← Акыда

Акыда · id 2864

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية

Полный текст (4 879 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

بحال وإذا كانت المخلوقات لا تفتقر إلى حيز موجود وجهة موجودة أو مكان موجود بعينه وإن كان فيها ما يفتقر إلى نوع ذلك على البدل وما يسمى لها مكانًا قد يفتقر إليها وكذلك ما يسمى حيزًا لها متصلاً أو منفصلاً قد يكون مفتقرًا إليها وكذلك الجهة مفتقر إليها في معنى كونها جهة كان دعوى افتقار المتحيزات للحيز مع استغناء الحيز عنه في حق المخلوقات ليس على إطلاقه بل إطلاق ذلك دعوى باطلة فكيف في حق الخالق الغني عن كلما سواه المفتقر إليه كل ما سواه الوجه الثالث عشر قوله والشيء الذي يمكن حصوله في الحيز يستحيل عقلاً حصوله لا في الجهة يقال له الأجسام كلها حاصلة في الحيز كما ذكرته أفتقول إنه يستحيل عقلاً حصول كل جسم في غير جهة وجودية فهذا لا يقوله عاقل بل يعلم ببديهة العقل أن كل جسم يمكن حصوله في غير جهة وجودية منفصلة كما أن العالم حاصل في غير جهة وجودية وما علمنا عاقلاً قال إن كل جسم يجب أن يكون

стр. 1787

حاصلاً في حيز وجودي منفصل عنه وإذا كان كذلك كان قوله والشيء الذي يمكن حصوله في الحيز يستحيل عقلاً حصوله لا في جهة التي قد قدم إنها وجودية قول معلوم الفساد ببديهة العقل متفق على فساده بين العقلاء وهذا ليس مما يخفي على من تأمله وإنما الرجل غلط أو خالط في المقدمتين فإنه قد سمع وعلم أن الجسم لا يكون إلا متحيزًا فلابد لكل جسم من حيز ثم سمى حيزه جهة وقد قرر قبل هذا أن الجهة أمر وجودي فركب أن كل جسم يفتقر إلى حيز وجودي منفصل عنه وهذا الغلط نشأ من جهة ما في لفظ الحيز والجهة من الإجمال والاشتراك فيأخذ أحدهما بمعنى ويسميه بالآخر ثم يأخذ من ذلك الآخر المعنى الآخر فيكون بمنزلة من قال المشترى قد قارن زحل وهذا هو المشترى الذي اشترى العبد وقد قارن البائع فيكون البائع هو زحل أو يقول هذه

стр. 1788

الثريا والثريا قد نكحها سهيل وقارنها فتكون هذه الثريا قد قارنها سهيل ونحو ذلك ومن المعلوم أن الجهة التي نصر أنها وجودية وهي مستغنية عن الحاصل فيها ليست هي الحيز الذي يجب لكل جسم يوضح ذلك الوجه الرابع عشر وهو أنه قال إن

стр. 1789

المسمى بالحيز والجهة أمر مستغن في وجوده عما يتمكن ويستقر فيه وأما الذي يكون مختصًّا بالحيز والجهة فإنه يكون مفتقرًا إلى الحيز والجهة فإن الشيء الذي يمكن حصوله في الحيز مستحيل عقلاً حصوله لا مختصًّا بالجهة وذلك يقتضي أن الشيء الذي يمكن حصوله في الحيز يستحيل عقلاً حصوله في غير حيز وجهة فيكون محتاجًا إلى الحيز والجهة وقد قرر أن المسمى بالحيز والجهة أمر مستغن في وجوده عما يتمكن ويستقر فيه فيكون الحيز والجهة مستغنيًا عن الحيز المتوجه وذلك يقتضي أن المتحيزات بأسرها مفتقرة إلى أحيازها وأن أحيازها التي يستحيل عقلاً حصولها في غيرها مستغنية عنها ومن المعلوم لكل عاقل أن تحيز الجسم أمر قائم به محتاج إليه ليس هو مستغنيًا عن الجسم وهذا هو الذي يستحيل عقلاً حصول المتحيز بدونه فإنه يستحيل حصول متحيز بدون تحيز وكل جسم متحيز وحصول المتحيز بدون التحيز محال وهو مثل حصول الجسم أو حصول المقدور بدون تَقَدُّر أو حصول المميز بدون التميز وأما كون المتحيز يستحيل عقلاً حصوله في غير حيز وراء هذا التحيز فالعقل يعلم

стр. 1790

خلاف ذلك فيعلم أن المتحيز لا يفتقر إلى حيز وجهة غير هذا التحيز الذي قام به فظهر أنه ناقض مايعلم بالعقل خلافه بأن العقل يعلم افتقار المتحيز إلى حيز منفصل عنه بل يفتقر إلى حيز هو نهايته التي تُحيط به فقلب القضية وجعل الحيز المنفصل الذي هو للجهة مستغنيًا عن المتحيز والمتحيز يستحيل عقلاً حصوله بدونه وظهر ببطلان المقدمتين بطلان المقدمة الأولى من الحجة وهو قوله لو كان مختصًّا بالحيز والجهة لكان مفتقرًا إلى غيره ونتكلم على الثانية فنقول الوجه الخامس عشر قولك لو كان مختصًّا بالحيز والجهة لكان مفتقرًا إلى غيره لفظ مجمل قد تقدم الكلام على نظيره غير مرة وهو أن لفظ الغير عند كثير من الصفاتية أو أكثرهم منهم أصحابك هو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود أو ما جاز وجود أحدهما دون الآخر وعند كثير من نفاة الصفات ومثبتيها ما جاز العلم

