← Акыда

Акыда · id 2864

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية

Полный текст (4 879 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لا يخرج منها، خلافًا لما جاءت به الرواية، عن رسول الله ﷺ : «إن الله ليخرج قومًا بعد أن امتحشوا فيها وصاروا حممًا» . ودفعوا أن يكون لله وجه، مع قوله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) ﴾ [الرحمن: ٢٧] وأنكروا أن يكون لله يدان، مع قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ] [ص: ٧٥] وأنكروا أن يكون له عينان، مع قوله ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] [ولقوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) ﴾ ] [طه: ٣٩] وأنكروا أن يكون لله علم، مع قوله: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] وأنكروا أن يكون لله قوة، مع قوله: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) ﴾ [الذريات: ٥٨]

стр. 107

ونفوا ما روي عن النبي ﷺ : «أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا» ، وغير ذلك مما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، وكذلك جميع أهل البدع؛ من الجهمية والمرجئة والحرورية، وأهل الزيغ فيما ابتدعوا خالفوا الكتاب والسنة، وما كان عليه ﷺ وأصحابه، وأجمعت عليه الأمة، كفعل المعتزلة والقدرية وأنا أذكر ذلك بابًا بابًا [و] شيئًا شيئًا إن شاء الله وبه المعونة» ثم قال «الأشعري» : «فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية والجهمية، والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي [به] تقولون، وديانتكم التي بها تدينون، قيل له:

стр. 108

قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب ربنا وبسنة نبينا ﷺ ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل -نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم، [وعلى جميع أئمة المسلمين] وجملة قولنا: إنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاؤوا به من عند الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا نرد من ذلك شيئًا، وأن الله إله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور،

стр. 109

وأن الله مستوٍ على عرشه، كما قال : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) ﴾ [طه: ٥] وأن له وجهًا، كما قال ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) ﴾ [الرحمن: ٢٧] وأن له يديْن، بلا كيف، كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] وأن له عينيْن بلا كيف، كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] وأن من زعم أن أسماء الله غيرُه كان ضالًا، وأن لله علمًا، كما قال: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] وكما قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت: ٤٧] ونثبت لله السمع والبصر، ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج، ونثبت لله قوة، كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأنه لم يخلق شيئًا إلا وقد قال له: كن [فيكون] كما قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (٤٠) ﴾ [النحل: ٤٠] وأنه لا يكون في الأرض شيء من خير أو شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله ، وأن أحدًا لا يستطيع شيئًا قبل أن

стр. 110

يفعله ولا يستغني عن الله، ولا يقدر على الخروج من علم الله، وأنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد مخلوقة لله، ومقدرة، كما قال: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) ﴾ [الصافات: ٩٦] وأن العباد لا يقدرون يخلقون شيئًا، وهم يخلقون، كما قال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣] وكما قال: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) ﴾ [النحل: ٢٠] و] كما قال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] وكما قال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) ﴾ [الطور: ٣٥] وهذا في كتاب الله كثير، وأن الله وفق المؤمنين لطاعته، ولطف بهم، ونظر لهم، وأصلحهم وهداهم، وأضل الكافرين ولم يهدهم، ولم يلطف بهم بالإيمان، كما زعم أهل الزيغ والطغيان، ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين، [كما قال ﵎: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ

стр. 111

هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨) ﴾ ] [الأعراف: ١٧٨] وأن الله يقدر أن يصلح الكافرين، ويلطف بهم، حتى يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا [كافرين] كما علم، وخذلهم وطبع على قلوبهم، وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره [وأن نؤمن بقضاء الله وقدره] خيره وشره، وحلوه ومره، ونعلم أن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأن العباد لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا إلا بالله كما قال ، ونلجئ أمورنا إلى الله، ونثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه، ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأن من قال بخلق القرآن فهو كافر، وندين بأن الله يُرى في الآخرة بالأبصار، كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، كما جاءت الروايات عن النبي ﷺ ، ونقول: إن الكافرين محجوبون عنه، إذا رآه المؤمنون في الجنة، كما قال : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ

стр. 112

لَّمَحْجُوبُونَ (١٥) ﴾ [المطففين: ١٥] وأن موسى [﵇ سأل الله الرؤية في الدنيا، وأن الله تجلى للجبل فجعله دكا، فأعلم بذلك موسى أنه] لا يراه في الدنيا، وندين بأن لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، كالزنا والسرقة وشرب الخمور، كما دانت بذلك الخوارج، وزعمت أنهم كافرون، ونقول: إن من عمل كبيرة من هذه الكبائر، مثل الزنا والسرقة، وما أشبههما، مستحلًا لها غير معتقد لتحريمها، كان كافرًا، ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كلَّ إسلام إيمانٌ، وندين الله بأنه يقلب القلوب، [وأن القلوب] بين أصبعين من أصابع الله ، وأنه يضع السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ ، وندين بأن لا ننزل أحدًا من أهل التوحيد، والمتمسكين بالإيمان، جنة ولا نارًا، إلا من شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، ونرجو الجنة للمذنبين، ونخاف عليهم أن يكونوا بالنَّار معذبين، ونقول: إن الله يخرج قومًا من النار بعد أن امتحشوا، بشفاعة رسول الله ﷺ ، تصديقًا لما

стр. 113

جاءت به الروايات، عن رسول الله ﷺ ، ونؤمن بعذاب القبر وبالحوض، وبأن الميزان حق والصراط حق، والبعث بعد الموت حق، وأن الله يوقف العباد، في الموقف، ويحاسب المؤمنين، وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم للروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، التي رواها الثقات، عدلًا عن عدل، حتى تنتهي إلى رسول الله ﷺ ، وندين بحب السلف، الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، ونثني عليهم، بما أثنى الله به عليهم، ونتولاهم أجمعين، ونقول إن الإمام الفاضل بعد رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق رضوان الله عليه، وأن الله أعزَّ به الدين، وأظهره على المرتدين، وقدمه المسلمون بالإمامة، كما قدمه رسول الله ﷺ للصلاة، وسموه بأجمعهم خليفة رسول الله ﷺ ، ثم عمر بن الخطاب ﵁، ثم عثمان بن عفان ﵁، وأن الذين قاتلوه، قاتلوه ظلمًا وعدوانًا، ثم علي بن أبي طالب ﵁، فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله ﷺ ، وخلافتهم خلافة النبوة، ونشهد بالجنة للعشرة، الذين شهد لهم رسول الله ﷺ ،

стр. 114

ونتولى سائر أصحاب النبي ﷺ ، ونكف عما شجر بينهم، وندين الله بأن الأئمة [الأربعة] خلفاء راشدون مهديون، فضلاء لا يوازيهم في الفضل غيرهم ونصدق بجميع الروايات التي [يـ] ثبتها أهل النقل، من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ وسائر ما نقلوه وأثبتوه، خلافًا لما قال أهل الزيغ والتضليل. ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا، وسنة نبينا ﷺ وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا، ولا نقول على الله ما لا نعلم، ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة، كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) ﴾ [الفجر: ٢٢] وأن الله يقرب من عباده كيف شاء، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) ﴾ [ق: ١٦] وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) ﴾ [النجم: ٨-٩] ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد وسائر الصلوات، خلف كل بر وغيره، وكما رُوي أن «عبد الله بن عمر» كان يصلي

стр. 115

خلف الحجاج» وأن المسح على الخفين سنة، في الحضر والسفر، خلافًا لقول من أنكر ذلك، ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وتضليل من رأى الخروج عليهم، إذا ظهر منهم ترك الاستقامة، وندين بإنكار الخروج بالسيف، وترك القتال في الفتنة، ونقر بخروج الدجال، كما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ ، ونؤمن بعذاب القبر، ومنكر ونكير، ومساءلتهما المدفونين في قبورهم، ونصدق بحديث المعراج، ونصحح كثيرًا من الرؤيا في المنام، ونقر أن لذلك تفسيرًا، ونرى الصدقة عن موتى المسلمين، والدعاء لهم، ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك، ونصدق بأن في الدنيا سحرة وسحرًا، وأن السحر كائن موجود في الدنيا، وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة، برهم وفاجرهم، وموارثتهم، ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن من مات

