Полный текст (97 стр.). Показаны 71–97 · переход к 76.
стр. 71
وهو في الأربعين من عمره فتوفي سنة ٧٤٤ - رحمه الله تعالى- وكانت ولادته سنة ٧٠٥.
وهذه إِشارة إِلى بعض من ذلك وهو في السجن:
قال الحافظ ابن رجب في: "الذيل: ٢/ ٤٠٣":
"ولنذكر نبذة من أَسماء أعيان المصنفات الكبار: "كتاب الإِيمان" مجلد. كتاب "الاستقامة" مجلدان. "جواب الاعتراضات المصرية على الفتوى الحموية" في ستة مجلدات كبار. كتاب "المحنة المصرية" مجلدان. "المسائل الإسكندرانية" مجلدان. "الفتاوى المصرية" سبع مجلدات. وكل هذه التصانيف ما عدا كتاب الإيمان كتبه وهو بمصر في مدة سبع سنين، صنفها وهو في السجن. وكتب معها أَكثر من مائة لَفَّةِ ورق أيضًا" انتهى.
وفي السَّجْنة الثالثة بمصر ألَّف كتابه: "الرد على البكري" وفي "السَّجْنة السابعة بدمشق ألّف كتابه: "الرد على الإخنائي". وفي أذيال السَّجْنة الأولى ألَّف كتابه: "الصارم المسلول".
قال الحافظ ابن عبد الهادي في: "العقود الدرية: ص/ ٢١" عن أَبي عبد اللّه بن رُشَيِّق: "ثم لما حُبسَ في آخر عمره كتبت له أَن يكتب على جميع القرآن تفسيرًا مرتبًا على السور فكتب يقول: إِنّ القرآن فيه ما هو بيِّن في نفسه، وفيه ما قد بيَّنه المفسِّرون في غير كتاب، ولكن بعض الآيات أَشكل تفسيرها على جماعة من العلماء، فربما يطالع الإنسان عليها عدة كتب ولا يتبين له تفسيرها، وربما كتب المصنف الواحد في آية تفسيرًا، ويفسر غيرها بنظيره، فقصدت تفسير تلك الآيات بالدليل؛ لأنه أهم من غيره، وإِذا تبين
стр. 72
معنى آية تبين معنى نظائرها.
وقال: وقد فتح الله عليَّ في هذه المرة من معاني القرآن ومن أُصول العلم بأَشياء كان كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن. أو نحو هذا.
وأَرسل إِلينا شيئًا يسيرًا مما كتبه من هذا الجنس، وبقي شيء كثير في سَلَّةِ الحكم عند الحكام لَمَّا أَخرجوا كتبه من عنده، وتوفي وهو عندهم إِلى هذا الوقت نحو أَربع عشرة رزمة.
ثم ذكر الشيخ أَبو عبد اللّه ما رآه ووقف عليه من تفسير الشيخ" انتهى.
السادسة عشرة: خطه:
مَرَّ في: "الإفادة الثامنة": أنه -رحمه الله تعالى- كان سريع الكتابة. وكان خَطُّهُ -رحمه الله تعالى- في غاية التعليق والإِغلاق، كما وصفه بذلك تلميذه ابن الوردي في: "تتمة المختصر"، حتى إِنّه يشكل عليه أحيانًا فيدعو تلميذه أبا عبد اللّه ابن رُشَيِّق المغربي المتوفى سنة ٧٤٩ - رحمه الله تعالى- لِحَلِّه؛ ولهذا قال ابن كثير في: "تاريخه: ١٤/ ٢٢٩ ": "وكان أبصر بخط الشيخ منه".
ومن أدلته في المعاصرين: أن كتابه -رحمه الله تعالى-: "قاعدة في الاستحسان" كان لدى الشيخ ابن قاسم -رحمه الله تعالى- منذ البدء في جمع: "مجموع الفتاوى" ولم يستطع إدخالها لاستغلاق خطها؛ لأنها بخط شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- وبعد زمن أخذ بحله شيئًا فشيئًا حتى طبعها ضمن "المستدرك على مجموع الفتاوى".
وفي هذه الأثناء كان الشيخ/ محمَّد عزير شمس قد تحصل
стр. 73
على نسخة منها بخط شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- فطبعها مفردة، وذكر أنه لاقى الألاقي في حَلِّ خطبها.
السابعة عشرة: مراسلاته:
شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-؛ إِما أن يراسل ابتداء وذلك في رسائله من السجن إلى والدته وإِخوانه، وطلبه بعض الكتب من الشام وهو في مصر، ومثل رسائله في نصح الولاة، ووصاياه التي يبعث بها إِلى آخرين مثل وصيته لنصر المنبجي، ولابن المهاجري، وللتجيبي، ولأتباع عدي بن مسافر، وغيرهم.
وإِما أن تكون مراسلاته جوابًا على ما ورد إِليه، فقد راسله عامة أَهل الأمصار مشرقًا ومغربًا، عربًا وعجمًا، يستفتونه ابتداءً، أَو يراسلونه اعتراضًا على فتيا ونحوها، أَو طلبًا للإِجازة، فيجيبهم -رحمه الله تعالى- وكان هذا النوع من المراسلات ينسب إِلى بلد السائل، فيُقال: "الفتوى الحموية" نسبة إِلى حماة، وقد يسميها المؤلف -رحمه الله تعالى- في كتاب آخر منسوبة إِلى البلد الذي ورد منه السؤال، كما سَمَّى جوابه على السؤال الوارد إِليه من: "صفَد" باسم: "الصفدية" في مواضع من كتبه، كما في مقدمة التحقيق لها: (١/ ٣ - ٤)، ومن هذه الأمصار:
جزيرة العرب: رسالة إِلى ملوك العرب. المدينة. البحرين.
