← Тараджим

Тараджим · id 285

المداخل إلى آثار شيخ الإسلام ابن تيمية

بكر أبو زيد

Полный текст (97 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

آثَارُ شَيْخِ الإِسْلامِ ابْنِ تَيميَّةَ وَمَا لَحِقَهَا مِن أَعْمَال (١) الَمَدَاخِلُ إلَى آثَارُ شَيْخِ الإِسْلامِ ابْنِ تَيميَّةَ وَمَا لَحِقَهَا مِن أَعْمَال تَأْلِيف: بَكْر بن عَبْدِ الله أبو زَيْد (رَئيس المَجْمَع) دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: فيسر مجمع الفقه الإسلامي بجدة المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي أن تكون طباعة هذه الأعلاق النفيسة من آثار هذا الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في سلسلة مطبوعاته؛ لأن ما فيها من العلم والتحقيق يلتقي مع أهداف المجمع الذي أسس من أجلها، ويبدي الشكر خالصًا لسعادة الشيخ سليمان بن عبد العزيز الراجحي على مبادرته الثمينة في الموافقة على تمويل هذا المشروع -أجزل الله له الأجر والثواب-. أمين المجمع - رئيس المجمع

стр. 3

- أ - مقدمة الطبعة الثانية لمشروع آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذه الطبعة الثانية للمشروع المبارك "آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال ١ - ٨" نخرجها بعد مضيّ بضع سنوات على صدور طبعته الأولى، وقد لقي المشروع - بفضل الله تعالى - قبولًا واسعًا وثناءً حميدًا، ونَفِدَت نسخُه في نحو شهر واحد، واشتد الطلب عليه جدًّا، لكن تأنينا في طباعته أَمَلًا في المزيد من التصحيح والتنقيح، وقد حصل ولله الحمد والمنة. فمما أُضيف إلى "المداخل": (المدخل الثالث: أمثلة من أقواله السائرة)، وبعض الإضافات اليسيرة، وصححنا جملة من الأخطاء المطبعية ونحوها. أما بقية الكُتب فقد صُحِّحت وروجعت كما هو مشروح في مقدماتها، والحمد لله رب العالمين. بكر بن عبد الله أبو زيد ١٦/ ٤/ ١٤٢٧ هـ

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى صحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يومِ الدِّين. أمَّا بَعْدُ: فأقول أَنا الفقيرُ إِلى عفو الله/ بكر بن عبد الله أَبو زيد آل غيهب القضاعي، ستر الله عيوبه، وغفر له ذنوبه: لقد بعثني باعث الوفاء لدين الله نشرًا له وذبًّا عنه، على وَصْلِ جهود المصلحين في نشرِ الآثارِ الغَرَّاء لمن أُلقِيَتْ إِليه مقاليد العُلوم الإسلامية والآلية شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وكَفَى باسمه غُنية عن الإشادة بذكره -سَقى الله عَهْدَه- وذلك في إِنشاء هذا المشروع العلمي المبارك: "آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال" أَعظم مُجدِّد للملة الحنيفية بعد القرون المفضلة الزكية، التي تنتهي على رأس المائة الثالثة للهجرة النبوية؛ إِذْ كان سيفًا ماضيًا، وشهابًا ثاقبًا على كل ما يُخالف دين الله وشريعته، فخضد شوكة الوثنية بعد استشرائها، واكتسح الأهواء المضلة كَفِرَقِ سُبَّاب الصحابة بعد انتشارها، ومضى إلى الملل الكفرية كالنصرانية فَدَكَّ عُروشها، وَهَدَمَ بمِعْوَلِ تَبَخُّرِهِ شُبَه المبتدعة وأزالها، وقارع متعصبة المقلدة وإلى الدَليل رَدَّها، وبعد دعوة الأمة إِلى التخلِّي عن هذه العِمايات والتحذير منها، أَخذَ يُشَيِّدُ فيها صَرْح التحفي بأحكام الملة الإسلامية ونشر لوائها.

стр. 5

وإلى ما ذُكِر أَشار تلميذه الحافظ ابن القيم -رحمه الله تعالى- في "النونية" فقال في وصف شيخه: وله المقامات الشهيرة في الورى ... قد قامها لله غير جبان نصر الإله ودينَه وكتابَه ... ورسولَه بالسيف والبرهان أَبدى فضائحهم وبيَّن جهلَهم ... وأَرى تناقضهم بكل زمان وأَصارهم والله تحت نوال أَهـ ... ـل الحق بعد ملابس التيجان وأَصارهم تحت الحضيض وطالما ... كانوا هم الأعلام للبلدان ومن العجائب أَنه بسلاحهم ... أَرداهمُ تحت الحضيض الدانِ كانت نواصينا بأيَديهم فَمَا ... مِنَّا لهم إِلا أَسير عانِ فغدت نواصيهم بأَيدينا فلا ... يلقوننا إِلا بحبل أَمان ولهذا حُكي عن أبي عبد الله محمد بن قوَّام كما في: "الذيل لابن رجب: ٢/ ٣٩٣" مقولته: "ما أسْلَمت معارفُنا إلا على يد ابن تيمية" انتهى. وهذه تصلح سلفًا لما شاع في عصرنا من قولهم: "أسلمة العلوم". وهذا يذكِّرنا بالمقام المحمود لأبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ في حق أخيه في الصحبة والإسلام معاذ بن جبل ﵁ إذ كان في مجلس عُطِّر بذكر معاذ، فقال ابن مسعود: "إنّ معاذًا كان أمة قانتًا لله حنيفًا" فقال بعضهم الآية: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ فقال: "إنّ الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع، وإن معاذًا كان كذلك "كما في "السير: ١/ ٤٥١" للذهبي.

стр. 6

ورحم الله الأستاذ محمد كُرْد علي المتوفى سنة ١٣٧٢ إِذْ قال في ترجمته من: "كنوز الأجداد. ص/ ٣٥٠": "لو عمَّت دعوة ابن تيمية - ولدعوته ما يماثلها في المذاهب الإسلامية ولكنها عنده كانت حارة وعند غيره فاترة- لَسَلِمَ هذا الدِّين من تخريف المخرِّفين على الدهر، وَلَمَا سمعنا أحدًا في الديار الإسلامية يدعو لغير الله، ولا ضريحًا تُشدُّ إليه الرِّحال بما يخالف الشرع، ولا يُعتقد بالكرامات على ما ينكره دين، أتى للتوحيد لا للشرك، ولسلامة العقول لا للخبال والخيال. كان ابن تيمية في النصف الثاني من عمره سراجًا وهَّاجًا، أطفأ بعلمه وعمله شهرة أرباب المظاهر من القضاة والعلماء، وكان الصَّدْر المُقَدَّم كُلَّما دخل في موضوع ديني أو سياسي ... " انتهى. إذًا فكيف يطيب لأهل العلم أَن لا يصلوا جهود المصلحين في نشر آثار هذا الإمام وإِخراجها بيانًا للناس، وقد فعلوا، ولا أَعلم عالمًا في الإِسلام حظي بترجمته، ونشر آثاره، ودراسة اختياراته العلمية مثل ما حظي به هذا الإمام. وما هذا المشروع إِلا لبنة في تشييد هذا الصرح الكبير. ولئن كان لكل كتاب أو مشروع علمي مدخل، فإن هذا العمل له مداخل رأيت أن أُصدِّره بها:

