← Книги сунны

Книги сунны · id 28453

الأخبار الموفقيات للزبير بن بكار

الزبير بن بكار

Полный текст (252 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وَدَوَيَّةٍ قَفْرٍ تَعَاوَى سِبَاعُهَا ... عُوَاءَ الْيَتَامَى مِنْ حَذَارِ التَّرَاتِرِ قَطَعْتُ بِمِرْدَاةٍ كَأَنَّ نُسُوعَهَا ... تُشَدُّ عَلَى قَرْمٍ عَلَنْدِي مُخَاطِرِ وَأَنْشَدَنِي عَمِّي لِحَاتِمِ يَرْثِي مِلْحَانَ بْنَ حَارِثَةَ بْنَ سَعْدِ بْنِ حَشْرَجٍ: لبَيْكِ عَلَى مِلْحَانَ صَيْفٌ مُدَفَّعٌ ... وَأَرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أَرْمَلا إِذَا ارْتَحَلا لَمْ يَجِدَا بَيْتَ لَيْلَةٍ ... وَلَمْ يَلْبِسَا إِلا بِجَادًا وَخَيْعَلا وَأَوْصَيْتَنِي أَنْ أَرْفَعَ الظَّنَّ صَاعِدًا ... وِصَاتَكَ وَاسْتُودِعْتُ تُرْبَا وَجَنْدَلا فَلا انْفَكَّ رِمْسٌ بَيْنَ أَضْرَعَ فَاللِّوَى ... يَصَبُّ عَلَيْهِ اللَّهُ وَدْقًا مُجلَّلا غَزَا حَاتِمٌ، فَأَصَابَ رَاحِلَةً لِبَعْضِ الْمُلُوكِ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ: الْمِزَاجُ، فَقَالَ: فَلَوْ شِهِدَتْنَا بِالْمِزَاجِ لَأَيْقَنَتْ ... عَلَى ضُرِّنَا أَنَّا كِرَامُ الضَّرائِبِ عَشِيَّةَ قَالَ ابْنُ الذَّمِيمَةِ عَارِضٌ ... إِخَالُ رَئِيسَ الْقَوْمِ لَيْسَ بِآيِبِ وَمَا أَنَا بِالسَّاعِي بِفَضْلِ زِمَامِهَا ... لِأُشْرِعَهَا فِي الْحَوْضِ قَبْلَ الرَّكَائِبِ وَمَا أَنَا بِالطَّاوِي حَقِيبَةَ رَحْلِهَا ... لِأَبْعَثَهَا خِفًّا وَأَتْرُكَ صَاحِبِي إِذَا كُنْتَ ربًّا لِلْقَلُوصِ فَلا تَدَعْ ... رَفِيقَكَ يَمْشِي خَلْفَهَا غَيْرَ رَاكِبِ أَنِخْهَا فَأَرْدِفْهُ فَإِنْ حَمَلَتْكُمَا ... فَدَاكَ وَإِنْ كَانَ الْعِقَابُ فَعَاقِبِ وَمَرْقَبَةٍ دُونَ السَّمَاءِ عَلَوْتُهَا ... أُقَلِّبُ طَرْفِي فِي فَضَاءٍ سَبَاسِبِ وَمَا أَنَّا بِالْمَاشِي إِلَى بَيْتِ جَارَتِي ... طَرُوقًا أُحَيِّيهَا كَآخَرَ جَانِبِ وَلَسْتُ إِذَا مَا أَحْدَثَ الدَّهْرُ نَكْبَةً ... بِأَخْضَعَ وَلاجٍ بُيُوتَ الأَقَارِبِ إِذَا أَوْطَنَ الْقَوْمُ الْبُيُوتَ وَجَدْتَهُمْ ... عُمَاةً عَنِ الأَخْبَارِ خُرْقَ الْمَكَاسِبَ أَنْشَدَنِي عَمِّي لَهُ: وَأَشْعَثَ مِعْزَالٍ يُسَوِّقُ هَجْمَةً ... بِوَادٍ تَغَشَّتْهُ السَّحَابَةُ مِنْ عَسَلِ أُتِيحَ لَهُ مِنْ أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ ... حَمَامٌ وَمَا يَأْمُرْ بِهِ اللَّهُ يَفْعَلِ وَكَانَ يَخَالُ الأَرْضَ قَفْرًا بَرِيَّةً ... وَمَنْ لا يَخَفْ زِوَّ الْمَنِيَّةِ يَجْهَلِ فَمَا رَاعَهُ إِلا عُلُوُّ جَبِينِهِ ... بِعَضْبٍ جَلَتْ عَنْهُ مَدَاوِسُ صَيْقَلِ فَخَرَّ وَأَلْقَى ثَوْبَهُ وَتَرَكْتُهُ ... لَدَى شَجَرَاتٍ كَالْعَكِيِّ الْمُجَدَّلِ أَنْشَدَنِي عَمِّي لَهُ: إِذَا مَا بِتُّ أَخْتَلُ عِرْسَ جَارِي ... لِيُخْفِيَنِي الظَّلامُ فَلا خَفِيتُ أَأَفْضَحُ جَارَتِي وَأَخُونُ جَارِي ... فَلا وَأَبِيكَ أَفْعَلُ مَا حَيِيتُ وَأَنْشَدَنِي عَمِّي لَهُ: وَخِرْقٍ كَنَصْلِ السَّيْفِ قَدْ رَامَ مَصْدَفِي ... تَعَسَّفْتُهُ بِالرُّمْحِ وَالْقَوْمُ شُهَّدِي فَخَرَّ عَلَى حُرِّ الْجَبِينِ بِضَرْبَةٍ ... تَقُطُّ صِفَاقًا مِنْ حَشًا غَيْرَ مُبْلَدِ فَمَا رُمْتُهُ حَتَّى تَرَكْتُ عَوِيصَهُ ... بَقِيَّةَ عِرْقٍ يَحْفِزُ التُّرْبَ مِذْوَدِ وَحَتَّى تَرْكَتُ الْعَائِدَاتِ يَعُدْنَهُ ... يَقُلْنَ فَلا تَبْعِدْ وَقُلْتُ لَهُ ابْعِدِ فَطَافُوا بِهِ طَوْفَيْنِ ثُمَّ نَمَوْا بِهِ ... إِلَى ذَاتِ إِلْجَافٍ بِزَخَّاءَ قُرْدُدِ ومَرْقَبَةٍ دُونَ السَّمَاءِ طَمِرَّةٍ ... سَبَقْتُ طُلُوعَ الشَّمْسِ عَنْهَا بِمَرْصَدِ وِسَادِي بِهَا جَفْنُ السِّلاحِ وَتَارَةً ... عَلَى عُدَوَاءِ الْجَنْبِ غَيْرُ مُوسَّدِ

стр. 177

حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا وَقَعَ حَرْبُ الْفَسَادِ، خَرَجَ حَاتِمُ حَتَّى نَزَلَ فِي بنِي بَدْرِ بْنِ عَمْرٍو زَمَنَ احْتَرَبَتْ جَدِيلَةُ وثُعَلٌ، وَكَانَ ذَلِكَ زَمَنَ الْفَسَادِ، وَكَانَ نُزُولُ حَاتِمٍ فِي بَنِي بَدْرِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حَصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ، فَأَحْسَنُوا جِوارَ حَاتِمٍ، وَأَكْرَمُوهُ، فَقَالَ حَاتِمٌ فِي ذَلِكَ: إِنْ كُنْتِ كَارِهَةً لِعِيشَتِنَا ... هَاتِي فَحُلِّي فِي بَنِي بَدْرِ جَاوَرْتُهُمْ زَمَنَ الْفَسَادِ فَنِعْمَ ... الْحَيِّ فِي الْعَوْصَاءِ وَالْيُسْرِ فَسُقِيتُ بِالْمَاءِ النَّمِيرِ وَلَمْ ... أَتْرُكْ أَوَاطِسَ حَمْأةِ الْجَفْرِ وَدُعِيتُ فِي أُولَى النَّدِيِّ وَلَمْ ... يُنْظَرْ إِلَيَّ بِأَعْيُنٍ خُزْرِ الضَّارِبُونَ لَدَى أَعَنَّتِهِمْ ... وَالطَّاعِنُونَ وَخَيْلُهُمْ تَجْرِي وَالْخَالِطُونَ نَحِيتَهُمْ بِنُضَارِهِمْ ... وَذَوِي الْغِنَى مِنْهُمْ بِذِي الْفَقْرِ ٢٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَعِنْدَهَا بَعْضُ نِسَائِهِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَنَا لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ» . قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا حَدِيثُ أَبِي زَرْعٍ وَأُمِّ زَرْعٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ قَرْيَةً مِنَ قُرَى الْيَمَنِ كَانَ بِهَا بَطْنٌ مِنْ بُطُونِ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَكَانَ مِنْهُمْ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَإِنَّهُنَّ خَرَجْنَ إِلَى مَجْلِسٍ لَهُنَّ، فَقَالَ بَعْضُهُنَّ لِبَعْضٍ: تَعَالَيْنَ فَلْنَذْكُرْ بُعُولَتَنَا بِمَا فِيهِمْ، وَلا نَكْذِبْ، فَتَبَايَعْنَ عَلَى ذَلِكَ، فَقِيلَ لِلأُولَى: تَكَلَّمِي بَنَعْتِ زَوْجِكِ. فَقَالَتْ: اللَّيْلُ لَيْلُ تِهَامَةَ، وَالْغَيْثُ غَيْثُ عَمَامَةٍ، لا حَرٌّ وَلا وَخَّامَةٌ. وَقِيلَ لِلثَّانِيَةِ: تَكَلَّمِي، وَهِيَ عَمْرَةُ ابْنَةُ عَمْرٍو، فَقَالَتْ: الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ، وَالرَّيُحُ رِيحُ زَرْنَبٍ، أَغْلِبُهُ وَالنَّاسُ يَغْلِبُ، وَقِيلَ لِلثَّالِثَةِ: تَكَلَّمِي، وَهِيَ حُيَيُّ بِنْتُ كَعْبٍ، فَقَالَتْ: مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ، ذُو إِبِلٍ كَثِيرَاتِ الْمَبَارِكِ، قَرِيبَاتِ المَسارِحِ، إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ، أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ، وَقِيلَ لِلرَّابِعَةِ: تَكَلَّمِي: وَهِيَ مَهْرَدُ ابْنَةُ أَبِي هَزُومَةَ، فَقَالَتْ: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ، عَلَى جَبَلٍ وَعْرٍ، لا سَهْلٌ فَيُرْتَقَى، وَلا سَمِينٌ فَيُنْتَقَى، وَقِيلَ لِلْخَامِسَةِ: تَكَلَّمِي، وَهِيَ كَبْشَةُ، قَالَتْ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِي، وَقِيلَ لِلسَّادِسَةِ: تَكَلَّمِي، وَهِيَ هِنْدٌ، فَقَالَتْ: زَوْجِي كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَوَاءٌ، إِنْ حَدَّثْتُهُ مَسَكَ، وَإِنْ مَازَحْتُهُ فَلَكَ، وَالأَجْمَعَ كُلا لَكِ، وَقِيلَ لِلسَّابِعَةِ: تَكَلَّمِي، وَهِيَ بِنْتُ أَوْسِ بْنِ عَبْدٍ، فَقَالَتْ: زَوْجِي إِذَا أَكَلَ لَفَّ، وَإِذَا شَرِبَ اشْتَفَّ، وَإِذَا رَقَدَ الْتَفَّ، وَلا يُدْخِلُ الْكَفَّ فَيْعَرِفُ الْبَثَّ، وَقِيلَ لِلثَّامِنَةِ: تَكَلَّمِي، وَهِيَ حُيَيُّ بِنْتُ عَلْقَمَةَ، فَقَالَتْ: زَوْجِي إِذَا خَرَجَ أَسِدَ وَإِذَا دَخَلَ فَهِدَ، وَلا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ، وَلا يَرْفَعُ الْيَوْمَ لِغَدٍ.

стр. 178

وَقِيلَ لِلتَّاسِعَةِ: تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ: زَوْجِي لا أَذْكُرُهُ، وَلا أَبُثُّ خَبَرَهُ، أَخَافُ أنْ لا أَذَرَهُ. إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ، وَبُجَرَهُ. وَقِيلَ لِلْعَاشِرَةِ: تَكَلَّمِي، وَهِيَ كَبْشَةُ ابْنَةُ الأَرْقَمِ، فَقَالَتْ: نَكَحْتُ الْعَشَنَّقَ، إِنْ سَكَتُّ عَلَّقَ، وَإِنْ تَكَلَّمْتُ طَلَّقَ. قِيلَ لِأُمِّ زَرْعٍ وَهِيَ أُمُّ زَرْعٍ بِنْتُ أُكَيْمِلِ بْنِ سَاعِدٍ: تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ: أَبُو زَرْعٍ وَمَا أَبُو زَرْعٍ، وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ فَنَقَلَنِي إِلَى أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ، مَلأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيْهِ، وَأَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيْهِ، وَبَجَّحَ نَفْسِي فَتَبَجَّحْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَا أَنَامُ وَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَمَّحُ، وَأَقُولُ وَلا أُقَبَّحُ، بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، وَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، مِلْءُ إِزَارِهَا، وَصُفْرُ رِدَائِهَا، وَزَيْنُ أُمَّهَاتِهَا وَنِسَائِهَا، خَرَجَ مِنْ عِنْدِي أَبُو زَرْعٍ، وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ، فَإِذَا هُوَ بِأُمِّ غُلامَيْنِ كَالْفَهْدَيْنِ، تَرْمِي مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِالرُّمَّانَتَيْنِ، فَتَزَوَّجَهَا وَطَلَّقَنِي، فَاسْتَبْدَلْتُ بَعْدَهُ، وَكُلُّ بَدَلٍ أَعْوَرُ، فَتَزَوَّجْتُ شَابًّا سَرِيًّا، رَكِبَ أَعْوَجِيًّا، وَأَخَذَ خَطِّيًا، وَأَرَاحَ نَعِمًا ثَرِيًّا. وَقَالَ: كُلِّي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أَهْلَكِ، فَجَمَعَتُ أَوْعِيتَهُ، فَمَا تَعْدِلُ وِعَاءً وَاحِدًا مِنْ أَوْعِيَةِ أَبِي زَرْعٍ " لَمَّا قَدِمَ مُصَعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْكُوفَةَ، دَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الأَسَدِيُّ، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الأَسَدِيُّ؟ قَالَ: فَوَجِلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَأَنْتَ الَّذِي تَقُولُ: إِلَى رَجَبٍ أَوْ غُرَّةِ الشَّهْرِ بَعْدَهُ ... تُوَافِيكُمُ بِيضُ الْمَنَايَا وَسُودُهَا ثَمَانُونَ أَلْفًا دِينُ عُثْمَانَ دِينُهَا ... مُسَوَّمَةٌ جَبْرِيلُ فَيْهَا يَقُودُهَا قَالَ: قَدْ كَانَ ذَاكَ. قَالَ: فَإِنَّا قَدْ غَفَرْنَا لَكَ ذَنْبَكَ، وَأَمَرْنَا لَكَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ: فَخَرَجَ، وَهُوَ يَقُولُ: جَزَى اللَّهُ خَيْرًا مُصْعَبًا إِنَّ خَيْرَهُ ... يُنَالُ بِهِ الْجَانِي وَمَنْ لَيْسَ جَانِيًا وَيَعْفُو عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي يَعْلَمُونَهُ ... وَيُعْطِي مِنَ الْمَعْرُوفِ مَا لَيْسَ فَانِيَا قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ، اجْتَازَ بِابْنِ ظَبْيَانَ عُبْيَدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، فَسَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَدْ عَمِيَ، فَقَالَ لِقَائِدِهِ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ ظَبْيَانَ، قَالَ: بَلِّغْنِيهِ. فَلَمَّا صَارَ إِلَيْهِ، قَالَ: أَبَا مَطَرٍ شُلَّتْ يَمِينٌ تَقَرَّعَتْ ... بِسَيْفِكَ رَأْسَ ابْنَ الْحَوَارِيِّ مُصْعَبِ وَلا ظَفِرَتْ كَفَّاكَ بِالْخَيْرِ بَعْدَهُ ... وَلا زِلْتَ تَسْعَى فِي تبَابٍ مُتَبَّبِ قَتَلْتَ امْرَأً كَانَتْ نَوَافِلُ فَضْلِهِ ... تَجُودُ عَلَى مَنْ بَيْنَ شَرْقٍ وَمَغْرِبِ أَغَرٌّ كَأَنَ الْبَدْرَ سُنَّةُ وَجْهِهِ ... إِذَا مَا بَدَا فِي الْجَحْفَلِ الْمُتَكَتِّبِ قَالَ: قَدْ كَانَ ذَاكَ فَمَا أَفْلَحَنَا، وَلا أَنْجَحَنَا، فَهَلْ مِنْ مَخْرَجٍ؟ قَالَ: سَبَقَ السَّيْفُ الْعَذْلَ.

стр. 179

حَدَّثَنِي الْعُتْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " وَقَعَ مِيَرَاثٌ بَيْنَ نَاسٍ مِنَ آلِ أَبِي سُفْيَانَ وَبَنِي مَرْوَانَ، فَتَشَاحُّوا فِيهِ، وَتَضَايَقُوا فَلَمَّا قَامُوا، أَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ عَلَى وَلَدِهِ، فَقَالَ: إِنَّ لِقُرَيْشٍ دَرَجًا تَزُّلُ عَنْهَا أَقْدَامُ الرِّجَالِ، وَأَفْعَالا تَخْشَعُ لَهَا رِقَابُ الأَمْوَالِ، وَأَلْسُنًا تَكَلُّ مَعَهَا الشِّفَارُ الْمَشْحُوذَةُ، وَغَايَاتٍ تَقْصُرُ عَنْهَا الْجِيَادُ الْمَنْسُوبَةُ، فَلَوْ كَانْتِ الدُّنْيَا لَهُمْ، لَضَاقَتْ عَنْ سَعَةِ أَخْلاقِهِمْ، وَلَوِ احْتَفْلَتِ الدُّنْيَا مَا تَزَيَّنَتْ إِلا بِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ أُنَاسًا مِنْهُمْ تَخَلَّقُوا بِأَخْلاقِ الْعَوَامِّ، فَصَارَ لَهُمْ رِفْقٌ باللُّؤْمِ، وَخُرْقٌ بِالْحِرْصِ، فَلَوْ أَمَكَنَهُمْ قَاسَمُوا الطَّيْرَ أَرْزَاقَهَا، إِنْ خَافُوا مَكْرُوهًا تَعَجَّلُوا لَهُ الْغَمَّ، وَإِنْ عُجِّلَتْ لَهُمْ نِعْمَةٌ أَخَّرُوا عَلَيْهَا الشُّكْرَ، أَنْضَاءُ ذِكْرِ الْعَجْزِ، وَعَجَزَةُ حَمَلَةِ الشُّكْرِ وحدثني أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " قَطَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَنْ آلِ أَبِي سُفْيَانَ أَشْيَاءَ كَانَ يُجْرِيهَا عَلَيْهِمْ، لِتَبَاعُدٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْنَى حَقِّكَ مُتْعبٌ، وَتَقَصِّيِهِ فَادِحٌ، وَلَنَا مَعَ حَقِّكَ عَلَيْنَا حَقٌّ عَلَيْكَ، لِقَرَابَتِنَا مِنْكَ، وَإِكْرَامِ سَلَفِنَا لَكَ، فَانْظُرْ إِلَيْنَا بِالْعَيْنِ الَّتِي نَظَرُوا بِهَا إِلَيْكَ، وَضَعْنَا بِحَيْثُ وَضَعَتْنَا الرَّحِمُ مِنْكَ، وَزِدْنَا بِقَدْرِ مَا زَادَكَ اللَّهُ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَفْعَلُ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ عَطِيَّتِي مَنِ اسْتَعْطَاهَا، فَأَمَّا مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَغْنِي بِنَفْسِهِ فَسَنَكِلُهُ إِلَى ذَلِكَ. يُعَرِّضُ بِخَالِدٍ، ثُمَّ أَقْطَعَ عَمْرًا هِزَارَدرّ.

стр. 180

قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، فَقَالَ: أَبَالْحِرْمَانِ يُهَدِّدُنِي؟ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ يَدِهِ مَانِعَةٌ، وَعَطَاؤُهُ دُوْنَهُ مَبْذُولٌ، فَأَمَّا عَمْرٌو فَقَدْ أَعْطَى مِنْ نَفْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ مِنَ الْحَبْسِ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ، صَاحِبِ الدَّوْلَةِ: مِنَ الأَسْيرِ فِي يَدَيْهِ بِلا ذَنْبٍ إِلَيْهِ، وَلا خِلافٍ عَلَيْهِ، أَمَّا بَعْدُ، فَآتَاكَ اللَّهُ حِفْظَ الْوَصِيَّةِ، وَمَنَحَكَ نَصِيحَةَ الرَّعِيَّةِ، وَأَلْهَمَكَ عَدْلَ الْقَضِيَّةِ، فَإِنَّكَ مُسْتَوْدَعٌ وَدَائِعَ، ومَوْلَى صَنَائِعَ، فَاحْفَظْ وَدَائِعَكَ، وَأَصْلِحْ صَنَائِعَكَ، فَإِنَّ الْوَدَائِعَ عَارِيَةٌ، وَالصَّنَائِعَ رَعِيَّةٌ، فَلا النِّعَمُ عَلَيْنَا وَعَلَيْكَ بِمْنَذْورٍ نَدَاهَا، وَلا مَبْلُوغٍ مَدَاهَا، فَنَبِّهْ لِلْتَفَكُّرِ قَلْبَكَ، وَاتَّقِ اللَّهَ رَبَّكَ، وَأَعْطِ مِنْ نَفْسِكَ مَنْ هُوَ تَحْتَكَ مِنَ الْعَفْوُ مَا تُحِبُّ أنْ يُعْطِيَكَ مَنْ هُوَ فَوْقَكَ مِنَ الْعَدْلِ وِالرَّأْفَةِ وَالأَمْنِ مِنَ الْمَخَافَةِ، فَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِأَنْ فَوَّضَ أَمُورَنَا إِلَيْكَ، فَاعْرِفْ لَنَا حَقَّنَا، فَإِنَّ عَلَيْنَا مِنْ نَقْلِ الْحَدِيدِ وَثِقَلِهِ أَذًى شَدِيدًا، مَعَ مُعَالَجَةِ الأَغْلالِ، وَقِلَّةِ رَحْمَةِ الْعُمَّالِ، الَّذِينَ تَسْهِيلُهُمُ الْغِلْظَةُ، وَتَيْسِيرُهُمُ الْفَظَاظَةُ، وَإِيرَادُهُمْ عَلَيْنَا الْغُمُومُ، وَتَوْجِيهُهِمْ إِلَيْنَا الْهُمُومُ، وَزِيَادَتُهُمُ الْحِرَاسَةُ، وِبَشارَتُهُمُ الْإِيَاسَةُ، فَإِلَيْكَ نُرْفَعُ كُرْبَةَ الشَّكْوَى، وَنَشْكُو شِدَّةَ الْبَلْوَى، وَمَتَى تَمِلْ إِلَيْنَا طَرْفًا، وَتَرِدْنَا مِنْكَ عَطْفًا، تَجِدْ عِنْدَنَا نُصْحًا، وَوُدًّا صَرِيحًا، لا يُضَيْعُ مِثْلُكَ مِثْلَهُ، وَلا يَنْفِي مِثْلُكَ أَهْلَهُ، فَارْعَ حُرْمَةَ مَنْ بِحُرْمَتِهِ أَدْرَكْتَ، وَاعْرِفْ حُجَّةَ مَنِ بِحُجَّتِهِ فَلَجْتَ، فَإِنَّ النَّاسَ مَنِ حَوَضِكِ رِوَاءٌ، وَنَحْنُ مِنْهُ ظِمَاءٌ، يَمْشُونَ فِي الأَبْرَادِ وَنَحْجِلُ فِي الأَقْيَادِ، بَعْدَ الْخَيْرِ وَالسَّعَةِ وَالْخَفْضِ وَالدَّعَةِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلانُ، صَرِيخُ الأَخْيَارِ، وَمُنْجِي الأَبْرَارِ، النَّاسُ فِي دَوْلَتِنَا فِي رَخَاءٍ، وَنْحَنُ مِنْهَا فِي بَلاءٍ، حَيْثُ أَمِنَ الْخَائِفُونَ، وَرَجَعَ الْهَارِبُونَ، رَزَقَنَا اللَّهُ مِنْكَ التَّحَنُّنَ، وَظَاهَرَ عَلَيْنَا مِنْكَ التَّمَنُّنَ، فَإِنَّكَ أَمِينٌ مُسْتَوْدَعٌ، وَرَائِدٌ مُصْطَنَعٌ. فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ خَافَهُ فَقَتَلَهُ. حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي، مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفَسَهِ، وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا ظَهَرَتِ الْمُسَوِّدَةُ، فَقَالَ لِي: يَا عَمْرُو أقُتِلَ مَرْوَانُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.

