ومن سيرة هذا الإِمام المصلح وغيره من أئمة الإِسلام السائرين على هدي الكتاب والسنة يتبين خطأ الموازنة بينهم وبين أصحاب الدعوات التي مسها من الضلالات والبدع ما الله به عليم وإن حقيقة هذه الموازنة إزراء بأئمة الإِسلام حقًّا. والله المستعان.
* * *
стр. 37
المدخل الثالث أمثلة من أقواله السائرة
ومن مظاهر قوته في العلم ما له من الأقوال السائرة المتداولة بين العلماء، ومنها:
• العلم إما نقل مصدَّق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم، وما سوى هذا فإما مزيف مردود، وإما موقوف لا يعلم أنه بهرج ولا منقود.
مقدمة التفسير" (٧٣).
• العلم إما نقل مصدق، وإما استدلال محقق.
مقدمة التفسير" (٨٥).
• العلم شيئان إما نقل مصدق، وإما بحث محقق، وما سوى ذلك فهذيان مسروق.
الرد على البكري" (٢/ ٦٢٨).
• المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد.
"الرد على المنطقيين" (٣).
• الأنبياء يخبرون بمَحارات العقول، لا بمُحَالات العقول (١).
"الفتاوي" (٢/ ٣١٢، ١١/ ٢٤٤، ١٧/ ٤٤٤)، "درء التعارض"
стр. 38
(١/ ١٤٧، ٥/ ٢٩٧، ٧/ ٣٢٧)، "الجواب الصحيح" (٤/ ٣٠٩، ٤٠٠)، "بيان تلبيس الجهمية" (١/ ٣٣٣).
• من أراد السعادة الأبدية، فليلزم عتبة العبودية.
مدارج السالكين" لابن القيم (١/ ٤٦٤).
• إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة.
مدارج السالكين" لابن القيم (١/ ٤٨٨)، "الوابل الصيب" له. (١٠٩).
• الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟
"الوابل الصيب" (٩٦).
• ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رُحْت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
الوابل الصيب" لابن القيم (١٠٩).
• المحبوس من حُبِس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه.
"الوابل الصيب" لابن القيم (١٠٩).
• ما ندم من استخار الخالق، وشاور المخلوقين، وثبت في أمره.
الوابل الصيب" لابن القيم (١٥٨).
• هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ هذا الغداء سقطت قوتي.
стр. 39
"الوابل الصيب" (٩٦) وفيه: (وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ، وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ هذا سقطت قوتي. أو كلامًا قريبًا من هذا).
• أنا ألتزم أنه لا يحتج عليَّ مُبْطِل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدلُّ على نقيض قوله.
"حادي الأرواح" لابن القيم (٣٦٩)، وينظر: "درء التعارض" (١/ ١٠٩).
• الزهد ترك ما لا ينفعك، والورع ترك ما يضرك.
"عدة الصابرين" لابن القيم (٤٠٥)، وينظر: "الفتاوي" (١٠/ ٢١، ٦١٥، ٦٤١، ١١/ ٢٨).
• الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة.
"مدارج السالكين" لابن القيم (٢/ ١٠).
• بالصبر واليقين تُنال الإمامةُ في الدين (١).
ذكره الشيخ في عددٍ من كتبه.
• من فارق الدليل ضل السبيل.
стр. 40
"مفتاح دار السعادة" لابن القيم (١/ ٣٠٤).
• أهل السنة والعلم والإيمان يعلمون الحق ويرحمون الخلق.
"مجموع الفتاوي" (١٦/ ٩٦).
• أئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة.
الرد على البكري" (١/ ٣٨٠).
• المتكلمون لا للإسلام نصروا، ولا لعدوه كسروا.
"الفتاوى" (٥/ ٣٣) (١٣/ ١٥٧) وغيرها كالجهمية من سار على أصولهم، الذين أرادوا الرد على الفلاسفة فاستطالت عليهم الفلاسفة باللوازم الباطلة المرتبة على أصولهم الفاسدة.
• إذا اتسعت العقول وتصوراتها اتسعت عباراتها، وإذا ضاقت العقول والعبارات والتصورات بقي صاحبها كأنه محبوس العقل واللسان.
"الفتاوي" (٩/ ١٥٨)، وقال: (كما يصيب أهل المنطق اليوناني، تجدهم من أضيق الناس علمًا وبيانًا وأعجزهم تصورًا وتعبيرًا، ولهذا من كان ذكيًّا إذا تصرف في العلوم وسلك مسلك أهل المنطق طول وضيق وتكلف وتعسف، وغايته بيان البين وإيضاح الواضح من العي، وقد يوقعه ذلك في أنواع من السفسطة التي عافى الله منها من لم يسلك طريقهم ... الخ) ا. هـ.
• أقوال العلماء يُحتج لها بالأدلة الشرعية، ولا يحتج بها على الأدلة الشرعية.
стр. 41
"الفتاوي" (٢٦/ ٢٠٢).
• إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا.
"مدارج السالكين" لابن القيم (٢/ ٥١٠)، وفيه: (ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنين وسبعمائة - لما تحرك التتار وقصدوا الشام - أن الدائرة والهزيمة عليهم، وأن الظفر والنصر للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينًا، فيقال له: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا).
"البداية والنهاية" لابن كثير (١٤/ ٢٣)، وفيه: (وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يحلف للأمراء والناس إنكم في هذه الكرة منصورون، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠] ا. هـ.
• من أعظم التقصير نسبة الغلط إلى متكلم مع إمكان تصحيح كلامه.
"الفتاوى" (٣١/ ١١٤).
• المؤمن للمؤمن كاليدين، تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين.
"الفتاوي" (٢٨/ ٥٣ - ٥٤).
• الفتنة لها سببان: إما ضعف العلم، وإما ضعف الصبر، فإن الجهل
стр. 42
والظلم أصل الشر.
"الفروع" لابن مفلح (٦/ ١٠٦).
• الرافضة (١) من أكذب الخلق في النقليات، ومن أجهل الخلق في العقليات.
"منهاج السنة" (١/ ٨).
• الرافضة لا عقل صريح ولا نقل صحيح.
"درء التعارض" (٢/ ١٥). وينظر (٨/ ٥٩).
• سفسطة في العقليات وقرمطة في السمعيات (النقليات).
بغية المرتاد" (١/ ١٨٤، ٣٢٧)؛ "درء التعارض" (١/ ٢١٨، ٢٧٦، ٢٧٩، ٢٨٦، ٢/ ١٥، ٥/ ٣٤، ٢٥٦، ٨/ ٥٩)؛ "الصفدية" (١/ ١٦٠، ٢/ ١٥٨) "الفتاوى" (٣/ ٩، ٥/ ٢٩١، ٥٥٢، ٩/ ١٣٦، ١٢/ ٢٨٧، ١٦/ ٢٧٢)؛ "الرد على المنطقيين" (١٤٤)؛ "المنهاج" (٢/ ١٣٤)؛ "النبوات" (٢/ ٦٢٥) وغيرها.
وقال ﵀ في "بيان تلبيس الجهمية" (١/ ١٥٠): (القرمطة: هي تحريف الكلم عن مواضعه وإفساد الشرع واللغة والعقل بالتمويه والتلبيس ... وسمِّي قرمطة لأن القرامطة هم أشهر الناس بادعاء علم الباطن المخالف للظاهر، ودعوى التأويلات الباطنة المخالفة للظاهر المعلوم المعقول من الكتاب والسنة).
وقال أيضا: (السفسطة ... هي جحود الحقائق وجحود
стр. 43
الخالق).
وقال في "درء التعارض" (١/ ٢٧٩): (هذان النوعان مجمع الكذب والبهتان).
• على العباد أن ينظروا إلى القدر في المصائب، وأن يستغفروا من المعائب.
"الفتاوى" (٣/ ١٢٣، ٨/ ٧٧، ٣٠٤، ٤٥٤٥، ١١/ ٢٥٩) "منهاج السنة" (٣/ ٧٨).
