← Акыда

Акыда · id 2864

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية

Полный текст (4 879 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

في نفي العرش، وتعطيل الاستواء إلى «أبي الحسن الأشعري» وما هذا بأول باطل ادَّعوه، وكذب تعاطوه، فقد قرأت في كتابه الموسوم «بالإبانة عن أصول الديانة» أدلة من جملة ما ذكر [ته] على إثبات الاستواء، وقال في جملة ذلك: «ومن دعاء أهل الإسلام جميعًا، إذا هم رغبوا إلى الله في الأمر النازل بهم، يقولون جميعًا: يا ساكن العرش» ثم قال: «ومن حَلِفهم جميعًا قولهم: لا والذي احتجب بسبع سموات» . وكذلك الشيخ «نصر المقدسي» له تأليف في الأصول،

стр. 142

نقل فيه فصولًا من كتاب «الإبانة» هذا، وكان في وقفه به نسخة، وكذلك الفقيه «أبو المعالي مُجَلِّي» صاحب كتاب «الذخائر في الفقه» قال الحافظ أبو محمد بن المبارك بن علي البغدادي المعروف بابن الطباخ في آخر كتاب الإبانة: «نقلت هذا الكتاب جميعه من نسخة كانت مع الشيخ الفقيه مجلي الشافعي، أخرجها إليَّ في مجلد فنقلتها وعارضتها بها، وكان ﵀ يعتمد عليها وعلى ما ذكره فيها ويقول: لله من صنفه، ويناظر

стр. 143

على ذلك لمن ينكره» قال: «وذكر لي ذلك وشافهني به، وقال: هذا مذهبي وإليه أذهب» . فإن قيل: «فابن فورك» وأتباعه لم يذكروا هذا، قيل له سببان: أحدهما: أن هذا الكتاب ونحوه، صنفه ببغداد في آخر عمره، لما زاد استبصاره في السنة، ولعله لم يفصح في بعض الكتب القديمة، بما أفصح به فيه وفي أمثاله، وإن كان لم ينف فيها ما ذكره هنا في الكتب المتأخرة، ففرق بين عدم القول وبين القول وبين القول بالعدم، و «ابن فورك» قد ذكر فيما صنفه من أخبار «الأشعري» تصانيفه قبل ذلك، فقال: «انتقل الشيخ «أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري» من مذاهب المعتزلة، إلى نصرة مذاهب أهل السنة والجماعة، بالحجج العقلية، وصنف في ذلك الكتب، وهو بصري من أولاد «أبي موسى الأشعري» فلما وفقه الله لترك ما كان عليه من بدع

стр. 144

المعتزلة، وهداه إلى ما نشره من نصرة أهل السنة والجماعة، ظهر أمره وانتشرت كتبه بعد الثلاثمائة، وبقي إلى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة» قال: «فأمَّا أسامي كتبه مما صنفه إلى سنة عشرين وثلاثمائة فإنه ذكر في كتابه الذي سماه «الصمد» في الرؤية أسامي أكثر كتبه» فذكر الفصول والموجز وغيرهما. ثم قال: «وقد عاش بعد ذلك إلى سنة أربع وعشرين [وثلاثمائة] وصنف فيها كتبًا» ذكر منها أشياء. قال «ابن عساكر» بعد أن ذكر كلام «ابن فورك» : «هذا آخر ما ذكره «ابن فورك» من تصانيفه، وقد وقع إليَّ أشياء

стр. 145

لم يذكرها في تسمية تواليفه، فمنها رسالة «الحث في البحث» ورسالة «الإيمان» وهل يطلق عليه اسم الخلق؟، وجواب «مسائل كتب بها إلى أهل الثغر» في تبيين ما سألوه عنه، من مذاهب أهل الحق» . وذكر عن «عزيز بن عبد الملك» القاضي، قال: «سمعت من أثق به. قال: رأيت تراجم كتب الإمام «أبي الحسن» فعددتها أكثر من ثمانين وثلاثمائة مصنف» . السبب الثاني: أن «ابن فورك» وذويه كانوا يميلون إلى النفي في مسألة الاستواء ونحوها، وقد ذكرنا فيما نقله هو من ألفاظ «ابن كلَّاب» وهو من المثبتين كذلك كيف تصرف في كلامه، تصرفًا يشبه تصرفه في ألفاظ النصوص الواردة في إثبات ذلك،