стр. 1791

بأحدهما دون الآخر فما الذي تريد بلفظ الغير في قولك لو كان مختصًّا بالحيز والجهة لكان مفتقرًا إلى غيره إن أردت به لكان مفتقرًا إلى ما يجوز وجوده دونه فهذا باطل فليس في الموجودات ما يجوز وجوده دون الله وعلى هذا التقدير فيمتنع افتقار الله إلى غيره لامتناع الغير الذي يجوز وجوده دونه كما يمتنع افتقاره إلى مثله لامتناع مثله ويمتنع خوفه من نده لامتناع نده فالفقر والحاجة إلىما يستغنى عنه محال هذا إن أراد وجود ذلك الغير دونه وإن أراد وجود الله دون ذلك الغير فيكون المعنى أنه مفتقر إلى الغير الذي يجوز وجود الله دونه وهذا جمع بين النقيضين فإنه إذا كان هو سبحانه موجودًا دونه لم يكن مفتقرًا إليه وإذا كان مفتقرًا إليه لم يكن سبحانه موجودًا دونه فقول القائل

стр. 1792

إنه مفتقر إلى الغير الذي يوجد دونه مثل قوله مفتقرًا إلى ما هو مستغن عنه وذلك مثل قول القائل يفتقر لا يفتقر ويستغني لا يستغني وكذلك إن أراد بالغير ما يجوز مفارقته لله بزمان أو مكان أو وجود فالحيز الذي هو من لوازم وجوده كالصفة الذاتية اللازمة له لا يفارقه في زمان ولا مكان وقد ذكرنا أن الحيز الوجودي يراد به حد الشيء المتحيز الذي يحوزه ويراد به شيء منفصل عنه يحوزه والله ليس هو بل ولا غيره من المخلوقات مفتقرًا إلى حيز وجودي بالمعنى الثاني وأما الحيز الوجودي بالمعنى الأول فهذا لايجوز أن يفارق المتحيز لا في زمان ولا في مكان ولا وجود إلا إذا فرق ذلك المتَحيز وحينئذ فلا يكون هو إياه مع أن الله سبحانه صمد لا يجوز عليه التفرق والانقسام فإن أراد بالغير هذا المعنى كان التقدير لو كان مختصًّا بالحيز والجهة لكان مفتقرًا في وجوده إلى ما هو لازم لذاته لا يجوز مفارقته له ولا انفصاله عنه وهكذا حكم جميع الصفات الذاتية فيكون المعنى كما لو قيل لو كان له صفة ذاتية لكان مفتقرًا إليها افتقار الموصوف إلى الصفة وهذا من

стр. 1793

شبه نفاة الصفات التي يبطلها هذا المؤسس نفسه كما تقدم الكلام عليه وهذا أحد الوجوه التي ذكرها في حجة نفاة الصفات في نهايته فقال الثالث أن عالمية الله وقادريته لو كانت لأجل صفات قائمة به لكان الباري محتاجًا إلى تلك الصفات لكن الحاجة على الله محال فبطل القول باتصاف ذاته بالصفات فقوله لو كان مختصًّا بالحيز والجهة لكان مفتقرًا في وجوده إلى ذلك مثل هذه سواء إذا فهم أن الحيز الذي يلزم المتحيز هو أمر لازم له ليس شيئًا منفصلاً عنه وأن المتحيز لا يفتقر إلى حيز موجود منفصل عنه بضرورة العقل والحس واتفاق العقلاء وقد تقدم الكلام على مثل هذه الحجة غير مرة وهي مثل قولهم يستلزم التركيب والكثرة الموجبة لافتقاره إلى أجزائه

стр. 1794

وقد قال هو قولهم يلزم من إثبات الصفات وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية فتكون تلك الحقيقة ممكنة قلنا إن عنيتم به احتياج تلك الحقيقة إلى سبب خارجي فلا يلزم لاحتمال استناد تلك الصفات إلى الذات الواجبة لذاتها وإن عنيتم به توقف الصفات المخصوصة في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة فذلك مما نلتزمه فأين المحال قال وأيضًا فعندكم الإضافات صفات وجودية في الخارج فيلزمكم ما ألزمتمونا ويلزمكم أيضًا في الصورة المرتسمة في ذاته من المعقولات ما ألزمتمونا ونحن قد بينا أن هذه الأمور ليست غيرًا له بهذا الاصطلاح فلا يصح أن يقال هو مفتقر إلى غيره وأما إن أراد بالغيرين ما يجوز العلم بأحدهما دون الآخر فنقول ثبوت هذه المعاني في حق الله تعالى متفق عليه بين

стр. 1795

العقلاء معلوم بضرورة العقل فلابد منه في كل موجود فإنه يعلم شيئاً ثم يعلم شيئاً آخر فإن كان ثبوت هذه الأمور مستلزم حاجة الله إلى الغير فهذا اللازم على كل تقدير ولكل العقلاء وحينئذ فلا يكون محذورًا بهذا التفسير فظهر أن قوله لكان مفتقرًا في وجوده إلى الغير إما منع الملازمة أو منع انتفاء اللازم وذلك بسبب اشتراك لفظ الغير بضرورةالعقل واتفاق العقلاء فإن الغير إن عنى به مايجوز مفارقته في وجود أو زمان أو مكان منعت المقدمة الأولى وهو قوله لكان مفتقرًا إلى غيره فإن الحيز الوجودي الذي يلزمه ليس مما تجوز مفارقته له وإن عنى بالغير ما يجوز العلم بأحدهما دون الآخر فثبوت هذا في حق الله معلوم بضرورة العقل واتفاق العقلاء وإن كان فيهم من لا يسميه غير فالمقصود هنا