• العبد لابد له من رزق وهو محتاج إلى ذلك، فإذا طلب رزقه من الله صار عبدًا لله فقيرًا إليه، وإذا طلبه من المخلوق صار عبدًا لذلك المخلوق فقيرًا له.
"الفتاوى" (١٠/ ١٨٢).
• قل أن تعوز النصوص من يكون خبيرًا بها وبدلالتها على الأحكام.
"الفتاوى" (٢٨/ ١٢٩). وبنحوه في "الاستقامة".
• ليس لأحد من الناس أن يلزم الناس أو يوجب عليهم إلا ما أوجبه الله ورسوله. ولا يحظر عليهم إلا ما حظره الله ورسوله، ومن فعل ذلك فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله.
"التسعينية" (١/ ١٧٥).
• كلما كانت حاجة الناس إلى معرفة الشيء وذكره أشد وأكثر كانت معرفتهم به وذكرهم له أعظم وأكثر، وكانت طرق معرفته أظهر وأكثر، وكانت الأسماء المعرفة له أكثر، وكانت معانيه أدل.
стр. 44
"درء التعارض" (٣/ ٣٣٠).
• الجاهل في كلامه على الأشخاص والطوائف والمقالات بمنزلة الذباب الذي لا يقع إلا على العقير (١) ولا يقع على الصحيح، والعاقل يزن الأمور جميعًا هذا وهذا.
"منهاج السنة" (٦/ ١٥٠).
• إدخال صناعة المنطق في العلوم الصحيحة يطوِّل العبارة ويُبْعد الإشارة، ويجعل القريب من العلم بعيدًا، واليسير منه عسيرًا.
"الفتاوى" (٩/ ٢٤).
* * *
стр. 45
المدخل الرابع إِفادات شَتَّى عن كتبه
هذه إِفادات منثورة في معارف متنوعة عن كتب هذا الإِمام، تفيد التعريف بها، وبمنزلتها، وتجلي المزيد عن مقامه الفريد في التأليف.
ومنها:
الإِفادة الأولى: تاريخ بدايته للتأليف:
شرع في التصنيف وسنه دون العشرين، وحَدَّده تلميذه الحافظ ابن عبد الهادي في "العقود الدرية. ص ٥٥" بنحو سبعة عشر عامًا، أَي عام ٦٧٧؛ لأن ولادته كانت سنة (٦٦١) -رحمه الله تعالى-.
الإفادة الثانية: عددها -لغة الأرقام لها -:
التأليف الأَلْفِي عن اجتهاد مطلق، وتعدد معارف، وتجديد، بقلم مطبوع قائل لا ناقل جَمَّاع، هو من خصائص شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فلا يعرف في علماء الإسلام من بلغ في كثرة التأليف على هذا المنوال مبلغه، كما ذكره غير واحد من أهل الاستقراء.
منهم: تلميذه الحافظ ابن عبد الهادي إِذْ قال في: "العقود الدرية: ص/ ٢٦": "ولا أَعلم أحدًا من متقدِّمي الأُمة ولا متأخريها
стр. 46
جمع مثل ما جمع ولا صنف نحو ما صنف".
وقد جمع الحافظ الذهبي منها اسم أَلف مصنف، ثم حصلت له زيادات بعد ذلك كما في: "الرد الوافر لابن ناصر الدِّين ص/ ٧٢" وقَدَّرها في: "خمسمائة مجلد" كما ذكره عنه ابن عبد الهادي في: "العقود الدرية: ص/ ٢٥".
وقَدَّرها تلميذه البرزالي في "أَربعة آلاف كراس وأَكثر" كما في: "العقود الدرية لابن عبد الهادي: ص/ ٢٣". على أَن تلميذه ابن عبد الهادي أَشار في كتابه هذا: "ص/٦٥ - ٦٦" إِلى تعذُّر إِحصاء كتب شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- وذكر أَسباب ذلك، ومما قاله:
"لما حُبِسَ: تَفَرَّق أَتباعه وتفرقت كتبه، وخوَّفوا أَصحابه من أَن يُظهروا كتَبه، ذهب كل أَحد بما عنده وأَخفاه ولم يظهروا كتبه، فَبَقَى هذا يهرب بما عنده، وهذا يبيعه أَو يهبه، وهذا يُخفيه ويودعه، حتى إِنّ منهم من تُسرق كتبه، أو تُجحد فلا يستطيع أَن يطلبها ولا يقدر على تخليصها" انتهي.
وثمّ أَسبابٌ أُخر، في نسبة بعض كتبه لغيره:
منها: كيد أعدائه لإِخفاء فضله، يَنسبون كتابه لغيره.
ومنها: خوف أَصحابه من مطاردة السلطة فيلجؤون إِلى تغيير اسم المؤلف.
ومنها: جهل مفهرسي الكتب فقد ينسبون الكتاب إِلى ناسخه في حال عدم وجود الورقة الأُولى من الكتاب وهكذا.
стр. 47
وقد طُبعَ منها ما يزيد على مائتين ما بين كتاب في مجلد فأَكثر مثل: "منهاج السنة النبوية" في ثمانية مجلدات، و"درء تعارض العقل والنقل" في "عشر مجلدات" وغيرهما كثير.
ومنها رسائل وهي كثيرة جدًّا، وفتاوى وهي أَكثر، وكان الكتاب الجامع الذي حفل بها: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى" في سبعة وثلاثين مجلدًا منها اثنان للفهارس. جمع وترتيب الشيخ عبد الرحمن بن قاسم المتوفى سنة ١٣٩٢ وابنه الشيخ محمد (١) -رحمهما الله تعالى- وقد أمضيا -رحمهما الله تعالى- في جمعه وترتيبه وطبعه ما يزيد على ثلاثين عامًا، وهو غرة في جبين الدَّهر.
ثم إِنّ الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم المذكور -رحمه الله تعالى- استدرك عليه كتابًا باسم: "المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" في خمسة أجزاء يحوي عشر رسائل لم تطبع من قبل منها: "قاعدة في الاستحسان" لشيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- والتقاط ما وقع له من اختياراته وكلامه في كتب ابن القيم، والشمس ابن مفلح، والمرداوي.
هذا عرض عن عدد مؤلفاته -رحمه الله تعالى- في عددها،
стр. 48
وعدد مجلداتها، وعدد كراريسها، وقول بعضهم بتعذر إحصائها، وأسباب ذلك.
نعم سبق ابن تيمية بالتأليف الألفي الإمام المشهور ابن الجوزي الحنبلي المتوفى سنة ٥٩٧ - رحمه الله تعالى- ذكره شيخ الإِسلام ابن تيمية كما يأتي في: "الإفادة الرابعة: عن مَزَاياها" وسبقهما عبد الملك بن حبيب المالكي صاحب "الموضحة" المتوفى سنة ٢٣٨ - رحمه الله تعالى- كما في: "ترتيب المدارك" للقاضي عياض -رحمه الله تعالى-. ثم من بعدهم: محمد بن أبي بكر بن جماعة الشافعي المتوفى سنة ٨١٩ أحد تلاميذ ابن خلدون -رحمه الله تعالى- ثم ثلاثة تعاصروا: يوسف بن عبد الهادي الحنبلي المعروف بابن المبرد المتوفى سنة ٩٠٩ - رحمه الله تعالى- والحافظ الجلال السيوطي المتوفى سنة ٩١١ - رحمه الله تعالى- وتلميذهما الشمس بن طولون المتوفى سنة ٩٥٣ - رحمه الله تعالى- ولدي كتاب مخطوط باسم: "الفلك المشحون فيما انتحله الشمس ابن طولون". أي من كتب شيخه السيوطي لعبد العزيز الغماري. وابن المبرد الحنبلي دَأَبُه اختصار مؤلفات غيره، وابن جماعة جُلُّها شروح، وتعاليق، وحواشٍ، ونكت. والذين صار لهم حظ في نشر مؤلفاتهم وطبعها هم: ابن الجوزي، والسيوطي، وابن تيمية، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- لا ينافسه أحد منهم في نفاسة مؤلفاته ومزاياها التجديدية المتعددة فهو من بينهم "بيت القصيد"، ولهذا تنافس العلماء في تحقيقها وطبعها لأنه الوحيد في علماء الإِسلام في التأليف الألفي على هذا المنوال -رحم الله الجميع-.