стр. 116

وقتل فبأجله مات وقتل؛ وأن الأرزاق من قبل الله ، يرزقها عباده حلالًا وحرامًا، وأن الشيطان يوسوس للإنسان، ويشككه ويتخبطه، خلافًا لقول المعتزلة والجهمية، كما قال الله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وكما قال: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) [مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) ] ﴾ [الناس: ٤-٦] ونقول: إن الصالحين يجوز أن يخصّهم الله بآيات يظهرها عليهم: وقولنا في أطفال المشركين: «إن الله يؤجج لهم في الآخرة نارًا، ثم يقول لهم: اقتحموها» كما جاءت بذلك الرواية، وندين الله بأنه يعلم ما العباد عاملون، وإلى ما هم

стр. 117

صائرون، وما كان وما يكون، وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين، ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة، ومجانبة أهل الأهواء، وسنحتج لما ذكرنا من قولنا، وما بقي منه، مما لم نذكره بابًا بابًا، وشيئًا شيئًا» . قلت: وهذه الجمل التي ذكرها في الإبانة، هي الجمل التي ذكرها في كتاب «المقالات» عن أهل السنة والحديث، وذكر أنه يقول بذلك، كما تقدم نقل «ابن فورك» لذلك، لكنه في «الإبانة» بسطها بعض البسط، بالتنبيه على مأخذها لأنه كتاب احتجاج لذلك، ليس هو كتاب حجة لنقل مذاهب الناس فقط، وقد تكلم في مسألة الرؤية لله، ومسألة القرآن بما احتج به في ذلك، ثم قال: «باب ذكر الاستواء على العرش، إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول: إن الله مستو على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) ﴾ [طه: ٥] وقد قال الله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] وقال : ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وقال حكاية عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ

стр. 118

ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦-٣٧] كذّب موسى ﵇ في قوله إن الله فوق السموات، وقال : ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] فالسموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السموات، قال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] لأنه مستو على العرش الذي فوق السموات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السموات، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] يعني: جميع السماء، وإنما أراد العرش، الذي هو أعلى السموات، ألا ترى أن الله ذكر السموات، فقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] ولم يرد أن القمر يملأهن جميعًا، وأنه فيهن جميعًا، ورأينا المسلمين جميعًا، يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء، لأن الله مستو على العرش، الذي هو فوق السموات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض» ثم قال: «فصل وقد قال قائلون من

стр. 119

المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى: قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) ﴾ [طه: ٥] إنه: استوى وملك وقهر، وأن الله في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه، كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، ولو كان هذا كما ذكروه، كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة *لأن الله قادر على كل شيء، والأرض* فالله قادر عليها وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى: الاستيلاء -وهو مستوْلٍ على الأشياء كلها- لكان مستويًا على العرش، وعلى الأرض وعلى السماء، وعلى الحشوش والأقذار، لأنه قادر على الأشياء مستول عليها، وإذا كان قادرًا على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستو على الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها، وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله في كل مكان،

стр. 120

فلزمهم أنه في بطن مريم، والحشوش والأخلية، وهذا خلاف لدين الله تعالى عن قولهم» ثم قال: «مسألة: ويقال لهم: إذا لم يكن مستويًا على العرش، بمعنى يختص العرش دون غيره، [كما] قال ذلك أهل العلم، ونقلة الآثار وحملة الأخبار، وكان الله بكل مكان، فهو تحت الأرض التي السماء فوقها، وإذا كان تحت الأرض، فالأرض فوقـ[ـه] والسماء فوق الأرض، وفي هذا ما يلزمكم أن تقولوا: أن الله تحت التحت والأشياء فوقه، وأنه فوق الفوق والأشياء تحته، وفي هذا ما يجب أنه تحت ما [هو] فوقه، وفوق ما هو تحته، وهذا المحال المتناقض تعالى الله عن افترائكم علوًا كبيرًا.