стр. 7

المدخل الأول موضوع هذا المشروع يشمل موضوع هذا المشروع: آثار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- من كتبه ورسائله وفتاويه، وما لحقها من أَعمال من المختصرات والاختيارات ونحوها، وسيرته العطرة. وينحصر هذا الموضوع في أَربعة أَقسام: القسم الأول: طَبعْ ما لم يسبق طبعه: من نِعَمِ الله علينا وعلى الناس أَجمعين، انتشار فهارس مكتبات العالم حتى جمع منها عدد كبير في نحو مائة وأَربعين مجلدًا، ثم سهولة الاتصالات لاسيما عبر الشبكات وتبادل المعلومات ومراكز البحث والدراسات، فمن خِلالها وغيرها من الوسائل كسهولة السفر من بلد إِلى آخر، ظهر من آثار الأسلاف ما تقر به عيون أَهل العلم وتبتهج به نفوسهم. وكان منها أَن تم الوقوف في مطاوي الفهارس ومراسلة الخازنين على خبر كثير من كتب ورسائل وفتاوى هذا الإِمام وما لحقها من أَعمال مما لم يُنشر من قبل. ومن آثار ذلك اشتغال عدد من الباحثين والمحققين بها. فهذا هو القسم الأُم من هذا المشروع، وهو الجوهرة المفقودة

стр. 8

والدرة المنشودة من هذا العِقد الثمين. القسم الثاني: تحقيق بعض ما سبق طبعه: منذ مائة وخمسين عامًا تقريبًا بدأت طباعة آثار شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- من أُمَّهات كُتبه، ومجاميع رسائله وفتاويه، فانتشرت بين المسلمين، وتنافس الناس في طبعها ونشرها، وكان منها مَا قُرِّرَ درسه في المساجد وفي دور العلم ويتدارسه الناس في المجالس حتى إِن بعض رسائله لا تُحصى طبعاتها؛ لأن آثاره من الخير المبذول للمسلمين، مثل: "العقيدة الواسطية" وما لحقها في عصرنا من الشروح والتعليقات. لكن منها ما طبع وفيه أغاليط طباعية غير قليلة، ومنها ما طُبع على نسخة ناقصة ومنها ما طبع على الراقمة في رسائل جامعية على نسخة فريدة ناقصة، مثل: "نقض التأسيس" وقد تم الوقوف على نسخة مكملة لما فيها من نقص -بحمد الله تعالى- وهكذا. القسم الثالث: ما لحقها من أعمال: اشتغل أَهل العلم قديمًا وحديثًا بآثار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- بمؤلفات مفردة على الوجوه الآتية: ١ - الاختصار والانتقاء والتهذيب، كما لتلميذه ابن عبد الهادي، وتلميذه الذهبي، وغيرهما مثل: البعلي، والسيوطي، وغيرهما، ومنها ما لم يُعرف اسم مختصِره كما في مختصر الرد على الإخنائي. وقد ذكر ابن قاسم -رحمه الله تعالى- في مقدمة "مجموع

стр. 9

الفتاوى": أنه فتش عن مختصراتها وأدخل بعضها في مجموعه. ٢ - اختياراته -رحمه الله تعالى-: أفردها بالتأليف: تلميذه ابن عبد الهادي، والبرهان ابن القيم، وابن اللحام البعلي، وذكر جملة منها في ترجمته: تلميذه ابن عبد الهادي في: "العقود الدرية"، وابن رجب في: "الذيل"، والعليمي في: "المنهج الأحمد" وابن العماد في: "شذرات الذهب" والنواب صديق في: "التاج المكلل". وللشيخ سليمان بن سحمان نظم لبعضها من أول الطهارة إلى باب الصداق، وله نظم آخر لتسع عشرة مسألة انفرد بها شيخ الإسلام كما في: "ملتقى الأنهار من منتقى الأشعار" لابنه الشيخ صالح -رحمهما الله تعالى-. وقال تلميذه الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- في: "تاريخه: ١٤/ ٦٩": "وله اختيارات كثيرة مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف" انتهى. ٣ - الشرح والتعليق: منها: "العَلَم الهَيِّب شرح الكلم الطيب" للبدر العيني، و"اللآلئ البهية شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية" لأحمد بن عبد الله المرداوي، وذَكَر أن هذه اللامية منسوبة لابن تيمية، وهي في ستة عشر بيتًا؟ و"الدرة البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية" لابن سعدي. وشروح متعددة في عصرنا لكتابه: "العقيدة الواسطية" وغيرها. وإنما غابت أنظار العلماء عن الشرح لكتبه؛ لأنها ليست مؤلفة

стр. 10

على المتون كطريقة الماتنين من أَهل العلم؛ ولهذا لما كان كتابه: "الكلم الطيب" كالمتن تناوله العيني بالشرح، ولما كانت: "الواسطية" كذلك تناولها المعاصرون لنا بالشرح. ٤ - الجمع الموضوعي: مثل جمع تلميذه ابن عبد الهادي للأحاديث الضعيفة التي في: "منهاج السنة"، وجمع محمد بن قاسم لمناقب أبي بكر وعمر ﵄ كذلك، وجَمَع آخرون تفسيره من كتبه المطبوعة. ٥ - دراسة اجتهاداته في الفقه وغيره، وهذه سمة بارزة في كتابات المعاصرين. القسم الرابع: سيرته المباركة: إن سيرة هذا الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- تستفاد من خمسة مصادر هي: المصدر الأَول: كتب التراجم والسير العامة، وقد كفانا كتاب: "الجامع" من هذا المشروع المبارك، وقد حوى خمسًا وسبعين ترجمة من كتب التراجم العامة مخطوطها ومطبوعها. المصدر الثاني: الكتب المفردة في ترجمته، وهي خمسة عشر كتابًا حتى نهاية عام ١٣٠٠، كما في مقدمة "الجامع". وكما كانت ترجمته لتلميذه ابن عبد الهادي في كتابه: "مختصر طبقات علماء الحديث" هي أَوْفى التراجم، فإِن كتابه المفرد: "العقود الدرية ... " ترجع إليه الكتب المفردة الأخرى، وأَرى إعادة تحقيق وطبع: "العقود الدرية ... " ويضم إِليه ما زاد عليه من كتب التراجم

стр. 11

المفردة المذكورة تحشية في محلها المناسب من هذا الكتاب، حتى يغني عنها، وهو في دور الأعداد من المشتغلين بهذا المشروع. المصدر الثالث: التقاط ترجمته الذاتية من خلال مؤلفاته، وقد انتدب لهذا العمل بعض أفاضل طلبة العلم، وهو في دور الترتيب بعد الاستقراء والجمع. المصدر الرابع: تتبع ترجمته من كتب تلاميذه أَمثال ابن القيم، وابن عبد الهادي، وابن مفلح، والصفدي، وابن الوردي، وغيرهم. المصدر الخامس: تتبع ترجمته من خلال تراجم أَنصاره وخصومه من تاريخ ولادته سنة ٦٦١ إِلى تاريخ وفاته سنة ٧٢٨؛ بل إلى نهاية القرن الثامن. وهذان المصدران -الرابع والخامس- بحاجة إلى من ينشط لاستخراجهما. وبعد تكامل هذه المصادر الخمسة، سوف يُصاغ من مجموعها -بمشيئة الله تعالى- سيرة واحدة موثقة متسلسلة المعلومات، مستوعبة لجميع ما في هذه المصادر باسم: "السيرة الجامعة لشيخ الإِسلام ابن تيمية" -رحمه الله تعالى- وما ذلك على الله بعزيز. * * *

