ رَأْيَنَا، وَأَظْهَرْنَا لَكَ ذَاتَ أَنْفُسِنَا، وَصَدَقْنَاكَ، وَالصِّدْقُ كَمَا ذَكَرْتَ أَنْجَى وَأَسْلَمُ، فَأَجِبْ إِلَى مَا دَعَوْتَ إِلَيْهِ، وَأَجْلِلْ عَنِ النَّقْضِ وَالْغَدْرِ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَوْضِعَ قَبْرِهِ، وَاصْدُقْ تَنْجُ وَتَسْلَمْ، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَنَا وَلَكَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَنَظَرَ إِلَى عَلِيٍّ ﵇ نَظْرَةَ هَيْبَةٍ، وَقَالَ: دَعْهُ حَتَّى يَبْلُغَ رِضَاهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَوْ ظَهَرَتْ لَهُ قُلُوبُنَا، وَبَدَتْ لَهُ سَرَائِرُنَا حَتَّى رَآهَا بِعَيْنِهِ، كَمَا يَسْمَعُ الْخَبَرَ عَنْهُ بِأُذُنِهِ، مَا زَالَ مُتَجَرِّمًا مُنْتَقِمًا، وَاللَّهِ مَا أَنَا مُلْقًى عَلَى وَضَمَةٍ، وَإِنِّي لَمَانِعٌ مَا وَرَاءَ ظَهْرِي، وَإِنَّ هَذَا الْكَلامَ لَمُخَالَفَةٌ مِنْهُ وَسُوءُ عِشْرَةٍ.
فَقَالَ عُثْمَانُ: مَهْلا أَبَا حَسَنٍ، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَصَفَنِي بِغَيْرِ ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ وَأَنْتَ عِنْدَهُ: «إِنْ مِنْ أَصْحَابِي لَقَوْمًا سَالِمِينَ لَهُمْ، وَإِنَّ عُثْمَانَ لِمِنْهُمْ، إِنَّهُ لَأَحْسَنُهُمْ بِهِمْ ظَنًّا، وَأَنْصَحُهُمْ لَهُمْ حُبًّا» ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵇: فَصَدِّقْ قَوْلَهُ ﷺ بِفِعْلِكَ، وَخَالِفْ مَا أَنْتَ الآنَ عَلَيْهِ، فَقَدْ قِيلَ لَكَ مَا سَمِعْتَ وَهُوَ كَافٍ إِنْ قَبِلْتَ.
قَالَ عُثْمَانُ: تَثِقُ يَا أَبَا الْحَسَنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَثِقُ وَلا أَظُنُّكَ فَاعِلا.
قَالَ عُثْمَانُ: قَدْ وَثِقْتُ، وَأَنْتَ مِمَّنْ لا يَخْفِرُ صَاحِبَهُ، وَلا يُكَذَّبُ لِقِيلِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَخَذْتُ بِأَيْدِهِمَا حَتَّى تَصَافَحَا وَتَصَالَحَا وَتَمَازَحَا، وَنَهَضْتُ عَنْهُمَا، فَتَشَاوَرَا وَتَآمَرَا وَتَذَاكَرَا، ثُمَّ افْتَرَقَا، فَوَاللَّهِ مَا مَرَّتْ ثَالِثَةٌ حَتَّى لَقِيَنِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَذْكُرُ مِنْ صَاحِبِهِ مَا لا تَبْرُكُ عَلَيْهِ الإِبِلُ.
فَعَلِمْتُ أَنْ لا سَبِيلَ إِلَى صُلْحِهِمَا بَعْدَهَا.
стр. 242
مَرِضَ عَلِيٌّ ﵇، فَعَادَهُ عُثْمَانُ وَمَعَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، فَجَعَلَ عُثْمَانُ يَسْأَلُ عَلِيًّا عَنْ حَالِهِ، وَعَلِيٌّ سَاكِتٌ لا يُجِيبُهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: «لَقَدْ أَصْبَحْتَ يَا أَبَا الْحَسَنِ مِنِّي بَمْنِزِلَةِ الْوَلَدِ الْعَاقِّ لأَبِيهِ، إِنْ عَاشَ عَقَّهُ، وَإِنْ مَاتَ فَجَعَهُ.
فَلَوْ جَعَلْتَ لَنَا مِنْ أَمْرِكَ فَرَجًا، إِمَّا عَدُوًّا أَوْ صَدِيقًا، وَلَمْ تَجْعَلْنَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْمَاءِ.
أَمَا وَاللَّهِ لأَنَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ فُلانٍ وَفُلانٍ، وَإِنْ قُتِلْتُ لا تَجِدُ مِثْلِي» .
فَقَالَ مَرْوَانُ: أَمَا وَاللَّهِ لا يُرَامُ مَا وَرَاءَنَا حَتَّى تَتَوَاصَلَ سُيُوفُنَا وَتُقْطَعَ أَرْحَامُنَا.
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ، وَقَالَ: " اسْكُتْ لا سَكَتَّ، وَمَا يُدْخِلُكَ فِيمَا بَيْنَنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " خَرَجْتُ أُرِيدُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَلَقِيتُهُ رَاكِبًا حِمَارًا، وَقَدِ ارْتَسَنَهُ بِحَبْلٍ أَسْوَدَ، فِي رِجْلَيْهِ نَعْلانِ مَخْصُوفَتَانِ، وَعَلَيْهِ إِزَارٌ وَقَمِيصٌ صَغِيرٌ، وَقَدِ انْكَشَفَتْ مِنْهُ رِجْلاهُ، إِلَى رُكْبَتَيْهِ، فَمَشَيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، وَجَعَلْتُ أَجْذِبُ الإِزَارَ وَأُسَوِّيهِ عَلَيْهِ، كُلَّمَا سَتَرْتُ جَانِبًا انْكَشَفَ جَانِبٌ، فَيَضْحَكُ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ لا يُطِيعُكَ، حَتَّى جِئْنَا الْعَالِيَةَ فَصَلَّيْنَا، ثُمَّ قَدَّمَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَيْنَا طَعَامًا مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ، وَإِذَا عُمَرُ صَائِمٌ، فَجَعَلَ يَنْبِذُ إِلَيَّ طَيِّبَ اللَّحْمِ، وَيَقُولُ: كُلْ لِي وَلَكَ، ثُمَّ دَخَلْنَا حَائِطًا، فَأَلْقَى إِلَيَّ رِدَاءَهُ، وَقَالَ: اكْفِنِيهِ، وَأَلْقَى قَمِيصَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَجَلَسَ يَغْسِلُهُ، وَأَنَا أَغْسِلُ رِدَاءَهُ، ثُمَّ جَفَّفْنَاهُمَا وَصَلَّيْنَا الْعَصْرَ، فَرَكِبَ وَمَشَيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، وَلا ثَالِثَ لَنَا ".
فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي فِي خِطْبَةٍ فَأَشِرْ عَلَيَّ.
قَالَ: وَمَنْ خَطَبْتَ؟ قُلْتُ: فُلانَةُ ابْنَةُ فُلانٍ.
قَالَ: النَّسَبُ كَمَا تُحِبُّ، وَكَمَا قَدْ عَلِمْتَ، وَلَكِنْ فِي أَخْلاقِ أَهْلِهَا دِقَّةً لا تَعْدِمُكَ أَنْ تَجِدَهَا فِي وَلَدِكَ.
قُلْتُ: فَلا حَاجَةَ لِي إِذًا فِيهَا.
قَالَ: فَلِمَ لا تَخْطُبُ إِلَى ابْنِ عَمِّكَ يَعْنِي عَلِيًّا؟ قُلْتُ: أَلَمْ تَسْبِقْنِي إِلَيْهِ؟ قَالَ: فَالأُخْرَى، قُلْتُ: هِيَ لابْنِ أَخِيهِ.
قَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّ صَاحِبَكُمْ إن وَلِيَ هَذَا الأَمْرَ أَخْشَى عُجْبَهُ بِنَفْسِهِ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ، فَلَيْتَنِي أَرَاكُمْ بَعْدِي.
قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ صَاحِبَنَا مَا قَدْ عَلِمْتَ، إِنَّهُ مَا غَيَّرَ وَلا بَدَّلَ، وَلا أَسْخَطَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَيَّامَ صُحْبَتِهِ لَهُ.
قَالَ: فَقَطَعَ عَلَيَّ الْكَلامَ، فَقَالَ: وَلا فِي ابْنَةِ أَبِي جَهْلٍ، لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْطُبَهَا عَلَى فَاطِمَةَ! .
قُلْتُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] وَصَاحِبُنَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَى سُخْطِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنِ الْخَوَاطِرُ الَّتِي لا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى دَفْعِهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ الْفَقِيهُ فِي دِينِ اللَّهِ، الْعَالِمُ الْعَامِلُ بِأَمْرِ اللَّهِ.
فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَرِدُ بُحُورَكُمْ فَيَغُوصُ فِيهَا مَعَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ قَعْرَهَا فَقَدْ ظَنَّ عَجْزًا.
أَسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِي وَلَكَ خُذْ فِي غَيْرِهَا.
стр. 243
ثُمَّ أَنْشَأَ يَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمُورِ الْفُتْيَا، وَأُجِيبُهُ فَيَقُولُ: أَصَبْتَ أَصَابَ اللَّهُ بِكَ.
أَنْتَ وَاللَّهِ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ " عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ يَوْمًا: " يَا مُغِيرَةُ، هَلْ أَبْصَرْتَ بِهَذِهِ، عَيْنِكِ الْعَوْرَاءِ مُنْذُ أُصِيبَتْ؟ قُلْتُ: لا.
قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَيُعْوِرَنَّ بَنُو أُمَيَّةَ الإِسْلامَ كَمَا أُعْوِرَتْ عَيْنُكَ هَذِهِ، ثُمَّ لَيُعْمِيَنَّهُ حَتَّى لا يَدْرِيَ أَيْنَ يَذْهَبُ وَلا أَيْنَ يَجِيءُ.
قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ مِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ أَوْ مِائَةٍ وَثَلاثِينَ وَفْدًا كَوَفْدِ الْمُلُوكِ، طَيِّبَةٌ رِيحُهُمْ، يُعِيدُونَ إِلَى الإِسْلامِ بَصَرَهُ وَشَتَاتَهُ.
قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: حِجَازِيٌّ وَعِرَاقِيٌّ، وَقَلِيلا مَا كَانَ، وَقَلِيلا مَا دَامَ " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِقَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيِّ: «مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ وَأَدْتَ» ؟ قَالَ: مَخَافَةَ أَنْ يُخَلَّفَ عَلَيْهِنَّ مِثْلُكَ.
أَنَّ عَلِيًّا ﵇، لَمَّا بَعَثَ جَرِيرًا إِلَى مُعَاوِيَةَ، خَرَجَ وَهُوَ لا يَرَى أَحَدًا قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ.
قَالَ: فَقَدِمْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَوَجَدْتُهُ يَخْطُبُ النَّاسَ وَهُمْ حَوْلَهُ يَبْكُونَ حَوْلَ قَمِيصِ عُثْمَانَ، وَهُوَ مُعَلَّقٌ عَلَى رُمْحٍ مَخْضُوبِ بِالدَّمِ، وَعَلَيْهِ أَصَابِعُ زَوْجَتِهِ نَائِلَةَ بِنْتِ الْفَرَافِصَةِ مَقْطُوعَةً، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ كِتَابَ عَلِيٍّ ﵇، وَكَانَ مَعِي فِي الطَّرِيقِ رَجُلٌ يَسِيرُ بِسَيْرِي، وَيُقِيمُ بِمَقَامِي، فَمَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَأَنْشَدَهُ:
إِنَّ بَنِي عَمِّكَ عَبْدِ الْمُطَّلَبْ ... هُمْ قَتَلُوا شَيْخَكُمْ غَيْرَ كَذِبْ
وأنت أولى الناب بالوثب فثب قَالَ: ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابًا مِنَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَهُوَ أَخُو عُثْمَانَ لأُمِّهِ، كَتَبَهُ مَعَ هَذَا الرَّجُلِ مِنَ الْكُوفَةِ سِرًّا أَوَّلُهُ: مُعَاوِيَ إِنَّ الْمُلْكَ قَدْ جُبَّ غَارِبُهُ قَالَ: فَقَالَ لِي مُعَاوِيَةُ: أَقِمْ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ نَفَرُوا عِنْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ حَتَّى يَسْكُنُوا.
فَأَقَمْتُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ جَاءَ كِتَابٌ آخَرُ مِنَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ أَوَّلُهُ:
أَلا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ ... فَإِنَّكَ مِنْ أَخِي ثِقَةٍ مُلِيمُ
قَطَعْتَ الدَّهْرَ كَالسَّدَمِ الْمُعَنَّ ... تَهَدَّرَ فِي دِمَشْقَ وَلا تَرِيمُ
وَإِنَّكَ وَالْكِتَابَ إِلَى عَلِيٍّ ... كَدَابِغَةٍ وَقَدْ حَلِمَ الأَدِيمُ
فَلَوْ كُنْتَ الْقَتِيلَ وَكَانَ حَيًّا ... لَشَمَّرَ لا أَلْفٌ وَلا سَئُومُ
قَالَ: فَلَمَّا جَاءَهُ هَذَا الْكِتَابُ وَصَلَ بَيْنَ طُومَارَيْنِ أَبْيَضَيْنِ، ثُمَّ طَوَاهُمَا وَكَتَبَ عُنْوَانَهُمَا مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
وَدَفَعَهُمَا إِلَيَّ، لا أَعْلَمُ مَا فِيهِمَا، وَلا أَظُنُّهُمَا إِلا جَوَابًا، وَبَعَثَ مَعِي رَجَلا مِنْ بَنِي عَبْسٍ لا أَدْرِي مَا مَعَهُ، فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا إِلَى الْكُوفَةِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ، لا يَشُكُّونَ أَنَّهَا بَيْعَةُ أَهْلِ الشَّامِ.
стр. 244
فَلَمَّا فَتَحَ عَلِيٌّ ﵇ الْكِتَابَ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا، وَقَامَ الْعَبْسِيُّ، فَقَالَ: مَنْ هَهُنَا مِنْ أَحْيَاءِ قَيْسٍ، وَأَخُصُّ مِنْ قَيْسٍ غَطَفَانَ، وَأَخُصُّ مِنْ غَطَفَانَ عَبْسًا؟ إِنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُ تَحْتَ قَمِيصِ عُثْمَانَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ شَيْخٍ خَاضِبِي لِحَاهُمْ بِدُمُوعِ أَعْيُنِهِمْ، مُتَعَاقِدِينَ مُتَحَالِفِينَ، لَيَقْتُلُنَّ قتلته فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَإِنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَيَقْتَحِمَنَّهَا عَلَيْكُمُ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ خِصْيَانِ الْخَيْلِ، فَمَا ظَنُّكُمْ بَعْدُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْفُحُولِ.
ثُمَّ دَفَعَ إِلَى عَلِيٍّ ﵇، كِتَابًا مِنْ مُعَاوِيَةَ فَفَتَحَهُ فَوَجَدَ فِيهِ:
أَتَانِيَ أَمْرٌ فِيهِ لِلنَّفْسِ غُمَّةٌ ... وَفِيهِ اجْتِدَاعٌ لِلأُنُوفِ أَصِيلُ
مُصَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَهَدَّةٌ ... تَكَادُ لَهَا صُمُّ الْجِبَالُ تَزُولُ
رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَجْرَى خَيْلا، فَسَبَقَهُ عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ، فَأَنْشَدَ عَبْدُ الْمَلِكِ:
سَبَّقَ عَبَّادٌ وَصَلَّتْ لِحْيَتَهْ ... وَكَانَ خَرَّازًا تَجُودُ قُرْبَتُهْ
فَشَكَا عَبَّادٌ قَوْلَ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا وَاللَّهِ لأَنْصِفَنَّكَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَكْرَهُ.
فَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ مَنَاكِحَ آلِ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ ضَاعَتْ.
فَأَخْبَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ خَالِدًا بِمَا كَتَبَ بِهِ الْحَجَّاجُ، فَقَالَ خَالِدٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَعْلَمُ امْرَأَةً مِنَّا ضَاعَتْ وَلا نَزَلَتْ إِلا عَاتِكَةَ بِنْتَ يَزِيدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهَا عِنْدَكَ، وَلَمْ يَعْنِ الْحَجَّاجُ غَيْرَكَ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: بَلْ عَنَى الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ عَبَّادًا، قَالَ خَالِدٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَنْصَفْتَنِي، أَدَّعِي رَجُلا ثُمَّ لا أُزَوِّجُهُ! إِنَّمَا كُنْتُ مَلُومًا لَوْ زَوَّجْتُ دَعِيَّكَ، فَأَمَّا دَعِيِّي فَلِمَ لا أُزَوِّجُهُ! .
أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ يَوْمًا وَهُوَ فِي قَائِلَتِهِ، فَأَيْقَظَهُ، وَقَالَ لَهُ: مَا يُؤَمِّنُكَ أَنَّ تُؤْتَى فِي مَنَامِكَ، وَقَدْ رُفِعَتْ إِلَيْكَ مَظَالِمُ لَمْ تَقْضِ حَقَّ اللَّهِ مِنْهَا؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّ نَفْسِي مَطِيَّتِي إِنْ لَمْ أَرْفُقْ بِهَا لَمْ تُبَلِّغْنِي، إِنِّي لَوْ أَتْعَبْتُ نَفْسِي وَأَعْوَانِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلا قَلِيلا حَتَّى أَسْقُطَ وَيَسْقُطُوا، وَإِنِّي لأَحْتَسِبُ فِي نَوْمَتِي مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ الَّذِي أَحْتَسِبُ فِي يَقَظَتِي، إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، لَوْ أَرَادَ أَنْ يُنَزِّلَ الْقُرْآنَ جُمْلَةً نَزَّلَهُ، وَلَكِنْ أَنْزَلَ الآيَةَ وَالآيَتَيْنِ حَتَّى اسْتُكْثِرَ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ، مِمَّا أَنَا فِيهِ أَمْرٌ هُوَ أَهَمُّ إِلَى أَهْلِ بَيْتِكَ، هُمْ أَهْلُ الْعِدَّةِ وَالْعَدَدِ، وَقِبَلَهُمْ مَا قِبَلَهُمْ، فَلَوْ جَمَعْتُ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ خَشِيتُ انْتِشَارَهُمْ عَلَيَّ، وَلَكِنِّي أُنْصِفُ مِنَ الرَّجُلِ وَالاثْنَيْنِ، فَيَبْلُغُ ذَلِكَ مِنْ وَرَاءَهُمَا، فَيَكُونُ أَنْجَعُ لَهُ، فَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ تَمَامَ هَذَا الأَمْرِ أَتَمَّهُ، وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى، فَحَسْبُ عَبْدٍ أَنَّ يَعْلَمَ اللَّهَ مِنْهُ أَنَّهُ يُحِبُّ أَنَّ يُنْصِفَ جَمِيعَ رَعِيَّتِهِ.