стр. 121

دليل آخر: ومما يدل أن الله مستوٍ على عرشه دون الأشياء كلها: ما نقله أهل الرواية عن رسول الله ﷺ روى عفان قال: حدثنا حماد بن سلمة حدثنا عمرو بن دينار عن نافع بن جبير عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر» .

стр. 122

وروى عبد الله بن بكر حدثنا هشام بن أبي عبد الله عن يحيى بن أبي كثير عن [أبي] جعفر أنه سمع أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا بقي ثلث الليل ينزل الله ﵎، فيقول: من ذا الذي يدعوني أستجب له؟ من ذا الذي يستكشف الضر فأكشف عنه؟ من ذا الذي يسترزقني فأرزقه؟

стр. 123

حتى ينفجر الفجر» . وروى عبد الله بن بكر السهمي حدثنا هشام بن أبي عبد الله عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة حدثنا عطاء بن يسار أن رفاعة الجهني حدثه قال: قفلنا مع

стр. 124

رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بالكديد، أو قال بقديد، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إذا مضى ثلث الليل، أو قال ثلثا الليل نزل الله إلى السماء، فيقول الله: من ذا الذي يدعوني أستجب له؟ من ذا الذي يستغفرني أغفر له؟ من ذا الذي يسألني أعطه حتى ينفجر الفجر» . دليل آخر: وقال الله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) ﴾ [الفرقان: ٥٩] وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه، والسماء

стр. 125

بإجماع الناس ليست الأرض، فدل على أنه تعالى منفرد بوحدانيته مستو على عرشه» . قلت: قوله منفرد بوحدانيته هو نظير قول «ابن كلاب» المتقدم. ثم قال: «دليل آخر، وقال : ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) ﴾ [الفجر: ٢٢] وقال: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] وقال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) ﴾ [النجم: ٨-١٨] وقال ، لعيسى ابن مريم ﵇ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧-١٥٨] وأجمعت الأمة على أن الله رفع عيسى إلى السموات، ومن دعاء أهل الإسلام جميعًا إذا هم رغبوا إلى الله في الأمر النازل بهم، يقولون جميعًا يا ساكن العرش، ومن حلفهم جميعًا، لا والذي احتجب بسبع سموات. دليل آخر: وقال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ

стр. 126

اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١] وقد خصت الآية البشر دون غيرهم، ممن ليس من جنس البشر، ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم، كان أبعد من الشبهة، وإدخال الشك على من يسمع الآية أن يقول: ما كان لأحد أن يكلمه الله [إلا] وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا، فيرتفع الشك والحيرة، من أن يقول: ما كان لجنس من الأجناس أن أكلمه إلا وحيًا، أو من وراء حجاب، أو أرسل رسولًا، ويترك أجناسًا لم يعمهم بالآية، فدل ما ذكرنا على أنه خص البشر دون غيرهم. ودليل آخر: وقال الله : ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠] وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] وقال : ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] كل ذلك يدل على أنه ليس في خلقه، ولا خلقه فيه، وأنه مستو على عرشه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. [فلم يثبتوا له في وصفهم حقيقة، ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانيته، إذ كل كلامهم يؤول إلى التعطيل] » .

стр. 127

[قلت: فقوله] «الذين لم يثبتوا له في وصفهم حقيقة» بيان أن كلامهم يقتضي عدمه. وقوله: «ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانيته» موافقة «لابن كلاب» فيما ذكره؛ من أن الواحد هو المنفرد عن الخلق، فمن لم يقر بذلك لم يقر بوحدانيته. وقوله: «كل ذلك يدل على انه ليس في خلقه ولا خلقه فيه، لأنه مستوٍ على عرشه» يبين معنى ما ذكره في «الموجز» كما نقله «ابن فورك» لما قال في جواب المسائل: «أتقولون: إنه خارج من العالم، إن أردت أنه ليست الأشياء فيه، ولا هو في الأشياء، فالمعنى صحيح، وأنه لم يرد بذلك مجرد النفي المقرون بإثبات كونه فوق العرش، كما صرح به هنا، ويؤكد ذلك أنه بين أن الذين يصفونه بالنفي يؤول كلامهم كله إلى التعطيل وأنهم لا يثبتون له حقيقة، ولايوجبون له وحدانية. «دليل آخر: قال الله : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] فسمى نفسه نورًا، والنور عند الأمة لا يخلو أن يكون أحد معنيين:

стр. 128

إما أن يكون نورًا يسمع، أو نورًا يُرى، فمن زعم أن الله يُسمع ولا يُرى، فقد أخطأ في نفيه رؤية ربه، وتكذيبه بكتابه، وقول نبيه ﷺ . وروت العلماء عن عبد الله بن عباس أنه قال: «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله، فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام والله فوق ذلك» .

стр. 129

قلت: وهذا الحديث رواه عن الإمام «أحمد» و «الحاكم» الحافظ المعروف «بالعسال» في كتابه «المعرفة» . قال: حدثنا محمد بن العباس حدثني عبد الوهاب الوراق حدثنا علي بن

стр. 130

عاصم، عن ابن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: «فكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله، فإن ما بين كرسيه إلى السماء السابعة سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك» . قال عبد الوهاب الورّاق: «من زعم أن الله هاهنا فهو جهمي خبيث، إن الله فوق العرش وعلمه محيط بالدنيا والآخرة» .

стр. 131

وقال: حدثنا محمد بن علي بن الجارود حدثنا أحمد بن مهدي حدثنا عاصم بن علي بن عاصم حدثنا أبي عن عطاء ابن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله فإن ما بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك» . قلت: وهذا لفظ الحديث، وأما قوله: «ما بين عرشه إلى

стр. 132

السماء ألف عام» فإن حقه أن يقول: ما بين كرسيه والعرش كما في الحديث المشهور عن ابن مسعود، وممن رواه أيضًا الحاكم أبو أحمد حدثنا محمد بن العباس حدثني عبد الوهاب بن عبد الحكيم الوراق حدثنا هاشم بن القاسم أبو النضر عن المسعودي عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش

стр. 133

عن عبد الله بن مسعود قال: «ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام، وبُصر كل سماء خمسمائة عام» قال أبو النضر: يعني غلظة، «وما بين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وما بين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق ذلك، والله على العرش لا يخفى عليه من أعمالكم شيء» ، وقال عبد الوهاب: هكذا يعرف الإسلام. ثم قال الأشعري: «دليل آخر: روت العلماء عن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 134

أنه قال: «إنّ العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله حتى يسأل عن عمله» ؛ وروت العلماء أن رجلًا أتى النبي ﷺ بأمة سوداء فقال: يا رسول الله إني أريد أن أعتقها في كفارة فهل يجوز عتقها؟ فقال النبي ﷺ : «أين الله؟» فقالت: في السماء. قال: «فمن أنا؟» قالت: رسول الله. فقال النبي ﷺ : «أعتقها فإنها مؤمنة» . قال: «وهذا يدل على أن الله على عرشه فوق

стр. 135

السماء» . قلت: وهذا كله موافقة لما ذكره «ابن كلاب» فإنه استدل بهذا الخبر الذي فيه السؤال بأين والجواب بأنه في السماء، على أن الله فوق عرشه فوق السماء، فعلم أنه لا يمنع السؤال بأين، بل يثبته «ابن كلاب» فقد تبين بما ذكرناه من كلام «الأشعري» بلفظه، أنه موافق «لابن كلاب» في أن الله فوق خلقه، وأن ذلك واجب من طريق العقل، بحيث يكون من نفى ذلك معطلًا للصانع منكرًا لوحدانيته، كما صرح به «الأشعري» موافقة «لابن كلاب» وأنه موافق له في السؤال عنه بأين والجواب بأنه في السماء، كما ذكره «الأشعري» وأنه منكر لتأويل من تأول الاستواء على العرش بالاستيلاء والقهر والقدرة وغير ذلك، مما يشترك فيه العرش وغيره، وأن الاستواء يختص بالعرش، وأنه فوق العرش لا إنه مجرد شيء أحدث في العرش من غير أن يكون الله فوقه، كما قد بين هذا المعنى في غير [هـ] من كلامه، وهذه المواضع الثلاثة التي زعم «ابن فورك» أنهم اختلفوا فيها، ولم يأت من كلام «الأشعري» بما يشهد له، وهذا الكتاب هو من