стр. 1796

المعنى دون الألفاظ فتكون المقدمة الثانية باطلة بضرورة العقل واتفاق العقلاء الوجه السادس عشر يقال له ما تعني قولك لكان مفتقرًا في وجوده إلى الغير فإن الافتقار المعروف عند الإطلاق أن يكونَ الشيء محتاجًا إلى ما هو مستغن عنه كافتقار العبد إلى الله وأما الشيئان اللذان لا يوجد أحدهما إلا مع الآخر كالموصوف وصفته اللازمة أو المقدرة وقدرة اللازم له وكالأمور المتضايقة مثل الأبوة والبنوة والعلو والسفل ونحو ذلك فهذه الأمور لا توصف بافتقار أحدهما إلى الآخر دون العكس لكن إذا قيل كل منهما مفتقر إلى الآخر كان بمنزلة قول القائل الشيء مفتقر إلى نفسه والمعنى أن أحدهما لا يوجد إلا مع الآخر كما أن الشيء لا يكون موجودًا إلا بنفسه فإذا كان مخلوقًا كان الفاعل له لنفسه والفاعل لأحدهما هو الفاعل للآخر وإذا كان ذلك هو الخالق لم يكن سبحانه مفتقرًا إلى غير ذاته وإنما المعنى أنه واجب الوجود بنفسه ووجوده لازم لزومًا لا يمكن عدمه وأحد هذه الأمور لازم للآخر لزومًا يمكن معه عدمه

стр. 1797

وإذا كان هذا المعنى هو الذي يمكن أن يراد بلفظ الافتقار هنا فيكون المعنى لو كان له صفة ذاتية لازمة له أو لو كان له تحيز لازم لكان ملازمًا له لا ينفك عنه وحينئذ فيتحد اللازم والملزوم ويكون هذا من باب تحصيل الحاصل كما لو قيل لو كان واجبًا بنفسه لكان مفتقرًا إلى نفسه والمعنى أن نفسه لازمة لنفسه لزمًا لا يمكن عدمه فإنما تغلط الأذهان هنا وتحصل الشبهة عند كثير من الناس والوهم في قلوبهم لما في لفظ الافتقار إلى الغير من المحذور وهؤلاء عمدوا إلى هذا اللفظ فاستعملوه في غير المعنى المعروف في اللغة وسموا لزوم صفاته له افتقارًا إلى الغير فلما عبروا عن المعاني الصحيحة بل المعاني التي يعلم بضرورة العقل ثبوتها في نفس الأمر بل لا يستريب في ثبوتها أحد من العقلاء مادام عاقلاً عبروا عنها بالعبارات المشتركة المجملة التي قد تستعمل في معانٍ فاسدة يجب تنزيه الباري عنها كان هذا الاشتراك مما أشركوا فيه بين الله وبين خلقه وهو من نوع شركهم وعدلهم بالله حيث أشركوا بين المعاني الواجبة لله والممتنعة عليه في لفظ واحد ثم نفوا به

стр. 1798

ما يجب لله وكانوا مشركين معطلين في اللفظ كما كانوا مشركين معطلين في المعاني كما تقدم التنبيه على ذلك غير مرة بمنزلة من سمى رحمان اليمامة الرحمن وجعل يقول للناس أنا كافر بالرحمن يوهمهم أن رحمان اليمامة هو كافر بالرحمن الذي على العرش أو بمنزلة من سمى الأوثان آلهة والإله وجعل يقول للمؤمنين قد عبدت الإله ودعوت الإله وإنما يعني به الوثن أو بمنزلة الله اللات

стр. 1799

والعزى ومناة الثالثة الأخرى وهو يعني الكفر بالله فهذا المثل نظير ما فعلوه من تسميته لما أثبته الله لنفسه بأسمائه وآياته بأسماء باطلة من المفتقر والغير ونحو ذلك ثم جعل يقول ينزه الله تعالى عن أن يكون مفتقرًا إلى الغير وهو مثل من يسمي نبيه محمدًا مذممًا ثم يقول العنوا مذممًا وهو ﷺ محمد وليس بمذمم والله سبحانه الغني بما لَه من الأسماء والصفات وليس بمفتقر إلى غيره بوجه من الوجوه وإن سموه هم مفتقرًا إلى غيره إذا ثبتت له هذه الصفات كما سمى المشركون محمدًا مذممًا لما دعاهم إلى توحيد الله وعبادته وهذا حال فريق ممن خالف سلطان الله الذي بعث به رسله

стр. 1800

وسمى سبحانه الأشياء بما تستحقه من الأسماء من أهل الكفر والبدع التي تشتمل على ما هو من الإيمان وما هو من الكفر فإنهم يسمون الأشياء بأسماء تتضمن حمدًا وذمًّا ونفيًا وإثباتًا وتلك الأسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان وذلك مثل تسمية الكفار النبي ﷺ شاعرًا وساحرًا وكاهنًا ومجنونًا وذلك لنوع شبهة قد أزاحها بما أظهره من البينات فلما رأوا القرآن كلامًا موزونًا شبهوه بالشعر الموزون ورأوا الرسول يخبر بالغيوب عن روح ينزل إليه بها