стр. 12

المدخل الثاني عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى - هو شيخ الإسلام، الإمام الحجة، المجدد للمحجة، وارث علم النبوة، الناصر للسنة، القامع للبدعة، المجتهد المطلق، الشهير بشيخ الإِسلام، وبابن تيمية، وبهما، وبإِمام الدنيا في زمانه، أَحد أذكياء العالم وأَفراده في الحفظ والعلم والعمل، المُحَلَّى قبل بلوغه الثلاثين من عمره بما يبلغ الصفحات بجميل الأوصاف في علمه وعمله واجتهاده، وتجديده وجهاده، وإِيمانه وصبره، وتألهه، وزهده، وورعه، وشجاعته، وكرمه، وأَمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وتعظيمه لحرمات الله، الملقب بتقي الدِّين، والمكنى بأبي العباس، أحمد ابن الشيخ الإمام المفتي شهاب الدِّين أَبي المحاسن عبد الحليم، ابن الشيخ الإمام شيخ الإِسلام مجد الدين أَبي البركات عبد السلام ابن أَبي محمد عبد الله بن أَبي القاسم الخضر بن محمد بن تيمية بن الخضر بن علي بن عبد الله، النُّمَيْري نسبًا، الحَرَّاني مولدًا، ثم الدمشقي منشأ ومدفنًا، الحنبلي مذهبًا، ثم المجتهد آخرًا، المشتهر بابن تيمية المجدد. المولود في يوم الاثنين ١٠ ربيع الأول ٦٦١، المتوفى في ليلة الاثنين ٢٠ ذي القعدة ٧٢٨، عن سبعة وستين عامًا وثمانية أَشهر وعشرة أَيام -رحمة الله تعالى عليه-. وقد ترجمه كثيرون تبعًا وإفرادًا، ومن النظر فيها تتبيّن الأُمور الآتية:

стр. 13

الأمر الأول: الوقوف على المعلومات الجامدة ، التي تُساق لأي مُتَرْجَم، وإِن تفاوت المترجِمون فيها، كُلٌ حسب ما وهبه الله له. ومما يحسن ذكره هنا: ١ - أن سياق نسبه ثمانية آباء هي من سياق تلميذه ابن عبد الهادي دون غيره. ٢ - نسبته النميري من إفادات تلميذ تلامذته ابن ناصر الدِّين (٨٤٢)، وتابعه عليها العدوي في: "الزيارات"، بل هذه النسبة منصوص عليها في بعض رسائل الشيخ المخطوطة على طرر النسخ وقد ذكر الشيخ ابن قاسم في مقدمة "النقض" رسالتين رآهما في الظاهرية كذلك ص ٣٥ حاشية ١، وهي نسبة إلى بني نمير، وهم بطن من عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن العدنانية، وذكر القلقشندي في "نهاية الأرب. ص/ ٤٣٣" نقلًا عن ابن خلدون: أن منازل بني نمير في الجزيرة الفراتية والشام، فشيخ الإسلام إذًا عربي صريح نسبًا ولسانًا. ٣ - و"تيمية" لقب لجده محمد، وهو الخامس من آبائه، وفي تعليلها قولان مشهوران، وكان -رحمه الله تعالى- يستفتح بعض رسائله بقوله: "من أحمد بن تيمية"، ويذيل بعضها بقوله: "كتبه ابن تيمية" واشتهر بها دون أَهل بيته، وفي الشعر قول العباس بن الأحنف: كنت مثل الكتاب أخفاه طي ... فاستدلوا عليه بالعنوان ٤ - و"الحراني" نسبة إلى بلدة مشهورة في الجزيرة بين الشام

стр. 14

والعراق، ليست هي التي بقرب دمشق ولا التي في تركيا، ولا التي بقرب حلب. ٥ - ونَعْتُهُ -رحمه الله تعالى-: كان أبيض البشرة، أسود الرأس واللحية قليل شيب اللحية، شعر رأسه إلى شحمة أُذنيه، رَبْعَة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، أبيض العينين، جَهْوَرِيَّ الصوت، فصيحًا، سريع القراءة، تعتريه حدة ثم يقهرها بحلم وصفح، كأَنّ عينيه لسانان ناطقان، إِذا أَخذ يتكلم ازدحمت العبارة في فمه. ٦ - لم يرِث العلم عن كَلَالَةٍ، وإِنّما نشأَ في بيت برز أهله في حلائب العلم، منهم أَبوه الشهاب وجده المجد. ويكفي في وصف جَدِّه قول ابن مالك النحوي صاحب الألفية -رحمه الله تعالى-: "أُلِيْنَ للمجد الفقه كما أُلين لداود الحديد". وأما أبوه الشهاب فهو شيخ حران وحاكمها وخطيبها ومفتيها الفارق بين الفرق فيها. ٧ - والدته: الشيخة الصالحة ست النِّعم بنت عبد الرحمن بن علي ابن عبدوس الحرّانية المتوفاة بدمشق سنة ٧١٦. وقد ولد لها تسعة ذكور، ولم تُرزق بنتًا قطّ، منهم ثلاثة أَشقّاء شيخ الإسلام وهو أَكبرهم، وزين الدِّين عبد الرحمن، وشرف الدِّين عبد الله، ومن إخوته لأُمِّه بدر الدِّين قاسم بن محمد بن خالد المتوفى بدمشق سنة ٧١٧. ٨ - تفرع آل تيمية إلى دوحتين: آل عبد الله، وآل محمد، وشيخ الإسلام من آل عبد الله، وقد أحصيت مُشَجَّرَهم في: "المدخل

стр. 15

المفصّل ١/ ٥٣٢ - ٥٣٦" وبينت وجود آل تيمية إِلى أَواخر القرن الثالث عشر الهجري. ٩ - تُجْمِع التراجم على أَن الشيخ هاجر مع والده وأَهل بيته من حران إِلى دمشق أَثناء سنة ٦٦٧ والشيخ في السابعة من عمره، وذلك بسبب جور التتار. ١٠ - نشأ -رحمه الله تعالى- في تصوُّن تام وعفاف وتألُّه واقتصاد في المأكل والملبس، بَرًّا بوالديه تقيًّا ورعًا عابدًا ناسكًا صَوَّامًا قَوَّامًا. ١١ - أَخذ عن أَكثر من مائتي شيخ، كلهم دماشقة، وجُلُّهم حنابلة، وكان أَول سماعه من ابن عبد الدايم بدمشق، وهو في السابعة من عمره، ومجموع من سُمي منهم ستة وثلاثون شيخًا -فيما وقع لي-. ١٢ - أَوائل في حياته تدل على النبوغ المبكر: * حفظ القرآن وهو في الصِّغر، في سِنِّ تعلم الخط والحساب وهو في الكتاب. * أَتقن العلوم من التفسير والحديث والفقه والأُصول والعربية والتاريخ والجبر والمقابلة والمنطق والهيئة وعلم أَهل الكتابين، والملل الأُخرى، وعلم أَهل البدع، وغيرها في سِنٍّ مُبَكِّر، حتى أَنّه حذق العربية في أَيام، وفهم كتاب سيبويه في أَيام، وفي الحديث سَمِع "المسند" مرات وما ضُبطت عليه لحنة متفق عليها، وكان إِقباله على التفسير إِقبالًا كليًّا منقطع النظير.

стр. 16

وحقًّا إن التسلح بالعلم هو كما قال الباجي -رحمه الله تعالى- في وصيته لولديه: "والعلم ولاية لا يُعزل صاحبها، ولا يَعرى من جمالها لابسها". * نَاظَرَ واستدل وهو دون البلوغ. * أَفتى في سن السابعة عشرة من عمره أَي سنة ٦٧٧. * دَرَّس في الحادية والعشرين من عمره أَي سنة ٦٨١ بعد موت أَبيه في المدرسة السكرية، وتولى مشيختها يوم الاثنين ٢/ محرم/ ٦٨٣. * بدأ درس التفسير بالجامع الأموي في ١٠/ صفر/ ٦٩١ أَي وهو ابن ثلاثين سنة، واستمر سنين طويلة. * حَجَّ مرة واحدة سنة ٦٩٢ أَي وعمره ٣١ سنة، وبعد عودته من الحجِّ آلت إِليه الإمامة في العلم والدِّين. * نشر العلم في: دمشق، ومصر: في القاهرة، والإِسكندرية، وفي سجونها، وفي طريقه إلى مصر مَرَّ بغَزَّة، وعقد في جامعها مجلسًا علميًّا عظيمًا، فكان يومًا مشهَودًا. * درس بالمدرسة الحنبلية في يوم الأربعاء ١٧/ شعبان/ ٦٩٥. * أول رحلاته إلى مصر في القاهرة والإسكندرية مرتان سنة ٧٠٠، ثم عاد إلى دمشق، ثم رجع إلى مصر سنة ٧٠٥، وكانت إقامته بها نحو سبع سنين وسبع جمع، أي إلى سنة ٧١٢ متنقلًا في جلها بين سجون القاهرة والإسكندرية.