стр. 181

قَالَ: يَا عَمْرُو إِنَّكَ خَلَفٌ فَلا تَخْلِفْ، إِنَّهُ قَدْ أَتَانِي مَا لا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أُخِرْتُ عَنْهُ، وَأُخِرْتَ أَنْتَ لَمَا أَرَاكَ سَتَتَمَنَّى الْمَوْتَ مَعَهُ، وَتَخَافُ الْهَلاكَ مِنْهُ، وَقَدْ وَقَعَتَ فِي بَحْرٍ عَمِيقٍ، شَدِيدِ الْوُصُولِ إِلَى السَّاحِلِ، وَالسَاحِلُ وَعْرٌ مَهُولٌ، وَمَنْ وَقَعَ بَيْنَ الْبَحْرِ وَالْوَعْرِ كَانَتْ رَاحَتُهُ أَنْ يَمُوتَ، وَهَذِهْ أَيَّامُ حَاجَتِكَ إِلَى نَفْسِكَ، وَحَاجَةُ حُرَمِكَ إِلَيْكَ، فَافْدِ حُرَمَكَ بِنَفْسِكَ، وَافْدِ نَفْسَكَ بِمَالِكَ، وَعِشْ حُرًّا عَنْ مِلْكِ الطَّمَعِ، وَإِنْ رَدَدْتَ الْجُوعَ بِالْمَاءِ. قَالَ عَمْرٌو: فَلَمَّا هَلَكَ أَبِي، وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ مُنْتَشِرُ الضِّيَاعِ، فَكُنْتُ لا أَنْزِلُ فِي قَبِيلَةٍ مِنَ الْقَبَائِلِ إِلا شُهِرَ أَمْرِي، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ عَزَمْتُ عَلَى لِقَاءِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ طَارِقٌ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ: فَوافَيْتُ عَمْرًا عَلَى بَابِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ يُرِيدُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ سَرَاوِيَلُ يُمْنَةٍ، وَطَيْلَسَانُ أَبْيَضُ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ مُتَنَكِّرًا، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ، قُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ، وَإِنَا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ مَا تَصَنْعُ الْحَدَاثةُ بِصَاحِبِهَا! أَهَذِهِ الثِّيَابُ مِنْ لِبَاسِ هَذَا الْيَوْمِ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا طَارُقُ مَا تَرَكْتُ فِي مَنْزِلِي شَيْئًا إِلا وَهُوَ أَشْهَرُ مِمَا تَرَى. قَالَ طَارِقٌ: فَأَخَذْتُ طَيْلَسَانِهِ وَأَعْطَيِتُهُ طَيْلَسَانِي وَشَمَّرْتُ سَرَاوِيلَهُ حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ كَعْبَهُ، ثُمَّ دَخَلَ وَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ، فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَنِي بِمَا جَرَى بَيْنَكُمَا. قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ لا يَعْرِفُنِي وَلا أَعْرِفُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ الْبَلاءَ لَفَظَنِي إِلَيْكَ وَفَضْلُكَ دَلَّنِي عَلَيْكَ، وَأَقَامَنِي رَجَاؤُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَإِمَّا أَنْ قَبِلْتَنِي غَانِمًا، وَإِمَّا رَدَدْتَنِي سَالِمًا. قَالَ: ومَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا عَمْرُو بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُمَرَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. قَالَ: اجْلِسْ، فَتَكَلَّمْ آمِنًا غَانِمًا، مَرْحَبًا بِكَ، فَمَا حَاجَتُكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ الْحُرَمَ اللاتِي أَنْتَ أَحَقُّ بِهِنَّ مِنَّا، وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِنِّ، بَعْدَنا قَدْ خِفْنَ لِخَوْفِنَا، ومَنْ خَافَ خِيفَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَوَضَعَ وِسَادَتَهُ، وَمَا أَجَابَنِي إِلا بِدُمُوعِهِ عَلَى خَدَّيْهِ. ثُمَّ قَالَ: تُصَانُ وَاللَّهِ حُرَمُكَ، ويُحْقَنُ دَمُكَ، فَكُنْ آمِنًا كَمُسْتَخْفٍ، وَمُسْتَخْفِيًا كَآمِنٍ، فَلَوْ أَمْكَنَنِي ذَلِكَ فِي سَائِرِ قَوْمِكَ فَعَلْتُ. قَالَ طَارِقٌ: فَذَهَبْتُ لِأُلْقِيَ عَلَيْهِ طَيْلَسَانَهُ، وَآخُذَ طَيْلَسَانِي، فَقَالَ: مَهْ، إِنَّ ثِيَابَنَا إِذَا زَايَلَتْنَا لَمْ تَعُدْ إِلَيْنَا. ثُمَّ كَتَبَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ قَدْ وَفَدَ إِلَيَّ وَافِدٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَإِنَّا إِنَّمَا قَاتَلْنَاهُمْ عَلَى عُقُوقِهِمْ لا عَلَى أَرْحَامِهِمْ، ثُمَّ يَجْمَعُنَا وَإِيَّاهُمْ عَبْدُ مَنَافٍ، فَحَقُّ الرَّحِمِ أَنْ تُبَلَّ وَلا تُوبَسَ، وَتُوصَلَ وَلا تُقْطَعَ، فَإِنْ رأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أنْ يَهَبَهُمْ لِي مُمْتَنًّا، وَيَجْعَلَ ذَلِكَ كِتَابًا عَامًّا فِي بُلْدَانِ خِلافَتِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ، عِنْدَنَا فَعَلَ. قَالَ: فَأَجَابَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَى مَا سَأَلَ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ أَمَانِ بَنِي أُمَيَّةَ.

стр. 182

لَمَّا نَزَلَ بِهِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَوْتُ نَظَرَ إِلَى وَلَدِهِ يَبْكُونَ حَوْلَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: جَادَ لَكَمْ هِشَامٌ بِالدُّنْيَا، وَجُدْتُمْ لَهُ بِالْبُكَاءِ، وَتَرَكَ لَكُمْ مَا جَمَعَ، وَتَرَكْتُمْ عَلَيْهِ مَا اكْتَسَبَ، مَا أَعْظَمَ مُنْقَلَبَ هِشَامٍ إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ. وَقَفَتْ عَائِشَةُ عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَتَمَثَّلَتْ: «وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً ... مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا ... لِطُولِ اجْتَمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا» وَمَرَّ عَلَيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِقَبْرِ طَلْحَةَ، فَتَمَثَّلَ: وَمَا تَدْرِي وَإِنْ أَزْمَعْتَ أَمْرًا ... بِأَيِّ الأَرْضِ يُدْرِكُكُ الْمَقِيلُ وَتَمَثَّلَ: فَتًى كَانَ يُدْنِيهِ الْغِنَى مِنْ صَدِيقِهِ ... إِذَا مَا هُوَ اسْتَغْنَى وَيُبْعِدُهُ الْفَقْرُ " وَقَفَتِ امْرَأَةُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَلَى قَبْرِهِ وَهِيَ أُمُّ كَثِيرٍ الْحَارِثِيَّةُ، فَقَالَتْ: الْجَلُّ يَحْمِلُهُ النَّفَرْ ... قَرْمٌ كَرِيمُ الْمُعْتَصَرْ أَبْكِي وَأَنْدُبُ صَاحِبًا ... لا عَيْنَ مِنْهُ وَلا أَثَرْ قَدْ خِفْتُ بَعْدَكَ أَنْ أُضَامَ ... وَأَنْ أُسَاءَ وَلا أَسَرْ أَوْ أَنْ أُسَامَ بِخِطَّتِي ... ضَيْمًا فَآخُذُ أَوْ أَذَرْ لِلَّهِ دَرُّكَ قَدْ غَنِيتَ ... وَأَنْتَ بَاقِعَةُ الْبَشَرْ وَوَقَفَ عَلَيْهِ مَصْقَلَةُ بْنُ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِيُّ، فَقَالَ: إِنَّ تَحْتَ الأَحْجَارِ حَزْمًا وَعَزْمًا ... وَخَصِيمًا أَلَدَّ ذَا مِغْلاقِ حَيَّةٌ فِي الْوَجَارِ أَرْبَدُ لا يَنْفَعُ ... مِنْهُ السَّلِيمَ نَفْثُ الرَّاقِي ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتَ شَدِيدَ الْعَدَاوةِ لِمَنْ عَادَيْتَ، كَرِيمَ الأُخُوَّةِ لِمَنْ آخَيْتَ. وَوَقَفَ الْحَجَّاجُ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ أَبَانٍ فَتَمَثَّلَ قَوْلَ زِيَادٍ الأَعْجَمِ: الْآنَ لَمَّا كُنْتَ أَكْمَلَ مَنْ مَشَى ... وَافْتَرَّ نَابُكَ عَنْ شَبَاةِ الْقَارِحِ وَتَكَامَلَتْ فِيكَ الْمُرُوءَةُ كُلُّهَا ... وَأَعَنْتَ ذَلِكَ بِالْفِعَالِ الصَّالِحِ وَوَقَفَتْ جَارِيَةٌ لِلْحَجَّاجِ عَلَى قَبْرِهِ، فَقَالَتْ: الْيَوْمَ يَرْحَمُنَا مَنْ كَانَ يَغْبِطُنَا ... وَالْيَوْمَ نَتَّبِعُ مَنْ كَانُوا لَنَا تَبَعَا حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: قَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ: " ثَلاثَةٌ لَوْ أَدْرَكْتُهُمْ لَقَتَلْتُهُمْ: مُقَاتِلُ بْنُ مَسْمَعٍ، فَإِنَّهُ أُعْطِيَ مَالا كَثِيرًا بِفَارِسَ، فَأَجْفَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] . تَأَوَّلَ الْفَاسِقُ كِتَابَ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وُعَبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ التَّيْمِيُّ، فَإِنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ أَعْجَبَ قَوْمَهُ، فَقَالُوا: أَكْثَرَ اللَّهُ فَيْنَا مِثْلَكَ. قَالَ: لَقَدْ سَأَلْتُمْ رَبَّكُمْ شَطَطًا. وَأَبُو سَمَّالٍ الأَسْدِيِّ، فَإِنَّ نَاقَتَهُ شَرَدَتْ، فَقَالَ: لَئِنْ لَمْ يَرْدُدْهَا رَبُّكُمْ لا أُصَلِّي صَلاةً، فَتَعَلَّقَ خِطَامُهَا بِعَرْفَجَةٍ، فَجَاءَ حَتَّى أَخَذَهَا، فَقَالَ: عَلِمَ رَبُّكُمْ أَنَّهَا مِنِّي صِرِّي

стр. 183

حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَسَنٍ مَوْلَى الرَّبِيعِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: " قَدِمَ الْحَجَّاجُ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَصَلَّى عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ وَثَبَ وَرَكِبَ الْوَلِيدُ، فَمَشَى الْحَجَّاجُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَلَيْهِ دِرْعٌ وَتِرْسٌ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: ارْكَبْ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي أَسْتَكْثِرُ مِنَ الْجِهَادِ، فَإِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَابْنَ الأَشْعَثِ شَغَلانِي عَنِ الْجِهَادِ، زَمَنًا طَوِيلا، فَعَزَمَ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ فَرَكِبَ، وَدَخَلَ مَعَ الْوَلِيدِ فَبَيْنَا هُوَ يَتَحَدَّثُ، وَهُوَ يَقُولُ: فَعَلْتُ بِأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَفَعَلْتُ، أَقْبَلَتْ جَارِيَةٌ فَسَارَّتِ الْوَلِيدَ، ثُمَّ انْصَرَفَتْ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَتَدْرِي مَا قَالَتِ الْجَارِيَةُ؟ قَالَ: لا. قَالَ: أَرْسَلَتْ إِلَيَّ أُمُّ الْبَنِينِ بِنْتُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ: إِنَّ مُجَالَسَتَكَ هَذَا الأَعْرَابِيَّ، وَهُوَ فِي سِلاحِهَ، وَأَنْتَ فِي غِلالَةٍ غَرَرٌ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهَا: إِنَّهُ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، فَرَاعَهَا ذَلِكَ، وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لأَنْ يَخْلُوَ بِكَ مَلَكُ الْمَوْتِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَخْلُوَ بِكَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وَقَدْ قَتَلَ أَحِبَّاءَ اللَّهِ، وَأَهْلَ طَاعَتِهِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا الْمَرْأةُ رَيْحَانَةٌ، وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ، لا تُطْلِعْهُنَّ عَلَى أَمْرِكَ، وَلا تُطْمِعْهُنَّ فِي سِرِّكَ، وَلا تَسْتَعْمِلْهُنَّ بِأَكْثَرَ مِنْ زِينَتِهِنَّ، وَلا تَكُونَنَّ لِمُجَالَسَتِهِنَّ بِلَزُومٍ، فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُنَّ صَغَارٌ وَذِلَّةٌ. ثُمَّ نَهَضَ وَخَرَجَ، فَدَخَلَ الْوَلِيدُ عَلَى أُمِّ الْبَنِينَ، فَأَخْبَرَهَا بِمَقَالَتِهِ. فَقَالَتْ: فِإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَأْمُرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالتَّسْلِيمِ عَلَيَّ، فَسَيَبْلُغُكَ الَّذِي يَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَغَدَا الْحَجَّاجُ عَلَى الْوَلِيدِ، فَقَالَ: ائْتِ أُمَّ الْبَنِينِ. قَالَ: اعْفِنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: لَتَفْعَلَنَّ. فَأَتَاهَا فَحَجَبَتْهُ طَوِيلا. ثُمَّ قَالَتْ: يَا حَجَّاجُ، أَأَنْتَ الْمُمْتَنُّ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ الأَشْعَثِ؟ وَكُنْتَ الْمَوْلَى غَيْرَ الْمُسْتَعْلَى، أَمَا وَاللَّهِ لَوْلا أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّكَ أَهْوَنُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، مَا ابْتَلاكَ بِرَمْي الْكَعْبَةِ، وَبِقَتْلِ ابْنِ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، ابْنِ حَوَارِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَّا ابْنُ الأَشْعَثِ فَلَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَعْلَى عَلَيْكَ حَتَّى عَجْعَجْتَ، وَوَالَى عَلَيْكَ الْهَزَائِمَ، حَتَّى غَوَّثْتَ.

стр. 184

فَلَوْلا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَادَى فِي أَهْلِ الْيَمَنِ، وَأَنْتَ فِي أَضْيَقِ مِنَ الْقَرْنِ فَأَظَلَّتْكَ رِمَاحُهُمْ، وَعَلاكَ كِفَاحُهُمْ لَكُنْتَ مَأْسُورًا فِيهِمْ، قَدْ أُخِذَ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ نِسَاءَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ نَفَضْنَ الْعِطْرَ عَنِ غَدَائِرِهِنَّ وَبِعْنَهُ فِي أَعَطِيَةِ أَوْلِيَائِهِ، وَأَمَّا مَا أَشَرْتَ بِهِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ قَطْعِ لَذَّاتِهِ، وَبُلُوغِ أَوْطَارِهِ مِنْ نِسَائِهِ، فَإِنْ يَكُنْ إِنَّمَا يَنْفَرِجْنَ عَنْ مِثْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَغَيْرُ مُجِيبِكَ إِلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كُنَّ إِنَّمَا يَنْفَرِجْنَ عَنْ مِثْلِ مَا انْفَرَجَتْ بِهِ أُمُّكَ الْبَظْرَاءُ، مِنْ ضَعْفِ الْغَرِيزَةِ، وَقُبْحِ الْمَنْظَرِ، فِي الْخَلْقِ وْالْخُلُقِ يَا لُكَعُ، فَمَا أَحَقَّهُ أنْ يَقْتَدِيَ بِقَوْلِكَ، قَاتَلَ اللَّهُ الَّذِي يَقُولُ، وَسِنَانُ غَزَالَةَ الْحَرُورِيَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْكَ: أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الْحَرْبِ نَعَامَةٌ ... رَبْدَاءُ تَنْفِرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ هَلا بَرَزْتَ إِلَى غَزَالَةَ فِي الْوَغَى؟ ... أَمْ كَانَ قَلْبُكَ فِي جَنَاحَيْ طَائِرِ صَدَعَتْ غَزَالَةُ قَلْبَهُ بِفَوَارِسٍ ... تَرَكَتْ نَوَاظِرَهُ كَأَمْسِ الدَّابِرِ ثُمَّ أَمَرَتْ جَارِيَةً لَهَا فَأَخْرَجَتْهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الْوَلِيدِ، قَالَ: مَا كُنْتَ فِيهِ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا سَكَتَتْ حَتَّى كَانَ بَطْنُ الأَرْضِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ ظَهْرِهَا. إِنَهَا ابْنَةُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: " هَنَّأَ رَجُلٌ رَجُلا فِي مَجْلِسِ الْحَسَنِ بِمَوْلُودٍ، فَقَالَ: هَنَّاكَهُ اللَّهُ، وَهَنَّاهُوكَ حَتَّى تَكُونَ كَهُ وَيَكُونَ كَكَ، فَقَالَ الْحَسَنُ: " وَاللَّهِ مَا يُبَالِي رَجُلٌ، أَطَمْطَمَ بِالْفَارِسِيَّةِ، أَمْ تَكَلَّمَ بِمِثْلِ كَلامِكَ ٣١٣ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّليُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: دَخَلَ عَمْرُو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ الزُّبَيْدِيُّ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعِنْدَهُ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادِ، وَشَرِيكُ بْنُ الأَعْوَرِ الَحَارِثَيَّانِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَأَبْرَامٌ بَنُو مَخْزُومٍ؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا ثَوْرٍ» ؟ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى خَالِكَ أَبِي سُلَيْمَانَ يَعْنِي خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَأَتَانِي بِثَوْرٍ وَقَوْسٍ وَكَعْبٍ، فَأَطْعَمَنِيهِ. فَقَالَ عُمَرُ: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَسَعَةً» . فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَكَ أَوْ لِي، قَالَ: «بَلِ لِي وَلَكَ» . قَالَ: كَلا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي آكُلُ الْجَدْعَةَ حَتَّى أُنِقَّهَا عَظْمًا عَظْمًا، وَأَشْرَبُ التِّبْنَ مِنَ اللَّبَنِ، رَثِيئَةً وَصَرِيفًا. قَالَ: فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ كَالْمُتَعَجِّبِ مِنْ قَوْلِهِ.

стр. 185

فَقَالَ الرَّبِيعُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ لَكَذَاكَ، وَإِنَّ الْخَيْلَ لَتَتَّقِي ذُرَاهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَانْتَعَلَتِ الْخَيْلُ الدِّمَاءَ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ نَقَصَ إِلَّنَا، وَقَطَعَ أَوَاصِرَنَا، فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، جَاوَرْتُ هَذَا الْحَيَّ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ عِشْرِينَ سَنَةً فَمَشَوْا إِلَيَّ بِالضَّرَّاءِ، وَدَبُّوا إِلَيَّ الْخَمْرَ، فَلَمَّا بَدَتْ لِي ضَبَابُ صُدُورِهِمْ، وَحَسَكُ قُلُوبِهِمْ، أَوْجَرْتُهُمْ أَمَرَّ مِنْ نَقِيعِ الْحَنْظَلِ، فَقَالَ شَرَيكُ بْنُ الأَعْوَرِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا أَعْجَزَنَا لَمَّا أَخَذَتْهُ أَنْيَابُنَا، وَكَلَّمَتْهُ أَظَافِرُنَا. فَقَالَ عَمْرٌو: إِلَيْكَ يَابْنَ الأَعْوَرِ، فَإِنِّي لا أَجْلِسُ عَلَى الدُّبُرِ، وَلا أُغْمَزُ غَمْزَ التِّينِ، وَلا يُقَعْقَعُ لِي بِالشِّنَانِ. قَالَ: فَلَمَّا خَشِيَ عُمَرُ أنْ يَتَفَاقَمَ الأَمْرُ بَيْنَهُمْ، وَيَخْرُجُوا إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا. قَالَ: " إِيهًا عَنْكُمُ الْآنَ. فَأَقْبَلَ عَلَى عَمْرٍو، فَقَالَ: يَا أَبَا ثَوْرٍ، لَقَدْ حَدَّثْتَ عَنْ نَفْسِكَ بِمَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ، وَلَقَدْ لَقِيتَ النَّاسَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلامِ، فَأَخْبِرْنِي: هَلْ صَدَفْتَ عَنْ فَارِسٍ قَطُّ "؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ الْكَذِبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا مُشْرِكٌ، فَكَيْفَ إِذْ هَدَانِي اللَّهُ لِلْإِسْلامِ؟ وَلَقَدْ قُلْتُ ذَاتَ يَوْمٍ لِخَيْلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ: هَلْ لَكُمْ فِي الْغَارَةِ؟ قَالُوا: عَلَى مَنْ؟ قُلْتُ: عَلَى بَنِي الْبَكَّاءِ. قَالُوا: مَغَارٌ بَعِيدٌ، عَلَى شِدَّةِ كَلَبٍ وَقِلَّةِ سَلَبٍ. قُلْتُ: فَعَلَى مَنْ؟ قَالُوا: عَلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ كِنَانَةَ، فَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ رِجَالَهُمْ خُلُوفٌ. فَخَرَجْتُ فِي خَيْلٍ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى وَادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهِمْ، فَدُفِعْتُ إِلَى قَوْمٍ سُرَاةٍ. فَقَالَ عُمَرُ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهُمْ سُرَاةٌ» ؟ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى قُبَابٍ عَظِيمَةٍ مِنْ أَدَمٍ، وَقُدُورٍ مُثْفَأَةٍ، وَإِبِلٍ وَغَنَمٍ. فَقَالَ عُمَرُ: «هَذَا لَعَمْرِي عَلامَةُ الْيُسْرِ» . وَقَالَ عَمْرٌو: فَانْتَهَيْتُ إِلَى أَعْظَمِهَا قُبَّةً. فَأَكْشِفُهَا عَنْ جَارِيَةٍ مِثْلِ الْمَهَاةِ، فَلَمَّا رَأَتْنِي ضَرَبَتْ يَدَهَا عَلَى صَدْرِهَا، وَبَكَتْ. فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: مَا أَبْكِي لِنَفْسِي وَلا عَلَى الْمَالِ. فَقُلْتُ: عَلامَ تَبْكِينَ؟ قَالَتْ: عَلَى جَوارٍ أَتْرَابٍ لِي، قَدْ أَلِفْتُهُنَّ، وَهُنَّ فِي هَذَا الْوَادِي. قَالَ: فَهَبَطْتُ الْوَادِيَ عَلَى فَرَسِي، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ قَاعِدٍ يَخْصِفُ نَعْلا لَهُ، وَإِلَى جَانِبِهِ سَيْفٌ مَوْضُوعٌ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ عَلِمْتُ أَنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ خَدَعَتْنِي، وَمَاكَرَتْنِي. فَلَمَّا رَآنِي الرَّجُلُ قَامَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ، ثُمَّ عَلا رَابِيَةً، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى قُبَابِ قَوْمِهِ مُطَّرِحَةً، حَمَلَ عَلَيَّ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ عَلِمْتُ إِذْ مَنَحْتَنِي فَاهَا ... وَلَحِقَتْنِي بُكْرَةً رَدَاهَا أَنِّي سَأَحْمِي الْيَوْمَ مِنْ حِمَاهَا ... يَا لَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي دَهَاهَا قَالَ: فَقُلْتُ مُجِيبًا لَهُ: عَمْرٌو عَلَى طُولِ السَّرَى دَهَاهَا ... بِالْخَيْلِ يُزْجِيهَا عَلَى وِجَاهَا حَتَّى إِذَا حَلَّ بِهَا احْتَوَاهَا ثُمَّ حَمَلْتُ عَلَيْهِ وَأَنَا أَقُولُ: أَنَا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَحْمُودُ الشِّيَمْ ... مُؤْتَمَنُ الْغَيْبِ وَفِيٌّ بِالذِّمَمْ

стр. 186

مِنْ خَيْرِ مَنْ يَمْشِي بِسَاقٍ وَقَدَمْ فَحَمَلَ عَلَيَّ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا ابْنُ ذِي الأَقْيَالِ أَقْيَالِ الْبُهَمْ ... مَنْ يَلْقَنِي يُودِ كَمَا أَوْدَتْ إِرَمْ أَتْرُكُهُ لَحْمًا عَلَى ظَهْرٍ وَضَمْ قَالَ: فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ، فَأَضْرِبُهُ أَحْذَرَ مِنَ الْعَقْعَقِ، وَيَضْرِبُنِي أَثْقَفَ مِنَ الْهِرِّ، فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِي قَرَبُوسِ سِرْجِي فَقَطَعَ الْقَرَبُوسَ، وَعَضَّ بِكَاثِبَةِ الْفَرَسِ، فَوَثَبْتُ عَلَى رِجْلِيَّ قَائِمًا، وَقُلْتُ: يَا هَذَا، مَا كَانَ لِيَلْقَانِي مِنَ الْعَرَبِ إِلا ثَلاثَةٌ: الْحَارِثُ بْنُ ظَالِمٍ لِلْسِنِّ وَالتَّجْرِبَةِ، وَعَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ لِلشَّرَفِ وَالنَّجْدَةِ، وَرَبِيعَةُ بْنُ مكدِّمٍ لِلْحَيَاءِ وَالْبَأْسِ، فَمَنَ أَنْتَ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ؟ قَالَ: بَلْ مَنْ أَنْتَ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ؟ قُلْتُ: أَنَا عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ، قَالَ: وَأَنَا رَبِيعَةُ بْنُ مُكَدَّمِ. قُلْتُ: فَاخْتَرْ مَنِّي إِحْدَى ثَلاثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ نَضْطَرِبَ بَسَيْفَيْنَا حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا، وَإِمَّا أَنْ نَصْطَرِعَ، فَأَيُّنَا صَرَعَ صَاحِبَهُ قَتَلَهُ، وَإِمَّا الْمُسَالَمَةُ. قَالَ: ذَاكَ إِلَيْكَ. فَاخْتَرْ. قُلْتُ: إِنَّ بِقَوْمِكَ إِلَيْكَ حَاجَةً، وَبِقَوْمِي إِلَيَّ حَاجَةً، وَالْمُسَالَمَةُ خَيْرٌ لِي وَلَكَ. ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي، وَقُلْتُ لَهُمْ: خَلُّوا مَا بِأَيْدِيكُمْ، فَلَوا رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَخَلَّيْتُمْ وَزِدْتُمْ. سَلُونِي عَنْ فَرَسِي مَا فَعَلَ. قَالَ: فَتَرَكْنَا مَا بِأَيْدِينَا وَانْصَرَفْنَا رَاجِعِينَ " ٣١٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْحِزَامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ أَخِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، عَمَّا تَكَلَّمَ بِهِ جَدُّهُ زَيْدُ بْنُ خَارِجَةَ بَعْدَمَا مَاتَ وَعْظًا , قَالَ: قَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ، أَنْصِتُوا. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أَحْمَدُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، فِي الْكِتَابِ الأَوَّلِ، صَدَقَ صَدَقَ، ثُمَّ قَالَ: جِيفَتَانِ قَدْ أَصَلَّتَا، وَهُمَا يَرْجُوَانِ رَحْمَةَ اللَّهِ، أَبُو بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، الضَّعِيفُ جِسْمهُ، الْقَوِيُّ فِي نَفْسِهِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَقْوَى الرِّجَالِ، الْقَوِيُّ الأَمِينُ، الَّذِي لا يُبَالِي فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ عُثْمَانَ، ثُمَّ قَالَ: أَمِيرُكُمُ الْيَوْمَ، لَهُ عَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا أَيُّهَا النَّاسُ، أَقْبِلُوا عَلَى أَمِيرِكُمْ، ثُمَّ أَعَادَ ذِكْرَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، أَمِيرُكُمْ، لَهُ عَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، أَنْتُمْ عَلَى مِنْهَاجِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، اسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، اللَّيِّنُ يُعَافِي النَّاسَ، ويُنْفِقُ الَمْالَ، فَمَنْ تَوَلَّى فَلا يَعْهَدَنَّ. ثُمَّ قَالَ: بِئْرُ أَرِيسٍ وَمَا بِئْرُ أَرِيسٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الصَّحِيفَةَ الَّتِي كَتَبَ بِهَا عَمْرُو بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ إِلَى عُثْمَانَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ خَبَرُهُ عَنْ فَتْحٍ فَتَحَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَنَصْرِهِ إِيَّاهُمْ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ سَوَاءً، وَلَكِنَّمَا يُفَضَّلُ بَيْنَ النَّاسِ أَعْمَالُهُمْ.