стр. 136

أشهر تآليف «الأشعري» وآخرها، ولهذا اعتمد [هـ] الحافظ «أبو بكر السمعاني» في كتاب «الاعتقاد» له وحكى عنه في مواضع منه، ولم يذكر من تآليفه سواه، وكذلك «الحافظ أبو القاسم بن عساكر» في كتابه الذي صنفه وسماه «تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري» قال بعد أن ذكر فصلًا من محاسنه: «فإذا كان «أبو الحسن» كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد، مستصوب المذهب، عند أهل المعرفة بالعلم

стр. 137

والانتقاد يوافقه فيما يذهب إليه أكابر العباد، ولا يقدح في معتقده غير أهل الجهل والفساد، فلا بد أن نحكي عنه معتقده، على وجهه بالأمانة، ونجتنب أن نزيد فيه أو ننقص منه، تركًا للخيانة، ليعلم حقيقة حاله في صحة عقيدته في أصول الديانة، فاسمع ما ذكره في أول كتابه، الذي سماه «بالإبانة» » وذكر ابن عساكر الخُطبة، وما ذكرناه حرفًا بحرف، إلى باب الكلام في إثبات الرؤية، ثم قال عقب ذلك: «فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه وأبينه، واعترفوا بفضل هذا الإمام العالم، الذي شرحه وبينه، انظروا سهولة لفظه، فما أفصحه وأحسنه، وتبينوا فضل أبي الحسن واعرفوا إنصافه، واسمعوا وصفه «لأحمد» بالفضل واعترافه، لتعلموا أنهما كانا في الاعتقاد متفقين، وفي أصول الدين ومذهب السنة غير مفترقين» . قال: «ولم تزل الحنابلة ببغداد في قديم الدهر، على ممر

стр. 138

الأوقات والأيام، تعتضد بالأشعرية حتى حدث الاختلاف في زمن «أبي نصر القشيري» ووزارة «النظام» ووقع بينهم

стр. 139

الانحراف من بعضهم عن بعض، لانحلال «النظام» ولذلك كان يظهر هذا الكتاب، كل من يريد إظهار محاسن «الأشعري» من أهل الإثبات، كما ذكر ذلك: «الحافظ أبو القاسم بن عساكر» قال: «سمعت الشيخ أبا بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل البوشنجي الفقيه الزاهد يحكي عن بعض شيوخه؛ أن الإمام «أبا عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني النيسابوري» قال: ما كان يخرج إلى مجلس درسه إلا وبيده

стр. 140

كتاب «الإبانة» «لأبي الحسن الأشعري» ويظهر الإعجاب به، ويقول: ما الذي ينكر على من هذا الكتاب شرح مذهبه» قال الحافظ أبو القاسم: [فهذا] قول الإمام أبي عثمان وهو من أعيان أهل الأثر بخراسان» . وقال أبو العباس أحمد بن ثابت الطرقي، الحافظ، صاحب كتاب «اللوامع في الجمع بين الصحاح والجوامع» في بيان مسألة الاستواء من تأليفه: «ورأيت هؤلاء الجهمية، ينتمون