стр. 49
الإِفادة الثالثة: موضوع تآليفه:
في كل علومِ الشريعة قد كتب شيخ الإِسلام: في التوحيد وأَصل الدِّين، وما يضاده، والسنة وما يخالفها من البدع والمحدثات، وفي التفسير وأُصوله، والحديث وشرحه ومصطلحه، والفقه وأصوله وقواعدهما، وحكمة التشريع ومقاصد الشريعة ... ويُداخل ذلك من علوم الآلة واللسان والبلاغة والبيان، وأُصول البحث والنقد والمناظرة، والمنطق، ما لو جُمِعَ شتاته لجاء في كل علم منها مؤلفٌ شامل في مجلد أَو مجلدات.
ومن نظر في فهارس مجموع الفتاوى رأى ذلك وأَكثر منه.
ومن خلال النظر في تسمية مؤلفاته ومضامينها، ومما هو معلوم أن التأليف إِما أَن يكون ابتداءً أو لسبب اقتضاه يمكن أن نستخلص المعارف الآتية عن موضوع مؤلفاته:
١ - ابن تيمية لم يؤلف ابتداءً متونًا على الجادة المعهودة في الفقه مثلًا على الأبواب، وفي الأُصول على الأدلة، وفي التوحيد متنًا شاملًا لمسائل الاعتقاد بأَنواعه الثلاثة، وإِنّما هي فتاوى وأَجوبة وردود وبحوث في مسائل حقق فيها ودقق ومن مجموعها يخرج في كل فن مجلد أَو مجلدات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في مناظرته حول الواسطية: "وأما الكتب فما كتبت إلى أحد كتابًا ابتداءً أدعوه به إلى شيء من ذلك، ولكنني كتبت أجوبة أجبت بها من يسألني من أهل الديار المصرية وغيرهم ... " انتهى من: "العقود الدرية: ص/ ٢٠٨".
стр. 50
٢ - جُلُّ تآليفه في دائرة الردود وهي غير مردودة، والفتاوى وأَجوبة السائلين والمعترضين وهي أجوبة مسددة محمودة. وتقرير القواعد، والأَمالي في تفسير سورة أو آيات أو آية أَو حديث أَو أَثر.
وعامتها تَسْبحُ في فلك التوحيد والاعتقاد والرد على أَهل الملل والفرق المخالفين. كما بيَّن تلميذه البزّار في كتابه: "الأعلام العلية ص/ ٣٥ - ٣٧" وتلميذه ابن عبد الهادي في: "العقود الدرية ص/ ٣٨" وغيرها مما هو في دائرة الفقه ومسائله.
٣ - ربما كتب تأليفًا للتذكُّر كما ذكره ابن عبد الهادي. ص/ ٢١ قال: "قال الشيخ أبو عبد الله بن رُشَيِّق ... ورأيت له سورًا أو آيات يفسرها يقول في بعضها: كتبته للتذكُّر" انتهى.
٤ - ويكتب ابتداء رسائله وهو في السجن إلى والدته، وإِلى إِخوانه، ومناصحاته للولاة، ووصاياه للعلماء وهكذا.
٥ - ويكتب ابتداء بعض الشروح وهي محدودة:
- شرح المحرر. وهي تعليقة في مجلدات.
- شرح العمدة للموفق ابن قدامة. ربع العبادات فقط.
- شرح رسالة ابن عبدوس في كلام الإِمام أحمد في الأصول.
- شرح قصيدة في الجبر والاختيار.
- شرح أول المحصل للرازي.
- شرح أول كتاب الغزنوي في أُصول الدِّين.
стр. 51
- شرح العقيدة الإِصفهانية.
٦ - بلغت فتاويه مبلغًا عظيمًا في الفقهيات وتحرير الخلاف فيها مما شمل جميع أَبواب الفقه. وكان أمره في الفتيا عجبًا يأتيه الاستفتاء ويعد الفتوى عليه حالًا كأنه قاعد للفتيا يعدها.
الرابعة: مَزَايَاها:
إِن كتب شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- لفتت أَنظار العلماء، فلابد أَن يلفتوا النظر إِلى مزاياها وخصائصها، ومنها:
١ - أنه -رحمه الله تعالى- في تآليفه مطبوع قائل لا ناقل، وإنما النقل عنده؛ للتدليل والإِسناد، لا أنه مادة الكتاب؛ ولهذا يستشعر قارئ كلامه أنه كماء منهمر، وغيث منسجم.
٢ - ليس له فيها على غير الدليل مُعَوَّل، فلا يستشكل نصوص الوحيين، بل يستشكل الآراء المخالفة لها بأَيٍّ من المعارضات الأَربع: المعقول. القياس. الذوق. السياسة فَيُهْدِرُها، ويُخَلِّصُ النصوص من شائبة إِيرادها؛ ولذا كان في الترجيِح والاختيار ينشد الدليل، ويجرد المتابعة له، ولمدلوله، وأنّ الحق في واحد من القولين، وأَنّ كل إِنسان عند نفسه مصيب لا أَن كل واحد مصيب، وهذا شأن من ينصر الله ورسوله، ويخاف مقامه بين يدي الله -تعالى-. وصدق تلميذه الواسطي حين قال في: "التذكرة والاعتبار": "تستجلى النبوة المحمدية من دعوته" ولسان حاله يُنشد قول أبي محمد بن حزم رحمه الله تعالى:
стр. 52
مُناي من الدُّنيا علوم أَبثها ... وأنثرها في كل بادٍ وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنن التي ... تناسى رجال ذكرها في المحاضر
٣ - تقديم أَقوال الصحابة ﵃ على من سواهم؛ لدلالة الكتاب والسُّنة والقياس عليها.
٤ - عنايته -رحمه الله تعالى- بِعِلَل الأَحكام وأَوصافها المناسبة ومداركها، ووجوه الاستدلال منها.
٥ - تميزها بالفقه المقاصدي للتشريع، ونشر محاسن الشريعة وحِكمها.
والتميز بالفقه المقاصدي هو في دائرة الضروريات الخمس، لا على جادة بعض من ينادي به في عصرنا فيفتح باب العبارة الفاجرة: "حرية التعبير" وتشمل "حرية الدين، حرية الفكر، حرية المعتقد، حرية اللسان"، ويلغي علل الأحكام وأوصافها بما بدايته ونهايته خروج عن الشريعة -والله المستعان-.
٦ - السعة والشُّمول التي فاق بها غيره من ذكر الخلاف وأَدلته ووجوه الاستدلال منها وإِجراء الحِجاج بين طرفي الخلاف، أو أَطرافه، وتمحيص الأَدلة صحةً وضعفًا. والسعة والشمول في تعدد معارفه وعلومه، فليست كتاباته -رحمه الله تعالى- جافة؛ بل وأنت تقرأ له في أي علم تستفيد علومًا أخرى: علوم شريعة، وعلوم آلة، وما إلى ذلك، وكان -رحمه الله تعالى- يطرز ما يكتبه بالأحداث والوقائع التاريخية، وهذا من نفاذ بصيرته بالتاريخ، وإذا علمنا أن شيخ الإِسلام ابن تيمية
стр. 53
-رحمه الله تعالى- هو المحدِّث الشهير، فإِن التاريخ إنما وُلِدَ في أحضان المحدِّثين، ولهذا قال تلميذه ابن عبد الهادي نقلًا عن تلميذه الذهبي: "ومعرفته بالتاريخ والسير فعجب عجيب" أحداثًا، ودولًا، ورجالًا، ومللًا، ونحلًا.