الشام: حلب. حماه. ماردين. زرع. الرَّحْبَة. كسروان. بعلبك. طرابلس. تدمر. القدس. صفد. الصلت- الصلط-.
العراق: بغداد. البصرة. واسط. إِربل.
стр. 74
مصر: القاهرة. الإِسكندرية. الأزهر. الصعيد.
تركيا: قبرص.
بلاد العجم: أصبهان. طبرستان. جيلان.
المغرب: مراكش. الأندلس.
فهو بحق مفتي العالم.
* ومن إِجازاته لأهل الأمصار:
توريز. غرناطة. أصبهان. سَبْتَة التمسها منه صاحب سبتة فكتبها في عشر ورقات بأسانيدها من حفظه بحيث يعجز أن يعمل بعضه أكبر محدِّث كما في "العقود الدرية: ص/ ٨١".
فهو بحق محدِّث العالم الإِسلامي في زمانه؛ ولهذا قال تلميذه الحافظ الذهبي: "كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث".
الثامنة عشرة: ترجمتها:
كما كان لعلماء الحديث في شبه القارة الهندية فضل السبق بطباعة كتب شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فقد كان لهم فضل السبق في ترجمة ما يزيد على أربعين كتابًا منها إِلى اللغة الأردية، بداية من أول كتاب طبعوه مع الترجمة عام ١٢٩١ وهو كتاب: "الفتوى الحموية" في المطبع المحمدي بلاهور، تلاه في عام ١٢٩٥ طبع كتاب: "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" في المطبع المذكور بلاهور.
стр. 75
وفي عام ١٣٠٦ طبع مترجمًا إلى اللغة التركية كتاب: "السياسة الشرعية" ترجمه: بير محمَّد بن علي عاشق للسلطان سليم خان، وسماه: "معراج الإِيالة ومنهاج العدالة" وزاد فيه أشياء تتعلق بالحرب وبيت المال.
وقبل ذلك بسبع سنين نشر المستشرق جويار في مجلة الجمعية الآسيوية بباريس. المجلد / ١٨ (سنة ١٢٨٨/ ١٨٧١ م. ص / ١٥٨ - ١٩٨): "فتوى النصيرية" مع ترجمتها إلى اللغة الفرنسية.
وفي عصرنا تُرجم من كتبه ورسائله الشيء الكثير إلى عدد من اللغات: الإنكليزية وغيرها. ومنها ترجمة ثمانية مجلدات من: "مجموع فتاوى شيخ الإِسلام" جمع ابن قاسم إِلى اللغة التركية، وقد توقف المترجم لعدم حصوله على من يُمول هذا المشروع!!.
التاسعة عشرة: هل رجع عن شيء من كُتْبه ؟
علماء أهل السنة والجماعة، هم الهداة القادة، وشأنهم الإنصاف والإِصلاح، ومنه مناشدة الدليل، والأوبةُ إليه متى استبان. وشيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- يذكر في مواضع متعددة من كتبه كما في: "الفتاوى: ٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥، ٦/ ٢٥٨، ١٠/ ٤١٨ - ٤١٩، ٢١/ ٥١٦، ٢٢/ ٧١، ٣٥/ ٣١٩" وفي: "جامع الرسائل: ٢/ ٥٦" وفي: "اقتضاء الصراط المستقيم: ٢/ ٨٠٢" رجوعه عن بعض القضايا لما تبين له الدليل على خلافها.
ومعلوم أن شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- نبغ مبكرًا، وتفتحت له أنوار الوحيين منذ نعومة أَظفاره كما تدل عليه الوقائع والقصص التي ذكرها مترجموه في ترجمته فلذلك نَجَا قبل الشروع في التأليف.
стр. 76
ولا أعلم أَنّه أَلَّف شيئًا ورجع عنه سوى ما أشار إليه في منسكه الأخير بقوله: "فقد تكرر السؤال من كثير من المسلمين أن أكتب في بيان مناسك الحج ما يحتاج إليه غالب الحجاج في غالب الأوقات، فإنِّي كنت قد كتبت منسكًا في أوائل عمري فذكرت فيه أدعية كثيرة، وقلدت في الأحكام من اتبعته قبلي من العلماء، وكتبت في هذا ما تبين لي من سنة رسوله الله ﷺ " انتهى من "مجموع الفتاوى: ٢٦/ ٩٨".
أَمَّا رجوعه في المسألة: والمسألتين والتصحيح والتضعيف عن تحقيق وتدقيق فهذا يقع له -رحمه الله تعالى- كما يقع لغيره من المحققين. والله أعلم.
العشرون: الكتب المنحولة عليه:
على الرَّغم من كثرة مؤلفات هذا الإِمام، وكثرة خصومه من شتى الملل والطوائف والفرق فإِنّ انتحال الكتب عليه قليل، وهذا من حفظ الله لِعِلْمِ هذا الإِمام. ومنها:
١ - منظومة في العقائد.
٢ - رسالة في أن الجهاد للدفاع ولا يكون ابتداء على الكفر.
ذكرهما ابن قاسم -رحمه الله تعالى- في مقدمة الجزء الثامن من: مجموع الفتاوى. ص/ ١ - ٢.
٣ - دعاء ختم القرآن. المشهور بين الناس اليوم. ذكره الشيخ عبد الرحمن ابن قاسم -رحمه الله تعالى- في وصيةٍ له كما نبهت على ذلك في أول رسالتي: "مرويات دعاء ختم القرآن"،
стр. 77
ولهذا فيستغرب إدخال ابنه الشيخ محمَّد -رحمه الله تعالى- له في "المستدرك: ٣/ ١٠٨ - ١١١".