стр. 146

كما فعله في كتابه «تأويل مشكل النصوص» فكان هواه في النفي يمنعه من تتبع ما جاء في الإثبات، من كلام أئمته وغيرهم، وكذلك فيما نقله من كلام «الأشعري» كيف زاد فيه ونقص، مع أن المنقول نحو ورقتين، فلعله أيضًا قد عمل ذلك فيما نقله من كلام «ابن كلاب» إذ لم نجد نحن نسخة الأصول التي نقل منها، حتى نعلم كيف فعله فيها، وفيما نقله تحريف بيِّن، لكن مأخذه في ذلك، مأخذ من ينسب فتاويه وعقائده إلى السنة والشريعة النبوية، لظنه أن هذا هو الحق الذي لا تأتي بخلافه، فكذلك هو يظن أن ما زاده ونقصه يوجبه بعض أصول «ابن كلاب» و «الأشعري» وإلا كان فيما ظهر من كلامهما خلافه، وهذا أصل معروف لكثير من أهل الكلام والفقه، يسوغون أن ينسب إلى النبي ﷺ نسبة قولية، توافق ما اعتقدوه من شريعته، حتى يضعوا أحاديث توافق ذلك المذهب، وينسبونها إلى النبي ﷺ ، لكن «ابن فورك» لم يكن من هؤلاء، وإنما هو من الطبقة الثانية، الذين ينسبون إلى الأئمة ما يعتقدون هم أنه الحق، فهذا واقع في كثير من طائفته، حتى أنه في زماننا في بعض المجالس المعقودة، قال كبير القضاة: إن مذهب

стр. 147

الشافعي المنصوص عنه كيت وكيت، وذكر القول الذي يعلم هو وكل عالم أن الشافعي لم يقله، ونقل القاضيان الآخران عن «أبي حنيفة» و «مالك» مثل ذلك، فلما روجع ذلك القاضي قيل له: هذا الذي نقلته عن الشافعي من أين هو؟ أي: أن الشافعي لم يقل هذا. فقال: هذا قول العقلاء، والشافعي عاقل لا يخالف العُقَلاء، وقد رأيت في مصنفات طوائف من هؤلاء، ينقلون عن أئمة الإسلام المذاهب، التي لم ينقلها أحد عنهم،

стр. 148

لاعتقادهم أنها حق، فهذا أصل ينبغي أن يعرف، ومن أسباب ذلك أيضًا أن «الأشعري» ليس له كلام كثير منتشر في تقرير مسألة «العرش» ، والمباينة للمخلوقات، كما كان «لابن كلَّاب» إمامه، وذلك لأنه تصدى للمسائل التي كان المعتزلة تظهر الخلاف فيها، كمسألة الكلام والرؤية، وإنكار القدر والشفاعة في أهل الكبائر ونحو ذلك، وأما العلو فلم يكونوا يظهرون الخلاف فيه إلا لخاصتهم، لإنكار عموم المسلمين لذلك، وإنما كان سلف الأمة وأئمتها يعلمون ما يضمرون من ذلك بالاستدلال، «فالشعري» تصدَّى لردِّ ما اشتهر من بدعهم، فكان إظهار خلافهم في القرآن والرؤية من شعار مذهبه، التي لم يتنازع فيها أصحابه، وإن كانوا قد يفسرون ذلك بما يقارب قول المعتزلة، بخلاف ما لم يكونوا يظهرون مخالفته، فإنه كان أدخل في السنة وأعظم في الأُمَّة وأثبت في الشرع والعقل، مما أظهروا مخالفته، حتى أنَّ فضلاء الفلاسفة «كأبي الوليد بن رشد» يحكون

стр. 149

مذهب الحكماء إثبات العلو فوق المخلوقات، مع أنَّ مذهبهم تفسير الرؤية بزيادة العلم، وأن القرآن خلقت حروفه في النبي ﷺ ونحو ذلك، فلم يتصدَّ «الأشعري» لردِّهم [ردا] ، يشتهر عن المعتزلة إظهار الخلاف فيه، وبيان تناقضهم فيه، فلذلك لم يكن خلافهم فيه من شعائر مذهبه، بل يوافقهم في أصول، قال بعض متبعيه: فبما أنها مستلزمة نفي العلوِّ على العرش، وإن كان «الأشعري» وأئمة أصحابه لم يقولوا ذلك، وقد علم أهل العلم المعرفة والعقل والبصيرة؛ أن تلك الأصول، التي وافقهم عليها، أقوى استلزامًا لقولهم فيما أظهر فيه منها، لما لم يشتهر عنه خلافهم فيه، ولهذا صار جمهور الناس من المثبتة والنافية، يعدون ما عليه هؤلاء المثبتين للرؤية والكلام وغير ذلك، مع نفي العلو على العرش من أعظم الناس تناقضًا في الشريعة والسنة وفي العقول والقياس، ولهذا [من] حقق منهم «كالرازي» وأمثاله، يميلون في الباطن إلى النفي في مسألة الرؤية أيضًا وغيرها.