стр. 245
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ انْقَطَعَ سَيْفُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عُرْجُونَ نَخْلَةٍ فَصَارَ فِي يَدِهِ سَيْفًا، يُقَالُ إِنَّ قَائِمَتَهُ مِنْهُ، وَكَانَ يُسَمَّى الْعُرْجُونَ، وَلَمْ يَزَلْ يُتَنَاوَلُ حَتَّى بِيعَ مِنْ بَغَا التُّرْكِيِّ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ.
وَسَمِعْتُ الْعُتْبِيُّ يُصَحِّفُهُ، فَيَقُولُ: نَفِيلَةُ بِالنُّونِ.
مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فِي قِصَّةِ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ شِعْرٌ فِي الأَنْصَارِ أَوَّلُهُ:
يَا لَقَوْمِي لِخِفَّةِ الأَحْلامِ ... وَانْتِظَارِي لِزَلَّةِ الأَقْدَامِ
قَبْلُ كَانُوا مِنَ الدُّعَاةِ إِلَى اللَّهِ ... وَكَانُوا أَزِمَّةَ الإِسْلامِ
إِنَّ ذَا الأَمْرَ دُونَنَا لِقُرَيْشٍ ... وَقُرَيْشُ هُمْ ذَوُو الأَحْلامِ
مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فِي قِصَّةِ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، قَالَ: فَقَامَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ بَنِي مَخْزُومٍ، لَيْسَ أَحَدٌ يُعْدَلُ بِهِ إِلا أَهْلُ السَّوَابِقِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْلا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌: «الأَئَمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» ، مَا أَبْعَدْنَا مِنْهَا الأَنْصَارَ وَلَكَانُوا لَهَا أَهْلا، وَلَكِنَّهُ قَوْلٌ لا شَكَّ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَمْ يَبْقَ مِنْ قُرَيْشٍ كُلِّها إِلا رَجُلٌ وَاحِدٌ لَصَيَّرَ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ فِيهِ.
وَلِلْحَارِثِ بْنِ وَهْبٍ قِصَّةٌ مَعَ عُمَرَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ مِحْرَزِ بْنِ جَعْفَرٍ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عَزَلَ عُمَرُ أَبَا مُوسَى عَنِ الْبَصْرَةِ، وُقُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَالْحَارِثَ بْنَ وَهْبٍ، أَحَدَ بَنِي لَيْثِ بْنِ بَكْرٍ، وَشَاطَرَهُمْ أَمْوَالَهُمْ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَفِيهَا قَالَ للحارث «مَا أَعبدُ وَقلاصٌ بِعْتَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ» ؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ بِنَفَقَةٍ مَعِي فَتَجَرْتُ فِيهَا.
قَالَ: «إِنَّا وَاللَّهِ مَا بَعْثَنَاكَ لِلتَّجَارَةِ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ» .
ثُمَّ أَمَرَهُ أن يحَمْلِهَا.
فَقَالَ: وَاللَّهِ لا عَمِلْتُ لَكَ عَمَلا بَعْدَهَا، قَالَ: «تَبَدَّلْ حَتَّى أَسْتَعْمِلَكَ»
٤١٣ - عَنِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ تَاجِرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعَ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى فِلَسْطِينَ قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ زِنْبَاعَ بْنَ رَوْحِ بْنِ سَلامَةَ الْجُذَامِيَّ يَعْشُرُ مَنْ يَمُرُّ بِهِ لِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ، قَالَ: فَعَمَدْنَا إِلَى مَا مَعَنَا مِنَ الذَّهَبِ، فَأَلْقَمْنَاهُ نَاقَةً لَنَا، حَتَّى إِذَا مَضَيْنَا نَحَرْنَاهَا وَسَلِمَ لَنَا ذَهَبُنَا، فَلَمَّا مَرَرْنَا عَلَى زِنْبَاعٍ، قَالَ: فَتِّشُوهُمْ، فَفَتَّشُونَا، فَلَمْ يَجِدُوا مَعَنَا إِلا شَيْئًا يَسِيرًا، فَقَالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ إِبِلَهُمْ، فَمَرَّتْ بِهِ النَّاقَةُ بِعَيْنِهَا، فَقَالَ: انْحَرُوهَا.
فَقُلْتُ: لأَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا ذَهَبٌ وَإِلا فَلَكَ نَاقَةٌ غَيْرُهَا وَكُلْهَا.
قَالَ: فَشَقُّوا بَطْنَهَا فَسَالَ الذَّهَبُ، قَالَ: فَأَغْلَظَ عَلَيْنَا فِي الْعُشْرِ، وَنَالَ مِنْ عُمَرَ.
فَقَالَ عُمَرُ فِي ذَلِكَ:
مَتَى أَلْقَ زِنْبَاعَ بْنَ رَوْحٍ بِبَلْدَةٍ ... لِي النِّصْفُ مِنْهُ يَقْرَعُ السِّنَّ مِنْ نَدَمْ
стр. 246
وَيَعْلَمُ أَنَّ الْحَيَّ حَيُّ ابْنِ غَالِبٍ ... مُطَاعِينَ فِي الْهَيْجَا مَضَارِيبَ فِي الْهَيَمْ
"
أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ عَرَضَ الْخَيْلَ فَمَرَّ بِهِ شَبِيبُ بْنُ حَجْلِ بْنِ نَضْلَةَ الْبَاهِلِيُّ عَلَى فَرَسٍ أَعْجَفَ، فَقَالَ: بَالٍ عَلَى بَالٍ.
فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَأَنْشَدَ:
رَآنِي الأَشْعَرِيُّ فَقَالَ بَالٍ ... عَلَى بَالٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بَلائِي
وَمِثْلُكَ قَدْ قَضَيْتُ الرُّمْحَ فِيهِ ... فَبَاءَ بِدَائِهِ وَشَفَيْتُ دَائِي
٤١٥ - عَنِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: دَخَلَ صَعْصَعَةُ بْنُ نَاجِيَةَ الْمُجَاشِعِيُّ جَدُّ الْفَرَزْدَقِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَقَالَ: «كَيْفَ عِلْمُكَ بِمُضَرَ» ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَعَلَمُ النَّاسِ بِهِمْ.
تَمِيمٌ هَامَتُهَا وَكَاهِلُهَا الشَّدِيدُ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ، وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ.
وَكِنَانَةُ وَجْهُهَا الَّذِي فِيهِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ، وَقَيْسٌ فُرْسَانُهَا وَنُجُومُهَا، وَأَسَدٌ لِسَانُهَا.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌ «صَدَقْتَ»
٤١٦ - أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ , وَالْبَغَوِيُّ، وَالْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ، وَالطَّبَرِيُّ، وَابْنُ مَنْدَهْ، مِنْ طَرِيقِ شَرْقِيِّ بْنِ قَطَامِيٍّ، عَنِ أبي طَلِيقٍ الْغَامِدِيِّ، عَنْ شَرَاحِيلَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتَنَا مِنْ قَرِيبٍ وَنَحْنُ إِذَا حَجَجْنَا، قُلْنَا:
لَبَّيْكَ تَعْظِيمًا إِلَيْكَ عُذْرًا ... هَذِي زُبَيْدٌ قَدْ أَتَتْكَ قَسْرَا
يَقْطَعْنَ خِبْتًا وَجِبَالا وَعْرًا الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ: كُنَّا نَمْنَعُ النَّاسَ أَنْ يَقِفُوا بِعَرَفَةَ، وَنَقِفُ بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ يُمْنَةَ عَرَفَةَ فِرَقًا مِنْ أَنَّ يَتَخَطَّفُنَا الْجِنُّ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «أَجِيزُوا بَطْنَ عَرَفَةَ، فَإِنَّمَا هُمْ إِذْ أَسْلَمُوا إِخْوَانُكُمْ» .
قَالَ: " فَعَلَّمَنَا النَّبِيُّ ﷺ التَّلْبِيَةَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ".
إِلَى آخِرِهَا
وذكر أبو حاتم السجستاني في كتاب الوصايا: أَنَّ حِصْنَ بْنَ حُذَيْفَةَ وَصَّى وَلَدَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَكَانُوا عَشَرَةً، قَالَ: وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّ كَرْزَ بْنَ عَامِرٍ الْعَقِيلِيَّ طَعَنَهُ، فَاشْتَدَّ مَرَضَهُ.
فَقَالَ لَهُمْ: الْمَوْتُ أَرْوَحُ مِمَّا أَنَا فِيهِ، فَأَيُّكُمْ يُطِيعُنِي؟ قَالُوا: كُلُّنَا.
فَبَدَأَ بِالأَكْبَرِ.
فَقَالَ: خُذْ سَيْفِي هَذَا فَضَعْهُ عَلَى صَدْرِي ثُمَّ اتَّكِئْ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي.
فَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ هَلْ يَقْتُلُ الرَّجُلُ أَبَاهُ؟ فَعَرَضَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا.
فَأَبَوْا إِلا عُيَيْنَةَ.
فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَتِ أَلَيْسَ لَكَ فِيمَا تَأْمُرُنِي بِهِ رَاحَةٌ وَهَوًى؟ وَلَكَ مِنِّي طَاعَةٌ.
قَالَ: بَلَى.
قَالَ: فَمُرْنِي كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: أَلْقِ السَيْفَ يَا بُنَيَ، فَإِنِّي أَرَدْتُ أَنَّ أَبْلُوَكُمْ فَأَعْرِفَ أَطْوَعَكُمْ لِي فِي حَيَاتِي، فَهُوَ أَطْوَعُ لِي بَعْدَ مَوْتِي، فَاذْهَبْ أَنْتَ سَيِّدُ وَلَدِي مِنْ بَعْدِي، وَلَكَ رِيَاسَتِي.
فَجَمَعَ بَنِي بَدْرٍ فَأَعْلَمَهُمْ ذَلِكَ.
فَقَامَ عُيَيْنَةُ بِالرِّيَاسَةِ بَعْدَ أَبِيهِ وَقَتَلَ كَرْزًا.
стр. 247
مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَلَقْمَةِ بْنِ حُرٍّ السُّلَمِيِّ، قَالَ: جِئْتُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ ابن وَثِيمَةَ النَّضْرِيَّ، وَابْنَ عَارِضٍ الْجُشَمِيَّ، فَذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا: فَقَالَ ابْنُ عَارِضٍ: كُنْتُ مَعَ أَبِي قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، فَوَجَدْتُ فِي الطَّرِيقِ خِشْفًا فَصِدْتُهُ لابْنَةٍ لأَبِي كَانَ يُحِبُّهَا.
فَخَرَجْتُ مُحْتَضِنَهُ حَتَّى وَقَفْنَا عَلَى دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ.