أَمَّا الانتحال عليه، والتحريف في كلامه في حياته وبعد مماته -رحمه الله تعالى- في مسألة أو قضية، فقد وقع من ذلك أمور كثيرة بَيَّن زَيْفَ ما وقع منها في حياته، وكشف عنها وعن غيرها تلاميذه، والمناصرون له على امتداد الدهر، منها:
١ - زُوِّرَ عليه في حياته -رحمه الله تعالى- كتاب- رسالة- إلى الأمير الجاشنكير المقتول سنة ٧٠٩ يتضمن عقيدة له محرفة "العقود الدرية: ص/ ٢٠٨".
٢ - زُوِّر عليه في حياته كتاب -رسالة- موجه إلى التتر، يناصحهم فيها ومعه آخرون، وقد فضح المزورون عليهم "البداية والنهاية: ١٤/ ٢٢".
٣ - الكذب عليه في حياته بأنه رجع عن عقيدته. "العقود الدرية: ص/٢٠٤ - ٢٠٩".
٤ - الكذب عليه في حياته بأنه أنكر تحريف التوراة. "القول الجلي: ص/ ٥٧ - ٦٧".
٥ - الكذب عليه في حياته في مسألة الزيارة في القبور وشد الرحال إليها. "العقود الدرية: ص/ ٣٤٠ - ٣٤١". "الكواكب: ص/ ١٥٧".
٦ - الكذب عليه في مسألة النزول، ونسبتها إلى رحلة ابن بطوطة. "الدرر الكامنة: ١/ ١٦٤". "رحلة ابن بطوطة: ص/ ١٢٠" وهي كذبة صلعاء يبطلها التاريخ فإن ابن بطوطة لم يدخل
стр. 78
دمشق إلا في ٩ رمضان ٧٢٦ أي: بعد اعتقال شيخ الإِسلام في سجنه الأخير الذي توفي فيه -رحمه الله تعالى-.
٧ - الكذب عليه بأنه طعن في الخليفتين عمر وعلي ﵄. "القول الجلي. ص/ ٥٧ - ٦٧ ".
٨ - الكذب عليه بأنَّه يوالي النصارى، وَأَنَّى يكون ذلك وله كتاب: "الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح"، وانظر: "الفتاوى: ٢/ ١١٨".
وهذه الوقائع من الكذب والتزوير ليس لها ما يسندها من كلامه -رحمه الله تعالى- لكن هذا دأب الخصم المفلس!؟!.
الحادية والعشرون: الجُنَاة على كتب شيخ الإِسلام وأَنواع جناياتهم:
ليس الجُناة الذين يخالفونه في الاعتقاد والمذهب فيردون عليه بالباطل، فهؤلاء عداوتهم مكشوفة جارية على سنة الصراع بين الخير والشر، والحق والباطل، وقد تكون جنايتهم من أسباب ظهور الحق وانتشاره وتأييده على أيديهم، ومنهم في عصرنا من أشقى نفسه وآذاها بالصَّدِّ عنها والحَطِّ عليها: محمَّد زاهد الكوثري المتوفى سنة ١٣٧١. وليس الجُناة الذين احترقوا بها، وضاقوا بها ذرعًا فَشَالَت نَعَامَتُهم بالإِقدام على كتبه إتلافًا بالحرق وغيره، كما نُسب ذلك إِلى الأمير عبد القادر الجزائري المتوفى سنة ١٣٠٠ كما ذكر ذلك زهير الشاويش في مقدمة نشر: "الكلم الطيب" و"شرح الطحاوية" و"هوامش دفتر المخطوطات: ص/١١ - ١٢": وما هذا من الجزائري إلا لخبث مشربه ونصرته لمذهب ابن عربي الملحد.
стр. 79
أَما أبو اليسر عابدين فقد جَهَّل نفسه كما تراه في: "المقدمة الرابعة".
وإحراق كتبه داء قديم طالما فعله أعداؤه أعداء الكتاب والسنة، قال المقريزي المتوفى سنة ٨٤٥ - رحمه الله تعالى- في: "المقفى الكبير": "وأكثر ما يوجد منها الآن بأيدي الناس قليل من كثير، فإنّه أحْرِقَ منها شيء كثير، ولا حول ولا قوة إلا بالله" انتهى.
ومضى في أول "المدخل الثالث" مُثُلٌ من -استعداء علماء السوء للسلطة الظالمة عليها، ومن آثار ذلك أيضًا ما ذكره ابن حامد في رسالته لابن رُشَيِّق كما في: "العقود الدرية": "سبق الوعد الكريم منكم بإنفاذ فهرست مصنفات الشيخ ﵁ وتأخر ذلك عني اعتقدت أن الإضراب عن ذلك نوع تقية أو لعذر لا يسعني السؤال عنه، فسكتُّ عن الطلب خشية أن يلحق أحدًا ضرر -والعياذ بالله- بسببي؛ لما كان قد اشتهر من تلك الأحوال ... " انتهى.
وهؤلاء وأولئك مجاهرون بالعداوة معلنون لها فلا تخفى حالهم -وعليهم من الله ما يستحقون-.
لكن الجُناة: هم المستخْفُون الذين يقولون: قال شيخ الإِسلام، وهم يميلون به عن الحق الذي قاله ميلًا عظيمًا، هم الذين يحرفون كلامه، وقد عانى شيخ الإِسلام من خصومه شيئًا من ذلك في حياته، كما في كتابه: "الرد على الإخنائي: ص/١٣" إذ قال: "وكان ينبغي أن يذكر لفظ المجيب بعينه، ويبين ما فيه من الفساد، وإِن ذكر معناه فيسلك سبيل الهدى والسنة، فأما أن يذكر
стр. 80
عنه ما ليس فيه فهذا خروج عن الصدق والعدل إلى الكذب والظلم" انتهى.