стр. 1801

فشبهوه بالكاهن الذي يخبر بكلمة فيكذب معها مائة كذبة عن روح شيطاني ينزل عليه بها ورأوه يزيل ما في النفوس من الاعتقادات الفاسدة والإرادات الفاسدة إلى الصحيح الذي فطر الله النفوس عليه فشبهوه بالساحر الذي يغير الأمر في إدراكاتهم وحركاتهم حتى يعتقدوا الشيء بخلاف ما هو عليه ويحبوا ما أبغضوه ويبغضوا ما أحبوه ورأوه قد أتى بما يخالف عاداتهم الفاسدة وما يذمونه عليه فشبهوه بالمجنون الذي يخرج عما يعرف في العقل ويأتي ما يذم عليه

стр. 1802

كذلك يسمي أهل البدع من اتبع سبيله الذي قال الله حكاية عنه قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٠٨﴾ [يوسف ١٠٨] بأسماء باطلة كتسمية الرافضة لهم ناصبة مع محبتهم أهل البيت وموالاتهم تشبيهًا لهم بمن يبغضهم ويعاديهم لاعتقادهم أن لا ولاية لهم إلا بالبراءة من الصحابة وزعموا أنهم كانوا يعادونهم وكتسمية القدرية لهم مُجْبِرَة مع كونهم يعتقدون أن

стр. 1803

العبد فاعل حقيقة وله إرادة وقدرة وتشبيهًا بمن يسلب العبد الفعل ويجعله كالجمادات التي لا إرادة لها لما اعتقدوا أن الله خالق كل شيء وهو خالق العبد وصفاته وأفعاله وكذلك تسمية الجهمية لهم مشبهة مع كونهم يعتقدون

стр. 1804

أن الله ليس كمثله شيء في صفة من صفاته أصلاً تشبيهًا لهم بالممثلة الذين يجعلون الله من جنس المخلوقات لمااعتقدوا أن الله موصوف بصفات الإثبات التي جاءت بها النبوات وأما في الذم فتسمية الكفار أصنامهم الإله وتسميتهم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وما في ذلك لها من معنى الهيبة والعزة والتقدير وكذلك تسمية أهل البدع لأنفسهم بأسماء لا يستحقونها كما تسمي الخوارج أنفسهم المؤمنين دون بقية أهل القبلة ويسمون دارهم دار الهجرة وكذلك الرافضة تسمي أهلها المؤمنين وأولياء الله دون بقية أهل القبلة وكذلك الجهمية ونحوها يسمون أنفسهم الموحدين ويسمون نفي الصفات توحيد الله

стр. 1805

وتسمي المعتزلة ذلك توحيدًا وتسمي التكذيب بالقدر عدلاً وتسمي القتال في الفتنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكذلك تسمية الصابئة لعلومهم أو أعمالهم الحكمة أو الحكمة الحقيقية أو المعارف اليقينية مع أن فيها من الجهل والشبه والضلال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال وكذلك تسمية الاتحادية أنفسهم أهل الله وخاصة الله والمحققين وهم من أعظم الناس عداوة لله وأبعد

стр. 1806

الناس عن التحقيق وما من اسم من هذه الأسماء الباطلة في الحمد والذم إلا ولابد لأصحابه من شبهة يشتبه فيها الشيء بغيره بل قد يفعل المبطلون أعظم من ذلك كتسمية بعض الزنادقة المتفقرة المسجد إِسطبل البطالين وهذا كثير فيمن يسمي الحق باسم الباطل والباطل باسم الحق وتلك كلها أسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان وإنما فعلوها لنوع من الشبه التي هي قياس فاسد كشبه الجهمية وقاسهم أنه لو كان لله صفات لازمة لكان مفتقرًا إلي غيره فسموه لأجل ما هو به مستحق الحمد والثناء والمجد وهو الغني الصمد سموه لأجل ذلك مفتقرًا إلى الغير وهذا منهم باطل ما أنزل الله به من سلطان الوجه السابع عشر قوله المفتقر في وجوده إلى الغير

стр. 1807

يكون بحيث يلزم من عدم ذلك الغير عدمه وكل ما كان كذلك كان ممكنًا لذاته وذلك في حق واجب الوجود لذاته محال يقال إذا كان الشيء مفتقرًا إلى شيء آخر مستغن عنه وأنه يكون بحيث يلزم من عدم ذلك الثاني عدم الأول أو لا وجود للأول إلا بالثاني وما كان كذلك فإنه ممكن لذاته لكن إذا كان الثاني غير مستغن عن الأول بل كان الثاني مفتقرًا إلى الأول بحيث يلزم من عدم الأول عدمه لم يمكن أن يجعل الأول ممكنًا لافتقاره إلى الثاني بأولى من أن يجعل الثاني ممكنًا لافتقاره إلى الأول وحينئذ يجب دخولهما جميعًا في وجوب الوجود إذا ثبت أن كلا منهما حاجته على الآخر كحاجة الآخر إليه فكيف والموصوف هنا المستلزم للصفة وذلك يظهر بالوجه الثامن عشر وهو أنه قد عرف أن الغير هنا لا يعني الغير المنفصل عنه بل ما تغاير في العلم وأن الافتقار المراد به التلازم فيكون المعنى أن الموصوف