стр. 150

فصل وهذا المعنى الذي نبَّه عليه «ابن كلَّاب» من مضاهاة الجهمية للدهرية، والثنويَّة كلام جيد، ونحن كنا قد كتبنا ما يتعلق بذلك في أثناء الكلام، كما سيجيء قبل أن نقف على كلامه، وبينا أن قول الفلاسفة الذين يقولون: بأن العالم متولد عنه لازم له، هو نحو قول من ينكر الصانع بالكلية، وهذا الذي سماه هؤلاء الدهر، هو الذي يسميه أولئك واجب الوجود، وقول الجهمية مضاهٍ لقولهم في لزوم تعطيل الصانع أيضًا، ولهذا ذكرنا في غير هذا الموضع أن أسانيد «جهم» ترجع إلى المشركين والصابئين والمبدلين واليهود المُبَدِّلين، وذكر [نا أن] شر هؤلاء هم القرامطة والباطنية نُفَاة الأسماء

стр. 151

والصفات مطلقًا، وأن قولهم مأخوذ من قول ملاحدة المجوس، وقول ملاحدة الفلاسفة الصابئين الدهريين. وهذا يبين صحة ما ذكره «ابن كُلَّاب» من مضاهاة الجهمية لهاتين الأمتين؛ الدهرية الصابئين المشركين والمجوس الثنوية. ولهذا كان قول الاتحادية من الجهمية، هو في الحقيقة قول هؤلاء، ومضمونه تعطيل الصانع، وهو قريب من قول من يقول من الجهمية: إنه في كُلِّ مكان، فإنهم يجعلونه وجود الموجودات، كما قد شرحنا في موضعه، وكل من لم يقل أنَّ الرب سبحانه واحد منفرد مباين لمخلوقاته كان من هذه الطوائف، وفي إنكار «ابن كلاب» على الجهمية لما شبههم بالمجوس -وقال: «كذلك زعمتم أنَّ الواحد ليس كمثله شيء، تعالى عما قلتم، كان لا نهاية له، ثم خلق الأشياء غير منفكة منه ولا هو منفك منها، ولا يفارقها ولا تفارقه، فأعطيتم

стр. 152

معناهم ومنعتم القول والعبارة» -. دليل على انه منع من القول بأن الله لا نهاية له، وأنه لا ينفي النهاية والحد، كما زعم ابن فورك، وقد فسر الرجل معناه فيما نفاه من الحد، فإنه جعل هذا من منكر قول الجهمية، ولا ريب أنَّ ما أثبته، من أنه واحد منفرد بنفسه، مباين لمخلوقاته، فوق العالم، يُنافي دعوى أنه لا نهاية له، ثم قال «ابن فورك» : «فصل آخر وذكر بعد ذلك كلامًا يدل على أنَّ» أصله -وهو الحق- أنَّ اجتماع الشيئين من طريق الإثبات، في وصف لا يجب به التشبيه، كما لا يجب باجتماعهما في وصف من طريق النفي، وهو قوله في إلزام المعتزلة إذ قالوا له: إنك أوجبت التشبيه، إذ قلت: أن الله تعالى مباين منفرد من خلقه، لأجل أن ذلك إذا وصف به، ووصف به الخلق، واشتركا فيه، تشابها. فقال: «إذا كان يلزم بزعمكم، إذا قلنا: إنَّ الله تعالى واحد، منفرد، التشبيه. فكذلك إذا قلتم: إنه واحد لا منفرد، وواحد لا منفرد، لأن الوصفين جميعًا في الخلق، منفرد ومنفرد ولا منفرد و [لا] منفرد، فلم لا يكون إذا كان حكم

стр. 153

ما كان منفردًا، حكم ما كان مفردًا، أن يكون حكم ما لا ينفرد [حكم ما لا ينفرد] إذا كان جميعًا في الخلق ثابتين، فإن مَرَّا بأبصار قلوبكم، حيث أريد لكم، فإنكم ستجدون ذلك كما وصفنا لكم» . قلت: هذا يدل على أنه لا يعني بتفسيره للواحد، بأنه المنفرد المباين ما لا ينقسم، كما ذكره «ابن فورك» لأن عدم الانقسام مخصوص عنده بالله تعالى، وكل ما سواه مما يدرك وجوده فإنه ينقسم، و «ابن كلاب» قد جعل هذا الوصف يمكن ثبوته للمخلوق، وأنه يكون واحدًا منفردًا، وأنه كان جسمًا، كما تقدم بيان ذلك من كلامه، وتفرقته بين الجسم المصمت، والجسم المتخلل، وهم إنما أوردوا عليه، لما فسروا الواحد بأنه الذي لا نظير له، ولم يثبتوا له حقيقة يكون بها واحدًا، وهو أثبت حقيقة بها كان واحدًا، وهو انفراده بنفسه.