стр. 17

* بدأ في التأليف وهو ابن سبع عشرة سنة. وهكذا من البدايات المبكرة، الدالة على نبوغه وتأهُّله للاجتهاد والتجديد والإمامة في العلم والدين. الأمر الثاني: الوقوف على مواطن القوة في ترجمته: في كتاب القدر من "صحيح مسلم" أن النبي ﷺ قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن". ومن نظر في ترجمة شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- وجد أن الله -سبحانه- قد منحه أسباب القوة التي تُبْنَى عليها قُبَّةُ النصر وهي: - الثبات، واللهج بذكر الله -تعالى-، وطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ والاتفاق مع أنصار الإسلام والسنة، والصبر، وقد قال الله - تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦]. ومن مظاهر القوة في شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: - ما رزقه الله من قوة البدن واعتداله، وقوة الأداء في صوته، فقد كان جَهْوريًّا، يستولي على قلوب سامعيه، وكان الناس يتعجبون من تأثير تكبيره في الصلاة على سامعيه كما ذكره تلميذه البزار في: "الأعلام العلية"، وكان يؤم الناس لصلاة التراويح فَيَعْلُوه عند القراءة خشوع ورِقَّة حاشية تأخذ بمجامع القلوب كما قاله تلميذه ابن الوردي في: "تتمة المختصر" وقال تلميذه الذهبي: "ويصلي

стр. 18

بالناس صلاة لا يكون أطول من ركوعها وسجودها" انتهى من: "الذيل" لابن رجب. - قوة الحفظ فقد بَهَرَ الفضلاء بذلك، وقَلَّما حفظ شيئًا فنسيه، وقد كان يحفظ "المحلى" لابن حزم ويستظهره، وكان أول محفوظاته في الحديث: "الجمع بين الصحيحين" للحميدي، وقَلَّ من يحفظ ما يحفظه من الحديث معزوًّا، مع شدة استحضاره له وقت الحاجة إلى الدليل. قال جمال الدين السُّرمري في "أماليه": "ومن عجائب ما وقع في الحفظ من أهل زماننا: أن ابن تيمية كان يمرُّ بالكتاب مطالعةً مرةً فينتقش في ذهنه وينقله في مصنفاته بلفظه ومعناه" كما في "الدرر الكامنة" لابن حجر. - قوته في فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وسرعة إِدراكه؛ ولهذا قيل عنه: "كأن عَيْنيه لسانان ناطقان". - تواريخ لها مدلولاتها على قوته ونبوغه المبكر. * ناظر وهو دون البلوغ، وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره، فيتكلم ويناظر ويُفْحِم الكبار ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم، ولا يعرف أنه ناظر أحدًا انقطع معه. * أفتى في سن السابعة عشرة من عمره، أي سنة ٦٧٧، وكان الشرف أحمد بن نعمة المقدسي الحنبلي المتوفى سنة ٦٩٤ هو الذي أذن له بالفتيا وكان يفتخر بذلك. * بدأ التأليف وهو في سن السابعة عشرة من عمره أي سنة ٦٧٧.

стр. 19

* دَرَّس وهو في الحادية والعشرين من عمره، أي سنة ٦٨١. وكان أول دروسه بعد وفاة أبيه في مدرسة الحديث السكرية، وتولى مشيختها في يوم الاثنين ٢/ محرم/ ٦٨٣. * بدأ درس التفسير في ١٠/ صفر/ ٦٩١ أي وعمره ثلاثون سنة، واستمر مدة سنين متطاولة وقد انعقدت له الإمامة في التفسير وعلوم القرآن الكريم، وقد أَقبل عليه إِقبالًا كليًّا حتى حاز فيه قصب السبق، ويقال: إنه وضع تفسيرًا مطولًا أتى فيه بالغريب العجيب. - قوته في الطلب والتلقي والأخذ عن الشيوخ، حتى دار في دمشق على أكثر من مائتي شيخ. - قوته في البحث والقراءة والمطالعة، فلا تكاد نفسه تشبع من العلم، ولا تروى من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال، ولا تكل من البحث. - قوته في ضبط النفس والسيطرة عليها من ملاذ الدنيا، فلا لذة له أكبر من نشر العلم وتدوينه والعمل به، والدعوة إلى إقامة دين الله والوقوف أمام المفسدين في الأرض على اختلاف انحرافاتهم وفسقهم وفجورهم. ولهذه القوة العلمية والعملية عند شيخ الإسلام مظاهر: * رفضه للأُعطيات. * قناعته بما له من المعلوم الذي يسدُّ حاجته على يد أخيه الشرف، وهو القائم بشؤونه ومصالحه.

стр. 20

ما تزوج ولا تسرَّى قط لا رغبة عن هذه السنة، ولكنه مثقل الظهر بهموم العلم والدعوة والجهاد. - قوته في مواقفه الجهادية، والمغازي الإسلامية، وكسر شوكة الملاحدة والباطنية، كما في وقعة شقحب- قرية قبلة دمشق ٣٧ كيلًا، والكسروان، وموقفه مع "قازان"، حتى وصفت شجاعته بأنّها "خالدية". - قوته في حياته الجادة التي لا تعرف الهزل، فضلًا عن سافل الأخلاق من الغيبة والنميمة، فقد كان -رحمه الله تعالى- في غاية التنزه عنها، وما عرفت له عشرة في شيء من ذلك، وكانت مجالسه عامرة بالخير لا يجرؤ المغتابون على غشيانها. - قوته في مواقفه مع الولاة، في النصح والأمر والنهي. - قوته في تعبده، وتألهه، ومداومة الذكر، والأوراد، لا يشغله عن هذا شاغل ولا يصرفه صارف. فأين من يظهر القوة في الحق وإذا حضرت العبادات تثاقلت أعضاؤه، وأصيب بالخمول، على حد ما ذكره الإِمام الشافعي ﵀ تعالي- من العجائب التي شهدها وَعَدَّ منها: أنه رأى مغنيًا بالمدينة يُعَلِّم الجواري الغناء وعمره "٩٠" عامًا وهو قائم فإذا حضر وقت الصلاة، صلى وهو جالس -نعوذ بالله من الحرمان-. - قوته في تفجير دلالات النصوص، وشق الأنهار منها، واستخراج كنوزها، وهذه وحدها تعطي طالب العلم دفعة إِلى إدامة النظر في كتبه وقراءتها مرة بعد أخرى.

стр. 21

-قوته في التأليف: بدأ -رحمه الله تعالى- التأليف وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان من أفراد الدهر في كثرة تآليفه، فلا يُعْلم في الإِسلام من صنَّف نحو ما صنف ولا قريبًا منه إلا أفرادًا قليلين، وقد قدرت مؤلفاته بخمسمائة مجلد، وبأربعة آلاف كراس أو أكثر، وقد بلغ ما يكتبه في اليوم والليلة أربع كراريس وكان يكتب جُلَّ مؤلفاته من حفظه، وكان ذا قلم سريع الكتابة إذا رقم "يكاد يسابق البرق إذا لمع" لكن كان خطه في غاية التعليق والإِغلاق. وكانت مؤلفاته في غاية الإبداع وقوة الحجاج وحسن التصنيف والترتيب، غير مشوبة بكَدَرٍ، بل خالصة من الشَّبه والشُّبه، وكثير منها لم يبيض له نسخَة أخرى، وله في غير مسألة مصنف مفردٌ أو أكثر. ومن مؤلفاته ما ألفه في قَعْدة، مثل: "الحموية" ألفها بين الظهرين سنة ٦٩٨ وعمره سبع وثلاثون سنة، وألَّف لأهل الآفاق عدة كتب، تَلْبيةً لطلبهم، منها: لأهل واسط: العقيدة الواسطية، والحموية لأهل حماة، والمراكشية لأهل مراكش، والتدمرية لأهل تدمر، وهكذا. وأَلَّف بعض كتبه وهو في السجن، منها: في السجن بمصر: "الرد على البكري"، وألَّف "منهاج السنة النبوية" وهو في مصر، وأَلَّف ما لا يُحصى في السجن بالقلعة بدمشق، منها "الرد على الإخنائي". وقد جرت له بسبب بعض مؤلفاته وفتاويه محن من السجن، والنيل من العرض بغير حق، كما جرى له بسبب "الحموية"، و"الواسطية"، وبسبب فتواه في الطلاق بالثلاث، وبالحلف بالطلاق،