стр. 1808

مستلزم الصفة ومعنى افتقاره إليها أنه لا يكون له حقيقة أو لا يكون على ما هو عليه إلا بها وأنه يلزم من عدمها عدمه لكن تلك الصفة أيضًا يلزم من عدم الموصوف عدمها ولا حقيقة لها ولا وجود إلا بالموصوف وكونها مستلزمة الموصوف وهوافتقارها إلى الموصوف أبلغ من كون الموصوف مستلزمًا لها وإذا كان كذلك كان الموصوف واجبًا للوجود ولم يكن يفتقر إلى شيء منفصل عنه ولكن معنى حاجته استلزامه للصفة التي هي مستلزمة له وهذا حق وهوغير منافٍ لوجوب الوجود بل لا يكون وجود واجب ولا غير واجب إلا كذلك الوجه التاسع عشر أنه لو فرض أن ذاته مستلزمة لشيء منفصل عنه من حيز أو غيره لكان بحيث يلزم من عدم ذلك اللازم لذاته المنفصل عنه عدم الملزوم الذي هو ذاته ثم لم يقل أحد من الخلائق بأن رب العالمين مفتقر لأجل ذلك إلى ما يكون منفصلاً عنه ولا على قول القائل بالتعليل والتوليد الذين منهم خرج التكلم بواجب الوجود فإنهم يقولون إنه علة تامة مستلزم

стр. 1809

لوجود معلوله الذي هو العالم الذي تولد عنه ومع هذا فهو واجب الوجود ليس بممكن الوجود ولا يفتقر إلى غيره الوجه العشرون قوله إن المسمى بالحيز والجهة أمر مركب من الأجزاء والأبعاض لأنه يمكن تقديره بالذراع والشبر وما كان كذلك كان مفتقرًا إلى غيره ممكنًا لذاته فالمفتقر إليه أولى أن يكون ممكنًا يقال له قد تقدم أن الحيز الوجودي الذي يقال إن ذات الله مستلزمة له ليس هو شيئًا منفصلاً عنه حتى يقال إنه مركب من الأجزاء والأبعاض أم ليس بمركب وهذا الوجه إنما هو إقامة دليل على حيز وجودي منفصل عن الله تعالى مثل العرش والمنازعون له يقولون إن ذات الله ليست مستلزمة لوجود حيز وجودي منفصل عنه وإنما قد يقول من يقول منهم إنه يكون على العرش

стр. 1810

أو يأتي في ظلل من الغمام أو كان قبل أن يخلق العرش في عماء وهو السحاب الرقيق لكن لم يقولوا إن ذلك لازم له بل هو من الأمور الجائزة عليه فلا يكون مفتقرًا إليه الوجه الحادي والعشرون أنه إذا قال قائل إنه لابد من حيز وجودي غير ذاته كغمام أو غيره أو الخلاء عند من يتخيل أنه موجود فإنه قد يقول لا نسلم أن ما ذكره من تقديره ومساحته يدل على إمكانه فإن هذه هي الأدلة الدالة على إمكان ذوات المقدار وقد تقدم بيان بطلانه وأنه لم يقم على ذلك حجة لما ذكر من أدلته على أن كل متحيز وكل جسم فهو ممكن الوجه الثاني والعشرون أنه إذا قدر أن ذلك ممكن لذاته فإنه لايكون إلا مفتقرًا إلى الله لأن كل ما سواه مفتقر إليه وغايته أن تكون حقيقة الرب مستلزمة له ويكون افتقاره إليه كما يقال من افتقار الموصوف إلى صفته وأكثر ما يقال إنه مفتقر إليه كافتقار العلة إلى معلولها الذي هو مفتقر غليها يعني أن العلة لا تكون

стр. 1811

موجودة إلا بوجود معلولها ومعلولها هو مفتقر إليها فجعل العلة الموجبة بنفسها مفتقرة على معلولها حاصله أن وجوده لا يكون إلى مع وجوده وهذا لا يوجب أن يكون واجب الوجود ممكنًا الوجه الثالث والعشرون قوله والمفتقر على الممكن بذاته أولى أن يكونَ ممكنًا لذاته فيقال إذا كان معنى الفقر ما يعود إليه حاصل كلامك وأن معناه أن الواجب بنفسه مستلزم لوجود ما هو ممكن بذاته وهو الواجب لذلك الممكن وهو مع حاجته إليه هو الموجب فيكون حقيقة الأمر أن الواجب بنفسه أوجب أو أوجد ما يحتاج إليه وهذا لا يوجب أن يكون محتاجًا إلى ما هو مستغن عنه ولا أن يكون ممكنًا بل لا يوجب حاجته إلى ما هو غيره لأن ذاته هي الموجبة لكل مايحتاج إليه فلا حاجة به إلى غيره بحال هذا مع تسميتنا هذه المعاني حاجة وافتقارًا على ما زعمته ولكن لو كان محتاجًا إلى ممكن مستغن عنه بوجه من الوجوه كان فيه إمكان أما إذا كان ذلك الأمر محتاجًا إليه من كل وجه غير مستغن عنه فالحاجة إلى مالا يقوم إلا بنفسه كالحاجة إلى نفسه وذلك لا ينافي وجوبه بنفسه بل حقيقة الواجب بنفسه أن لا يستغني عن نفسه ولا يكون إلا بنفسه سميت ذلك فقرًا إلى نفسه أو لم تسمه وهذه الحجة لأمور قد