стр. 187

وَقَالَ: جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ، يُرَى مَعْ كُلِّ نَبِيٍّ أُمَّتُهُ جِثِيًّا. وَقَالَ: هَذِهِ الْجَنَّةُ وَهَذِهِ النَّارُ. ثُمَّ قَرَأَ مِنَ الْقُرْآنِ آيَاتٍ: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج: ١٥ - ١٧] وَقَالَ: جَاءَتِ الْفِتْنَةُ ثُمَّ ذَكَرَ الشُّهَدَاءَ، ثُمَّ كَبَّرَ: فَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَخَلادُ بْنُ سُوَيْدٍ، وَثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: خَلَتِ اثْنَتَانِ، وَبَقِيَتْ أَرْبَعٌ، انْفَضَّ النَّاسُ فَلا نِظَامَ لَهُمْ وَأَكَلَ قَوِيُّهُمْ ضَعِيفَهُمْ، وَقَالَ النَّاسُ: هَذَا أَمْرُ اللَّهِ، وَقَامَتِ السَّاعَةُ " قَالَ: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَأَخْبَرَتْنِي جَدَّتِي أُمُّ سَعْدِ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ: أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ زَيْدِ بْنِ خَارِجَةَ حِينَ تُوُفِّيَ، وَحِينَ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلامِ، فَأَخْبَرَتْنِي بِبَعْضِ مَا أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مَعْمَرٍ، وَلَمْ تَعِ ذَلِكَ كُلَّهُ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَكَانَ أَبُو الزِّنَادِ يُحَدِّثُ نَحْوَ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى، إِلا أَنَّ أَبَا الزِّنَادِ كَانَ يَقُولُ: صَدَقَ صَدَقَ. وَكَانَ يَقُولُ: كُنَّا أُخْوَةً ثَلاثَةً، جِيفَتَانِ قَدْ أَصَلَّتَا، وَالثَّالَثَةُ يَنْتَظِرُ رَحْمَةَ رَبِّهِ، وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فَمَنْ خَالَفَهُ فَلا يَعْهَدَنَّ بِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، هَلْ رَأَيْتَ لِي خَارِجَةَ وَسَعْدًا، ثُمَّ كَبَّرَ، فَكَأَنَّهُ رَآهُمْ، فَقَالَ: هَذَا فُلانٌ وَفُلانٌ، لِلنَّفَرِ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ إِبْرَاهِيمُ وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: جَاءَتِ الْفِتْنَةُ كَأَنَّهَا قِطَعُ اللَّيْلِ. وأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا، لا أَعْلَمُهُ إِلا رَدَّدَهَا ثَلاثًا، وَأَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي صِفَةِ عُمَرَ، أَنْ يَقُولَ: الَّذِي يَمْنَعُ النَّاسَ أَنْ يِأَكُلَ قَوِيُّهُمْ ضَعِيفَهَمْ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَضَتْ أَرْبَعٌ وَبَقِيَتْ ثَمَانٌ قَالَ: قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: " تُوُفِّيَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بَعْدَ وَفَاةِ زَيْدٍ رَجُلٌ آخَرُ، فَكَبَّرَ فِيمَا بَلَغَنَا، بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَاسْتَمَعُوا لَهُ. فَقَالَ: صَدَقَ زَيْدُ بْنِ خَارِجَةَ. لَمْ يَبْلغْنَا أَنَّهُ زَادَ عَلَى ذَلِكَ. وَتُوُفِّيَ رَجُلٌ ثَالِثٌ، فَقَالَ فِيمَا بَلَغَنِي: لَقِيتُ رَبِّي، وَلَقِيَنِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبًّا غَيْرَ غَضْبَانَ، وَالأَمْرُ أَيْسَرُ مِمَّا تَظُنُّونَ، فَلا تَغْتَرُّوا حَدَّثَنِي مَيْمُونٌ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: " أَرَدْتُ الْحَجَّ، فَقَالَتْ لِيَ امْرَأَةٌ كُنْتُ أَتَحَدَّثُ إِلَيْهَا: أَقِمْ فَطُفْ بِبَيْتِي سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ كَمَا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، وَارْكُضْ بَعِيرَكَ بِهِ كَمَا يُرْكِضُونَ إِبِلَهُمْ، وَاحْلِقْ رَأْسَكَ كَمَا يَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ، وَارْمِ جَارَتَنَا الَّتِي تَسْعَى بِنَا كَمَا يَرْمُونَ الْجِمَارَ، وَقَبِّلْنِي كَمَا يُقَبِّلُونَ الرُّكْنَ، قَالَ: فَفَعَلْتُ، فَقُلْتُ فِي ذَلِكَ: قَدْ كُنْتُ أَجْمَعْتُ حَجَّ الْبَيْتِ أَطْلُبُهُ ... وَالْقَلْبُ عَنْ حَجِّ ذَاكَ الْبَيْتِ مُشْتَجِرُ أَرَى خِلافًا ذَهَابَ الْبَيْتِ أَطْلُبُهُ ... وَهَهُنَا بَيْتُ جَمْلٍ مَا لَهُ سِتَرُ لِلَّهِ سَبعَةُ أَطْوَافٍ أَطُوفُ بِهِ ... كَمَا يَطُوفُونَ شِدًّا لَسْتُ أَقْتَصِرُ وَرَمْيُ جَارَتِهَا جَهْدِي كَرِمْيِهِمُ ... رُؤْسَ الْجِمَارِ الَّتِي تُرْمَى وتُبْتَدَرُ

стр. 188

فَسَوْفَ أَحْلِقُ رَأْسِي مِثْلَ حَلْقِهِمُ ... حَتَّى يَكِرُّوا وَرْأَسِي مَا لَهُ شَعَرُ وَسَوْفَ أَرْكُضُ نِضْوِي مِثْلَ رَكْضِهِمُ ... حَتَّى يَكِرُّوا وَهُوَ مُسْتَنْقَصٌ دَبَرُ كَانَتْ مَنَاسِكُهُمْ تَقْبِيلَهُمْ حَجَرًا ... وَمَنْ يُقَبِّلْكِ لا يَعْرِضْ لَهُ حَجَرُ لَوْ كَانَ أَدْرَكَهَا عُثْمَانُ أَوْ عُمَرُ ... مَا حَجَّ غَيْرَكَ عُثْمَانٌ وَلا عُمَرُ قَالَ: فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ الْبَكْرِيُّ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَلَى أنْ أَخْرَجْتَ أَبَا بَكْرٍ مِمَّا أَدْخَلْتَ فِيهِ الشَّيْخَيْنِ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، إِنِّي لَمْ أُخْرِجْهُ مِمَّا يَتَنَافَسُ النَّاسُ فِيهِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، قَالَ: " كُنْتُ مَعَ أَبِي بِالْيَمَامَةِ، وَقَدْ وَفَدَ عَلَى السَّرِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَنْشَدَنَا ابْنُ هَرْمَةَ: هَجَوْتُ الأَدْعِيَاءَ فَنَاصَبَتْنِي ... مَعَاشِرُ خِلْتُهَا عَرَبًا صِحَاحَا فَقُلْتُ لَهُمْ وَقَدْ نَبَحُوا جَمِيعًا ... عَلَيَّ فَلَمْ أَجِبْ لَهُمُ نُبَاحَا أَأَنْتُمْ مِنْهُمُ فَأَصُدَّ عَنْكُمْ ... وَأَنْسِبَكُمْ لِنِسْبَتِهِمْ صُرَاحَا وَإِلا فَاحْمَدُوا رَأْيِي فَإِنِّي ... أُزَحْزِحُ عَنْكُمُ الِابْنَ الْقُبَاحَا وَحَسْبُكُ تُهْمَةً لِصَحِيحِ قَوْمٍ ... يَمَدُّ عَلَى أَخِي سَقَمٍ جَنَاحَا حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزَّهْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ قَدْ أَسْمَاهُ نَسِيتُهُ كَانَ مَعَ السَّرِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ السَّرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: لَوَدِدْتُ أَنَّ ابْنَ هَرْمَةَ أَتَانِي، فَأَقُولَ لَهُ: لَوْ كَتَبْتَ إِلَيْهِ، فَيَقُولُ: أَكْرَهُ أَنْ يُكَلِّفَنِي مَا لا أَطِيقُ، فَكَتَبْتُ أَنَا إِلَى ابْنِ هَرْمَةَ، فَأَبَى أَنْ يَأْتِيَهُ إِلا أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ، ثُمَّ غُلِبَ صَبْرُهُ، فَشَخَصَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمَ دَخَلْتُ عَلَى السَّرِيِّ، فَأَخْبَرْتُهُ فَسُرَّ بِذَلِكَ، وَأَذِنَ لِلنَّاسِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُ هَرْمَةَ، وَكَانَ ذَمِيمًا، فَقَعَدَ وَقَعَدَ رَاوِيَتُهُ ابْنُ زَبَنَّجٍ، وكَانَ جَمِيلا وَسِيمًا. فَقَالَ لَهُ ابْنُ هَرْمَةَ: إِنِّي قَدْ مَدَحْتُكَ أَصْلَحَكَ اللَّهُ. فَأَنْشَدَ. فَقَالَ: هَذَا ابْنُ زَبَنَّجٍ يُنْشِدُ. فَأَنْشَدَ ابْنُ زَبَنَّجٍ، فَقَالَ لَهُ: مَرْحَبًا يَا أَبَا إِسْحَاقَ، مَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: جِئْتُكَ عَبْدًا مَمْلُوكًا. قَالَ: بَلْ حُرٌّ كَرِيمٌ. قَالَ: مَا تَرَكْتُ لِي مَالا إِلا رَهَنْتُهُ، وَلا صَدِيقًا إِلا كَلَّفْتُهُ. قَالَ: حَتَّى كَانَ لِي رَيَّانُ وَغَالِبٌ، وَهُمَا مَالانِ عَظِيمَانِ، جَعَلَ السُّلْطَانُ غَلَّتَهُمَا لِصَدَقَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ، يُنْفَقُ عَلَيْهَا، فَمَا يَخْرُجُ يُطْعِمُهُ النَّاسَ. قَالَ: وَكَمْ دَيْنُكَ؟ قَالَ: سَبْعُ مِائَةِ دِينَارٍ. قَالَ: هُوَ عَلَيَّ. قَالَ: فَمَكَثَ ابْنُ هَرْمَةَ أَيَّامًا، ثُمَّ قَالَ لِي: لَقَدْ غَرِضْتُ. فَقُلْتُ: قُلْ شِعْرًا تَذْكُرْ فِيهِ غَرَضَكَ، وَأَنْشِدْهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: إِنَّ الْحَمَامَةَ فِي نَخْلِ ابْنِ هَدَّاجِ ... هَاجَتْ فُؤَادَ سَقِيمِ الْقَلْبِ مُهْتَاجِ أَمَا مُخَبِّرُ أَنَّ الْغَيْثَ قَدْ نَتَجَتْ ... مِنْهُ عِشَارٌ تَمَامًا غَيْرَ إِخْدَاجِ شَقَّتْ سَوَائِفُهَا بِالْفَرْشِ مِنْ ملَلٍ ... إِلَى الأَعَارِفِ مِنْ حَزْنٍ وَأَوْلاجِ وَقَالَ فِيهَا: هَاجَ الْعَيِيُّ إِلَى شَوْقٍ فَهَيَّجَنِي ... فَعِجْتُ مِنْ قَلْبِ مَاضٍ غَيْرِ مُنْعَاجِ

стр. 189

وَابْنُ الزَّبَنَّجِ مِمَّا قَدْ يُهَيِّجُنِي ... بِحَلْقٍ مُنْتَحِبٍ بِاللَّيْلِ نَشَّاجِ فَأَمَرَ لَهُ بِدَيْنِهِ، وَأَمَرَ لَهُ بِمَالٍ غَيْرِ ذَلِكَ، أَرَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَلْفَ دِينَارٍ. ٣١٩ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» ٣٢٠ - حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نافع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» حَدَّثَنِي أَخِي هَارُونُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيِّ الْقَاضِي، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَرْفَجَةَ الْوَاشِجِيِّ مِنَ الأَزْدِ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ، قَالَ: " كُنْتُ فِيمَنْ كَانَ يَحْرُسُ خَشَبَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَدَارَتْ عَلَيَّ النَّوْبَةُ لَيْلَةً، فَبَيْنَا أَنَا بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، إِذَا رَجُلٌ يَهْمِسُ هَمْسًا خَفِيًّا حَتَّى وَقَفَ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَيْهَا، فَاعْتَمَدَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، عَوَّضَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ مِنْ قَتْلَتِكَ، وَأَثَابَكَ سُوءَ مُثْلَتِكَ، فَقَدْ كُنْتَ لِلْحَقِّ إِمَامًا، تَجْمَعُ بَيْنَ طَرَفَيْ لَيْلَتِكَ الصِّنَّبْرَةِ قَائِمًا، وَبَيْنَ طَرَفَيْ يَوْمِكِ الْقَائِظِ صَائِمًا، تَغْضَبُ فِي اللَّهِ، وَتَرْضَى لَهُ، حَدِبًا شَفِيقًا، تُنَفِّسُ كُلَّ خِطَةٍ مُرِبَّةٍ، وَتَحْبِسُ السِّرْبَ دُونَ الْكَلَأِ الْوَبِيلِ، إِنْ رَتَعَ لَمْ تَذْعُرْهُ، وَإِنْ سَكَنَ لَمْ تُنَفِّرْهُ، وَإِنْ بَغَا كُنْتَ لَهُ مُرْتَادًا، تَرَامُّهُ وَيُرَامُّكَ عَلَى ذَلِكَ، مَا كُنَّا وَكُنْتَ حَتَّى قَعَدَ بِنَا جَدُّنَا، وَنَابَكَ جَدُّكَ ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] قَالَ: ثُمَّ وَلَّى وَانْدَفَعَ يَقُولُ: أَأَلْحَقُ أَمْ لا إِنَّ خَيْرَ خِيَارِنَا ... صَرِيعٌ عَلَى أَيْدِي الْعُدَاةِ يَنْفِلُ تَهَادَاهُ ذُؤْبَانُ الْعَشَائِرِ بَيْنَهَا ... وَيَفْرِي لَهُ بِالْفَأْسِ جَذْعٌ مُرْقِلُ أَطُودًا مَنِيفًا مُشْمَخِرًّا مُمَرَّدًا ... رَسَا أَصْلُهُ بِالأَرْضِ لا يَتَحَلْحَلُ عَلَوْتُمْ بِهْ جِذْعًا لِيُعْرَفَ إِنَّمَا ... يُبَانُ الَّذِي يُخْفَى وَلا يُتَأَمَّلُ فَلَوْلا جَزَاءُ اللَّهِ كُلا بِفِعْلِهِ ... لَعَاشَ وَأَوْدَيْتُمْ وَلِلَّهِ مَوْئِلُ فَلِلَّهِ عَيْنًا مَنْ رَأَى مِثْلَ خَيْرِنَا ... قَتِيلا وَهَادَى النَّاسَ عُرْفًا جَبْأَلُ قَالَ: فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى أَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ أَنَا ابْنُ أَبِي ثَوْرٍ الْعَامِرِيُّ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا رُوِيتُمْ يَا أَهْلَ الشَّامِ مِنْ دِمَائِنَا، فَاشْرَبُوا مَا بَدَا لَكُمْ.

стр. 190

قَالَ: قُلْتُ: إِنَّكَ لَمُسْتَمِيتٌ! قَالَ: فَهَلْ إِلَى الْمَنِيَّةِ مِنْ سَبِيلٍ؟ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَرْفَجَةَ: فَوَاللَّهِ مَا مَنَعَنِي مِنْ قَتْلِهِ إِلا الْإِبْقَاءُ عَلَى نَفْسِي ٣٢٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ مَوْلَى مَنْبُوذٍ، قَالَ: " عَزَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَنْ مِصْرَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، فَدَخَلَ عَمْرٌو الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: كَيْفَ تَرَكْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ أَمِيرًا عَلَى عَمَلِهِ، جَاهِلا بِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَرِّ عُمَّالِكَ، قَالَ: شَتَمْتَنَا يَا عَمْرُ، قَالَ: إِنَّ الْمَعْزُولَ غَضْبَانُ وَلا أَحْسَبُنِي فَعَلْتُ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ كَثُرُوا عَلَيَّ فَاخْرُجْ حَتَّى تَعْذُرَنِي عِنْدَهُمْ. فَخَرَجَ عَمْرٌو، فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ الْعَصْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ إِلَى الْمِحْرَابِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، يَا مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ سَبَقَنِي فَرَأَى قَبْلِي، وَرَأَيْتُ بَعْدَهُ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ خَصَاصَةً إِلا أَلْصَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ، وَلا رَأَيْتُ خَيْرًا قَطُّ إِلا عَمَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ، أَوَ كَذَاكَ ذَاكَ، وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَجَزَاهُ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَيْرًا. قَالَ: ثُمَّ وَلِيَكُمْ أَبُو بَكْرٍ، فَسَارَ بِسِيرَتِهِ، وَحَذَا حَذْوَهُ، وَسَلَكَ سَبيِلَهُ، وَشَمَّرَ فِي أَمْرِ اللَّهِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، فِي خَلْقٍ ثَوِيبٍ، مَا لَهُ رِدَاءٌ، أَفَكَذَاكَ ذَاكَ، وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ، وَجَزَاهُ عَنِ الأُمَّةِ خَيْرًا. قَالَ: ثُمَّ وَلِيَكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ابْنُ حَنْتَمَةَ، عُمَرُ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵀، فَبَعَجَتْ لَهُ الأَرْضُ أَمْعَاءَهَا، وَفَلَذَتْ لَهُ كَبِدَهَا، وَنَكَتَتْ لَهُ مُخَّتَهَا، وَأَبْرَزَتْ لَهُ شَحْمَتَهَا، وَتَزَيَّنَتْ لَهُ بِزُخْرُفِهَا، وَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِ جُودًا، وَوَلَدَتْ لَهُ تَمَامًا، فَدَرَّتْ لَهُ غَزْرًا، فَقَبَضَ مِنْهَا قَبْضًا، وَمَصَّ ثَدْيَهَا مَصًّا، وَمَشَى فِي ضَحْضَاحِهَا، وَتَنَكَّبَ غَمْرَتَهَا مُشَمِّرًا إِزَارَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا، وَمَا ابْتَلَّتْ قَدَمَاهُ، أَوَ كَذَاكَ ذَاكَ. وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ، وَجَزَاهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَيْرًا. قَالَ: ثُمَّ وَلِيَكُمْ مِنْ بَعْدِهِ عُثْمَانُ، فَعَرَفْتُمْ وَأَنْكَرْتُمْ، وَقَالَ وَقُلْتُمْ، تَلُومُونَهُ وَيَعْذِرُ نَفْسَهُ. قَالُوا: فَمَهْ؟ قَالَ: فَارْفِقُوا بِهِ، فَإِنَّ الْكَسِيرَ يُجْبَرُ، وَإِنَّ الْحَسِيرَ يَبْلُغُ، وَإِنَّ الْهَزِيلَ يَسْمِنُ. أَقُولُ قُوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ. قَالَ: فِقِيلَ لِعُثْمَانَ: مَا بَلَغَ مِنْكَ أَحَدٌ مَا بَلَغَ عَمْرٌو. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ، قَالَ: يَا عَمْرُو، قَمِلَتْ فَرْوَتُكَ مُنْذُ عَزَلْنَاكَ عَنْ مِصَرَ.

стр. 191

قَالَ: إِنَّكَ إِمَامٌ، وَلا يجمُلُ بِي شَتْمُكَ، وَلَقَدْ قُلْتُ بِأَحْسَنَ مَا حَضَرَنِي، وَلَوْ حَضَرَنِي غَيْرُ ذَلِكَ لَفَعَلْتُ " حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ، قَالَ: لَمَّا هَرَبَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَإِخْوَتُهُ مِنْ حَبْسِ الْحَجَّاجِ اسْتَجَارُوا سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ بِفِلَسْطِينَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَجَّاجَ، فَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ آلَ الْمُهَلَّبِ خَانُوا مَالَ اللَّهِ، وَلَحِقُوا بِسُلَيْمَانَ. وَقَدْ كَانَ بَلَغَ الْوَلِيدَ هَرَبُ يَزِيدَ وَإِخْوَتِهِ، فَخَشِيَ أَنْ يَأْتِيَ يَزِيدُ خُرَاسَانَ، فَيَنْقُضَهَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَكَانُهُ عِنْدَ سُلَيْمَانَ أَعْجَبَهُ ذَلِكَ. وَكَتَبَ سُلَيْمَانُ إِلَى الْوَلِيدِ: أَمَّا بَعْدُ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ وَإِخْوَتَهُ لَجَئُوا إِلَيَّ، وَقَدْ أَمَّنْتُهُمْ، وَخَفِرْتُهُمْ، وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ أَغْرَمَهُمْ سِتَّةَ آلافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَدَّوْا مِنْهَا ثَلاثَةَ آلافِ أَلْفٍ، وَبَقِيَتْ ثَلاثَةُ آلافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَهِيَ عَلَيَّ، وَالسَّلامُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ: أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللَّهِ لا أُؤَمِّنُ يَزِيدَ ومَنْ مَعَهُ حَتَّى تَبْعَثَ بِهِمْ إِلَيَّ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ: أَمَّا بَعْدُ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّكَ إِنْ حَمَلْتَنِي عَلَى أَنْ أَبْعَثَ بِهِمْ، قَدِمْتُ عَلَيْكَ مَعَهُمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ: وَاللَّهِ لَئِنْ قَدِمْتَ عَلَيَّ مَعَهُمْ لا أُؤَمِّنهُمْ أَبَدًا، فَابْعَثْ بِهِمِ إِلَيَّ فِي وِثَاقٍ. قَالَ: فَبَعَثَ بِهِمْ سُلَيْمَانُ مَعَ ابْنِهِ أَيُّوبَ. وَقَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِذَا أَرَدْتَ الدُّخُولَ عَلَى عَمِّكَ فَادْخُلْ أَنْتَ وَيَزِيدُ، فِي سِلْسِلَةٍ، وَاقْرِنْ نَفْسَكَ مَعَهُمْ فَفَعَلَ أَيُّوبُ ذَلِكَ.

стр. 192

قَالَ: فَلَمَّا رَأَى الْوَلِيدُ ابْنَ أَخِيهِ مَعَ يَزْيدَ فِي سِلْسِلَةٍ، قَالَ: لَقَدْ بَلَغْنَا مَبْلَغًا شَاقًّا، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَفْسِي فِدَاؤُكَ، لا تُخْفِرْ ذِمَّةَ أَخِيكَ، فَإِنَّكَ أَحَقُّ مَنْ مَنَعِهَا، وَلا تَقْطَعْ رَجَاءَ مَنْ رَجَا السَّلامَةَ فِي جِوَارِهِ لِمَكَانِهِ مِنْكَ، وَلا تُذِلَّ مَنْ أَمَّلَ الْعِزَّ فِي الِانْقِطَاعِ إِلَيْهِ بِعِزَّةٍ مِنْكَ، ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابَ سُلَيْمَانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَوَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ لَوِ اسْتَجَارَ بِي عَدُوٌّ قَدْ نَابَذَكَ، وَجَاهَدَكَ، فَأَنْزَلْتُهُ، وَأَجَرْتُهُ، أَنَّكَ لا تُذِلُّ جَارِي، وَلا تُخْفِرُ جِوَارِي، عَلَى أَنِّي لَمْ أُجِرْ إِلا امْرَأً مُسْلِمًا، سَامِعًا مُطِيعًا، حَسَنَ الْبَلاءِ وَالأَثَرِ فِي الْإِسْلامِ، وَفِي طَاعَتِنَا، هُوَ وَأَبُوهُ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَقَدْ بَعَثْتُ بِهِ إِلَيْكَ، فَإِنْ كُنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا تَغْزُو قَطِيعَتِي، وإِلا خَفَارِ بِذَمَّتِي، وإِلَّا بَلاغِ فِي مَسَاءَتِي، فَقَدْ قَدَرْتَ إِنْ فَعَلْتَ، وَأَنَا أُعِيذُكَ بِاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مِنَ احْتِرَازِ قَطِيعَتِي، وَانْتِهَاكِ حُرْمَتِي، وَتَرْكِ بِرِّي وَصِلَتِي، فَوَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا تَدْرِي مَا بَقَاؤُكَ وَلا بَقَائِي، وَلا مَتَى يُفَرِّقُ الْمَوْتُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أنْ لا يَأْتِيَ عَلَيْنَا أَجَلُ الْوَفَاةِ إِلا وَهُوَ لِي وَاصِلٌ، وَلِحَقِّي مُؤَدٍّ، وَلِقَرَابَتِي حَافِظٌ، وَعَنْ مَسَاءَتِي نَازِعٌ، فَلْيَفْعَلْ، فَوَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَصْبَحْتُ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ أَسَرَّ مِنِّي بِرِضَاكَ وَسُرُورِكَ، وَإِنَّ رِضَاكَ مِمَّا أَلْتَمِسُ بِهِ رِضْوَانَ اللَّهِ، فَإِنْ كُنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تُرِيدُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ صِلَتِي وَمَبَرَّتِي وَإِعْظَامَ حَقِّي، فَتَجَاوَزْ لِي عَنْ يَزِيدَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَكُلُّ مَا طَالَبْتُمْ بِهِ فَهُوَ عَلَيَّ، وَالسَّلامُ. فَلَمَّا قَرَأَ الْوَلِيدُ الْكِتَابَ، قَالَ: لَقَدْ شَقَقْنَا عَلَى أَبِي أَيُّوبَ. ثُمَّ دَعَا أَيُّوبَ بْنَ سُلَيْمَانَ فَقَرَّبَهُ وَأَدْنَاهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَلاءَكُمْ عِنْدَنَا، أَهْلَ الْبَيْتِ، أَحْسَنُ الْبَلاءِ، فَمَنْ يَنْسَ ذَلِكَ فَلَسْنَا نَاسِيهِ، وَمَنْ يَكْفُرْهُ فَلَسْنَا كَافِرِيهِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ بَلائِنَا، أَهْلَ الْبَيْتِ، فِي طَاعَتِكُمْ، وَالطَّعْنِ فِي أَعْدَائِكُمْ فِي الْمَوَاطِنِ الْعِظَامِ، وَفِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، مَا الْمِنَّةُ فِيهِ عَلَيْنَا عَظِيمَةٌ. فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: اجْلِسْ، فَجَلَسَ، فَآمَنَهُ وَكَفَّ عَنْهُ، وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَرَدَّهُمْ إِلَى سُلَيْمَانَ. وَكَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَى الْحَجَّاجِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَصِلْ إِلَى يَزِيدَ وَإِخْوَتِهِ مَعَ سُلَيْمَانَ، فَلا تَعْرِضْ لَهُمْ، وَلا تُرَاجِعْنِي فِيهِمْ، وَالسَّلامُ