стр. 22

وفتوى الزيارة وشد الرحال، وغيرها. هذا مع ما "حصل له في بعض سَجَنَاته من منع الدواة والقلم، وإِخراج ما عنده من الكتب والورق. والحاصل أن شيخ الإسلام قد جمع بين الحسنيين: القوة العلمية والقوة العملية فصار له بذلك قدم صدق في الإسلام وانتفعت به الأمة في حياته وبعد مماته وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ... وكأن ابن القيم -رحمه الله تعالى- لما تكلم عن فضل اجتماع هاتين القوتين في كتاب: "طريق الهجرتين ص ٢٣٣" قصد شيخ الإِسلام فقال: "فمن الناس من يكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها، وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه، ويكون ضعيفًا في القوة العملية يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها، ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا يتوقاها، فهو فقيه ما لم يحضر العمل، فإذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف، وفارقهم في العلم، وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم والمعصوم من عصمه الله ولا قوة إلا بالله، ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرادية، وتكون أغلب القوتين عليه، وتقتضي هذه القوة السير والسلوك والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، والجد والتشمير في العمل، ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد والانحرافات في الأعمال والأقوال والمقامات، كما كان الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات، فداء هذا من جهله، وداء الأول من فساد إرادته وضعف عقله، وهذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم؛ بل على طريق الذوق والوجد والعادة ... فمن كانت

стр. 23

له هاتان القوتان: استقام له سيره إلى الله ورجي له النفوذ، وقوي على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته، فإن القواطع كثيرة، شأنها شأن شديد، لا يخلص من حبائلها إلا الواحد بعد الواحد، ولولا القواطع والآفات لكان الطريق معمورة بالسالكين، ولو شاء الله لأزالها وذهب بها، ولكن الله يفعل ما يريد، والوقت كما قيل سيف فإن قطعته وإلا قطعك. فإذا كان السير ضعيفًا، والهمة ضعيفة، والعلم بالطريق ضعيفًا، والقواطع الخارجة والداخلة كثيرة شديدة، فإنه جهد البلاء ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء، إلا أن يتداركه الله برحمة منه من حيث لا يحتسب، فيأخذ بيده ويخلصه من أيدي القواطع والله ولي التوفيق" انتهى. الأمر الثالث: مواطن الضعف في سيرته حسب ميول الناظرين ؟!! * ضعفه في نظر عشاق المناصب والولايات، فقد عرضت عليه مناصب علمية فأباها منها: "رآسة القضاء" -قاضي القضاة- و"رئيس المشيخة"، وقال: يقوم بها غيري، أما نشر العلم وتصحيح الاعتقاد، ورد الناس إلى الله ورسوله فالناس أحوج ما يكونون إليه. فآلت ميزة خلَّدت ذكره في العالمين، وغاب أصحاب الولايات بأبهتهم بما لهم وما عليهم -مَنَّ الله على الجميع بعفوه ومغفرته-. * ضعفه في نظر طلاب المادة، عُشَّاق الأصفر الرَّنّان، فقد عُرِضَت عليه المُرَتَّبَات، والأعطيات، فأباها ولم يتدنس بشيء من ذلك؛ لأنه -رحمه الله تعالى- يعلم أنه إذا أخذت اليد، ضعفت مقاومة الباطل، واهتز موقف الناصح. فليعتبر من يقول: "أنا لها".

стр. 24

* ما تزوج -رحمه الله تعالى- ولا تسرى، وهذه لذة لا يفوِّتها عامة أهل الدنيا؛ ولهذا لم يعرف أنه يُتحدّث عنده في هذه الملاذ ونحوها؛ كما قال الأحنف بن قيس ﵁: "جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام إني أبغض الرجل يكون وصَّافًا لِفَرجه وبطنه" انتهى. وهذا خلق رفيع وشرف في النفس. الأمر الرابع: السَّبْق العلمي: وهذا من أبرز المزايا في حياة شيخ الإسلام العلمية والعملية، فكان له سَبْق التجديد في تحقيق التوحيد بعد طول غياب، وحماية جنابه، وحماية حماه بدقائق أصبحت نورًا يَقْتَدِي به المصلحون. وقابله الخصوم: بافتراآت على الشيخ من خلال دعاوي كاذبة، مثل: دعوى بغض النبي- ﷺ وأين الإِثبات!؟ ودعوى أنه يمنع زيارة القبور وإنما منع البدعية لا الشرعية. ودعوى أنه يمنع من زيارة قبر النبي- ﷺ -وإِنما منع شدَّ الرِّحال إِليه. ودعوى أَنّه يُوالي النصارى، وأَنَّى يكون ذلك وله "الجواب الصحيح لمن بدَّل دينَ المسيح"؟! وكانت هذه التهمة الباطلة أَلقى بها المغرضون في حياته فبين -رحمه الله تعالى- سببها كما في: "الفتاوى: ٢/ ١١٨" في رسالته: "حقيقة مذهب الاتحاديين". وسَبْق التجديد في الفقهيات وهي لا تُحصى كثرة، وقابلها الخصوم بأَنّه خرق الإِجماع، وقد نافح عنه العلامة برهان الدِّين إبرإهيم ابن تلميذ شيخ الإِسلام ابن قيم الجوزية في رسالة محررة نافعة باسم: "اختيارات شيخ الإِسلام ابن تيمية". وسَبْق التجديد في علوم المنطق والفلسفة، هدم من خلال

стр. 25

ردوده عليهم عددًا من أقوالهم وقواعدهم. الأمر الخامس: استجلاء العِبَر والدروس: يمكن استجلاء الآتي: ١ - ما نال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- منزلة الإِمامة في العلم والدِّين إلّا من آثار التقوى واليقين والصبر فى ذات الله تعالى على المكاره؛ ولهذا قال: "بالصبر واليقين تُنال الإِمامة في الدِّين". ٢ - من أعظم أسباب الفوز والنصر، الزهد في المناصب والولايات، والكف عن زخرفها، وكما كان شيخ الإسلام كذلك، فقد كان أئمة الإسلام على هذه الجادة منهم الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- ولهذا قيل في ترجمته: "أتته الدنيا فأباها، والولايات فقلاها". فمسكين من يتطلع إليها ويقول: أنا لها، ومغبون -والله- من دفع ثمنها مُقّدمًا بالتنازل عن شيء من دينه، والملاينة على حساب علمه ويقينه، وكُلُّ امرئ حسيب نفسه. ٣ - البذاذة من الإيمان، والاقتصاد في أُمور المعاش من وظائف أهل الإِسلام، وهكذا كان شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- مجتنبًا التَّرَفُّه في المعاش، وتطلب الملاذ، فما أحلاه من أدب. ٤ - إِنّها "العصامية لا العظامية". ليس الفتى من يقول كان أبي ... إن الفتى من يقول ها أنذا