стр. 1812

تقدم الكلام عليها فلهذا نختصر الكلام عليها هاهنا الوجه الرابع والعشرون قوله في الثالث لو كان الباري أزلاً وأبدًا مختصًّا بالحيز والجهة لكان الحيز والجهة موجودين في الأزل فيلزم إثبات قديم غير الله وذلك محال بإجماع المسلمين يقال له هؤلاء إذا قالوا بأنه مختص بحيز وجودي أزلاً وأبدّا فليس ذلك عندهم شيئاً خارجاً عن مسمى الله كما أن الحيز الذي هو نهايات المتحيز وحدوده الداخلة فيه ليس خارجًا عنه بل هو منه وعلى هذا التقدير فيكون إثباتهم لقدم هذا الحيز كإثبات سائر الصفاتية للصفات القديمة من علمه وقدرته وحياته لا فرق بين تحيزه وبين قيامه بنفسه وحياته وسائر صفاته اللازمة والحيز مثل الحياة والعلم بل أبلغ منه في لزومه للذات كما أنه كذلك في سائر المتحيزات فالحيز الذي هو داخل في المتحيز الذي هو حدوده وجوانبه ونواحيه ونهاياته أبلغ في لزومه لذاته من بعض الصفات كالسمع والبصر والقدرة وغير ذلك

стр. 1813

ثم إن هذه الحجة التي ذكرها من لزوم إثبات قديم غير الله تعالى مشهورة من حجج النفاة للصفات وقد ذكرها هو في نهايته فقال في حجتهم الرابع الصفات القديمة لابد وأن تكون مساوية للذات القديمة في القدم وذلك يقتضي تماثلهما وأجاب عن ذلك بأجوبة صحيحة بين فيها أن الاشتراك في القدم لا يقتضي الاشتراك في الحقيقة ولا يستحيل أن يكون للذات صفات قديمة لكن هذا الموضع لا يحتاج إلى ذلك فإن احتج على نفي قديم غير الله بإجماع المسلمين فيكون الجواب في الوجه الخامس والعشرين وهو أن المسلمين لم يجمعوا على أنه ليس لله صفة قديمة بل عامة

стр. 1814

أهل القبلة على إثبات ذلك ولكن أجمعوا على أنه ليس فيما هو خارج عن مسمى الله وهو الأمور المخلوقة شيء قديم فأين هذا من هذا فهذا الإجماع إنما يلزم لو قيل إن هناك حيزًا وجوديًّا خارجًا عن مسمى الله تعالى يختص له أزلا وأبدًا الوجه السادس والعشرون أن احتجاجك في هذا بالإجماع لا يصح فإنك قد حكيت نزاع المسلمين في أن الباري هل هو متحيز ومختص بحيز وجهة وقررت أن الحيز أمر وجودي فتكون قد حكيت نزاع المسلمين في ثبوت حيز قديم مع الله بل قد يقال حكيت اختلافهم في ثبوت حيز قديم وجودي غير الله وإذا حكيت اختلافهم في ذلك لم يجز أن تحكي إجماعهم على نفي قديم غير الله تعالى وتقرير هذا في الوجه السابع والعشرين أن يقال هذه الحجة من أولها مبنية على أن الحيز أمر وجودي وبذلك أبطلت المنازع لك في أن الباري متحيز فلا يخلو إما أن يكون الحيز وجوديًّا أم لا فإن كان الحيز وجوديًّا فقد ثبت تنازع الأمة في ثبوت قديم غير الله معه لأن النزاع في تحيزه معلوم مشهور وأنت إنما قصدت الرد على المخالف في ذلك وإن لم يكن

стр. 1815

الحيز وجوديًّا بطلت الحجة من أصلها وعلى التقديرين لا يصح أن تحتج بالإجماع على نفي قديم غير الله تعالى مع حكايتك الخلاف في أن الله متحيز وبنائك الحجة على أن الحيز أمر وجودي بل إن كان ما ذكرته من النزاع نقلاً صحيحًا وما ذكرته من الحجة صحيحة فقد ثبت أن في الأمة من يقول بثبوت قديم غير الله وإن لم يكن صحيحًا بطل الاستدلال من أوله الوجه الثامن والعشرون أن هذا اللفظ بعينه لا ينقل عن سلف الأمة حتى يحتج بمضمون اللفظ ولكن لما علم من مذهب الأمة أن الله خالق كل شيء وأن العالم محدث ذكر هذا اللفظ نقلاً لمذهبهم بالمعنى وإذا كان كذلك لم يكن هذا متناولاً لموارد النزاع بين الأمة الوجه التاسع والعشرون أنه أورد من جهة المنازع أنه لا يعني بكونه مختصًّا بالحيز والجهة إلا أنه مباينٌ عن العالم منفردٌ عنه ممتازٌ عنه وكونه كذلك لا يقتضي وجودًا آخر سوى ذات الله تعالى فبطل قولكم لو كان في الجهة لكان مفتقرًا إلى الغير وهذا كلام جيد قوي كما قد بيناه فيما مضى أن الحيز لا خلاف بين الناس أنه قد يراد به ما ليس بخارج عن