стр. 193

٣٢٤ - حَدَّثَنِي الْعُتْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدِ الْقَصْرِ، قَالَ: " دَخَلَ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي هَزَزْتُ ذَوَائِبَ الرِّجَالِ إِلَيْكَ، إِذْ لَمْ أَجَدْ مُعَوَّلا إِلا عَلَيْكَ، وَمَا زِلْتُ أَسْتَدِلُّ الْمَعْرُوفَ عَلَيْكَ، وَأَجْعَلُ النَّهَارَ إِلَيْكَ مَطِيَّتِي فَإِذَا أَلْوَى بي اللَّيْلُ، فَقُبِضَ الْبَصَرُ، وَعَفَا الأَثَرُ، أَقَامَ بَدَنِي وَسَافَرَ أَمَلِي، يَقُودُنِي نَحْوَكَ رَجَاءٌ، وَيَسُوقُنِي إِلَيْكَ بَلْوَى، فَالنَّفْسُ مُسْتَبْطِئَةٌ، وَالِاجْتِهَادُ عَاذِرٌ، وَإِذَا بَلَغْتُكَ فَقَطْ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: احْطُطْ عَنْ رَاحِلَتِكَ رَحْلَهَا. ثُمَّ قَالَ: يَا كَعْبُ، أَعْطِهِ ثَلاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا وَلَّى شَوَّالٌ، وَلِيَوْمِ الْحَمْلِ ثَلاثِينَ أَلْفًا أُخْرَى، ثُمَّ قَالَ: الْحَقَ بِصِهْرِكَ عُتْبَةَ. وَكَانَ عُتْبَةُ مُتَزَوِّجًا بِابْنَةَ يَعْلَى. قَالَ: فَخَرَجَ إِلَى مِصْرَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى عُتْبَةَ، قَالَ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ إِنِّي سِرْتُ إِلَيْكَ شَهْرَيْنِ أَخُوضُ فِيهِمَا الْمَتَالِفَ، أَلْبَسُ أَرْدِيَةَ اللَّيْلِ مَرَّةً، وَأَسِيرُ فِي لُجَجِ السَّوَادِ أُخْرَى، مُوقِرًا مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِكَ، هَارِبًا مِنْ دَيْنٍ قَدْ آدَنِي بَعْدَ غِنَاءٍ، جَدَعْنَا بِهِ أُنُوفَ الْحَاسِدِينَ، فَلَمْ أَجِدْ إِلا إِلَيْكَ مَهْرَبًا وَإِلا عَلَيْكَ مُعَوَّلا. فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلا، إِنَّ الدَّهْرَ أَعَارَكُمْ غِنًى، وَخَلَطَكُمْ بِنَا، ثُمَّ اسْتَرَدَّ مَا أَمْكَنَهُ أَخْذَهُ، وَقَدْ أَبْقَى لَكُمْ مِنَّا مَا لا ضَيْعَةَ عَلَيْكُمْ بَعْدَ مَا بَقِيَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْنَا، وَأَنَا رَافِعٌ يَدَيَ وَيَدَكَ بِيَدِ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: كَمْ أَعْطَاكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: سِتِّينَ أَلْفًا، فَأَمَرَ لَهُ بِمِثْلِهَا " حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: دَخَلَتْ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَقَالَ لَهَا مَرْوَانُ: وَيْحَكِ يَا لَيْلَى أَكَانَ تَوْبَةُ كَمَا نَعَتِّ؟ قَالَتْ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا قُلْتُ إِلا حَقًّا، وَلَقَدْ قَصَّرْتُ، وَمَا رَأَيْتُ رَجُلا قَطُّ كَانَ أَرْبَطَ جَأْشًا عَلَى الْمَوْتِ مِنْهُ، وَلا أَقَلَّ انْحِيَاشًا حِينَ تَحْتَدِمُ بَرَاكَاءُ الْحَرْبِ، ويَحْمَى الْوَطِيسُ وَتَهِرُّ الْكُمَاةُ أَقْرَانَهَا، كَانَ وَاللَّهِ كَمَا قُلْتُ: فتًى لَمْ يَزَلْ يَزْدَادُ خَيْرًا لَدُنْ نَشَا ... إِلَى أَنْ عَلاهُ الشَّيْبُ فَوْقَ الْمَسَائِحِ شُجَاعٌ إِذَا الْهَيْجَاءُ شَبَّتْ مُشَايِحٌ ... إِذَا حَادَ عَنْ أَقْرَانِهِ كُلُّ شَائِحِ تَرَاهُ إِذَا مَا الْمَوْتُ دَرَّ بِوَدْقِهِ ... ضَرُوبًا طَلَى أَقْرَانِهِ بِالْصَفَائِحِ فَعَادَ حَمِيدًا لا ذَمِيمًا فِعَالُهُ ... وَصُولا لِقُرْبَاهُ يُرَى غَيْرَ كَالِحِ فَقَالَ لَهَا مَرْوَانُ: يَا لَيْلَى كَيْفَ يَكُونُ تَوْبَةُ كَمَا تَقُولِينَ، وَكَانَ خَارِبًا؟ قَالَتْ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، مَا كَانَ خَارِبًا وَلا لِلْمَوْتِ هَائِبًا، وَلَكِنَّهُ فَتًى كَانَتْ فِيهِ جَاهِلِيَّةٌ، وَلَوْ طَالَ عُمْرُهُ وَأَنْسَأَهُ الْمَوْتُ لارْعَوَى قَلْبُهُ، وَلَقَضَى مِنْ لَهْوٍ نَحْبَهُ، وَلَكِنَّهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَمِّهِ سَلَمَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ:

стр. 194

لِلَّهِ قَوْمٌ غَادَرُوا ابْنَ حِمْيَرَ ... أَخَاهُمْ صَرِيعًا بِالسُّيُوفِ الْبَوَاتِرِ لَقَدْ غَادَرُوا حَزْمًا وَحِلْمًا وَنَائِلا ... وَصَبْرًا عَلَى الْيَوْمِ الْعَمَاسِ الْقُمَاطِرِ إِذَا هَابَ وِرْدَ الْمَوْتِ كُلُّ صَفَنْدَدٍ ... عَظَيِمُ الْحَوَايَا خَيْرُهُ غَيْرُ حَاضِرِ مَضَى قُدُمًا حَتَّى يُعَامِسَ حَمْيَهُ ... وَجَادَ بِسَيْبٍ فِي السِّنِينَ الْقَوَاسِرِ يَرَى الْجُودُ مَالا يَحْتَوِيهِ وَصَبْرُهُ ... عَلَى الْمَوْتِ حَقًّا فَاعْتَلَى كُلَّ فَاخِرِ فَقَالَ لَهَا مَرْوَانُ: أَبَى اللَّهُ يَا لَيْلَى إِلا مَا أَرَادَ، فَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ دَرْكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ هَلَكَ تَوْبَةُ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ فِتْيَانِ الْعَرَبِ وَسِبَاعِهِمْ، وَلَكِنَّهُ أَدْرَكَهُ الشَّقَاءُ فَهَلَكَ، وَهُوَ ذَمِيمُ الْفِعَالِ، وَتَرَكَ لِقَوْمِهِ عَدَاوَةً أُخْرَى اللَّيَالِي، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى أُنَاسٍ مِنْ بَنِي عَقِيلٍ، فَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لَئِنْ بَلَغَنِي عَنْكُمْ أَمْرٌ أَكْرَهُهُ مَنْ أَجْلِ تَوْبَةَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ، عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، فَإِيَّاكُمْ وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ، وَالتَّشَبُّهَ بِأَهْلِهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَاءَ بِالْإِسْلامِ، وَهَدَمَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَإِنَّ تَوْبَةَ قُتِلَ، وَكَانَ لِلَّهِ عَدُوًّا خَارِبًا، لا يِأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ، فَالْحَمْدُ لِلِّهِ الَّذِي كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ، ثُمَّ قَالَ: مَضَى لا حَمِيدًا يَرْتَجِيهِ صَدِيقُهُ ... وَلا خَائِفًا مِنْهُ الْعَدُوُّ الْمُحَارِبُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ: وَهَذا الْبَيْتُ لِابْنِ الْبَرْصَاءِ الْمُرِّيِّ، قَالَهُ لِأَحْمَرَ بْنِ سَالِمٍ الْمُرِّيِّ الَّذِي يَقُولُ: مُقِلٌّ رَأَى الْإِقَلالَ عَارًا فَلَمْ يَزَلْ ... يَجُوبُ بِلادَ اللَّهِ حَتَّى تَمَوَّلا إِذَا جَابَ أَرْضًا أَوْ ظَلامًا رَمَتْ بِهِ ... مَهامِهُ أُخْرَى عِيسُهُ مُتَقَلْقِلا وَلَمْ يُثْنِهِ عَمَّا أَرَادَ مَهَابَةً ... وَلَكِنْ مَضَى قُدُمًا وَمَا كَانَ مُسْبَلا فَلَمَّا أَفَادَ الْمَالَ جَادَ بِفَضْلِهِ ... لِمَنْ جَاءَهُ يَرْجُو جَدَاةً مُؤَمِّلا وَأَعْطَى جَزِيلا مَنْ أَرَادَ عَطَاءَهُ ... وَذُو الْبُخْلِ مَذْمُومًا يَرَى الْبُخْلَ أَفْضَلا كَئِيبًا فَمَا يُرْجَا بِخَيْرٍ وَلا يُرَى ... بِجُودٍ لِمَنْ يَرْجُو جَدَاهُ تَفَضُّلا فَشَتَّانَ ذُوُ الْبُخْلِ الذَّمِيمُ وَذُو النَّدَى ... إِذَا ذُكِرَا أَوْ نَازَعَا الْمَجْدَ مَحْفَلا يُقَالُ ذَمِيمٌ لَيْسَ يُرْجَا فُضُولُهُ ... قَطُوبٌ إِذَا مَا جِئْتَهُ مُتَوَسَّلِا بَدَاكَ بَلا وَالْبُخْلُ مِنْهُ سَجِيَّةٌ ... فَمَا يَسْتَطِيعُ الْجُودَ إِلا كَلا وَلا وَذُو الْجُودِ يُعْطِي ضَاحِكًا مُتَبَرِّعًا ... إِذَا جَاءَ أَمْسَى لِلتَّبَرُّعِ أَجْمَلا يَرَى الْحَقَّ بَذَلَ الْمَالِ وَالْجُودَ بِالنَّدَى ... إِذَا الْبَاخِلُ الْهَيَّابُ عَنْ ذَاكَ أَجْبَلا فَلِلَّهِ مَفْقُودٌ جَوَادٌ بِمَالِهِ ... لَقَدْ مَاتَ مَحْمُودَ الْفِعَالِ مُرَقَّلا فَلا زَالَ يُسْقَى مُسْتَهِلًّا سَحَابُهُ ... يَدَ الدَّهْرِ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ قُرْمُلا وَلا زَالَ مَذْكُورًا بِخَيْرٍ وَصَالِحٍ ... حَمِيدًا ثَنَاهُ مَجْدُهُ لَمْ يُحَلْحَلا وَلا زَالَ ذُو الْبُخْلِ الضَّنِينُ بِمَالِهِ ... ذَمِيمًا إِذَا سَامَ الرِّجَالُ مُذَلَّلا مَضَى وَبَقَى مَا كَانَ حَازَ لَوَارِثٍ ... فَأَعْطَى ذَوِي الأَرْحَامِ يَوْمًا وَأَفْضَلا فَقِيلَ جَزَى الرَّحْمَنُ خَيْرًا أَخَا النَّدَى ... وَلا زَالَ مَلْعُونًا أَخَا الْبُخْلِ مُتْبِلا

стр. 195

قَالَ: فَدَخَلَ الأَحْمَرُ بْنُ سَالِمِ الْمُرِّيُّ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَحْمَرُ كَيْفَ قُلْتَ: مُقِلٌّ رَأَى الْإِقَلالَ عَارًا فَلَمْ يَزَلْ ... يَجُوبُ بِلادَ اللَّهِ حَتَّى تَمَوَّلا فَأَنْشَدَهُ، فَأَصْغَى إِلَيْهِ مُطْرِقًا فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ لَهُ: حَاجَتُكَ؟ قَالَ: أَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَى بِالْجَمِيلِ عَيْنًا، فَافْعَلَ مَا أَنْتَ أَهْلُهُ، فَإِنِّي لَمَا أَوْلَيْتَنِي غَيْرُ كَافِرٍ. فَأَمَرَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بِعَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، وَأَلْحَقَهُ فِي الشَّرَفِ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ يَقُولُ: بِكَفِّ ابْنِ مَرْوَانٍ حَيِيتُ وَنَاشَنِي ... إِلَهِيَ مِنْ دَهْرٍ كَثِيرِ الْعَجَائِبِ فَأَدْرَكَنِي وَالرُّكْنُ مِنِّي مُضَعْضَعٌ ... وَقَدْ أَشْرَفَ الأَعْدَاءُ مِنْ كُلِّ جَانِبِ وَقَالُوا هُوَ الْمُرِّيُّ سَيِّدُ قَوْمِهِ ... عُرُوقٌ نَمَتْهُ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ فَقُلْتُ بِحَمْدِ اللَّهِ لا حَمْدِ غَيْرِهِ ... وَحَمْدِ ابْنِ مَرْوَانٍ نَجَوْتُ وَصَاحِبِي مِنَ اللَّيْثِ إِذْ نَحَّى إِلَيَّ بَنَانَهُ ... وَكَانَ أَلِيمًا أَخْذُهُ لِلْمَحَارِبِ فَأَفْلَتُّ مِنْهُ بَعْدَمَا قَدْ تَشَبَّثَ ... بِشِلْوِيَ مِنْهُ مُوجَدَاتِ الْمَخَالِبِ وَكَانَ ابْنُ مَرْوَانَ يَرْأَبُ الثَّأَى ... وَيُشْعِبُ مَا أَعْيَا بِهِ كُلُّ شَاعِبِ وَيُعْطِي الْمُنَى مَنْ جَاءَهُ مُتَنَصِّفًا ... وَفَوْقَ الْمُنَى وَرَغْبَةَ الْمُتَرَاغِبِ وَكَمْ لِابْنِ مَرْوَانٍ عَلَى النَّاسِ مِنْ يَدٍ إِذَا ذُكِرَتْ لَمْ تُخْزِهِ فِي الْمَحَاصِبِ تَدَارَكَ دِينَ اللَّهِ إِذْ هُدَّدَ رُكْنُهُ ... وَأَطْمَعَ فِيهِ كُلُّ نَكْسٍ وَجَانِبِ بِحَزْمٍ وَجِدٍّ لا يُجَارَى وَجِدَّةٍ ... وَصَبْرٍ عَلَى وَقْعِ السُّيُوفِ الْقَوَاضِبِ وَحِلْمٍ عَنِ الْجُهَّالِ إِذَا شَنَفُوا لَهُ ... وَسَارُوا بِجَمْعٍ مُطْلَخِمِّ الْكَتَائِبِ فَنَازلَهُمْ بِالسِّيفِ صَلْتًا وَنَاصِرٌ ... مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَائِبِ فَوَلَّى جُمُوعُ الْمُلْحِدِينَ وَأَدْبَرُوا ... كَمَا أَدْبَرَتْ مِلَ الأُسْدِ نُورُ الثَّعَالِبِ وَقَوَّمَ دَيْنَ اللَّهِ مَرْوَانُ وَابْنُهُ ... وَلَمْ يَرْجُمَا مَا جَمَّعُوا بِالتَّكَاذُبِ هُمَا صَدَقَا الأَعْدَاءَ فِي مُرْجَحِنَّةٍ ... تَوَلَّوا حَذَارَ الشَّرْمَحِيِّ الْضُبَاضِبِ الشَّرْمَحِيُّ مِنَ الرِّجَالِ: التَّامُّ الْجَمِيلُ الْكَرِيمُ. وَلَوْ وَقَفُوا صَارُوا حَدِيثًا لِخَلْفِهِمْ ... كَمَا حَدَّثَ الأَقُوَامُ عَنْ أَهْلِ مَأْرِبِ وَقَامَ لَنَا مِنْ بَعْدُ مَرْوَانُ وَابْنُهُ ... بِحَزْمٍ وَرَأْيٍ غَيْرِ هَدٍّ مُوَارِبِ فَدَوَّخَ مَنْ عَادَى الْإِلَهَ بِصَوْلَةٍ ... يُبَصْبِصُ مِنْهَا كُلُّ خِرْقٍ مُحَارِبِ فَلَمَّا أَنْشَدَ عَبْدَ الْمَلِكِ، قَالَ: أَحْسَنْتَ، وَيْحَكَ يَا ابْنَ سَالِمٍ هَلْ كُنْتَ هَيَّأْتَ شَيْئًا مِمَّا قُلْتَ قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: لا. قَالَ: وَيْحَكَ، فَقَدْ أَمْكَنَكَ الْقَوْلُ، فَلا تُكْثِرْ، وَقَلِيلٌ كَافٍ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ غَيْرِ شَافٍ. ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِخُلْعَةٍ، وَأَرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ وَحَمَلَهُ. فَقَالَ: الْزَمْ بَابِي، وَإِيَّاكَ وَأَعْرَاضَ النَّاسِ، فَإِنِّي أَرَى لَكَ لِسَانًا لا يدَعُكَ حَتَّى يُوقِعَكَ فِي وَرْطَةٍ يَوْمًا، فَاحْذَرْ أَنْ يُورِدَكَ شِعْرُكَ مَوْرِدَ سُوءٍ يُصَيِّرُكَ تَحْتَ كَلْكَلِ هَزَبْرِ أَبِي شِبْلٍ يُضْغِمُكَ ضَغْمًا لا بَقِيَّةَ بِعْدَ ضَغْمِهِ فِيكَ. فَلَمْ يَلْبَثِ الأَحْمَرُ بْنُ سَالِمِ أنْ قَدِمَ الْعِرَاقَ فَهَجَا الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ، قَالَ فِي هِجَائِهِ لَهُ:

стр. 196

ثَقِيفٌ بَقَايَا مِنْ ثَمُودٍ وَمَالَهُمْ ... أَبٌ مَاجِدٌ مِنْ قَيْسِ عَيْلانَ يُنْسَبُ إِذَا انْتَسَبُوا فِي قَيْسِ عَيْلانَ كُذِّبُوا ... وَقَالُوا: ثَمُودٌ جَدُّكُمْ وَالْفَخَرْنَبُ هُمُ وَلَدُوكُمْ غَيْرَ شَكٍّ فَيَمِّمُوا ... بِلادَ ثَمْودٍ حَيْثُ كَانُوا وَأَعْذِبُوا وَأَنْتَ دَعِيٌّ يَا ابْنَ يُوسُفَ فِيهِمُ ... زَنِيمٌ إِذَا مَا حُصِّلُوا تَتَذَبْذَبُ فَطَلَبَهُ الْحَجَّاجُ، وَأَجْعَلَ فِيهِ وَتَقَدَّمَ إِلَى سَائِرِ عُمَّالِهِ أَنْ لا يُفْلِتْهُ، فَأَخَذَهُ صَاحِبُ هِيتَ، وَوَجَّهَ بِهِ مُقَيَّدًّا، فَلَمَّا أُدْخِلَ عَلَى الْحَجَّاجِ. قَالَ: مَا جَزَاؤُكَ عِنْدِي إِلا أَنْ أُعَذِّبَكَ بِمَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ مِنْ أَلِيمِ عَذَابِهَ، فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ. وَقَالَ الْحَجَّاجُ مَتَمَثِّلا بِقَوْلِ ابْنِ مَخْلاةَ الْكَلْبِيِّ يَهْجُو هَمَّامَ بْنَ قَبِيصَةَ النَّمِيرِيَّ، وَكَانَ هَمَّامٌ ضَرَبَهُ عَلَى وَجْهِهِ ضَرْبَةً شَتَرَ عَيْنَهُ، فَلَمْ يَزَلْ أَشْتَرَ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ: بِمَا جَرَمَتْ كَفَّاكَ لاقَيْتَ مَا تَرَى ... فَلا يُبْعِدُ الرَّحْمَنُ غَيْرَكَ هَالِكَا غَمَصْتَ نَعِيمًا لَمْ تَكُنْ أَنْتَ أَهْلَهُ ... فَصَادَفْتَ لَيْلا مَوْجُهُ الرُّكْنُ تَامِكَا فَقَضْقَضَ رَكُنًا طَالَ مَا كَانَ آيِبًا ... وَأَصْبَحَ تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ سَوَامِكَا فَبُعْدًا لِمْنَ يُبْكِيكَ مَا هَبَّتَ الصَّبَا ... وَسُحْقًا فَقَدْ لاقَيْتَ لَيْثًا مُعَارِكَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ: وَكَانَ الأَحْمَرُ بْنُ سَالِمٍ وَالْعَلاءُ بْنُ عَتْوَارَةَ اللَّيْثِيُّ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لَحِقَ الأَحَمْرُ بِبِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ، فَطَلَبَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرَبِيِّ فَظَفَرَ بِهِ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ فِيهِ، فَأَمَّنَهُ، وَأَمَّا ابْنُ عَتْوَارَةَ فَقَتَلَهُ، بَعْدَ ذَلِكَ شَبِيبٌ الْحَرُورِيُّ مِعَ الْحَجَّاجِ، وَكَانَ ابْنُ عَتْوَارَةَ شُجَاعًا وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: مَا أُبَالِي إِذَا لَبِسْتُ سِلاحِي ... وَرَكِبْتُ الْجَوَادَ مَا قُلْتُمَا لِي مَا سَئِمْتُ الْقِتَالَ مُذْ كُنْتُ غَرًّا ... يَافِعًا لَذَّتِي مَعَ الْجُهَّالِ أَحْسَبُ الْمَوْتُ شَرْبَةً مِنْ عُقَارٍ ... شُعْشِعَتْ لِي بِمَاءٍ عَذْبٍ زُلالِ فَانْقَضَتْ شِرَّتِي وَلاحَ بَيَاضٌ ... وَاضِحٌ عَمَّ مِفْرَقِي وَقَذَالِي وَتَجَنَّيْتُ بَعْدَ حُسْنِ قَوَامٍ ... بَعْدَما كُنْتُ رَائِعًا لِلرِّجَالِ رُبَّ قَرْنٍ رَأَيْتُهُ مُسْلَحِبًّا ... فَوْقَ عِرْنِينِهِ سِفَاهُ الشِّمَالِ مُجْلَعِبًّا حَشَوْتُهُ أَزْرَقِيًّا ... صَادِقًا وَقْعُهُ غَدَاةَ النِّزَالِ أَنْشَدَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لِلَيْلَى الأَخْيَلِيَّةِ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ ﵁: قُتِلَ ابْنُ عَفَّانَ الْإِمَامُ ... فَضَاعَ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَا وَتَشَتَّتَ سُبُلُ الرَّشَادِ ... بِصَادِرِينَ وَوَارِدِينَا فَانْهَضْ مُعَاوِيَ نَهْضَةً ... تُشْفِي بِهَا الدَّاءَ الدَّفِينَا أَنْتَ الَّذِي مِنْ بَعْدِهِ ... تُدْعَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَا أَنْشَدَنِي عَمِّي لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ ﵁: قَتَلْتُمْ وَلِيَّ اللَّهِ فِي جَوْفِ دَارِهِ ... وَجِئْتُمْ بِأَمْرٍ جَائِرٍ غَيْرِ مُهْتَدِي فَلا ظَفَرَتْ أَيْمَانُ قَوْمٍ تَظَاهَرَتْ ... عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ الرَّشِيدِ الْمُسَدَّدِ وَأَنْشَدَنِي أَيْضًا لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ ﵁: فَكَفَّ يَدَيْهِ ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَهُ ... وَأَيْقَنَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بَغَافِلِ

стр. 197

وَقَالَ لِأَهْلِ الدَّارِ أَلا تُقَاتِلُوا ... عَفَا اللَّهُ عَنْ كُلِّ امْرِئٍ لَمْ يُقَاتِلِ فَكَيْفَ رَأَيْتَ اللَّهَ أَلْقَى عَلَيْهِمُ العَدَاوَةَ ... وْالْبَغْضَاءَ بَعْدَ التَّوَاصُلِ وَكَيْفَ رَأَيْتَ الْخَيْرَ أَدْبَرَ بَعْدَهُ ... عَنِ النَّاسِ إِدْبَارَ النَّعَامِ الْجَوَافلِ سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، يَقُولُ: " قِيلَ لِبْعَضِ السَّلَفِ: أَتَرْجُو الأَجْرَ فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَرَأَيْتَ لَوْ فَعَلْتَ شَيْئًا وَهُوَ حَرَامٌ، أَكُنْتَ تَخَافُ الْإِثْمَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَارْجُ الَأَجْرَ فِيمَا أُحِلَّ لَكَ، كَمَا تَخَافُ الْإِثِمْ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ ". حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْوَاقِدِيَّ، يَقُولُ: " كَانَ أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ مِنْ عُقَلاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَكَانَ، يَقُولُ: إِذَا رَأَيْتُمُونِي أَبْلغُ بِمْنَ أَنْكَحْتُهُ أَوْ نَكَحْتُ إِلَيْهِ السُّلْطَانَ فَاعْلَمُوا أَنِّي مَجْنُونٌ فَاكْوُونِي، وَإِذَا رَأَيْتُمُونِي أَمْنَعُ جَارِي أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي حَائِطِي فَاعْلَمُوا أَنِّي مَجْنُونٌ فَاكْوُونِي، وَمَنْ وَجَدَ لِأَبِي شُرَيْحٍ سَمْنًا أَوْ لَبَنًا أَوْ جِدَايَةً فَهُوَ لَهُ حِلٌّ فَلْيَأْكُلْهُ وَلْيَشْرَبْهُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَكَانَ لَهُ مَالٌ بِالْمَدِينَةِ فِيهِ مَا ذَكَرَ فَكَانَ النَّاسُ يَرْعَوْنَ فِيهِ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَيَّاشٍ السَّعْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو وَجْزَةَ، قَالَ: " لَقِيتُ النَّسَّابَةَ الْبَكْرِيَّ بِمِنًى، فَسَأَلْتُهُ فَإِذَا هُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَيُّ الشُّعَرَاءِ أَغْزَلُ؟ قَالَ: أَصْدَقُهُمْ وَجْدًا، الَّذِي إِذَا سَمِعْتُ شِعْرَهُ أَوَيْتَ لِقَائِلِهِ، أَمَا يَقِفُ فِي سَمْعِكَ قَوْلُ حُجَازِيِّكُمْ عَمْرِو بْنِ عَجْلانَ، وَاسْتَخَفَّهُ مَرَّةً الْوَجْدُ فَهَرَبَ، فَوَقَعَ فِي أَرْضِ بَنِي فَزَارَةَ، فَقَالَ: بَكَى فَبَكَتْ لَهُ أَجْبَالُ صُبْحٍ ... وَأَسْعَدَتِ الْجِبَالُ بِهَا مَرُوتُ حِجَازِيُّ الْهَوَى عَلِقٌ بِنَجْدٍ ... ضَمِينٌ مَا يَعِيشُ وَلا يَمُوتُ فَتَرْدَعُهُ الدَّبُورُ لَهَا أَحِيجٌ ... وَيُسْلِمُهُ إِلَى الْوَجْدِ الْمَبِيتُ كَأَنَ فُؤَادَهُ كَفَّا طَرِيدٍ ... كَأَنَّهُمَا بِشَاطِي الْبَحْرِ حُوتُ لِهِنْدٍ مِنْكَ عَيْنٌ ذَاتَ سَجْلٍ ... وَقَلْبٌ سَوْفَ يَأْلَمُ أَوْ يَفُوتُ إِذَا اكْتَنَفَا بِضِرِّهِمَا سَقِيمًا ... يُعَادِي الدَّاءُ لَيْسَ لَهُ مُقِيتُ وَأَنْشَدَنِي لِلْمُقَنَّعِ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ أَبِي شِمْرَ الْكِنْدِيُّ: وَلا أَحْمِلُ الْحِقْدَ الَقَدِيمَ عَلَيْهِمُ ... وَلَيْسَ رَئِيسُ الْقَوْمِ مَنْ يَحْمِلُ الْحِقْدَا وَلَيْسُوا إِلَى نَصْرِي سِرَاعًا وَإِنْ هُمُ ... دَعَوْنِي إِلَى نَصْرٍ أَتَيْتُهُمُ شَدًّا إِذَا أَكَلُوا لَحْمِي وَفَرْتُ لَحُومَهُمْ ... وَإِنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهُمْ مَجْدَا يُعَيِّرُنِي بِالدَّيْنِ قَوْمِي وَإِنَّمَا ... دُيُونِيَ فِي أَشْيَاءَ تُكْسِبُهُمْ حَمْدَا وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَأَحسَنِهُمْ وَجْهًا، وَأَتَمِّهِمْ قَامَةً، فَكَانَ إِذَا كَشَفَ وَجْهَهُ لُطِمَ، فَكَانَ مُقَنَّعًا دَهْرَهُ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ الْمُقَنَّعُ. ثَلاثٌ مِنَ الْجَنَّةِ: الْمُصِيبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْمَرَضُ. وَقَالَ: لَيْسَ الْحَلِيمُ مَنْ ظُلِمَ فَحَلِمَ، وَصَبَرَ حَتَّى إِذَا قَدَرَ انْتَقَمَ، وَلَكِنْ مِنْ ظُلِمَ فَحَلِمَ حَتَّى إِذَا قَدِرَ عَفا.

