Полный текст (252 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
قَالَ: فَدَعَا بِدَوَاةٍ ثُمَّ كَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا عَهِدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ كَفَّ عَنِ الْكِتَابِ، قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ، قَالَ: ثُمَّ أَتَمَّ الْكِتَابَ.
هَذَا مَا عَهِدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَإِنْ حَدَثَ بِعَبْدِ اللَّهِ حَدَثُ الْمَوْتِ فَإِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى
١٠٩ - حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: أُتِيُ عُمَرُ بِبُرُودٍ، فَقَالَ لِلَّذِي أَتَاهُ بِهَا: أَخْرِجْ لِي خَيْرَهَا وَشَرَّهَا، ثُمَّ قَالَ: عَلَيَّ بِالْحَسَنِ، فَلَمَّا أَتَاهُ دَفَعَ إِلَيْهِ خَيْرَهَا، ثُمَّ قَالَ لِشَرِّهَا: هَذَا نَصِيبُ عُمَرَ، وَقَسَّمَ الْبُرُودَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ حَدَثَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ حَدَثٌ، فَقَامَ عُمُرُ خَطِيبًا، وَعَلَيْهِ حُلَّةُ بُرْدَيْنِ، ائْتَزَرَ بَأَحَدِهِمَا، وَارْتَدَى بِالأُخْرَى.
فَقَالَ سَلْمَانُ: لا نَسْمَعُ.
قَالَ عُمَرُ: لِمَ؟ قَالَ: كَسَوْتَنَا بُرْدًا، وَنَرَى عَلَيْكَ بُرْدَيْنِ.
فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَرَّتَيْنِ.
فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ.
فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ.
فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: نَاشَدْتُكَ اللَّهَ أَمَا كَسَوْتُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْبُرْدَيْنِ؟ قَالَ: بَلَى.
فَقَالَ سَلْمَانُ: قُلْ مَا شِئْتَ نَسْمَعُ لَكَ وَنُطِيعُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: " كَتَبَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ عَلَى عَيْنِي، ثُمَّ عَلَى فَمِي، ثُمَّ عَلَى صَدْرِي، وَاللَّهِ لَئِنْ وَضَعْتُكُمْ تَحْتَ قَدَميَّ لَأَطَأَنَّكُمْ وَطْأَةً أَقِلُّ مِنْهَا عَدَدَكُمْ، وَأَتْرُكُكُمْ أَحَادِيثَ تُنْسَخُ مَعَ أَحَادِيثَ عَادٍ وَثَمُودَ.
ثُمَّ تَمَثَّلَ هَذَا الشِّعْرَ:
أَظُنُّ الْحِلْمَ دَلَّ عَلَيَّ قَوْمِي ... وَقَدْ يُسْتَجْهَلُ الرَّجُلُ الْحَلِيمُ
وَمَارَسْتُ الرِّجَالَ وَمَارَسُونِي ... فَمُعْوَجٌّ عَلَيَّ وَمُسْتَقِيمُ
وَلَكِنِّي أُلاقِي مُنْكَرَاتٍ ... فَأُنْكِرُهَا وَمَا أَنَا بِالظَّلُومُ
وَاللَّهِ مَا أَدْرِي، يَأْتِينِي بَعْدَ كِتَابِي هَذَا، إِلا خَلْعُكُمْ، وَلا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي إِلا نِقْمَتَكُمْ، فَإِذَا شِئْتُمْ، فَلا أَفْلَحَ مَنْ نَدِمَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُتْبِيُّ، يَقُولُ: " سَأَلَ أَعْرَابِيٌّ رَجُلا فَأَعْطَاهُ.
فَقَالَ: جَعَلَ اللَّهُ الْمَعْرُوفَ عَلَيْكَ دَلِيلا، وَالْخَيْرَ شَاهِدًا، وَلا جَعَلَ حَظَّ القَّائِلِ مِنْكَ عُذْرًا ضَائِعًا ".
وَقَالَ: سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَدْعُو فِي الصَّلاةِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي عَمَلَ الْخَائِفِينَ، وَخَوْفَ الْعَامِلِينَ، حَتَّى أَتَنَعَّمَ بِتَرْكِ النَّعِيمِ طَمَعًا فِيمَا وَعَدْتَ وَخَوْفًا مِمَّا أَوْعَدْتَ» .
حَدَّثَنِي مُبَارَكٌ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ يُونُسَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْمَنْصُورَ، يَقُولُ: " الْخُلَفَاءُ أَرْبَعَةٌ، وَالْمُلُوكُ أَرْبَعَةٌ: فَالْخُلَفَاءُ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ ﵃.
عَلِيٌّ مَا نَالَ، وَنِيلَ مِنْهُ أَعْظَمُ، وَلَنِعْمَ الرَّجُلُ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ مِثْلُ قِدَمِ هَؤُلاءِ وَسَابِقَتِهِمْ.
стр. 72
وَالْمُلُوكُ: مُعَاوِيَةُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَهِشَامٌ، وَأَنَا، وَلَنِعْمَ رَجُلُ الْحَرْبِ كَانَ حِمَارُ الْجَزِيرَةِ، مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ طَابَعُ الْخِلافَةِ
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِيِ بَكْرٍ الْمُؤمَّلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِيِ عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: " صَارَ أَعْرَابِيٌّ مِنَ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ إِلَى مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
فَأَقَامَ بِبَابِهِ حِينًا لا يَصِلُ إِلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الْعَامَّةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَأَصَابَ مِنَ الطَّعَامِ مَعَ النَّاسِ، ثُمَّ قَامَ فَسَلَّمَ عَلَى مَسْلَمَةَ، فَرَدَّ مَسْلَمَةُ السَّلامَ.
فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَلِيفَةِ، زُرْتُكَ وَأَنْتَ غُرَّةُ مُضَرَ وَحُسَامُهَا، حِينَ تُذْكَرُ، لِأَنَّكَ تَعَطَّفَتْ عَلَيْكَ الأَمْلاكُ، فَلَيْسَ يَخَافُ ضَيفٌ لَدَيْكَ الْهَلاكَ، وَأَنْتَ فِي فَرْعٍ مِنَ الْفُرُوعِ نُضَارٌ وَرِثْتَهُ عَنِ الأَكَابِرِ الْكِبَارِ، وَمِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمَرْوَانَ، هُنَالِكَ الْفَضْلُ وَالْبَيَانُ، وَالْعِزُّ وَالسُّلْطَانُ سَادُوا النَّاسَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِدَمًا، وَفِي الْإِسْلامِ خَيْرًا وَكَرَمًا.
فَلَكَ كَفَّانِ، كَفٌّ تُمْطِرُ النَّدَى، وَالأُخْرَى سِمَامٌ يَقْتُلُ الْعِدَى، وَإِنَّكَ وَاللَّهِ لَتَقِيٌّ، وَمِنَ الأَدْنَاسِ نَقِيٌّ، وَإِنَّكَ لَمُهَذَّبٌ فِي الْكِرَامِ، فَلَيْسَ يَفُوقُكَ أَحَدٌ مِنَ الأَنَامِ، وَإِنَّكَ لَفِي بَحْرٍ مِنَ الْمَجْدِ، قَدْ رُزِقْتَ مِنَ الْحَمْدِ.
فَالنَّاسُ لَدَى بَابِكَ يَرْجُونَ نَدَى فَضْلِكَ، مِنْ عَوَائِدِ سِيَبِكَ، لَأَنَّكَ لِلْجُودِ حَلِيفٌ، وَلَأَنَّ الْجُودَ عَلَيْكَ يَطُوفُ.
تَرَاهُ عَلَيْكَ وَطَيْفَهُ، تَسْجِلُهَا مِنْ بُحُورٍ عَرِيضَةٍ.
فَقَالَ مَسْلَمَةُ: وَاللَّهِ يَا أَعْرَابِيُّ إِنَّكَ لَفَصِيحٌ.
قَالَ: أَجَلْ، وَأَنَا مَعَ ذَلِكَ صَرِيحٌ.
قَالَ: فَمَا تَكَادُ تَجِدُ أَعْرَابِيًّا عَاقِلا.
قَالَ: وَمَا يُذْهِبُ عَقْلَهُ لَوْ كَانَ كَامِلا؟ قَالَ: لأَنَّهُ قَلَّمَا يُخَالِطُ النَّاسَ.
قَالَ: فَذَاكَ أَكْيَدُ لَهُ عِنْدَ النَّاسِ.
قَالَ: وَأَنَّى لَهُ بِالْبَأْسِ، وَهُوَ لا يَرَى الْقِتَالَ؟ قَالَ: يَكُونُ غَمْرًا فَيَجْتَرِئُ عَلَى الأَبْطَالِ.
قَالَ: وَأَنَّى لَهُ الْجَرَاءَةُ وَلَمْ يَجْتَرِئْ؟ قَالَ: أَنْ يُصَمِّمَ الْحَمْلَةَ ثُمَّ يَصْبِرَ.
قَالَ: وَكَيْفَ يَصْبَرُ عَلَى الطِّعَانِ؟ قَالَ: تَرَاهُ فَرْضًا تَفْرِضُهُ الأَقْرَانُ.
قَالَ مَسْلَمَةُ: يَا عَجَبًا لِهَذا الأَعْرَابِيِّ.
قَالَ: وَمَا يُعْجِبُكَ مِنِّي يَا ابْنَ الْخَلِيفَةِ، وَمِنْ صَوَابِي؟ قَالَ مَسْلَمَةُ: وَمَا جَعَلَكَ بِالصَّوَابِ، أَوْلَى مِنْ غَيْرِكَ؟ قَالَ: إِنَّهَا سَجِيَّتِي، وَعَلَيْهِ رَكَّبْتُ طَبِيعَتِي، فَنَفِّسْ كُرْبَتِي، وَأَجْزِلْ عَطِيَّتِي، وَرُدَّنِي إِلَى بَلَدِي.
قَالَ: وَأَيْنَ تَسْكُنُ؟ قَالَ سَرَاةَ الطَّائِفِ.
قَالَ مَسْلَمَةُ: مَعَدِنُ الْعِنَبِ وَالزَّبِيبِ؟ ، قَالَ: نَعَمْ، لِسَانٌ بَدَويٌّ، وَبَلَدٌ عَلَوِيٌّ.
قَالَ فَاحْتَكِمْ.
قَالَ: أَحْتَكِمُ عَشْرَةَ جِلالٍ تَمْرًا وَعَشْرَةَ أَعْنِزٍ، وَقَطِيفَةً لِلْعِيَالِ، وَجَمَلا نَجْعَلُ عَلَيْهِ مَتَاعَنَا، وَثَلاثِينَ دِرْهَمًا.
فَأَمَرَ لَهُ بِمَا طَلَبَ
стр. 73
١١٥ - حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، قَالَ: صَعِدَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْمِنْبَرَ لَمَّا بُويِعَ بِالْخِلافَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ارْتُجَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَلِينَاكُمْ قَرِيبًا، وَعَدْلُنَا عَلَيْكُمْ خَيْرٌ مِنْ خُطَبِنَا فِيكُمْ، وَإِنْ أَعِشْ يَأْتِكُمُ الْكَلامُ عَلَى جِهَتِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ "
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ: وَيُرْوَى عَنْهُ ﵀، أَنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ارْتُجَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَرْكَبٍ صَعْبٌ، وَمَا كُنَّا خُطَبَاءَ، وَسَيَعْلَمُ اللَّهُ، وَإِنَّ امْرَأً لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ إِلا أَبٌ مَيِّتٌ لَمَوْعُوظٌ» .
ثُمَّ نَزَلَ
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ: " وَقَفَ ثَابِتٌ قُطْنَةُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِالسِّنْدِ، فَارْتُجَّ عَلَيْهِ، فَنَزَلَ، فَقَالَ:
وَإِنْ لا أَكُنْ فِيكُمْ خَطِيبًا فَإِنَّنِي ... بِسَيْفِي إِذَا جَدَّ الْوَغَى لَخَطِيبُ
فَقِيلَ لَهُ: لَوْ قُلْتَ هَذَا عَلَى الْمِنْبَرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ مِنْهُ كُنْتَ أَخْطَبَ النَّاسِ قَالَ: وَارْتُجَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيِّ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا الْكَلامَ يَجِيءُ أَحْيَانًا، وَيَعْزُبُ أَحْيَانًا، وَرُبَّمَا طُلِبَ فَأَبَى، وَكُوثِرَ فَقَسَا، فَالتَّأَنِّي لِمَجِيئِهِ أَيْسَرُ مِنَ التَّعَاطِي لِأَبِيهِ، وَقَدْ يَخْتَلِجُ مِنَ الْجَرِيءِ جَنَانُهُ، وَيَنْقَطِعُ مِنَ الذَّرِبِ لِسَانُهُ، فَلا يُبْطِرُهُ الْقَوْلُ إِذَا اتَّسَعَ، وَلا يُسْكِرُهُ النُّطْقُ إِذَا امْتَنَعَ، وَسَأَعُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» .
وَقَالَ: شَكَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ إِلَى زِيَادِ بْنِ أَبِيِهِ، وَهُوَ كَاتِبُهُ عَلَى الْعِرَاقِ، الْحَصْرَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَمِعْتَ كَلامَ غَيْرِكَ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ اسْتَكْثَرتَ مَا يَكُونُ مِنْكَ.
قَالَ: فَكَيْفَ أَسْمَعُ ذَاكَ؟ قَالَ: رُحْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَكُنْ مِنَ الْمَقْصُورَةِ بِالْقُرْبِ حَتَّى أُسْمِعَكَ خُطَبَ النَّاسِ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، قَالَ زِيَادٌ: إِنَّ الأَمِيرَ سَهِرَ الْبَارِحَةَ فَلَيْسَ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجَ إِلَى الصَّلاةِ والْتَفَتَ رَجُلٌ إِلَى رَجُلٍ مِنْ سَادَةِ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ لَهُ: قُمْ فَاخْطُبْ، وَصَلِّ بِالنَّاسِ.
فَلَمَّا أَوْفَى عَلَى ذُرْوَةِ الْمَنْبَرِ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
قَالُوا: قَبَّحَكَ اللَّهُ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ، يَقُولُ: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، وَتَقُولُ أَنْتَ: فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
فَنَزَلَ وَالْتَفَتَ إِلَى شَرِيفٍ لِرَبِيعَةَ، فَقَالَ لَهُ: قمْ فَاخْطُبْ، فَلَمَّا ارْتَقَى عَلَى الْمِنْبَرِ ضَرَبَ بِطَرَفِهِ، فَوَقَعَ عَلَى جَارٍ لَهُ كَانَ يُخَاصِمُهُ فِي حَدٍّ بَيْنَهُمَا.
فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَارْتُجَّ عَلَيْهِ.
فَقَالَ لِجَارِهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنْ نَزَلْتُ إِلَيْكَ يَا أَصْلَعُ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ، وَلَأَفْعَلَنَّ.
فَأَنْزَلُوهُ.
стр. 74
فَالْتَفَّ إِلَى رَئِيسٍ مِنْ رُؤَسَاءِ الأَزْدِ، فَقَالَ لَهُ: انْهَضْ، فَأَقِمْ لِلنَّاسِ صَلاتَهُمْ، فَلَمَا تَسَنَّمَ الْمِنْبَرَ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ وَاللَّهِ هَمَمْتُ أَنْ لا أَحْضُرَ الْيَوْمَ، فَقَالَتْ لِي امْرَأَتِي: أَنْشَدْتُكَ بِاللَّهِ إِنْ تَرَكْتَ فَضْلَ الصَّلاةِ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَأَطَعْتُهَا، فَوَقَفْتُ هَذَا الْمَوْقِفَ الَّذِي تَرَوْنَ.
فَاشْهَدُوا جَمِيعًا أَنَّهَا طَالِقٌ.
فَأَنْزَلُوهُ إِنْزَالا عَنِيفًا.
وَأَرْسَلَ زِيَادٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُقِيمُ لِلْنَاسِ صَلاتَهُمْ، وَلا بُدَّ مِنْ أَنْ تَحْمِلَ عَلَى نَفْسِكَ.
فَخَرَجَ فَخَطَبَ فَتَبَيَّنَ فَضْلُهُ فِي النَّاسِ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ ".
حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ رَبِّهِ الْيَشْكُرِيُّ عَامِلا لِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى عَلَى الْمَدَائِنِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ارْتُجَّ عَلَيْهِ، فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَكُونُ فِي بَيْتِي، فَتَجِيءُ عَلَى لِسَانِي أَلْفُ كَلِمَةٍ، فَإِذَا قُمْتُ عَلَى أَعْوَادِكُمْ هَذِهِ جَاءَ شَيْطَانٌ فَمَحَاهَا كُلَّهَا مِنْ صَدْرِي، وَلَقَدْ كُنْتُ وَمَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ يَوْمٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَصِرْتُ وَمَا فِي الأَيَّامِ يَوْمٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَمَا ذَاكَ إِلا لِخُطْبَتِكُمْ.
فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: وَلِمَ تَقُولُ هَذَا، أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، وَأَنْتَ أَخْطَبُ النَّاسِ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَخُطْبَتِي أَنْتَنُ مِمَّا فِي الْحُشِّ.
يَقُولُ الْحَاجِبُ: لا يَكُونُ لِمَا فِي الْحُشِّ إِلا الْهَوَانُ
حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: وَلِيَ أَخٌ لِخَالِدِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ وَرْقَاءَ الرَّيَّ، فَمَكَثَ جُمَعًا لا يَخْطُبُ.
فَقَالَ لَهُ كَاتِبُهُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، قَدِ اسْتُعْمِلْتَ عَلَى الرَّيِّ، وَهُوَ ثَغْرٌ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَطَرِيقُ أَهْلِ خُرَاسَانَ، فَلَوْ خَرَجْتَ ثُمَّ خَطَبْتَ النَّاسَ.
فَقَالَ: عَلَى مَنْ أَخْطُبُ، وَيْلَكَ، هُمْ أَعْلاجٌ أُمِّيُّونَ؟ قَالَ لَهُ: لا بُدَّ مِنْ خُطْبَةٍ.
فَخَرَجَ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ.
فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ارْتُجَّ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ، وَقُبَالَةُ وَجْهِهِ شَيخٌ أَصْلَعُ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا أَصْلَعُ، فَوَاللَّهِ مَا غَلَّطَنِي غَيْرُكَ، عَلَيَّ بِهِ.
فَأُتِيَ بِهِ، فَضَرَبَهُ أَسْوَاطًا
حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: " ارْتُجَّ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ وَهُوَ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ فِي يَوْمِ أَضْحَى، فَقَالَ: وَاللَّهِ لا أَجْمَعُ عَلَيْكُمْ عِيًّا وَلُؤْمًا، مَنْ أَخَذَ شَاةً مِنَ السُّوقِ فَهِي لَهُ، وَثَمَنُهَا عَلَيَّ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: " خَطَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَلَى مِنْبَرِ حِمَصَ، فَارْتُجَّ عَلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا أَهْلَ حِمْصَ، فَأَنْتُمْ إِلَى إِمَامٍ عَادِلٍ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إِلَى خَطَيبٍ مِصْقَعٍ.
ثُمَّ نَزَلَ
стр. 75
١٢٣ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّليُّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، قَالَ: " دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ يَوْمًا، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ ثَلاثَ حَوَائِجَ، قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَمَّا أُولاهُنَّ فَتُقِيمُ جُلَسَاءَكَ، قَالَ: فَأَمَرَهُمْ فَقَامُوا، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلا تَغْضَبْ.
قَالَ: وَلا أَغْضَبُ.
قَالَ: وَمَا الثَالِثَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: إِنَّ كُلَّ مَنْ وَرَاءَ بَابِكَ مَقْتُولٌ مَقْهُورٌ.
قَالَ: فَغَضِبَ.
فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ ضَمِنْتَ أَنْ لا تَغْضَبَ.
قَالَ: فَلا أَغْضَبُ إِذًا.
وَأَخْرَجَ خَاتَمَهُ مِنْ يَدِهِ، فَقَالَ قَدْ رَدَدْتُ أَمْرَ الْمُسِلِمِينَ إِلَيْكَ فَدَبِّرْهُمْ بِرَأْيِكَ، وَاتَّقِ اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ مَعَادُكَ، فَقَدْ أَخْرَجْتُ مِنْ رَقَبَتِي ذَلِكَ .
فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْتَ ابْنُ عِمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَابْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أُدَبِّرُ أَنَا الْخِلافَةَ؟ قَالَ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: قُلْتُ: تَرْفَعُ حُجَّابِكَ، وَتَطْرَحُ أَبَدًا عَلَى بَابِكَ، فَلا يَجِيءُ أَحَدٌ مُتَظَلِّمٌ مِنْ عَامِلٍ مِنْ عُمَّالِكَ إِلَى بَلَدٍ مِنَ الْبِلْدَانِ، تَصَحُّ عِنْدَكَ ظَلامَتُهُ إِلا أَمَرْتَ، فَجِيءَ بِهِ مَسْحُوبًا مَاشِيًا إِلَى بَابِكَ فَأَنْصَفْتَهُ مِنْهُ، قَالَ: فَأَطْرَقَ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ، فَمَا أَمْكَنَنَا، وَلا أُعِنَّا عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اجْعَلْهُ أَكْبَرَ شُغْلِكَ، فَإِنَّكَ تُدْرِكُهُ.
قَالَ: أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْمَعُونَةَ عَلَى ذَلِكَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ الْجُمَحِيُّ، قَالَ: " وَفِدَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ قَاضِي الْبَصْرَةِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيِّ فَتَكَلَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَبَيْنَا شَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ يُغَدِّي أَصْحَابَهُ، إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، يَقُولُ لَهُ: ايتِنِي السَّاعَةَ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَتِمُّوا غَدَاكُمْ، وَرَكِبَ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ تَكَلَّمْتَ الْيَوْمَ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ حَاضِرٌ، فَأُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَهُ عَسَى أَنْ يَجْرِيَ لِي ذِكْرٌ، فَتَنْظُرَ هَلْ أَعْجَبَهُ كَلامِي.
قَالَ شَبِيبٌ: فَجِئْتُهُ وَقَالَ: تَكَلَّمَ صَاحِبُكُمُ الْيَوْمَ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقُلْتُ لَهُ: فَمَا سَمِعْتَ؟ قَالَ: رَسَائِلُ غَيْلانَ، وَمَوَاعِظُ الْحَسَنِ، وَنَسْجٌ بَيْنَ ذَلِكَ مُمَلَّحٌ
حَدَّثَنِي الْعُتْبِيُّ، قَالَ: " إِنَّ أَوَّلَ مَا اسْتُبِينَ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ وَحِرْصِهِ عَلَى الْعِلمِ، وَرَغْبَتِهِ فِي الأَدَبِ، أَنَّ أَبَاهُ وَلِيَ مِصْرَ، وَهُوَ حَدِيثُ السِّنِّ يُشَكُّ فِي بُلُوغِهِ، فَأَرَادَ إِخْرَاجَهُ مَعَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَهْ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ أَنْفَعَ لِي وَلَكَ أَنْ تُرْسِلَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقْعُدُ إِلَى فُقَهَاءِ أَهْلِهَا، وَأَتَأَدَّبُ بِأَدَبِهِمْ.
стр. 76
فَوَجَّهَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَعَدَ مَعَ مَشَايِخِ قُرِيشٍ، وَتَجَنَّبَ شَبَابَهُمْ، وَجَاءَتْهُ أَلْطَافُ أَبِيهِ مِنْ مِصْرَ، فَجَعَلَ يُقَسِّمُهَا بَيْنَهُمْ، فَشَهَرَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِعِلْمِهِ، وَعَقْلِهِ مَعْ حَدَاثَةِ سِنِّهِ، فَحَسَدَهُ فَتْيَانُ قُرَيشٍ، فَقَعَدُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا أَبَا حَفْصٍ؟ فَقَالَ: مَهْلا إِيَّايَ وَكَلامَ الْمَجَعَةِ، فَشُهِرَتْ مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى كُتِبَ بِهَا إِلَى أَبِيهِ بِمِصْرَ، وَالْمَجَعَةُ الْقَلِيلَةُ عُقُولُهُمْ، الضَّعِيفَةُ آرَاؤُهُمْ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ عِنْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ، فَخَلَطَهُ بِوَلَدِهِ، وَقَدَّمَهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَزَوَّجَهُ بِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ، وَهَيِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا الشَّاعِرُ:
بِنْتُ الْخَلِيفَةِ وَالْخَلِيفَةُ جَدُّهَا ... أُخْتُ الْخَلائِفِ وَالْخَلِيفَةُ زَوْجُهَا
فَلَمْ تَكُنِ امْرَأَةٌ تَسْتَحِقُّ هَذَا الْبَيْتَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا غَيْرَهَا، وَكَانَ الَّذِينَ يَعيِبُونَ عُمَرَ مِمَّنْ يَحْسُدُهُ لا يَعِيبُونَهُ إِلا بِشَيْئَيْنِ: بِالْإِفْرَاطِ فِي النِّعْمَةِ، وَالِاخْتِيَالِ فِي الْمِشْيَةِ، وَلَوْ كَانُوا يَجْدُونَ ثَالِثًا لَجَعَلُوُهُ مَعْهُمَا، وَهُوَ قُولُ الأَحْنَفِ: الْكَامِلُ مَنْ عُدِّتْ هَفَوَاتُهُ، وَلا تُعَدُّ إِلا مِنْ قِلَّةٍ.
فَدَخَلَ يَوْمًا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ يَتَجَانَفُ فِي مِشْيَتِهِ.
فَقَالَ لَهُ: يَا عُمَرُ مَالَكَ تَمْشِي غَيْرَ مِشْيَتِكَ؟ قَالَ: إِنَّ بِي جُرْحًا.