стр. 154

فصل وأما نفيه للمماسة فقال «ابن فورك» : «فصل آخر في ذكر إبطال المماسة، قال في كتاب «الصفات الكبير» : «ولو كان مماسًا لعرشه، لكان العرش مماسًا له، ولو كان العرش مماسًا له، لحدث فيه عن مماسته إياه معنى، كما يحدث بين كل متماسين، وتعالى الله عن الحوادث، فلما فسدت مماسة العرش إياه فسدت مماسته العرش» . قال «ابن فورك» : «وهذا يبين من كلامه إحالة المماسة على الله، ويبين أيضًا من مذهبه بأن الحوادث لا تحل في ذاته، وأن ما حلته الحوادث محدث، على خلاف ما ذهبت إليه الكرامية، المجسمة الجهلة، وأن المتماسين متماسان، بحدوث متماسين فيهما» . قلت: هذا الذي ذكره «ابن فورك» من قوله: وهو كما ذكره، وكذلك ما ذكر من مخالفته للكرامية، في مسألة الحوادث، لكن الكرامية أقرب إلى «ابن كلاب» في مسألة العرش، وعلو الله عليه، فإن قولهم وقول «ابن كلاب» في ذلك متقاربان، و «ابن فورك»

стр. 155

وأصحابه أقرب إلى «ابن كلاب» في مسألة الحوادث، فإن قولهم فيها كقول «ابن كلاب» لا كقول الكرامية، ولهذا كان المنتسبون إلى «ابن كلاب» من أهل الكلام، والفقه والحديث، لا يعرف عنهم خلاف أهل الحديث، في مسألة العرش، وإنما وقع النزاع بينهم وبين غيرهم في مسألة القرآن، والله أعلم. وقد تبين بما ذكرناه، أن المخالفين لأهل الإسلام، في مسألة العرش، وأن الله فوقه، كانوا في صدر الإسلام من أقل الناس، كما ذكره «ابن كلاب» إمام «الأشعري» وأصحابه، وإن كان أكثر الأشعرية المتأخرين، قد صاروا في ذلك مع المعتزلة؛ بل يقال أشهر الطوائف بهذا النفي، الذي ذكره عنده، وعند أمثاله؛ الفلاسفة المشائين أتباع «أرسطو» من المتقدمين، و «كالفارابي» و «ابن سينا» ونحوهما من المتأخرين، ومن

стр. 156

أخبر الناس بمقالات «أرسطو» وأصحابه، ومن أكثر الناس عناية بها، وقولًا بها وشرحًا لها، وبيانًا لما خالفه فيه، «ابن سينا» وأمثاله منهم القاضي «أبو الوليد بن رشد» الحفيد الفيلسوف، حتى أنه يردّ على من خالفهم، كما صنف كتابه «تهافت التهافت» الذي ردَّ فيه على «أبي حامد الغزالي» ما ردّه على الفلاسفة، وإن لم يكن مصيبًا، فيما خالف فيه مقتضى الكتاب والسنة، بل هو مخطئ خطأً عظيمًا، بل ما هو أعظم من ذلك، وإن زعم أنه أوجبه البرهان، وأنه من علم الخاصة دون الجمهور، ولكن الغرض أنه مع مبالغته في اتباع آراء الفلاسفة المشائين، هو مع هذا نقل عن الفلاسفة إثبات الجهة، وقد قرر ذلك بطرقهم العقلية، التي يسمونها البراهين، مع أنه لايرتضي طرق أهل الكلام، بل يُسَمِّيها هو وأمثاله الطريق الجدلية، ويسمونهم أهل الجدل، كما يسميهم بذلك

стр. 157

«ابن سينا» وأمثاله، فإنهم لما قسموا أنواع القياس العقلي، الذي ذكروه في القياس إلى برهاني، وجدلي، وخطابي، وشعري، وسفسطائي زعموا أن مقاييسهم في العلم الإلهي، من النوع البرهاني، وأن غالب مقاييس المتكلمين إمَّا من الجدلي، وإما من الخطابي، كما يوجد هذا في كلام علماء الفلاسفة، «كالفارابي» و «ابن سينا» و «محمد بن يوسف العامري»