وَقَدْ فُنِدَ عَقْلُهُ وَهُوَ عُرْيَانُ يَكُومُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ الْبَطْحَاءَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأَى الْخِشْفَ، فَقَالَ:
كَأَنَّهَا رَأْسُ حِضْنٍ ... فِي يَوْمِ غَيْمٍ وَدَخَنٍ
كَالْخِشْفِ هَذَا الْمُحْتَضِنِ ... أَحْسَنُ مِنْ شَيْءٍ حَسَنٍ
ثُمَّ قَامَ فَسَقَطَ، فَقَالَ:
لأَنْهَضَنَّ فِي مِثْلِ زَمَانِي الأَوَّلِ ... مُحَدَّبَ السَّاقِ شَدِيدَ الأَسْفَلِ
يَا أَوَّلِي يَا أَوَّلِي يَا أَوَّلِي
٤١٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَذِنَ عُمَرُ لِلنَّاسِ فَدَخَلَ عَمْرُو بْنُ برَاقَةَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا يَعْرُجُ، فَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا، يَقُولُ فِيهَا:
مَا إِنْ رَأَيْتُ مِثْلَكَ الْخَطَّابِي ... أَبَرَّ بِالدِّينِ وَبِالْكِتَابِ
بَعْدَ النَّبِيِّ صَاحِبِ الْكِتَابِ قَالَ: فَقَالَ لَهُ عُمَرُ وَطَعَنَهُ بِالسَّوْطِ: «فَمَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ» ، قَالَ: لا عِلْمَ لِي بِهِ.
فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ عَالِمًا بِهِ لأَوْجَعْتُ ظَهْرَكَ "
٤٢٠ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: دَخَلَ فُرَاتُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَكَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ، وَكَانَ يَبْخَلُ، وَكَانَ مِنْ أَلِبَّاءِ الْعَرَبِ، وَذَوِي الْعِلْمِ وَالرَّأَيْ، فَوَجَدَ عُمَرَ يُعْطِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ، فَقَالَ لَهُ: فُرَاتُ، مَنِ الَّذِي يَقُولُ: "
الْفَقْرُ يُزْرِي بِالْفَتَى فِي قَوْمِهِ ... وَالْعَيْنُ يُغْضِيهَا الْكَرِيمُ عَلَى الْقَذَى
وَالْمَالُ يَبْسُطُ لِلَّئِيمِ لِسَانَهُ ... حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّهُ شَيْءٌ يَرَى
وَالْمَالُ جُدْ بِفُضُولِهِ وَلْتَعْلَمَنْ ... أَنَّ الْبَخِيلَ يَصِيرُ يَوْمًا لِلثَّرَى
قَالَ: لا أَدْرِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، غَيْرَ أَنِّي عَرَفْتُ أَنَّ أَخَا بَنِي ضُبَيْعَةَ أَشْعَرُ النَّاسِ حَيْثُ، يَقُولُ:
وَإِصْلاحُ الْقَلِيلِ يَزِيدُ فِيهِ ... وَلا يَبْقَى الْكَثِيرُ مَعَ الْفَسَادِ
فَقَالَ عُمَرُ: " قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] أَفْضَلُ ".
قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] ، قَالَ عُمَرُ: فَبَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا، يَا فُرَاتُ، اتَّقِ اللَّهَ، وَإِنَّمَا لَكَ مِنْ مَالِكِ مَا أَنْفَقْتَ.
يَا فُرَاتُ، أَطْعِمِ السَّائِلَ، وَكُنْ سَرِيعًا إِلَى دَاعِي اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ وَأَهْلَهُ، وَإِنَّ الْبُخْلَ بِئْسَ شِعَارُ الْمُسْلِمِ.
يَا فُرَاتُ، أَتَدْرِي مَنِ الَّذِي يَقُولُ:
سَأَبْذِلُ مَالِي لِلْعُفَاةِ فَإِنَّنِي ... رَأَيْتُ الْغِنَى وَالْفَقْرَ سِيَّانِ فِي الْقَبْرِ
يَمُوتُ أَخُو الْفَقْرِ الْقَلِيلُ مَتَاعُهُ ... وَلا تَتْرُكُ الأَيَّامُ مَنْ كَانَ ذَا وَفْرِ
وَلَيْسَ الَّذِي جَمَّعْتُ عِنْدِي بِنَافِعٍ ... إِذَا حَلَّ بِي يَوْمًا جَلِيلٌ مِنَ الأَمْرِ
قَالَ: لا أَدْرِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
стр. 248
قَالَ: هَذَا شِعْرُ أَخِيكَ قَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
قَالَ: مَا عَلِمْتُهُ.
قَالَ: " بَلَى هُوَ أَنْشَدَنِيهِ، وَعَنْهُ أَخَذْتُهُ، وَإِنَّ لَكَ فِيهِ لَعِبْرَةً قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَفَّقَكَ اللَّهُ وَسَدَّدَكَ، أَمَرْتَ بِخَيْرٍ وَحَضَضْتَ عَلَيْهِ، وَتَرَكَ فُرَاتٌ كَثِيرًا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فَلِيحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ مَالِكَ بْنِ نُوَيْرَةَ كَانَ كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، فَلَمَّا قُتِلَ أَمَرَ خَالِدٌ بِرَأْسِهِ فَنُصِبَ أُثْفِيَّةً لِقِدْرٍ فَنَضِجَ مَا فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُصَ النَّاسُ إِلَى شُئُونِ رَأْسِهِ " أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ الأَخْنَسِ هَجَا الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَضَرَبَ رِجْلَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانُ فَغَضِبَ، وَقَامَ خَطِيبًا فَذَكَرَ قِصَّةً.
عَنْ حَبِيبِ بْنِ زَيْدٍ الطَّائِيَّ، أَوْ غَيْرِهِ: مَرَّ الْمِنْهَالُ التَّمِيمِيُّ عَلَى أَشْلاءِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، هُوَ وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ حِينَ قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَأَخْرَجَ مِنْ خَرِيطَةٍ لَهُ ثَوْبًا فَكَفَّنَهُ فِيهِ وَدَفَنَهُ.
وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ مُتَمِّمٌ:
لَقَدْ غَيَّبَ الْمنْهَالَ تَحْتَ رِدَائِهِ ... فَتًى غَيْرُ مِبْطَانِ الْعَشِيَّاتِ أَرْوَعَا
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِقَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ: «مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ وَأَدْتَ» ؟ قَالَ: وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَأَدَ، فَقَالَ: خَشِيتُ أَنْ يُخَلَّفَ عَلَيْهِنَّ غَيْرُ كُفْءٍ.