قَالَ: وَفِي أَيِّ جَسَدِكَ؟ قَالَ: بَيْنَ الرَّانِفَةِ وَالصَّفَنِ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لرَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَوْ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِكَ يُسْأَلُ عَنْ هَذَا لَمَّا أَجَابَ هَذَا الْجَوَابَ
حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ مَالِكُ بْنُ عُمَارَةَ اللَّخْمِيُّ: " كُنْتُ أُجَالِسُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، وَقَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَكُنَّا نَخُوضُ فِي فُنُونِ الأَحَادِيثِ وَأَيَّامِ الْعَرَبِ، فَكُنْتُ لا أَجِدُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ مِثْلَمَا أَجِدُهُ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، مَنِ اتِّسَاعِهِ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَتَصَرُّفِهِ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ، وَحُسْنِ اسْتِمَاعِهِ إِذَا حُدِّثَ، وَحَلاوةِ لَفْظِهِ إِذَا حَدَّثَ، فَخَلَوْتُ بِهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَمَسْرُورٌ بِمَا أُشَاهِدُهُ مِنْ كَثْرَةِ تَصَرُّفِكَ، وَحُسْنِ حَدِيثِكَ، وَإِقْبَالِكَ عَلَى جَلِيسِكَ، فَقَالَ لِي: إِنَّكَ إِنْ تَعِشْ قَلِيلا سَتَرَى الْعُيُونَ إِلَيَّ طَامِحَةً، وَالأَعْنَاقَ إِلَيَّ قَاصِدَةً، فَلا عَلَيْكَ أَنْ تُعْمِلَ إِلَيَّ رِكَابَكَ، فَلأَمْلأَنَّ يَدَيْكَ.
قَالَ مَالِكٌ: فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلافَةُ أَتَيْتُهُ، فَرَأَيْتُهُ يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمَّا وَقَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَيَّ بَسَرَ فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ: لَمْ يُثْبِتْنِي مَعَرِفَةً، أَوْ عَرَفَنِي فَأَظْهَرَ لِي نُكْرَةً.
стр. 77
لَكِنِّي لَمْ أَبْرَحْ مَكَانِي حَتَّى قَضَى الصَّلاةَ، وَدَخَلَ، فَمَا هُوَ إِلا أَنْ دَخَلَ إِذْ خَرَجَ آذِنُهُ، فَقَالَ: أَيْنَ مَالُكُ بْنُ عُمَارَةَ اللَّخْمِيُّ؟ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآنِي مَدَّ يَدَهُ إِلَيَّ وَقَالَ: إِنَّكَ تَرَائَيْتَ لِي بِمَوْضِعٍ لَمْ يَجُزْ فِيهِ إِلا مَا رَأَيْتَ مِنَ الإِعْرَاضِ وَالانْقِبَاضِ، فَأَمَّا الْآنَ فَأَهْلا بِكَ وَمَرْحَبًا، كَيْفَ كُنْتَ بَعْدَنَا؟ وَكَيْفَ كَانَ مَسِيرُكَ؟ فَقُلْتُ: بِخَيرٍ وَعَلَى مَا يُحِبُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَهُ، قَالَ: أَتَذْكُرُ مَا كُنْتُ قُلْتُ لَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَهُوَ الَّذِي أَعْمَلَنِي إِلَيْكَ.
فَقَالَ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا هُوَ بِمِيرَاثٍ ادَّعَيْنَاهُ، وَلا أَثَرٍ وَعَيْنَاهُ، وَلَكِنِّي أُحَدِّثُكَ عَنْ يَقِينِي بِخِصَالٍ سَمَتْ لَهَا نَفْسِي إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنَا فِيهِ، مَا لاحيْتُ ذَا وُدٍّ، وَلا ذَا قَرَابَةٍ، وَلا قَصَدْتُ لِكَبِيرةٍ مِنْ مَحَارِمَ اللَّهِ وَاثِبًا عَلَيْهَا، وَلا مُتَلَذِّذًا بِهَا، وَكُنْتُ مِنْ قُرَيشٍ فِي بَيْتِهَا، وَمِنْ بَيْتِهَا فِي وَسَطِهِ، وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرْفَعَ اللَّهُ مِنِّي وَقَدْ فَعَلَ.
ثُمَّ قَالَ: يَا غُلامُ بَوِّئْهُ مَنْزِلا فِي الدَّارِ.
فَأَخَذَ الْغُلامُ بِيَدِي، وَقَالَ: قُمْ إِلَى رَحْلِكَ إِذَا شِئْتَ، فَكُنْتُ فِي أَخْفَضَ حَالٍ، وَأَنْعَمَ بَالٍ، وَحَيْثُ أَسْمَعُ كَلامَهُ، وَيَسْمَعُ كَلامِي، حَتَّى إِذَا حَضَرَ غَدَاؤُهُ أَوْ عَشَاؤُهُ، أَوْ قَعَدَ لِبِطَانَتِهِ، أَتَانِي الْغُلامُ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ صِرْتَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ جَالِسٌ.
فَأَمْشِي إِلَيْهِ بِلا حِذَاءٍ وَلا رِدَاءٍ، فَيَرْفَعُ مَجْلِسِي، وَيَقْبَلُ مُحَادَثَتِي، وَيَسْأَلُنِي عَنِ الْعِرَاقِ مَرَّةً، وَعَنِ الْحِجَازِ أُخْرَى، حَتَّى إِذَا مَضَتْ لِي عِنْدَهُ عِشْرُونَ لَيْلَةً تَغَذَّيْتُ فِي آخِرِهَا يَوْمًا عِنْدَهُ، فَلَمَّا قَامَ مَنْ حَضَرَهُ، وَنَهَضْتُ لِأَنْ أَقُومَ، قَالَ: عَلَى رِسْلِكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ، أَيُّ الأَمْرَيْنِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ الْمُقَامُ عِنْدَنَا، فَلَكَ النَّصَفَةَ فِي الْمُحَالَفَةِ وَالْعَشِيرَةِ مَعَ الْمُوَاسَاةِ، أَمِ الشُّخُوصُ فَلَكَ الْحِبَاءُ وَالْكَرَامَةُ.
قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَارَقْتُ أَهْلِي عَلَى أَنِّي زَائِرٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ أَمَرَنِي بِالْمُقَامِ اخْتَرْتُ فِنَاءَهُ عَلَى الأَهْلِ وَالْوَلَدِ.
قَالَ: لا، بَلْ أَرَى لَكَ الرُّجُوعَ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ مُتَطَلِّعُونَ إِلَى رُؤْيَتِكَ، فَتُحْدِثُ بِهِمْ عَهْدًا، أَوْ يُحْدِثُونَ بِكَ مِثْلَهُ، وَالْخَيارُ بَعْدُ فِي زِيَارَتِنَا أَوِ الْمُقَامِ فِيهِمْ إِلَيْكَ، وَقَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَسَوْنَاكَ وَحَمَلْنَاكَ، أَتُرَانِي مَلَأتُ يَدَيْكَ أَبَا نَصْرٍ؟ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَاكَ ذَاكِرًا لِمَا وَأَيْتَ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ.
قَالَ: أَجَلْ، وَلا خَيْرَ فِيمَنْ لا يَذْكُرُ إِذَا وَعَدَ، وَيَنْسَى إِذَا أَوْعَدَ.
وَدِّعْ إِذَا شِئْتَ، صَحِبَتْكَ السَّلامَةُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ جَمِيعَ مَا أَمَرَ لِي بِهِ فِي يَوْمِي، ثُمَّ وَدَّعْتُهُ، فَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ
стр. 78
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْحَدْثَانِ، عَنِ الْمُتَوَكِّلِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ يَعْمُرَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ، قَالَ: " خَرَجْتُ أُرُيدُ الشَّامَ، فَصَحِبَنِي رَجُلٌ قَصِيرُ الْقَامَةِ، ذَلِقُ اللَّسَانِ جَهُورِيُّهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ تَعْمَدُ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَهَلا سَأَلْتَ عَنِ الاسْمِ وَالنَّسَبِ؟ قَالَ عُرْوَةُ: فَقُلْتُ: فِي الْإِسْلامِ كَافٍ، وَالْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَأَكْرَهُ التَّفْتِيشَ.
فَأمَّا سَأَلْتُ رَجُلا فَخَبَّرَنِي وَصَدَقَ، فَأَطَّلِعُ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى مَا يَكْرَهُ، وَأَمَّا كَذِبَ فَأَثِمَ.
فَقَالَ: إِنَّكَ لَمُوَفَّقٌ مُسَدَّدٌ إِنْ شَاءِ اللَّهُ، أُرِيدُ ابْنَ مَرْوَانَ، فَإِنْ أَمْكَنَتْنِي مِنْهُ قُدْرَةٌ كَانَ لِي وَلَهُ شَأْنٌ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِمُخَيَّلٍ أَنْ تَكُونَ حَرُورِيًّا، وَمَا زَيُّكَ بِزَيِّهِمْ.
قَالَ: فَضَحِكَ.
قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنَّ طَالِبَ الأَحَنِ وَالثَّأْرِ يَتَنَكَّرُ.
قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: لَيْسَتْ بِكَ مِنِّي حِشْمَةٌ أَلْقِهَا عَنِّي وَعَنْكَ، أَخْبِرْنِي: مَا قِصَّتُكَ، ومَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: بَلْ أَخْبِرْنِي أَنْتَ أَوَّلا.
قُلْتُ: أَنَا عُرْوَةُ بْنُ يَعْمُرَ اللَّيْثِيُّ، خَرَجْتُ أُرِيدُ عَبْدَ الْمَلِكِ مُدْلِيًا إِلَيْهِ بِإِخَاءٍ وَمَوَدَّةٍ كَانَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مُنْذُ دَهْرٍ.
قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنْ هَذَا الأَمْرِ الَّذِي جَنَّتْ عَلَيْهِ الْقُلُوبُ، وَقُطِّعَتْ أَعْنَاقُ الإِبِلِ، إِنَّهُ لَدَائِمُ الْعَهْدِ، عَالِمٌ بِالْجَمِيلِ، غَيْرَ أَنَّ فِي يَدِهِ بَعْضَ الْكُزَازِ، وَهُوَ الْحَزْمُ.
يَا أَخَا بَنِي لَيْثٍ، أَتَدْرِي مَنِ الْقَائِلُ:
أَعَاذِلُ مَا يُغْنِي عَنِ الْمَرْءِ مَالُهُ ... إِذَا جُعِلَتْ دُونَ التَّرَاقِي تَطَلَّعُ
وَحَشْرَجَ وَالنِّسْوَانُ يَبْكِينَ حَوْلَهُ ... يَقُلْنَ أَبُونَا هَالِكٌ فَمُوَدِّعُ
وَعَايَنَ أَمْرًا مُفْضِعًا ضَاقَ صَدْرُهُ ... فَأَجْهَشَ يَبْكِي تَارَةً وَيُرَجِّعُ
أَلا لا أَرَى شُحًّا يُخَلِّدُ أَهْلَهُ ... وَكُلُّ خَدُوعٍ مَرَّةً سَوْفَ يُخْدَعُ
وَخَيْرُ عَتَادِ الْمَرْءِ تَقْوًى وَمَنْ يَحِدْ ... عَنِ الْمَوْتِ يَوْمًا لا مَحَالَةَ يُصْرَعُ
فَلا تَكُ هَيَّابًا إِذَا الْحَرْبُ أَحْسَمَتْ ... وَظَلَّتْ لَهَا الأَبْطَالُ تَعْرَى وَتَخْضَعُ
قَالَ عُروَةُ: قُلْتُ: لا وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَنْ يَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ.
قَالَ: فَإِنِّي قَائِلُهَا.
فَقُلْتُ: وَمَنْ أَنْتَ: قَالَ: الضَّحَّاكُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ مَالِكٍ الْعَدَوِيُّ.
قَالَ: قُلْتُ لَهُ: قَرَّبَكَ اللَّهُ وَحَيَّاكَ، قَدْ عَرَفْتُ النَّسَبَ.
فَأَيْنَ تَعْمَدُ؟ وَمَا الْحَاجَةُ الَّتِي تُرِيدُ؟ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْلِبَ لَنَا خَيْرًا، أَوْ يَدْفَعَ بِنَا شَرًّا.
стр. 79
قَالَ: أُرِيدُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ لِمِثْلِ مَا تُرِيدُهُ، غَبَرْتُ أَنَا وَعَبْدُ الْمَلِكِ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا لا نَفْتَرِقُ لَيْلا وَلا نَهَارًا، إِلا أَنْ يَذْهَبَ مِنَّا رَجُلٌ إِلَى مَنْزِلِهِ، ثُمَّ يَئُوبُ إِلَى مَجْلِسٍ لَنَا نَتَذَاكَرُ فِيهِ أَيَّامَ الْعَرَبِ، وَفُنُونَ الأَحَادِيثِ، وَكَانَ يَحْضُرُ مَعَنَا فِي الْمَجْلِسِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيبٍ، فَكُنْتُ لا أَجِدُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَا أَجِدُ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فِي اتِّسَاعِهِ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَتَصَرُّفِهِ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ، وَحُسْنِ اسْتِمَاعِهِ إِذَا حُدِّثَ، وَحَلاوَةِ لَفْظِهِ إِذِا حَدَّثَ، فَخَلَوْتُ مَعَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَجَذِلٌ لِمَا أُشَاهِدُ مِنْ كَثْرَةِ تَصَرُّفِكَ، وَحُسْنِ حَدِيثِكَ، وَإِقْبَالِكَ عَلَى جَلِيسِكَ، فَقَالَ لِي: إِنَّكَ إِنْ تَعِشْ قَلِيلا، فَسَتَرَى الْعُيُونَ إِلَيَّ طَامِحَةً، والأَعْنَاقَ إِلَيَّ قَاصِدَةً، وَالرِّجَالَ قَدْ وَطِئَتْ عَقِبَيَّ، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ أَدْرَكْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ وَلَأَمْلأنَّ يَدَيْكَ، فَوَلِيَ مَا وَلِيَ، وَأَدْرَكَ مَا أَدْرَكَ، فَوَاللَّهِ مَا تَاقَتْ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا هُوَ فِيهِ نَفْسِي، وَلا تَطَلَّعَتْ، حَتَّى وُلِدَ لِي غُلامٌ فَأَسْهَرَ لَيْلِي الِاهْتِمَامُ وَالِاغْتِمَامُ بِأَمْرِهِ لِئَلا يَبْقَى بَعْدِي إِذَا مِتُّ قَلَيْلَ الْوَفْرِ.
فَتَاقَتْ نَفْسِي إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْهِ وَنَفْسِي مُتَعَلِّقَةٌ بِبُنَيَّ، لَيْسَ لَيْلِي بِلَيْلٍ، وَلا نَهَارِي بِنَهَارٍ.
يَا أَخَا بَنِي لَيْثٍ فَمَا تَرَى وَمَا تُشِيرُ؟ قَالَ: تَقَدَّمْ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، مَلِكِ الْآفَاقِ، فَإِنْ عَرَضَ عَلَيْكَ حَاجَةً، فَلا يَكْبُرَنَّ فِي عَيْنِكَ أَنْ تَسْأَلَهُ كَثِيرًا، فَإِنَّ الْمَانِعَ وَالْمُعْطِيَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ، فَرُبَّمَا خَرَجَتِ الرَّغَائِبُ مِنْ يَدِ الْبَخِيلِ وَمِنَ الْجَوَادِ بِالْقَلِيلِ.
قَالَ: فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ لِسَانُكَ عَبَّرَ عَنْ قَلْبِي مَا عَدَا مَا قُلْتَ.
قَالَ عُرْوَةُ: فَتَسَايَرْنَا أَيَّامًا وَلَيَالٍ مَا يُكِرُّ عَلَيَّ حَدِيثًا وَلا بَيْتًا مِنْ شِعْرٍ.
قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِأَحَادِيثِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهَا وَأَيَّامِهَا.
فَقَالَ لِي: مَنْ أُقْدِمُ وَاللَّهِ عَلَيْهِ غَدًا أَعْلَمُ مِنِّي.
وَاللَّهِ مَا أَنَا إِلا خَلَجٌ مِنْ بَحْرِهِ، وَأَيْنَ يَقَعُ الْحَقُّ الضَّئِيلُ عِنْدِ مُخَاطَرَةِ الْقُرُومِ الْقَيَاسِرَةِ وَالْفُحُولِ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَمَنْ تَعْنِي؟ قَالَ: عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ.
قُلْتُ: وَإِنَّهُ عِنْدُكَ لَكَذَلِكَ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ عِنْدَ كُلِّ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا مِنْ أَوَّلِيَّةِ الْعَرَبِ.
قَالَ عُرْوَةُ: فَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ لَيْلَةً، وَأَنَا مَعَهُ إِذْ لَحِقَنَا أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ، وَهُوَ يُنْشِدُ شِعْرًا وَيَتَرَنَّمُ بَهِ، يَقُولُ:
أَلا أَيُّهَا الْبَيْتُ الْقَرِيبُ مَزَارَهُ ... سُقِيتَ أَلَمْ يُحْزِنْكَ مِنْ أَهْلِكَ الْهَجْرُ
فَمَا كَانَ هِجْرَانِيكَ مِنْ حَدَثِ الْقِلَى ... وَلَكِنَّ هِجْرَانِيكَ فِي صَرْفِهِ عُذْرُ
قَالَ عُرْوَةُ: فَقَالَ صَاحِبِي: أَعِدْ وَيْحَكَ كَيْفَ قُلْتَ:
فَمَا كَانَ هِجْرَانِيكَ مِنْ حَدَثِ الْقِلَى ... وَلَكِنَّ هِجْرَانِيكَ فِي صَرْفهِ عُذْرُ
فَأَعَادَ عَلَيْهِ الأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ: وَيْحَكَ مَنْ قَائِلُ هَذَا الشِّعْرِ؟ قَالَ: الَّذِي يَقُولُ:
стр. 80
وَأَكْثَرُ وَجْدِ ابْنِ الْغَرِيزَةِ أَمُّهُ ... عَلَى مَا أَصَابَ النَّاسَ عَضَّ بِهِ الدَّهْرُ
فَأَصْبَحَ مَالُوسًا تَعَادَتْ هُمُومُهُ ... عَلَيْهِ فَأَشْجَتْهُ وَضَاقَ بِهِ الصَّدْرُ
فَبَاحَ وَأَبْدَى الدَّمْعُ مَا فِي ضَمِيرِهِ ... مِنَ الْوَجْدِ حَتَّى قِيلَ لَيْسَ لَهُ صَبْرُ
قَالَ: وَيْحَكَ مَنْ هُوَ؟ قَالَ: كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنَ الْغَرِيرَةِ، أَحَدُ بَنِي صَخْرِ بْنِ نَهْشَلٍ.
قَالَ عُرْوَةُ: وَهُوَ الْقَائِلُ:
نَأَتْكَ أُمَامَةُ نَأْيًا جَمِيلا ... وَبُدِّلْتَ بِالْقُرْبِ نَأْيًا طَوِيِلا
وَحَالَ أَبُو حَسَنٍ دُونَهَا ... فَمَا تَسْطِيعُ إِلَيْهَا سَبِيلا
فَإِنَّ الشَّبَابَ لَهُ لَذَّةٌ ... وَلا بُدَّ لَذَّتُهُ أَنْ تَزُولا
طِعَانُ الْكُمَاةِ وَرَكْضُ الْجِيَادِ ... وَقَوْلُ الْحَوَاضِنِ وَيلا وَبِيلا
لَعَمْرُ أَبِيكِ فَلا تَكْذِبِي ... لَقَدْ ذَهَبَ الْخَيْرُ إِلا قَلِيلا
لَقَدْ فُتِنَ النَّاسُ فِي دِينِهِمْ ... وَخَلا ابْنُ عَفَّانَ شَرًّا طَوِيلا
فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ.
قَالَ عُرْوَةُ: فَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَنَا وَاللَّهِ أَشْعَرُ مِنْهُ حِينَ أَقُولُ:
وَهُمٌّ عَرَانِي فَعَدَّيْتُهُ ... بِنَاجِيَةٍ تَسْتَخِفُّ الذَّمِيلا
وَتَمْشِي اخْتِيالا إِذَا مَا مَشَتْ ... كَمَا يَخْطِرُ الْفَحْلُ سَامِي الْفُحُولا
تَجُوبُ الْمَهَامِهَ خَطَّارَةً ... إِذَا مَا الْوُحُوشُ أَرَدْنَ الْمُقِيلا
تَمَطَّتْ بِرَحْلِي مُزَوِّدَةً ... تُبَادِرُنِي أَنْ أَمُدَّ الْجَدِيلا
وَتُصْبِحُ وَالسَّيْبُ مَوْضُوعهَا ... وَإِنْ قُلْتُ عَاجٌ رَمَتْ بِي دُلُولا
مُضَبَّرَةُ الْخَلقِ مَشْهُومَةٌ ... أَمَاجُ النَّوَاعِجِ تَهْوَى نُسُولا
تَكَادُ تُقَطِّعُ أَنْسَاعَهَا ... إِذَا مَا ازْلأَمَّتْ وَتَرْمَدُّ حُولا
إِلَى مَلِكٍ مِنْ بَنِي غَالِبٍ ... يَمُدُّ إِلَى الْمَجْدِ بَاعًا طَوِيلا
إِمَامُ قُرَيشٍ ومَنْ أَصْبَحَتْ ... إِلَيْهِ قُرَيشٌ تَجِدُّ الرَّحِيلا
وَمَنْ عَزَّ بِالْحَزْمِ أَهْلَ الْهُدَى ... وَأَضْحُوا إِلَيْهِ ثُبَاتٍ حُلُولا
يُرَجَّوْنَ مِنْ سَيْبِهِ نَفْحَةً ... يُعِيشُ بِهَا اللَّهُ قَوْمًا كُلُولا
قَالَ عُرْوَةُ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: سَقْطَةٌ مِنْ سَقَطَاتِ الرَّجُلِ وَهَفْوَةٌ وَزَلَّةٌ حِينَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَمْ أرَ شِعْرَهُ هَذَا شَيئًا، وَلَمْ يَرَ مِنِّي ارْتِيَاحًا، وَلا تَعَجُّبًا.
قَالَ: يَا أَخَا بَنِي لَيْثٍ، لَسْتُ أَعْنِي أَشْعَرَ مِنْهُ فِي شِعْرِي هَذَا، إِنِّي قَدْ أَعْرِفُ أَنَّكَ رَجُلٌ عَرَبِيٌّ تُبْصِرُ الشِّعْرَ وَتَعْرِفُهُ.
فَهَلْ رَأَيْتَ شِعْرًا ارْتُجِلَ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِلا رَوَيَّةٍ؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي وإِنْ كُنْتُ أَقُولُ مَا أَقُولُ، إِنِّي لَطَبٌّ بِمَا يُقْبِلُ فِيهِ الرِّجَالُ، وَإِنِّي لأَنَا الَّذِي أَقُولُ فَأُسْمِعُ.
هَلْ تَرَى خِلَلا؟ قُلْتُ: هَاتِ، فَوَاللَّهِ لَنْ تَزِيدَنِي فِي نَفْسِكَ إِلا رَغْبَةً مُنْذُ صَحِبْتُكَ.
وَلَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّهَا هَفْوَةٌ مِنْكَ.
فَوَجَدْتُكَ عَالِمًا بِهَا.
قَالَ: ثُمَّ أَنْشَدَنِي شِعْرًا، قَالَ: قُلْتُهُ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً، وَأَنَا غُلامٌ حِينَ رَاهَقْتُ الْحُلُمَ:
أَمُخْتَرِمِي الْمَوْتُ ابْنَ عُمَرٍ فَذَاهِبٌ ... بِنَفْسِيِ وَلَمْ أَتْرُكْ حُصَيْنًا مُجَدَّلا
يَنُوءُ فَلا يَسْطِيعُ نَهْضًا وَقَدْ حَشَت ... يَدِي جَوْفَهُ أَضْمَى الْمَعَالِمِ مُنْحَلا
جَزَى اللَّهُ مَا أَوْلَى حُصَيْنًا عَشِيرَتِي ... وَكُلُّ حُصَيْنٍ لِلْهَنَاتِ مُؤَمَّلا
أَخِي دُونَ إِخْوَانِي إِذَا الأَمْرُ نَابَنِي ... وَحِصْنٌ إِذَا مَا خِفْتُ أَمْرًا مُعَضَّلا
سَعَى الدَّهْرُ فِيمَا بَيِنَنَا فَتَرَكْتُهُ ... بِفِيهِ وَلَمْ أَحْفَلْ لِذَلِكَ مَحْفَلا
стр. 81
وَإِنْ يَكُ رَيْبُ الدَّهْرِ أَرْدَى ابْنَ خَالِدٍ ... وَكَانَ مُعِمًّا فِي الْكِرَامِ وَمُخْوِلا
فَرُبَّ يِدٍ بَيْضَاءَ أَسْدَى ابْنُ خَالِدٍ ... إِلَيَّ وَنَابٍ قَدْ تَعَدَّاهُ أَعْصَلا
حِفَاظًا وَإِكْرَامًا فَأَوْدَتْ بِلُبِّهِ ... مُهَفْهَفَةُ الْكُشْحَيْنِ تَرْمِي الْمُقَتَّلا
فَغَيَّرَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ خَالِدٍ ... هَوًى غَالِبٌ أَعْيَا الرِّجَالَ وَعَيَّلا
قَالَ عُرْوَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ قُلْتَ هَذِهِ الَأْبَيَاتَ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ وَلا أَكْذِبُكَ.
كُنْتُ وَحُصَيْنُ بْنُ خَالِدِ ابْنِ عَمِّي دَنِيَّةَ لا يَجْرِي الْمَاءُ بَيْنَنَا صَفَاءً، وَلِي ابْنَةُ عَمٍّ أُحِبُّهَا، وَقَدْ سُمِّيتُ لَهَا، وَسُمِّيَتْ لِي، فَلَبِثْتُ أَنْتَظِرُ أَنْ أُصِيبَ لَهْوَةً مِنْ مَالٍ فَأَتَزَوَّجُهَا وَأَبْنِي بِهَا.
فَأَقْبَلَ الْحُصَيْنُ عَلَى أُمِّهَا فَخَدَعَهَا وَعَطَفَ لُبَّهَا عَنِّي.
حَتَّى غَلَبَتْ زَوْجَهَا فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَبْتَنِي بِهَا، قَعَدْتُ لَهُ فَرَمَيْتُهُ بِسَهْمٍ.
فَوَاللَّهِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّهُ أَصَابَهُ، وَهَوَى فِيهِ كَأَنَّهُ مَاتَ مُنْذُ أَلْفِ سَنَةٍ، وَأُخِذْتُ فَحُبِسْتُ.
فَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ الْعَامِلُ لِي فِي أَمْرِي وَالْمُسْتَخْرِجُ لِي مِنَ الْبَلِيَّةِ الَّتِي وَقَعْتُ فِيهَا.