وحرفوا عليه في مسألة الزيارة في حياته كما بينه مبسوطًا تلميذه ابن كثير في: "تاريخه" في أحداث سنة ٧٢٦. ومنها الكذبة الصلعاء في: "رحلة ابن بطوطة" التي يكذبها التاريخ, وانظر التنبيه على هذه وأمثالها في كتاب: "موقف ابن تيمية من الأشاعرة: ١/ ١٧٩ - ١٨٠، ١٩٣" للشيخ/ عبد الرحمن بن صالح المحمود.
والجُناة: هم الذين يقدمون على تغيير نسبة مؤلفاته إلى غيره؛ لإِخفاء فضله وعلمه كما فعل من فعل بنسبة كتاب "الصفدية" للحافظ ابن الصلاح على أحد الاحتمالين، كما في مقدمة التحقيق، وكما وجد في نسخة من كتابه "نقض التأسيس" منسوبة إلى ابن فورك؟.
أَما الجناة كل الجناة: فهم في عصرنا طُلَّاب الطروس، الذين يظهرون الانتساب إلى الحديث وأهله، وينادون بالسُّنة ونصرتها، ثم يَمدُّوْن إِلى الباطل أنبوبًا, وللتضليل يستدلون عليه بكلام لشيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- حتى يغرر واحدهم بالناس ويضلل أهل السنة والجماعة ويعدل بهم عن الحق الذي قرره شيخ الإِسلام، وهذه فتنة عمياء وانشقاق في صف أَهل السنة والجماعة، وبذر للشقاق وغرس لحنظل الخلاف. وهكذا يكون الفتون -نسأل الله السلامة والعافية-.
ولهم في ذلك من الباطل طرق شتى منها:
стр. 81
١ - الأخذ بالمتشابه وهجر المحكم.
٢ - التقاط العبارات المجملة أو المحتملة أو الموهمة، والإعراض عن الصريحة الواضحة.
٣ - المغالطة في دلالة بعض العبارات.
٤ - قطع الكلام المستدل به عن السِّباق واللحاق الذي لا يتضح إلا بهما.
٥ - بتر الكلام في أوله أو مثانيه أو آخره ....
٦ - إبدال لفظة بأُخرى.
٧ - توظيف النص على غير المراد منه.
٨ - توظيف لفظة في غير ما يدل عليها السياق في واحدة من دلالات الألفاظ الثلاث: اللغوية. والشرعية. والعرفية.
٩ - يكون له كلام مجمل في موضع، لكنه مفصَّل مبسوط في موضع آخر فيأخذ بالمجمل ويترك المفصل.
١٠ - العدول عن المذهب الحق المنصور الذي شَهَّره هذا الإِمام ودافع عنه ونصره إلى مشتبه العبارات أو القول المهجور.
١١ - يكون له قولان أو فتويان تصادم إحداهما الأخرى، إِحداهما هي الحق الذي تناقله الوارثون لعلمه عنه، والأخرى مهجورة لأنها خلاف قوله المنصور، وإِن لم يصرح بالرجوع عنه، فيأتي مبتغي الفتنة فيأخذ بالمهجور دون المتوارث المنصور.
ومنها -مثلًا- فتوى شيخ الإِسلام المشهورة أن الخضر نبي
стр. 82
وأنه قد مات وهذا هو الحق المؤيد بالدليل، وله كلام على أنه ولي وأنه حي، لكنه مهجور، فيأتي مبتغي الفتنة فيأخذ بالمهجور ويترك المنصور المشهور.
١٢ - ومن أهمها: أن يسوق شيخ الإِسلام كلامًا على لسان المخالف، فيأخذه صاحب الهوى على أنه قوله واختياره؟!.
وكثيرًا ما يغلط في هذا أصحاب الجمع الموضوعي لكلامه، فيسوقون تفسير آية من كتاب الله بما ساقه شيخ الإِسلام على لسان المخالف، ثم هؤلاء يسوقونه على أنه من تفسيره لهذه الآية.
وهذا من تضييع الحق الذي حذر منه شيخ الإِسلام بقوله كما في: "الفتاوى: ٢٥/ ١٢٩": "وكثيرًا ما يضيع الحق بين الجهال الأُميين وبين المحرفين للكلم الذين فيهم شعبة من نفاق، كما أخبر سبحانه عن أهل الكتاب حيث قال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [البقرة/ ٧٥] " انتهى.
وقال -رحمه الله تعالى- في: "الجواب الصحيح: ٤/ ٤٤":
"يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض، ويؤخذ كلامه ههنا وههنا، وتعرف ما عادته يعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به، وتعرف المعاني التي عرف أنه أرادها في موضع آخر، فإِذا عُرِف عُرْفه وعادته في معانيه وأَلفاظه كان هذا مما يُستعان به على معرفة مراده" انتهى.
وإِن جميع هذه الجنايات لا يفعل شيئًا منها من يخاف مقامه
стр. 83
بين يدي ربه.
وإِن المصلحين لهم بالمرصاد، وقد فضحوهم على تتابع الأزمان، وإِن من ينصر الكتاب والسنة يهيء الله له من يحفظ علمه وينصره في حياته وبعد مماته، والحمد لله رب العالمين.