стр. 158

و «ابن رشد» وغيرهم، وإن كانوا في هذه الدعاوي ليسوا صادقين على الإطلاق، بل الأقيسة البرهانية في العلم الإلهي، هي في كلام المتكلمين أكثر منها وأشرف منها في كلامهم، وإن كان في كلام المتكلمين أيضًا، أقيسة جدلية وخطابية وشعرية، بل وسوفسطائية كثيرة، فهذه الأنواع هي في كلامهم أكثر منها في كلام المتكلمين، وأضعف إذا أخذ ما تكلموا فيه من العلم الإلهي، بالنسبة إلى ما تكلم به المتكلمون. والمقصود هنا ذكر ما ذكره عن مذهب الفلاسفة في مسألة الجهة، وهذا لفظه في كتاب «مناهج الأدلة في الرد على الأصولية» : «القول في الجهة، وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة، من أول الأمر، يثبتونها لله ، حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية، «كأبي المعالي» ومن اقتدى بقوله، وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة، مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) ﴾ [طه: ٥] ومثل قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ومثل قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) ﴾ [الحاقة: ١٧] ومثل قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي

стр. 159

يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (٥) ﴾ [السجدة: ٥] ومثل قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] ومثل قوله: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) ﴾ [الملك: ١٦] إلى غير ذلك من الآيات، التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولًا، وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابهًا، لأن الشرائع كلها مبنية على أنَّ الله في السماء، وأن منها تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأنَّ من السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي ﷺ ، حتى قرب من سدرة المنتهى» قال: «وجميع الحكماء: قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت [جميع] الشرائع على ذلك، والشبهة التي قادت نفاة الجهمية إلى نفيها؛ هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان، وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية، ونحن نقول: إن هذا كله غير لازم، فإن الجهة غير المكان، وذلك أن الجهة هي إمَّا سطوح الجسم نفسه المحيطة به، وهي ستة، وبهذا نقول: إنَّ للحيوان فوقًا وأسفلًا ويمينًا وشمالًا، وأمامًا وخلفًا، وإما سطوح جسم آخر

стр. 160

تحيط بالجسم من الجهات الست، فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه، فليست بمكان للجسم نفسه أصلًا، وأما سطوح الجسم المحيطة به، فهي له مكان، مثل سطوح الهواء المحيطة بالإنسان، وسطوح الفلك المحيطة بسطوح الهواء هي أيضًا مكان للهواء، وهذه الأفلاك بعضها محيطة ببعض ومكان له، وأما سطح الفلك الخارج، فقد تبرهن أنه ليس خارجه جسم، لأنه لو كان ذلك كذلك، لوجب أن يكون خارج [هذا الجسم جسم آخر، ويمر الأمر إلى غير نهاية، فإذا سطح آخر أجسام] العالم ليس مكانًا أصلًا، إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسم، لأن كل ما هو مكان يمكن أن يوجد فيه جسم، فإذًا

стр. 161

إن قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة، فواجب أن يكون غير جسم، فالذي يمتنع وجوده هناك هو عكس ما ظنَّه القوم فهو موجود هو جسم، لا موجود ليس بجسم، وليس لهم أن يقولوا: إنَّ خارج العالم خلاء، وذلك أنَّ الخلاء يبين في العلوم النظرية امتناعه، لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيئًا، أكثر من أبعاد ليس فيها جسم، أعني طولًا وعرضًا وعمقًا، لأنه إنْ رفعت الأبعاد عنه عاد عدمًا، وإن أنزل الخلاء موجودًا، لزم أن يكون أعراضًا موجودة في غير جسم، وذلك أنَّ الأبعاد، هي أعراض من باب الكمية ولا بد، ولكنه قد قيل في الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة؛ أنَّ ذلك الموضع هو مسكن الروحانيين، يريدون الله والملائكة، وذلك أنَّ الموضع هو ليس بمكان فلا يحويه زمان، فكذلك إنْ كان كل ما يحويه الزمان والمكان فاسدًا، فقد يلزم أن يكون ما هنالك غير فاسد ولا كائن، وقد تبين هذا المعنى مما أقوله؛ وذلك أنه

стр. 162

لمَّا لم يكن هاهنا [شيء] إلا هذا الوجود المحسوس والعدم، وكان من المعروف أنَّ الموجود إنما يُنسب إلى الوجود؛ أعني أنَّه يقال: إنَّه موجود؛ أي: في الوجود، إذ لا يمكن أن يقال: إنه موجود في العدم، فإن كان هاهنا موجود، هو أشرف الموجودات، فواجب أن ينسب من الموجود المحسوس إلى الجزء الأشرف، وهي السموات، ولشرف هذا الجزء قال الله ﵎: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) ﴾ [غافر: ٥٧] وهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم، فقد ظهر لك من هذا أنَّ إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل، وأنه الذي جاء به الشرع وابْتنى عليه، فإنَّ إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع، وأن وجه العسر في تفهيم هذا المعنى، مع نفي الجسمية؛ هو أنه ليس في الشاهد تمثال له، وهو بعينه السبب في أنْ لم يصرح الشرع بنفي الجسم عن الخالق سبحانه؛ لأن الجمهور إنما يقع لهم التصديق بحكم الغائب متى كان ذلك