وَيَعْلَمُ الرَّبُّ عِلْمًا صَادِقًا أَنِّي إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَذْعُرَهُ، وَلَمْ أَرِدْ قَتْلَهُ.
فَمَضَى الْقَدَرُ السَّابِقُ وَأَعْزَزَ عَلَيَّ بِمَصْرَعِهِ.
وَاللَّهِ إِنْ كَانَ، يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَوَسِيمًا، جَمِيلا نَبِيلا، وَإِنِّي لَعَلَى خِلافِهِ، وَإِنَّ عُذْرَ ابْنَةِ عَمِّي فِي اخْتِيَارِهَا إِيَّاهُ عَلَيَّ لَبَيِّنٌ وَاضِحٌ.
أَنَا كَمَا قَدْ تَرَى، وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ عَنِ ابْنِ عَمِّي مَا سَمِعْتَ.
قَالَ عُرْوَةُ: فَتَبَسَّمْتُ.
قَالَ: الْحَقُّ وَاللَّهِ قُلْتُ.
فَإِنْ شِئْتَ فَاضْحَكْ، وَإِنْ شِئْتَ فَاكْفُفْ، فَإِنَّ اللَّهَ صَادِقٌ يُحِبُّ الصِّدْقَ وَأَهْلَهُ، وَيُبْغِضُ الْكَذِبَ وَأَهْلَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّجُلَ اللَّبِيبَ أَعْلَمُ بِعَيْبِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنِّي وَاللَّهِ وَإِنْ أَقْحَمَتْنِي عَيْنُكَ، وَنبَتَ عَنِّي كَمَا قَالَ الأَوَّلُ.
هَلْ تَدْرِي مَنْ هُوَ؟ قُلْتُ: لَمْ أَسْمَعْ شَيْئًا.
قَالَ: عَجِلْتُ، وَمِنْ عَجَلَةٍ خُلِقَ الْإِنْسَانُ عَجُولا.
قُلْتُ: هَاتِ.
قَالَ:
أَغَرَّكُمُ أَنِّي بِمَعْرُوفِ شِيمَتِي ... رَفَيقٌ وَأَنِّي بِالْفَوَاحِشَ أَخْرَقُ
وَمِثْلِي إِذَا لَمْ يُجْزَ أَحْسَنَ سَعْيِهُ ... تَكَلَّمُ نِعْمَاهُ بِفِيهَا فَيَنْطِقُ
قَالَ عُرْوَةُ: فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: حَاجِبُ بْنُ زَرَارَةَ.
قَالَ: قُلْتُ: الدَّارِمِيُّ، قَالَ: فَقَالَ: تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ أَنَّ بِحَاجِبٍ لَغِنًى عَنْ دَارَمٍ.
وَاللَّهِ إِنَّهَا مِنْكَ لَهَفْوَةٌ حِينَ جَهِلْتَهُ حَتَّى تَنْسِبَهُ إِلَى دَارَمٍ أَكَذَاكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: الصِّدْقُ خَيرٌ عَاقِبَةً.
ثُمَّ انْقَطَعَ حَدِيثُنَا، وَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَأَعْوَزَنَا الْإِذْنُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَمَكَثْنَا لَيَالِيَ ثُمَّ مَرَّ أَبُو الزُّعَيْزِعَةِ، فَقَامَ إِلَيْهِ.
فَقَالَ أَبُو الزُّعَيْزِعَةِ: أَهَلا وَمَرْحَبًا بِامْرِئٍ ظَهَرَ لَنَا جَفَاؤُهُ، وَقَلَّ وَفَاؤُهُ.
قَالَ: هِيهِ، الْآنَ هُوَ سُلْطَانٌ.
وَلا نَصَفَةَ لِي مِنْهُ.
فَدَخَلَ، فَلا أَظُنُّهُ وَصَلَ حَتَّى قِيلَ: الضَّحَّاكُ بْنُ عُمَارَةَ الْعَدَوِيُّ، فَقُلْتُ: لا تَنْسَ أَخَاكَ.
قَالَ: إِنِّي كَمَا قَالَ الأَوَّلُ الْقَبِيحُ الشَّحِيحُ الْقَلِيحُ.
стр. 82
فَمَا أَظُنُّهُ زَادَ عَلَى السَّلامِ حَتَّى دُعِيتُ: أَيْنَ عُرْوَةُ بْنُ يَعْمُرَ؟ قَالَ: فَدَخَلْتُ وَإِنَّهُ لَبَارِكٌ بَيْنَ يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ قَدِ اسْتَحْسَنَ شِعْرًا لَهُ يُنْشِدُهُ، وَقَدْ أَذِنَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي إِنْشَادِهِ إِيَّاهُ، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ بِيَدِهِ عَلَيَّ، وَأَلَحَّ فِي النَّظِرِ إِلَيْهِ، والِاسْتِماعِ مِنْهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى الضَّحَّاكِ، ثُمَّ قَالَ: أَعْقِبْ.
ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلٌ، وَأَيُّ رَجُلٍ لِدُنْيَا وَآخِرَةٍ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: دَعْ عَنَّا ابنَ يَعْمُرَ، نَحْنُ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ.
هُوَ رَجُلُ نَفْسِهِ.
قَالَ عَاصِمٌ: قَالَ الْمُتَوكِّلُ: فَحَدَّثَنِي أَبِي عُرْوَةُ بْنُ يَعْمُرَ، فَحَفِظْتُ مِنْ شِعْرِهِ الَّذِي أَنْشَدَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ:
وَإِنْ لا أَمُتْ أَشْهَدْ سَوَابِقَ غَارَةٍ ... تُسَاقُ الْمَنَايَا بِالْوَشِيجِ الْمُقَوَّمِ
بِكُلِّ رُدَيْنِيٍّ كَأَنَّ سِنَانَهُ ... سَنَا لَهَبٍ فِي عَارِضٍ مُتَضَرِّمِ
فَكَمْ رَوْقَةٍ بَيْضَاءَ دَنَّسْتُ لَوْنَهَا ... بِمُعْتَبِطٍ مِنْ قَانِي الْجَوْفِ أَسْحَمِ
وَرَدْتُ بِهَا بَيْضَاءَ ثُمَّ رَدَدْتُهَا ... وَقَدْ شَرِبَتْ مِنْ جَوْفِ أَبْيَضِ خَضْرَمِ
سَقَاهَا فَرَوَّاهَا مِنَ الدَّمِّ فَانْطَوتْ ... عَلَى عَلَقٍ فِي ثَعْلَبٍ مُتَهَضِّمِ
قَالَ: فَأَمَرَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بَجَائِزَةٍ سَنَيَّةٍ، وَكَتَبَهُ فِي أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَلأتُ يَدَيْكَ.
قَالَ: وَإِنَّكَ لَتَذْكُرُ يَوْمَ يَوْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَقَدْ أَعْمَلَنِي إِلَيْكَ
حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ شَيخٍ مِنْ قُرَيشٍ، قَالَ: " إِنِّي وَفِتْيَةٌ مِنْ قُرَيشٍ عِنْدَ قَيْنَةٍ مِنْ قِيَانِ الْمَدِينَةِ، وَمَعَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، إِذِ اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، فَكَرِهْنَا دُخُوَلَهُ، وَشَقَّ عَلَيْنَا.
قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَيَسُرُّكُمْ أَلا يَجْلِسَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: فَمُرُوهَا إِذَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ، رَفَعَتْ عَقِيرَتَهَا تُغَنِّي:
أَوْلادُ جَفْنَةَ حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِمُ ... قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الْكَرِيمِ الْمُفْضِلِ
يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرَّ كِلابُهُمْ ... لا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ
قَالَ: فَوَاللَّهِ بَكَى حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيَلْفِظُ نَفَسَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِيكُمُ الْفَاسِقُ؟ لَعَمْرِي لَقَدْ كَرِهْتُمْ مَجْلِسِي
١٢٩ - حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الأَثْرَمُ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: وَفَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةَ: مَا نُطْعِمُكَ يَا ابْنَ حَسَّانٍ؟ قَالَ: سَمَكًا.
قَالَ: فَمَا نَسْقِيكَ؟ قَالَ: سَوِيقًا.
فَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الأَهْتَمِ ، وَكَانَ حَاضِرًا: إِنَّ السَّوِيقَ مَعَ الصَّحْنَاةِ مَضْرَطَةٌ لِلْآكِلِينَ.
وَبِئْسَ الْمَطْعَمُ السَمَكُ.
كَانَ نُعَيْمٌ رَجُلا جَمِيلا، فَأَجَابَهُ ابْنُ حَسَّانٍ:
قُلْ لِلَّذِي كَادَ لَوْلا خَطُّ لِحْيَتِهِ ... يَكُونُ أُنْثَى عَلَيْهَا الْوَدْعُ وَالْمَسَكُ
أَمَّا الْفَخَامَةُ أَوْ خَلْقُ الرِّجَالِ فَقَدْ ... أُعْطِيتَ مِنْهُ لَوَ أَنَّ اللُّبَّ مُحْتَنِكُ
هَلْ أَنْتَ إِلا فَتَاةُ الْحَيِّ مَا لَبِسُوا ... أَمْنًا وَأَنْتَ إِذَا مَا حَارَبُوا دُعَكُ
لا تَحْسَبَنِّي كَأَقْوَامٍ غَمَزْتَهُمُ ... غَمْزَ الضَّعِيفِ فَمَا أَعْطَوْا وَمَا تَرَكُوا
стр. 83
دَخَلَ الْمَذْنُوبُ الْهَمْدَانِيُّ مِنْ وَدَاعَةِ هَمْدَانَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَجَلَسَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانٍ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ: وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِعَنًّا شِرِّيرًا، هَجَّاءً لِلنَّاسِ، مُبْتَدِيًا لَهُمْ.
فَقَالَ لِلْمَذْنُوبِ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
فَاغْتَمَزَ فِيهِ، فَقَالَ:
أَمِيزَانَانِ مِنْ شُؤْمٍ وَلُؤْمٍ ... أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ عَدْلٌ قَبُوحُ
فَقَالَ لَهُ الْمَذْنُوبُ:
جُذَامٌ نَازِلٌ بِكَ غَيْرَ شَكٍّ ... أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ بَرَصٌ يَلُوحُ
قَالَ: أَنْتَ الْمَذْنُوبُ؟ قَالَ: إِنَّ ذَاكَ لَيُقَالُ.
قَالَ: إِنِّي عَائِذٌ بِكَ "
حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: " جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ إِلَى قُبَاءٍ، فَسَمِعَ رَجُلا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَتَغَنَّى فِي رَأْسٍ عَذْقٍ، يَقُولُ:
لَنَا فَرْعُهَا الأَعْلَى وطِيبُ تُرَابِهَا ... وَدَارُ بَنِي النَّجَّارِ قَاصِيَةٌ وَعْلُ
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ:
كَذِبْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ مَعْشَرٌ أَهْلَ حَرَّةٍ ... نَفَوْكُمْ وَحَلُّوا بِالدِّمَاثِ وَبِالسَّهْلِ
أَبَوْا وَاسْتَعَفُّوا أَنْ يُرَى بِجِلُودِهِم ... نُدُوبٌ فَبَاعُوا السَّقْيَ بِالْحَلَّةِ الْبَعْلِ
١٣٢ - حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنِ الْهَيْثَمِ، عَنِ ابْنِ دَأْبٍ، قَالَ: " أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَسَّانٍ كَانَ يُشَبِّبُ بِابْنَةِ مُعَاوِيَةَ، وَيَذْكُرُهَا فِي شِعْرِهِ، فَقَالَ النَّاسُ لِمُعَاوِيَةَ: لَوْ جَعَلْتَهُ نَكَالا؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لا، وَلَكِنِّي أُدَاوِيهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَأَذِنَ لَهُ، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، فَأَجْلَسَهُ عَلَى سَرِيرِهِ مَعَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ فُلانَةً، لابْنَةٍ لَهُ أخرى، عَاتِبَةٌ عَلَيْكَ.
قَالَ: وَفِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مَدْحَتِكَ أُخْتِهَا وَتَرْكِهَا، قَالَ: فَلَهَا الْعُتْبَى وَكَرَامَةٌ، أَنَا ذَاكِرُهَا، وَمُمْتَدِحُهَا، فَلَمَّا فَعَلَ، وَبَلَغَ ذَلِكَ النَّاسَ، قَالُوا: قَدْ كُنَّا نَرَى أَنَّ تَشْبِيبَ ابْنِ حَسَّانٍ بِابْنَةِ مُعَاوِيَةَ لَشَيْءٌ، فَإِذَا ذَلِكَ عَنْ رَأْيِ مُعَاوِيَةَ وَأَمْرِهِ "
حَدَّثَنِي الأَثْرَمُ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَيَّةَ النَّمَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْفَرَزْدَقُ، قَالَ: " كُنَّا فِي ضِيَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَمَعَنَا كَعْبُ بْنُ جُعَيْلٍ التَّغْلَبِيُّ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ حَسَّانٍ قَدْ فَضَحَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ، وَغَلَبَهُ، وَفَضَحَنَا، فَاهْجُ الأَنْصَارَ، قَالَ لَهُ: أَرَادِّيِ أَنْتَ فِي الشِّرْكِ؟ أَهْجُو أَقْوَامًا نَصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَآوَوْهُ، وَلَكِنِّي أَدُّلُكَ عَلَى غُلامٍ مِنَّا نَصْرَانِيٍّ لا يُبَالِي أَنْ يَهْجُوَهُمْ، كَأَنَّ لِسَانَهُ لِسَانُ ثَوْرٍ.
قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قُلْتُ: الأَخْطَلُ.
فَدَعَا فَأَمَرَهُ بِهِجَائِهِمْ.
قَالَ: عَلَى أَنْ تَمْنَعَنِي.
قَالَ: نَعَمْ
حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، " أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ كَانَ يُشَبِّبُ بِرَمْلَةَ بِنْتِ مُعَاوِيَةَ، فَأَمَرَ يَزِيدُ كَعْبَ بْنَ جُعَيْلٍ أَنْ يَهْجُوَهُ فَدَلَّهُ عَلَى الأَخْطَلِ.
стр. 84
وَقَالَ غَيْرُ الْمَدَائِنِيِّ: لَمَّا غَلَبَ ابْنُ حَسَّانٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ، دَسَّ مُعَاوِيَةُ ابْنَهُ يَزِيدَ إِلَى الأَخْطَلِ، فَأَمَرَهُ بِهِجَائِهِمْ، فَهَجَاهُمْ، فَقَالَ:
ذَهَبَتْ قُرَيشٌ بِالسَّمَاحَةِ وَالنَّدَى ... وَاللُّؤْمُ تَحْتَ عَمَائِمَ الأَنْصَارِ
قَوْمٌ إِذَا هَدرَ الْعَصِيرُ رَأَيْتَهُمْ ... حُمْرًا عُيُونُهُمُ مِنَ الْمُسْطَارِ
وَإِذَا نَسَبْتَ ابْنَ الْفُرَيْعَةِ خِلْتَهُ ... كَالْجَحْشِ بَيْنَ حِمَارَةٍ وَحِمَارِ
فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ:
أَبْلِغْ قَبَائِلَ تَغْلِبَ ابْنَةِ وَائِلٍ ... مَنْ بِالْفُرَاتِ وَجَانِبِ الثَّرْثَارِ
فَاللُّؤْمُ فَوْقَ أُنُوفِ تَغْلِبَ بَيِّنٌ ... كَالرَّقْمِ فَوْقَ ذِرَاعِ كُلِّ حِمَارِ
فَقَالَ الأَخْطَلُ:
عَذَرْتُ بَنِي الْفُرَيْعَةِ أَنْ هَجَوْنَي ... فَمَا بَالِي وَبَالُ بَنِي بَشِيرِ
أَفَيْجِعُ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ شَثْنٌ ... شَدِيدُ الْقُصْرَيَيْنِ مِنَ السَّحُورِ
قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَ بَنِي النَّجَّارِ قَوْلُ الأَخْطَلِ، خَرَجَ وَفْدٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ، وَضَعُوا عَمَائِمَهُمْ، وَقَالُوا: أَتَرَى لُؤْمًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ وَاسْتَعْدَوْا عَلَى الأَخْطَلِ، فَقَالَ: لَكُمْ لِسَانُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ يَزِيدُ أَجَارَهُ، وَدَسَّ إِلَى يَزِيدَ فَأَجَارَهُ، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ يَزِيدُ:
دَعَا الأَخْطَلُ الْمَلْهُوفُ بِالشَّرِّ دَعْوَةً ... فَأَيُّ مُجِيبٍ كُنْتُ لَمَّا دَعَانِيَا
فَفَرَّجَ عَنْهُ مَشْهَدَ الْقَوْمِ مَشْهَدِي ... وَأَلْسِنَةَ الْوَاشِينَ عَنْهُ لِسَانِيَا
قَالَ: وَكَانَ أَشَدَّ الْقَوْمِ عَلَى الأَخْطَلِ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، يَقُولُ الأَخْطَلُ:
أَبَا خَالِدٍ دَافَعْتَ عَنِّي عَظِيمَةً ... وَأَدْرَكْتَ لَحْمِي قَبْلَ أَنْ يَتَبَدَّدَا
وَأَطْفَأْتَ عَنِّي نَارَ نُعْمَانَ بَعْدَمَا ... أَغذَّ لِأَمْرٍ فَاجِرٍ وَتَجَرَّدَا
وَقَالَ ابْنُ حَسَّانٍ يَعْنِي مُعَاوِيَةَ:
أَلا مَنْ رَسُولِي أَصْلَحَ اللَّهُ بَالَهُ ... وَأُعْطِي مِنَ الْحَاجَاتِ مَا كَانَ يَطْلُبُ
يُبَلِّغْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رِسَالَةً ... تَنَخَّلَهَا مُمْلٍ وَآخَرُ يَكْتُبُ
فَيُخْبِرُ فِيهَا أَنَّ بيْنِي وَبَيْنَهُ ... أَوَاصِرَ لا تُرْعَى وَلا هِيَ تُقْرَبُ
وَأَنَّ يَزِيدَ لَيْسَ يَطْلُبُ عِنْدَنَا ... كِتَابًا وَلا حَقًّا وَذُو الْحَقِ يَطْلُبُ
وَأَنَّ يَزِيدَ كَانَ فِي مُتَنَزَّهٍ ... وَفِي مَعْزَلٍ عَمَّا تُدَاوِلُ تَغْلِبُ
رِجَالٌ أَصِحَّاءُ الْجُلُودِ مِنَ الْخَنَا ... وَأَلْسِنَةٌ مَعْرُوفَةٌ أَيْنَ تَذْهَبُ
فَلا تَجْعَلَنَّا لُعْبَةً لِقَطِينِهِ ... فَيَعْلَمُ إِنْ عِشْنَا بِمَا كَانَ يَلْعَبُ
وَأَنِّيَ مِمَّا أُخْمِدُ الْحَرْبَ تَارَةً ... وَأُحْمَلُ أَحْيَانًا عَلَيْهَا فَأَرْكَبُ
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، عَنْ زَكَرِيَا بْنِ عِيسَى بْنِ شِهَابٍ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَيسٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: لَمَّا أَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ أَنْ يُهَاجِيَ النَّجَاشِيَّ، قَالَ لَهُ أَبُوهُ: هَلُمَّ فَأَنْشِدْنِي مِنْ شِعْرِكَ، فَإِنَّكَ تُهَاجِي النَّجَاشِيَّ أَشْعَرَ الْعَرَبِ، فَأَنْشَدَهُ، فَأَهْوَى حَسَّانٌ إِلَى شَيْءٍ خَلْفَهُ فَعَلاهُ ضَرْبًا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَاضَّ بَظْرَ أُمِّهِ أَبِهَذَا تُهَاجِيهِ؟ اذْهَبْ، فَقُلْ ثَلاثَ قَصَائِدَ قَبلَ أَنْ تُصْبِحَ.
قَالَ: فَقَالَ ثَلاثَ قَصَائِدَ، ثُمَّ جَاءَ فَعَرَضَهَا عَلَيْهِ.
стр. 85
فَقَالَ حَسَّانٌ: يَا بُنَيَّ اذْهَبْ فَابْسُطِ الشَّرَّ عَلَى ذِرَاعَيْكَ، قَالَ: يَا أَبَهْ مَا هَذِهِ وَصِيَّةُ يَعْقُوبَ بِنِيهِ، وَقَامَ، فَقَالَ حَسَّانٌ: يَا بُنَيَّ، مَا أَبُوكَ مِثْلُ يَعْقُوبَ، وَلا أَنْتَ مِثْلُ بِنِي يَعْقُوبَ، اعْمَدْ إِلَى امْرَأَةٍ لَطِيفَةٍ بَأُخْتِ النَّجَاشِيِّ فَمُرْهَا فَلْتَصِفْهَا لَكَ، وَاجْعَلْ لَهُ جُعْلا، فَفَعَلَ، فَوَصَفَتْ لَهُ أَشَياءَ ذَكَرَتْ خَالا وَشَامَةً، وَقَالَ: فَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَتَّى هَبَطَ مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَتْ أَيَّامُ مِنًى، قِيلَ لَهُ: إِنَّ هَهُنَا نَفَرًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ إِخْوَةً مُطَاعِينَ فِي قَوْمِهِمْ، فَخَرَجَ إِلَى أُمِّهِمُ يُكَلِّمُهَا، وَانْتَسَبَ لَهَا، وَذَكَرَ الَّذِي أَرَادَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ: قُومُوا مَعَ هَذَا الرَّجُلِ وَكَلَّمُوا بَنِي عَمِّكُمْ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ، فَفَعَلُوا وَجَعَلُوا لَهُ غَبِيطًا عَلَى نَجِيبَةٍ، وَجَعَلُوا فَوْقَ الْغَبِيطِ رَجُلا، فَجَاءَ مُشْرِفًا عَلَى النَّاسِ، وَجَاءَ النَّجَاشِيُّ عَلَى فَرَسٍ وَهُوَ يَقُولُ:
أَنَا النَّجَاشِيُّ عَلَى جَمَّازِ ... فَرَّ ابْنُ حَسَّانٍ بِذِي الْمَجَازِ
وَرَاغَ لَمَّا سَمِعَ ارْتِجَازِي ... رَوْغَ الْحُبَارَى مِنْ خَوَاتِ الْبَازِ
وَقَالَ ابْنُ حَسَّانٍ:
يَا هِنْدُ يَا أُخْتَ النَّجَاشِيِّ اسْلَمِي ... هَلْ تَذْكُرِينَ لَيْلَةً بِإِضَمِ
وَلَيْلَةً أُخْرَى بَجَوِّ الْحَرَمِ ... وَالشَّامَةَ السَّوْدَاءَ بِالْمَخَدَّمِ
وَالْخَالَ بِالْكِشْحِ اللَّطِيفِ الأَهْضَمِ فَانْكَسَرَ النَّجَاشِيُّ لِصَفَتِهِ، وَقَالَ النَّجَاشِيُّ:
سَتَأْتِي الْيَهُودِيَّيْنِ حَسَّانَ وَابَنَهُ ... قَصَائِدُ لَمْ يَخْتِمْ عَلَيْهِنَّ رَوْشَمُ
لَعِينَ رَسُولِ اللَّهِ مَا لَكَ ذِمَّةٌ ... وَمَا لَكَ مِنْ دِينٍ وَمَالَكَ مَحْرَمُ
أَبُوكَ أَبُو سَوْءٍ وَعَمُّكَ مِثْلُهُ ... وَخَالُكَ شَرٌّ مِنْ أَبِيكَ وَأَلأَمُ
فَقَالَ ابْنُ حَسَّانٍ:
أَلا تَرَوْنَ الْعَبْدَ إِذْا يَهْجُو مُضَرْ ... مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ وَالْقَرْمُ عُمَرْ
وَقَالَ أَيْضًا:
أُشْهِدُ كُلَّ مُسْلِمٍ شَهَادَهْ ... مَنْ لا يَبِيعُ دِينَهُ تَلادَهْ
مَا بَيْنَ أَقْصَى ضَرْغَدٍ فَصَادَهْ ... أَوْ مَلِكٍ تُلْقَى لَهُ أَسَادَهْ
وَقَالَ النَّجَاشِيُّ لِقُرَيشٍ، وَكَانَ هَوَاهُمْ مَعَ ابْنِ حَسَّانٍ، وَيُقَالَ: بَلْ قَالَهَا حِينَ ضَرَبَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، الْحَدَّ بِالْكُوفَةِ، وَنَفَاهُ عَنْهَا:
ظَهَرَ النَّبِيُّ وَمَا قُرَيْشٌ وَسْطَنَا ... إِلا كَمِثلِ قُلامةِ الظُّفْرِ
فَعَسَى قُرَيْشٌ أَنْ تَزِلَّ بِهَا ... غَدًا نَعْلٌ فَنَقْسِمُهَا عَلَى ظَهْرِ
стр. 86
حَدَّثَنِي الأَثْرَمُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: " هَاجَ الْهِجِاءُ بَيْنَ النَّجَاشِيِّ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي الْحَارِثَ بْنِ كَعْبٍ كَانَتْ نَاكِحًا بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ، فَكَانَ ابْنُ حَسَّانٍ يُشَبِّبُ بِهَا حَتَّى يَرِقَا ذَلِكَ، فَهَجَاهُ النَّجَاشِيُّ بِنَجْرَانَ، ثُمَّ إِنَّهُمَا اتَّعَدَا سُوقَ ذِي الْمَجَازِ وَكَانَتْ تَقُومُ حِينَ يَسْتَهِلُّ هِلالُ ذِي الْحِجَّةِ، ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ، وَمِنَهَا كَانَ يَتَجَهَّزُ النَّاسُ، وَيَمْضُونَ إِلَى مَكَّةَ إِلَى الْمَوْسِمِ، قَالَ: فَقَالَتِ الأَنْصَارُ، وَأَتَاهُمُ ابْنُ حَسَّانٍ يَسْتَنْفِرُهُمْ، شَاعِرَانِ سَفِيهَانِ، يَهْجُوَانِ النَّاسَ وَيُحْيِيَانِ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمْ تَنْفَرْ مَعَهُ جِلَّتُهُمْ، وَلا ذَوُو أَسْنَانِهِمْ، وَخَفَّ مَعَهُ شَبَابٌ مِنْ سُفَهَائِهَمْ، وَفِتْيَانٌ مِنْ قُرَيشٍ، وَأَفْنَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
قَالَ عِيَاضُ بْنُ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، وَكَانَ مَعَ ابْنِ حَسَّانٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا ذَا الْمَجَازِ، إِذَا النَّجَاشِيُّ قَدْ وَافَى فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ حَسَّانٍ، سَأَلَ مَنْ أَعَزُّ مَنْ هَهُنَا؟ قَالُوا: هَذِهِ بِلادُ هَوَازَنَ، وَقَدْ نَزَلْنَا بَيْهَسِ بْنِ عَقَالِ الْعَقِيلِيِّ، قَالَ: فَأَتَيْنَاهُ فَلَمْ نُصَادِفْهُ، وَوَجَدْنَا امْرَأَةً، فَسَأَلْنَاهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: لَيْسَ هُوَ هَهُنَا، انْطَلَقَ يَشْتَرِي كِسْوَةً لِأَهْلِهِ، قَالَ: فَقَعَدْنَا فَإِذَا الشَّيْخُ قَدْ أَقْبَلَ، وَمَعَهُ رَجُلٌ حَامِلٌ رُزْمَةً مِنْ ثِيَابٍ، وَفِي كَفِّ بَيْهَسٍ أَثْوَابٌ كَأَنَّهُ يَشْتَدُّ بِهَا، وَإِذَا هُوَ دَالِفٌ حَتَّى إِذَا انْتَهَى إِلَيْنَا وَضَعَ مَا مَعَهُ، وَرَحَّبَ بِنَا وَنَسَبَنَا، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَنَا ابْنُ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، فَرَحَّبَ بِهِ، وَقَالَ: حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ النَّجَاشِيَّ يَهْجُونَا، وَيُقَطِّعُ أَعْرَاضَنَا، فَوَاعَدْتُهُ، وَقَدْ وَافَى فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ تَمْنَعَنِي حَتَّى أَلْقَاهُ، فَأُوَافِقُهُ.