قال الحافظ ابن عبد الهادي في: "العقود الدرية: ص/ ٤٨":
"ولقد رأيت من خَرْق العادة في حفظ كتبه وجمعها، وإِصلاح ما فسد منها، ورد ما ذهب منها مالو ذكرته لكان عجبًا، يعلم به كل منصف: أن لله عناية به وبكلامه؛ لأنه يذب عن سنة نبيه ﷺ تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" انتهى.
* * *
стр. 84
المدخل الخامس جهود المصلحين بطبعها
منذ اشتهار ظهور المطابع في العالم الإِسلامي تنافس المصلحون من العلماء والولاة والأثرياء بطبع مؤلفات هذا الإِمام وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله تعالى- فوضع العلماء أيديهم على ما شاء الله منها ودفعوها إِلى الطبع، وكان فضل السبق في ذلك لعلماء الحديث في شبه القارة الهندية، لكن غابت عنا أسماء كثير منهم لأنهم -رحمهم الله تعالى- لتواضعهم لم يكونوا يضعون على الغلاف اسم من قام بالتصحيح والمقابلة والاعتناء، وإِنما يشيرون إليه في آخره تصريحًا أو مبهمًا.
ولعل أول كتاب طبع لشيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- في الهند هو كتاب: "الفتوى الحموية" مع ترجمتها إلى اللغة الأردية بالمطبع المحمدي سنة ١٢٩١ باعتناء العلامة النواب صديق حسن خان القنوجي المتوفى سنة ١٣٠٧ - رحمه الله تعالى-.
ثم تأتي الأقطار الإِسلامية بعد شبه القارة الهندية: مصر، فالعراق، فالشام، فالجزيرة العربية.
وهذا بيان بتسمية ما تيسر الوقوف عليه من أَعلامهم على آفاقهم:
стр. 85
في شبه القارة الهندية:
١ - النواب صديق حسن خان القنوجي.
٢ - محمَّد بن عبد الله الغزنوي.
٣ - تلطف حسين العظيم آبادي.
٤ - أبو محمَّد إبراهيم الآروي.
٥ - عبد العلي عبد الحميد الأعظمي.
٦ - عبد الصمد شرف الدين الكتبي.
٧ - محمَّد عطاء الله حنيف الفوجياني في لاهور بباكستان.
في مصر:
١ - إبراهيم بن حسن الفيومي.
٢ - إسماعيل بن إبراهيم الإسعردي.
٣ - محمَّد حامد الفقي.
٤ - محمَّد محيي الدين عبد الحميد.
٥ - محمَّد منير الدمشقي. صاحب المطبعة المنيرية بالقاهرة.
٦ - محمَّد رشيد رضا. صاحب مجلة ومطبعة المنار.
٧ - محمَّد عبد الرزاق حمزة.
٨ - محمَّد حسنين مخلوف.
٩ - محمَّد رشاد سالم.
стр. 86
١٠ - محب الدين الخطيب. صاحب المطبعة السلفية بالقاهرة.
١١ - أبو الوفاء محمَّد درويش.
١٢ - محمَّد عبد اللّه السمان.
١٣ - علي السيد صبح المدني.
تنبيه: كان من الذين اشتغلوا في مصر بطبع ونشر كتب شيخ الإِسلام: فرج الله زكي الكردي طبع كتاب: "الفتاوى الكبرى" في خمسة مجلدات، وغيره. وهذا الكردي أَشار غير واحد منهم محمَّد منير الدمشقي في كتابه: "نموذج من الأعمال الخيرية" ومحمد حامد الفقي في مقدمة طبع "الاختيارات" إلى أنه ينتحل مذهب الفرقة الضالة: "البابية" لهذا نفي من الأزهر.
ولا غرابة فعمله هذا تجارة كشأن المستشرقين؟
وفي العراق:
١ - محمود شكري الآلوسي.
٢ - محمَّد بهجت الأثري.
وكان من خبرهما ما ذكره محمَّد بهجت المذكور في ترجمة شيخه محمود الآلوسي. ص/١٢٣ بعنوان: "عنايته بإحياء آثار السلف" قال: "أذكر أول ما أذكر منها قصة: "كتاب نقض أساس التقديس" من تأليف تقي الدِّين أحمد بن تيمية الحراني الدمشقي الإِمام المجدد المشهور، وهو كتاب عظيم حقًّا ينقض به ابن تيمية كتاب "أَساس التقديس" لفخر الدين الرازي العالم الكلامي
стр. 87
المشهور، وقد سمع الآلوسي وجود بعض أجزاء منه في دمشق ونجد، فجدَّ في استكتابها حتى ظفر بها، ووافق وصولها إليه طلبي أخذ العلم عنه، فجعل شرطه عليَّ نسخ هذا الكتاب وقراءته عليه؛ لأُفيد منه الأنظار الصحيحة في العلم وأُصول البحث وطرائق الجدل والاحتجاج، وكان شيخ الإِسلام أعظم فرسان هذا الميدان في الإِسلام" انتهى.
وقال: "لكن أعظم جهده كان مصروفًا إلى كتب الإصلاح الديني، ولا سيما كتب الإِمامين ابن تيمية وابن القيم فإن تقصِّيه لها في خزائن الكتب بالعراق و الشام ومصر والحجاز ونجد والهند، واستكتابه إياها أو نسخه لها بيده، وجدّه في تحقيقها وسعيه في طبعه هو فوق الوصف ... " ثم ذكرَ منها: "منهاج السنة" عام ١٣٢١ وبهامشه "العقل والنقل" وغيرهما.
وفي الشام:
١ - جمال الدين القاسمي.
٢ - طاهر بن صالح الجزائري.
٣ - عبد القادر بدران.
٤ - محمَّد كُرد علي.