стр. 198

وَقَالَ: صُنْ عَقْلَكَ بِالْحِلْمِ، وَمُرُوءَتَكَ بِالْعَفَافِ، وَنَجْدَتَكَ بِمُجَانَبَةِ الْخُيَلاءِ، وَوَجْهَكَ بِالْإِجْمَالِ فِي الطَّلَبِ. وَقَالَ: مَا حُصِّنَتِ النِّعَمُ بِمِثْلِ الْمُشَاوَرَةِ، وَلا اكْتُسِبَتِ الْبَغْضَاءُ بِمِثْلِ الْكِبْرِ. أَرَى لَكَ أَخْلاقًا حِسَانًا قَبِيحَةً ... فَأَنْتَ يَقِينًا مِثْلُ مَا أَنَا وَاصِفُ سَخِيٌّ بَخِيلٌ أَحْمَقٌ مُتَظَرِّفٌ ... جَبَانٌ شُجَاعٌ مُسْتَقِيمٌ مُخَالِفُ كَذَلِكَ إِنِّي عَالِمٌ بِكَ جَاهِلٌ ... كَمَا أَنَّ قَلْبِي مُنْكِرٌ لَكَ عَارِفُ تَلَوَّنْتَ حَتَّى لَسْتُ أَدْرِي مِنَ الْعَمَى ... أَرِيحُ سُكُونٍ أَنْتَ أَمْ أَنْتَ عَاصِفُ؟ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْعَزِيزِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَطَعْتُكَ فِي أَحَبِّ الأَشْيَاءِ إِلَيْكَ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ، وَلَمْ أَعْصِكَ فِي أَبْغَضِ الأَشْيَاءِ إِلَيْكَ وَهُوَ الْكُفْرُ، فَاغْفِرْ لِي مَا بَيْنَهُمَا ٣٣٦ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحِ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوةَ، قَالَ: " صَلَّى بِنَا يَوْمًا مِنَ الأَيْامِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَوَجِمَ بَعْدَ الصَّلاةِ سَاعَةً. فَقَالَ النَّاسُ: لَقَدْ حَدَّثَ نَفْسَهُ. ثُمَّ الْتَفْتَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: «لا يَبْعُدَنَّ ابْنُ هِنْدٍ إِنْ كَانَتْ فِيهِ لَمَخَارِجُ لا تَجِدُهَا فِي أَحَدٍ بَعْدَهُ، وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَنُفَرِّقُهُ فَيَتَفَارَقُ لَنَا، وَمَا اللَّيْثُ الْحَرُبُ عَلَى بَرَاثِنِهِ، بِأَجْرَأَ مِنْهُ، وَإِنْ كُنَّا لَنَخْدَعُهُ وَمَا ابْنُ لَيْلَةَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضٍ بِأَدْهَى مِنْهُ، فَيَتَخَادَعَ لَنَا، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّا مُتِّعْنَا بِهِ مَا دَامَ فِي هَذَا الْجَبَلِ حَجَرٌ، وَأَشَارَ إِلَى أَبِي قُبَيْسٍ، لا يَتَخَوَّنُ لَهُ عَقْلٌ، وَلا تَنْقُصُ لَهُ مَرَّةٌ، فَقُلْنَا أَوْحَشَ وَاللَّهِ الرَّجُلُ» حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَصِلُ بِهَذَا: كَانَ وَاللَّهِ كَمَا قَالَ بَطْحَاءُ، وَبَطْحَاءُ رَجُلٌ مِنْ عُذْرَةَ كَانَ مَدَحَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: رَكُوبُ الْمَنَابِرِ وَثَّابُهَا ... مُعِنٌّ بِخُطْبَتِهِ مُجْهِرُ تَرِيعُ إِلَيْهِ فُصُوصُ الْكَلامِ ... إِذَا خَطَلَ النَّثْرَ الْمُهْمَرُ ثُمَّ يَقُولُ: كَانَ وَاللَّهِ كَمَا قَالَتْ رُقَيْقَةُ، وَكَانَتِ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ، وَأُمُّهَا بِنْتُ أَسَدِ عَبْدِ الْعُزَّى أَوْ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ: أَلا أُبْكِيهِ أَلا أُبْكِيهِ ... أَلا كُلُّ الْفَتَى فِيهِ حَدَّثَنِي أَبُو ضَمْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: " لَقَدْ رَأَيْتُ مَشْيَخَةً بِالْمَدِينَةِ، وَإِنَّ عَلَيْهِمُ الْغَدَائِرَ وَإِنَّ عَلَيْهِمِ الْمُمَصَّرَ وَالْمُوَرَّدَ، وَفِي أَيْدِيهِمُ الْمَخَاصِرُ، وَفِي أَيْدِيهِمْ أَثَرُ الْحِنَّاءِ فِي هَيْئَةِ الْفِتْيَانِ وَدِينُ أَحَدِهِمْ أَبْعَدُ مِنَ الثُّرَيَّا إِنْ أُرِيدَ عَلَى دِينِهِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي هُبَيْرَةُ بْنُ مُرَّةَ الْقُشَيْرِيُّ، قَالَ: " كَانَ لِي غُلامٌ يَسُوقُ نَاطِحًا لِي، فَكَانَ يَرْطُنُ بِالزِّنْجِيَّةِ بِشَيْءٍ شِبِهِ الشِّعْرِ وَلا أَعْرِفُهُ، فَجَاءَنَا رَاعٍ يَتَفَصَّحُ. فَقُلْتُ لَهُ: تَرْوِي مَا يَقُولُ هَذَا، وَأَخْبَرَنَا بِهِ. قَالَ: فَإِنَهُ يَقُولُ: فَقُلْتُ لَهَا إِنِّي اهْتَدَيْتُ لِفِتْيَةٍ ... أَنَاخَوا بِعَجْعَاجٍ قَلائِصَ سُهَّمَا فَقَالَتْ كَذَاكَ الْعَاشِقُونَ وَمَنْ يَخَفْ ... عُيُونَ الأَعَادِي يَجْعَلِ اللَّيْلَ سُلَّمَا

стр. 199

أَنْشَدَنِي عَمِّي مُصْعَبٌ لعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ: قَالَ عُثْمَانُ زُرْ حَبَابَةَ بِالْعَرْصَةِ ... تُحَدِّثْ تَحِيَّةً وَسَلامَا قُلْتُ زُرْهَا وَائْتِ أُمَّ عَدِيٍّ ... تَرْتَدِي لَيْلَةً إِلَيْنَا الظَّلامَا ثُمَّ نَلْهُوا إِلَى الصَّبَاحِ وَلا نَقْرَبُ ... فِي اللَّهْوِ وَالْحَدِيثِ حَرَامَا وَصفُوهَا فَلَمْ أَزِلْ عَلِمَ اللَّهُ ... إِلَيْهَا مُسْتَوْلِهًا مُسْتَهَامَا هَلْ عَلَيْهَا فِي نَظْرَةٍ مِنْ جُنَاحٍ ... مِنْ فَتًى لا يَزُورُ إِلا لِمَامَا حَالَ فِيهَا الْإِسْلامُ دُونَ هَوَاهُ ... فَهُوَ هَوِيٌّ وَيَرْقَبُ الْإِسْلامَا وَيَمِيلُ الْهَوَى بِهِ ثُمَّ يَخْشَى ... أَنْ يُطِيعَ الْهَوَى فَيَلْقَى أَثَامَا أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: قَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: " زَعَمَوا أَنَّهُ لا يَصْفُوا لِأَحَدٍ عَيْشٌ يَوْمًا. ثُمَّ قَالَ: لا تُخْبِرُونِي غَدًا بِشَيْءٍ. وَجَلَسَ مَعَ حَبَّابَةَ، فَأَكَلا ثُمَّ أَكَلَتْ حَبَّابَةُ رُمَّانًا فَشَرِقَتْ بِحَبَّةٍ فَمَاتَتْ. فَمَكَثَتْ ثَلاثًا لا تُدْفَنُ، ثُمَّ غُسِّلَتْ وَأُخْرِجَتْ، فَمَرَّ يَزِيدُ فِي جَنَازَتِهَا فَلَمَّا دُفِنَتْ، قَالَ: فَإِنْ تَسَلْ عَنْكِ النَّفْسُ أَوْ تَدَعَ الصِّبَا ... فَبِالْيَأْسِ يَسْلُو عَنْكِ لا بِالتَّجَلُّدِ وَكُلُّ حَمِيمٍ رَاءَنِي فَهْوَ قَائِلٌ ... مِنْ أَجْلِكِ: هَذَا هَامَةُ الْيَوْمِ أَوْ غَدِ أَنْشَدَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ لِيَزِيدَ بْنِ مَارِيَةَ، مَوْلَى الأَنْصَارِ: وَرَأَتْ عُثَيْمَةُ أَنَّنِي مُتَبَذِّلٌ ... نَشْوَانُ قَدْ أَهْلَكْتُ مَالِيَ أَجْمَعُ فَتَجَهَّمَتْنِي ثُمَّ كَانَ جَوَابُهَا ... ارْجِعْ بِغَيْظِكَ لَيْسَ فِيهَا مَطْمَعُ إِنَّا قَدِ أطْرَفْنَا سِوَاكَ مُحَدِّثًا ... سَمْحًا، سَجِيَّتُهُ مَرِيٌّ مرْتَعُ قَدْ طَالَ مَا مَنَّيْتَنَا وَخَدَعْتَنَا ... فَاذْهَبْ بِشِعْرِكَ فَابْتَغِ مَنْ تَخْدَعُ حَتَّى مَتَى تَهْذِي بِشِعْرِكَ عِنْدَنَا ... قَدْ مَلَّ سَمْعِي لَيْتَ شِعْرُكَ يَنْفَعُ تَأْتِي فَتُخْبِرُنَا بِأَنَّكَ شَاعِرٌ ... وَالشِّعْرُ لَيْسَ بِنَافِعٍ لِلْجُوَّعِ اجْعَلْ مَكَانَ قَصَيْدَةٍ هَيَّأْتَهَا ... لِلْقَوْمِ أَقْرَنَ ذَا قَوَائِمَ أَرْبَعُ أَمَّا الْإِهَابُ فَقِرْبَةٌ تَسْقِيهِمُ ... وَاللَّحْمُ يُجْعَلُ لِلْقَدِيدِ وَيُخْلَعُ وَالشَّحْمُ تَحْمِلُهُ جَمِيعًا كُلَّهُ ... فَيَكُونُ لِلْمِصْبَاحِ شَهْرًا يَنْفَعُ وَالرَّأْسُ فِي كَرْشٍ فَيُصْبِحُ عِنْدَنَا ... فَهُنَاكُ يُرْوَى مَا تَقُولُ وَيُسْمَعُ وَالصُّوفُ يُجْعَلُ فِي الْوَسَائِدِ نَافِعٌ ... وَتَرَى الأَكَارِعِ فِي الْحَشِيشِ تُزَلَّعُ وَالقَرْنُ تَجْعَلُهُ نِصَابًا جَيَّدًا ... فَإِذَا الَّذِي أَهْدَيْتَ كلٌّ يَنْفَعُ أَكْثِرْ لَهُنَّ مِنَ الدَّقِيقِ وَزَيْتِهِ ... وَالتَّمْرُ أَوْصَفُ بِالْعِيَالِ وَأَشْبَعُ فَتَكُونَ فِينَا سَيِّدًا مَا زُرْتَنَا ... وَتَرَى عُثَيْمَةَ عِنْدَ قَوْلِكَ تَقْنَعُ حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي قُدَامَةُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْجُمَحِيُّ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْجُمَحِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: " حَضَرَتْ رَجُلا مِنْ رَبِيعَةَ الْوَفَاةُ، فَقَالَ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، إِذَا حَزَبَكَ أَمْرٌ فَاحْكُكْ رُكْبَتَيْكَ بِرُكْبَةِ مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْكَ ثُمَّ اسْتَشِرْهُ.

стр. 200

قَالَ: فَمَاتَ أَبِي، فَأَرَدْتُ التَّزْوِيجَ، فَجِئْتُ شَيْخًا مِنْ قَوْمِي، فَجَلَسْتُ فِي نَادِيهِ، فَلَمَّا قَامَ مَنْ عِنْدَهُ، قَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ يَابْنَ أَخِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا عَمُّ، إِنِّي أَرَدْتُ التَّزْوِيجَ. قَالَ: أَطَوِيلَةُ النَّسَبِ أَمْ قَصِيرَتُهُ؟ قُلْتُ: فَوَاللَّهِ مَا اخْتَرْتُ وَلا أَدَّبْتُ. فَقَالَ: إِنِّي أَعْرِفُ فِي الْعَيْنِ إِذَا عَرَفْتَ، وَأَعْرِفُ فِي الْعَيْنِ إِذَا أَنْكَرْتَ، وَأَعْرِفُ فِي الْعَيْنِ إِذَا لَمْ تَعْرِفْ، وَلَمْ تُنْكِرْ. فَأَمَّا إِذَا عَرَفْتَ فَإِنَّهَا تُحَاوِصُ لِلْمَعْرِفَةِ، وَأَمَّا إِذَا أَنْكَرْتَ فَإِنَّهَا تَجْحَظُ لِلنُّكْرَةِ، وَإِذَا لَمْ تَعْرِفْ وَلَمْ تُنْكِرْ فَإِنَّهَا تَسْجُوا سَجْوًا. يَا ابْنَ أَخِي إِيَّاكَ أَنْ تَزَوَّجَ إِلَى قَوْمٍ أَهْلِ دَنَاءَةٍ، أَصَابُوا مِنَ الدُّنْيَا غَثَرَةً، فَتُشْرِكُهُمُ فِي دَنَاءَتِهِمْ، وَيَسْتَأْثِرُونَ عَلَيْكَ بِدُنْيَاهُمْ. فَقُمْتُ وَقَدِ اكْتَفَيْتُ سَمِعْتُ عَمِّي مُصْعَبًا، يَقُولُ: قَالَ مَالِكُ بْنُ أَسْمَاءَ لِهِنْدٍ: " أَعْطِنِي صَفْةَ مُسُوحِكِ. قَالَتْ: لا أُعْطِيكَهُ تُعَلِّمُهُ جَوَارِيَكَ وَلا حَيَاءَ لَهُنَّ، فَأَلَحَّ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: مَا أَخَذْتُهُ إِلا مِنْ شِعْرِكَ، حَيْثُ تَقُولُ: أَطْيَبُ الطِّيبِ طِيبُ أُمُّ أَبَانٍ ... فَأرُ مِسْكٍ بِزَنْبَقٍ مَفْتُوقُ خَلَّطَتْهُ بِعَنْبَرٍ وَبِنَدٍّ ... فَهُوَ أَحْوَى عَلَى الْيَدَيْنِ شَرِيفُ قَالَ لِي عَمِّي: وَهِيَ مُسُوحُ أُمِّكَ أَخْبَرَنِي ثَابِتُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ هَاشِمٍ، قَالَ: " قَدِمَ الْمَأْمُونُ مِنْ خُرَاسَانَ مَعَهُ بِشَاعِرٍ، فَلَقِيَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: مَنْ أَشْعَرُ أَنَا أَوْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنْتَ أَشْعَرُ وَأَوْلَى بِالتَّقْدِمَةِ، وَوَقَّرَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: كَمْ تَقُولُ فِي اللَّيْلَةِ مِنْ بَيْتٍ؟ قَالَ: رُبَّمَا أَقَمْتُ عَلَى الْقَصِيدَةِ لا تَكُونُ ثَلاثِينَ بَيْتًا شَهْرًا. قَالَ: فَأَنَا أَشْعَرُ مِنْكَ، رُبَّمَا دَعَوْتُ الْجَارِيَةَ، فَأَمْلَيْتُ عَلَيْهَا خَمْسَ مِائَةِ بَيْتٍ. قَالَ: فَحَمِيَ الْخُرَاسَانِيُّ، وَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَرْضَى مِثْلَ شِعْرِكَ لَقُلْتُ فِي لَيْلَةٍ خَمْسَةَ آلافِ بَيْتٍ. قَالَ: مِثْلُ أَيُّ شِعْرٍ؟ قَالَ: مِثْلُ قَوْلِكَ: أَلا يَا عُتْبَةُ السَّاعَهْ ... أَمُوتُ السَّاعَةَ السَّاعَهْ قَالَ: فَاسْتَضْحَكَ الْقَوْمُ مِنْهُ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: " حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِي مِنَ الزُّهَّادِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَجُلٍ مِنَ الْعُبَّادِ، يُقَالُ لَهُ: دَهْثَمٌ، وَالأَرْضُ تَكَادُ تَخْشَعُ لِخُشُوعِهِ، فَإِذَا نَحْنُ بِرَجُلٍ يَضْرِبُ عَبْدًا لَهُ بِسَوْطٍ، فَوَعَظَهُ دَهْثَمٌ، فَقَلَبَ السَّوْطَ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَأَسْرَعْنَا وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَبْلُغَ مِنْهُ. فَقَالَ لَنَا دَهْثَمٌ: مَهْلا فَإِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ رَضِيَ وَصِيَّةَ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴿١٧﴾ ﴾ [لقمان: ١٧] ، فَقَدْ أَمَرَنَا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ، فَدَعُونِي أَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَنِي

стр. 201

حَدَّثَتْنِي ظَبْيَةُ مَوْلاةُ فَاطِمَةَ بَنْتِ عُمَرَ بْنِ مُصْعَبٍ، قَالَتْ: " خَرَجْتُ أَنَا وَدَهْيَةُ مَوْلاةُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ إِلَى مَسْجِدِ الْفَتْحِ، فَوَجَدْنَا فِيهِ ابْنَ جُنْدُبٍ قَدْ صَلَّى فِيهِ ثُمَّ خَرَجَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَيْ عَمُّ. فَقَالَ: وَإِذَا دَعَوْنَكَ عَمَّهُنَّ فَإِنَّهُ ... نَسَبٌ يَزِيدُكَ عِنْدَهُنَّ خَبَالا قَالَتْ: وَأَطْلَعْتُ لَهُ يَدِي، وَقُلْتُ لَهُ: هَذَا الَّذِي قُلْتُ: يَمْشِي إِلَى مَسْجِدِ الأَحْزَابِ مُخْتَضِبَا فَقَالَتْ لِي صَاحِبَتِي: أَطْمَعْتِهِ فِي الدُّنْيَا وَاللَّهِ فِينَا. قُلْتُ لَهَا: إِنَّمَا يُطْمَعُ فِي أَهْلِ الشَّرِّ. قَالَتْ: فَصَلَّيْنَا ثُمَّ خَرَجْنَا، فَوَجَدْنَاهُ قَدْ عَرَّضَ يَدَيْهِ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: أَيُّ مَنْ يَجْمَعُ الْمَوَاسِمَ أَنْتُم ... حَدِّثِينَا حَقًّا وَلا تَكْذِبِينَا قَالَتْ: قُلْتُ لَهُ: نَحْنُ مِنْ سَاكِنِي الْعِرَاقِ وَكُنَّا ... قَبْلَهَا قَاطِنِينَ مَكَّةَ حِينَا قَالَ: أَلا تَجْلِسْنَ تُحَدِّثْنَ وَنُحَدْثُكُنَّ، كَمَا قَالَ: رَطْبُ السُّؤَالِ لَهُ نَعْلانِ مِنْ بَقَرٍ ... حُلْوُ الْمُزَاحَةِ مَعْسُولُ الأَمَاثِيلَ قَالَتْ: فَأَبَيْنَا فَذَهَبْنَا حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: لَمَّا كَانَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ اسْتَشَارَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ الْحَكَمِيَّ فِي الْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَمُنَاجَزَةِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ وَالَيْتَ بَيْنَ عَامَيْنِ تَغْزُوهُمَا، وَقَدْ خَسِرتَ خَيْلَكَ وَرِجَالَكَ، وَعَامُكَ هَذَا عَامُ جَدْبٍ، فَأَرِحْ نَفْسَكَ وَجَسَدَكَ، ثُمَّ تَرَى رَأْيَكَ. قَالَ: إِنِّي أُبَادِرُ ثَلاثَةَ أَشْيَاءَ: الشَّامُ أَرْضٌ الْمَالُ بِهَا قَلِيلٌ، وَأَخَافُ أَنْ يَنْفِدَ مَا مَعِي، وَأَشْرَافُ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَدْ كَتَبُوا إِلَيَّ يَدْعُونَنِي إِلَى أَنْفُسِهِمْ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ كَلا وَلا. وَثَلاثَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَدْ كَبُرُوا، وَنَفِدَتْ أَعْمَارُهُمْ، فَأَنَا أُبَادِرُ بِهِمِ الْمَوْتَ، أُحِبُّ أَنْ يَحْضُروا مَعِي. ثُمَّ دَعَا يَحْيَى بْنَ الْحَكَمِ، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَمْرًا فَلْيُشَاوِرْ يَحْيَى، فَإِذَا أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَمْرٍ فَلْيَعْمَلْ بِخِلافِهِ. فَقَالَ: يَا يَحْيَى، مَا تَرَى فِي الْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ؟ قَالَ: أَرَى أنْ تَرْضَى بِالشَّامِ، وَتُقُيمَ بِهَا، وَتَدَعَ مُصْعَبًا وَالْعِرَاقَ، فَلَعَنَ اللَّهُ الْعِرَاقَ. فَضَحِكَ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَدَعَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ فَشَاوَرَهُ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ غَزَوْتَ مَرَّةً فَنَصَرَكَ اللَّهُ، ثُمَّ غَزَوْتَ الثَّانِيَةَ فَزَادَكَ اللَّهُ عِزًّا، فَأَقِمْ عَامَكَ هَذَا. فَقَالَ لِمُحَمِّدِ بْنِ مَرْوَانَ: مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ يَنْصُرَكَ اللَّهُ، أَقَمْتَ أَمْ غَزَوْتَ، فَاغْزُ عَدُوَّكَ وَشَمِّرْ، فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكَ. فَأَمَرَ النَّاسَ، فَاسْتَعَدُّوا لِلْمَسِيرِ، فَلَمَّا أَجْمَعَ قَالَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ يَزِيدَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَجِّهِ الْجُنُودَ، وَأَقِمْ فَلَيْسَ مِنَ الرَّأْي أنْ يُبَاشِرَ الْخَلِيفَةُ الْحَرْبَ بِنَفْسِهِ، قَالَ: لَوْ وَجَّهْتُ أَهْلَ الشَّامِ كُلَّهُمْ، فَعَلِمَ مُصْعَبٌ أَنِّي لَسْتُ مَعَهُمْ، لَهَلَكَ الْجَيْشُ كُلُّهُ، وَتَمَثَّلَ: وَمُسْتَخْبِرٌ عَنَّا يُرِيدُ بِنَا الرَّدَى ... وَمُسْتَخْبِرَاتٌ وَالْعُيونُ سَوَاكِبُ