فَقَالَ: نَحِّ هَذَا عَنِّي يَا ابْنَ أَخِي إِلَى غَيْرِي، فَقَدْ نَوَيْتُ الْحَجَّ وَأَرَدْتُ أَنْ لا أُدْخِلَ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَهَا، قَالَ: وَلَعَلِّي لا أَرَى حِجَّةً بَعْدَهَا.
قَالَ: فَطَلَبْنَا إِلَيْهِ فَأَبَى، فَانْصَرَفْنَا، فَلَمَّا جَاوَزْنَا سَمِعْنَا امْرَأَتَهُ، تَقُولُ لَهُ: كَأَنِّي بِهَذَا الْمَوْلَى قَدْ قَالَ لَكَ قَوْلا لا يُنْكِحُ بِنْتًا لَكَ كُفْؤٌ أَبَدًا، أَتَاكَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ لِتَمْنَعَهُ فَنَبَوْتَ عَنْهُ.
فَقَالَ لَهَا: وَيْحَكِ ادْعِيهِمْ فَدُعِينَا، فَرَجَعْنَا، فَقَالَ: نَعَمْ، أَنَا أَمْنَعُكَ فَمَتَى وَاعَدْتَهُ؟ قَالَ: بِالْغَدَاةِ.
قَالَ: فَغَدَوْنَا، وَجَاءَ النَّجَاشِيُّ عَلَى جَمَّازٍ، وَجَاءَ بَيْهَسٌ، فَلَمَّا تَنَاقَضَا، جَعَلَ بَيْهَسٌ يَرَى أَبْصَارَ النَّاسِ إِلَى النَّجَاشِيِّ.
وَقَدْ كَانَ كَلَّ سَمْعُهُ مِنَ الْكِبَرِ.
قَالَ: فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ظَنَّهُ قَدْ غَلَبَهُ، فَقَالَ: أَدْنُونِي مِنَ النَّجَاشِيِّ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ: فَشُقَّ عَلَيْهِ، وَسَمِعَهُ يَقُولُ:
بَنَى اللُّؤْمُ بَيْتًا فَاسْتَقَرَّ عِمَادُهُ ... عَلَيْكُمْ بَنِي النَّجَّارِ ضَرْبَةَ لازِمٍ
стр. 87
فَلَمَّا سَمِعَهَا كَلَّحَ، فَقَالَ: يَا آلَ هَوَازِنَ، فَلَمْ يَبْقَ بَيْتٌ وَلا خَيْمَةٌ إِلا قُوِّضَتْ، وَلَمْ أَرَ إِلا قَوَائِمَ جَمَلِ النَّجَاشِيِّ، وَأَفْلَتَ فَوَلِجَ فُسْطَاطًا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ نَاحِيَتِهِ، وَاتَّبَعُوهُ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي قَارِبِ بْنِ الأَسْوَدِ الثَّقَفِيِّ، عَلَى فرَسٍ فَأَرْدَفَهُ.
قَالَ: فَسَبَقَ بِهِ حَتَّى فَاتَ الْقَوْمَ.
فَقَالَ النَّجَاشِيُّ يَعُمَّ الأَنْصَارَ:
وَهَلْ أَنْتُمُ إِلا كَأَبْنَاءِ نَهْشَلٍ ... وَآلِ فُقَيْمٍ قُتِّلُوا وَمُجَاشِعُ
بِذَنْبِ سُوَيْدٍ وَهْوَ مِنْ آلِ دَارِمٍ ... لِزَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالأَمْرُ جَامِعُ
قَالَ: وَرَجِزَ بِهِ، فَقَالَ:
إِذَا دَعَوْتَ مَذْحِجًا وَحِمْيَرًا ... وَالْعُصَبَ الْيَمَانِيَّاتِ الأُخَرَا
فَمَا أَعَزَّ نَاصِرِي وَأَكْثَرَا قَالَ: وَاخْتَرَطَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرٍ سَيْفَهُ، فَضَرَبَ بِهِ عُرْقُوبَ بَعِيرِ ابْنِ حَسَّانٍ، فَقَالَ حِينَ كُسِرَ:
لَقَدْ شَمِتُوا حِينَ اسْتَخَفَّ حُلُومُهُمْ ... كَأنَ فَتًى لَمْ يَنْكَسِرْ سَاقُهُ قَبْلِي
وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَرَوْنِي وَأنْ أَرَى ... سَويًّا كَأَنِّي غُصْنُ بَانٍ عَلَى نَجْلِ
وَأُمْسِي تَحِلاتُ النَّجَاحِ مُجَازِيًا ... يُؤَدِّي أَهْلُ الْوُدِّ وَالتَّبْلُ بِالتَّبْلِ
كَأَنِّي أَخُو الْحَلْفَاءِ أُصْبِحُ غَازِيًا ... شَدِيدُ مَشَكِّ الرَّأْسِ جَهْمٌ أَبُو شِبْلِ
تَبِيتُ بَعُوضُ الْجِدِّ يَعْزِفْنَ حَوْلَهُ ... كَعَزْفِ الْقِيَانِ الضَّارِبَاتِ عَلَى الطَّبْلِ
إِذَا أَنَا قَضَّيْتُ الأَمَانِيَّ خَالِيًّا ... فَأَوَّلُهَا التَّقْوَى وَمَشْيٌ عَلَى رِجْلِ
كَسِيرَتِهَا الأُولَى وَذَلِكَ نَالَهَا ... إِذَا عُدَّتِ الأَشْيَاءُ عِنْدِي فَمَنْ مِثْلِي
وَمَا أَنْسَ مِلَ الأَشْياءِ لا أَنْسَ مَصْرَعِي عَشِيَّةَ جَمْعٍ وْالْمُغِيرُونَ فِي شُغْلِ
صَرِيعًا وَأَيْدِي السَّانِحَاتِ يُرِدْنَنِي ... كَمَا وَرَدَ الْيَعْسُوبَ رِجْلٌ مِنَ النَّحْلِ
فَأَدْرَكَنِي رَبِّي بِفَضْلٍ وَنِعْمَةٍ ... وَمَا زَالَ عِنْدِي ذَا بَلاءٍ وَذَا فَضْلِ
تُوَحَّدُ بِالنُّعْمَى عَلَيَّ فَأَصْبَحَتْ ... مَصَائِبُهَا كَالثَّوْبِ أُنْقِيَ بِالْغُسْلِ
حَدَّثَنِي أَسْبَاطُ بْنُ عِيسَى الْعُذْرِيُّ، عَنْ أَشْيَاخِ قَوْمِهِ، قَالُوا: " لَمَّا أُخْرِجَ بِهُدْبَةَ بْنِ الْخَشْرَمِ، لِيُقْتَلَ، لَقِيَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ، فَقَالَ لَهُ مُتَعَنِّتًا لَهُ: يَا هُدْبَةُ أَنْشِدْنِي.
قَالَ: عَلَى هَذِهِ الْحَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ هُدْبَةُ:
وَلَسْتُ بِمِفْرَاحٍ إِذَا الأَمْرُ سَرَّنِي ... وَلا جَازِعٍ مِنْ صَرْفِهِ الْمُتَقَلِّبِ
وَلَسْتُ بِبَاغِي الشَّرِّ وَالشَّرُّ تَارِكِي ... وَلَكِنْ مَتَى أُحْمَلْ عَلَى الشَّرِّ أَرْكَبِ
وَحَرَّبَنِي مَوْلايَ حَتَّى غَشِيتُهُ ... مَتَى مَا يُحرِّبْكَ ابْنُ عَمِّكِ تَحْرَبِ
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: عَلِمْتَ أَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَتَكَ بَعْدَكَ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ نَهَيْتُهَا عَنْكَ، حَيْثُ أَقُولُ:
لا تَنْكِحِي إِنْ فَرَّقَ الْمَوْتُ بَيْنَنَا ... أَغَمَّ الْقَفَا وَالْوَجْهِ لَيْسَ بِأَنْزَعَا
ضَرُوبًا بِلَحْيَيْهِ عَلَى عِظْمِ زُورِهِ ... إِذَا الْقَوْمُ هَشُّوا لِلْفِعَالِ تَقَنَّعَا
أُصَيْهِبَ لا يُرْضِيكِ فِي الْحَيِّ جَالِسًا ... إِذَا مَا مَشَى أَوْ قَالَ قَوْلا بَلَتَّعَا
стр. 88
يُقَالُ: رَجُلٌ بَلْتَعَانُ إِذَا كَانَ يُكْثِرُ كَلامَهُ بِالْمُحَالِ لَمَّا وَصَفَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أُخْتَ النَّجَاشِيِّ، انْكَسَرَ النَّجَاشِيُّ لِصَفَتِهِ، قَالَ: وَبَطَحَ ابْنَ حَسَّانٍ عَنِ الرَّحْلِ فَسَقَطَ، فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ هُذَيلٍ إِلَى حَسَّانٍ، فَقَالَ: قَدِمَ مُسَابِقُ الْحُجَّاجِ، قَالَ: فَأُخْبِرُ مَاذَا؟ قَالَ: الْتَقَى ابْنُكَ وَالنَّجَاشِيُّ، قَالَ: فَأَيُّهُمَا غَلَبَ؟ قَالَ: غَلَبَهُ النَّجَاشِيُّ، فَأَهْوَى حَسَّانٌ إِلَى ذَكَرِهِ، فَقَبضَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: مَا خَرَجَ إِذًا مِنْ هَذَا، مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ هُذَيلٍ.
فَقَالَ حَسَّانٌ يَهْجُو الْقَائِلَ الْهُذْلِيَّ:
فَمَنْ يَكْ بَيْنَ هُذَيْلِ الْخَنَا ... وَبَيْنَ ثُمَالَةَ لا يَفْزَعُ
صِغَارُ الْجَمَاجِمِ ثُطُّ اللِّحَى ... كَأَنَّهُمُ الْقَمْلُ بِالْبَلْقَعِ
إِذَا وَرَدَ النَّاسُ حَوْضَ الرَّسُولِ ... ذِيدَتْ هُذَيلٌ عَنِ الْمَشْرَعِ
قَالَ: فَجَاءَتْهُ هُذَيْلٌ فَكَلَّمَتْهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَأْتُونِي مَا زِلْتُ أَرْجُزُ بِهِمْ حَتَّى الْحَوْلِ.
وَلَحَّ الْهِجَاءُ بَيْنَ النَّجَاشِيِّ وَحَسَّانٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّجَاشِيُّ بِأَبْيَاتٍ مِنْ شِعْرٍ مِنْهَا:
بَنَى اللُّؤْمُ بَيْتًا فَاسْتَقَرَّ عِمَادُهُ ... عَلَيْكُمْ بَنِي النَّجَّارِ ضَرْبَةَ لازِمٍ
وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِبَيْتٍ آخَرَ:
لَوْ كَانَ عُذْرٌ مُهْلِكًا أَهْلَ قَرْيَةٍ ... مِنَ النَّاسِ أَفْنَى بَاقِيَ الْخَزْرَجِ الْغَدْرُ
فَدَخَلَ بِهَمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ ضِرَارٍ الْجُشَمِيُّ عَلَى حَسَّانٍ، فَقَالَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ، أَمَا سَمِعْتَ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ اللَّذَيْنِ أَهْدَى إِلَيْكُمُ النَّجَاشِيُّ، فَقَالَ: اعْرِضْهُمَا عَلَيَّ، فَفَعَلَ، فَأَنْشَأَ حَسَّانٌ، يَقُولُ:
يَا رَاكِبًا إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ ... عَبْدَ الْمَدَانِ وَجُلَّ آلِ قَنَانِ
قَدْ كُنْتُ أَحْسَبُ أَنْ أَصْلِيَ أَصْلُكُمْ ... حَتَّى أَمَرْتُمْ عَبْدَكُمْ فَهَجَانِي
وَقَالَ أَيْضًا:
أَبَنِي الْحِمَاسِ أَلا مُرُوَّةُ فِيكُمُ ... إِنَّ الْمُرُوءَةَ فِي الْحِمَاسِ قَلِيلُ
هَيَّجْتُمُ حَسَّانَ عِنْدَ ذَكَائِهِ ... غَيٌّ لِمَا وَلَدَ الْحِمَاسُ طَوُيلُ
وَقَالَ أَيْضًا:
حَارَبْنَ كَعْبٍ أَلا الأَحْلامُ تَزْجُرُكُمْ ... عَنِّي وَأَنْتُمُ مِنَ الْجُوفِ الْجَمَاخِيرِ
لا عَيْبَ بِالْقَوْمِ مِنْ طُولٍ وَمِنْ عِظَمٍ ... جِسْمُ الْبِغَالِ وَأَحْلامُ الْعَصَافِيرِ
دَعُوا التَّخَاجِيَ وَامْشُوا مِشْيَةً سُجُحًا ... إِنَّ الرِّجَالَ أُولُو عَصَبٍ وَتَذْكِيرِ
كَأَنَّهُمْ قَصَبٌ جَوفٌ أَسَافِلُهُ ... مُثَقَّبٌ فِيهِ أَرْوَاحُ الأَعَاصِيرِ
وَقَالَ النَّجَاشِيُّ:
فَلَمْ أَهْجُكُمْ إِلا لأَنِّي حَسِبْتُكُمْ ... كَرَهْطِ ابْنِ بَدْرٍ أَوْ كَرَهْطِ ابْنِ مَعْبَدِ
فَلَمَّا سَأَلْتُ النَّاسَ عَنْكُمْ وَجَدْتُكُمْ ... بِرَاذِينَ شُقْرًا أُرْبِطَتْ حَوْلَ مِذْوَدِ
فَأَنْتُمْ بَنِي النَّجَّارِ أَكْفَاءُ مِثْلُنَا ... فَأَبْعِدْ بِكُمْ عَمَّا هُنَالِكَ أَبْعَدُ
فَإِنْ شِئْتُمُ نَافَرْتُمُ عَنْ أَبِيكُمُ ... إِلَى مَنْ أَرَدْتُمْ مِنْ تِهَامٍ وَمُنْجَدِ
وَمَا كُنْتُ أَدْرِي مَا حُسَامٌ وَمَا ابْنُهُ ... وَلا أُمُّ ذَلِكَ الْيَثْرِبِيِّ الْمُوَلَّدِ
فَلَمَّا أَتَانِي مَا يَقُولُ وَدُونَهُ ... مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْبَرِيدِ الْمُبَرَّدِ
سَمَوْتُ لَهُ بِالْمَجْدِ حَتَّى رَدَدْتُهُ ... إِلَى نَسَبٍ نَاءٍ عَنِ الْمَجْدِ مُقْعَدِ
стр. 89
حَدَّثَنِي الأَثْرَمُ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: " فَغَلَبَهُمُ النَّجَاشِيُّ، قَالَ: وَحَسَّانٌ يَوْمَئِذٍ شَيخٌ كَبِيرٌ أَعْمَى، فَقَالَ يُعَيَّرُ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَيَهْجُوهُمْ:
أَمَّا الْحِمَاسُ فَإِنِّي غَيْرُ شَاتِمِهِمْ ... لا هُمْ كِرامٌ وَلا عِرْضِي لَهُمْ خَطَرُ
أَولادُ حَامٍ فَلا تَلْقَى لَهُمْ شَبَهًا ... إِلا التُّيُوسَ عَلَى أَقْفَائِهَا الشَّعَرُ
وَقَالَ:
أَلا أَبْلِغْ بَنِي الدَّيَّانِ عَنِّي ... مُغَلْغَلَةً وَرَهْطَ بِنِي قَيَانِ
وَأَبْلِغْ كُلَّ مُنْتَخَبٍ هَوَاءٍ ... رَحِيبِ الْجَوْفِ مِنْ عَبْدِ الْمَدَانِ
مَيَامِسُ غَزَّةٍ وَرِمَاحُ غَابٍ ... خِفَافٌ لا تَقُومُ بِهَا الْيَدَانِ
تَفَاقَدْتُمْ عَلامَ هَجْوتُمُونِي ... وَلَمْ أَظْلِمْ وَلَمْ أُخْلَسْ لِسَانِي
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ: الْمَيْمَسُ الَّذِي يُسْخَرُ مِنْهُ، وَغَزَّةُ بِالشَّامِ مِنْ عَمَلِ فِلَسْطِينَ، وَبِهَا مَاتَ هِاشَمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لا تَقُومُ بِهَا الْيَدَانِ.
فَشَبَّهَهُمْ بِالْقَصَبِ فِي ضَعْفِهِ.
قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَ النَّجِاشِيُّ أَنْ حَسَّانًا قَدْ هَجَاهُ، رَجَزَ بِهِ، فَقَالَ:
يَأَيُّهَا الرَّاكِبُ ذُو الْمَتَاعِ ... ذُو الرَّحْلِ وَالْبُرْدَيْنِ وَالْإِقْطَاعِ
أَآذِنُ بَنِي النَّجَّارِ بِالْوِقَاعِ ... مِنْ شَاعِرٍ لَيْسَ بِمُسْتَطَاعِ
لَيْسَ مِنِ الْهِرَمِيِّ وَلا الْجَزَّاعِ ... لا يَقْتُلُ الأَقْوَامَ بِالْخِدَاعِ
إِلا صَمِيمَ النَّقْرِ وَالْمِصَاعِ ... يَسْبِقُ شَأْوَ النُّجُبِ السِّرَاعِ
جَاءَ عَلَى نَجِيبَةٍ وَسَاعٍ ... فِي مَوْكِبٍ عَرَمْرَمٍ قَضَّاعِ
مِثْلِ أَتَيِّ السَّيْلِ ذِي الدِّفَاعِ ... إِنِّي امْرُؤٌ أَوْفَى عَلَى يَفَاعِ
فِي حَلَبَاتِ الْمَجْدِ وَالْجُمَاعِ وَهِيَ طَوِيلَةٌ.
وَقَالَ لِحَسَّانٍ وَابْنِهِ:
إِنَّ اللَّعِينَ وَابْنَهُ غُرَابًا ... حَسَّانَ لَمَّا وَدَّعَ الشَّبَابَا
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ شَدِيدَ السَّوَادِ، فَلِذَلِكَ قَالَ: وَابْنَهُ غُرَابًا.
وَنَقدَتْ أَنْيَابُهُ وَشَابَا ... اسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ وَالْكِتَابَا
مَا بَالَهُ إِذَا افْتَرَى وَحَابَا ... وَأَخْطَأَ الْحَقَّ وَمَا أَصَابَا
فَعَجَّلَ اللَّهُ لَهُ عَذَابًا ... وأَخَّرَ النَّارَ لَهُ مَآبَا
يَا شَاعِرَيْ يَثْرِبَ لا تَرْتَابَا ... وَلا مُعَافَاةً وَلا عِتَابَا
إِذْ تَهْجُوَانِ شَاعِرًا غِضَابًا ... لِلشُّعَرَاءِ وَاتِرًا غَلابَا
لا مُفْحَمَ الْقَوْلِ وَلا هَيَّابَا ... كَاللَّيْثِ يَحْمِي جِزْعَهُ الذِّئَابَا
وَأَنْتَ قَيْنٌ تَنْحَتُ الأَقْتَابَا ... لِشَرِّ أَمْرٍ إِنْ دُعِي أَجَابَا
حَدَّثَنِي أَبُو غَزِيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " اسْتَثْنَى النَّجَاشِيُّ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانٍ حِينَ أَجْمَعَ مُهَاجَاتَهُ أَلا يُعِينَهُ أَبُوهُ حَسَّانٌ.
فَسَأَلَ حَسَّانٌ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَمَا قَالَ لِلنَّجَاشِيِّ فِي لَيْلَتِهِ، فَأَنْشَدَهُ، فَلَمْ يَرْضَ حَسَّانٌ، فَقَالَ:
دَعُوا التَّخَاجِي وَامْشُوا مَشيَّةً سُجُحًا ... إِنَّ الرِّجَالَ أُولُو عَصَبٍ وَتَذْكِيرِ
فَلَمَّا أَنْشَدَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِلنَّجَاشِيِّ، عَفَطَ فِي وَجْهِهِ، وَقَالَ: بَاسْتِكَ.
أَنْتَ تُحْسَنُ تَرْخِيمَ الْكَلامِ.
هَذَا كَلامُ الشَّيْخِ
стр. 90
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ، قَالَ: اجْتَمَعَتِ الأَنْصَارُ فِي مَجْلِسٍ، فَتَذَاكَرُوا هِجَاءَ النَّجَاشِيِّ إِيَّاهُمْ، وَقَالُوا: مَنْ لَهُ؟ فَقَالَ لَهُمُ الْحَارِثُ بْنُ مُعَاذٍ: حَسَّانٌ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ إِنَّ طَعَامَهُ لَيَغْلِبُهُ مِنْ ضَعْفِ حَنَكِهِ.
فَيَعَرِضِهُ لِلنَّجَاشِيِّ وَلَمْ يَبْلُغْهُ شَاعِرٌ.
فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنْزِعُ قَمِيصِي حَتَّى آتِيَهُ، فَتَوجَّهَ نَحْوَهُ، وَهُمْ مُعْظِمُونَ لِذَلِكَ، حَتَّى دَقَّ عَلَيْهِ البَّابَ.
فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مُعَاذٍ.
قَالَ: افْتَحِي فُرَيْعَةُ لِسَيِّدِ شَبَابِ الأَنْصَارِ.
فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ شَقَّ قَمِيصَهُ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ.
فَقَالَ: أَيْنَ أَنْتُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: قَدْ قَاوَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، قَالَ: كُنْ وَرَاءَ الْبَابِ وَاحْفَظْ مَا أُلْقِي عَلَيْكَ.
فَقَامَ فَضَرَبَهُ البَّابُ فَشَجَّهُ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ احْفَظْ عَنِّي رَسُولَكَ.
فَعَرَفْتُ وَاللَّهِ الْغَلَبَةَ إِذْ قَالَهَا، ثُمَّ قَالَ:
أَبَنِي الْحِمَاسِ أَلَيْسَ فِيكُمْ سَيِّدٌ ... إِنَّ الْمُرُوءَةَ فِي الْحِمَاسِ قَلِيلُ
هَيَّجْتُمُ حَسَّانَ عِنْدَ ذَكَائِهِ ... عَيٌّ لِمَا وَلَدَ الْحِمَاسُ طَوِيلُ
إِنَّ الْهِجَاءَ إِلَيْكُمُ لَتَعِلَّةٌ ... فَتَحَشْحَشُوا إِنَّ الذَّلِيلَ ذَلِيلُ
يَا وَيْلَ أُمِّكُمُ وَوَيْلَ أَبِيكُمُ ... وَيْلٌ تَرَدَّدَ فِيكُمُ وَعَوِيلُ
لا تَجْزَعُوا أَنْ تُنْسَبُوا لِأَبِيكُمُ ... فَاللُّؤمُ يَبْقَى وَالْجِبَالُ تَزُولُ
فَبَنُو زِيادٍ لَمْ تَلِدْكَ نُحُولُهُمْ ... وَبَنُو صَلاءَةَ فَحْلُهُمْ مَشْغُولُ
وَسَرَى بِكُمْ تَيْسٌ أَجَمُّ مُجِذَّرٌ ... مَا لِلذَّمَامَةِ عَنْكُمُ تَحْويِلُ
فَاللُّؤمُ حَلَّ عَلَى الْحِمَاسِ فَمَا لَهُمْ ... كَهْلٌ يَسُودُ وَلا فَتًى بُهْلُولُ
وَقَالَ أَيْضًا يَهْجُوهُمْ:
أَمَّا الْحِمَاسُ فَإِنِّي غَيْرُ شَاتِمهِمْ ... لا هُمْ كِرَامٌ وَلا عِرْضِي لَهُمْ خَطَرُ
لا يَرْبُلُونَ وَلا يُلْفَى لَهُمْ شَبَهٌ ... إِلا التُّيُوسُ عَلَى أَكْتَافِهَا الشَّعَرُ
إِنْ سَابَقُوا سُبِقُوا أَوْ نَافَرُوا نُفِروا ... أَوْ كَاثَرُوا وَاحِدًا مِنْ غَيْرِهِمْ كُثِرُوا
شِبْهُ الزَّغَالِيلِ لا دِينٌ وَلا حَسَبٌ ... لَوْ قَامَرُوا الزِّنْجَ عَنْ أَحْسَابِهِمْ قُمِرُوا
وَقَالَ أَيْضًا يَهْجُوهُمْ:
يَا رَاكِبًا إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ ... عَبْدَ الْمَدَانِ وَجُلَّ آلِ قَنَانِ
فَلْتُعْرَفَنَّ قَلائِدِي بِرِقَابِكُمْ ... كَالْوَشْمِ لا يَبْلَى عَلَى الْحَدَثَانِ
فَلَأجْدَعَنَّ بَنِي رُهَيْمَةَ كُلَّهَا ... وَبَنِي الْحُصَيْنِ بِخِزْيَةٍ وَهَوَانِ
أَمَّا الْحِمَاسُ فَلا أَقُولُ لِثُلَّةٍ ... تَرْعَى الْبِقَاعَ خَبِيثَةَ الأَوْطَانِ
قَالَ: وَلَمَّا قَالَ حَسَّانُ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا:
هَيَّجْتُمُ حَسَّانَ عِنْدَ ذَكَائِهِ ... غَيٌّ لِمَا وَلَدَ الْحِمَاسُ طَوِيلُ
قَالَ: اكْتُبُوهَا فِي رِقَاعٍ، وَأَلْقُوهَا فِي أَيْدِي الصِّبْيَانِ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ يَمُرَّ بِنَا إِلا بِضْعٌ وَخَمْسُونَ لَيْلَةً حَتَّى طَرَقَتْ بَنُو عَبْدِ الْمَدَانِ بِالنَّجَاشِيِّ مَوْثَقًا مَعْهُمْ، فَأَرْغَوْا بِبَابِهِ، فَقَالَ لِابْنَتِهِ: يَا بُنيَّةُ، مَا هَذَا الَّذِي أَسْمَعُ؟ قَالَتْ: لا وَاللَّهِ مَا أَدْرِي.