٥ - محمَّد بهجت البيطار.
٦ - جميل أفندي الشطي، طبع مقدمة في أُصول التفسير. مع أنه كان منابذًا لمعتقده.
٧ - بدر الدين النعساني.
стр. 88
٨ - محمَّد ناصر الدين الألباني.
٩ - زهير الشاويش. صاحب المكتب الإِسلامي ببيروت.
وكان من خبر الشيخ طاهر الجزائري -رحمه الله تعالى- كما في ترجمته من "كنوز الأجداد ص/ ١٢" لتلميذه محمَّد كُرد علي، قال بعد كلام سبق: "أنه أولع في صباه بكتب شيخ الإِسلام ابن تيمية، وكان جمهرة الفقهاء في عصره تُكفِّر ابن تيمية تعصبًا أو تقليدًا لمشايخها، فلم ير الشيخ لتحبيب ابن تيمية إليهم إلا نشر كتبه بينهم من حيث لا يدرون، فكان يستنسخ رسائله وكتبه، ويرسلها مع من يبيعها إليهم في سوق الوراقين بأثمان معتدلة؛ لتسقط في أيدي بعضهم فيطالعونها، وبذلك وصل إلى غرضه من نشر آراء شيخ الإِسلام التي هي لباب الشريعة" انتهى.
ونحوه في: "تنوير البصائر في سيرة الشيخ طاهر ص/٣٧" لتلميذه محمَّد سعيد الباني المتوفى سنة ١٣٥٣ - رحمه الله تعالى-.
وفي الحجاز:
١ - عبد الرحمن بن يحيى المعلمي المتوفى سنة ١٣٨٦ - رحمه الله تعالى-. وهو من العلماء الأفذاذ، والمحققين المتميزين.
٢ - محمَّد حسين نصيف المتوفى سنة ١٣٩١ - رحمه الله تعالى- كان عالمًا ثريًا، كريمًا، مُمَدَّحًا، محبًّا للعلم والعلماء، جَعَلَ داره نُزُلًا لهم، كثير المراسلة في الخير والمعروف، والنهي عن المنكر.
وكان من خبره أن أبا اليسر عابدين نشر مقالًا في مجلة المجمع
стр. 89
العلمي العربي بدمشق في الجزء الأول من العدد/ ٣٦ ص/٥٨ لعام ١٣٣٦ ادَّعى فيه أن كتب ابن تيمية دخلت في غيابة الجب، وأنها مقطوعة السند، وما أوجدها إلا الحكومة السعودية ... إلخ.
فرد عليه الشيخ نصيف ردًا مقنعًا راسل به كلًّا من/ محب الدين الخطيب، ومحمد بهجت الأثري، وعرضه من قبل على الشيخ محمَّد بن مانع، وقد أقام الأدلة فيه على أن هذه دعوى عرية عن الدليل، وأن مؤلفات ابن تيمية قد عمرت بها خزائن المخطوطات في مكتبات العالم، وأن العلماء من بعده اشتغلوا بها بالنقل منها والاختصار، والنسخ لها وتحملها بالإِسناد نصًّا في عدد من الأثبات والأسانيد، وأن طبعها ونشرها يُعد من مناقب الدولة السعودية ... إلخ كما تجد النص مطوَّلًا في كتاب: "محمَّد نصيف حياته وآثاره ص/١٧٤ - ١٧٥"، وفي: "مجلة حضارة الإِسلام".
وفي نجد:
نستطيع أن نقول: إن عامة علماء نجد لهم مشاركات في طبع ونشر آثار هذا الإِمام كما كان علماء الحديث في شبه القارة الهندية، وهكذا كل من كان على جادة السلف الصالح التي جددها شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- و: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾.
ومن الذين لهم جهود في ذلك:
١ - عبد الرحمن بن قاسم.
٢ - ابنه محمَّد بن عبد الرحمن بن قاسم.
стр. 90
٣ - محمَّد بن مانع.
٤ - سليمان الصنيع النجدي ثم المكي.
كما كان الولاة في هذه الديار يدًا واحدة مع العلماء، فقد تتابع آل سعود ملوكًا وأمراء على بذل المال لطبعها، وكان في الآونة الأخيرة لجامعات المملكة جهود مباركة لا سيما جامعة الإِمام محمَّد بن سعود الإِسلامية بإدارة مديرها السابق الشيخ/ عبد الله بن عبد المحسن التركي.
وفي قطر:
قاسم درويش فخرو.
أمراء آل ثاني حكام قطر.
وكان للشيخ محمَّد بن مانع المتوفى سنة ١٣٨٥ في الزبارة من قطر، والشيخ عبد الله بن زيد آل محمود المتوفى بقطر سنة ١٤١٧ يد حافلة في ذلك -رحم الله الجميع-.
تنبيه: بيان هذه الكتب المطبوعة من أولها إلى الآخر، وما أدخل منها في "مجموع الفتاوى" لابن قاسم، وما لم يدخل فيها، وما طبعه فيها ابتداءً، محله -إن شاء الله تعالى- الثَّبَتُ البخاري إعداده من بعض المشاركين في هذا المشروع.
* * *
стр. 91
المدخل السادس أُمنية العلماء بجمعها والمجاميع لها
العلماء الذين لآثارهم قدم صدق في الأُمة، يحفها إخوانهم واللاحقون بهم بالعناية بها والدلالة عليها؛ ولهذا قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في مقدمة: "إعلام الموقعين": إن فتاوى حبر الأُمة ابن عباس ﵄ لو جمعت لكانت ثلاثين مجلدًا.