стр. 202

قَالَ: فَقَدَّمَ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ، وَمَعَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ، وَبِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ، وَنَادَى مُنَادٍ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَيْكُمْ سَيِّدَ النَّاسِ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ، وَبَلَغَ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ مَسِيرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَأَرَادَ الْخُرُوجَ، فَأَبَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَقَالُوا: عَدُوُّنَا مُطِلٌّ عَلَيْنَا، يَعْنُونَ الْخَوَارِجَ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْمُهَلَّبِ وَهُوَ بِالْمَوْصِلِ، عَامِلُهُ عَلَيْهَا، فَوَلاهُ قِتَالَ الْخَوَارِجِ، وَخَرَجَ مُصْعَبٌ، فَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ، وَكَانَ مُصْعَبٌ يَخْرُجُ إِلَى باجُمَيْرَا يُرِيدُ الشَّامَ ثُمَّ يَرْجِعُ، وَأَوَّلُهَا: أَبَيْتَ يَا مُصْعَبُ إِلا سَيْرا أَكُلَّ عَامٍ لَكَ بَاجُمَيْرَا ... تَغْزُو بِنَا وَلا تُفِيدُ خَيْرَا فَأَقْبَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ حَتَّى نَزَلَ الأَخْنَوْنِيَّةَ، وَنَزَلَ مُصْعَبٌ بِمَسْكِنَ إِلَى جَنْبِ أَوَانَا، وَخَنْدَقَ خَنْدَقًا، ثُمَّ تَحَوَّلَ، وَنَزَلَ دَيْرَ الْجَاثَلِيقِ، وَهُوَ بِمَسْكِنَ، وَبَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ ثَلاثَةُ فَرَاسِخَ، وَيُقَالُ: فَرْسَخَانِ. فَقَدَّمَ عَبْدُ الْمَلِكِ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ، وبِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى جُنْدٍ، وَالأَمِيرُ مُحَمَّدٌ. وَوَجَّهَ مُصْعَبٌ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الأَشْتَرِ. وَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى أَشْرَافِ أَهْلِ الْعِرَاقِ يَدْعُوهُمْ إِلَى نَفْسِهِ، وَيُمَنِّيهِمْ، فَأَجَابُوهُ وَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ شُرُوطًا، وَسَأْلُوهُ وِلايَاتٍ، وَسَأَلَهُ أَرْبَعُونَ رَجُلا مِنْهُمْ أَصْبَهَانَ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا أَصْبَهَانُ هَذِهِ؟ تَعَجُّبًا مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يَطْلُبُهَا. وَكَتَبَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الأَشْتَرِ: لَكَ وَلايَةُ مَا سَقَى الْفُرَاتُ إِنْ بَايَعْتَنِي، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بِالْكِتَابِ إِلَى مُصْعَبٍ، فَقَالَ: هَذَا كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَيَّ، وَلَمْ يَخُصَّنِي بِهَذَا دُونَ غَيْرِي مِنْ نُظَرَائِي، فَأَطِعْنِي فِيهِمْ. قَالَ: أَصْنَعُ مَاذَا؟ قَالَ: تَدْعُو بِهِمْ فَتَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ. قَالَ: أَقْتُلُهُمْ عَلَى ظَنٍّ ظَنَنْتُهُ؟ قَالَ: فَأَوْقِرْهُمْ حَدِيدًا، وَابْعَثْ بِهِمْ إِلَى أَبْيَضِ الْمَدَائِنِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ. قَالَ: إِذًا تَفْسَدُ قُلُوبُ عَشَائِرِهِمْ، وَيَقُولُ النَّاسُ: عَبَثَ مُصْعَبٌ بِأَصْحَابِهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ وَاحِدَةً مِنْ هَاتَيْنِ، فَلا تَمُدَّنِي بِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَالْمُومِسَةِ تُرِيدُ كُلَّ يَوْمٍ خَلِيلا، وَهُمْ يُرِيدُونَ كُلَّ يَوْمٍ أَمِيرًا. وَأَرْسَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ رَجُلا إِلَى مُصْعَبٍ، فَقَالَ: أَقْرِئِ ابْنَ أُخْتِكَ السَّلامَ، وَقُلْ لَهُ: يَدَعُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى أَخِيهِ، وَأَدَعُ أَنْ أَدْعُوَ إِلَى نَفْسِي، وَأُصَيِّرُ الأَمْرَ شُورَى. فَأَتَاهُ فَأَبْلَغَهُ فَأَبَى، فَقَدَّمَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَخَاهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ انْصُرْ مُحَمْدًا، اللَّهُمَّ إِنْ مُصْعَبًا يَدْعُو إِلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَدْعُو إِلَى نَفْسِي، اللَّهُمَّ انْصُرْ خَيْرَنَا لِهَذِهِ الأُمَّةِ. وَقَدَّمَ مُصْعَبٌ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الأَشْتَرِ فَالْتَقَتِ الْمُقَدَّمَتَانِ، وَبَيْنَ عَسْكَرِ مُصْعَبٍ وَبَيْنَ ابْنِ الأَشْتَرِ فَرْسَخٌ، وَدَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ فَصَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَسْكَرِ مُحَمَّدٍ فَتَنَاوَشُوا، فَقُتِلَ رَجُلٌ عَلَى مُقَدَّمَةِ مُحَمَّدٍ، يُقَالُ لَهُ: فِرَاسٌ. وَقُتِلَ صَاحِبُ لِوَاءِ بِشْرٍ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: أُسَيْدٌ.

стр. 203

فَأَرْسَلَ مُحَمَّدٌ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ رَجُلا، فَقَالَ: قُلْ لَهُ إِنْ بِشْرًا ضَيَّعَ لِوَاءَهُ فَصَيَّرَ عَبْدُ الْمَلِكِ الأَمْرَ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَكَفَّ النَّاسُ، وَتَوَاقَفُوا، وَجَعَلَ أَصْحَابُ ابْنِ الأَشْتَرِ يَهِمُّونَ بِهِمْ، وَمُحَمَّدٌ يَكُفُّهُمْ، فَأَرْسَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى مُحَمَّدٍ: نَاجِزْهُمْ. فَأَبَى، فَرَدَّ إِلَيْهِ رَسُولا آخَرَ يَشْتُمُ مُحَمْدًا. فَأَمَرَ مُحَمَّدٌ رَجُلا، فَقَالَ: قِفْ فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِكَ، فَلا تَدَعَنَّ أَحَدًا يَأْتِينِي مِنْ قِبَلِ عَبْدِ الْمَلِكِ. فَوَجَّهَ عَبْدُ الْمَلِكِ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ، فَلَمَّا رَأَوْهُ أَرْسَلُوا إِلَى مُحَمَّدٍ: هَذَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ، فَقَالَ: رُدُّوهُ بِأَشَدِّ مَا رَدَدْتُمْ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ. فَلَمَّا كَانَ قُرْبُ الْمَسَاءِ. قَالَ مُحَمَّدٌ لِلْنَاسِ: حَرِّكُوهُمْ. فَتَهَايَجَ النَّاسُ، وَوَجَّهَ مُصْعَبٌ إِلَى إِبْرَاهِيمِ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيَّ، فَعَجَّزَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الأَشْتَرِ، قَالَ: قَدْ قُلْتُ لَهُ. لا تَمُدَّنِي بِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلاءِ. وَاقْتَتَلُوا، وَأَرْسَلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَشْتَرِ إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: لا تَنْصَرِفُوا حَتَّى يَنْصَرِفَ أَهْلُ الشَّامِ عَنْكُمْ. فَقَالَ عَتَّابٌ: ولِمَ لا نَنْصَرِفُ؟ فَانْصَرَفَ، وَانْهَزَمَ النَّاسُ حَتَّى أَتَوْا مُصْعَبًا، وَصَبَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَشْتَرِ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَمَرَ مُحَمَّدٌ رَجُلا، فَقَالَ: انْطَلِقَ إِلَى عَسْكرِ مُصْعَبٍ، فَانْظُرْ كَيْفَ تَرَاهُمْ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ الأَشْتَرِ. قَالَ: لا أَعْرِفُ مَوْضِعَ عَسْكَرِهِمْ. فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرِبَيٍّ الْكِنَانِيُّ: انْطَلِقْ فَإِذَا رَأَيْتَ النَّخْلَ فَاجْعَلْهُ مِنْكَ مَوْضِعَ سَيْفِكَ يَعْنِي يَسَارَكَ، فَانْطَلَقْ حَتَّى تَطَلَّعَ الْعَسْكَرَ. فَمَضَى الرَّجُلُ حَتَّى أَتَى عَسْكَرَ مُصْعَبٍ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُمْ مُنْكَسِرِينَ. وَأَصْبَحَ مُصْعَبٌ فَدَنَا، وَدَنَا مِنْهُ مُحَمَّدٌ حَتَّى الْتَقَوْا، فَتَرَكَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ مُصْعَبٍ مُصْعَبًا، وَأَتَوْا مُحَمَّدًا، فَدَنَا مُحَمَّدٌ، فَقَالَ لِمُصْعَبٍ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، إِنَّ الْقَوْمَ خَاذِلُوكَ فَأَبَى. فَدَعَا ابْنَهُ عِيسَى، فَقَالَ لَهُ: انْظُرْ مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ. فَدَنَا فَقَالَ: إِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ، إِنَّ الْقَوْمَ خَاذِلُوكُمْ، وَلَكَ وَلِأَبِيكَ الأَمَانُ. وَنَاشَدَهُ، فَرَجَعَ إِلَى أَبِيهِ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: إِنِّي أَظُنُّ الْقَوْمَ سَيَفُونَ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ فَأْتِهِمْ. فَقَالَ: لا تُحَدِّثْ نِسَاءَ قُرَيْشٍ أَنِّي خَذَلْتُكَ، وَرَغِبْتُ بِنَفْسِي عَنْكَ. قَالَ: فَتَقَدَّمْ حَتَّى أَحْتَسِبَكَ. فَتَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ نَاسٌ مَعَهُ، فَقُتِلَ وَقُتِلُوا، وَتَرَكَ النَّاسُ مُصْعَبًا حَتَّى بَقِيَ فِي سَبْعَةٍ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ لِيَحْتَزَّ رَأْسَ عِيسَى، فَشَدَّ عَلَيْهِ مُصْعَبٌ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى النَّاسِ فَانْفَرَجُوا، ثُمَّ رَجَعَ فَقَعَدَ عَلَى مِرْفَقَةِ دِيبَاجٍ، ثُمَّ جَعَلَ يَشُدُّ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَيَنْفَرِجُونَ عَنْهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَقْعُدُ عَلَى الْمِرْفَقَةِ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، وَأَتَاهُ عُبيدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ، فَدَعَاهُ إِلَى الْمُبَارَزَةِ، فَقَالَ: اغْرُبْ يَا كَلْبُ.

стр. 204

وَشَدَّ عَلَيْهِ مُصْعَبٌ فَضَرَبَهُ عَلَى الْبَيْضَةِ، فَهَشَّمَهَا وَجَرَحَهُ، فَرَجَعَ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَعَصَبَ رَأْسَهُ، وَجَاءَ ابْنُ أَبِي فَرْوَةَ، مَوْلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ كَاتِبًا لِمُصْعَبٍ، فَقَالَ لِمُصْعَبٍ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَقَدْ تَرَكَكَ النَّاسُ، وَعِنْدِي خَيْلٌ مُقَدَّحَةٌ فَارْكَبْهَا وَانْجُ بِنَفْسِكَ. فَدَثَّ فِي صَدْرِهِ، وَقَالَ: لَيْسَ أَنَا كَالْعَبْدِ أَخَيِكَ. وَرَجَعَ ظَبْيَانُ إِلَى مُصْعَبٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ، وَزَرَقَ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةُ مُصْعَبًا، وَنَادَى: يا لَثَارَاتِ الْمُخْتَارِ، فَصَرَعَهُ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ لِغُلامٍ لَهُ دَيْلَمِيٍّ: احْتَزَّ رَأْسَهُ. فَنَزَلَ فَاحْتَزَّهُ. فَحَمَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الرِّقَاعِ الْعَامِلِيُّ، وَكَانَ شَاعِرَ أَهْلِ الشَّامِ يَذْكُرُ قَتْلَ مُصْعَبٍ، وإِبْرَاهِيمَ وَمُسْلِمٍ: وَنَحْنَ قَتَلْنَا ابْنَ الْحَوَارِيِّ مُصْعَبًا ... أَخَا أَسَدٍ وَالْمَذْحِجِيِّ الْيَمَانِيَا وَمَرَّتْ عُقَابُ الْمَوْتِ مِنَّا بِمُسْلِمٍ ... فَأَهْوَتْ لَهُ ظَفْرًا فَأَصْبَحَ ثَاوِيَا قَالَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: وَهَذَا الشِّعْرُ يُرْوَى لِلْبَعِيثِ الْيَشْكُرِيِّ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ يَرْثِي مُصْعَبًا، وَيَذُمُّ أَهْلَ الْعِرَاقِ مِنْ بَكْرٍ وَتَمِيمٍ: لَقَدْ أَوْرَثَ الْمِصْرَيْنِ خِزْيًا وَذِلَّةً ... قَتِيلٌ بِدَيْرِ الْجَاثَلِيقِ مُقِيمُ فَمَا قَاتَلَتْ فِي اللَّهِ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ ... وَلا صَبَرَتْ عِنْدَ اللِّقَاءِ تَمِيمُ فَلَوْ كَانَ قَيْسِيًّا تَعَطَّفَ حَوْلَهُ ... كَتَائِبُ تَرْدِي تَارَةً وَتَحُومُ وَلَكِنَّهُ رَامَ الْقِيَامَ فَلَمْ يَكُنْ ... بِهَا مُضَرِيٌّ يَوْمَ ذَاكَ كَرِيمُ وَقَالَ ابْنُ قَيْسِ الرُّقِيَّاتِ، أَيْضًا: إِنَّ الرَّزِيَّةَ يَوْمَ مَسْكِنَ ... وَالْمُصِيبَةَ وَالْفَجِيعَهْ يَا ابْنَ الْحَوَارِيِّ الَّذِي ... لَمْ يَعْدُهُ يَوْمُ الْوَقِيعَهْ يَا لَهْفِ لَوْ كَانَتْ لَهُ ... بِالدَّيْرِ يَوْمَ الدَّيْرِ شِيعَهْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ: وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ النَّسَبَ مِنْ مَرَاثِيهِ شَيْئًا، وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ مَا لَمْ نَذْكُرْهُ فِي كِتَابِ النَّسَبِ. وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيُّ فِي هِجَائِهِ بَنِي خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ، وَيَمْدَحُ آلَ الزُّبَيْرِ، وَيَذْكُرُ صَبْرَهُمْ فِي الْحَرْبِ: هَلا صَبَرْتُمْ بَنِي السَّوْدَاءِ أَنْفُسَكُمْ ... حَتَّى تَمُوتُوا كَمَا مَاتَتْ بَنُو أَسَدِ حَامَتْ بَنُو أَسَدٍ عَنْ مَجْدِ أَوَّلِهَا ... وَأَنْتُمْ كَنَعَامِ الْقَاعَةِ الشَّرِدِ وَقَالَ سُوَيْدُ بْنُ مَنْجُوفٍ السَّدُوسِيُّ، مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، يُحَذِّرُ مُصْعَبًا أَهْلَ الْكُوْفَةِ وَغَدْرَهُمْ: فَأَبْلِغْ مُصْعَبًا عَنِّي رَسُولا ... وَلا تَلْقَى النَّصِيحُ بِكُلِّ وَادِ تَعَلَّمْ أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ تُنَاجِي ... وَإِنْ أَدْنَيْتَهُمْ فَهُمُ الأَعَادِي وَصَبَرَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَشْتَرِ وَحَدَهُ، فَقَالَ: الأُقَيْشِرُ: سَأَبْكِي وَإِنْ لَمْ يَبْكِ فِتْيَانُ مَذْحِجٍ ... فَتَاهَا إِذَا اللَّيْلُ التَّمَامُ تَأَوَّبَا فَتًى لَمْ يَكُنْ فِي مِرَّةِ الْحَرْبِ خَامِلا ... وَلا بِمُطِيعٍ فِي الْوَغَى مَنْ تَهَيَّبَا أَمَالَ بِخَوَّارِ الْعِنَانِ لِجَامَهُ ... وَقَالَ لِمَنْ خَفَّتْ نَعَامَتُهُ ارْكَبَا أَبَانَ أَنُوفَ الْحَيِّ قَحْطَانَ قَتْلُهُ ... وَأَنْفَ نِزَارٍ قَدْ أَبَانَ فَأَوْعَبَا

стр. 205

فَمْنَ كَانَ أَمْسَى خَائِنًا لِأَمِيرِهِ ... فَمَا خَانَ إِبْرَاهِيمُ فِي الْحَرْبِ مُصْعَبًا وَصَبَرَ مَعَهُ يَحْيَى بْنُ مُبَشِّرٍ، أَحَدُ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ التَّمِيمِيِّ حَتَّى قُتِلَ. فَقَالَ أَبُو السَّفَّاحِ بُكَيْرُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عُمَيْرَةَ بْنِ طَارِقٍ الْيَرْبُوعِيُّ يَرْثِي يَحْيَى، وَيَذْكُرُ صَبْرَهُ، حِينَ قُتِلَ: صَلَّى عَلَى يَحْيَى وَأْشَياعِهُ ... رَبٌّ غَفُورٌ وَشَفِيعٌ مُطَاعْ يَا سَيِّدًا مَا أَنْتَ مِنْ سَيِّدٍ ... مُوَطَّأِ الْبَيْتِ رَحَيِبِ الذِّرَاعْ قَوَّالِ مَعْرُوفٍ وَفَعَّالِهِ ... عَقَّارِ مَثْنَى أُمْهَاتِ الرِّبِاعْ الوَاضِعِ الشِّيزَى لِأَضْيَافِهِ ... كَأَنَّهَا أَعْضَادُ نَهْيٍ بِقَاعْ يَعْدُو فَلا تَكْذُبُ شَدَّاتُهُ ... كَمَا عَدَا اللَّيْثُ بِوَادِي السِّبَاعْ يَجْمَعُ حِلْمًا وَأَنَاةً مَعًا ... ثَمَّتَ يَنْبَاعُ انْبِيَاعَ الشُّجَاعْ لَمَّا جَفَا الْمُصْعَبَ خِلانُهُ ... أَدَّى إِلَيْهِ اللَّيْلُ صَاعًا بِصَاعْ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاءَ فَقَدْ سَاءَنِي ... تَرْكُ أَبَيْنَيْكَ إِلَى غَيْرِ رَاعْ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ أَوْ وَاقِدٍ ... وَذَاكَ عِنْدِي حَقُّ عَيْنِ الضِّيَاع أَبُو طَلْحَةَ وَوَاقِدٌ مَوْلَيَانِ لَيَحْيَى كَانَ أَوْصَى إِلَيْهِمَا، وَأَبُو طَلْحَةَ هَذَا جَدُّ أَبِي النَّضْرِ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ صَاحِبِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ مُبَشِّرٍ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ حَصْبَةَ بْنِ أَرْقَمَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ. وَكان مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَكَانَ خَلَيْفَةُ بْنُ حِصْنٍ الثَّعْلَبِيُّ صَاحِبَ شُرَطِ ابْنِ زِيَادٍ بِالْبَصْرَةِ، فَلَمَّا أُتِيَ عبْدُ الْمَلِكِ بِرَأْسِهِ لَمْ يَعْرِفْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَصْحَابَهُ، فَعَرَفَهُ الْحَكَمُ بْنُ نُهَيْكٍ الْهُجَيْمِيُّ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا وَاللَّهِ الْوَفِيُّ الْكَرِيمُ، هَذَا يَحْيَى بْنُ مُبَشِّرٍ الْيَرْبُوعِيُّ، فَأَمَرَ بهِ فَأُجِنَ، فَقَالَ جَرِيرُ بْنُ الْخَطَفِيُّ يَرْثِيهِ: صَلَّى الِإِلهُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ مُبَشِّرٍ ... أَمَّا ثَويْتَ بِمُلْتَقَى الأَجْنَادِ وَالْخَيْلُ سَاطِعَةُ الْغُبَارِ كَأَنَّهَا ... قَصَبٌ يُحَرَّقُ أَوْ رَعَيْلُ جَرَادِ ثَبْتُ الطِّعَانِ إِذَا الْكُمَاةُ أَزَلَّهَا ... عَرَقُ الْمَنُونِ يَجُلْنَ بِالأَلْبَادِ مَأْوَى الْجِيَاعُ إِذَا السِّنُونُ تَتَابَعَتْ ... وَفَتَى الطِّعَانِ عَشِيَّةَ الْعَصْوَادِ وَقَالَ سَالِمُ بْنُ وَابِصَةَ الأَسَدِيِّ يَمْدَحُ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ، وَيَذْكُرُ قَتْلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَمُصْعَبًا: أَبْلِغْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رِسَالَةً ... لَيْسَ الْمُحَامِرُ كَالْجَوَادِ الْمُسَهِبِ فَاذْكُرْ وَلا تَجْعَلْ بَلاءَ مُحَمَّدٍ ... وَالْخَاذِلِيكَ لَدَى الْحُرُوبِ كَجُنْدَبِ يُدْعَا إِذَا مَا الْجَيْشُ أُحْسِنَ أَدْمُهُ ... وَإِذَا يَكُونُ كَرِيهُهُ لَمْ يُنْدَبِ لا تَجْعَلَنَّ مُؤثِّلا ذَا أُسْرَةٍ ... ضَخْمًا سُرَادِقُهُ وَطِيءَ الْمَرْكَبِ يَغْدُو إِذَا مَا الْحَرْبُ أُطْفِئَ نَارُهَا ... وَيَرُوحُ مَزْهُوًّا عَظِيمَ الْمَوْكِبِ يَتَّخِذُ السُّيُوفَ سُرَادِقًا ... يَمْشِي بِرَايَتِهِ كَمَشْيِ الأَنْكَبِ فَتَحَ الْإِلَهُ بِشِدَّةٍ لَكَ شَدَّهَا ... مَا بَيْنَ مَشْرِقِهَا وَبيْنَ الْمَغْرِبِ لَمَّا لَقِينَا أَهْلَ مَسْكِنَ غُدْوَةً ... كَالطَّوْدِ فِي مُتَهَوِّلٍ مُتَنَكِّبِ تَعْدُو جِيَادُهُمُ بِكُلِّ مُقَصِّصٍ ... جُدُدِ الثِّيَابِ وَحَنْظَلِيٍّ مُذْنَبِ وَمُحَزِّزِينَ لِحَاهُمُ خَشَبِيَّةٍ ... قَتْلاهُمُ مَجْهُولَةٌ لَمْ تُنْسَبِ

стр. 206

وَإِلَى ابْنِ مَرْوَانَ الأَغَرِّ مُحَمَّدٍ ... مَا بَيْنَ أَشْتَرِهِمْ وَبَيْنَ الْمُصْعَبِ نَفْسِي فِدَاؤُكَ يَوْمَ ذَلِكَ مِنْ فَتًى ... يَكْفِي بِمَشْهَدِهِ مَكَانَ الْغُيَّبِ ٣٥٤ - حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ، وَالشَّرْقِيِّ بْنِ الْقَطَامِيِّ، عَنْ أَبِي جَيَّانَ الْكَلْبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ: " لَمَّا أُتِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِقَتْلِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَضْرَبَ عَنْ ذِكْرِهِ أَيَّامًا، حَتَّى تَحَدَّثَ بِهِ إِمَاءُ مَكَّةَ فِي الطُّرُقِ، ثُمَّ صَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَجَلَسَ مَلِيًّا لا يَتَكَلَّمُ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا بُدُوُّ الْكَآبَةِ عَلَى وَجْهِهِ، وَإِذَا جَبِينُهُ يَرْشَحُ عَرَقًا. فَقُلْتُ لِآخَرَ إِلَى جَنْبِي: مَا لهُ، أَتُرَاهُ يَهَابُ الْمَنْطِقَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ خَطِيبٌ أَرِيبٌ، وَإِنُّهُ لتَهُونُ عَلَيْهِ دُهَاةُ الرِّجَالِ عِنْدَ الْجِدَالِ وَالنِّزَالِ فَمَا يَهَابُ؟ قَالَ: أَرَاهُ يُرِيدُ ذِكْرَ مَقْتِلِ سَيِّدِ الْعَربِ الْمُصْعَبِ، فَهُوَ يُقْطَعُ بِذِكْرِهِ، وَغَيْرُ مَلُومٍ. فَقَامَ فَقَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ الْخَلْقُ وِالأَمْرُ، وَمُلْكُ الدُّنْيَا وَالَآخِرَةِ، يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يُشَاءُ، وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ، وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ. أَلا وَإِنَّهُ يُذْلِلُ اللَّهُ مَنْ كَانَ الْحَقُّ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ فَرْدًا لا نَاصِرَ لَهُ، وَلَمْ يُعْزِزِ اللَّهُ مَنْ كَانَ أَوْلَيَاءُ الشَّيْطَانِ مَعَهُ، وإِنْ كَانَ فِي الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ وَالْكَثْرَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: وَإِنْ كَانَ الأَنَامُ طُرًّا مَعَهُ. إِنَّهُ أَتَانَا خَبَرٌ مِنَ الْعِرَاقِ، أَهْلِ الْغدرِ والشِّقاقِ، سَرَّنَا وَسَاءَنَا، أَتَانَا أَنَّ مُصْعَبًا قُتِلَ رَحَمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَمَغْفِرُتُهِ، فَأَمَّا الَّذِي أَحْزَنَنَا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ لِفِرَاقِ الْحَمِيمِ لَذْعَةً، يَجِدُهَا حَمِيمُهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، ثُمَّ يَرْعَوِي مِنْ بَعْدُ ذُو الرَّأْيِ وَالدِّينِ إِلَى جَمِيلِ الصَّبْرِ، وَأَمَّا الَّذِي سَرَّنَا مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّا قَدْ عِلِمْنَا أَنْ قَتْلَهُ شَهَادَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَاعِلٌ لَنَا وَلَهُ ذَلِكَ خَيْرَةً، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، إِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ أَسْلَمُوهُ وَبَاعُوهُ بِأَقَلِّ ثَمَنٍ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْهُ، وَأَخْبَثِهِ، أَسْلَمُوهُ إِسْلامَ النَّعَامِ الْمُخَطَّمِ فَقُتِلَ، وَلَئِنْ قُتِلَ لَقَدْ قُتِلَ أَبُوهُ وَعَمُّهُ وَأَخُوهُ، وَكَانُوا الْخِيَارَ الصَّالِحِينَ، إِنَّا وَاللَّهِ مَا نَمُوتُ حَبْجًا، وَمَا نَمُوتُ إِلا قَتْلا قَتْلا، قَعْصًا قَعْصًا بَيْنَ قَصْدِ الرِّمَاحِ، وَتَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ، لَيْسَ كَمَا يَمُوتُ بَنُو مَرْوَانَ، وَاللَّهِ مَا قُتِلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامٍ قَطُّ. إِنَّمَا الدُّنْيَا عَارِيَةٌ مِنَ الْمَلِكِ الْقَهَّارِ، الَّذِي لا يَزُولُ سُلْطَانُهُ وَلا يَبِيدُ مُلْكُهُ، فَإِنْ تُقْبِلِ الدُّنْيَا عَلَيَّ لا آخُذْهَا أَخْذَ الأَشِرِ الْبَطِرِ، وَإِنْ تُدْبِرْ عَنِّي لا أَبْكِ عَلَيْهَا بُكَاءَ الْخَرِفِ الْمُهْتِرِ ". فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ عَدْوَانَ، مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، يِأْمُرهُ بِالصَّبْرِ وَالْجِدِّ فِي مُنَاهَضَةِ عَدُوِّهِ: لَئِنْ مُصْعَبٌ خَلَّى عَلَيْكَ مَكَانَهُ ... لَقَدْ عَاشَ عِنْدَ النَّاسِ غَيْرَ مُلِيمِ وَإِنْ مُصْعبٌ خَلاكَ وَالْحَرْبَ بَعْدَهُ ... فَأَنْتَ لَدَى الْهَيْجَاءِ غَيْرُ سَئُومِ