стр. 163

معلوم الوجود في الشاهد، مثل العلم *يعني في الغائب، لأنه ضد الفاعل* فإنه لما كان في الشاهد شرطًا في وجوده كان شرطًا في وجود الصانع الغائب، وأما متى كان الحكم الذي في الغائب غير معلوم الوجود في الشاهد، عند الأكثر، ولا يعلمه إلا العلماء الراسخون، فإن الشرع يزجر عن طلب معرفته، إن لم يكن بالجمهور حاجة إلى معرفته، مثل العلم بالنفس، أو يضرب له مثال من الشاهد، إن كان بالجمهور حاجة إلى معرفته في سعادتهم، وإنْ لم يكن ذلك المثال هو نفس الأمر المقصود تفهيمه، مثل كثير مما جاء من أحوال المعاد، والشبهة الواقعة في نفي الجهة عند الذين نفوها، ليس يتفطن الجمهور لها، لا سيما إذا لم يصرح لهم بأنه ليس بجسم، فيجب أن يمتثل في هذا كله فعل الشرع، وأن لا يتأول، ما لم يصرح الشرع بتأويله، والناس في هذه الأشياء في الشرع على ثلاث رتب: صنف لا يشعرون بالشكوك العارضة في هذا المعنى، وخاصةً متى تركت هذه الأشياء على ظاهرها في الشرع، وهؤلاء هم الأكثرون وهم الجمهور، وصنف عرفوا حقيقة هذه الأشياء وهم العلماء الراسخون في العلم، وهؤلاء هم الأقل من الناس، وصنف عرضت لهم في هذه الأشياء شكوك،ولم يقدروا على حلها،

стр. 164

وهؤلاء هم فوق العامة ودون العلماء، وهذا الصنف هم الذين يوجد في حقهم المتشابه في الشرع، وهم الذين ذمهم الله، وأما عند العلماء والجمهور فليس في الشرع تشابه، فعلى هذا المعنى ينبغي أن يفهم المتشابه. ومثال ما عرض لهذا الصنف من الشرع مثل ما يعرض لخبز البُرّ مثلًا، الذي هو الغذاء النافع لأكثر الأبدان، أن يكون لأقل الأبدان ضارًا، وهو نافع للأكثر، وكذلك التعليم الشرعي هو نافع للأكثر، وربما ضر الأقل ولهذا أشار بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) ﴾ [البقرة: ٢٦] لكن هذا إنما يعرض في آيات الكتاب العزيز، في الأقل منها، والأقل من الناس، وأكثر ذلك هي الآيات التي تتضمن الإعلام عن أشياء في الغائب، ليس لها مثال في الشاهد، فيعبر عنها بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات إليها، وأكثرها شبهًا بها، فيعرض لبعض الناس أن يرى به هو الممثل نفسه، فتلزمه الحيرة والشك، وهو الذي يسمى متشابهًا في الشرع، وهذا ليس يعرض للعلماء و [لا] الجمهور، وهم صنفا الناس بالحقيقة، لأن هؤلاء هم الأصحاء،

стр. 165

والغذاء الملائم إنما يوافق أبدان الأصحاء، وأما أولئك فمرضى، والمرضى منه هو الأقل، ولذلك قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ *وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ*﴾ [آل عمران: ٧] وهؤلاء [هم] أهل الجدل والكلام، وأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف، إنهم تأولوا كثيرًا مما ظنوه ليس على ظاهره، وقالوا: إن هذا التأويل هو المقصود به، وإنما أتى [الله] به في صورة المتشابه ابتلاء لعباده، واختبارًا لهم، ونعوذ بالله من هذا الظن بالله، بل نقول: إن كان كتاب الله العزيز، إنما جاء معجزًا من جهة الوضوح والبيان، فإذا ما أبعد عن مقصود الشرع، من قال فيما ليس [بـ] متشابه إنه متشابه، ثم أوله بزعمه، وقال لجميع الناس إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل، مثل ما قالوه في آية الاستواء على العرش، وغير ذلك مما قالوا إن ظاهره متشابه، وبالجملة فأكثر