ومن هذا الباب اشتغال تلاميذ الإِمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى- بجمع مسائله، حتى جاء تلميذ تلامذته الخلال فجمعها في ثلاثين مجلدًا باسم: "الجامع لمسائل الإِمام أحمد" كما بينت ذلك مفصلًا في "المدخل المفصل".
وشيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- قد نهض تلامذته فمن بعدهم إلى يومنا هذا بجمع آثاره وإِعدادها بمجاميع لها، فإنَّ له -رحمه الله تعالى- في المسألة الواحدة مؤلفات كثيرة، وقواعد، وأَجوبة، إِذا اجتمعت بلغت مجلدات كثيرة كما نبه على ذلك تلميذه ابن عبد الهادي في: "العقود الدرية: ص/ ٢٧ - ٤٨".
منها: في مسألة القرآن، وفي الرد على منكري المعاد. وفي فروع الفقه، وفي زيارة القبور وفي شد الرحال إليها، وفي الطلاق والخلع نحو عشرين مجلدًا، وفي مسألة العلو مجلدات كثيرة.
стр. 92
وفي أجوبة لشرح أحاديث وبيان درجتها.
وكان أول جمع ما ذكره ابن عبد الهادي بقوله: ص/٢٨: "وقد جمع بعض أصحابه قطعة كبيرة من فتاويه الفروعية، وبوبها على أبواب الفقه في مجلدات كثيرة تُعرف بالفتاوى المصرية، سمّاها بعضهم: "الدرر المضية من فتاوى ابن تيمية" انتهى.
وهذه الفتاوى المصرية طبعت باسم: "الفتاوى الكبرى" في خمسة مجلدات غير منسوبة لجامع لها، طبعها فرج الله الكردي، وهي التي كانت تسمى: "القواعد النورانية من الفتاوى المصرية" وهذا الاسم: "القواعد النورانية" ليس هو كتاب: "القواعد النورانية" المطبوع في مجلد والذي أدخل في: مجموع ابن قاسم.
ثم إن: "الدرر المضية ... " مختصر الفتاوى المصرية هي للبعلي وقد طبعت باسم: "مختصر الفتاوى المصرية".
وإِذا قابلت بين هذا المختصر للبعلي وبين ما طبعه الكردي باسم: "مجموع الفتاوى الكبرى" يتبين لك أن ما طبعه الكردي باسم: "الفتاوى الكبرى" يمشي مع مختصرها للبعلي في المجلد الأول، وبعض الثاني، والرابع (إلى ص/ ٢٩٧) من الكبرى هي الكبرى فقط، أما الباقي فهو مضموم إليها من كتبه الأخرى.
ثم لا أعلم بعد ذلك من قام بالجمع والترتيب لها في مجاميع من القرن الثامن حتى ظهور المطابع في العالم الإِسلامي، فقد طبع نحو عشرين مجموعًا، منها ما يتكون من رسالتين فأكثر، مثل: طبع تسع رسائل ملحقة بكتاب: "جامع البيان في تفسير القرآن" لمعين بن صفي بالمطبع الفاروقي بدلهي "الهند" سنة ١٢٩٦،
стр. 93
ومنها: "مجموعة الرسائل والمسائل" تحتوي على رسائل كثيرة لشيخ الإِسلام وهي في خمسة أجزاء طبعت ١٣٤١، ومنها: "مجموعة الرسائل الصغرى" نشرها محمَّد بدر الدين النعساني طبعت سنة ١٣٢٣ فيها تسع رسائل. ومنها: "شذرات البلاتين" بتحقيق محمَّد حامد الفقي. طبعت ١٣٧٥ هـ. ومنها ما طبع ضمن رسائل لعلماء آخرين مثل: "مجموعة الرسائل المنيرية" فيها تسع رسائل لشيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- طبعت سنة ١٣٤٣. ثم اجتمعت همة الشيخ/ عبد الرحمن بن قاسم المتوفى سنة ١٣٩٢ - رحمه الله تعالى- لهذا العمل فأخرج كتابه: "مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية" في خمسة وثلاثين مجلدًا وساعده ابنه محمَّد على ذلك.
ثم الشيخ محمَّد رشاد سالم المتوفى ١٤٠٧ - رحمه الله تعالى- في كتابه: "جامع الرسائل" طبع منه مجلدان، وهذا العالم الفاضل هو صاحب الجهود العظيمة في تحقيق عدد من كتب شيخ الإِسلام، ولو لم يكن له إلا تحقيق "منهاج السنة" لكفاه فخرًا على الدهر.
ثم الشيخ محمَّد بن عبد الرحمن بن قاسم في: "المستدرك" ضمنه عشر رسائل.
وجَمْعُ آثار هذا الإِمام في مجموع مرتب على أبواب العلم أُمنية العلماء من تلامذته إلى عصرنا، وهذه بعض كلماتهم في ذلك:
فهذا ابن مُرِّي المتوفى بعد سنة ٧٢٨ يكتب رسالة لتلاميذ شيخ الإِسلام ابن تيمية وقد ضمنها الوصية بكتب هذا الإِمام
стр. 94
ونشرها وإشاعة نسخها من غير تصرف فيها ولو كانت مكررة، والحرص على مقابلتها، وجَمْع الأشباه والنظائر في مكان واحد، ويشير إلى الشيخ أبي عبد الله -أي ابن رُشَيِّق- فيوصي بالاحتفاظ به وتزويده من المال كفايته وبذل الأموال الكثيرة لهذا المطلب؛ لأنه قليل ذات اليد حتى يتم له هذا الأمر، ويوصيهم بالتصحيح والمقابلة، ومراجعة رؤوس تلامذة الشيخ مثل: ابن القيم، والمزي، وشرف الدين بن عبد اللّه، في كلام طويل نحو خمس صفحات من ص ٨٧: من "الجامع لسيرة شيخ الإِسلام" ثم ختمه بقوله:
"ووالله -إن شاء الله- ليقيمن الله سبحانه لنصر هذا الكلام ونشره، وتدوينه وتفهمه، واستخراج مقاصده، واستحسان غرائبه وعجائبه، رجالًا هم إلى الآن في أصلاب آبائهم ... " انتهى.