وقال محمد كُرد علي في: "كنوز الأجداد. ص/ ٣٤٩":
"ولو لم يكن له إلَّا: "منهاج السنة" لكفاه على الأَيام فخرًا لا يبلى، ففيه مثال من علمه وقوة حجته ومعرفته بالملل والنحل، وإذا قلنا: إنّه لم يؤلف نظيره في الرد على المخالفين لأهل السنة؛ لَصدَّقَنا كل منصف من أهل القبلة. وكتاب: "منهاج السنة" من أصح الشهادات على علو كعبه في معرفة الشرع وما تقلب عليه، وما حاول بعض أهل الأهواء من العبث به، وفيما أورده الموافقون والمخالفون من صحيح الآراء وبهرجها، وكان عنوان مداركه الواسعة بتاريخ الإِسلام وتاريخ الملل والنحل، ولو ادَّعينا أنه لم يأتِ عالم يعرف ما طرأ على الدين ومذاهب أهله فيه ساعة ساعة ويومًا يومًا ما قدر أحد على رد دعوانا" انتهى.
وصدق من قال:
ليس بإنسان ولا عاقل ... من لا يعي التاريخ في صدره
ومن حوى التاريخ في صدره ... أضاف أعمارًا إلى عمره
ولهذين البيتين نظائر في: "الإِعلان بالتوبيخ" للسخاوي.
٧ - تنوع الفوائد في بحث المسألة الواحدة بالاستطراد التناسبي، وهذه الميزة لا يقدر عليها إلا كَمَلَةُ الحفظةِ، وأَوعيةُ العلم من
стр. 54
كل طبقة، وهي من تمام نصحه وجُوْده بالعلم. وهذه طريقة الكتاب والسنة، فقد سُئِلَ النبي ﷺ عن الوضوء من ماء البحر فقال: "هو الطّهور ماؤه الحل ميتته" رواه أصحاب السنن.
٨ - ومنها حُسْنُ التَّرتيب، وجودة التصنيف، وانظر مثالًا لذلك: "اقتضاء الصراط المستقيم".
٩ - ومنها مزية التكرار، فله في المسألة الواحدة: الرسالة، والرسالتان، وله الفتوى فأَكثر وتجد في كل واحدة ما ليس في الأُخرى من زيادة العلم والبيان، وهذه حسب أَحوال السائلين وتفاوت الأزمان، وغير ذلك من الأسباب.
وطريقة القرآن الكريم التكرار كما في قصص الأنبياء ﵈، وقد اشتهر بهذه الطريقة البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه؛ ولهذا قالوا في المفاضلة بينه وبين صحيح مسلم:
قالوا المكرر فيه ... قُلت المكرر أَحلى
١٠ - العدل والإنصاف والدقة في بحث المسائل العلمية وحال مقارعة الخصوم وعدم الافتراء عليهم، حتى صارت كتبه مرجعًا أمينًا يطمئن إليها العلماء ويبنون عليها أحكامهم، وهذا أثر من آثار الاستمساك بالكتاب والسنة ومحبة الحق ورحمة الخلق والتجرد عن الهوى، وهذه الميزة تستحق أن تفرد بالبحث والدرس.
١١ - نفسه التواقة إلى إِصلاح أَحوال الناس، فيتلمس فيما يكتب
стр. 55
واقع الناس وحاجاتهم، وهذا من تمام التأسِّي والاقتداء بالنبي ﷺ وشريعته الغَرَّاء.
١٢ - السجية المتدفقة بالجاذبية في صياغته وأُسلوبه؛ لما فيها من الجزالة من جهة، والعذوبة من جهة أُخرى وإحياء الألفاظ الموروثة عن أصائل صدر هذه الأمة، كارهًا الموَلَّد والدَّخيل، وهما من مفردات المعبر عنه في عصرنا بـ "حرية التعبير"؛ لما تؤدِّي إليه من الهجنة والبدعة.
١٣ - وهذه الميزات أَولًا وآخرًا مؤسسة على الاتِّباع، والضراعة والابتهال، وحسن النية والصدق، مما نرجو أَن يكون له نصيب كبير من: "العلم اللدني" وأَنّه من حَمَلة القلوب الطاهرة.
وفي هذا القدر كفاية، ولا أُريد إِثقاله بالنقول، وأَكتفي بشذرات من كلام تلميذيه الحافظين ابن عبد الهادي وابن القيم -رحمهما الله تعالى-:
قال ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في: "العقود الدرية/ ص ٧": "له اليد الطولى في حُسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين" انتهى.
وأَشار -رحمه الله تعالى- في ص/٧: إِلى قدرته على مَدِّ النَّفَس، فيؤلِّف في فرعية مجلدة كبيرة دون الخروج عنها.
وقال في: "الصارم المنكي: ص/ ٧١": "وقَد عَلِمَ الخاص والعام أَن كلام شيخ الإسلام في سائر أَنواع علوم الإسلام فيه من التحرير والتحقيق وغاية البيان والإيضاح وتقريب المعاني إِلى
стр. 56
الأفهام وحسن التعليم والإِرشاد إِلى الطريق القويم ما يضيق هذا الموضع عن ذكره" انتهى.
وقال تلميذه الإمام الحافظ ابن القيم -رحمه الله تعالى- في: "مدارج السالكين: ٢/ ٢٩٣، ٢٩٥":
(و"الجود" عشر مراتب، ثم قال:
الرابعة: الجود بالعلم وبذله. وهو من أَعلى مراتب الجود. والجود به أَفضل من الجود بالمال. لأَن العلم أَشرف من المال.
والناس في الجود به على مراتب متفاوتة. وقد اقتضت حكمة الله وتقديره النافذ: أَن لا ينفع به بخيلًا أبدًا.
ومن الجود به: أن تبذله لمن يسألك عنه، بل تطرحه عليه طرحًا.
ومن الجود بالعلم: أَن السائل إِذا سألك عن مسألة: استقصيت له جوابها جوابًا شافيًا، لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة، كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا "نعم" أو "لا" مقتصرًا عليها.
ولقد شاهدت من شيخ الإِسلام ابن تيمية -قدّس الله روحه- في ذلك أَمرًا عجيبًا:
كان إِذا سُئِلَ عن مسألة حُكمية، ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة، إِذا قدر، ومأخذ الخلاف، وترجيح القول الراجح. وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أَنفع للسائل من مسألته. فيكون فرحه بتلك المتعلقات، واللوازم: أَعظم من فرحه بمسألته. وهذه
стр. 57
فتاويه ﵀ بين الناس. فمن أَحب الوقوف عليها رأى ذلك.
فمن جود الإنسان بالعلم: أنه لا يقتصر على مسألة السائل؛ بل يذكر له نظائرها ومتعلقها ومأخذها، بحيث يشفيه ويكفيه.
وقد سأل الصحابة ﵃ النبي ﷺ عن المتوضئ بماء البحر؟ فقال: "هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته" فأَجابهم عن سؤالهم. وجاد عليهم بما لعلهم في بعض الأحيان إليه أَحوج مما سألوه عنه.
وكانوا إِذا سألوه عن الحكم نبههم على علته وحكمته. كما سألوه عن بيع الرطب بالتمر؟ فقال: "أينقص الرطب إذا جَفَّ؟ قالوا: نعم. قال: فلا. إِذًا" ولم يكن يخفى عليه ﷺ نقصان الرطب بجفافه، ولكن نبههم على علة الحكم. وهذا كثير جدًّا في أجوبته ﷺ مثل قوله: "إن بعتَ من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئًا، بمَ يأخذ أحدكم مال أخيه، بغير حق؟ " وفي لفظ: "أرأيت إِن منعَ الله الثمرة: بم يأخذ أحدكم مال أخيه، بغير حق؟ " فصرح بالعلة التي يحرم لأجلها إِلزامه بالثمن. وهي مَنْعُ الله الثمرة التي ليس للمشتري فيها صنع.