стр. 26

فَسُحْقًا لعشاق: العصبية -الطبقية- الذين يتغنون بأَمجاد أَسلافهم وقد تسفلوا، ويستعلون على الناس بأهليهم وأذوائهم وقد تقذروا؛ ليُقال لهم: نعم الآباء ولكن بئس ما خلفوا، وإن افتخار المرء بوصف أَبيه، مثل افتخار الكوسج بلحية أخيه، أما من جمع بين الحسنيين، وفاز بالفضيلتين، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وهكذا كان شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- فلم يركن إلى الدنيا، وأخذ يتغنى بآبائه فيقول: والدي مفتي الحنابلة، وجدِّي المجد شيخ الإِسلام ... بل سلك جادة العلم والإِيمان حتى صار زينة لأهل الإِسلام. ٥ - لا تكاد نفسه تشبع من العلم، ولا تروى من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال به، ولا تكل من البحث فيه، وقل أن يدخل في علم إلا ويفتح له فيه؛ ولهذا قال الذهبي: "ما رأيته إلا ببطن كتاب". قال السخاوي في: "الجواهر والدرر: ١/ ١١٧" بسنده عن الشمس بن الديري قال: "سمعت علاء الدين البسطامي ببيت المقدس يقول: وقد سأله هل رأيت الشيخ تقي الدين بن تيمية؟ فقال: نعم، قلت: فكيف كانت صفته؟ فقال. هل رأيت قبة الصخرة؟ قلت: نعم، قال: كان كقبة الصخرة مُلِيء كُتبًا ولها لسان يَنْطِق" انتهى. هذا مع انصراف عن أُمور الدنيا انصرافًا كليًّا، إذْ ليس له من المعلوم إلا اليسير، وقد تكفّل أخوه شرف الدِّين بشؤونه. وهذا يفيد الدرس الآتي: وهو عدم اجتماع الضدِّين فكما أن:

стр. 27

حُبُّ الكتابِ وحبُّ ألحان الغنا ... في قلب عبد ليس يجتمعان فحب العلم وإشغال القلب والبدن بالمال وجمعه وتنميته، والمكاثرة فيه لا يجتمعان، فكلما منحت هذا من جهدك ووقتك ضاع من ذاك، فَلْنَبْكِ على حالنا؟. ٦ - ولما سافر -رحمه الله تعالى- إلى مصر سنة ٧٠٠ نزل عند عم تلميذه ابن فضل الله العمري، وكان سفره للحض على الجهاد، فَرُتِّبَ له مرتب، وأعطيات، فلم يقبل منها شيئًا. فهل يعتبر من ابتلوا بالتسول على مستوى رفيع، ويتنمر الواحد منهم على معارفه وإِخوانه، والرفعاء منهم يعلمون أنه في الظاهر: مطاع متبوع، وهو في الباطن عبد مطيع تابع ذليل. على أن الأرض لا تخلو من المتأسِّين بالصالحين، الذين تجردوا من هذه الحظوظ، ولم يتدنَّسوا بشيء منها. ٧ - دروس وعبر مما ناله -رحمه الله تعالى- من الأذايا في ذات الله -تعالى-: إِنّ عالمًا يفتح الله عليه بميراث علم النبوة، وينظر في واقع الحياة فيرى من ظلمات الإعراض عن الوحي والتنزيل ما الله به عليم: حلولية، اتحادية، طرقية بدعية، جهمية، معتزلة، أَشاعرة، مقلدة متعصبة، وكل يرى أن ما هو عليه هو الحق، ثم يأتي حامل الضياء، فيكاسر هؤلاء وهؤلاء، لاشك سيكون له خصوم وخصوم مما أدّى إلى سَجْنِه تارة، والترسيم عليه تارة، ومناظرته تارة، وإذايته بالمحن الأُخرى تارة أُخرى، وإِغراء السفهاء، وتسليط

стр. 28

الدهماء، وهكذا من صنوف الأذى، ومن كل ذلك قد نال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-. ومن نظر في سِيَر المُصلحين وما أُلِّفَ من كتبٍ مُفردةٍ في إِذايتهم مثل كتاب "المحن" لأبي العرب وغيره لم يرَ عالمًا لحقه من صنوف الأذايا من سجن وغيره مثل شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-. وحسبي هنا أن استقرئ وقائع سجنه والترسيم عليه: لما بلغ -رحمه الله تعالى- الثانية والثلاثين من عمره وبعد عودته من حجته، بدأ تعرضه -رحمه الله تعالى- لأخبئة السجون، وبلايا الاعتقال، والترسيم عليه: "الإِقامة الجبرية". خلال أَربعة وثلاثين عامًا، ابتداء من عام ٦٩٣ إِلى يوم وفاته في سجن القلعة بدمشق يوم الاثنين ٢٠ ذي القعدة ٧٢٨ وكان سجنه سبع مرات: أربع بمصر بالقاهرة وبالإسكندرية، وثلاث مرات بدمشق، وجميعها نحو خمس سنين وجميعها كذلك باستعداء السلطة عليه من خصومه الذين نابذ ما هم عليه من الانحراف في الاعتقاد والسلوك والتمذهب، عسى أَن يفتر عنهم، وأَن يُقصر لسانه وقلمه عَمَّا هُم عليه، لكنّه لا يرجِع. وهي مجملًا: السَّجْنَة الأولى: بدمشق بسبب واقعة عساف النصراني الذي سب النبي ﷺ وهي لمدة قليلة، وعلى أثرها ألف: "الصارم المسلول". السَّجْنَة الثانية: بمصر بسبب مسائل في الصفات، لمدة سنة

стр. 29

وستة شهور. السَّجْنَة الثالثة: بمصر بسبب مسألة الاستغاثة والتوسل، أيامًا قليلة. وفيها ألف: "الرد على البكري". السَّجْنَة الرابعة: بمصر وهي امتداد للثالثة، لمدة تزيد عن شهرين. السَّجْنَة الخامسة: بمصر وهي امتداد للرابعة، لمدة سبعة شهور وأيام. السَّجْنَة السادسة: بدمشق، بسبب مسألة الطلاق، لمدة خمسة شهور وثمانية وعشرين يومًا. السَّجْنة السابعة: بدمشق بسبب مسألة الزيارة، لعامين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا. وفيها أَلْف جملة من الكتب منها: "الرد على الإخنائي". وهذا بيان سجناته وأسبابها وآثارها مع شيء من التفصيل: السجنة الأولى: في دمشق عام ٦٩٣ لمدة قليلة، بسبب واقعة عسّاف النصراني، الذي شهِدَ عليه جماعة أَنّه سَبَّ النبي ﷺ فلما بلغ الخبر شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- اجتمع هو والشيخ زين الدِّين الفارقي شيخ دار الحديث، فدخلا على نائب السلطان بدمشق، عز الدِّين أَيبك الحموي فطلب النائب إِحضاره، فحضر عسّاف ومعه مجيره "أَمير آل على" فضربهما الناس بالحجارة؛ لهذا طلب النائب الشيخين: ابن تيمية والفارقي، فضربهما بين يديه، ورَسَّمَ عليهما بالعذراوية ثم استدعاهما النائب وأَرضاهما،

стр. 30

وادّعى النصراني الإسلام، ثم قُتِلَ في طريقه إِلى الحجاز، قتله ابن أخيه. وعلى إِثر هذه الواقعة أَلَّفَ شيخ الإسلام: "الصارم المسلول على شاتمِ الرسول" فانظر إلى آثار رحمة الله. ويُستفاد من هذا أَن المُحتسب إِذا نصح بأَمر، فلم يقبل منه، وناله في سبيله بعض الأذى فليحتمل ذلك بنفس رضيَّة، ولن يخلو قيامه بالحق من أَثر بإِحسان. وقد نفع الله أهل الإسلام بهذا الكتاب وكسر به المرجئة ونصر به السنة والحمد لله، وما أحوج المسلمين اليوم إلى مدارسة هذا الكتاب وتنفيذ العقوبات الصارمة لكل من يسب الله -عز شأنه- أو رسوله ﷺ أو الإِسلام وقد كثر ذلك -والعياذ بالله- في هذا العصر، وظهر بأشكال مختلفة، ولن يردع الفجار إِلا تنفيذ شرع الرحمن وذلك هو الإِيمان المأمور به، وهو النصر المشروط في قوله سبحانه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾. السَّجْنَة الثانية: في القاهرة لمدة عام وستة شهور من يوم الجمعة ٢٦ رمضان ٧٠٥ سُجن في برجٍ أَيامًا، ثم نُقِلَ إِلى الجُبِّ بقلعة الجبل ليلة العيد ١ شوال ٧٠٥ ومعه أخواه الشرف عبد الله والزين عبد الرحمن، واستمر إِلى يوم الجمعة ٢٣ ربيع الأول ٧٠٧. وكان خادمه وتلميذه إِبراهيم الغياني من المرافقين له في سفره هذا إلى مصر. وسببها: ما ذكره ابن كثير في حوادث سنة ٧٠٥ في المجلس الثالث فلينظر بطوله.