стр. 141

في نفي العرش، وتعطيل الاستواء إلى «أبي الحسن الأشعري» وما هذا بأول باطل ادَّعوه، وكذب تعاطوه، فقد قرأت في كتابه الموسوم «بالإبانة عن أصول الديانة» أدلة من جملة ما ذكر [ته] على إثبات الاستواء، وقال في جملة ذلك: «ومن دعاء أهل الإسلام جميعًا، إذا هم رغبوا إلى الله في الأمر النازل بهم، يقولون جميعًا: يا ساكن العرش» ثم قال: «ومن حَلِفهم جميعًا قولهم: لا والذي احتجب بسبع سموات» . وكذلك الشيخ «نصر المقدسي» له تأليف في الأصول،

стр. 142

نقل فيه فصولًا من كتاب «الإبانة» هذا، وكان في وقفه به نسخة، وكذلك الفقيه «أبو المعالي مُجَلِّي» صاحب كتاب «الذخائر في الفقه» قال الحافظ أبو محمد بن المبارك بن علي البغدادي المعروف بابن الطباخ في آخر كتاب الإبانة: «نقلت هذا الكتاب جميعه من نسخة كانت مع الشيخ الفقيه مجلي الشافعي، أخرجها إليَّ في مجلد فنقلتها وعارضتها بها، وكان ﵀ يعتمد عليها وعلى ما ذكره فيها ويقول: لله من صنفه، ويناظر

стр. 143

على ذلك لمن ينكره» قال: «وذكر لي ذلك وشافهني به، وقال: هذا مذهبي وإليه أذهب» . فإن قيل: «فابن فورك» وأتباعه لم يذكروا هذا، قيل له سببان: أحدهما: أن هذا الكتاب ونحوه، صنفه ببغداد في آخر عمره، لما زاد استبصاره في السنة، ولعله لم يفصح في بعض الكتب القديمة، بما أفصح به فيه وفي أمثاله، وإن كان لم ينف فيها ما ذكره هنا في الكتب المتأخرة، ففرق بين عدم القول وبين القول وبين القول بالعدم، و «ابن فورك» قد ذكر فيما صنفه من أخبار «الأشعري» تصانيفه قبل ذلك، فقال: «انتقل الشيخ «أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري» من مذاهب المعتزلة، إلى نصرة مذاهب أهل السنة والجماعة، بالحجج العقلية، وصنف في ذلك الكتب، وهو بصري من أولاد «أبي موسى الأشعري» فلما وفقه الله لترك ما كان عليه من بدع

стр. 144

المعتزلة، وهداه إلى ما نشره من نصرة أهل السنة والجماعة، ظهر أمره وانتشرت كتبه بعد الثلاثمائة، وبقي إلى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة» قال: «فأمَّا أسامي كتبه مما صنفه إلى سنة عشرين وثلاثمائة فإنه ذكر في كتابه الذي سماه «الصمد» في الرؤية أسامي أكثر كتبه» فذكر الفصول والموجز وغيرهما. ثم قال: «وقد عاش بعد ذلك إلى سنة أربع وعشرين [وثلاثمائة] وصنف فيها كتبًا» ذكر منها أشياء. قال «ابن عساكر» بعد أن ذكر كلام «ابن فورك» : «هذا آخر ما ذكره «ابن فورك» من تصانيفه، وقد وقع إليَّ أشياء

стр. 145

لم يذكرها في تسمية تواليفه، فمنها رسالة «الحث في البحث» ورسالة «الإيمان» وهل يطلق عليه اسم الخلق؟، وجواب «مسائل كتب بها إلى أهل الثغر» في تبيين ما سألوه عنه، من مذاهب أهل الحق» . وذكر عن «عزيز بن عبد الملك» القاضي، قال: «سمعت من أثق به. قال: رأيت تراجم كتب الإمام «أبي الحسن» فعددتها أكثر من ثمانين وثلاثمائة مصنف» . السبب الثاني: أن «ابن فورك» وذويه كانوا يميلون إلى النفي في مسألة الاستواء ونحوها، وقد ذكرنا فيما نقله هو من ألفاظ «ابن كلَّاب» وهو من المثبتين كذلك كيف تصرف في كلامه، تصرفًا يشبه تصرفه في ألفاظ النصوص الواردة في إثبات ذلك،
следующие страницы →