стр. 1816

مسمى الذات وأن هؤلاء المنازعين له لا يقولون إن مع الباري موجودًا هو داخل في مسمى نفسه أو موجودًا مستغنيًا عنه فضلاً عن أن يكون الرب مفتقرًا إليه بل كل ما سواه فإنه محتاج إليه وقد قرر لهم ذلك بالعالم فقال والذي يدل على صحة ما ذكرنا أن العالم لا نزاع في أنه مختص بالحيز والجهة وكونه مختصًّا بالحيز والجهة لا معنى له إلا كون البعض منفردًا عن البعض ممتازًا عنه وإذا عقلنا هذا المعنى ههنا فلم لا يجوز مثله في كون الباري مختصًّا بالحيز والجهة وهذا كلام سديد وهو قياس من باب الأولى ومثل هذا القياس يستعمل في حق الله تعالى وكذلك ورد به الكتاب والسنة واستعمله سلف الأمة وأئمتها كقوله تعالى ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ [الروم ٢٨] وقوله أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ [الروم ٣٩] وقوله أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ [الصافات ١٥٣]

стр. 1817

وقوله وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴿٥٨﴾ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴿٥٩﴾ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٦٠﴾ [النحل ٥٨-٦٠] وقوله وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ ﴿٦٢﴾ [النحل ٦٢] فإن الله أخبر أنهم إذا لم يرضوا لأنفسهم أن يكون مملوك أحدهم شريكه ولم يرضوا لأنفسهم أن يكون لهم البنات فربهم أحق وأولى بأن ينزهوه عما لا يرضوه لأنفسهم للعلم بأنه أحق منهم بالتنزيه عما هو عيب ونقص عندهم وهذا كما يقول المسلم للنصراني كيف تنزه البتريك عن أن يكون له ولد وأنت تقول إن لله ولدًا وكذلك هنا

стр. 1818

هو ينزه العالم المتحيز أن يكون مفتقرًا إلى شيء موجود ولا ينزه الرب المعبود إذا كان فوق العرش أن يكون مفتقرًا إلى شيء موجود والخالق أحق بالغنى من المخلوق فتنزيهه عن الشريك والولد والحاجة كل ذلك واجب له فإذا نزه بعض الموجودات عن شيء من ذلك كان تنزيهه الباري عنه أولى وأحرى ولم يجب عن هذا القياس والمثل الذي ضربوه له بالعالم بجواب صحيح بل قال قوله الأجسام حاصلة في الأحياز فنقول غاية ما في هذا الباب أن يقال الأجسام تحتاج إلى شيء آخر وهذا غير ممتنع أما

стр. 1819

كونه تعالى محتاجًا في وجوده إلى شيء آخر فممتنع فظهر الفرق فيقال له أنت وجميع الخلق تسلمون أن كون العالم في حيز وجهة لا يستلزم احتياجه إلى حيز موجود مستغن عن العالم فإن هذا لم يقله عاقل فإنه يستلزم التسلسل وإذا كان قد علم بالعقل والاتفاق أن العالم يستغني في تحيزه عن حيز موجود خارج عنه فخالق العالم أولى أن يكون مستغنيًا عن ذلك ومن قال إنه في تحيزه يكون مفتقرًا إلى شيء موجود خارج عنه فلم يكفه أن عدله بالمخلوق بل فضل المخلوق بالاستغناء عليه تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا وأما قوله أيضًا في الجواب قد بينا بالبراهين القاطعة أن الأحياز أشياء موجودة فلا يبقى في

стр. 1820

صحتها شك فيقال له قد تبين أن هذه من أضعف الشبه مع أنك مبطل لها كما تقدم ثم ما ذكرته في نهايتك في ذلك منقوض عليك في العالم فما كان جوابك فيه كان جواب منازعك هنا فإنك ضربت لله أمثالاً أوجبت فيها أنه محتاج مع وصفك لمن هو دونه بالغنى عما جعلته محتاجًا إليه ويكفيك ضلالاً أنك لو أشركت بالله وجعلته مثل المخلوقات لنجوت من هذا الضلال الذي أوجبت فيه حاجة رب العالمين إلى غيره إذا كان فوق العالم بل هذه الحال التي سلكتها أسوأ من حال المشركين في هذا المقام حيث أغنيت المخلوق عما أحوجت إليه الخالق هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الحديد ٤] ومثله في هذه المناظرة كما وقع بين اثنين واحد من المثبتة الذين يُثَبِّتُهم الله بالقول الثابت وآخر من النفاة قال النافي للمثبت إذا قلتم أن الله فوق العالم أو فوق العرش لزم أن يكون محتاجًا إلى العرش أو يكون محمولاً له محتاجًا إليه

стр. 1821

كما إذا كان أحدنا على السطح فقال له المثبت السماء فوق الأرض وليست محتاجة إليها وكذلك العرش فوق السموات وليس محتاجًا إليها فإذا كان كثير من الأمور العالية فوق غيرها ليس محتاجًا إليها فكيف يجب أن يكون خالق الخلق الغني الصمد محتاجًا إلى ما هو عال عليه وهو فوقه مع أنه هو خالقه وربه ومليكه وذلك المخلوق في بعض مخلوقاته مفتقر في كل أموره إليه فإذا كان المخلوق إذا علا على كل شيء غني عنه لم يجب أن يكون محتاجًا إليه فكيف يجب على الرب إذا علا على كل شيء من مخلوقاته وذلك الشيء مفتقر إليه أن يكون الله محتاجًا إليه الوجه الثلاثون أنه قال في الاعتراض لا معنى لكونه مختصًّا بالحيز والجهة إلا كونه مباينًا عن العالم منفردًا عنه ممتازًا عنه وكونه كذلك لا يقتضي وجود أمر آخر سوى ذات الله تعالى