стр. 31

وهي بسبب مسألة العرش ومسألة الكلام ومسألة النزول، وفيها من المواقف البطولية، والصدق في ذات الله ما يملأ النفس بالإِيمان والجد في العمل. وكان مما جرى فيها أن أخاه الشرف، ابتهل، ودعا الله عليهم في حال خروجهم، فمنعه الشيخ وقال له: بل قل: "اللهم هب لهم نورًا يهتدون به إلى الحق". فلِلَّهِ ما أَعظمه من أَدب جمّ، وما أَعظمه من خُلُقٍ رفيع، وهضمٍ للنفسِ، وبحثٍ عن الحقِّ. وإِنّ هذه -وأَيم الله- فائدة تساوي رحلة، وأَين هذه من حالنا، إِذا نِيلَ مِن واحد مِنَّا غضِبَ وسخِطَ، وجلبَ أَنواع الدُّعاء على عدوِّه، فاللهم اجعل لنا ولمن آذانا فيك نورًا نهتدي به إِلى الحق. السَّجْنَة الثالثة: بمصر لمدة أَيام قليلة ابتداء من ٣ شوال ٧٠٧ بسبب استعداء السُّلطة عليه من المتصوفة بالقاهرة؛ لمنعه الاستغاثة والتوسل بالمخلوقين، وكلامه في ابن عربي الحاتمي الصوفي الملحد، فعقد له مجلس فاختلف الحضور بين براءته، وإدانته، وكان في طرف الإدانة القاضي البدر ابن جماعة. عندئذٍ خُيِّرَ بين أُمورٍ ثلاثة: العودة إِلى دمشق، أَو البقاء بالإسكندرية بشروط، أَو الحبس فاختار الحبس، فأَلحّ عليه جماعة من رفاقِه ليسير معهم إِلى دمشق ويقبل الشروط، فوافقهم فركب خيل البريد ليلة ١٨ شوال ٧٠٧. وبسببها أَلّف كتابه في الاستغاثة المعروف باسم: "الردّ على البكري".

стр. 32

السَّجنَة الرابعة: بمصر في قاعة الترسيم من آخر شهر شوال سنة ٧٠٧ إِلى أول سنة ٧٠٨ أَي لمدة تزيد عن شهرين. ذلك أَنّه لما اختار بعد السجنة الثالثة السفر إِلى دمشق بشروط، رَدُّوهُ من مثانِي الطريق يوم ليلة سفره ١٨ شوال ٧٠٧ بمشورة نصر المنبجي الحلولي، الذي له مكانة عند الوالي، فَعُرِضَ الشيخِ على قضاة المالكية، فاختلفوا، فلما رأى الشيخ ذلك قال: "أنا أمضي إِلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة" فعكفَ عليه الناس، زيارة، وتعلّمًا، واستفتاءً. وفيه حصلت له قصة مع رهبان النصارى الثلاثة، وقد ساقها تلميذه الغياني مع وقائع أُخرى في نحو عشر صفحات، فلتُنظر في الجامع: "ص/ ١٣٢ - ١٥٠". السّجنة الخامسة: الترسيم عليه بالإسكندرية في ١ ربيع الأول ٧٠٩ إلى ٨ شوال ٧٠٩ دون مرافق معه تحت نظر الولاية. وهذه مكيدة أخرى من نصر المنبجي، والجاشنكير، يتربصان من يغتاله، وفي هذه الحال جاء عنده بعد أيام شمس الدِّين بن سعد الدِّين الحراني، وأَخبره أنهم يسفرونه إِلى الإسكندرية وجاءت المشايخ التدامرة وأَخبروه بذلك، وقالوا له: كل هذا يعملونه حتى توافقهم، وهم عاملون على قتلك، أَو نفيك، أَو حبسك، فقال لهم: "أَنا إِن قتلت كانت لي شهادة، وإِن نفوني كانت لي هجرة، ولو نفوني إِلى قبرص دعوت أَهلها إِلى الله وأجابوني، وإِن حبسوني كان لي معبدًا، وأَنا مثل الغنمة كيفما تقلّبت، تقلّبت على صوف" فيئسوا منه وانصرفوا.

стр. 33

وما هي إِلا شهور ويتولى الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة ٧٠٩ فأفَرج عن الشيخ واستدعاه للقاهرة، وقتل الجاشنكير شَرَّ قِتْلة، وحَمَلَ نصرًا المنبجي ومات في زاويته. وأَراد الناصر أَن ينتقم من القضاة والفقهاء الذين كانوا يوالون الجاشنكير، فاستفتى شيخ الإِسلام ابن تيمية، ففهم الشيخ مقصوده، فشرع في مدحهم والثناء عليهم، وأَنّهم لو ماتوا لم تجد مثلهم في دولتك، أَما أَنا فهم في حل من جهتي. وكان القاضي ابن مخلوف المالكي يقول بعد ذلك: "ما رأينا أَتقى من ابن تيمية، لم نُبْق ممكنًا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا". عندئذٍ نزل الشيخ القاهرة، وسكن بالقرب من مشهد الحسين، والخلق على اختلاف طبقاتهم يترددون عليه، وهو يقول: "أنا أحللت كل من آذاني ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه". وحصل له من الإِجلال والتعظيم ما يطول وصفه، وبَسَطَه ابن كثير في سنوات ٧٠٩ - إلى سنة ٧١٢. واستمر إِلى أَن قدم دمشق صحبة السلطان لملاقاة التتر في ٨ شوال ٧١٢ أَي بعد غيبة في مصر دامت نحو سبع سنين، سُجِنَ ورُسِمَ عليه خلالها أَربع مرات، استغرقت نحو سنتين ونصف، وكان أَخواه معه حتى عاد إِلى دمشق. وحصل خلال إِقامته هذه بمصر خير كثير، ونشر للعلم عظيم، وفيها كانت جملة كبيرة من مؤلفاته منها: "منهاج السنة النبوية" و"الاستقامة" و"تلبيس الجهمية" و"الفتاوى المصرية" وغيرها مما

стр. 34

ذكره ابن رجب في ترجمته. السَّجْنَة السادسة: بدمشق لمدة خمسة أشهر وثمانية وعشرين يومًا، من يوم الخميس ١٢ رجب ٧٢٠ إلى يوم الاثنين ١٠ محرم ٧٢١ بسبب مسألة الحلف بالطلاق، وأَنتجت هذه مجموعة كبيرة من الكتب والفتاوى والردود الحافلة، منها: "الرد الكبير على من اعترض عليه في مسألة الحلف بالطلاق". السَّجْنَة السابعة وهي الأخيرة وفيها خاتمة حياته المباركة: بدمشق لمدة عامين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا، ابتداء من يوم الاثنين ٦ شعبان ٧٢٦ إلى ليلة وفاته -رحمه الله تعالى- ليلة الاثنين ٢٠ ذي القعدة ٧٢٨ بسبب مسألة الزيارة، وأنتجت تآليف كثيرة، منها: كتابه: "الرد على الإِخنائي". وفيها حصل له من الفتوح الربانية بالعلم، والعبادة، ما يبهر العقول، وصدر منه من الكتب والرسائل والفتاوى العجب العجاب، مع أنه في آخر وقته مُنِعَ القلم والدواة والكتب والرقاق. وهذه السياقات تفيد أن طريق الإِصلاح شاق وطويل، ومحفوف بالمخاطر، والأذايا، والمكاره، فلابد للدّاعي من الصبر والتحمل، ولكن ليس معنى هذا أن يشحن امرؤ نفسه بالمُشَاقَّة، وليس له رصيد من علم، ولا حصانة من إِخلاص ولا لسان صدق في الأُمة، ثم يقول: لي قدوة بشيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-!! فإِنّ هذا من التعرُّض للبلاء بما لا يُطاق، وله من المردودات السالبة على مسيرة الدعوة والعلم ما لا يخفى، والله لا يُضيع أَجر من أحسنَ عملًا.