وكان خصومه -يعني شيخ الإِسلام ابن تيمية- يعيبونه بذلك. ويقولون.: سأله السائل عن طريق مصر -مثلًا- فيذكر له معها طريق مكة، والمدينة، وخراسان، والعراق، والهند، وأي حاجة بالسائل إلى ذلك؟.
ولعمر الله ليس ذلك بعيب، وإنما العيب: الجهل والكبر. وهذا موضع المثل المشهور:
стр. 58
لقبوه بحامضٍ وهو خل ... مثل من لم يصل إِلى العنقود"
انتهى.
ومن هذا الفقه المقاصدي كان رأيه أنه لا يجوز لمالك الكتب منع إعارتها، ويقول: "لا ينبغي أن يمنع العلم من يطلبه" كما في: "الأعلام العلية: ص/ ٦٦، والكواكب الدرية: ص/ ٨٧".
الخامسة: موارده فيها:
حسبي من ذكر موارده ما يلفت نظر المشتغل بتحقيق كتبه لمراعاته عند التحقيق وهي:
١ - القرآن الكريم: دَأَبُهُ -رحمه الله تعالى- الاستدلال على الأحكام عقدية أَو فقهية أَو غيرهما بآيات القرآن الكريم، والاستكثار من سياقها، وهو عجيب في انتزاعها، واستجلاء جلائل المعاني منها.
ومما يجدر التنبيه عليه هنا أن القراءة السائدة في بلاد الشام، ومصر، واليمن في عصره هي قراءة أَبي عمرو بن العلاء البصري المتوفى سنة ١٥٤ - رحمه الله تعالى-، لقول ابن الجزري المتوفى سنة ٨٣٣ - رحمه الله تعالى- في: "النهاية في طبقات القراء: ١/ ٢٩٢". فلينظر فإنّه مهم.
وهي الآن السائَدة في السودان والحبشة.
فينبغي عند تحقيق كتبه وبخاصة التي بخطِّه -رحمه الله تعالى- أو التي يقتضيها السياق عدم التصرف في الرسم للآيات التي يستشهد بها؛ حتى تكون على وفق رسم المصاحف السائدة في عصرنا
стр. 59
لأهل المشرق حفص عن عاصم، ولأهل المغرب وَرْش وقالون عن نافع، بل تبقى على رسمها الموافق لقراءة من القراآت المتواترة لأهل ذلك القطر.
ومن أمثلة ذلك أن شيخ الإِسلام في كتابه: "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" -قال: "وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ أي: رأى جبريل ﵇ ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِيْن﴾ أي: بمتهم، وفي القراءة الأخرى: ﴿بِضَنِينٍ (٢٤)﴾ أي: ببخيل ... " وهنا لا بد من رسم القراءة الأولى بالظاء المشالة؛ لأنها قراءة أبي عمرو وغيره السائدة في بلاد الشام آنذاك، ورسم القراءة الأخرى يكون بالضاد وإلا لم يظهر الفرق بين القراءتين!!.
وقد جاء في بعض طبعات الكتاب رسم القراءتين برسم واحد؟! ولكنها على الصواب في طبعة ابن قاسم ﵀ المدرجة في "مجموع الفتاوى: ١٠/ ٢٧٤"، وطبعة ابن مانع ﵀ المدرجة في "مجموعة التوحيد: ص/ ٧٨٧".
وكان الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- أَشار إِلى مثل ذلك في مقدمة تحقيقه لكتاب: "الرسالة" للشافعي -رحمه الله تعالى- ص ١٤/ حاشية ٤، فله -رحمه الله تعالى- فضل التنبيه عليه، وإن كان يعسر القيام به.
٢ - الحديث الشريف: كشأنه في الاستدلال بآيات القرآن، لكن مع خبرته التامة بكتب الحديث صحاحًا وسُننًا ومعاجم ومسانيد وأَجزاء وغيرها، فإِنّ سياقه للسنن يكون في الكثير الغالب عن عُمد كتب السنة ومشاهيرها ليس كمن يتلقف غرائب الروايات من
стр. 60
مكان بعيد ويهجر الصحيح من مكان قريب.
وينبغي لمن يعاني تحقيق شيء من كتبه الالتفات إِلى ما يأتي:
أ- أمر معلوم تعدد روايات كتب الحديث؛ ولهذا تعدد كثير من أَلفاظها، كما في كتب اختلاف الموطآت وغيرها، وأَن عددًا من كتب الحديث المطبوعة الآن هي من رواية واحدة فحسب، كسنن أَبي داود فإِنّ النسخة المطبوعة هي على رواية اللؤلؤي مع أَن رواية ابن داسَّة كانت مشهورة متداولة في عصر شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-.
ب- أَن شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- قد يسوق الحديث بالمعنى.
لهذين الأمرين فإِنّ بعض من يشتغل بتحقيق أيٍّ من كتبه يجد الاختلاف في لفظ الحديث بين ما هو في المخطوط وبين ما في يده من كتب الحديث المطبوعة فيعدل النص في أصل الكتاب؟! وهذا تصرف غير مقبول، والمسلك الصحيح إِثبات النص كما وجده، والتنبيه على ما لديه في الحاشية.
٣ - كتب العلم:
شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وإن كان يملي أكثر تصانيفه من حفظه، ويؤلف الكتاب في قعدة واحدة، أو في ليلة واحدة، وكثير منها صنفه في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب، فإِنّه -رحمه الله تعالى- يحيط خُبرًا بكتب أهل العلم إحاطة عظيمة.
стр. 61
قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- في ترجمة شيخ الإِسلام من: "الذيل: ٢/ ٣٨٧": "وقد أَمَدَّه الله بكثرة الكتب". ووصفه عامة مترجميه بأنه قرأ بنفسه كثيرًا من الكتب ونسخ الطِّباق والأثبات. وقال ابن رجب في ترجمة ابن الجوزي في: "الذيل: ١/ ٤١٥": إن شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- قال: "له مصنفات في أمور كثيرة حتى عددتها فرأيتها أكثر من ألف مصنف ورأيت بعد ذلك ما لم أره". انتهى.
وقال -رحمه الله تعالى- في: "الفتاوى: ٦/ ٣٩٤": "وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث ووقفت من ذلك على ما شاء الله من الكتب الكبار والصغار، أكثر من مائة تفسير فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئًا من آيات الصفات ... " انتهى.
وقال تلميذه الصفدي -رحمه الله تعالى- في: "الوافي: ٧/ ١٥ ": "حكى لي من سمعه يقول: إني وقفت على مائة وعشرين تفسيرًا، أستحضر من الجميع الصحيح الذي فيها، أو كما قال" انتهى.
ولذا فهو يعتمد الرجوع إِلى كتب أَهل العلم في المسألة التي يكتب فيها حتى إنه وهو في مصر يطلب إرسال بعض الكتب من مكتبته في دمشق، ففي: "العقود الدرية. ص/ ١٨٨ - ١٨٩" ساق ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- كتاب الشيخ إِلى أَقاربه بدمشق، وفيه ما نصه:
"وقد أرسلت إِليكم كتابًا أطلب ما صنفته في أمر الكنائس، وهي كراريس بخطي قطع النصف البلدي، فترسلون ذلك -إن شاء الله
стр. 62
تعالى- وتستعينون على ذلك بالشيخ جمال الدين المزي، فإِنه يُقَلِّب الكتب ويخرج المطلوب. وترسلون أيضًا من تعليق القاضي أَبي يعلى، الذي بخط القاضي أبي الحسين، إن أمكن الجميع، وهو أحد عشر مجلدًا، وإلا فمن أوله مجلدًا أو مجلدين أو ثلاثة، وذكر كتبًا يطلبها منهم" انتهى.