стр. 1822

فقال في الجواب أماقوله المراد من كونه مختصًّا بالحيز والجهة كونه تعالى منفردًا عن العالم أو ممتازًا عنه أو بائنًا عنه قلنا هذه الألفاظ كلها مجملة فإن الانفراد والامتياز والمباينة قد تذكر ويراد بها المخالفة في الحقيقة والماهية وذلك مما لا نزاع فيه ولكنه لا يقتضي الجهة والدليل على ذلك هو أن حقيقة ذات الله تعالى مخالفة لحقيقة الحيز والجهة وهذه المخالفة والمباينة ليست بالجهة فإن امتياز ذات الله عن الجهة لا يكون بجهة أخرى وإلا لزم التسلسل فيقال له هذا الذي ذكرته ليس دليلاً على أن المخالفة في الحقيقة والماهية لا تقتضي الجهة فإن قولك إن حقيقة ذات الله تعالى مخالفة لحقيقة الحيز والجهة وليس ذلك بالجهة إنما يكون حجة لو ثبت أن الحيز والجهة أمر وجودي فإن الكلام هنا إنما هو في الامتياز والمباينة التي من الأمور الموجودة لا بين الموجود والمعدوم فإن المعدوم ليس شيئاً في الخارج حتى يحتاج إلى التمييز بينه وبين غيره وليس له

стр. 1823

حقيقة وماهية حتى يميز بينه وبين غيره ولو فرض أنه محتاج إلى التمييز بينه وبين غيره فالكلام هناك وفي المباينة التي بين موجودين وهي المباينة بين الله وبين العالم وإذا كان كذلك كان احتجاجه بالمباينة التي بين الله وبين الجهة على المباينة بين الموجودين يكون بالحقيقة لا بالجهة إنما يصح إذا كانت الجهة أمرًا وجوديًّا وهذا هو محل النزاع الذي نازعه فيه المنازع على أن الجهة المضافة إلى الله تعالى ليست أمرًا موجودًا فإنه لا معنى لكون الباري في الجهة إلا كونه مباينًا للعالم ممتازًا عنه منفردًا وهو لا يقتضي وجود أمر سوى ذات الله فإذا احتج على أن المباينة التي بين الله تعالى وبين العالم إنما هي بالحقيقة ومباينة الشيء بالحقيقة لا يقتضي الجهة كمباينة الرب للجهة كان قد سلم أن الجهة أمر وجودي في هذا الجواب وهذه مصادرة على المطلوب حيث جعل الشيء مقدمة في إثبات نفسه والمنازع يقول لا أسلم أن الجهة أمر موجود حتى يقال إن الله تعالى مباين لشيء موجود بغير جهة فإن النزاع ما وقع إلا في وجودها وهذا أول المسألة فكيف يحتج في وجوده بدليل محتج فيه بوجوده وهذا

стр. 1824

ظاهرلا يخفى على من تدبره وظهر أنه لم يذكر حجة على أن المخالفة بالحقيقة لا تقتضي الجهة الوجه الحادي والثلاثون أن يقال المعلوم من المباينة والامتياز بالحقيقة والماهية لا يخلو عن الجهة وذلك أنه إما أن يكون بين جوهرين وجسمين وما يقوم بهما وكل منهما مباين للآخر بالجهة وإما أن يكون بين عرضين بجوهر واحد وعين واحدة كطعمه ولونه وريحه وعلمه وقدرته أو بين العين وبين صفاتها وأعراضها كالتمييز بين الجسم وبين طعمه ولونه وريحه وهذان الموضعان لا يخلو الأمران عن الجهة أيضًا فإن الجوهر هو في الحيز بنفسه بخلاف العرض الذي فيه فإنه قائم في الحيز تبعًا لغيره وأما الصفتان والعرضان فهما أيضًا قائمان بمتحيز وإن كان أحدهما لا يتميز عن الآخر بمحله فليس في الأشياء الموجودة التي يعلم تباينها وتمايزها ما تخلو عن الجهة والحيز فإن قيل فأحد العرضين مباين الآخر بحقيقته مع اتفاق محلهما فبقال الوجه الثاني والثلاثون وهو أن كل شيئين قائمين

стр. 1825

بأنفسهما لا يباين أحدهما الآخر إلا بالجهة وذلك أن الموجودات كلها الواجب والممكن إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره فالقائمات بأنفسها لا تتميز بعضها عن بعض إلا بالجهة وأما القائم بغيره فإنه تبع في الوجود للقائم بنفسه يوضح ذلك أن القائم بغيره هو محتاج إلى محل ومكان وأيضًا فقد يقال الأعراض نوعان أحدهما مالا تشترط له الحياة وهو قسمان أحدهما الأكوان وهي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق فهذه لا تتميز وتتباين إلا بالجهة والحيز وإن كان تبعًا للمحل فلا يفرق بين الحركة والسكون ولا بين الاجتماع والافتراق إلا بالحيز والجهة فإن الحركة انتقال في حيز بعد حيز والسكون دوام في حيز واحد
следующие страницы →