стр. 35

ويذكِّرني في الوصية بالصبر في سبيل الدعوة: أنه لما تخرج فوج من الجامعة الإسلامية بمدينة النبي ﷺ بعد سنة ١٣٨٥ أعد حفل التخرج وكانت كلمة الأساتذة لشيخنا العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي المتوفى سنة ١٣٩٣ - رحمه الله تعالى- فأخذ في كلمته يوصي بتقوى الله والصبر على ما يلاقيه الدّاعي إلى الله من المشاق، وقال ما محصله: إن طريق الدعوة شاق وطويل، ومملوء بالشوك والحفر فتسلحوا بالإيمان والصبر والتحمل ... إلخ. فكانت وصية وقعت في القلوب موقعًا، ثم كان من الحضور الشيخ/ محمد محمود الصواف المتوفى سنة ١٤١٣ - رحمه الله تعالى- فعقب على ما ذكر، وقال ما محصله: إنّ طريق الدعوة سهل، ومفروش بالورود والرياحين، والعالم الإِسلامي يفتح ذراعيه لاستقبالكم ... إلخ. فَعَقَّب عليه الشيخ الأمين -رحمه الله تعالى- بقوله: إذا كان ما يقوله الصواف صحيحًا فليرجِع إلى مسقط رأسه العراق داعية إلى الله لينظر ماذا سيلاقيه؟! فضجَّت الصالة بالتكبير وانصرف الحضور وهم للأمين شاكرون؟!. ٨ - من حياة هذا الإمام التجديدية، ودعوته الإِصلاحية، تعرف معنى التجديد، وأَنه قفو الأثر، وإِحياء السنن، والتوجه مع الدليل، وإِصلاح ما رثَّ من حال الأُمة بالعودة بها إِلى الكتاب والسُّنة، ولهذا صارت دعوته، ومؤلفاته منارًا لأهل الإِسلام. ومن هنا تعرف زيوف الدعوات التجديدية المعاصرة من بعض من شابتهم لوثة في الفكر والاعتقاد. الدعوة إِلى التجديد في الفقه، والتجديد في الأُصول، والتجديد في موازين قبول السنة، وهكذا من دعوات تهدم الدِّين، وتضر بالمسلمين.

стр. 36

ومن سيرة هذا الإِمام المصلح وغيره من أئمة الإِسلام السائرين على هدي الكتاب والسنة يتبين خطأ الموازنة بينهم وبين أصحاب الدعوات التي مسها من الضلالات والبدع ما الله به عليم وإن حقيقة هذه الموازنة إزراء بأئمة الإِسلام حقًّا. والله المستعان. * * *

стр. 37

المدخل الثالث أمثلة من أقواله السائرة ومن مظاهر قوته في العلم ما له من الأقوال السائرة المتداولة بين العلماء، ومنها: • العلم إما نقل مصدَّق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم، وما سوى هذا فإما مزيف مردود، وإما موقوف لا يعلم أنه بهرج ولا منقود. مقدمة التفسير" (٧٣). • العلم إما نقل مصدق، وإما استدلال محقق. مقدمة التفسير" (٨٥). • العلم شيئان إما نقل مصدق، وإما بحث محقق، وما سوى ذلك فهذيان مسروق. الرد على البكري" (٢/ ٦٢٨). • المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد. "الرد على المنطقيين" (٣). • الأنبياء يخبرون بمَحارات العقول، لا بمُحَالات العقول (١). "الفتاوي" (٢/ ٣١٢، ١١/ ٢٤٤، ١٧/ ٤٤٤)، "درء التعارض"

стр. 38

(١/ ١٤٧، ٥/ ٢٩٧، ٧/ ٣٢٧)، "الجواب الصحيح" (٤/ ٣٠٩، ٤٠٠)، "بيان تلبيس الجهمية" (١/ ٣٣٣). • من أراد السعادة الأبدية، فليلزم عتبة العبودية. مدارج السالكين" لابن القيم (١/ ٤٦٤). • إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة. مدارج السالكين" لابن القيم (١/ ٤٨٨)، "الوابل الصيب" له. (١٠٩). • الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟ "الوابل الصيب" (٩٦). • ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رُحْت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة. الوابل الصيب" لابن القيم (١٠٩). • المحبوس من حُبِس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه. "الوابل الصيب" لابن القيم (١٠٩). • ما ندم من استخار الخالق، وشاور المخلوقين، وثبت في أمره. الوابل الصيب" لابن القيم (١٥٨). • هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ هذا الغداء سقطت قوتي.

стр. 39

"الوابل الصيب" (٩٦) وفيه: (وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ، وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ هذا سقطت قوتي. أو كلامًا قريبًا من هذا). • أنا ألتزم أنه لا يحتج عليَّ مُبْطِل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدلُّ على نقيض قوله. "حادي الأرواح" لابن القيم (٣٦٩)، وينظر: "درء التعارض" (١/ ١٠٩). • الزهد ترك ما لا ينفعك، والورع ترك ما يضرك. "عدة الصابرين" لابن القيم (٤٠٥)، وينظر: "الفتاوي" (١٠/ ٢١، ٦١٥، ٦٤١، ١١/ ٢٨). • الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة. "مدارج السالكين" لابن القيم (٢/ ١٠). • بالصبر واليقين تُنال الإمامةُ في الدين (١). ذكره الشيخ في عددٍ من كتبه. • من فارق الدليل ضل السبيل.

стр. 40

"مفتاح دار السعادة" لابن القيم (١/ ٣٠٤). • أهل السنة والعلم والإيمان يعلمون الحق ويرحمون الخلق. "مجموع الفتاوي" (١٦/ ٩٦). • أئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة. الرد على البكري" (١/ ٣٨٠). • المتكلمون لا للإسلام نصروا، ولا لعدوه كسروا. "الفتاوى" (٥/ ٣٣) (١٣/ ١٥٧) وغيرها كالجهمية من سار على أصولهم، الذين أرادوا الرد على الفلاسفة فاستطالت عليهم الفلاسفة باللوازم الباطلة المرتبة على أصولهم الفاسدة. • إذا اتسعت العقول وتصوراتها اتسعت عباراتها، وإذا ضاقت العقول والعبارات والتصورات بقي صاحبها كأنه محبوس العقل واللسان. "الفتاوي" (٩/ ١٥٨)، وقال: (كما يصيب أهل المنطق اليوناني، تجدهم من أضيق الناس علمًا وبيانًا وأعجزهم تصورًا وتعبيرًا، ولهذا من كان ذكيًّا إذا تصرف في العلوم وسلك مسلك أهل المنطق طول وضيق وتكلف وتعسف، وغايته بيان البين وإيضاح الواضح من العي، وقد يوقعه ذلك في أنواع من السفسطة التي عافى الله منها من لم يسلك طريقهم ... الخ) ا. هـ. • أقوال العلماء يُحتج لها بالأدلة الشرعية، ولا يحتج بها على الأدلة الشرعية.
следующие страницы →