وله هنا مواقف (١) :
١ - أَحيانًا يعتذر عن عدم الوقوف على مصنف فيها.
قال في "الفتاوى: ١٣/ ٤٩": (وأقوال الخوارج إِنما عرفناها من نقل الناس عنهم ولم نقف لهم على كتاب مصنف) انتهى.
٢ - وأَحيانًا يفيد أن للمسألة موارد كثيرة لكن حين كتابتها لم يكن لديه منها شيء. قال في: "الفتاوى: ١٠/ ٧٦٥": (وحين كتبت هذا الجواب لم يكن عندي من الكتب ما يستعان به على الجواب فإِن له موارد واسعة) انتهى.
٣ - وأحيانًا يطالع على الآية الواحدة مائة تفسير، كما في: "العقود الدرية ص/ ٢١".
٤ - وإذا نقل من كتاب ليس لديه منه إِلَّا نسخة واحدة وفي النص اشتباه نَبَّه على ذلك كما قال في المناسك من: "شرح العمدة: ٢/ ٣٤٥" .. "وهو إن لم يكن غلطًا في النسخة فإنّه وهم والله أعلم". انتهى.
стр. 63
٥ - وإِذا اختلفت النسخ التي بين يديه بَيَّن ذلك.
ومنه قوله في: "درء تعارض العقل والنقل: ٥/ ١٧٦":
"ولا يكون شيئين مختلفين، وفي نسخة: ولا يُوصف بوصفين مختلفين" انتهى.
٦ - وإذا كانت النسخة التي يرجع إليها متميزة في الصحة أَشار إِلى ذلك.
ومنه قوله في المناسك من: "شرح العمدة: ٢/ ٥٣١": "فإِنِّي نقلت رواية حرب من أَصل متقن قديم من أَصح الأُصول" انتهى.
لهذا فعلى المشتغل بتحقيق كتابٍ ما لشيخ الإِسلام أَو لغيره إِذا كان الكتاب الذي نقل منه ابن تيمية مطبوعًا، والنص المنقول منه يخالف المطبوع فلا يُغَلِّط المطبوع ولا يُغَلِّط شيخ الإِسلام بل عليه أن يثبت نص المخطوط في أصل الكتاب، ويشير إِلى الاختلاف الذي وجده، وإِن كان له رأي بَيَّنَهُ، علمًا أن بعض العلماء قد يتسمح باختصار النقل بما لا يغير المعنى والله أعلم ..
السادسة: أَسماؤها:
إِنَّ القليل من مؤلفات ابن تيمية -رحمه الله تعالى- هو الذي يضع له اسمًا، وإِذا أَشار إِليه في كتاب آخر، ذكره باسم يفيد موضوعه، وقد يسميه على طرة كتابه ولا يسميه في مقدمته مثل: "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح"، قال ابن عبد الهادي في: "العقود الدرية ص/ ٢٢": "ومنها كتاب الرد على النصارى
стр. 64
الذي سمّاه: الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح"، وقد يسميه في بعض مؤلفاته ولا يسميه في مقدمة ذلك الكتاب نفسه، مثل: "الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ " فإِنّه لم يسمه في مقدمته وإنما وجدت التسمية مثبتة على النسخ الخطية وقد سمَّاه هو بذلك في كتابه: "منهاج السنة النبوية: ٤/ ٤٤٢".
أَما الكثير منها لا سيما أَجوبته وفتاويه، ورسائله الصغيرة ووصاياه، فيندر تسميتها؛ لهذا فإِنّ تلاميذه أَو من بعدهم على تتابع القرون قد يضعون اسمًا لها، وقد يوضع لها أَكثر من اسم. كما في الردّ على ابن سبعين تُسمى السبعينية وتُسمى بأسماء أُخر، كما في مقدمة تحقيق: "الصارم المسلول".
ومن هنا يحصل الغلط في جعل الكتاب الواحد كتابين، ويصعب حصرها نظريًّا بلا تكرار.
ولما عَدَّ ابن عبد الهادي مؤلفاته في: "العقود الدرية ص/ ٢٦" قال: "وكتاب تحرير الكلام في حادثة الأقسام" وسماه بعضهم: "كتاب التحرير في مسألة حفير". وقال: ص/٢٧: "وكتاب مسائل الإِسكندرية في الرد على الملاحدة والاتحادية" وتعريف بـ "السبعينية".
وعلى العكس من ذلك فإِن له في المسألة الواحدة عدة مصنفات وقواعد، وفتاوى، ولا يسميها، فيظن بعضهم أنها اسم لكتاب واحد.
قال ابن عبد الهادي في: "العقود الدرية ص/ ٢٨": "وله في الرد على من قال: إن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين، عدة مصنفات، وله في الرد على منكري المعاد، قواعد كثيرة".
стр. 65
ثم ذكر من هذا مؤلفات كثيرة في الموضوع الواحد.
السابعة: الاختلاف في عدد مجلدات الكتاب الواحد .
أشار تلميذه الحافظ ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في: "العقود الدرية ص/٢٣" إِلى أن كثيرًا من كتبه الكبار تختلف النسخ بأَعداد مجلداتها، وهذا بحسب حجم الورق وعدد السطور فيه وعدد الكلمات في كل سطر، وذكر منها:
"بيان تلبيس الجهمية" في ست مجلدات وبعض النسخ منه في أكثر من ذلك، "جواب الاعتراضات المصرية" في أَربع مجلدات وبعض النسخ منه في أقل، "منهاج السنة النبوية" في ثلاث مجلدات، وبعض النسخ في أربع مجلدات.
وهكذا مما تراه في ثبت كتبه عند ابن عبد الهادي وغيره.
الثامنة: الإملاء من حفظه:
كان -رحمه الله تعالى- يكتب من حفظه لا سيما وهو في السجن، وينسب الأقوال إلى قائليها، ثم تأتي بعد المقابلة كما نقل (١).
قال ابن عبد الهادي في: "العقود الدرية ص/ ٤٧": "قال الشيخ أبو عبد اللّه: لو أراد الشيخ تقي الدِّين أو غيره حصرها -يعني مؤلفات الشيخ- لما قدروا لأنه ما زال يكتب، وقد مَنَّ الله عليه بسرعة
стр. 66
الكتابة ويكتب من حفظه من غير نقل.
وأَخبرني غير واحد أَنّه كتب مجلدًا لطيفًا في يوم، وكتب غير مرة أربعين ورقة في جلسة وأَكثر، وأَحصيت ما كتبه وبيّضه في يوم فكان ثمان كراريس في مسألة من أشكل المسائل، وكان يكتب السؤال الواحد مجلدًا ... " انتهى.
ومنها إِجازته لأولاد صاحب سبْتَة وهي أكثر من ستمائة سطر أملاها من حفظه بأسانيده وهو في سجن الإِسكندرية كما في: "الذيل لابن رجب: ٢/ ٣٩١".
وفي الإفادة بعدها زيادة دلائل.
التاسعة: ما أَلَّفه في قَعْدة واحدة:
مضى في: "الإفادة الثامنة" بعض من هذا، وذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في: "الفتاوى: ٣/ ١٩٤": أنه كتب "العقيدة الواسطية" وهو قاعد بعد العصر.
وذكر فيها أيضًا: (٢٨/ ٢٤٤) أنه كتب كتاب: "السياسة الشرعية" في ليلة واحدة.
وذكر فيها: (١٢/ ١١٦) أنه كتب "مسألة الأحرف التي أنزلها الله على آدم" في قعدة واحدة وهي في (٨٠) صفحة.
ومثله في (١٢/ ٤١٦) في المسألة "الكيلانية": (١٢/ ٣٢٣ - ٥٠١).
وذكر تلميذه الحافظ ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في: "العقود الدرية ص/ ٤٩": أنه أملى "الحموية" بين الظهرين سنة ٦٩٨، أي وعمره سبع وثلاثون سنة.