стр. 91
قَالَ: إِنَّ أَبَاكِ قَدْ كَانَ ذَا شِدَّةٍ فِي الْعَرِبِ بِلِسَانِهِ، فَانْظُرِي مَنْ طَرَقَنِي، فَإِنْ كَانَتِ الْإِبِلُ تَعْوِي عُوَاءَ الْكِلابِ، تُوطَأُ عَلَى أَذْنَابِهَا، فَهِي إِبِلٌ مُضَرِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ تَشْكِي تَشَكِّي الذِّئَابِ، فَهِي إِبِلُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وَقَدْ أُتِيتُ بِالْعَبْدِ.
قَالَتْ: يَا أَبَهْ، هِيَ وَاللَّهِ كَمَا تَصِفُ تَشْكِي لِي.
قَالَ: أَرْسِلِي إِلَى قَوْمِكِ: أَجِيبُوا حَسَّانًا، فَمَا بَقَيَ بِعَالِيَةٍ وَلا سَافِلَةٍ أَحَدٌ إِلا جَاءَ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ، وَوُضِعَ لَهُ سَرِيرٌ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ وَفِي يَدِهِ مِخْصَرَةٌ، قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الدَّيَّانِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ الْفُرَيْعَةِ، جِئْنَاكَ بِابْنِ أَخِيكَ لِتَرَى فِيهِ رَأْيَكَ، وَأُتِيَ بِالنَّجَاشِيِّ، فَأُجْلِسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْقَوْمُ، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ، الْبَقِيَّةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنَ الْجَائِزَةِ، فَأَتَتْهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ، إِلا دِينَارَيْنِ، فَقَالَ: خُذْهَا يَا ابْنَ أَخِي، فَعَوِّضْهَا أَهْلَكَ، وَحَمَلَهُ عَلَى بَغْلَةٍ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الدَّيَّانِ: يَا ابْنَ الْفُرَيْعَةِ، كُنَّا نَفْتَخِرُ فِي النَّاسِ بِالْعِظَمِ فَأَفْسَدْتَهُ عَلَيْنَا، قَالَ: كَلا أَنَا الَّذِي أَقُولُ:
وَقَدْ كُنَّا نَقُولُ إِذَا سَمِعْنَا ... بِذِي جِسْمٍ يُعَدُّ وَذِي بَيَانِ
كَأَنَّكَ أَيُّهَا الْمُعْطِي بَيَانًا ... وَجِسْمًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمَدَانِ
١٤٠ - حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " إِنَّ إِنْسَانًا عَمِلَ مَأْدُبَةً فِي زَمَانِ عُثْمَانَ، فَدَعَا لَهَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَفِيهِمْ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَمَعَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: فَجَعَلَ حَسَّانٌ يَقُولُ لابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ: أَطَعَامُ يَدٍ أَمْ طَعَامُ يَدَيْنِ؟ قَالَ: فَإِذَا قَالَ لَهُ: طَعَامُ يَدَيْنِ.
لَمْ يَأْكُلْ، وَهُوَ الشِّوَاءُ .
قَالَ هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ: وَكَانَ فِي الْمَأْدُبَةِ قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِهِمْ، وَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ يُشِيرُ إِلَيْهِمَا تُغَنِّيَاهُمْ بِشْعِرِ حَسَّانٍ، فَغَنَّتَنَا بِقَوْلِهِ:
انْظُرْ نَهَارًا بِبَابِ جِلَّقَ هَلْ ... تُؤْنِسُ دُونَ الْبَلْقَاءِ مِنْ أَحَدِ؟
قَالَ: فَبَكَى حَسَّانٌ وَجَعَلَ ابْنُهُ يِشِيرُ إِلَيْهِمِا تُغَنِّيَانِ بِشِعْرِهِ أَيْضًا فَبَكَى "
حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الأَثْرَمِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، وَخَالِدٌ ابْنَا سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِيهِمَا: " إِنَّ أَوَّلَ مَا هَاجَ الْهِجَاءَ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانِ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ وَهُمَا بِالْمَدِينَةِ وَعَلَيْهَا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، أَنَّهُمَا خَرَجَا إِلَى الصَّيْدِ بَأَكْلُبٍ لَهُمَا، فَقَالَ: ابْنُ الْحَكَمِ:
ازْجُرْ كِلابَكَ إِنَّهَا قَلَطِيَّةٌ ... بُقْعٌ وَمِثْلُ كِلابِكُمْ لَمْ تَصْطَدِ
فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَسَّانٍ:
مَنْ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ فَرِيسَةِ صَيْدِهِ ... فَالتَّمْرُ يُغْنِينَا عَنِ الْمُتَصيِّدِ
إِنَّا أُنَاسٌ رَيَّقُونَ وَإِنَّكُمْ ... كَكِلابِكُمْ فِي الوَلْغِ وَالْمُتَزَرِّدِ
حُزْنَاكُمُ لِلْضَبِّ تَحْتَرِشُونَهُ ... وَالرِّيفِ، نَمْنَعُكُمْ بِكُلِّ مُهَّنَدِ
стр. 92
نَقْضِي فَنَمْضِي مَا أَرَدْنَا فِيكُمُ ... فِعْلَ الْعَزِيزِ بِعَبْدِهِ الْمُسْتَعْبَدِ قَالَ: ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَعَلا يَتَقَارَضَانِ الشَّعْرَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي قَصِيدَةٍ:
وَمَثُلُ أُمِّ أَبِيكَ الْعَبدِ قَدْ ضُرِبَتْ ... عِنْدِي وَلِي بِثَقِيلِي مِزْهَرٌ جَرِمُ
وَأَنْتَ عِنْدَ ذَنَابِاهَا تُعَاوِنُهَا ... عَلَى الْقُدُورِ تَحَسَّى خَاثِرَ الْبَرَمُ
قَالَ هَاشِمُ، قَالَ: أَبُو الْمُقَوَّمِ: فَنَقَضَ عَلَيْهِ ابْنُ حَسَّانِ، فَقَالَ:
نَحَّاكُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِسْمِ وَحْدَكُمُ ... حَتَّى قَضَى قِسْمَةَ الْجِيرَانِ فِي الْكَرَمِ
حَتَّى إِذَا كَانَ قَسْمُ اللُّؤْمِ قَالَ لَكُمْ ... حُلُّوا إِلَى حَظِّكُمْ فِي غَابِرِ الأُمَمِ
يَا أَيُّهَا الرَّاكِبُ الْمُزجِي مَطِيَّتَهُ ... إِمَّا عَرَضْتَ فَسَائِلْ عَنْ بَنِي الْحَكَمِ
الْقَائِلِينَ إِذَا لاقَوْا عَدُوَّهُمُ ... خِرُّوا فَكِرُّوا عَلَى النِّسْوَانِ وَالنَّعَمِ
وَاللاصِقِينَ بِحَيٍّ غَيْرِ أَصْلِهِمُ ... كَالْخَالِطِينَ صُقُورَ الطَّيْرِ بِالرَّخَمِ
وَلا تَغُرَّنَّكَ أَبْرَادٌ وَأَقْمِصَةٌ ... فَإِنَّ أَرْبَابَهَا هُمْ رُضَّعُ الْغَنَمِ
كَمْ مِنْ أَمِينٍ نَصْيحِ الْجَيْبِ قَالَ لَكَمُ ... أَلا نَهَيْتُمْ أَخَاكُمْ يَا بَنِي الْحَكَمِ
عَنْ رَجُلٍ لا بَغِيضٍ فِي عَشِيرَتِهِ ... وَلا ذَلِيلٍ قَصِيرِ الْبَاعِ مُهتَضِمِ
فَإِنَّ أُمَّكُمُ كَانَتْ مُلَعَّنَةً ... تَمْرِي الْخَلايَا وَتَرْعَى عَازِبَ الْغَنَمِ
شَبَّتْ مُلَعَّنَةً بَظْرَاءَ مُؤْذِيَةً ... مِثْلَ الذُّبَابَةِ لَمْ تَنْكِحْ وَلَمْ تَئِمِ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ:
أَلا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ ... فَقَدْ أَبْلَغْتُمُ الْحَنَقَ الصُّدُورَا
تَقُونَ بِنَا نُفُوسَكُمُ الْمَنَايَا ... عَسَتْ بِكُمُ الدَّوَائرُ أَنْ تَدُورَا
بِحَرْبٍ لا تَرَى الأُمَوِيَّ فِيهَا ... وَلا الثَّقَفِيَّ إِلا مُسْتَجِيرَا
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَئِنِ اسْتَجَارَ الأُمَوِيُّ إِنَّهُ لأَسْوَأُ حَالا مِنْهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ:
صَارَ الْعَزِيزُ ذَلِيلا وَالذَّلِيلُ لَهُ ... عِزٌّ وَصَارَ فُرُوعُ النَّاسِ أَذْنَابَا
إِنِّي لِمُلْتَمِسٌ حَتَّى يُبَيَّنَ لِي ... فِيكُمْ مَتَى كُنْتُمُ لِلْنَاسِ أَرْبَابَا
فَارْقَوْا عَلَى ظَلْعِكُمْ ثُمَّ انْظُرُوا وَسَلُوا ... عَنَّا وَعَنْكُمْ قَدِيمَ الْعِلْمِ نَسَّابَا
فَسَوْفَ يَضْحَكُ أَوْ تَعْتَادُهُ ذِكَرٌ ... يَا بَؤْسَ لِلْدَهْرِ لِلْإِنْسَانِ رَيَّابَا
قَوْمٌ إِذَا رَاهَنُوا عَنْ مَجْدِهِمْ جَعَلُوا ... تَحْتَ الْعَجَاجَةِ لِلْمَسْبُوقِ جِلْبَابَا
شَبَابُكُمْ شَرُّ شُبَّانٍ عَلِمْتُهُمُ ... قِصَرًا وَطُولا وَأَعْرَاضًا وَأَحْسَابَا
وَشُمْطُكُمْ شَرُّ شُمْطِ الشِّيبِ مَخْبَرَةً ... وَشَرُّهُمْ فِي ثَنَا أَمْرٍ إِذَا غَابَا
يُوصِي أَوَائِلُهُمْ بِالنُّوكِ آخِرَهُمْ ... وَشَرُّ مَنْ ذَاقَ طَعْمَ النُّوكِ مَنْ شَابَا
إِنْ تَمْلِكُونَا قَلِيلا فِي إِمَارَتِكُمْ ... فَقَدْ مَلَكْتُمْ بَنِي الزَّرْقَاءِ أَحْقَابَا
قَوْمٌ يَرَوْنَ بَنِي الأَحْرَارِ نَافِلَةً ... كَانُوا لَهُمْ خَوَلا بُرْدًا وَأَسْلابَا
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ:
لَنْ يَسْلُبَ اللَّهُ أَهْلِ الدِّينِ دِينَهُمُ ... وَلَنْ تَعُودَ فُرُوعُ النَّاسِ أَذْنَابَا
مِنَّا الرَّسُولُ وَمِنَّا مَنْ يُلاذُ بِهِ ... وَلَنْ نَزَالَ لِهَذَا الدِّينِ أَرْبَابَا
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ:
وَأَمَّا قَوْلُكَ الْخُلَفَاءُ مِنَّا ... فَهُمْ مَنَعُوا وَرِيدَكَ مِنْ وِدَاجِ
وَلَوْلاهُمْ لَكُنْتَ كَعَظْمِ حُوتٍ ... هَوَتِ فِي مُظْلَمِ الْغَمَرَاتِ دَاجِ
стр. 93
وَكُنْتَ أَذَلَّ مِنْ وَتَدٍ بِقَاعٍ ... يُشَعِّثُ رَأْسَهُ بِالْفِهْرِ وَاجٍ
وَلَولاهُمْ قُسِرْتَ وَطِبْتَ نَفْسًا ... لَنَا يَا ابْنَ الْمَفَاضَةِ بِالْخَرَاجِ
هُمْ دُعْجٌ وَنَسْلُ أَبِيكَ زُرْقٌ كَأَنَّ عُيُونَهُمْ فِلَقُ الزُّجَاجِ
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ:
وَلِلأَنْصَارِ أَكُلٌ فِي قُرَاهَا ... لِخُبْثِ الْمَطْعِمَاتِ مِنَ الدَّجَاجِ
وَأَرْبَى مِنْ خَمِيرِهِمُ وَأَبْقَى ... عَلَى لُؤْمِ الْهَوَانِ مِنَ الرِّتَاجِ
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ:
أَبِي لَكُمْ فِي الْكُفْرِ نَكْلا ... وَفِي الْإِسْلامِ كُنْتُ لَكُمْ عِلاطَا
لَقَدْ أَدْرَكْتُ عِنْدَكُمُ حَدِيثًا ... وَمَا تَضَعُونَ فِي بَيْتٍ بِسَاطَا
وَمَا لِنِسَائِكُمُ إِذْ ذَاكَ رَقْمٌ ... سِوَى أَدَمٍ تُشَقِّقُهُ رِهَاطَا
وَلا لِجَمِيعِهِمْ إِلا رِدَاءٌ ... قَدِ اشْتَرَطُوا لِلُبْسَتِهِ اشْتِرَاطَا
صَغِيرُ الرَّأْسِ لَيْسَ بِذِي اتِّسَاعٍ ... وَلَوْ شَقُّوهُ أُعْجِلَ أَنْ يُخَاطَا
وَقَالَ أَيْضًا:
حَدِيثَكَ إِذْ أَتَاكَ بِعَيْبةٍ ... رَجُلٌ يَظُنُّكَ صَالَحًا وَأَمِينَا
فَبَقَرْتَهَا بَقْرَ الْحُوَارِ بِمِعْوَلٍ ... يُدْعَا لِوَجْدٍ مُذْلَقًا مَسْنُونَا
إِنَّ اللَّعِينَ أَبُوكَ فَارْمِ عِظَامَهُ ... إِنْ تَرْمِ تَرْمِ مُخَلَّجًا مَجْنُونَا
خَمِيصَ الْبَطْنِ مِنْ عَمَلِ التُّقَى ... وَيَظَلُّ مِنْ عَمَلِ الْخَبِيثِ بَطِينَا
قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ إِذَا مَشَى يَتَكَفَّأُ، وَكَانَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ يُحْكِيهِ، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَرَآهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: «فَكَذَلِكَ فَلْتَكُنْ» .
فَكَانَ الْحَكَمُ مُخْتَلِجًا.
فَعَيَّرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِذَلِكَ
١٤٣ - حَدَّثَنِي الأَثْرَمُ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْخَطَّابِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: " فَلَمَّا أَهْذَرَا فِي التَّهَاجِي وَأَفْحَشَا، كَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ الْخَلِيفَةُ يَوْمَئِذٍ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ: أَنْ يَجْلِدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ سُوطٍ، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ لَمْ يَمْدَحْ أَحَدًا قَطُّ إِلا سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ.
فَكَرِهَ أَنْ يُقدَّمَ عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ، وَكَرِهَ أَنْ يَجْلِدَ ابْنَ عَمِّهِ.
فَكَفَّ عَنْهُمَا، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يُوَلِّي سَعِيدًا الْمَدِينَةَ سَنَةً وَمَرْوَانَ سَنَةً.
فَلَمَّا كَانَتِ السَّنَةُ الَّتِي يَعْقُبُ فِيهَا سَعِيدٌ مَرْوَانَ.
قَالَ: فَأَخَذَ مَرْوَانُ ابْنَ حَسَّانٍ فَضَرَبَهُ مِائَةَ سَوطٍ، وَلَمْ يَضْرِبْ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ.
وَكَانَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ الأَنْصَارِيِّ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، وَكَانَ أَثِيرًا عِنْدَهُ مَكِينًا، فَلَمْ يِلْتَفِتْ إِلَى ابْنِ حَسَّانٍ، وَإِلَى مَا صُنِعَ بِهِ.
قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابنُ حَسَّانٍ يُعَاتِبُهُ:
لَيْتَ شِعْرِي أَغَائِبٌ أَنْتَ بِالشَّامِ ... خَلِيلِي أَمْ رَاقِدٌ نَعْمَانُ
أَيَّةُ مَا يَكُنْ فَقَدْ يَرْجِعُ الْغَائِبُ ... يَوْمًا وَيُوقَظُ الْوَسْنَانُ
إِنَّ عَمْرًا وَعَامِرًا أَبَوَيْنَا ... وَحَرَامًا قِدَمًا عَلَى الْعَهْدِ كَانُوا
أَفَهُمْ مَانِعُوكَ أَمْ قِلَّةُ الْكُتَّابِ ... أَمْ أَنْتَ عَاتِبٌ غَضْبَانُ
جَفاءٌ أمْ أَعْوَزَتْكَ الْقَرَاطِيسُ ... أَمْ أَمْرِي بِهْ عَلَيْكَ هَوَانُ
يَوْمَ أُنْبِئْتَ أَنَّ سَاقِيَ رُضَّتْ ... وَأَتَاكُمْ بِذَلِكَ الرُّكْبَانُ
стр. 94
ثُمَّ قَالُوا إِنَّ ابْنَ عَمِّكَ فِي بَلَوى ... أُمُورٍ أَتَى بَهَا الْحَدَثَانُ
فَتَئِطُّ الأَرْحَامُ وَالْوُدُّ وَالصُّحْبَةُ ... فِيمَا أَتَتْ بِهِ الأَزْمَانُ
أَوَ تَرَى إِنَّمَا الْكِتَابُ بَلاغٌ ... لَيْسَ فِيهِ لِبَيِّعٍ أَثْمَانُ
إِنَّمَا الرُّمْحُ فَاعْلَمَنَّ قَنَاة ... أَوْ كَبَعْضِ الْعِيدَانِ لَوْلا السِّنَانُ
لا يُهِينَنِّي عَلَيْكَ بِأَنِّي ضِمْنُ ... النَّسَاقِ قَدْ يَصِحُّ الضَّمَانُ
وَاعْلَمْ أَنِّي أَنَا أَخُوكَ وَأَنِّي ... لَيْسَ مِثْلِي أَزْرَى بِهِ الأَخَوَانُ
وَاعْلَمْ أَنِّي بَتَلْتُ مِنِّي يَمِينًا ... وَقَلِيلٌ فِي ذَلِكَ الأَيْمَانُ
لا تَرَى مَا حَيِيتُ مِنِّي كِتَابًا ... غَيْرَ هَذَا حَتَّى يَزُولَ أَبَانُ
أَوْ يَزُولَ الشَّنْطِيُّ مِنْ جَبَلِ الثَّلْجِ ... وَيَضْحَى صَحَارِيًا لُبْنَانُ
أَوْ تُرَى الْقُورُ مِنْ عَبَاثِرَ بِالشَّامِ ... وَيَضْحَى مَكَانَهَا حَوْرَانُ
أَوْ أَرَى فِي الْكِتَابِ مِنْكَ ثَلاثًا ... مُدْرِجَاتٍ لِشَدِّهِنَّ قِرَانُ
إِنَّمَا الْوُدُّ وَالنَّصِيحَةُ فِي الْقَلْبِ ... وِلَيْسَتْ بِمَا يَصُوغُ اللِّسَانُ
إِنَّ شَرَّ الصَّفَاءِ مَا زَوَّقَ الْحُبُّ ... فَيَبْدُو وَتَحْتَهُ الشَّنَآنُ
فَأَجَابَهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ:
لَيْسَ فَاعْلَمْ أَخُوكَ يَغْتَرُّ بِالنَّوْمِ ... وَلَكِنْ مُحَرِّشٌ يَقْظَانُ
إِنَّ جَدِّي الَّذِي انْتَمَيْتُ إِلَيْهِ ... كَانَ فِي النَّاسِ شَبَهُهُ الأَضْحَيَانُ
قَمَرُ الْبَدْرِ بَازِغًا إِذَا تَجَلَّى ... لَيْسَ مِنْ دُونِ مُجْتَلاهُ جِنَانُ
إِنَّ عَمَرًا وَعَامِرًا أَبَوَيْنَا ... وَرِثَ الْمَجْدُ عَنْهُمَا حَسَّانُ
شَيَّدَ الْمَجْدَ بِالْفِعَالِ فَأَضْحَى ... وَهُوَ مِنْ دُونِ مُرْتَقَاهُ الْعَنَانُ
إِنَّ وَصْفِي وَمَشْهَدِي وَمُقَامِي ... لَكَرِهْنٌ تَهَابُهُ الأَرْكِانُ
قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: كَتَبْتَ إِلَى سَعِيدٍ أَنْ يَضْرِبَ ابْنَ الْحَكَمِ وَابْنَ حَسَّانٍ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَلَمَّا قَدِمَ أَخُوهُ ضَرَبَ ابن حَسَّانً، وَتَرَكَ أَخَاهُ.
قَالَ: فَمَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تَضْرِبَهُ كَمْا كَتَبْتَ، وَكَمْا كُنْتَ أَمَرْتَ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَى مَرْوَانَ بِعَزِيمَةٍ، وَسَرَّحَ فِي ذَلِكَ رَجُلا أَنْ يَضْرِبَ ابْنَ الْحَكَمِ مِائَةً، وَبَعَثَ إِلَى ابْنِ حَسَّانٍ بِحُلَّةٍ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى مَرْوَانَ دَسَّ إِلَى ابْنِ حَسَّانٍ وَهُوَ فِي السِّجْنِ: إِنِّي مُخْرِجُكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِمَنْزِلَةِ وَالِدِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ مَا كَانَ مِنِّي إِلَيْكَ أَدَبًا لَكَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ حَسَّانٍ: مَا بَدَا لِابْنِ الزَّرْقَاءِ فِي هَذَا؟ وَاللَّهِ مَا هَذَا إِلا لَشَيْءٍ قَدْ جَاءَهُ.
وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ.
فَبَلَّغَ الرَّسُولُ مَرْوَانَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِالْحُلَّةِ، فَأَعَادَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَطَرَحَ الْحُلَّةَ فِي الْحَشِّ، فَقِيلَ لَهُ: حُلَّةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ تَرْمِي بِهَا فِي الْحَشِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَا أَصْنَعُ بِهَا؟ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يِفْعَلْ مَا فَعَلَ إِلا لِأَمْرٍ قَدْ حَدَثَ.
فَقَالَ الرَّسُولُ لِمَرْوَانَ: مَا تَصْنَعُ بِهَذَا؟ قَدْ أَبَى أَنْ يَعْفُوَ، فَهَلُمَّ ابْنَ الْحَكَمِ، فَبَعَثَ مَرْوَانُ إِلَى الأَنْصَارِ، فَطَلَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَطْلُبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَضْرِبَهُ خَمْسِينَ.
فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَلَقِيَ ابْنَ حَسَّانٍ بَعْضُ مَنْ كَانَ لا يَهْوَى مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ.
فَقَالَ لَهُ: ضَرَبَكَ مِائَةً وَتَضْرِبُهُ خَمْسِينَ.
стр. 95
بِئْسَ مَا صَنَعْتَ إِذْ وَهَبْتَهَا لَهُ.
قَالَ: إِنَّهُ عَبْدٌ، وَإِنَّمَا ضَرَبْتُهُ مَا يُضْرَبُ الْعَبْدُ، نِصْفُ مَا يُضْرَبُ الْحُرُّ.
فَحُمِلَ هَذَا الْكَلامُ حَتَّى شَاعَ بِالْمَدِينَةِ، وَبَلَغَ ابْنَ الْحَكَمِ، فَشَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَأَتَى أَخَاهُ مَرْوَانَ فَأَعْلَمَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: فَضَحْتَنِي لا حَاجَةَ لِي فِيمَا تَرَكْتَ.
فَبَعَثَ مَرْوَانُ إِلَى ابْنِ حَسَّانٍ: لا حَاجَةَ لَنَا فِيمَا تَرَكْتَ، هَلُمَّ فَاقْتَصَّ، فَضَرَبَ ابْنَ الْحَكَمِ خَمْسِينَ أُخْرَى.
فَقَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ يَهْجُو عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ:
دعْ ذَا وَعَدِّ قَرِيضَ شِعْرِكَ فِي امْرِئٍ ... يَهْذِي وَيُنْشِدُ شِعْرَهُ كَالْفَاخِرِ
وَاذْكُرْ لَهُ قِطَعَ الشَّرِيطِ وَشِدْخَهُ ... بِمُهَّنَدٍ مَاضِي الْحَدِيدَةِ بَاتِرِ
قَلِقِ النِّصَالِ مِنَ الْمَغَاوِلِ مُرْهَفٍ ... ظَمِئٍ كَقَادِمَةِ الْعُقَابِ الْكَاسِرِ
وَقَعَدْتَ تَأْكُلُ مَالَهُ وَتَرَكْتَهُ ... بِالشَّامِ يُنْشِدُ كُلَّ قَصِرٍ عَامِرِ
وَتَرَكْتَهَا عَارًا عَلَيْكَ وَسُبَّةً ... مَا عِشْتَ تُذْكَرُ مِثْلَ طَوْقِ الطَّائِرِ
عُثْمَانُ عَمُّكُمُ وَلَسْتُمْ مِثْلَهُ ... وَبَنُو أُمَيَّةَ مِنْكُمُ كَالْآمِرِ
وَبَنُو أَبِيكَ سَخِيفَةٌ أَحْلامُهُمْ ... فُحْشُ النُّفُوسِ لَدَى الْجَلِيسِ الزَّائِرِ
جُبُنُ الْقُلُوبِ لَدَى الْحُرُوبِ أَذِلَّةٌ ... مَا يُقْبِلُونَ عَلَى صَفِيرِ الصَّافِرِ
وَسُيُوفُهُمْ فِي الْحَربِ كُلُّ مُفَلَّلِ ... نَابٍ مَضَارِبُهُ وَدانٍ دَائِرِ
أَحَياؤُهُمْ عَارٌ عَلَى أَمْوَاتِهِمْ ... وَالْمَيِّتُونَ مَسَبَّةٌ لِلْغَابِرِ
لَمْ تَنْظُرُونَ إِذَا هَدَرْتُ إِلَيْكُمُ ... نَظَرَ التُّيُوسِ إِلَى شِفَارَ الْجَازِرِ
خُزْرَ الْعِيُونِ مُنَكِّسِي أَذْقَانِكُمْ ... نَظَرَ الذَّلِيلِ إِلَى الْعَزِيزِ الْقَاهِرِ
فَقَالَ: ابْنُ الْحَكَمِ يَهْجُو الأَنْصَارَ:
لَقَدْ أَبْقَى بَنُو مَرْوَانَ حُزْنًا ... مُبِينًا عَارُهُ لِبَنِي سَوَادِ
يَطِيفُ بِهِ صَبِيحٌ فِي مَشِيدٍ ... وَنَادَى دَعْوَةً: يَا بْنَيْ سُعَادِ
لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حيًّا ... وَلَكِنْ لا حَياةَ لِمَنْ تُنَادِي
فَأَعْتَنَ أَبُوَ وَاسِعٍ أَحَدُ بَنِي الأَشْعَرِ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، دُونَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانٍ، فَهَجَاهُ وَعَيَّرَهُ بَضَرْبِ ابْنِ الْمُعَطَّلِ أَبَاهُ حَسَّانًا عَلَى رَأْسِهِ، وَعَيَّرَهُمْ بِأَكْلِ الْخُصَى، فَقَالَ:
وَإِنَّ ابْنَ الْمُعَطَّلِ مِنْ سُلَيْمِ ... أَذَلَّ قِيَادَ رَأْسِكَ بِالْخِطَامِ
عَمِدتَ إِلَى الْخُصَى فَأَكَلْتَ مِنْهَا ... لَقَدْ أَخْطَأْتَ فَاكِهَةَ الطَّعَامِ
وَمَا لِلْجَارِ حِينَ يَحِلُّ فِيكُمْ ... لَدَيْكُمْ يَا بَنِي النَّجَّارِ حَامِ
يَظَلُّ الْجَارُ مُفْتَرِشًا يَدَيْهِ ... مَخَافَتَكُمْ لَدَى مَلَثِ الظَّلامِ
وَيَنْظُرُ نَظْرَةً فِي مِذْرَوِيهِ ... وَأُخْرَى فِي اسْتِهِ وَالطَّرْفُ سَامِ
قَالَ: فَلَمَّا عَمَّ بَنِي النَّجَّارِ بِالْهِجَاءِ، وَلا ذَنْبَ لَهُمْ دَعَوْا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ يُرِيدُ أَهْلَهُ، قَالَ: فَعَرَضَ لَهُ الأَسَدُ فَقَضْقَضَهُ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ:
أَبْلِغْ بَنِي الأَشْعَرِ إِنْ جِئْتَهُمْ ... مَا بَالُ أَبْنَاءِ بَنِي وَاسِعِ
وَاللَّيْثُ يَعْلُوهُ بِأَنْيَابِهِ ... مُعْتَفِرًا فِي دمِهِ النَّاقِعِ
لا يَرْفَعُ الرَّحْمَنُ مَصْرُوعَكُمْ ... وَلا يُوهِّنُ قُوَّةَ الصَّارِعِ
إِذْ تَرَكُوهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمُ ... بِالنَّسَبِ الدَّانِي وَبِالشَّاسِعِ
стр. 96
قَالَ: فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا دَعَا أَحَدٌ لِلأَسَدِ بِخَيْرٍ قَطُّ قَبْلَكَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَلا يُوهِّنُ قُوَّةَ الصَّارِعِ "
حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الأَثْرَمِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: " كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ مُعَنًّى غَرِيضًا، ذَا كِبَرٍ وَنَخْوَةٍ، فَكَتَبَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مِسْكِينِ بْنِ عَامِرِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُدُسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَارِمٍ، يَدْعُوهُ إِلَى الْمُفَاخَرَةِ، وَالتَّهَاجِي فِي كِتَابٍ، وَخَتَمَهُ، وَدَفَعَهُ إِلَى رَاكِبٍ، وَقَالَ لَهُ: ائْتِ الْكُوفَةَ، فَاسْأَلْ عَنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَارِمٍ، فَإِذَا دُلِلْتَ عَلَيْهِمْ، فَادْفَعَ هَذَا الْكِتَابَ إِلَى مِسْكِينِ بْنِ عَامِرٍ.
فَارْتَحَلَ حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَدُلَّ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ حَتَّى وَضَعَ الْكِتَابَ فِي يَدِ مِسْكِينٍ، فَلَمَّا قَرَأَهُ دَعَا غُلامَهُ بِشُرْبٍ، ثُمَّ خَلا فَجَعَلَ يَشْرَبُ وَيَقُولُ الشِّعْرَ وَيَكْتُبَهُ حَتَّى فَرَغَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ دَعَا بِمَا قَالَهُ فَجَعَلَ يُثْبِتُ مَا أَرَادَ وَيُلْقِي مَا لَمْ يُرِدْ، حَتَّى أَحْكَمَ ذَلِكَ، ثُمَّ خَتَمَهُ، وَدَفَعَهُ إِلَى الرَّسُولِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْكِتَابُ عَلَيْهِ قَرَأَهُ ثُمَّ أَتَاهُ شُيُوخُ قَوْمِهِ، فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُمْ، وَشَاوَرَهُمْ، فَنَهَوْهُ عَنْ جَوَابِهِ، وَقَالُوا: مِنْ أَيْنَ لَكَ مِثْلُ هَؤُلاءِ الرِّجَالِ الَّذِينَ فَخَرَ بِهِمْ.
فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ.
وَأَجَابَهُ وَذَكَرَ أَنْ مَآثِرَ الأَنْصَارِ لا تُدْنِيهَا تَمِيمٌ، فَقَالَ مِسْكِينُ بْنُ عَامِرٍ فِي قَصِيدَةٍ:
فَإِنْ يَبْلَ الشَّبَابُ فَكُلُّ شَيْءٍ ... سَمِعْتُ بِهِ سِوَى الرَّحْمَنِ بَالِ
أَلا إِنَّ الشَّبَابَ ثَيَابُ لُبْسٍ ... وَمَا الأَمْوَالُ إِلا كِالطِّلالِ
وَمَا أَدْرِي وَإِنْ جَامَعْتُ قَوْمًا ... أَفْيهِمْ رَغْبَتِي أَمْ فِي الزِّيَالِ
وَحَامِلَةٍ وَمَا تَدِرِي أَفِيهِ ... يَكُونُ نَجَاحُهَا أَمْ فِي الْحِيَالِ
لَعَلَّكَ يَا ابْنَ فَرْخِ اللُّؤْمِ تَنْمِي ... تَرُومُ الرَّاسِيَاتِ مِنَ الْجِبَالِ
فَإِنَّكَ لَنْ تَنَالَ الْمَجْدَ حَتَّى ... تَرُدَّ الْمَاضِيَاتِ مِنَ اللَّيَالِي
أَبِي مُضَرَ الَّذِي حُدِّثْتَ عَنْهُ ... وَكَانَ رُبَيْعَةُ الأَثَرَيْنِ خَالِي
وَإِنِّي حِينَ أُنْسَبُ مِنْ تَمِيمٍ ... لَفِي الشُّمِّ الشَّمَارِيخِ الطِّوَالِ
وَآبَائِي بَنُو عُدْسِ بْنِ زَيْدٍ ... وَخَالِي الْبِشْرُ، بِشْرُ بَنِي هِلالِ
غُرَّتِي عَمْرُو بْنُ عَمْرٍو ... وَرَدَّانِي زُرَارَةُ بِالْفِعَالِ
كَفَانَا حَاجِبٌ كِسْرَى وَقَوْمًا ... هُمُ الْبِيضُ الْكِرِامُ ذُوُو السِّبَالِ
وَسَارَ عُطَارِدٌ حَتَّى أَتَاهُمْ ... فَأَعْطَوْهُ الْمُنَى غَيْرَ انْتِحَالا
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ: قَوْلُهُ كَفَانَا حَاجِبٌ يَعْنِي كَفَى الْعَرَبَ جَمِيعًا أَمْرُ كِسْرَى حَيْثُ مَنَعَهُمْ أَنْ يَدْعُوا فِي بِلادِ الْعَجَمِ إِلا بِضَمِينٍ، فَرَهَنَهُ قَوْسَهُ فَأَطْلَقَهُ:
وَذُو الْقَرْنَيْنِ آخَاهُ لَقِيطٌ ... وَكَانَ صَفِيَّهُ دُونَ الرِّجَالِ
وَذُو الْقَرْنَيْنِ عُمْرُو بْنُ هِنْدٍ
هُمَا حُبِيَا بِدِيبَاجٍ كَرِيمٍ ... وَيَاقُوتٍ يُفَصَّلُ بِالْمَحَالِ
وَكَانَ الْحَازِمُ الْقَعْقَاعُ مِنَّا ... لِزَازُ الْخَصْمِ وَالأَمْرِ الْعُضَالِ
شُرَيْحٌ فَارِسُ النُّعْمَانِ جَدِّي ... وَنَازِلُهَا إِذَا دُعِيَتْ نَزَالِ
وَقَاتِلُ خَالِهِ بِأَبِيهِ مِنَّا: ... سَمَاعَةُ لَمْ يَبِعْ حَسَبًا بِمَالِ
وَنَدْمَانُ ابْنُ جَفْنَةَ كَانَ خَالِي ... فَفَارَقَهُ وَلَيْسَ لَهُ بِقَالِ
стр. 97
وَيومٍ مُظْلِمٍ لَبَنِي تَمِيمٍ ... جَلَوْنَا شَمْسَهُ وَالْكَعْبُ عَالِ
نُحِبُّ الْمَجْدَ قَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ ... وَنُغْلِي الْمَجْدَ إِنَّ الْمَجْدَ غَالِ
دَعَتْنَا الْحَنْظَلِيَّةُ إِذْ لَحِقْنَا ... وَقَدْ حُمِلَتْ عَلَى جَمَلٍ ثِقَالِ
فَأَدْرَكَهَا وَلَمْ يَعْدِلْ شُرَيْحٌ ... وَأَعَوَجُ عِنْدَ مُخْتَلِفِ الْعَوَالِي
فَغِرْنَا أَنَّ غَيْرَتَنَا كَذَاكُمْ ... إِذَا بَرَزَ النِّسَاءُ مِنَ الْحِجَالِ
مَتَى نَأْسِرْ وَنُؤْسَرْ فِي أُنَاسٍ ... وَيُوجَعْ كُلَّمَا عَقْدِ الْحِبَالِ
فَنَحْنُ الذَّائِدُونَ إِذَا بُدِئْنَا ... وَلا يَرْضَوْنَ مِنَّا بِالْبِدَالِ
فَدَعْ قَوْمِي وَقَوْمَكَ لا يُسَبُّوا ... وَأَقْبِلْ لِلتَّمَجُّدِ وَالْفِعَالِ
كِلانَا شَاعِرٌ مِنْ حَيِّ صِدْقٍ ... وَلَكِنَّ الرَّحَا فَوْقَ الثِّفَالِ
وَحَكِّمْ دَغْفَلا نَرْحَلْ إِلَيْهِ ... وَلا تُرِحِ الْمَطِيَّ مِنَ الْكَلالِ
تَعَالَ إِلَى النُّبُوَّةِ مِنْ قُرَيْشٍ ... مَنْ عَلا شُعَبَ الرِّحَالِ
وَإِلا فَاعْتَمِدْ سُوقًا كِرَامًا ... يُفَضَّلُ فَوْقَ سَجْلِكُمُ سَجَالِي
تَعَالَ إِلَى بِنِي الْكَوَّاءِ يَقْضُوا ... بِعِلْمِهِمُ بِأَنْسَابِ الرِّجَالِ
تَعَالَ إِلَى ابْنِ مَذْعُورٍ شِهَابٍ ... يُخَبِّرْ بِالسَّوَافِلِ وَالْعَوَالِي
وَعِنْدَ الْكَيِّسِ النَّمَرِيِّ عِلْمٌ ... وَلَوْ أَمْسَى بِمُنْخَرَقِ الشَّمَالِ
كَأنَّ قُدُورَ قَوْمِيَ كُلَّ يَوْمٍ ... قِبَابُ التُّرْكِ مُلْبَسَةُ الْجَلالِ
أَمَامَ الْحَيِّ تَحْمِلُهَا أثَافٍ ... مُلَمْلَمَةٌ كَأَثْبَاجِ الرِّئَالِ
كَأنَ الْمُوقِدِينَ لَهَا جِمَالٌ ... طَلاهَا الزِّفْتَ وَالْقِطِرَانَ طَالِ
بَأَيْدِيهِمْ مَغَارِفُ مِنْ حَدِيدٍ ... يُشَبِّهُهَا مُقَيِّرَةَ الدَّوَالِي
أَسَرَتْ بَنُو أَسَدٍ رَجُلا مِنْ بَنِي زُرَارَةَ، وَفِي بَنِي زُرَارَةَ أَسِيرٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَعَرَضُوهُ بِهِ، فَأَبَتْ بَنُو أَسَدٍ حَتَّى زَادُوهُمْ فِي فِدَاءِ الزُّرَارِيُّ عُدُسَ بْنَ زِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَارِمٍ، وَمِسْكِينَ بْنَ عَامِرِ بِنِ شُرَيْحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَمْرِو بْنِ عُدُسٍ، وَبِشْرَ بْنَ قَيْسِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ عَقَّةَ بْنِ هِلالِ بْنِ رَبِيعَةَ النَّمَرِيَّ، النَّمِرَ بْنَ قَاسِطٍ، وَعَمْرَو بْنَ عُمْرِو بْنِ عُدُسٍ، وَزُرَارَةَ بْنَ عُدُسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَاجِبَ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدُسٍ، وَعُطَارِدَ بْنَ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ، كَانَ وَفَدَ عَلَى كِسْرَى بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ حَاجِبٍ، فَأَخَذَ الْقَوْسَ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَعْلَمَهُ بِمَوْتِهِ، وَلَقِيطَ بْنَ زُرَارَةَ، وَذَا الْقَرْنَيْنِ، وَالْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ، وَشُرَيْحَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُدُسٍ، وَهُوَ جَدُّ مِسْكِينٍ أَبُو أَبِيهِ، وَقَاتِلُ خَالِهِ بِأَبِيهِ، مِنَّا، سَمَاعَةَ بْنَ عُمْرِو بْنِ عَمْرِو، وَأُمَّهُ عَبْسِيَّةَ، وَكَانَتْ بَنُو عَبْسٍ قَتَلُوا عَمْرَو بْنَ عَمْرٍو يَوْمَ ثَنِيَّةِ أَقْرَنَ، فَلَمَّا شَبَّ سَمَاعَةُ جَاءَ خَالَهُ مِنْ بَنِي عَبْسٍ يَزُورُهُ، فَقَالَ: مَا أُرِيدُ بِأَبِي ثَأْرًا أَوْفَى مِنْ خَالِي، فَقَتَلَهُ بِهِ، وَدَغْفَلَ بْنَ حَنْظَلَةَ مِنْ بَنِي ذُهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَابْنَ الْكَوَّاءِ النَّسَّابَةَ مِنْ بَنِي يَشْكُرَ، وَكَانَ بَنُو الْكَوَّاءِ أَهْلَ عِلْمٍ، وَشِهَابُ بْنُ مَذْعُورٍ يَشْكَرِيُّ، وَالْكَيِّسُ نَمِرِيُّ مِنَ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، وَاسْمُ الْكِيِّسِ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ، فَقَالَ:
أَتَانِي عَنْكَ يَا مِسْكِينُ قَوْل ... بَذَلْتَ النِّصْفَ فِيهِ غَيْرَ آلِ
стр. 98
دَعَوْتَ إِلَى التَّفَاخُرِ غَيْرَ قَحْمٍ ... وَلا غَمْرٍ يَطِيشُ لَدَى النِّضَالِ
أَخَا ثِقَةٍ بِفُرْصَتِهِ بَصِيرًا ... شَدِيدَ النَّزْعِ مُعْتَدِلِ الشِّمَالِ
فَدُونَكَ فَاسْتَمِعْ تَخْلِيصَ فَخْرٍ ... يُقَصِّرُ دُونَهُ أَهْلُ الْكَمَالِ
وَقَدْ نَاضَلْتُ قَبْلَكَ كُلَّ عِرْضٍ ... عَلَى الرَّسْلاتِ مَرْزُوقَ الْخِصَالِ
فَمَا تَلْقَى كَشَدْوِي شَدْوَ رَامٍ ... وَمَا يَغْلُو كَغَلْوِي مِنْ أَغَالِي
فَأَوْرَثَنِي الْفِعَالَ جُدُودُ صِدْقٍ ... مَضَوْا مُتَتَابِعِينَ ذَوُو فِعَالِ
بِآيَدِ مَنْكِبٍ وَأَشَدَّ رُكْنٍ ... وَأَنْزَهِ طُعْمَةٍ وَأَعِفَّ بَالِ
وَإِنِّي فِي الْحَدَاثَةِ رِسْتُ عَمْرًا ... وَأَحْكَمْتُ الرِّيَاسَةَ فِي اكْتِهَالِ
فَأَيَّةُ خِصْلَةٍ تَرْجُو نُكُولِي ... بِهَا مِسْكِينُ وَيْحَكَ فِي الْفِضَالِ
وَحسَّانُ الْحُسَامُ أَبِي فَمْنَ ذَا ... تُجَارِي فِي الْجِمَامِ وَفِي الْكَلالِ
أَخَذْنَا السَّبْقَ قَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ ... عَلَى الأَكْفَاءِ فِي الرَّكْضِ الشِّلالِ
وَأَمكَنَنِي الْفِعَالَ بِفِعْلِ قَوْمِي ... وَأَيَّامٍ تَجِلُّ عَنِ الْمَقَالِ
وَقَدْ حَادَتْ كِلابُ الْحَيِّ مِنِّي ... وَخَافَتْ بِعْدَ جِدٍّ وَاشْتِبَالِ
وَقَدْ لاقَى بَنُو الزَّرْقَاءِ مِنِّي ... لِسَانًا صَارِمًا طَلْقَ الْعِقَالِ
فَمَا انْتَصَفُوا وَمْنِزلُهُمْ أَمِيرٌ ... يُرَهِّبُ بِالْوَعِيدِ وِالِاحْتِيَالِ
فَلَمْ يَفْلُلْ تَوَعُّدُهُ لِسَانِي ... وَلَمْ يُوهِنْ وَلَمْ يَقْطَعْ قَبَالِي
وَفِي خِيفِ الْمُحَصَّبِ قَدْ عَلِمْتُمْ ... قَهَرْتُ الْحَارِثِيَّ بِلا احْتِيَالِ
نَجَاشِيُّ الْحِمَاسِ وَذَلَّلَتْهُ ... قَصَائِدُ مِنْ طِرَازِي وَانْتِحَالِي
وَلِي عَنْ سَبِّ قَوْمِكَ مَا كَفَانِي ... بِقَولٍ صَادِقٍ غَيْرِ الْمُحَالِ
فِإِنْ يَكُ شَاعرًا مِنْ حَيِّ صِدْقٍ ... فَمَا ثَمْدٌ كَبَحْرٍ ذِي احْتِفَالَ
فَأَمَّا مَا تَقُولُ فَغْيرُ شَكٍّ ... لَفَضْلٌ بَيِّنٌ غَيْرُ انْتِحَالِ
بِبَذْلِ الْمَالِ فِي عُسْرٍ وَيُسْرٍ ... لِأَضْيَافِ الْجَدَاةِ عَلَى الْحَلالِ
وَضَرْبُ النَّاسُ عَنْ عِرْضٍ جِهَارًا ... عَلَى الْإِسْلامِ لَيْسَ بِذِي اعْتِقَالِ
عَلَى رَغْمِ الأَبَاعِدِ وَالأَدَانِي ... مِنَ الأَقْصَيْنِ وَالشَنِفِ الْمُوَالِي
فَإِنْ تَفْخَرْ بِقَوْمِكَ مِنْ تَمِيمٍ ... فَأَيْنَ الأَكَمُ مِنْ صُمِّ الْجِبَالِ
أَنَا ابْنُ مُزَيْقِيَا عَمْرٌو نَمَانِي ... عَلَى أَشْرَافِ أَطْوَادِ الْجِبَالِ
وَمِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَرِثْتُ مَجْدًا ... فَدُونِي كُلُّ فَخْرٍ وَاخْتِيَالِ
فَفَخْرِي قَاهِرٌ لِلنَّاسِ بَادٍ ... قُهُورُ الشَّمْسِ تَوْمَاضُ الذُّبَالِ
فَإِنْ تَغْصَصْ تِهَامُ وَبَحْرُ نَجْدٍ ... فَكَمْ غُصَّا وَسَارَا بِالرِّجَالِ
فَمَا وَسِعَاهُمَا ضَرْبًا وَطَعْنًا ... يَمُجُّ كَمَجِّ أَفْوَاهِ الْعَزَالِي
فَمَا صَبَرُوا لَوَقْعِ سُيُوفِ قُومٍ ... كَفَوْهَا بِالْكِفَاحِ مِنَ الصِّقَالِ
إِذَا لَبِسُوا سَوَابِغَهُمْ لِيَوْمٍ ... كَرِيهِ النَّجْمِ مُعْتَكِرِ الظِّلالِ
وَبَارَزَ بَعْضُهُمْ لِلْمَوْتِ بَعْضًا ... كَطَمْيِ الْخَمْسِ بَادَرَ لِلسِّحَالِ
تَيَقَّنَ مَنْ أَدَارَتْهُ رَحَاهُمْ ... بِصَرْفِ الْمَوْتِ إِذْ دُعِيَتْ نَزَالِ
وَجَاشَتْ قُدْرُهُمُ فَرَأَيْتُ فِيهِمْ ... جُنَاةَ الْحَرْبِ عَارِيَةَ الْمَجَالِ
تَفُورُ قُدُورُهُمْ وَلَهَا نَفِيٌّ ... يَكُبُّ الْمُتْرَفِينَ عَلَى السِّبَالَ
وَخَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمُ عَلَيْنَا ... بِكُلِّ عَتَادِ أَمْرٍ وَاحْتِيَالِ
فَقُلْنَا أَسْلِمُوا أَوْ قَدْ ظَعِنَّا ... إِلَيْكُمْ فَاجْهِدُوا عُقَدَ الْحِبَالِ
نُصَّبِحُ أَوْ نُمَسِّي كُلَّ قَوْمٍ ... نُهَزْهِزُ عَنْ يَمِينٍ أَوْ شِمَالِ
стр. 99
وَنَغْزُوهُمْ فَنَقْتُلُ كُلَّ خِرْقٍ ... وَنَسِبْي كُلَّ آنِسَةِ الدَّلالِ
فَلا فَرَحٌ إِذَا نِلْنَا مَنَالا ... وَلا جَزَعٌ لأَيَّامِ الْمُدَالِ
لَأنَّ مُحَمْدًا فِينَا فَلَسْنَا ... وِإِنْ جَلَّتْ مُصِيبَتُنَا نُبَالِي
فَسَائِلْ عَنْ بِلائِهِمُ بِبَدْرٍ ... وَقَدْ يُشْفَى الْعَمَى عَنْدَ السُّؤَالِ
غَدَاةَ رَمَوْا بِجْمِعِهُمُ لُؤَيَّا ... وَكَبْشُهُمُ يَزِيفُ إِلَى الصِّيَالِ
فَكَانُوا كَالْهَشِيمِ يَشُبُّ فِيهِ ... حَرِيقٌ شِبْهُ لَفْحٍ فِي الشَّمَالِ
وَسَائِلْ عَنْهُمُ الأَحْزَابَ لَمَّا ... تَقَحَّمْنَا بِهِمْ حُدْبَ التِّلالِ
وَنَضْرِبُهُمْ عَلَى أَلَمٍ وَقَرْحٍ ... كَضَرْبِ فَلاة وِلَدَانٍ ثِقَالِ
وَقَدْ حَشَدَتْ لَنَا الأَحْزَابُ لَمَّا ... رَأَوْا نَارًا تَشُبُّ لِكُلِّ صَالِ
وَلَفُّوا لَفَّهُمْ لِتَنَالَ تَبْلا ... لَدَيْنَا مِنْهُمُ عُسْرَ الْمَنَالِ
فَجَدَّدْنَا لَهُمْ تَبلا وَآبُوا ... كَبَاغِي الْغَيِّ رُدَّ بِلا بِلالِ
وَيَوْمَ الْفَتْحِ قَدْ عَلِمُوا بِأَنَّا ... وَطِئْنَاهُمْ بَوَاهِضَةٍ ثِقَالِ
فَمَا بَرَحَتْ جِيَادُ الْخَيْلِ تَهْوِي ... خِلالَ بِيُوتِ مَكَّةَ كَالسَّعَالِي
تَكُفُّ أَعِنَّةً مِنَهَا مِرَارًا ... وَتُثْنِيهَا فَتَعْطِفُ كُلَّ جَالِ
وَسَائِلْ عَنْ حُنَينٍ حِينَ وَلَّتْ ... جُمُوعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَوَالِ
وَنَادَانَا بِنُصْرَتِنَا مُنَادٍ ... فَثُبْنَا ثَوْبَ آلِفَةِ الْفِحَالِ
وَمَا فِينَا غَرِيبٌ مِنْ سِوَانَا ... نَؤُمُّ إِلَى الْمُنَوَّهِ كَالْجِمَالِ
فَوَافَيْنَا الرَّسُولَ فَقَالَ: شُدُّوا ... بِعَوْنِ اللَّهِ وَاسْمِهِ ذِي الْجَلالِ
فَمَا صَبَرُوا لِشِدَّتِنَا وَلَكِنْ ... تَوَلَّوْا مُجْهَضِينَ عَنِ الْقِتَالِ
وَأُبْنَا بِالنِّهَابِ وَبِالأُسَارَى ... وَبِالْبِيضِ الْمُهَفْهَفَةِ الْحِفَالِ
وَأَيَّامٍ سِوَاهَا قَدْ ذَهَبْنَا ... بِسَبْقَةِ مَجْدِهَا أُخْرَى اللَّيَالِي
وَآسَيْنَا الرَّسُولَ وَمَنْ أَتَانَا ... يُصَدِّقُ مَا يَقُولُ بِكُلِّ مَالِ
فَنَحْنُ أُولُوا مُؤَازَرَةٍ وَنَصْرٍ ... نُكَانِفُهُ وَنَمْنَعُ مَنْ يُوَالِي
فَسَلْ عَنَّا الْقَبَائِلَ حِينَ رُدَّتْ ... عَنِ الْإِسْلامِ كَالْبَقَرِ الثَّمَالِي
فَوَافَيْنَا بُزَاخَةَ غَيْرَ مَيْل ... وَلا خِرْقٍ بِمُعْتَرَكِ النِّزَالِ
وَأُنْزِعَ بَيْنَنَا حَوْضُ الْمَنَايَا ... بِإِنْهَالِ السُّقَاةِ وَبِالْعِلالِ
فَأَفْلَتْنَا طُلَيْحَتَهُمْ جَرِيضًا ... وَأُثْكِلَ مَنْ يَعُزُّ أَبُو حِبَالِ