стр. 207

فَشَمِّرْ إِلَى الأَعْدَاءِ وَانْهَضْ بِقُوَّةٍ ... فَإِنَّكَ عِنْدَ الْبَأْسِ غَيْرُ ذَمِيمُ وَثِقْ بِوَلِيِّ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّمَا ... يُحَامِي عَلَى الأَحْسَابِ كُلُّ كَرِيمِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الأَعْمَى فِي قَتْلِ مُصْعَبٍ لَمَّا بَلَغَهُ: رَحِمَ اللَّهُ مُصْعَبًا إِنَّهُ مَاتَ ... كَرِيمًا وَعَاشَ فِينَا كَرِيمَا طَلَبَ الْمُلْكَ ثُمَّ مَاتَ حِفَاظًا ... لَمْ يَعِشْ بَاخِلا وَلا مَذْمُومَا لَيْتَ مَنْ عَاشَ بَعْدَهُ مِنْ بَنِي ... الْعَوَّامِ مَاتُوا وَعَاشَ فَيْنَا سَلِيمَا لَنْ تَرَى مِثْلَهُ لَدَى الدَّهْرِ نِدًّا ... أَوْ تُزِيلُ الرِّيَاحُ ذَرْوًا يَسُومَا كَمْ لَهُ مِنْ يَدٍ عَلَى النَّاسِ بَيْضَاءَ ... قَدْ أَحْيَا بِهَا عِظَامًا رَمِيمَا وَيَدٍ غَادَرَتْ حَرِيبًا سَلِيبًا ... ذَا غِنَاءٍ فَعَادَ وَغْدًا لَئِيمَا وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ يَهْجُو آلَ الزُّبَيْرِ غَيْرَ مُصْعَبٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَمْدَحُهُ، وَيَمْدَحُ بَنِي أُمَيَّةَ، فَدَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بَعْدَ قَتْلِ مُصْعَبٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ فِيهِ. فَقَالَ: اعْفِنِي. قَالَ: هَاتِ فَلَسْنَا نَتَّهِمُكَ، فَأَنْشَدَهُ هَذِهِ الأَبْيَاتَ، فَقَالَ لَهُ: صَدَقْتَ، هُوَ كَمَا وَصَفْتَ: وَلَكِنَّهُ رَامَ الَّتِي لا يَنَالُهَا ... مِنَ النَّاسِ إِلا كُلُّ خِرْقٍ مُعَمَّمِ أَرَادَ أُمُورًا لَمْ يُرِدْهَا إِلَهُهُ ... فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى يَرْثِي مُصْعَبًا: لَعَمْرُكَ إِنَّ الْمَوْتَ مِنَّا لَمُولَعٌ ... بِكُلِّ فَتًى رَحْبِ الذِّرَاعِ أَرِيبِ فَإِنْ يَكُ أَمْسَى مُصْعَبٌ نَالَ حَتْفَه ... لَقَدْ كَانَ صُلْبَ الْعُودِ غَيْرَ هَيُوبِ جَمِيلَ الْمُحَيا يَرْهَبُ الْقِرْنُ دَرْأَهُ ... وَإِنْ عَضَّهُ دَهْرٌ فَغَيْرُ قَطُوبِ أَتَاهُ حِمَامُ الْمَوْتِ وَسْطَ جُنُودِهِ ... فَطَارُوا سَلالا وَاسْتَقَى بِذَنُوبِ وَلَوْ صَبَرُوا نَالُوا الْحَيَاةَ وَسُؤْدُدًا ... وَلَكِنَّهُمْ طَارُوا بِغَيْرِ قُلُوبِ وَقَالَ الْبَعِيثُ بْنُ مُرَّةَ بْنِ وُدِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُرَّةِ بْنِ سَعْدِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ كَعْبِ بْنِ يَشْكُرَ: نَحْنُ قَتَلْنَا ابْنَ الْحَوارِيِّ مُصْعَبًا ... أَخَا أَسَدٍ وَالْمَذْحِجِيَّ الْيَمَانِيَا وَأَلْوَتْ عُقَابُ الْمَوْتِ مِنَّا بِمُسْلِمٍ ... فَأَهْوَتْ لَهُ ظُفْرًا فَأَصْبَحَ ثَاوِيَا سَقَيْنَا ابْنَ سَيْدَانٍ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ ... كَفَتْنَا وَخَيْرُ الأَمْرِ مَا كَانَ كَافِيَا وَمَرَّتْ عَلَى الْجَبَّارِ مِنَّا سَحَابَةٌ ... سَقَتْهُ ذُعَافِيًّا مِنَ الْمَوْتِ قَاضِيَا طَوَاغِيتُ هُمْ كَانُوا الصَّنَادِيدَ إِذَا بدَتْ ... نَوَاجِدُ حَرْبٍ تُمْطِرُ الْمَوْتَ صَافِيَا وَقَالَ أَيْضًا: سَقَيْنَا بَنِي الْعَوَّامِ كَأْسًا مَرِيرَةً ... مُسَكِّرَةً أَمْسَتْ عَلَيْهِمْ أَمَرَّتِ لِمَا اكْتَسَبَتْ أَيْدِيهُمُ وَصُدُورُهُمْ ... مَرَيْنا لَهُمْ حَرْبًا عَوَانَا فَدَرَّتِ إِذَا مَا رَجَوْا أَنْ تَخْمَدَ الْحَرْبُ عَنْهُمْ ... شَبَبْنَا لَهُمْ نِيرَانَهَا فَاسْتَعَرَّتِ بِفِتْيَانِ حَرْبٍ لَقَّحُوهَا فَأَصْبَحَتْ ... أَصَابَتْ بَنِي الْعَوَّامِ حَتَّى أَضَرَّتِ أَقَمْنَا لَهُمْ سُوقًا بِهَا قَدْ تَسُوءُهُمْ ... وَقَدْ نَبَحَتْ مِنَهَا قُرَيْشٌ وَهَرَّتِ وَقَدْ كَانَ الْمُصَعَبُ لَمَّا قَدِمَ الْكُوفَةَ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلَيٍّ ﵄ وَقتْلِهِ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ مُصْعَبٌ مُتَمَثِّلا بِبَيْتٍ قَالَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ قُتَّهْ:

стр. 208

إِنَّ الأُلَى بِالطَّفِّ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... تَأَسَّوْا فَسَنُّوا لِلْكِرَامِ التَّأَسِّيَا قَالَ عُرْوَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّ مُصْعَبًا لا يَفِرُّ أَبَدًا، فَكَانَ كَذَلِكَ. وَلَمَّا أَجْمَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ السَّيْرَ إِلَى مُصْعَبٍ نَهَتْهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ يَزَيْدَ، فَأَبَى عَلَيْهَا، فَلَمَّا رَأَتْ جِدَّهِ فِي الْخُرُوجِ بَكَتْ، فَتَمَثَّلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِشِعْرِ كُثَيِّرٍ: إِذَا مَا أَرَادَ الْغَزْوَ لَنْ تُثْنِ هَمَّهُ ... حَصَانٌ عَلَيْهَا نَظْمُ دُرٍّ يَزِينُهَا نَهَتْهُ فَلَمَّا لَمْ تَرَ النَّهْيَ عَاقَهُ ... بَكَتْ فَبَكَى مِمَّا عَرَاهَا قَطِينُهَا حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ: أَنَّ زِيَادَ بْنَ عَمْرٍو الْعَتَكِيِّ غَدَرَ بِمُصْعَبٍ، وَلَحِقَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَقْطَعَهُ، وَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ السَّلَمِيَّ قَتْلُ مُصْعَبٍ. قَالَ: أَشَهِدَهُ الْمُهلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: أَفَشَهِدَهُ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ؟ قَالُوا: لا. فَقَالَ: خُذِيِهِ فَجُرِّيهِ سِبَاعُ وَأَبْشِرِي ... بِلَحْمِ امْرِئٍ لَمْ يَشْهَدِ الْيَوْمَ إِصْرُهُ ثُمَّ قَالَ: هُمَامَانِ لَوْ دَارَتْ رَحَا الْحَرْبِ بَرْكَهَا ... لَقَامَا وَلَوْ كَانَ الْقِيَامُ عَلَى الْجَمْرِ قَالَ أَبُو الْحَكَمِ بْنُ خَلادِ بْنِ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ السَّدُوسِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " لَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْخَةِ حِينَ عَسْكَرَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ يُرِيدُ شَبيْبًا الْحَرُورِيَّ، قَالَ لَهُ النَّاسُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، لَوْ تَنَحَّيْتَ عَنْ هَذِهِ الْعَذِرَةِ. فَقَالَ لَهُمُ الْحَجَّاجُ: مَا تُنَحُّونَنِي إِلَيْهِ أَنْتَنُ. وَاللَّهِ مَا تَرَكَ مُصْعَبٌ لِكَرِيمٍ مَفَرًّا ثُمَّ تَمَثَّلَ بَيْتًا قَالَهُ كَلْحَبَةُ الْعَرْنِيُّ: إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَغْشَ الْمَكَارِهَ أَوْشَكَتْ ... حِبَالُ الْهُوَيْنَى بِالْفَتَى أَنْ تقَطَّعَا وَقَالَ أَعْشَى هَمْدَانَ فِي قَتْلِ مُصْعَبٍ، وذِكْرِ قِصَّتِهِ، وَغَدْرِ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِهِ، وَاسْمُ الأَعْشَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ: أَلا مَنْ لِهَمٍّ آخِرَ اللَّيْلِ مُنْصِبٍ ... وَأَمْرٍ جَلِيلٍ فَادِحٍ لِي مُشَيِّبِ أَرِقْتُ لِمَا قَدْ غَالَنِي وَتَبَادَرَتْ ... سَوَاكِبُ دَمْعِ الْعَيْنِ مِنْ كُلِّ مَسْكَبِ فَقُلْتُ وَقَدْ بَلَّتْ سَوَابِقُ عَبْرَتِي ... رِدَائِي مَقَالَ الْمُوجَعِ الْمُتَحَوِّبِ أَلا بَهْلَةُ اللَّهِ الَّذِي عَزَّ جَارُهُ ... عَلَى النَّاكِثِينَ الْغَادِرِينَ بِمُصْعَبِ جَزَى اللَّهُ عَنْهُ جَمْعَ قَحْطَانَ كُلِّهَا ... جَزَاءَ مُسِيءٍ قَاسِطِ الْفِعْلِ مُذْنِبِ وَجَمْعَ مَعَدٍّ قَوْمِهِ غَابَ نَصْرُهُمْ ... غَدَاةَ إِذٍ عَنْهُ وَرَبِّ الْمُحَصَّبِ جَزَاهُمْ إِلَهُ النَّاسِ شَرَّ جَزَائِهِ ... بِخُذْلانِ ذِي الْقُرْبَى الأَرِيبِ الْمُدَرِّبِ إِمَامِ الْهُدَى وَالْحِلْمِ وَالسِّلْمِ وَالتُّقَى ... وَذِي الْحَسَبِ الزَّاكِي الرَّفِيعِ الْمُهَذَّبِ لَحَى اللَّهُ أَشْرَافَ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُمْ ... هُمُ شَرُّ قَوْمٍ بَيْنَ شَرْقٍ وَمَغْرِبِ هُمُ مَكَرُوا بِابْنِ الْحَوَارِيِّ مُصْعَبٍ ... وَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لِلصَّرِيخِ الْمُثَوَّبِ دَعَاهُمْ بِأَنْ ذُودُوا الْعِدَى عَنْ بِلادِكُمْ ... وَأَمْوَالِكُمْ فِي كُلِّ أَبْيِضَ مِقْضَبِ فَوَلَّوْا يُنَادِي الْمَرْءُ مِنْهُمْ عَشِيرَهُ ... أَلا خَلِّ عَنْهُمْ لا أَبَا لَكَ وَاذْهَبِ جَزَى اللَّهُ حَجَّارًا هُنَاكَ مَلامَةً ... وَفَرْخَ عُمَيْرٍ مِنْ مُنَاجٍ مُؤَلِّبِ

стр. 209

حَجَّارُ بْنُ أَبْجَرَ الْعَجْلِيُّ كُوفِيٌّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ عُطَارِدٍ الدَّارِمِيُّ كُوفِيٌّ. وَمَا كَانَ عَتَّابٌ لَهُ بِمُنَاصِحٍ ... وَلا كَانَ عَنْ سَعْيٍ عَلَيْهِ بِمُغْرِبِ عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيُّ كُوفِيٌّ. وَلا قَطَنٌ وَلا ابْنُهُ لَمْ يُنَاصِحَا ... فَتَبًّا لِسَعْيِ الْحَارِثِيِّ الْمُتَبِّبِ وَلا الْعَتَكِيُّ إِذْ أَمَالَ لِوَاءَهُ ... فَوَلَّى بِهِ عَنْهُ إِلَى شَرِّ مَوْكِبِ زِيَادُ بْنُ عَمْرٍو الْعَتَكِيُّ. وَلا ابْنُ رُوَيْمٍ لا سَقَى اللَّهُ قَبْرَهُ ... فَبَاءَ بِجَدْعٍ آخِرَ الدَّهْرِ مُوعَبِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي رُوَيْمٍ شَيْبَانِيٌّ كُوفِيٌّ. وَمَا سَرَّنِي مِنْ هَيْثَمٍ فَعْلُ هَيْثَمٍ ... وَإِنْ كَانَ فِينَا ذَا غَنَاءٍ وَمَنْصِبِ الْهَيْثَمُ بْنُ الأَسْوَدِ النَّخَعِيُّ. وَلَكِنْ عَلَى فَيَّاضِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ... سَأُثْنِي وَخَيْرُ الْقَوْلِ مَا لَمْ يُكَذَّبِ دَعَا ابْنُ الْحَوَارِيِّ الْهُمَامُ إِمَامَهُ ... لِيَمْنَعَهُ مِنْ كُلِّ غَاوٍ وَمُجْلِبِ فَأَضْحَى ابْنُ تَيْمِ اللاتِ أَمْنَعَ مَانِعٍ ... لِجَارٍ بِلا شَكٍّ وَمَأْوَى الْمُعَصَّبِ فَيَا سَائِرًا نَحْوَ الْمَشَاعِرِ لا يَنِي ... أَلا ارْفَعْ بِهَدْلاءِ الْمَشَافِرِ تَنْعَبِ أَلا وَانْعَ خَيْرَ النَّاسِ حَيًّا وَمَيِّتًا ... إِلَى أَهْلِ بِطْحَاءٍ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبِ فِدًا لَكَ فَاذْكُرْ زَحْفَهُ وَمَسِيرَهُ ... يُزَجِّي الْخُيُولَ مِقْنَبًا بَعْدَ مِقْنَبِ سَمَا مُصْعِدًا بِالْجَيْشِ يَسْرِي أَمَامَهُ ... إِلَى بَطَلٍ مِنْ آلِ مَرْوَانَ مُحْلِبِ غَزَا بِجُنُودِ الشَّامِ يُكِبْدُ كَبْدَهَا ... يُجِيزُ إِلَيْهِمْ سَبْسَبًا بَعْدَ سَبْسَبِ فَلَمَّا تَوَافَيْنَا جَمِيعًا بِمَسْكِنٍ ... صِينَا بِنَوْعٍ مِنْ غَرَامٍ مُعَذِّبِ بِمَقْتَلِ سَادَاتٍ وَمَهْلَكِ مَاجِدٍ ... رَفِيعِ الرَّوَابِي مِحْرَبٍ وَابْنِ مِحْرَبِ هُوَ الضَّيْغَمُ النَّهْدُ الرَّئِيسُ ابْنُ مَالِكٍ ... إِذَا شَدَّ يَوْمًا شَدَّةً لَمْ يُكَذِّبِ أَتَى مُصْعَبًا فَقَالَ مَنْ كَانَ مِنْهُمُ ... فَعَاقِبْ بِوَقْعٍ مَنْ بَدَا لَكَ مُرْهِبِ وَشُدَّ عَلَى الأَشْرَافِ شدَّةَ مَاجِدٍ ... وَأَعْنَاقَهُمْ قَبْلَ الصَّبَاحِ فَضَرِّبِ وَإِلا فَكَبْكِبْ فِي السُّجُونِ سَرَاتَهُمْ ... إِلَى أَنْ يُفَيِقَ النَّاسُ تُصْحِبْ وَتُرْقِبِ وَدَعْنِي وَأَهْلَ الْقَرْيَتَيْنِ أَسِرْ بِهِمْ ... وَغَادِرْهُمُ فِي مَحْبَسٍ كَالْمُؤدِّبِ مَلامَ مُلِحٍّ قَدْ أَمِنْتَ اغْتِيَالَهُ ... وَمَا جَاهِلٌ بِالأمْرِ مِثْلُ الْمُجَرِّبِ فَقَالَ لَهُ سِرْ بِالْجُيُوشِ إِلَى الْعِدَى ... وَنَاجِزْ وَقَارِعْ وَاصْدُقِ الْقَوْمَ تَغْلِبِ فَإِنِّي بِحَقٍّ لَسْتُ أَبَدأُ مُسْلِمًا ... بِغَدْرٍ فَفِي التَّقْوَى وَفِي الدِّينِ فَارْغَبِ فَسَارَ إِلَى جَمْعِ ابْنِ مَرْوَانَ مُعْلَمًا ... فَنَاهَضَهُمْ وَالْحَرْبُ ذَاتُ تَلَهُّبِ وَجَاهَدَ فِي فِرْسَانِهِ وَرِجَالِهِ ... وَأَقْدَمَ لَمْ يَنْكُلْ وَلَمْ يَتَهَيَّبِ فَلاقَى أُسَيْدٌ يَوْمَ ذَلِكَ حَتْفَهُ ... وَقَطَّرَهُ مِنَّا فَتًى غَيْرُ جَأْنَبِ أَشَمُّ نَرَاهُ عَالِيَ الْجِسْمِ صَقْعَبًا ... وَبالسَّيْفِ مِقْدَامًا نَجِيبًا لِمُنْجِبِ وَكَادَتْ جُمُوعُ الشَّامِ يَشْمُلُهَا الرَّدَى ... غَدَاةَ إِذٍ فَاسْمَعْ أُحَدِّثْكَ تَعْجَبِ فَلَمَّا رَأَى أَبْنَاءُ مَرْوَانَ وَقْعَهُ ... بِجِمْعِهِمُ ظَلُّوا بِيَوْمٍ عَصَبْصَبِ وَأَدْبَرَ عَنْهُ الْغَادِرُ ابْنُ الْقَبَعْثَرَى ... وَمَا كَانَ بِالْحَامِي وَلا بِالْمُذَبِّبِ غَضْبَانُ بْنُ الْقَبَعْثَرَى شَيْبَانِيٌّ كُوفِيٌّ. وَقَدْ نَقَضَ الصَّفَّ ابْنُ وَرْقَاءَ ثَانِيًا ... وَغَادَرَهُ يَدْعُو إِلَى جَانِبِ النَّبِيِّ

стр. 210

فَثَابِ إِلَيْهِ كُلُّ أَرْوعَ مَاجِدٍ ... صَبُورٍ عَلَى مَا نَابَهُ مُتَلَبِّبِ فَضَارَبَ حَتَّى خَرَّ غَيْرَ مُوَائِلٍ ... إِلَى جَانِبٍ مِنْهُ عَزِيزٍ وَمَنْكِبِ وَصُرِّعَ أَهْلُ الصَّبْرِ فِي الصَّفَّ كُلُّهُمْ ... وَأَجْفَلَ عَنْهُ كُلُّ وَانٍ مُحَوِّبِ وَلَمَّا أَتَى قَتْلُ ابْنِ الأَشْتَرِ مُصْعَبًا ... دَعَا عِنْدَهَا عِيسَى فَقَالَ لَهُ اهْرُبِ فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ لَسْتُ بِهَارِبٍ ... أَأَهْرَبُ إِنْ دَهْرٌ بِنَا حَانَ عَنْ أَبِي فَقَالَ: تَقَدَّمْ أَحْتَسِبْكَ فَأَقْبَلَتْ ... إِلَيْهِ جُمُوعٌ مِنْ كِلابٍ وَأَذْؤُبِ فَقَالَ لِفُجَّارِ الْعِرَاقِيِّينَ أَقْدِمُوا ... فَوَلَّوْا شِلالا كَالنَّعَامِ الْمُخَضَّبِ وَشَدُّوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ فَلَمْ يَرُمْ ... كَلَيْثِ الْعَرِينِ الْخَادِرِ الْمُتَحَرِّبِ فَضَارَبَهُ يَحْيَى وَعِيسَى أَمَامَهُ ... وَضَارَبَ تَحْتَ السَّاطِعِ الْمُتَنَصِّبِ فَمَا بَرِحُوا حَتَّى أَزَارَهُمُ الْقَنَا ... شَعُوبٌ وَمَنْ يَسْلُبْ وَجَدِّكَ يُسْلَبِ فَبَكِّ فَتَى دُنْيَا وَذَا الدِّينِ مُصْعَبًا ... وَأَعْوِلْ عَلَيْهِ وَاسْفَحِ الدَّمْعَ وَانْحَبِ لَقَدْ رَحَلَ الأقْوَامُ غَدْرًا وَغَادَرُوا ... بِمَسْكِنَ أَشْلاءَ الْهُمَامِ الْمحَجَّبِ صَرِيعَ فَتًى تَسْفِي عَلَى وَجْهِهِ الصَّبَا ... وَرِيحُ شَمَالٍ بَعْدَهَا رِيحُ أَجْنَبِ وَأَضْحَى بِدَيْرَ الْجَاثَلِيقِ مُلَحَّبًا ... فَلا يَبْعِدَنَّ مِنْ قَتِيلٍ مُلَحَّبِ سَقَى السَّارِيَاتُ الْجُونُ جُثْمَانَ مُصْعَبٍ ... وَأَجْلادَ عِيسَى الْمُرْتَجَى صَوْبَ صَيِّبِ وَفِتْيَانَ صِدْقٍ صُرِّعُوا ثَمَّ حَوْلَهُ ... عَلَى الْحَقِّ مَنْ لا يَعْرِفُ الْحَقَّ يَرْتَبِ أَمُصْعَبُ مَنْ يَحْرِبُ وَيُذْمَمْ فِعَالُهُ ... فَمَا كُنْتُ بِالْوَانِي وَلا الْمُتَحَرِّبِ لَقَدْ عِشْتُ ذَا حَزْمٍ وَجُودٍ وَنَائِلٍ ... فَيَا عَجَبًا لِدَهْرِكَ الْمُتَقَلِّبِ أَلَمْ تَكُ مِعْطَاءَ الْجَزِيلِ وَنَاعِشَ ... الْفَقِيرِ وَمَأْوَى كُلِّ عَافٍ وَمُجْدِبِ وَكُنَّا مَتَى نَعْتِبْ عَلَيْكَ وَنَلْتَمِسْ ... جَدَاكَ يَنَلْنَا مِنْ جَدَاكَ وَتُعْتِبِ فَقَدْ جَاءَنَا مِنْ بَعْدِكَ الْمَعْشَرُ الْعِدَى ... وَوَالٍ مَتَى يُنْطَقْ حَوَالِيهِ يَغْضَبِ وَإِنْ تُلْتَمَسْ مِنْهُ الزَّبَادَةُ وَالْجَدَا ... وَيُسْتَمْطَرِ الْمَعْرُوفَ يَغْضَبْ وَيَحْرِبِ وَتَسْمَرْ بِلا ذَنْبٍ أَكُفُّ غُزَاتِنَا ... وتُقْطَعُ أَيْدِيهِمْ وَشِيكًا وَيُصْلَبِ فَيَا دَهْرَنَا مِنْ قَبْلِ مَقْتِلِ مُصْعَبٍ ... أَلا ارْجِعْ بِدُنْيَانَا الرَّفِيعَةِ تَحْصِبِ وَبِالأمْنِ وَالْعَيْشِ الَّذِي حَلَّ دُونَهُ ... فَهَذَا زَمَانُ الْخَائِفِ الْمُتَرَقِّبِ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ أَسْلَمُوا أَمْسِ مُصْعَبًا ... بِحَدِّ سِنَانٍ سَمْهَرِيٍّ مُذَرَّبِ وَلِلسَّيْفِ نَغْشَاهُ وَيَفْرِي شُئُونَهُ ... وَكَانَ الْحَيَا لِلْمُفْلِحِ الْمُتَشَعِّبِ وَدَانُوا لِطَاغٍ قَدْ أَرَاقَ دِمَاءَهُمْ ... عَسُوفٍ صَدُوقٍ قَاسِطِ الْفِعْلِ مُشْغِبِ وَقَالَ لَهُمْ ذُوقُوا جَنَى مَا غَرَسْتُمُ ... أَلا رُبَّ بَانٍ لِلْعِمَارَةِ مُخْرِبِ كَانَ دَاوُدُ بْنُ قَحْذَمٍ، أَحَدُ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، أَوَّلَ مَنْ غَدَرَ بِمُصْعَبٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. وَقَالَ ابْنُ ظَبْيَانَ: يَرَى مُصْعَبٌ أَنِّي تَنَاسَيْتُ نَابِئًا ... لَبِئْسَ لَعَمْرُ اللَّهِ مَا ظَنَّ مُصْعَبُ فَوَاللَّهِ مَا أَنْسَاهُ مَا ذَرَّ شَارِقٌ ... وَمَا لاحَ فِي شَرْقٍ مِنَ الأَرْضِ كَوْكَبُ سَطَوْتَ عَلَيْهِ ظَالِمًا فَقَتَلْتَهُ ... فَقَصْرُكَ مِنِّي. . . . . . .