стр. 67
وهذه الأمثلة الثلاثة غاية في سرعة التأليف، وقوة الحافظة، وهي في عصرنا تُدَرَّس في المعاهد والجامعات، ولحقها من الشروح، والتعليقات، الخير الكثير.
العاشرة: التكرار:
التكرار من أَساليب القرآن الكريم في قصص الأنبياء والمرسلين، وفي جملة من أحكام الدين وفي آيات التوحيد، والترغيب والترهيب، ومثله في السنة المطهرة، وهو ظاهر جدًّا في صحيح البخاري.
والتكرار عند شيخ الإِسلام يكون من ثلاث جهات: تكرار المسألة في الكتاب الواحد، أو في كتاب آخر فأكثر، أو جعل مصنفين فيها فأكثر.
وهذا التكرار بأنواعه الثلاثة سمة بارزة في آثار شيخ الإِسلام؛ لأنه قل أن يكتب ابتداءً، فكتابته إِما فتيا لسائل، أو جوابًا على معترض، أَو ردًّا على مخالف فيحصل تكرر المسألة بحكم تكرر هذه الأسباب وغيرها.
ولهذا قال تلميذه ابن عبد الهادي في: "العقود الدرية: ص/ ٢٠": "وله في غير مسألة مصنف مفرد في مجلد" انتهى.
وقال في: ص/٢٧: "وله في مسألة القرآن مؤلفات كثيرة وأجوبة وغير ذلك ... ".
وذكر من مكرراته في التصنيف أَشياء كثيرة جدًّا تُعرف من النظر في ثبت مصنفاته ص/ ٢١ - ٤٧.
стр. 68
الحادية عشرة: قراءتها عليه:
قال تلميذه الحافظ ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في: "العقود الدرية ص/٣٢٧": "كان يُقرأ عليه في تلك المدة من كتبه، وهو يصلح فيها ويزيد وينقص" انتهى.
وقال تلميذه الإِمام الحافظ ابن القيم -رحمه الله تعالى- في: "النونية" كما في: "الجامع: ص/٢٧٨": بعد أن عَدَّ جملة من كتبه الكبار:
وقرأت أكثرها عليه فزادني ... والله في علم وفي إيمان
وقد شرح العلامة محمود شكري الآلوسي ما نظمه ابن القيم في أثناء رده على النبهاني الضال في كتابه النفيس المسمى بـ: "غاية الأماني في الرد على النبهاني: ١/ ٣٧٩ فما بعدها".
الثانية عشرة: تبييضها:
يُراد بتبييض الكتاب نقله من خط مؤلفه لتكثر نسخه وينتشر حتى لا يضيع ولا يفتقد، كما يفهم ذلك من كلام تلميذه الحافظ ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في: "العقود الدرية": في المواضع الآتية:
١ - قوله في: ص/٢٩: "وله في الطلاق، ومسائل الخلع وما يتعلق بذلك من الأحكام شيء كثير، ومصنفات عديدة، بَيَّض الأصحاب من ذلك كثيرًا، وكثير منه لم يبيض، ومجموع ذلك نحو العشرين مجلدًا" انتهى.
٢ - وقوله في: ص/٢٩: "وله قواعد كثيرة في فروع الفقه لم تبيض بعد، ولو بيضت كانت مجلدات عدة" انتهى.
стр. 69
٣ - وقال في: ص/ ٤٥: "وله في الأحاديث وشروحها شيء كثير جدًّا، منها ما بيض، ومنها ما لم يبيض، ولو بيض لبلغ مجلدات عديدة" انتهى.
٤ - ومنها قوله في: ص/٤٨: "وله تصانيف كثيرة وتعاليق مفيدة في الفروع والأُصول، كمل منها جملة وبيضت وكتبت عنه، وجملة كثيرة لم يكملها، وجملة كملها ولكن لم تبيض" انتهى.
الثالثة عشرة: ما لم يَكْمُل منها:
في آخر الإفادة قبل هذه قول ابن عبد الهادي وفيه: "جملة كثيرة -أي من كتبه- لم يكملها, ولكن لم تبيض" انتهى.
وهذه الكتب الكثيرة التي لم يكملها, لم أقف منها إلا على الآتي كما في: "العقود الدرية: ص/ ٣٧".
١ - شرح العمدة في الفقه للموفق ابن قدامة. ربع العبادات فقط.
٢ - شرح المحرر، وهو تعليقة في مجلدات لم تكتمل.
٣ - نقض التأسيس، لم يكمله إلى الآخر.
٤ - شرح أول كتاب الغزنوي في أصول الدِّين.
٥ - شرح أول المحصل للرازي.
الرابعة عشرة: كتبه التي أُوذي بسببها (١):
مضى ذكر شيء من ذلك في بيان سجناته من: "المدخل
стр. 70
الأول"، ويمكن بيان فتاويه التي أوذي بسببها فيما يأتي:
١ - الحموية الكبرى, جرت له بسببها أُمور ومحن كما في: "العقود الدرية. ص/ ١٣٢ - ١٧٠، ٢٤٩".
٢ - العقيدة الواسطية، كما في مواضع من: "العقود الدرية".
٣ - مسألة منع شد الرحال إلى القبور، كما في: "العقود الدرية ص/٢١٧ - ٢٤٠".
٤ - فتاويه في الطلاق لا سيما جعل الطلاق الثلاث بلفظ واحد واحدة. "العقود الدرية ص/ ٢١٥ - ٢١٦".
الخامسة عشرة: مكان تأليفها:
أَلَّف -رحمه الله تعالى- بعضها في دمشق، وبعضها في مصر، وبعضها في السجن فيهما، وكان أكثر سَجْنَةٍ أَلَّف فيها هي السَّجْنَةُ الأخيرة التي توفي فيها بدمشق.
وقد وعد تلميذه ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في بيان ذلك فقال في: "العقود الدرية: ص/ ٤٧" بعد سَرْد مؤلفاته: "وله من الأجوبة والقواعد شيء كثير غير ما تقدّم ذكره، يشق ضبطه وإِحصاؤه، ويعسر حصره واستقصاؤه. وسأَجتهد -إِن شاء الله- في ضبطها ما يمكنني من ضبط مؤلفاته في موضع آخر غير هذا، وأُبين ما صنفه منها بمصر، وما أَلَّفه منها بدمشق وما جمعه وهو في السجن، وأُرتبه ترتيبًا حَسَنًا غير هذا الترتيب بعون الله تعالى وقوته ومشيئته" انتهى.
ولعل الأُمنية لم تتحقق لهذا التلميذ البار؛ إِذ عاجلته المنية
стр. 71
وهو في الأربعين من عمره فتوفي سنة ٧٤٤ - رحمه الله تعالى- وكانت ولادته سنة ٧٠٥.
وهذه إِشارة إِلى بعض من ذلك وهو في السجن:
قال الحافظ ابن رجب في: "الذيل: ٢/ ٤٠٣":
"ولنذكر نبذة من أَسماء أعيان المصنفات الكبار: "كتاب الإِيمان" مجلد. كتاب "الاستقامة" مجلدان. "جواب الاعتراضات المصرية على الفتوى الحموية" في ستة مجلدات كبار. كتاب "المحنة المصرية" مجلدان. "المسائل الإسكندرانية" مجلدان. "الفتاوى المصرية" سبع مجلدات. وكل هذه التصانيف ما عدا كتاب الإيمان كتبه وهو بمصر في مدة سبع سنين، صنفها وهو في السجن. وكتب معها أَكثر من مائة لَفَّةِ ورق أيضًا" انتهى.
وفي السَّجْنة الثالثة بمصر ألَّف كتابه: "الرد على البكري" وفي "السَّجْنة السابعة بدمشق ألّف كتابه: "الرد على الإخنائي". وفي أذيال السَّجْنة الأولى ألَّف كتابه: "الصارم المسلول".