стр. 166

التأويلات التي يزعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع، إذا تؤملت وجدت ليس يقوم عليها برهان، ولا تفعل فعل الظاهر في قبول الجمهور لها، وعملهم عنها، فإن المقصود الأول بالعلم في حق الجمهور، إنما هو العمل، فما كان أنفع في العمل فهو أجدر، فأما المقصود بالعلم في حق العلماء، فهو الأمران جميعًا؛ أعني العلم والعمل» . وذكر كلامًا آخر نذكره إن شاء الله فيما بعد، عندما يذكره المؤسس، من موافقة بعض المسلمين الفلاسفة في [الجسم و] النفس، وفي غير ذلك مما يناسبه. وأما نقل سائر أهل العلم لمذاهب أهل الأرض من المسلمين وغيرهم في هذا الأصل، فهو أعظم من أن يذكر هنا إلا بعضه، وإنما نبهنا على أن أئمة الأشعرية الكبار، كانوا ينقلون ذلك أيضًا، وأنه لم يخالف في أن الله فوق العالم على العرش إلا الجهمية

стр. 167

وموافقوهم، وسنذكر إن شاء الله عندما نذكره من احتجاج المثبتة بالدعاء ونحو ذلك، ما فيه عبرة، وكل من صنَّف في بيان مذاهب سلف الأمَّة وأئمتها من أهل العلم بذلك، فإنه ذكر أن ذلك قولهم جميعًا بلا نزاع، كما قال الشيخ الحافظ «أبو نصر السجزي» في كتاب «الإبانة» له: «وأئمتنا «كسفيان الثوري» و «مالك بن أنس» و «سفيان بن عيينة» و «حماد بن سلمة» و «حماد بن زيد» و «عبد الله بن المبارك» و «فضيل بن

стр. 168

عياض» و «أحمد بن حنبل» و «إسحاق بن إبراهيم الحنظلي» متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وأنَّ علمه بكل مكان، وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا، وأنه يغضب ويرضى، ويتكلم بما يشاء، فمن خالف شيئًا من ذلك فهو منهم بريء وهم منهم برءاء» . وذكر الإمام «أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي القيرواني» الذي له الرسالة التي سماها «برسالة الإيماء إلى مسألة الاستواء» لما ذكر اختلاف المتأخرين في الاستواء، قال:

стр. 169

قول «الطبري» يعني: أبا جعفر «صاحب التفسير الكبير» و «أبي محمد بن أبي زيد» والقاضي «عبد الوهاب» وجماعة

стр. 170

من شيوخ الحديث والفقه، وهو ظاهر بعض كتب القاضي أبي «بكر» و «أبي الحسن» يعني: «الأشعري» وحكاه عنه أعني: القاضي «عبد الوهاب» نصًا،: «وهو أنه سبحانه مستو على العرش بذاته» وأطلقوا في بعض الأماكن «فوق عرشه» قال «أبو عبد الله القرطبي» في كتاب «شرح الأسماء الحسنى» :

стр. 171

«هذا قول القاضي «أبي بكر» في كتاب «تمهيد الأوائل» له، وقول الأستاذ «ابن فورك» في شرح «أوائل الأدلة» وهو قول «أبي عمر بن عبد البر» و «الطلمنكي» وغيرهما من الأندلسيين، وقول «الخطابي» في

стр. 172

«شعار الدين» » . ثم قال بعد أن حكى أربعة عشر قولًا: «وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار، والفضلاء الأخيار: أن الله على عرشه، كما أخبر في كتابه، وعلى لسان نبيه، بلا كيف، بائن من جميع خلقه، هذا مذهب السلف الصالح، في ما نقل عنهم الثقات» . وقال أيضًا «أبو عبد الله» هذا في «تفسيره» الكبير، في قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] قال: «هذه مسألة الاستواء وللعلماء فيها كلام وأجزاء، وقد بينا أقوال العلماء فيها في كتاب «الأسني في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى» ، وذكرنا فيها هنالك أربعة عشر قولًا، والأكثر من المتقدمين والمتأخرين» يعني من متكلمي أصحابه «أنه إذا وجب تنزيه الباري عن الجهة والحيز، فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم المتأخرين» يعني: العلماء المتكلمين أصحابه، «تنزيه الباري عن الجهة فليس بجهة فوق عندهم، لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان والحيز، الحركة والسكون للمتحيز، والتغير والحدوث، هذا قول

стр. 173

المتكلمين، وقد كان السلف الأول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى، كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا يعلم حقيقته، كما قال مالك ﵀: «الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة» . وكذا قالت

стр. 174

«أم سلمة» ﵂، وهذا القدر كاف» قال: «والاستواء في كلام العرب العلو والاستواء» وذكر كلام «الجوهري» في صحاحه وغير ذلك، هذا آخر كلام