وَزُرْنَا بِالْبِطَاحِ بَنِي تَمِيمٍ ... عَلَى جُرْدٍ ضَوَامِرَ كَالْمِغَالِ
فَمَا تَابُوا وَلا امْتَنَعُوا وَلَكِنْ وَجَدْنَاهُمْ كَسَائِمَةِ الْمِئَالِ
تَحَارُ جِيَادُنَا وَنُرَدُّ مِنْهَا ... خَسَائِسَهَا وَنَصْرِفُ كُلَّ حَالِ
تَرَكْنَا مَالِكًا وَمسَوَّدِيهِمْ ... بِمُنْخَرِقٍ لِسَافِيَةِ الشَّمَالِ
وَحُزْنًا عُرْسَهُ مِنْ بَعْدِ بِيض ... صَفَايَا مُصْطَفَيْنَ مَنَ الْحِجَالِ
بِلا مَهْرٍ أَصَبْنَا سِوَى حِدَاد ... وَسُمْرٍ مِنْ مُثَقَّفَةٍ نِهَالِ
وَقُدْنَا لِلْيَمَامَةِ كُلَّ طَرْفٍ ... أَقَبَّ مُقَلَّصٍ نَهْدٍ طُوَالِ
نُرِيدُ لِقَاءَ كَذَّابٍ لَئِيمٍ ... مُسَيْلِمَةَ الْمُصِرِّ عَلَى الضَّلالِ
فَفَاجَأْنَاهُ تَحْتَ النَّقْعِ شُعْثًا ... كَأُسْدٍ غَامَرَتْ تَحْتَ الظِّلالِ
وَحَاسَيْنَاهُمُ جُرَعًا تُؤَدَّى ... عَلَى كُرْهِ الْحَيَاةِ إِلَى الزَّوَالِ
وَأَوْرَدْنَا الْحَدِيقَةَ مُتْرَفِيهِمْ ... نَسُوقُهُمُ بِهِنْدِيِّ النِّصَالِ
وَأَقْحَمْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ خَرْقٍ ... رَكَوْبِ الْخَيْلِ مُضْطَلِعِ النَّضَالِ
فَكَانُوا كَالْحَصِيدِ غَدَتْ عَلَيْهِمْ ... طَماطِمُ لَيْسَ تُوصَفُ بِالنَّكَالِ
стр. 100
وَغُودِرَ فِيهِمُ الْكَذَّابُ رَهْنًا ... لِدَائِرَةِ الْعَوَاقِبِ بِالتَّوَالِي
وَرُحْنَا بِالسَّبَايَا لَمْ تُنَاظِرْ ... مَرَاضِعُها مَتَى أَمَدُ الْفِصَالِ
فَهَاتِ كَمَا أَعَدُّوا هَاتِ قَوْمًا ... كَقَوْمِي عِنْدَ مُخْتَلَفِ الْعَوَالِي
وَرُمْ مِسْكِينُ حِينَ تُرِيحُ رَأْيًا ... سِوَى الرَّأْيِ الْمُضَلَّلِ وَالْمَقَالِ
وَلَوْ جَارَيْتَ قَوْمَكَ مِنْ مَعَدٍّ ... كَفَوْتَ الطَّرْفَ عِيرًا فِي النِّكَالِ
سَوَى رَهْطِ النَّبِيِّ فَثَمَّ مَجْدٌ ... وَفِعْلٌ قَاهِرٌ لِلْنَاسِ عَالِ
وَقَبْلَكَ رَامَ يَجْرِي ذُو فَخَار ... ٍغَزِيرُ الشَّعْرِ مُشْتَهِرُ الرِّجَالِ
أَتَانَا شَامِخًا يُبْدِي سُرُورًا ... بِشَأْوٍ كَانَ مِنْهُ وَهْوَ خَالِ
جَعَلْنَا بِالْقَصَيْدِ لَهُ خِشَاشًا ... فَوَاتًا فِي الْعَقِيقِ وَالِارْتِجَالِ
وَلَوْلا أَنْ تَحِيدَ الْيَوْمَ عَنِّي ... تَرَكْتُكَ تَرْكَ حُرٍّ ذِي اشْتِعَالِ
يَقُولُ إِذَا هَجَاهُ غَيْرُ كَفْؤٍ ... ذَرُوهُ لَيْسَ نَبْلُكَ بِالنِّبَالِ
قَعِيدَكَ قَدْ أَجَبْتُكَ لا بِفُحْشٍ ... وَلَمْ يَكُ غَيْرُ حَقٍ وَاسْتِطَالِ
فَإِنْ تَنْزَعْ فَحَظُّكَ نِلَتَ مِنْهُ ... وَإِنْ تَلْجَجْ فَجَدُّكَ لِلسِّفَالِ
سَتَبْعَثُ لِلْجَوَابِ أخَا حِفَاظٍ ... عَلَى الأَقْرَانِ يُعْنَفُ فِي السُّؤَالِ
رَحِيبَ الْبَاعِ لا قِصَفًا هَدُورًا ... شَدِيدَ الشَّغْبِ يُوصَفُ بِالْبَسَالِ
أَرِيبٌ زَانَهُ حِلْمٌ وَعِلْمٌ ... وَمَجْدٌ كَانَ فِي الْحُقَبِ الْخَوَالِي
فَإِنْ تَحْلُمْ فَذُو حِلْمٍ جَسِيمٍ ... وَإِنْ تَجْهَلْ فَجَهْلٌ ذُو اغْتِيَالِ
وَقَالَ يَهْجُو مِسْكِينَ بْنَ عَامِرِ:
أَيُّهَا الشَّاتِمِي لِتُجِيبَ مِثْلِي ... إِنَّمَا أَنْتَ فِي ضَلالٍ تَهِيمُ
لا تَسُبَّنَّنِي فَلَستَ بِبَذِّي ... إِنَّ بَذِّي مِنَ الرِّجَالِ الْكَرِيمُ
إِنَّ سَبَّ الْكَرِيمِ فِيهِ شِفَاءٌ ... إِنَّمَا الْمَوْتَ أَنْ يُسَبَّ الزَّنِيمُ
مَا أُبَالِي أَنَبَّ بِالْحَزْنِ تَيْسٌ ... أَمْ هَجَانِي بِظَهْرِ غَيْبٍ لَئِيمُ
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سَرَقَ هَذَا الْبَيْتِ وَالَّذِي قَبْلَهُ مِنْ أَبِيهِ فِي هِجَائِهِ لِابْنِ الزِّبَعْرَى.
١٤٧ - حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: أَهْدَى الْمُقَوْقِسُ صَاحِبُ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ مَارِيَةَ ابْنَةَ شَمْعُونَ الْقِبْطِيَّةَ، وَأُخْتَهَا شِيرِينَ، وَخَصِيًّا يُدْعَى مَابُورَا فَاتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مَارِيَةَ ابْنَةَ شَمْعُونَ لِنَفْسِهِ، فَهِيَ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ، وَوَهَبَ شِيرِينَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ «، فَأَوْلَدَهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَ خَالَةِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌» ، وَقَدِ انْقَرَضَ وَلَدُ حَسَّانٍ
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ: " كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ فِي الْكُتَّابِ، فَتَأَخَّرَ فِي الْكُتَّابِ، فَقَالَ لَهُ مُعَلِّمَهُ: أَيْنَ كُنْتَ؟ وَأَرَادَ أَنْ يَضْرِبَهُ، فَقَالَ:
اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ مُعْتَزِلا ... فِي دَارِ حَسَّانَ أَصْطَادُ الْيَعَاسِيبَا "
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: " لَسَعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ زُنْبُورٌ وَهُوَ صَبِيٌّ، فَأَتَى أَبَاهُ، فَقَالَ: يَا أَبَهْ، عَضَّنِي دَابَّةٌ، كَأَنَّهُ بُرْدُ حِبَرَةٍ.
فَقَالَ حَسَّانٌ: قُلْتَ الشِّعْرَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ".
خَلَوْتُ أَنَا وَابْنُ عَزِيزٍ مَعَ الرَّشِيدِ فَذَكَرَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ كَأَنَّهُ هَمَّ بِالنَّظَرِ فِيهِ، فَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ عُرْوَةَ مُتَمَثِّلا:
стр. 101
لَيْتَ هِنْدًا أَنْجَزَتْنَا مَا تَعِدْ ... وَشَفَتْ أَنْفُسَنَا مِمَّا تَجِدْ
وَاسْتَبَدَّتْ مَرَّةً وَاحِدَةً ... إِنَّمَا الْعَاجِزُ مِنْ لا يَسْتَبِدْ
قَالَ جَدِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ: " فَالْتَقَيْتُ أَنَا وَيَحْيَى بْنُ خَالِدٍ بَعْدَ هَذَا الْمَجْلِسِ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ وَجَدْتَ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِي أَثَرًا تَكْرَهُهُ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: فَخَلَوْتُ مَعَهُ الدَّهْرَ لَمْ أَغِبْ لَكَ بِسُوءٍ، وَخَلَوْتَ سَاعَةً فَقَرَضْتَنِي، قُلْتُ: قَدْ بَلَغَكَ الْحَدِيثُ، كُنْتُ مَعَ رَجُلٍ فَكَرِهْتُ أَنْ أَخْذُلَهُ، وَاسْتَطْمَعَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ شِكَايَتَكَ، فَشَكَوْتُكَ بِأَهْوَنِ الأَشْيَاءِ عَلَيْكَ.
فَقُلْتُ: حَبْسُ أَرْزَاقِنَا وَشُغْلُ وَجْهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَنَّا، وَلَوْ أَرَدْتُ قَرَضَكَ لَوَجَدْتَ لِي أَثَرًا ".
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمِ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِدْرِيسُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، قَالَ: " اسْتَعَمْلَ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ ابْنَ أَبِي عَاصِيَةَ عَلَى يَنْبُعَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ فَجَرَى بَيْنَهُمَا كَلامٌ، فَأَغْلَظَ لابْنِ أَبِي عَاصِيَةَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِيَةَ: إِنِّي قَدْ أَقْلَتُكَ، فَإِنْ عُدْتَ ضَرَبْتُكَ وَاللَّهِ مِائَةَ سَوْطٍ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَنْصُورَ، فَكَتَبَ إِلَى زِيَادٍ أَنْ يَشُدَّ ابْنَ أَبِي عَاصِيَةَ فِي الْحَدِيدِ، وَيَرْفَعَهُ إِلَيْهِ.
فَفَعَلَ، فَلَمَّا دَخَلَ ابْنُ أَبِي عَاصِيَةَ عَلَى الْمَنْصُورِ، قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا قُلْتُ إِلا لِمَا عُلِمَ مِنْ رَأْيِهِ، وَأَنَا الْقَائِلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ:
لَيَحْبِسُكُمْ أَنْ تَمْنَعُوا بِنُبَاحِكُمْ ... ثَمَرَاتِ يَنْبُعَ شَرَّ دَارٍ يَنْبُعُ
هَلا أُمَيَّةَ وَهْيَ ظَالِمَةٌ لَكُمْ ... وَلَهَا عَلَيْكَ رِحَالَةٌ لا تُنْزَعُ
رَكِبُوكِ مُرْتَحَلا فَظَهْرُكِ مِنْهُمْ ... دَانِي الْحَرَاقِفِ وَالْفِقَارِ مُوَقِّعُ
كَالْكَلْبِ يَأْلَفُ خَانِقِيهِ وَيَنْتَحِي ... نَحْو الَّذِينَ بِهِمْ يُعَزُّ وَيُمْنَعُ
فَأَمَرَ لَهُ بِمَالٍ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ
حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَأْمُونَ، يَقُولُ: " لَيْسَ عَلَيَّ فِي الْحُكْمِ مَئُونَةٌ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ أَهْلَ الْجَرَائِمِ عَلِمُوا رَأْيِي فِي الْعَفْوِ، فَيَذْهَبَ عَنْهُمُ الْخَوْفُ، وَتُسْلِمَ قُلُوبُهُمْ لِي وَقَالَ الْمَأْمُونُ: " الْمُلُوكُ تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ إِلا ثَلاثَةَ أَشْيَاءَ: الْقَدْحُ فِي الْمُلْكِ، وَإِفْشَاءُ السِّرِّ، وَالتَّعَرُّضَ لِلْحُرُمِ اسْتَقْبَلَ الطَّالِبِيُّونَ الْمَأْمُونَ فِي مُنْصَرَفِهِ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الْعِرَاقِ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَاعْتَذَرُوا مِمَا كَانَ مِنْهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ.
فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِمُتَكَلِّمِهِمْ: كُفَّ وَاسْمَعْ مِنِّي.
أَوَّلُنَا وَأَوَّلُكُمْ مَا تَعْلَمُونَ، وَآخِرُنَا وَآخِرُكُمْ مَا تُرِيدُونَ، وَتَنَاسَوْا مَا بَيْنَ هَذَيْنِ.
قَالَ: وَرَكِبَ الْمَأْمُونُ يَوْمًا فَصَاحَ إِلَيْهِ الأَنْصَارُ، فَقَالَ: " أَيْنَ كُنْتُمْ يَوْمَ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَالْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ يُرِيدَانِ نُصْرَتَكُمْ، فَلا تُرِيدُوا مِنَّا ثَوَابًا قَالَ: " وَذَكَرَ الْمَأْمُونُ يَوْمَ اخْتِلافِ النَّاسِ، فَقَالَ لِثُمَامَةَ: قَدْ كَثُرَ اخْتِلافُ النَّاسِ فِي الِاسْتِطَاعَةِ، وذِكْرِ الأَفْعَالِ، فَاجْمَعْ لِي فِي هَذَا كَلامًا تَخْتَصِرهُ لِيُفْهَمَ.
стр. 102
قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنِ الْجَوَابِ إِلا لِتَشْخَصَ الْقُلُوبُ إِلَى فَهْمِهِ.
فَجَمَعَ النَّاسَ إِلَى ثَلاثَةِ أَيَّامِ، فَلَمَّا جُمِعُوا وَحَضَرَهُمْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، قَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: تَكَلَّمْ.
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لا تَخْلُو هَذِهِ الأَفْعَالُ مِنْ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا مِنِ اللَّهِ، فَمَا السَّبِيلُ عَلَيْنَا؟ أَوَ تَكُونَ مِنْهُ وَمِنَّا فَمَنِ الْحَكَمُ بَيْنَنَا؟ أَوْ يَكُونَ مِنَّا وَالْقُوَى مِنَ اللَّهِ.
قَالَ: فَقَالَ الْمَأْمُونُ: بَلْ وَمِنَّا وَالْقُوَى مِنَ اللَّهِ ".
كَانَ لِبَكَّارِ بْنِ رَبَاحٍ مَنْزِلٌ إِلَى دَارِ الْعِجْلَةِ، فَأَعْطَاهُ بِهِ الْمَهْدِيُّ أَرْبَعَةَ آلافِ دِينَارٍ.
فَقَالَ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا كُنْتُ لِأَبِيعَ جِوَارَكَ بِشَيْءٍ» ، فَتَرَكَ لَهُ مَنْزِلَهُ، وَأَعْطَاهُ الأَرْبَعَةَ آلافِ دِينَارٍ، فَفَيِهِ بَعْضُ وَلَدِهِ الْيَوْمَ.
قَالَ: وَبَكَّارُ بْنُ رَبَاحٍ مَوْلًى لآلِ الأَخْنَسِ بْنِ شَرِيفٍ الثَّقَفِيِّ، حَلِيفُ بْنُ زُهْرَةَ.
وَأَنْشَدَنِي لِبَكَّارٍ فِي الْمَهْدِيِّ يَرْثِيهِ:
أَلا رَحَمَةُ الرَّحْمَنِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ ... عَلَى رِمَّةٍ رُسَّتْ بِمَاسِبَذَانِ
لَقَدْ غَيَّبَ الْقَبْرُ الَّذِي ثَمَّ سُؤْدُدًا ... وَكَفَّيْنِ بِالْمَعْرُوفِ تَبْتَدِرَانِ
حَدَّثَنِي أَبُو غَزِيَّةَ، وَكَانَ قَاضِيًا عَلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: " كَانَ إِسْحَاق بْنُ غُرَيْرٍ يَتَعَشَّقُ عَبَّادَةَ جَارِيَةَ الْمُهَلَّبِيَّةِ، وَكَانَتِ الْمُهَلَّبِيَّةُ مُنْقَطِعَةً إِلَى الْخَيْزُرَانِ، فَرَكِبَ إِسْحَاقُ يَوْمًا وَمَعَهُ جَدِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ، يُرِيدَانِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيَّ، فَلَقِيَا عَبَّادَةَ، فَقَالَ إِسْحَاق: يَا أَبَا بَكْرٍ هَذِهِ عَبَّادَةُ، وَحَرَّكَ دَابَّتَهُ حَتَّى سَبَقَهَا، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهَا فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَضَحِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ، وَمَضَيَا فَدَخَلا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَحَدَّثَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ بِمَا فَعَلَ إِسْحَاق، فَقَالَ: أَنَا أَشْتَرِيهَا لَكَ، وَدَخَلَ عَلَى الْخَيْزُرَانِ، فَدَعَا الْمُهَلَّبِيَّةَ فَسَامَهَا وَأَعْطَاهَا ثَمَنَهَا خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُهَا لِنَفْسِكَ فَبِهَا فَدَاكَ اللَّهُ، هِيَ لَكَ.
فَقَالَ: أُرِيدُهَا لِإِسْحَاقَ بْنِ غُرَيْرٍ، فَبَكَتْ وَقَالَتْ: تُؤْثِرُ عَلَيَّ إِسْحَاقَ، وَهِيَ يَدِي وَرِجْلِي وَلِسَانِي فِي حَوَائِجِي.
فَقَالَتِ الْخَيْزُرَانُ: مَا يُبْكِيكِ؟ صَارَ إِسْحَاقُ يَتَعَشَّقُ جَوَارِيَ النَّاسِ، لا يَصِلْ وَاللَّهِ إِلَيْهَا أَبَدًا.
فَأَخْبَرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا جَرَى فِيهَا.
وَقَالَ لَهُ: الْخَمْسُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ لَكَ مَكَانَهَا.
فَأَخَذَهَا.
فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ:
مَنْ صَدَقَ الْحُبَّ لِأَحْبَابِهِ ... فَإِنَّ حُبَّ ابْنِ غُرَيْرٍ غَرُورُ
أَنْسَاهُ عَبَّادَةَ ذَاتَ الْهَوَى ... وَأَذْهَبَ الْحُبُّ لَدَيْهِ الضَّمِيرُ
خَمْسُونَ أَلْفًا كُلُّهَا وَازِنٌ ... حَسَنٌ لَهَا فِي كُلِّ كِيسٍ صَرِيرُ
وَقَالَ أَيْضًا:
حُبُّكَ الْمَالُ لا كَحُبِّكَ عَبَّادَةَ ... يَا فَاضِحَ الْمُحِبِّينَا
لَوْ كُنْتَ أَصْفَيْتَهَا الْوِدَادَ كَمَا ... قُلْتَ لَمَّا بِعْتَهَا بِخَمْسِينَا
كَتَبْتُ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ:
يَا ضَيْفَ إِسْحَاق كُنْ فِي خَيْرِ مَنْزِلَةٍ ... فَضَيْفُ إِسْحَاق مَحْبُورٌ وَمَمْنُوحُ
стр. 103
واسْمَعْ مِنَ الْعِلْمِ أَنْوَاعًا عَلَى ثِقَةٍ ... أَنْ لَسْتَ نَائِلَهَا مَا هَبَّتِ الرِّيحُ
لَكَ الْكَرَامةُ مِنْهُ شِيمَةٌ خُلُقٌ ... وَالْعِلْمُ عَنْ ضَيْفِهِ مَحْلٌ وَمَجْلُوحُ
هَيْهَاتَ فِي الْعِلْمِ إِذْ تَرْجُو فَوَائِدَهُ ... رُمْتَ الَّذِي لَمْ تُقَعْقِعْهُ الْمَفَاتِيحُ
فَكَتَبَ إِلَيَّ إِسْحَاق:
الْعِلْمُ عِنْدِي شَيْءٌ لَسْتُ مَانِعَهُ ... وَكُلُّ بَابٍ لَهُ عِنْدِي فَمَفْتُوحُ
لَوْلا مَوَاقِعُ أَرْعَاهَا وَأَرْقُبُهَا ... وَإِنْ لَمِثْلُكَ مِنِّي الْحِلَمَ مَمْنُوحُ
إِذًا لَجَاءَكَ مِنِّي مَنْطِقٌ قَذِعٌ ... يَطِيرُ مِنْهُ إِذَا اسْتَسْمَعْتَهُ الرُّوحُ
حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ قَحْذَمٍ مَوْلَى آلِ أَبِي بَكْرَةَ، وَكَانَ قَحْذَمٌ كَاتِبًا لِيُوسُفَ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا وَلِيَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ الْعِرَاقَ اتَّخَذَ أَمْوَالا وَضِيَاعًا، وَحَفَرَ أَنْهَارًا، فَكَانَ يَسْتَغِلُّ عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ بِالْعِرَاقِ، مِنْهَا نَهْرُ خَالِدٍ، وَكَانَ يَغُلُّ خَمْسَةَ آلافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَالْجَامِعُ، وَالْمُبَارَكُ، وَلَوْبَةُ سَابُورَ، وَالصِّلْحُ، وَكَانَ هِشَامٌ حَسُودًا مُتَيَقِّظًا، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَأَحْفَظَهُ، وَأَصَرَّ عَلَيْهِ، فَكَلَّمَ خَالدًا أَخِلاؤُهُ، وَصَنَائِعُهُ الْعُرْيَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ، وَبِلالُ بْنُ أَبِيِ بُرْدَةَ، وَغَيْرُهُمَا، فَقَالُوا: نُشِيرُ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ قَدْ أَصَبْنَاهُ وَرَأَيْنَاهُ صَوَابًا، فِيهِ دَوَامُ نِعْمَتِكَ، وَكَبْتُ أَعَادِيكَ.
قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالُوا: قَدْ بَلَغَنَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هِشَامٍ مَا غَمَّنَا مِنْ سُؤَالِهِ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ عَنْ غَلاتِكَ وَأَمْوَالِكَ، فاكتب إليه فاعرض عليه أموالك.
فقال والله ما يعارضني شك في نصيحتكم، ولكني والله لا أُعْطِي الدَّنِيَّةَ، وَلا أُخْرِجُ عَنْ يَدِي دِرْهَمًا قَسْرًا فَمَا فَوْقَهُ أَبَدًا.
قَالُوا: فَإِنَّ هِشَامًا أَعْذَرَ مِنْكَ.
وَلاكَ وَلا تَمْلِكُ شَيئًا، وَقَدْ عَرَفْتَ شَرَهَهُ وَحِرْصَكَ، فَإِنْ هُوَ قَبَضَ مَا تَعْرِضُ عَلَيْهِ فَعَلَيْنَا جَمْعَهُ لَكَ ثَانِيَةً، فَلَمَّا كَانَ فِي سَنَةِ تَسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ كَتَبَ إِلَيْهِ هِشَامٌ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْكَ أَمَرٌ لَمْ يَحْتَمِلْهُ مِنْكَ إِلا لِمَا أَحَبَّ مَنْ رَبُّ صَنِيعَتِهِ قِبَلَكَ، وَاسْتِتْمَامُ مَعْرُوفِهِ عِنْدَكَ، وَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَحَقُّ مَنِ اسْتَصْلَحَ مَا فَسَدَ مِنْكَ، فَإِنْ تَعُدْ لِمِثْلِ مَقَالَتِكَ وَمَا بَلَغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْكَ، رَأَى فِي مُعَاجَلَتِكَ بِالْعُقُوبَةِ رَأْيَهُ، إِنَّ النِّعْمَةَ إِذَا طَالَتْ بِالْعَبْدِ مُمْتَدَّةً أَبْطَرَتْهُ، فَأَسَاءَ حَمْلَ الْكَرَامَةِ، وَاسْتَغَلَ النِّعْمَةَ، وَنَسَبَ مَا فِي يَدِهِ إِلَى جِبِلَّتِهِ، وَبَيْتِهِ وَرَهْطِهِ وَعَشِيرَتِهِ، فَإِذَا نَزَلَتْ بِهِ الْغِيَرُ، وَانْكَشَطَ عَنْهُ عِمَايَةُ الْغِنَى وَالسُّلْطَانِ، ذَلَّ مُنْقَادًا وَنَدِمَ قَسْرًا، وَتَمَكَّنَ مِنْهُ عَدُوُّهُ قَادِرًا عَلَيْهِ، قَاهِرًا لَهُ، وَلَوْ أَرَادَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِفْسَادَكَ لَجَمَعَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَنْ شَهِدَ فَلَتَاتِ خَطَلِكَ، وَعَظِيمَ زَلَلِكَ، حَيْثُ تَقُولُ لِجُلَسَائِكَ: وَاللَّهِ مَا زَادَنِي الْعِرَاقُ رِفْعَةً وَلا شَرَفًا، وَلا وَلانِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ مَنْ كَانَ قَبْلِي، مِمَّنْ هُوَ دُونِي، يَلِي مِثْلَهُ.