قَالَ: فَصِفْ لَنَا نَفْسَكَ.
فَقَالَ: أَمَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَا هَمَمْتُ بِمَلامَةٍ، وَلا حُمْتُ عَلَى تُهْمَةٍ، وَلَمْ أُرَ إِلا فِي خَيْلٍ مُغِيرَةٍ أَوْ نَادِي عَشِيرَةٍ، أَوْ حَامِي جَرِيرَةٍ.
وَأَمَّا فِي الإِسْلامِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] ، فَأُعْجِبَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ
٤٢٥ - عَنْ مِحْجَنٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: " كَانَ مُعَاوِيَةُ يُفَضِّلُ مُزَيْنَةَ فِي الشِّعْرِ، وَيَقُولُ: كَانَ أَشْعَرَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى، وَكَانَ أَشْعَرَ أَهْلِ الإِسْلامِ ابْنُهُ كَعْبٌ، وَمَعْنُ بْنُ أَوْسٍ "
عَنِ الْكَلْبِيِّ، قَالَ: لَمَّا هَلَكَ حَنْظَلَةُ بْنُ نَهْدِ بْنِ زَيْدٍ، لَمْ يُدْفَنْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى أَتَاهُ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ، وَأَتَاهُ مِنْ كُلِّ حَيٍّ وُجُوهُهُمْ، فَقَامَتِ الْخُطَبَاءُ بِالتَّعْزِيَةِ، وَقِيلَتْ فِيهِ الأَشْعَارُ حَتَّى عُدَّ ذَلِكَ الْيَوْمُ مِنْ بَعْضِ مَوَاسِمِ الْعَرَبِ.
стр. 249
فَلَمَّا وُورِيَ فِي حُفْرَتِهِ قَامَ جَدِيلَةُ بْنُ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، هَذَا حَنْظَلَةُ بْنُ نَهْدٍ فَكَّاكُ الأَسِيرِ، وَطَارِدُ الْعَسِيرِ، فَهَلْ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مُجَازٍ بِفِعْلِهِ، أَوْ حَامِلٌ عَنْهُ مِنْ ثِقَلِهِ، كَلا وَأَجَلْ، إِنَّ مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ لَكُمْ شَرَقًا، وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ لكم غَصَصًا، لا تَنَالُونَ نِعْمَةً إِلا بِفِرَاقِ أُخْرَى، وَلا يَسْتَقْبِلُ مُعَمَّرٌ يَوْمًا مِنْ عُمُرِهِ إِلا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ، وَلا يَجِدُ لَذَّةَ زِيَادَةِ أَكْلِهِ إِلا بِنَفَادِ مَا قِبَلَهُ مِنْ رِزْقِهِ، وَلا يَحْيَى لَهُ أَثَرٌ إِلا مَاتَ أَثَرٌ، إِنَّ فِي هَذَا لَعِبَرًا وَمُزْدَجَرًا لِمَنْ نَظَرَ، لَوْ كَانَ أَصَابَ أَحَدٌ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّمًا، وَوَجَدَ إِلَى الْمَرْحَلِ عَنِ الْفَنَاءِ سَبِيلا، لَكَانَ ابْنَ دَاوُدَ الْمَقْرُونَ لَهُ النُّبُوَّةُ بِمُلْكِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
وَهَذَا صَاحِبُ الْمُلْكَيْنِ أَضْحَى ... تُخَرِّقُ فِي مَصَانِعِهِ الْمَنُونُ
فَكَانَ عَلَيْهِ لِلأَيَّامِ دَيْنٌ ... فَقَدْ قُضِيَتْ عَنِ الْمَرْءِ الدُّيُونُ
وَخَانَتُهُ الْعَصَا مِنْ بَعدِ مَا قَدْ ... أَتَى مَيْتًا لَهُ حِينٌ فَحِينُ
عَلَى الْكُرْسِيِّ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ ... تَحَارُ الشَّمْسُ فِيهِ وَالْعُيُونُ
وَتَضْحَى الْجِنُّ عَاكِفَةٌ عَلَيْهِ ... كَمَا عَكَفَتْ عَلَى الأُسْدِ الْعَرِين
وَسُخَّرَتِ الْعُيُونُ لَهُ جَمِيعًا ... عَلَيْهِ الطَّيْرُ عَاكِفَةً عَرِينُ
فَلَمْ أَرَ مِثْلَهَ حَيًّا وَمَيْتًا ... عَلَى الأَيَّامِ كَانَ وَلا يَكُونُ
فَدَانَ لَهُ الْخَلائِقُ ثُمَّ هَبُّوا ... وَدَانَ فِيمَا قَدْ يَدِينُ
بَنَى صَرْحًا لَهُ دُونَ الثُّرَيَّا ... وَأُجْرِيَ تَحْتَهُ الْمَاءُ الْمَعِينُ
تَرَاهُ مُتْقَنًا لا عَيْبَ فِيهِ ... يَخَالُ بِصَرْحِهِ الذِّهْنُ الذَّهِينُ
وَقَدْ مَلَكَ الْمُلُوكَ وَكُلَّ شَيْءٍ ... تَدِينُ لَهُ السُّهُولَةُ وَالْحُزُونُ
فَأَفْنَى مُلْكَهُ مَرَّ اللَّيَالِي ... وَخَوْنَ الدَّهْرِ فِيمَا قَدْ يَخُونُ
وَكُلُّ أَخِي مَكَاثِرِهِ وَعِزٍّ ... إِلَى رَيْبِ الْحَوَادِثِ مُسْتَكِينُ
كَذَاكَ الدَّهْرُ يُفْنِي كُلَ حَيٍّ ... وَيَعْقُبُ بَعْدَ قُوَّتِهِ الْيَقِينُ
ثُمَّ قَامَ ابْنُ كَثِيرِ بْنُ عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَمِيمٍ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ هَذَا حَنْظَلَةُ بْنُ نَهْدٍ مَعْدِنُ الْحُكَمَاءِ، وَعِزُّ الضَّعَفَاءِ، وَمُعْطِي الْيَانِعِ، مُطْعِمُ الْجَائِعِ، فَهَلْ مِنْكُمْ لَهُ مَانِعٌ؟ أَوْ لِمَا حَلَّ بِهِ دَافِعٌ! .