стр. 175

«القرطبي» . وقال «أبو بكر محمد بن موهب المالكي» في شرح رسالة «أبي محمد بن أبي زيد» : «وأما قوله: «إنه فوق عرشه المجيد بذاته» فإن معنى: فوق وعلى عند جميع العرب واحد، وفي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ تصديق ذلك، قول الله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) ﴾ [طه: ٥] وقال في وصف الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠) ﴾ [النحل: ٥٠] وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] ونحو ذلك كثير، وقال النبي ﷺ للأعجمية التي أراد سيدها أن يعتقها: «أين ربك؟ فأشارت إلى السماء» ووصف النبي ﷺ أنه عرج به من الأرض إلى السماء، من سماء إلى سماء، إلى سدرة

стр. 176

المنتهى، وإلى ما فوقها، حتى قال: لقد سمعت صريف القلم، وأنه وصف من فرض الصلوات أنـ[ـه] كل ما هبط من مكانه، فلقي موسى في بعض السموات، فأمره بالتخفيف عن أمته، عاد يصعد ثم سأل إلى أن انتهى إلى خمس صلوات في اليوم والليلة.

стр. 177

وقد تأتي [لفظة «في» ] في لغة العرب بمعنى: فوق، وعلى ذلك قول الله : ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥] يريد: عليها وفوقها. وكذلك قوله فيما وصف عن فرعون أنه قال في قصة السحرة: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] يريد عليها، قال الله : ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] الآيات كلها، قال أهل التأويل العالمون بلغة العرب: يريد فوقها، وهو قول مالك مما فهمه عن جماعة من أدرك من التابعين، مما فهموه عن الصحابة، مما فهموه عن النبي ﷺ ، أن الله في السماء، يعني: فوقها وعليها. ولذلك قال الشيخ أبو محمد: «إنه فوق عرشه المجيد» ، ثم بين أن علوه على عرشه وفوقه، إنما هو بذاته، لأنه بائن عن جميع خلقه

стр. 178

بلا كيف، وهو في كل مكان من الأمكنة المخلوقة بعلمه لا بذاته، إذ لا تحويه الأماكن، لأنه أعظم منها، وقد كان ولا مكان، ولم يحل بصفاته عما كان، إذ لا تجري عليه الأحوال، لكن علوه في استوائه على عرشه، هو عندنا بخلاف ما كان قبل أن يستوي على العرش لأنه قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] و «ثم» أبدًا لا تكون أبدًا إلا لاستئناف فعل يصير بينه وبين ما قبله فسحة، فهو سبحانه وإن كان لا يزول ولا يحول فقد يزيل المخلوقات دونه، ويحيلها كيف يشاء، فصار بكونه على عرشه في وصفنا بخلاف ما كان قبل ذلك، هذا حكم وصفنا لاستوائه على عرشه سبحانه، ففرق بين ذاته وعلمه من جملة الحكم والمعنى، إذ لا تخلو الأماكن من علمه، وهو بائن عن جميعها بذاته، وإن كان محيطًا بها جميعًا عظمة وجلالًا» . إلى أن قال: «وقوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) ﴾ [طه: ٥] فإنما معناه عند أهل السنة على غير الاستيلاء والقهر والغلبة والملك الذي ظنت المعتزلة، ومن قال بقولهم: إنه معنى الاستواء، وبعضهم يقول: إنه على المجاز دون الحقيقة، ويبين

стр. 179

سوء تأويلهم في استوائه على عرشه، على غير ما تأولوه من الاستيلاء وغيره، ما قد علمه أهل المعقول، بأنه لم يزل مستويًا على جميع مخلوقاته بعد اختراعه لها، وكان العرش وغيره في ذلك سواء، فلا معنى لتأويلهم بإفراد العرش بالاستواء، الذي هو في تأويلهم الفاسد استيلاء وملك وقهر وغلبة» . قال: «ويبين أيضًا أنه على الحقيقة بقوله : ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) ﴾ [النساء: ١٢٢] فلما أبصر المنصفون إفراد ذكره بالاستواء على عرشه، بعد خلق سمواته وأرضه، وتخصيصه بصفة الاستواء، علموا أن الاستواء هاهنا على غير الاستيلاء ونحوه، فأقروا بوصفه بالاستواء على عرشه، وأنه على الحقيقة لا على المجاز [لأنه الصادق] في قيله، ووقفوا عن تكييف ذلك وتمثيله، إذ لي كمثله شيء من الأشياء» . وقال الشيخ الإمام «أبو أحمد الكرجي القصاب» إمام تلك

стр. 180

النواحي علمًا ودينًا، في عقيدته التي ذكر أنها عقيدة أهل السنة، والجماعة، وهي العقيدة التي كتبها الخليفة «القادر» وقرأها على الناس، وجمعهم عليها، واقر بها طوائف السنة، واستتاب من خرج عن السنة من المعتزلة والرافضة ونحوهم، سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وتبعه في نحو ذلك ذو السلطان «محمود بن سبكتكين» بأرض المشرق، وكان ذلك [عند
следующие страницы →