стр. 104
وَلَوِ ابْتُلِيتَ بِبَعْضِ مَقَاوِمِ الْحَجَّاجِ أَهْلَ الْعِرَاقِ فِي تِلَكَ الْمَضَايقِ بِمِثْلِ الْجَمَاعَاتِ الَّتِي لَقِيَ، لَعَلِمْتَ أَنَّكَ مِنْ بَجِيلَةَ، وَلَقَدْ خَرَجَ عَلَيْكَ أَرْبَعُونَ رَجُلا فَغَلُبُوكَ عَلَى بَيْتِ مَالِكَ وَخَزَائِنِكَ، فَمَا اسْتَطَعْتُمْ إِلا بِأَمَانٍ، ثُمَّ أَخْفَرْتَ ذِمَّتَكَ، فِيهِمْ رَزِينٌ وَأَصْحَابُهُ، وَلَعَمْرِيَ لَوْ حَاوَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مُكَافَأَتِكَ بِلَفْظِكَ فِي مَجْلِسِكَ، وَجُحُودِكَ فَضْلَهُ عَلَيْكَ، فِي تَصْغِيرِ عَظِيمِ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ، فَحَلَّ الْعُقْدَةَ وَنَقَضَ الصَّنِيعَةَ، وَرَدَّكَ إِلَى مَنْزِلَةٍ أَنْتَ أَهْلُهَا، لَكُنْتَ لَهُ مُسْتَحِقًّا، وَلَقَدْ حَشَدَ جَدُّكَ يَزِيدُ بْنُ أَسَدٍ مَعَ مُعَاوِيَةَ يَوْمَ صِفِّينَ، وَعَرَضَ دِينَهُ وَدَمَهُ فَمَا اصْطَنَعَ إِلَيْهِ، وَلا وَلاهُ مَا اصْطَنَعَ إِلَيْكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَوَلاكَ، وقِبَلَهُ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْيَمَنِ وَالْبُيُوتَاتِ مَنْ قَبِيلَتُهُ أَكْرَمُ مِنْ قَبِيلَتِكَ مِنْ كِنْدَةَ وَغَسَّانَ وَآلِ ذِي يَزَنَ وَذِي كَلاعَ وَذِي رُعَيْنَ، فِي نُظَرَائِهِمْ مِنْ بُيُوتَاتِ قُوْمِهِمْ، كُلُّهُمْ أَكْرَمُ أَوَّلِيَّةً، وَأَشْرَفُ أَسْلافًا مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ.
стр. 105
ثُمَّ آثَرَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِوِلايَةِ الْعِرَاقِ، بِلا بَيْتٍ عَظَيمٍ، وَلا شَرَفٍ قَدِيمٍ، وَلَهَذِهِ الْبُيُوتُ تَغْمُرُكَ وَتَعْلُوكَ، وَتُسْكِتُكَ وَتَتَقَدَّمُكَ فِي الْمَحَالِّ وَالْمَجَامِعِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الأُمُورِ وَأَبْوَابِ الْخُلَفَاءِ، وَلَوْلا مَا أَحَبَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ رَدِّ غَرَبِكَ لَعَاجَلَكَ بِالَّتِي كُنْتَ أَهْلَهَا، وِإِنَّهَا لَقَرِيبٌ مِنْكَ مَأْخَذُهَا، سَرِيعٌ مَكْرُوَهُهَا، فَمِنْهَا إِنِ اتَّقَى اللَّهَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ زَوَالُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ، وَحُلُولُ نِقْمَتِهِ بِكَ، فِيمَا صَنَعْتَ، وَارْتَكَبْتَ بِالْعِرَاقِ مِنْ أَهْلِهِ، وَاسْتِعَانَتُكَ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، تُوَلِّيهِمْ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ وَخَرَاجَهُمْ، وَتُسَلِّطَهُمْ عَلَيْهِمْ، نَزَعَ بِكَ إِلَى ذَلِكَ عِرْقُ سُوءٍ مِنَ الَّتِي قَامَتْ عَنْكَ، فَبِئْسَ الْجَنِينُ أَنْتَ عُدَيُّ نَفْسُهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَّا رَأَى إِحْسَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْكَ وَسُوءَ قِيَامِكَ بِشُكْرِهِ، قَلَبَ قَلْبَهُ لَكَ، فَأَسْخَطَهُ عَلَيْكَ، حَتَّى قَبُحَتْ أُمُورُكَ عِنْدَهُ، وَآيَسَهُ مَعَ شُكْرِكَ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ كُفْرِكَ النِّعْمَةَ عِنْدَكَ، فَأَصْبَحْتَ تَنْتَظِرُ غَيْرَ النِّعْمَةِ، وَزَوَالَ الْكَرَامَةِ، وَحُلُولَ الْخِزْيِ، فَتَأَهَّبْ لِنَوازِلِ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَلَيْكَ أَوْجَدُ، وَلِمَا عَمِلْتَ أَكْرَهُ، فَقَدْ أَصْبَحْتَ وَذُنُوبُكَ أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَكِّتَكَ بِهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ذَنْبًا ذَنْبًا، وَمَنْ يُرْفَعْ عَلَيْكَ عِنْدَهُ يُبَكِّتْكَ مِنْهَا بِمَا نَسِيتَهُ، وَأَحْصَاهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَلَقَدْ كَانَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ زَاجِرٌ عَنْكَ بِمَا عَرَفَكَ مِنِ التَّسَرُّعِ إِلَى حَمَاقَاتِكَ، فِي غَيْرِ وَاحِدَةٍ، مِنْهَا الْقُرَشِيُّ الَّذِي تَنَاوَلْتَهُ بِالْحِجَازِ ظَالِمًا، فَضَرَبَكَ اللَّهُ بَالسَّوْطِ الَّذِي ضَرْبتَهُ بِهِ، مُفْتَضَحًا عَلَى رُءُوسِ رَعِيَّتِكَ، وَلَعَلَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعُودَ عَلَيْكَ بِمِثْلِهَا، فَإِنْ فَعَلَ فَأَنْتَ أَهْلُهَا، وَإِنْ صَفَحَ فَأَهْلُهُ هُوَ، وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَسْتَدِلَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى ضَعْفِ نَحَائِزِكَ، وَسُوءِ تَدْبِيرِكَ إِلا فَسَالَةَ دُخَلائِكَ، وَبِطَانَتِكَ وَعُمَّالِكَ، وَالْغَالِبَةِ عَلَيْكَ جَارِيَتِكَ الرَّائِقَةِ، بَائِعَةِ الْعُهُودِ، وَمُشْغِلَةِ الرِّجَالِ، مَعَ مَا أَتْلَفْتَ مِنْ مَالِ اللَّهِ بِالْمُبَارَكِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَاللَّهِ أَنْ لَوْ كُنْتَ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَا احْتَمَلَ لَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَفْسَدْتَ مِنْ أَمْوَالِ اللَّهِ، وَضَيَّعْتَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَلَّطْتَ مِنْ وُلاةِ السُّوءِ عَلَى جَمِيعِ كُوَرَ الْإِسْلامِ، تَحْمَلُ إِلَيْكَ هَدَايَا النَّيْرُوزِ وِالْمِهْرَجَانِ، خَالِسًا لِأَكْثَرِهَا، رَافِعًا لِأَقَلِّهَا مَعَ كَثْرَةِ مَسَاوِيكَ الْمَتْرُوكِ تَقْرِيرُكَ بِهَا، وَمُنَاصَبَتِكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي مُوَالاةِ حَسَّانٍ وَوَكِيلِهِ فِي ضِيَاعِهِ، وَأَحْوَازِهِ فِي الْعِرَاقِ، وَسَيَكُونُ لَكَ وَلِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ نَبَأٌ إِنْ لَمْ يَعْفُ عَنْكَ، وَلَكِنَّهُ يَظُنُ اللَّهَ طَالِبَكَ بِأُمُورٍ، غَيْرَ تَارِكٍ لِتَكْشِيفِكَ عَنْهَا، وَحَمْلِكَ الأَمْوَالَ نَاقِصَةً عَنْ وَظَائِفِهَا الَّتِي جَبَاهَا عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَتَرْكِ رَفْعِ مُحَاسَبَتِكَ سنَةَ كَذَا وَكَذَا لِمَا وُلِّيتَ مِنْ خَرَاجِ الْعِرَاقِ، وَتَوْجِيهِكَ أَخَاكَ أَسَدًا إِلَى
стр. 106
خُرَاسَانَ، مُظْهِرًا بِهَا الْعَصَبِيَّةَ، مُتَحَامِلا عَلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ مُضَرَ، قَدْ أَتَتْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُيُونُهُ بِتَصْغِيرِهِ لَهُمْ، وَاحْتِقَارِهِ إِيَّاهُمْ، نَاسِيًا لِحَدِيثِ زَرْنَبٍ وقَصَصِ الْهَجْرِيِّينَ، كَيْفَ كَانَتْ فِي يَزِيدَ بْنِ أَسَدٍ، فَإِذَا خَلَوْتَ أَوْ تَوَسَّطْتَ مَلأَ فَاعْرِفْ نَفْسَكَ , وَاحْذَرْ رَوَاجِعَ الْبَغْيِ عَلَيْكَ، وَعاجِلاتِ الْعُقُوبَةِ، فَإِنَّ مَا بَعْدَ كِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا أَفْسَدُ لَكَ، وَأَشَدُّ عَلَيْكَ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ تَأَنَّى فَيْئَكَ، وَأَمَّلَ رَجْعَتَكَ، وَاسْتَنْظَرَ تَوْبَتَكَ، وقِبَلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ خَلَفٌ كَثِيرٌ، فِي أَحْسَابِهِمْ وُبُيُوتَاتِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ، وَفِيهِمْ عِوَضٌ مِنْكَ، وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ مَوْلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ سَنَةَ تَسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ.
فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ كَتَبَ هِشَامٌ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ وَهُوَ عَامِلُ الْيَمَنِ بِوِلايَتِهِ عَلَى الْعِرَاقِ لَمَا بَلَغَهُ مِنْ شَهَامَتِهِ وَرُجْلَتِهِ وَخُبْثِهِ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ أَهْلَ الْكُوفَةِ، فَأَرَسَلَ إِلَى طَارِقٍ فَحَبَسَهُ، وَكَانَ خَالِدٌ اسْتَخْلَفَ زِيَادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيِّ، فَقَالَ يُوسُفُ لِزِيَادٍ: مَنْ أَنْتَ؟ فَانْتَسَبَ لَهُ، فَقَالَ: النَّجْرَانِيُّ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَخَلَّى سَبِيلَهُ , وَأَرْسَلَ إِلَى خَالِدٍ وَهُوَ بِالْحَمَّةِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَحَبَسَهُ وَجَمِيعَ عُمَّالِهِ.
فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ الْمَنْتُوفِ مَعَهُ أَخَوَهُ الَفَضْلُ، وَقَدْ كَانَ الْعُرْيَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ ضَرَبَ الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ خَالِدًا، فَلَمْ يُعْدِهُ عَلَيْهِ، فَحَقَدُوا عَلَيْهِ، فَوَثَبَ عَبْدُ اللَّهِ وَالْفَضْلُ عَلَى خَالِدٍ بِبَابِ يُوسُفَ فَشَتَمَاهُ، وَكادا يَطَآنِهِ بِأَرْجُلِهِمَا وَيَقُولانِ عَلَى مَا يُعَذَّبُ هَذَا أَلا يُؤتَى بِأُمِّهِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَتُعَذَّبُ حَتَّى تُسْلَحَ عَلَى الصَّلِيبِ وُيُقْتَلُ هَذَا.
فَأَقْبَلَ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الْحَرَسِ عَلَيْهِمَا، فَهَرَبَ الْفَضْلُ وَضُرِبَ عَبْدُ اللَّهِ الْمَنْتُوفُ، وَخُرِّقَتْ ثِيَابُهُ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ قَمِيصِهِ إِلا الزِّيقَ، مَكْشُوفَ الاسْتِ، مُسْتَقْبِلا فَتْقُ اسْتِهِ عَيْنَ الشَّمْسِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ فَدَعَا بِهِ، فَقَالَ: مَنْ ضَرَبَكَ؟ قَالَ: أَهْلُ الدُّنْيَا، مَا رَأَيْتُ إِلا ضَارِبًا.
قَالَ: لَكِنِّي أَدْرِي مَنْ ضَرَبَكَ، عَلَى مَنْ كَانَتِ النَّوْبَةُ؟ قِيلَ: عَلَى فُلانٍ وَفُلانٍ وَفُلانٍ، فَدَعَا بِهِمْ، فَضَرَبَهُمْ أَلْفًا أَلْفًا، وَأَغْزَاهُمُ الثُّغُورَ، وَعَذَّبَ يُوسُفُ خَالِدًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبْلِغَ نَفْسَهُ، ثُمَّ أَتَاهُ كِتَابُ هِشَامٍ فِي اسْتِخْلاصِهِ إِلَى مَا قَبِلَهُ، فَوَجَّهَهُ إِلَيْهِ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَكَانَ مُقِيمًا بِالشَّامِ إِلَى أَنْ مَاتَ هِشَامٌ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَرَدَّهُ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ إِلَى يُوسُفَ بِالْعِرَاقِ فَعَذَّبَهُ حَتَّى قَتَلَهُ
стр. 107
١٦٠ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: " لَمَّا كَانَتْ فِتْنَةُ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ كَلَّمَ أَهْلُ مَكَّةَ عُثْمَانَ بْنَ شَيْبَةَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُمْ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى خَلِيفَةٍ فَفَعَلَ، وَكَلَّمَ أَهْلُ الطَّائِفِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَقُومَ بِأَمْرِهِمْ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى خَلِيفَةٍ فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَجَاءَ إِذْنُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: هَذَا عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بِالْبَابِ.
فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ.
فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ سَكْرَانُ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ابْنَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَهِيَ امْرَأَتُهُ، فَجَعَلَ عَنْبَسَةُ يَنْظُرُ إِلَى جَلا يَعْنِي كُوَّةً فِي الْبَيْتِ وَيَثِبُ إِلَيْهِ لِمَا بِهِ مِنَ السُّكْرِ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ: مَا ابْتُلِيتُ بِذَا اللَّيْلَةِ.
فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَاللَّهِ مَا جَنَى جِنَايَةً قَطُّ.
وَهُوَ أَخُو أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَى أَنْ تَسْتُرَ عَلَيْهِ، وَتُخَلِّيَ سَبِيلَهُ.
قَالَ: لا وَاللَّهِ، لا أُبْطِلُ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، فَأَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدٍ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَكَانَ بِالطَّائِفِ.
فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: لأَيِّ شَيْءٍ بَعَثْتَ إِلَيَّ؟ قَالَ: بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَنْظُرَ إِلَى عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَتَشْهَدَ عَلَى سُكْرِهِ.
فَقَالَ: لا وَصَلَتْكَ رَحِمٌ، مَا كَانَ هَهُنَا أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيْكَ مِنِّي.
فَقَالَ: لا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَهُنَا أَحَدٌ أَوْثَقَ فِي نَفْسِي مِنْكَ.
стр. 108
قَالَ: أَمَا إِذَا فَعَلْتَ فَابْعَثْ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ، فَبَعَثَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ، فَأَشْهَدَهُ أَيْضًا عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَلَدَهُ الْحَدَّ، فَلمَا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ قَدِمَ عَلَيْهِ عَنْبَسَةُ أَخُوهُ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَبَعَثْ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيدٍ، وَإِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةِ، وَإِلَى الثَّقَفِيِّ، فَدَسَّ إِلَى الثَّقَفِيِّ، وَإِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ لِيُبْطِلَ الْحَدَّ، فَأَبَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَرَجَعَ الثَّقَفِيُّ عَنْ شَهَادَتِهِ، فَمَكَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ أُسَيدٍ بِبَابِ مُعَاوِيَةَ سَنَةً لا يُأْذَنُ لَهُمَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ أَحْرَمَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَمُعَاوِيَةُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ، أَنْ لا وَلا كَرَامَةَ، وَاللَّهِ مَا اسْتَأْذَنْتَنِي، وَلا أَذِنْتُ لَكَ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَلَيْسَ ذَاكَ لَكَ، إِنَّمَا بَعَثْتَ إِلَيَّ فَسَأَلْتَنِي عَنْ أَمْرٍ، فَأَخْبَرْتُكَ بِعِلْمِي فِيهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَانْصَرَفَ إِلَى مَكَّةَ، وَبَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ سَنَةً أُخْرَى، ثُمَّ اسْتَأْذَنَهُ فِي الرِّجُوعِ إِلَى مَكَّةَ حَاجًّا، فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ قَطَائِعُ كَانَ أَخَذَهَا بِسَبَبِ عَنْبَسَةَ، فَلَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدٍ خَرَجَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَعَلَيْهَا زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَحَضَرَتْ زِيَادًا الْوَفَاةُ، فَاسْتَخْلَفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدٍ عَلَى عَمَلِهِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: لا وَاللَّهِ، لا نَسْتَعْمِلُهُ، لا عَلَى صِلاتِهَا، وَلا عَلَى خَرَاجِهَا.
ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ الثَّقَفِيَّ، فَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَشَخَصَ إِلَى مَكَّةَ، حَيْثُ بَلَغَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ اسْتَعْمَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ، فَلَمَّا بَلَغَ مُعَاوِيَةُ مَا أُخِذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمْكَنَنِي مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا يَسُرُّنِي أَنَّهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عَنْبَسَةَ، فَقَالَ: قَدْ أَمْكَنَكَ اللَّهُ مِنْ ثَأْرِكَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَبَضَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
قَالَ: قَدْ وَلَّيْتُكَ الْحِجَازَ.
فَتَهَيَّأَ عَنْبَسَةُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ يُوَدِّعُهُ.
فَقَالَ لَهُ: مَا أَنْتَ صَانِعٌ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ؟ قَالَ: أَضْرِبُ وَاللَّهِ بِيَدِهِ وَجْهَهُ.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: بِاسْتِكَ، بِئْسَ وَاللَّهِ ابِنُ الْعَشِيرَةِ أَنْتَ.
بعَبْدِ اللَّهِ تَصْنَعُ هَذَا؟ وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ عَلَيْهِ حَنِيقًا مُغْتَاظًا، وَقَدْ عَطَّفَنِي عَلَيْهِ مَا سَمِعْتُ مِنْ عُنْفِكَ بِهِ، هِيَ لَهُ وَاللَّهِ، وَلا كَتَبْتُ إِلَيْهِ فِي شِيءٍ مِنْهُ أَبَدًا.
لَيْسَ مِثْلُكَ وَلِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ، قَدْ عَزَلْتُكَ مِنْ عَمَلِكَ "
стр. 109
١٦١ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ، قَالَ: " بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلانِيَّ، وَكَانَ رَجُلا مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الشَّامِ، قَامَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ، عَلَى مَا تُقَاتِلُ عَلِيًّا، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَلَهُ مِنَ الْقَدْرِ فِي الِإِسْلامِ، وَالسَابِقَةِ وَالْقَرَابَةِ مَا لَيْسَ لَكَ، إِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ طَلِيقٌ ابْنُ طَلِيقٍ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ إِنِّي وَاللَّهِ مَا أُقَاتِلُهُ وَأَنَا أَدَّعِي فِي الْإِسْلامِ مِثْلَ الَّذِي يَدَّعِي، وَلِي فِي الْإِسْلامِ مِثْلُ مَا لَهُ، وَلَكِنِّي أُقَاتِلُهُ عَلَى دَمِ عُثْمَانَ، إِنَّ عَلَيًّا قَتَلَ عُثْمَانَ، فَأَنَا أَطْلُبُهُ بِدَمِّهِ.
فَخَرَجَ أَبُو مُسْلِمٍ عَلَى نَاقَتِهِ يَضْرِبُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْكُوفَةِ، فَأَنَاخَهَا بِالْكُنَاسَةِ، ثُمَّ جَاءَ يَمْشِي حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَلِيٍّ ﵇ وَالنَّاسُ عِنْدهُ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: اللَّهُ قَتَلَهُ، وَأَنَا مَعَهُ.
فَخَرَجَ أَبُو مُسْلِمٍ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ.
حَتَّى أَتَى نَاقَتَهُ فَرَكِبَهَا، فَأَتَى الشَّامَ.
وَقِيلَ لِعَلِيٍّ: إِنَّ الَّذِي كَانَ قَدْ دَخَلَ عَلَيْكَ أَبُو مُسْلِمٍ، فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِ، فَفَاتَهُ، وَقَدِمَ أَبُو مُسْلِمٍ الشَّامَ، فَانْتَهَى إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ يَتَغَدَّى، فَلَمَّا قِيلَ لِمُعَاوِيَةَ: قَدْ جَاءَ أَبُو مُسْلِمٍ، وَمَعَهُ لُقْمَةٌ، فَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَسِيغَهَا حَتَّى وَقَعَتْ.
قَالَ: فَدَخَلَ أَبُو مُسْلِمٍ فَحَيَّاهُ وَقَرَّبَهُ، وَرَحَّبَ بِهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ سَفَرِهِ، وَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ يَكْرَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ أَبُو مُسْلِمٍ قَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ مَمِا يَكْرَهُ مُعَاوِيَةُ.
قَالَ: فَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: قُمْ فَوَاللَّهِ لَنُقَاتِلَنَّ عَلِيًّا، وَلَيُقَاتِلَنَّهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ قَدْ أَقَرَّ بِقَتْلِ عُثْمَانَ.
قَالَ: فَقَامَ مُعَاوِيَةُ فَرِحًا حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَامَ أَبُو مُسْلِمٍ خَطِيبًا، فَحَرَّضَ النَّاسَ عَلَى قِتَالِ عَلِيٍّ ﵁، وَأَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِ عُثْمَانَ، وَجَمَعَ مُعَاوِيَةُ لِعَلِيٍّ الْجُمُوعَ، وَقَدْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، غَلَبَ عَلَى مِصْرَ، فَسَارَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى صِفِّينَ، فَلَمْ يَزَلْ يُوَارِبُهُ حَتَّى قَالَ: اخْرُجْ إِلَيَّ فِي ثَلاثِينَ رَجُلا، وَأَخْرُجُ إِلَيْكَ فِي ثَلاثِينَ حَتَّى نَنْظُرَ فِي أَمْرِنَا وَنَصْطَلِحَ عَلَى صُلْحٍ.
فَفَعَلَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ وَمُعَاوِيَةُ.
وَقَدْ أَمَرَ مُعَاوِيَةُ جُنُودَهُ أَنْ يَسِيرُوا مِنْ تَحْتِ لَيْلَتِهِمْ، حَتَّى يُوَافُوهُمْ بِذَلِكَ الْمَكَانِ.
стр. 110
وَهُوَ وَمُحَمَّدُ خَارِجٌ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَبَيَّتَهُمْ أَصْحَابُ مُعَاوِيَةَ، وَأَخَذَ مُعَاوِيَةُ أُولَئِكَ الثَّلِاثِينَ، وَكَبَّلَهُمْ فِي الْقُيودِ، وَأَتَى بِهِمُ الشَّامَ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذَا صَانَعُوا صَاحِبَ السِّجْنِ، فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَلَمَّا أَصْبَحَ مُعَاوِيَةُ قِيلَ لَهُ: إِنَّ مُحَمْدًا قَدْ خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ، وَأَتَاهُ أَنَّ عَلَيًّا قَدْ جَمَعَ لَهُ الْجُمُوعَ بِالْعِرَاقِ لِيَسِيرُوا إِلَيْهِ، وَخُبِّرَ أَنَّ صَاحِبَ الرُّومِ قَدْ تَهَيَّأَ لِيَسِيرَ إِلَيْهِ، فَدَعَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ جَاءَنِي مُنْذُ أَصْبَحْتُ أَخْبَارٌ ثَلاثَةٌ، مَا جَاءَتْنِي قَطُّ أَخْبَارٌ أَفْظَعُ مِنْهَا، وَلا أَكْرَهُ إِلَيَّ، فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ مَخْرَجٍ؟ خُرُوجُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنَ السِّجْنِ وَأَصْحَابِهِ، وَكِتَابُ صَاحِبِ الرُّومِ يَتَهَدَّدُنِي، وَجَمْعُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ أَهْلَ الْعِرَاقِ حِيلَةً، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: لا يُهَوِّلَنَّكَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَأَمَّا خُرُوجُ مُحَمَّدٍ، فَابْعَثْ فِي أَثَرِهِ الْخُيُولَ الْمُضْمَرَةِ فِي كُلِّ طَرِيقٍ نَهْجٍ وَغَامِضٍ لا يُسْلَكُ تُؤْتَ بِهِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الرُّومِ، فَأَرْسِلْ إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ يَكُفَّ عَنْكَ، وَأَمَّا خَبَرُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمَا جَمَعَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَهُوَ الْجَلِيلُ الْفَظِيعُ، لَمْ يَأْتِكَ مِثْلُهُ قَطُّ، فَاجْمَعْ لَهُ جُمُوعَكَ ثُمَّ ارْمِهِ بِهِمْ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَيْهِمِ، فَبَعَثَ خَلْفَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ رَجُلا مِنْ خَثْعَمٍ، يُقَالُ لَهُ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، فَأَدْرَكَهُ فِي غَارٍ دُلَّ عَلَيْهِ، فَأُتِيَ بِهِ وَبِعَلْقَمَةَ بْنِ عُدَيْسٍ الْبَلَوِيِّ، قَاتِلِ عُثْمَانَ، فَقَتَلَهُمَا، وَأَهْدَى إِلَى صَاحِبِ الرُّومِ هَدِيَّةً، فَكَفَّ عَنْهُ، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَالِبِ، فَجَمَعَ لَهُ قَضَّهُ وَقَضِيضَهُ مِنْ جِمُوعِهِ وَخَرَجَ إِلَيْهِ "
следующие страницы →