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الْبَقَاءُ بَعْدَ الْفَنَاءِ، وَقَدْ خُلِقْنَا وَلَمْ نَكُ شَيْئًا، وَسَنَعُودُ إِلَى ذَلِكَ.
стр. 250
إِنَّ الْعَوَارِيَ الْيَوْمَ وَالْهِبَاتِ غَدًا، وَرِثْنَا مَنْ قَبْلَنَا وَلَنَا وَارِثُونَ، وَلا بُدَّ مِنْ رَحِيلٍ عَنْ مَحَلٍّ نَازِلٍ، أَلا وَقَدْ تَقَارَبَ سَلْبٌ فَأَحْسِنْ أَوْ أَهْبِطْ أَجْوَى، وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مَنْزِلٍ لا يُسْتَتَبُّ بِهِ سُرُورٌ بِيُسْرٍ إِلا تَبِعَهُ حَصِيرُ عُسْرٍ، وَلا تَطُولُ فِيهِ حَيَاةٌ مَرْجُوَّةٌ إِلا اخْتَرَمَهَا مَوْتٌ مُخَوِّفٌ، وَلا يُوثَقُ فِيهِ بِخَلَفٍ بَاقٍ إِلا وَيَسْتَتْبِعُهُ سَابِقٌ مَاضٍ، فَأَنْتُمْ أَعْوَانٌ لِلْحُتُوفِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، لَهَا بِكُلِّ سَبَبٍ مِنْكُمْ صَرِيعٌ مُجْتَزَرٌ، وَمُعَازِبٌ مُنْتَظَرٌ، فَهَذِهِ أَنْفُسُكُمْ تَسُوقُكُمْ إِلَى الْفَنَاءِ، فَلِمَ تَطْلُبُونَ الْبَقَاءَ! اطْلُبُوا الْخَيْرَ وَوَلِيَّهُ، وَاحْذَرُوا الشَّرَّ وَمُوَلِّيَهُ، اعْلَمُوا أَنَّ خَيْرًا مِنَ الْخَيْرِ مُعْطِيهِ، وَأَنَّ شَرًّا مِنَ الشَّرِّ فَاعِلُهُ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
يَا قَلْبُ إِنَّكَ مِنْ أَسْمَاءَ مَغْرُورُ ... فَاذْكُرْ وَهَلْ يَنْفَعُكَ الْيَوْمَ تَذْكِيرُ
قَدْ بُحْتَ بِالْحُبِّ مَا تُخْفِيهِ مِنْ أَحَدٍ ... حَتَّى جَرَتْ بِكَ إِطْلاقًا مَحَاضِيرُ
تَبْغِي أُمُورًا فَمَا تَدْرِي أَعَاجِلَهَا ... أَدْنَى لِرُشْدِكَ أَمْ مَا فِيهِ تَأْخِيرُ
فَاسْتَقْدِرِ اللَّهَ خَيْرًا وَارْضَيَنَّ بِهِ ... فَبَيْنَمَا الْعُسْرُ إِذْ دَارَتْ مَيَاسِيرُ
وَبَيْنَمَا الْمَرْءُ فِي الأَحْيَاءِ مُغْتَبِطٌ ... إِذْ صَارَ فِي الرَّمْسِ تَعْفُوهُ الأَعَاصِيرُ
يَبْكِي الْغَرِيبُ عَلَيْهِ لَيْسَ يَعْرِفُهُ ... وَذُو قَرَابَتِهِ فِي الْحَيِّ مَسْرُورُ
حَتَّى كَأنْ لَمْ يَكُنْ إِلا تَذَكُّرُهُ ... وَالدَّهْرُ أَيْنَمَا حَالٍ دَهَارِيرُ
٤٢٧ - عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَا سَمِعْتُ بِأَحَدٍ أَجْرَأَ وَلا أَسْرَعَ شِعْرًا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، يَوْمَ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قُلْ شِعْرًا تَقْتَضِيهِ السَّاعَةُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْكَ» .
ثُمَّ أَبَدَّهُ بَصَرُهُ، فَانْبَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، يَقُولُ:
إِنِّي تَفَرَّسْتُ فِيكَ الْخَيْرَ أَعْرِفُهُ ... وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا إِنْ خَانَنِي بَصَرُ
أَنْتَ النَّبِيُّ وَمَنْ يُحْرَمَ شَفَاعَتَهُ ... يَوْمَ الْحِسَابِ فَقَدْ أَزْرَى بِهِ الْقَدَرُ
فَثَبَّتَ اللَّهُ مَا أَتَاكَ مِنْ حَسَنٍ ... كَالْمُرْسَلِينِ وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَأَنْتَ فَثَبَّتَكَ اللَّهُ» .
قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: فَثَبَّتَهُ اللَّهُ أَحْسَنَ ثَبَاتٍ، فَقُتِلَ شَهِيدًا، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَدَخَلَهَا
عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ ابْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ حَجَّ فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: إِنَّهُ سَيَأْتِي بِالْمَدِينَةِ الْحَزِينُ الشَّاعِرُ، وَهُوَ ذَرِبُ اللِّسَانِ، فَإِيَّاكَ أَنَّ تَحْتَجِبَ عَنْهُ وَارْضِهِ.
فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَتَاهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَرَأَى جَمَالَهُ، وَفِي يَدَهِ قَضِيبُ خَيْزُرَانٍ وَقَفَ سَاكِتًا، فَأَمْهَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرَاحَ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ: السَّلامُ رَحِمَكَ اللَّهُ أَوَّلا، فَقَالَ: عَلَيْكَ السَّلامُ، وَجْهُ الأَمِيرِ، أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ مَدَحْتُكَ بِشِعْرٍ، فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْكَ وَرَأَيْتُ جَمَالَكَ وَبَهَاءَكَ رَهِبْتُكَ، فَأُنْسِيتُ مَا قُلْتُ، وَقَدْ قُلْتُ فِي مَقَامِي هَذَا بَيْتَيْنِ.
قَالَ: مَا هُمَا؟ قَالَ:
следующие страницы →