قال الحافظ ابن عبد الهادي في: "العقود الدرية: ص/ ٢١" عن أَبي عبد اللّه بن رُشَيِّق: "ثم لما حُبسَ في آخر عمره كتبت له أَن يكتب على جميع القرآن تفسيرًا مرتبًا على السور فكتب يقول: إِنّ القرآن فيه ما هو بيِّن في نفسه، وفيه ما قد بيَّنه المفسِّرون في غير كتاب، ولكن بعض الآيات أَشكل تفسيرها على جماعة من العلماء، فربما يطالع الإنسان عليها عدة كتب ولا يتبين له تفسيرها، وربما كتب المصنف الواحد في آية تفسيرًا، ويفسر غيرها بنظيره، فقصدت تفسير تلك الآيات بالدليل؛ لأنه أهم من غيره، وإِذا تبين
стр. 72
معنى آية تبين معنى نظائرها.
وقال: وقد فتح الله عليَّ في هذه المرة من معاني القرآن ومن أُصول العلم بأَشياء كان كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن. أو نحو هذا.
وأَرسل إِلينا شيئًا يسيرًا مما كتبه من هذا الجنس، وبقي شيء كثير في سَلَّةِ الحكم عند الحكام لَمَّا أَخرجوا كتبه من عنده، وتوفي وهو عندهم إِلى هذا الوقت نحو أَربع عشرة رزمة.
ثم ذكر الشيخ أَبو عبد اللّه ما رآه ووقف عليه من تفسير الشيخ" انتهى.
السادسة عشرة: خطه:
مَرَّ في: "الإفادة الثامنة": أنه -رحمه الله تعالى- كان سريع الكتابة. وكان خَطُّهُ -رحمه الله تعالى- في غاية التعليق والإِغلاق، كما وصفه بذلك تلميذه ابن الوردي في: "تتمة المختصر"، حتى إِنّه يشكل عليه أحيانًا فيدعو تلميذه أبا عبد اللّه ابن رُشَيِّق المغربي المتوفى سنة ٧٤٩ - رحمه الله تعالى- لِحَلِّه؛ ولهذا قال ابن كثير في: "تاريخه: ١٤/ ٢٢٩ ": "وكان أبصر بخط الشيخ منه".
ومن أدلته في المعاصرين: أن كتابه -رحمه الله تعالى-: "قاعدة في الاستحسان" كان لدى الشيخ ابن قاسم -رحمه الله تعالى- منذ البدء في جمع: "مجموع الفتاوى" ولم يستطع إدخالها لاستغلاق خطها؛ لأنها بخط شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- وبعد زمن أخذ بحله شيئًا فشيئًا حتى طبعها ضمن "المستدرك على مجموع الفتاوى".
وفي هذه الأثناء كان الشيخ/ محمَّد عزير شمس قد تحصل
стр. 73
على نسخة منها بخط شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- فطبعها مفردة، وذكر أنه لاقى الألاقي في حَلِّ خطبها.
السابعة عشرة: مراسلاته:
شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-؛ إِما أن يراسل ابتداء وذلك في رسائله من السجن إلى والدته وإِخوانه، وطلبه بعض الكتب من الشام وهو في مصر، ومثل رسائله في نصح الولاة، ووصاياه التي يبعث بها إِلى آخرين مثل وصيته لنصر المنبجي، ولابن المهاجري، وللتجيبي، ولأتباع عدي بن مسافر، وغيرهم.
وإِما أن تكون مراسلاته جوابًا على ما ورد إِليه، فقد راسله عامة أَهل الأمصار مشرقًا ومغربًا، عربًا وعجمًا، يستفتونه ابتداءً، أَو يراسلونه اعتراضًا على فتيا ونحوها، أَو طلبًا للإِجازة، فيجيبهم -رحمه الله تعالى- وكان هذا النوع من المراسلات ينسب إِلى بلد السائل، فيُقال: "الفتوى الحموية" نسبة إِلى حماة، وقد يسميها المؤلف -رحمه الله تعالى- في كتاب آخر منسوبة إِلى البلد الذي ورد منه السؤال، كما سَمَّى جوابه على السؤال الوارد إِليه من: "صفَد" باسم: "الصفدية" في مواضع من كتبه، كما في مقدمة التحقيق لها: (١/ ٣ - ٤)، ومن هذه الأمصار:
جزيرة العرب: رسالة إِلى ملوك العرب. المدينة. البحرين.
الشام: حلب. حماه. ماردين. زرع. الرَّحْبَة. كسروان. بعلبك. طرابلس. تدمر. القدس. صفد. الصلت- الصلط-.
العراق: بغداد. البصرة. واسط. إِربل.
стр. 74
مصر: القاهرة. الإِسكندرية. الأزهر. الصعيد.
تركيا: قبرص.
بلاد العجم: أصبهان. طبرستان. جيلان.
المغرب: مراكش. الأندلس.
فهو بحق مفتي العالم.
* ومن إِجازاته لأهل الأمصار:
توريز. غرناطة. أصبهان. سَبْتَة التمسها منه صاحب سبتة فكتبها في عشر ورقات بأسانيدها من حفظه بحيث يعجز أن يعمل بعضه أكبر محدِّث كما في "العقود الدرية: ص/ ٨١".
فهو بحق محدِّث العالم الإِسلامي في زمانه؛ ولهذا قال تلميذه الحافظ الذهبي: "كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث".
الثامنة عشرة: ترجمتها:
كما كان لعلماء الحديث في شبه القارة الهندية فضل السبق بطباعة كتب شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فقد كان لهم فضل السبق في ترجمة ما يزيد على أربعين كتابًا منها إِلى اللغة الأردية، بداية من أول كتاب طبعوه مع الترجمة عام ١٢٩١ وهو كتاب: "الفتوى الحموية" في المطبع المحمدي بلاهور، تلاه في عام ١٢٩٥ طبع كتاب: "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" في المطبع المذكور بلاهور.
стр. 75
وفي عام ١٣٠٦ طبع مترجمًا إلى اللغة التركية كتاب: "السياسة الشرعية" ترجمه: بير محمَّد بن علي عاشق للسلطان سليم خان، وسماه: "معراج الإِيالة ومنهاج العدالة" وزاد فيه أشياء تتعلق بالحرب وبيت المال.
وقبل ذلك بسبع سنين نشر المستشرق جويار في مجلة الجمعية الآسيوية بباريس. المجلد / ١٨ (سنة ١٢٨٨/ ١٨٧١ م. ص / ١٥٨ - ١٩٨): "فتوى النصيرية" مع ترجمتها إلى اللغة الفرنسية.
وفي عصرنا تُرجم من كتبه ورسائله الشيء الكثير إلى عدد من اللغات: الإنكليزية وغيرها. ومنها ترجمة ثمانية مجلدات من: "مجموع فتاوى شيخ الإِسلام" جمع ابن قاسم إِلى اللغة التركية، وقد توقف المترجم لعدم حصوله على من يُمول هذا المشروع!!.
التاسعة عشرة: هل رجع عن شيء من كُتْبه ؟
علماء أهل السنة والجماعة، هم الهداة القادة، وشأنهم الإنصاف والإِصلاح، ومنه مناشدة الدليل، والأوبةُ إليه متى استبان. وشيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- يذكر في مواضع متعددة من كتبه كما في: "الفتاوى: ٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥، ٦/ ٢٥٨، ١٠/ ٤١٨ - ٤١٩، ٢١/ ٥١٦، ٢٢/ ٧١، ٣٥/ ٣١٩" وفي: "جامع الرسائل: ٢/ ٥٦" وفي: "اقتضاء الصراط المستقيم: ٢/ ٨٠٢" رجوعه عن بعض القضايا لما تبين له الدليل على خلافها.
ومعلوم أن شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- نبغ مبكرًا، وتفتحت له أنوار الوحيين منذ نعومة أَظفاره كما تدل عليه الوقائع والقصص التي ذكرها مترجموه في ترجمته فلذلك نَجَا قبل الشروع في التأليف.