وقد بَرَّت يمين ابن مُرِّي -بحمد الله ومنته- فقام الشيخ عبد الرحمن بن قاسم المتوفى سنة ١٣٩٢ رحمه الله تعالى بمساعدة ابنه محمَّد المتوفى سنة ١٤٢١ - رحمه الله تعالى- بعد نحو ستة قرون بهذه المهمة الجليلة في: "مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية".
وقد ذكر ابن قاسم أن هذا الجهد هو بدءٌ، ويستحث همم العلماء لإكماله فيقول في مقدمة: "المجموع: أ/ د":
"ولعظيم النفع بفتاويه، والثقة منها، واعتماد مبتغي الصواب عليها، فتشت عن مختصراتها في بعض مكتبات نجد والحجاز والشام وغيرها، فجمعت منها أكثر من ثلاثين مجلدًا ورتبتها: وهو بدءٌ. وإلا فعسى الله -سبحانه- أن يقيض لفتاويه من يجمعها من
стр. 95
مشارق الأرض ومغاربها، ومن المكتبات التي لم نطلع عليها ويلحقه بما جمعته منها. والله المستعان" انتهى.
مجموع ابن قاسم:
أقول: إن هذا المجموع المبارك: "مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية" لابن قاسم هو غُرَّة في جبين الدهر، زينة لأهل الإِسلام، لسان صدق للعلماء، عمدة للباحثين، نفع الله به أَقوامًا بعد آخرين، وقد انتشر في العالمين انتشار العافية، وكتب الله له من القبول والانتشار ما يعز نظيره في جهود المتأخرين، فالحمد لله رب العالمين.
وقد نص الشيخ محمَّد بن قاسم المتوفى سنة ١٤٢١ - رحمه الله تعالى- في مقدمته: ١/ ب على أن هذا المجموع يشتمل على كتب ورسائل وفتاوى سبق طبعها، سمى منها في المقدمة: ١/ ن أربعين كتابًا، منها ما يجمع عددًا من الرسائل والفتاوى، وأُخرى لم يسبق طبعها، وهذه تقدر بأكثر من الثلث في هذا المجموع، أي أن الذي سبق طبعه وأدخل في هذا المجموع نحو الثلثين.
وكان جُهد الشيخين فيما سبق طبعه لا يقل عن جهدهما فيما لم يسبق طبعه؛ لأنهما استحصلا على الأُصول الخطية لها فقابلاها مع المطبوع فأصلحا ما وقع من غلط وتصحيف وسقط وفوت وهكذا، والكمال عزيز.
هذا المشروع:
إِذًا فهذا المشروع الكبير: "آثار شيخ الإِسلام ابن تيمية وما
стр. 96
لحقها من أعمال" من كتبه ورسائله وفتاويه، ومختصرات كتبه واختياراته ونحوها، وسيرته المباركة، مما لم يسبق طبعه، أو سبق ولكن اعتراه نقص، هو وصل لجهود المصلحين، وتحقيق لأمنية العلماء العاملين، وهو لا يقوم إلا على أمور ثلاثة:
* الأمر الأول: التمويل:
لئن قعد الحظ ببعض من مضى عن جمعها ونسخها وترتيبها لقلة المال كما أشار إليه ابن مُرِّي -رحمه الله تعالى- في كلامه المتقدم، فإنه بنعمة من الله وفضل قد تيسر ذلك في أول لقاء مع الوجيه السَّرِي الشيخ سليمان بن عبد العزيز الراجحي صاحب اليد الطولى في فعل الخير والإحسان والبذل في المشاريع الخيرية الكثيرة، وموافقتُه على تمويل هذا المشروع المبارك هو من توفيق الله له؛ لأن هذا المشروع مما يعم نفعه ويمتد أثره، فتلهج الألسنة بالدعاء له. أجزل الله مثوبته ونسأل الله لنا وله صلاح النية وحسن العمل.
* الأمر الثاني: تَوفُّر المحققين:
تَوَفَّر -بحمد الله تعالى- ثلة من طلبة العلم المشتغلين بالتحقيق؛ بل الذين لهم مزيد بصيرة في كتب شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، وذلك بتحقيق هذه الآثار والأعلاق النفيسة وفق أصول التحقيق وخططه المعلومة، ولا داعي للإطالة بذكرها هنا.
* الأمر الثالث: الإخلاص:
الإخلاص هو الدُّرَّة المنشودة، التي بها تميزت علوم الصحابة
стр. 97
-﵃ وفهومهم عمن بعدهم، والله أعلم حيث يجعل مواقع فضله ومن يختصهم برحمته.
والعلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة من ابتغاهما وجدهما عند معلم آدم وإِبراهيم ﵉ فاللهم يا معلم آدم وإبراهيم علِّمنا ومُنَّ علينا جميعًا بالإخلاص في جميع أمورنا؛ والله ذو فضل على العالمين، وسبحان من يختص برحمته من يشاء.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى صحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
انتهى "المداخل إلى آثار شيخ الإِسلام ابن تيميَّة وما لحقها من أعمال".
المؤلِّف
بكر بن عبد الله أبو زيد
رئيس مجمع الفقه الإسلامي
٢/ شوال/ ١٤٢١