стр. 211

حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، عَنِ ابْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الأشْتَرِ وَهُوَ مَعَ مُصْعَبٍ كِتَابًا، فَأَتَى بَهَ مُصْعَبًا قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَهُ، فَفَضَّهُ مُصْعَبٌ فَقَرَأَهُ. فَقَالَ: يَا أَبَا النُّعْمَانِ، أَوَ مَا تَدْرِي مَا فِيهِ؟ قَالَ: لا، وَمَا فِيهِ؟ قَالَ: يَعْرِضُ عَلَيْكَ دِجْلَةَ وَمَا سَقَتْ، أَوِ الْفُرَاتَ وَمَا سَقَى، فَإِنْ أَبَيْتَ جَمَعَهُمَا لَكَ جَمِيعًا. قَالَ: أَلَقَى اللَّهَ تَعَالَى وَأَنَا أَجْذَمُ! لاهَا اللَّهُ إِذًا. فَقَالَ مُصْعَبٌ: إِنَّ هَذَا لَمَا يُرْغَبُ فِيهِ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَا كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ أَحَدٍ أَيْأَسَ مِنْهُ مِنِّي. وَمَا تَرَكَ أَحَدًا مِمَّنْ مَعَكَ إِلا وَقَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ، فَضَرِّبْ أَعْنَاقَهُمْ. قَالَ: كَيْفَ، وَلَمَ أَسْتَيْقِنْ؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَمَا إِذَا أَبَيْتَ ذَلِكَ فَابْعَثْ فَأَوْقِرْهُمْ حَدِيدًا، وَاطْرَحْهُمْ فِي أَبْيَضَ كِسْرَى، وَوَكِّلْ بِهِمْ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِمْ، فَإِنْ ظَفِرْتَ عَفَوْتَ، أَوْ عَاقَبْتَ، وَإِنْ كَانَتِ الأَخُرْى ضَرِّبْ أَعْنَاقَهُمُ. قَالَ: أَخَافَ أَنْ يَحْتَجُّوا عَلَيَّ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، يَقُولُونَ: حَبَسَنَا وَفَعَلَ بِنَا. دَعْ هَذَا عَنْكَ يَا أَبَا النُّعْمَانِ، إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا هُوَ غَيْرِي أَوْ غَيْرُكَ، إِمَّا أَنْ تَسِيرُوا، وَإِمَّا أَنْ أَسِيرَ. قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِصَاحِبِ خَيْلٍ، إِنَّمَا صَاحِبُ الْخَيْلِ مَنْ كَرَّ وَفَرَّ، وَإِنَّمَا أَنَا صَاحِبُ مُزَاحَفَةٍ. قَالَ: وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ إِذَا لَقِيَ الْحَرْبَ كَانَ مَعَهُ كُرْسِيَّانِ، يَحْمِلُ أَحَدَهُمَا فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَيُقَدِّمُ الآخَرَ، فَإِذَا زَحَفَ الْقَوْمُ جَلَسَ عَلَى ذَا وَقَدَّمَ الآخَرَ. فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَنْتَ غَدًا مَقْتُولٌ بِمَضْيَعَةٍ. فَقَالَ مُصْعَبٌ: وَاللَّهِ لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلا أَقْذِفَ بِنَفْسِي فِي الْبَحْرِ بُغْضًا لأَهْلِ الشَّامِ لَفَعَلْتُ، وَلَوْ لَمْ أَجِدْ إِلا النَّمْلَ، لَقَاتَلْتُ بِهِمْ أَهْلَ الشَّامِ. فَتَقَدَّمَ، فَلَمَّا اصْطَفَ النَّاسُ مَالَ عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ بِالْخَيْلِ فَذَهَبَ بِهِمْ إِلَى الْكُوفَةِ، فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ لِرَجُلٍ رَجُلٍ: تَقَدَّمْ. فَيَأْبَوْنَ عَلَيْهِ، فَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفَّ مُصْعَبٌ فَخَذَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لِحَجَّارِ بْنِ أَبْجَرَ الْعِجْلَيِّ: تَقَدَّمْ يَا أَبَا أُسَيْدٍ، قَالَ: إِلَى هَذِهِ الْعَذْرَةِ؟ قَالَ: مَا تَتَأَخَّرُ إِلَيْهِ أَنْتِنُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْغَضْبَانِ بْنِ الْقَبَعْثَرَى، فَقَالَ: تَقَدَّمْ يَا أَبَا الشَّمْطِ. فَقَالَ: مَا أَرَى ذَاكَ. فَالْتَفَتَ إِلَى قَطْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيِّ، وَهُوَ عَلَى مَذْحِجٍ وَأَسَدٍ. فَقَالَ: تَقَدَّمْ. قَالَ: أُسْفِكُ دِمَاءَ مَذْحِجٍ فِي غَيْرِ شَيْءٍ. فَقَالَ مُصْعَبٌ: أُفٍّ لَكُمْ. ثُمَّ أَقْبَلَ فِي عِدَّةٍ. فَلَمَّا بَرَزَ قَالَ زِيَادُ بْنُ عَمْرٍو الْعَتَكِيُّ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ صَدِيقًا لِي، وَقَدْ خِفْتُ أَنْ يُقْتَلَ، فَآمِنْهُ. قَالَ: هُوَ آمِنٌ. فَأَقْبَلَ زِيَادٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ.

стр. 212

فَقَالَ: يَا أَبَا الْبَخْتَرِيِّ إِلَيِّ أُكَلِّمْكَ وَأَسْائَلْكَ عَنْ شَيْءٍ، فَأَقْبَلَ، فَلَمَّا اخْتَلَفَ رَأْسَا فَرَسَيْهِمَا وَضَعَ يَدَهُ فِي مَنْطِقَتِهِ ثُمَّ جَذَبَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: يَا أَبَا الْمُغِيرَةِ، أُنَشِدُكَ اللَّهَ أَنْ تُلِيمَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: يَا أَبَا الْبَخْتَرِيِّ، إِنِّي أَضِنُّ بِكَ مِنْ ذَاكَ. ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأمَّنَهُ، وَأَقْبَلَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ وَكَانَ عَلَى مُقَدِّمَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ لِمُصْعَبٍ: يَا ابْنَ عَمِّي، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُؤَمِّنُكَ عَلَى كُلِّ مَالٍ وَدَمٍ أَصَبْتَهُ. قَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَازِ. وَرُمِيَ مُصْعَبٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. فَأُثْخِنَ. فَقَالَ لابْنِهِ عِيسَى: انْصَرِفْ. فَقَالَ: لا وَاللَّهِ لا تَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ النِّسَاءُ. قَالَ: فَتَقَدَّمْ أَحْتَسِبْكَ. فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ، وَقَدْ كَانَ مُصْعَبٌ قَتَلَ أَخَاهُ النَّابِئَ، فَدَنَا مِنْ مُصْعَبٍ وَقَدْ كَانَ أُثْخِنَ، فَلَمْ يَسْتَطِعِ التَّقَدُّمَ، فَقَالَ لِفِتْيَانِ قَوْمِهِ: شُدُّوا. . . . مِنْ ظَهْرِي، فَتَقَدَّمَ وَمَا يُحَرَّكُ مُصْعَبٌ. لَمَّا تَفَرَّقَ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنْ مُصْعَبٍ فَلَمْ يَثْبُتْ مَعَهُ إِلا رَجُلانِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: يَحْيَى بْنُ مُبَشِّرٍ الْيَرْبُوعِيُّ، وَمُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ، وَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَشْتَرِ. فَقُتِلُوا جَمِيعًا، وَبَقِيَ مُصْعَبٌ وَحْدَهُ فِي نَفَرٍ، فَقَاتَلَ حَتَّى عُقِرَ بِهِ عِيرُ فَرَسٍ، وَصَارَ يَقْعُدُ عَلَى كُرْسِيٍّ قَدْ وُضِعَ لَهُ، حَتَّى يَشُدَّ عَلَى الْقَوْمِ فَيَنْفَرِجُونَ لَهُ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الْكُرْسِيَّ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لا يَصِلُونَ إِلَيْهِ دَثُّوهُ بِالْحِجَارَةِ، حَتَّى أَثْخَنُوهُ فَصُرِعَ، فَشَدَّ عَلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنُ ظَبْيَانَ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَتَى عَبْدَ الْمَلِكِ بِرْأَسِهِ، وَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ الْبَجَلِيُّ: نَحْنُ قَتَلْنَا مُصْعَبًا وَعِيسَى ... نَحْنُ أَذَقْنَا مُضَرَ التَّبْئِيسَا وَقَدْ قَتَلْنَا مِنْهُمُ رَئِيسَا وَتَنَقَّصَ رَجُلٌ مُصْعَبًا عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ شِرِّيبًا، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: «اسْكُتْ لا أُمَّ لَكَ. فَلَوْ عَلِمَ مُصْعَبٌ أَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ يُنْقِصُ مِنْ مُرُوءَتِهِ مَا شَرِبَهُ» . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَيُّ بَنِي الزُّبَيْرِ أَشْجَعُ؟ قَالَ: «مَا مِنْهُمَا إِلا شُجَاعٌ، وَمَا مِنْهُمَا إِلا مَنْ مَشَى إِلَى الْمَوْتِ وَهُوَ يَرَاهُ» . حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: " أَذِنَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَوْمًا لِخَاصَّتِهِ فَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَلَى عَيْبِ مُصْعَبٍ بَعْدَ قَتْلِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ نَظْرَةَ كَرَاهَةٍ لِمَا قَالَ، وَقَالَ: أَمْسِكْ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَنْ صَغَّرَ مَقْتُولا صَغَّرَ قَاتِلَهُ قَالَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ: " أَشْجَعُ النَّاسِ ثَلاثَةٌ: ابْنُ الْكَلْبِيَّةِ، وَأَحْمَرُ قُرَيْشٍ، وَرَاكِبُ الْبَغْلَةِ، فَابْنُ الْكَلْبِيَّةِ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أُفْرِدَ فِي سَبْعَةٍ، وَأُعْطِيَ الأَمَانَ وَوِلايَةَ الْعِرَاقِ، فَأَبَى وَمَاتَ كَرِيمًا.

стр. 213

وَأَحَمْرُ قُرَيْشٍ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، مَا لَقِيَ خَيْلا قَطُّ إِلا كَانَ فِي سَرْعَانِهَا، وَرَاكِبُ الْبَغْلَةِ عَبَّادُ بْنُ حُصَيْنٍ الْحَبَطِيُّ، مَا كُنَّا فِي كُرْبَةٍ قَطُّ إِلا فَرَّجَهَا ". قَالَ: فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ، وَكَانَ حَاضِرًا: وَيْحَكَ فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمِ السَّلَمِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؟ قَالَ: وَيْحَكَ إِنَّمَا ذَكَرْنَا الْإِنْسَ، فَأَمَّا الْجِنُّ فَلَمْ نَذْكُرْهُمْ. حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: " لَمَّا قَتَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَذِنَ لِلنَّاسِ إِذْنًا عَامًّا، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَجُثَّةُ عَمْرٍو فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا أَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ تَكَلَّمَ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَقَالَ: ارْمُوا بِأَبْصَارِكُمْ نَحْوَ مَصَارِعِ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ، وَاجْعَلُوا سَلَفَهُمْ لِمَنْ غَبَرَ مِنْكُمْ عِظَةً، وَلا تَكُونُوا أَغْفَالا مِنْ حُسْنِ الاعْتِبَارِ، فَتَنْزِلَ بِكُمْ جَانِحَةُ السَّطْوَةِ، وَتَجُوسَ خِلالَكُمْ بَوَادِرُ النِّقْمَةِ، وَتَطَأَ رِقَابَكُمْ بِثِقَلِهَا الْمَعْصِيَةُ، فَتَجْعَلَكُمْ هَمْدًا رُفَاتًا، وَتَشْتَمِلَ عَلَيْكُمْ بُطُونَ الأَرْضِ أَمْوَاتًا. إِيَّايَ مَنْ قَوْلِ قَائِلٍ، وَسَفَهِ جَاهِلٍ، فَإِنَّمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أَنْ أَسْمَعَ النَّعْرَةَ، فَأُصَمِّمُ تَصْمِيمَ الْحُسَامِ الْمَطْرُورِ، وَأَصُولُ صِيَالَ الْحَنِقِ الْمَوْتُورِ، إِنَّمَا هِيَ الْمُصَافَحَةُ وَالْمُكَافَحَةُ، بِظُبَاتِ السُّيُوفِ، وَأَسَنَّةِ الرِّمَاحِ، وَالْمُعَاوَدَةِ لَكُمْ بِسُوءِ الصَّبَاحِ، فَتَابَ تَائِبٌ، أَوْ هَلَكَ خَائِبٌ، وَالتَّوْبُ مَقْبُولٌ، وْالإِحْسَانُ مَبْدُولٌ، لِمَنْ أَبْصَرَ حَظَّهُ، وَعَرَفَ رُشْدَهُ، فَانْظُرُوا لأنَفُسِكُمْ، وَأقْبِلُوا عَلَى حُظُوظِكُمْ، وَلْيَكُنْ أَهْلُ الطَّاعَةِ مِنْكُمْ يَدًا عَلَى ذِي الْجَهْلِ مِنْ سُفَهَائِكُمْ، وَاسْتَدِيمُوا النِّعْمَةَ الَّتِي ابْتَدَأَتْكُمْ بِرَغَدِ عَيْشِهَا، وَنَفِيسِ زِينَتِهَا، فَإِنَّكُمْ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ فَضِيلَتَيْنِ، عَاجِلِ الْخَفْضِ وَالدَّعَةِ، وَآجِلِ الْجَزَاءِ وَالْمَثُوبَةِ، عَصَمَكُمُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَفِتْنَتِهِ وَنَزْغِهِ، وَأَيَّدَكُمْ بِحُسْنِ مَعُونَتِهِ وَحِفْظِهِ، انْهَضُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ لِقَبْضِ أُعْطِيَاتِكُمْ، غَيْرَ مَقْطُوعَةٍ، وَلا مُكَدَّرَةٍ عَلَيْكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: فَخَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ عِنْدِهِ بِدْارًا، كُلُّهُمْ يَخَافُ أَنْ تَكُونَ السَّطْوَةُ بِهِ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُتْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَلَسَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ مَجْلِسًا فِي زَمَانِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ وَلِيُّ عَهْدٍ، وَحَضَرَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَتَمَازَحَا سَاعَةً، وَتَذَاكَرَا الشِّعرَ وَأَيَّامَ الْعَرَبَ، حَتَّى أَفْضَى بِهِمَا الْحَدِيثُ إِلَى أَنْ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا مُعَاوِيَةَ إِلَى الْمُنَافَرَةِ وَالْمُفَاخَرَةِ فِي مَجْلِسِنَا هَذَا بِكَلامٍ يَحْسُنُ إِنْ رُوِيَ، وَيَعْذُبُ إِنْ حُكِيَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ: فَخْرِي فَخْرُكَ، وَذِكْرِي ذِكْرُكَ، وَمَا لأَحَدٍ مِنَّا عَلَى صَاحِبِهِ فَضْلٌ، وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يُخْرِجَنَا ذَلِكَ إِلَى مَا لا نُحِبُّهُ، وَلا نُرِيدُهُ.

стр. 214

فَقَالَ الْوَلِيدُ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ أنْ يَعْرِضَ هَذَا فِي نَفْسِكَ. فَإِنَّهُ غَيْرُ كَائِنٍ. قَالَ: فَافْتَخَرَ الْوَلِيدُ مُبْتَدِئًا، فَقَالَ: أَنَا ابْنُ يَزِيدَ السَّيِّدِ الْعَمِيدِ مَنْ أَنَافَ فَفَاقَ شَرَفُهُ، وَكَرُمَ أَصْلُهُ، وَطَرْقُهُ. وَسَهُلَ بَابُهُ وَكَفُّهُ، وَاشْتَدَّ مِنَ الضَّيْمِ أَنَفُهُ، هُوَ الَّذِي قُسِّمَتْ مَنَافِعُهُ، وَعَمَّتْ صَنَائِعُهُ، وَتَتَابَعَتْ وَقَائِعُهُ، كَانَتْ إِلَيْهِ تَعْمِدُ الْوُفُودُ، وَبِسِيَاسَتِهِ تُرَاضُ الْجُنُودُ، وَبِأَمْرِهِ تُعْهَدُ الْعُهُودُ، وَتَتَضَاءَلُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ الأُسُودُ. ثُمَّ لَعَبْدِ الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ إِذَا سَابَقَ الأَكفَاءَ سَبَقَ، وَإِذَا نَطَقَ صَدَقَ، وَيَفْرِي كُلَّمَا خَلَقَ، وَتُحْيِي مَخَائِلُهُ، إِذَا وَدَقَ، وَيَرْتِقُ إِذَا فُتِقَ، وَلا يُفْتَقُ مَا رَتَقَ، كَانَ تُهْزَمُ الْجُيُوشُ بِاسْمِهِ، وَتَضِلُّ الْحُلُومُ فِي حِلْمِهِ، وَيِعِيشُ أَهْلُ الرَّأْيِ بِعِلْمِهِ، وَيَعْدِلُ فِي حُكْمِهِ وَقَسْمِهِ، وَيَعْرِفُ فَضْلَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ. هُوَ الَّذِي قَارَعَ عَنِ الْمُلْكِ فَفَلَجَ، وَأَدْمَجَ حَبْلَ الْجَمَاعَةِ فَانْدَمَجَ، وَأَرْتَجَ بَابَ الْبَاطِلِ فَارْتُتِجَ، وَلاقَ بِهِ الْمُلْكُ وَابْتَهَجَ. ثُمَّ لِمَرْوَانَ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ، وَتَالِي الْقُرْآنِ، سَمَا لِلْمُلْكِ، فَذَلَّلَ صَعْبَهُ وَرَدَّ مِنْ كُلِّ رَئِيسٍ شَغْبَهُ، وَنَفَّسَ عَنْ كُلِّ مَكْرُوبٍ كَرْبَهُ، وَأَيَّدَ اللَّهُ بِالنَّصْرِ حِزْبَهُ، وَوَرَّثَ الإِمَامَةَ وَالْخِلافَةَ عَقِبَهُ، كَانَ يُسْتَظَلُّ بِظِلِّهِ، وَيَفِي بِعَهْدِهِ، وَيَجْبِي الْمَالَ مِنْ حِلِّهِ، وَيَضَعُهُ فِي أَهْلِهِ، وَيُعْرَفُ هَدْيُهُ فِي سُبُلِهِ، ثُمَّ لِلْحَكَمِ الْمَاجِدِ الْعَلَمِ، كَانَ لا تُخْمَدُ نِيرَانُهُ، وَلا تُذَمَّ جِفَانُهُ، وَلا تُؤْمَنُ أَضْغَانُهُ، وَلا يُقَدَّرُ شَأْنُهُ، ثُمَّ لأَبِي الْعَاصِ، الْكَرِيمِ الْمَحَلِّ وَالْعِرَاصِ، كَانَ يُصْدَرُ عَنْ رَأْيِهِ، وَيُوثَقُ بِرَأْيِهِ، وَيُعَاشُ بِحِبَائِهِ، وَيُؤْمَنُ بِغِنَائِهِ، وَيُقْتَاسُ عَلَى بِنَائِهِ. ثُمَّ لأُمَيَّةَ الَّذِي وَلِيَ كُلَّ عَلِيَّةٍ، وَلَدَ الْقُرُومَ فَأَنْجَبَ، وَغَالَى بِالْحَمْدِ فَأَرْغَبَ، وَزُوِّقَ عَلَيْهِ الْمَجْدُ وَطُنِّبَ، وَأَرْوَى زَنْدَهُ وَأَثْقَبَ، وَبَذَلَ مَالَهُ فَأَنْهَبَ. ثُمَّ لِعَبْدِ شَمْسٍ فَارجِ كُلِّ لَبْسٍ، لَيَّاذِ قُرَيْشٍ إِذَا حُصِّلُوا، وَحَلِيمِهَا إِذَا جَهِلُوا، وَجَبَلِهَا إِذَا زُلْزِلُوا، وَزَعِيمِهَا إِذَا احْتَفَلُوا، وَرَبِيعِهَا إِذَا أُمْحِلُوا. وَأَفْتَخِرُ بِفَتَى الْفِتْيَانِ، يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، كَانَ سَمْحَ السُّمَحَاءِ، وَلَبِيبَ الأَلِبَّاءِ، الَّذِي كَمَّلَ الْجُودَ وَالأَصَالَةَ وَالْبَرَاعَةَ، وَلَدَتْهُ الْقَرُومُ مِنْ قُضَاعَةَ.

стр. 215

ثُمَّ لِقَرِيعِ الأَنَامِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ أَثْمَنِ مَنْ فِي الْمَكَارِمِ جَوْهَرُهُ، ثُمَّ غَطَّى الْفَاخِرَ مَفْخَرُهُ، وَبَذَّ أَخْيَارَ النَّاسِ خَيْرُهُ، وَزَهَا بِهِ سَرِيرُهُ، وَمِنْبَرُهُ، طُبِعَتْ عَلَى الْحِلْمِ سَجِيَّتُهُ، وَكَمُلَتْ أَخْلاقُهُ وَمُرُوءَتُهُ، وَاسْتَوَتْ عَلانِيَتُهُ وَسَرِيرَتُهُ، وَرَضِيَتْ بِسِيَاسَتِهِ رَعِيَّتُهُ، وَحَبْرُ الأَشْرَافِ عَطِيَّتُهُ، مَنْ طَلَبَ فأَدَرْكَ بثِأَرْهِ، وَشَمَّرَ لِلْحَرْبِ بِأَنْصَارِهِ، وَأَخَذَ الأَمْرَ مِنْ أقَطْارِهِ، ثُمَّ لِصَخْرٍ مَعْدِنِ النُّبْلِ وَالْفَخْرِ، مَفْزَعِ قَوْمِهِ إِذَا رَهِبُوا، وَغِيَاثِهِمْ إِذَا أَجْدَبُوا، وَمِدْرَهِهِمْ إِذَا خَطَبُوا، وَفَارِسِهِمْ إِذَا رَكِبُوا، مُيَسِّرِ كُلِّ عَسِيرٍ، وَرَئِيسِ كُلِّ كَبِيرٍ، وَبَدْرِ كُلِّ مُنِيرٍ، ثُمَّ لِحَرْبٍ مُنَفِّسِ كُلِّ كَرْبٍ، قَائِدِ قَوْمِهِ فِي الْحَقَائِقِ، وَعِصْمَتِهِمْ فِي الْوَثَائِقِ، وَحَامِيهِمْ فِي الْمَضَايِقِ، يَعْلُو عَلَى الْمَنَازِعِ فِي خِصَامِهِ، وَتَثْبُتُ قَدَمُهُ فِي مَقَامِهِ، وَتُؤْثَرُ أَمْثَالُ كَلامِهِ، وَيَزْدَحِمُ النَّاسُ عَلَى طَعَامِهِ، وَتَتَحَدَّثُ الْمَوَاسِمُ بِأَيَّامِهِ. فَلَمَّا فَرَغَ الْوَلِيدُ، قَالَ لعَبْدِ اللَّهِ: تَكَلَّمْ. فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَا عَبْدُ اللَّهُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَا ابْنُ الْبُدُورِ الزَّوَاهِرِ، وَالْبُحُورِ الزَّوَاخِرِ، وَالْغُيُوثِ الْمَوَاطِرِ، وَاللُّيُوثِ الْهَوَاصِرِ، الَّذِينَ بَرَزَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ شَأْوُهُمْ، وَأَنَافَ عَلَى كُلِّ بِنَاءٍ بِنَاؤُهُمْ، وَكَانَ خَيْرَ الآبَاءِ آبَاؤُهُمْ، أَنَا ابْنُ الْفُرُوعِ الزَّكِيَّةِ، وَالْمَصَابِيحِ الْمُضِيَّةِ، وَالأَشْيَاخِ الرَّضِيَّةِ، الْهُدَاةِ الْمَهْدِيَّةِ، ضَرَبُوا بِأَسْيَافِهِمْ عَلَى التُّقَى، وَأَقَامُوا لِلنَّاسِ مَعَالِمَ الْهُدَى. وَاسْتَنْقَذُوهُمْ مِنَ الضَلالَةِ وَالرَّدَى، وَدَوَّخُوا صَنَادِيدَ الْعِدَا. أَخْرَجَنَا اللَّهُ مِنْ أَكْرَمِ طِينَةٍ، وَاصْطَفَانَا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمَكْنُونَةِ، وَاخْتَصَّنَا بِالْوَحْيِ وَالدَّيْنُونَةِ، وَجَعَلَ لَنَا السُّنَنَ الْمَسْنُونَةَ، يَنْزِلُ وَحْيُ اللَّهِ فِي أَبْيَاتِنَا، وَيُمْلِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، عَلَى آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، تَحِلُّ الْمَلائِكَةُ بِعَقْوَاتِنَا، فَلَنَا كلُّ فَضْلٍ مَعْدُودٍ، وَسَنَاءٍ مَحْمُودٍ، وَنَحْنُ زَيْنُ كُلِّ مَشْهُودٍ , وَغُرَّةُ كُلِّ طَارِفٍ وَمَتْلُودٍ. مِنَّا خِيرَةُ اللَّهِ الْمُصْطَفَى، وَرَسُولُهُ الْمُجَتَبَى، وَأَمِينُهُ الْمُرْتَضَى، وَالْمُؤْثَرُ بِسِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، ﷺ ، وَمِنَّا حَمْزَةُ أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ، وَحَامِيَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَآفَةُ الْمُشْرِكِينَ، وَسَيِّدُ شُهَدَاءِ الْعَالَمِينَ، كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَهِيبًا، وَلِمَالِهِ وَهُوبًا، وَفِي الإِسْلامِ سَبَّاقًا خَطِيبًا، وَعَلَى الأَعْدَاءِ أَبَّاءً صَلِيبًا. وَمِنَّا عَلِيٌّ ذُو السَّوَابِقِ الْبَاسِقَةِ، وَالْمَنَاقِبِ الْفَائِقَةِ، الَّذِي لَيْسَتْ كَسَابِقَتِهِ سَابِقَةٌ، أَقْدَمُ قُرَيْشٍ سَبْقًا، وَأَعْلَمُهُمْ عِلْمًا، وَأَجْوَدُهُمْ فَهْمًا، وَأَرْجَحُهُمْ حِلْمًا، وَأَكْرَمُهُمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ نَفْسًا، وَأَفْضَلُهُمْ وَلَدًا وَعُرْسًا، وَخَيْرُهُمْ مَحْتِدًا وَجِنْسًا، أَصْدَقُ الْعَرَبِ بَأْسًا وَأَشَدُّهُمْ مِرَاسًا.
следующие страницы →